عشق ملعون بالدم

عشق ملعون بالدم(الفصل التاسع عشر)

عشق ملعون بالدم(الفصل التاسع عشر)

كانا اثنين من روح واحدة، قلبان يتشابكان في صمتٍ قاتل، يتشبث كل منهما بالآخر كما يتشبث الغريق بآخر أنفاسه،

حبّهما مشتعل كجمرٍ تحت الجلد، يلهب العروق، ويذيب الصبر، وكل فراق ينهش أعماقهما بلا رحمة، يترك حفرة سوداء من الصمت والدموع،

وكل كلمة لم تُقال، وكل نظرة لم تُبادل، كانت كالسكاكين الحارقة التي تغرز في القلب بلا توقف،
حتى صار الشوق بينهما بحرًا لا يُطاق، والعشق ألمًا مقدسًا يقتل بلا رحمة،

وكأن حياتهما لم تُخلق إلا ليختبرهما الفقد، والحنين، والدموع التي لا تنتهي، وتلك الرغبة في البقاء معًا رغم كل شيء، رغم أن كل لحظة بينهما أصبحت جرحًا جديدًا، وكل لحظة فراق صرخة تتردد في الصدر بلا صمت.

التفت إليها ببطء ثقيل، كأن الزمن نفسه تجمّد في تلك اللحظة. نظرة واحدة ألقاها عليها، نظرة تجمد الدم في العروق، لا رحمة فيها ولا حنان، ولا حتى غضب ثم هدر صوته كالرعد المكتوم في صدر بركان: مفيش الكلام الفاضي ديه.

ثم التفت إلى والدته بنظرة حادة كالسيف، والشرر يتطاير من عينيه كجمر ملتهب وهتف بصوت يرتج له الجدران: شوفي حمامه ولا جنزوره وادبحيها وخلاص يما!

نظرت إليه وهيبة بحزن عميق يغوص في أعماق الروح، وقالت بصوت يرتجف كورقة في عاصفة: وه انت كنك هتستغني عن رجولتك يا ولدي؟

نظر إليها بتهكم مرير يختلط بغضب مكبوت يغلي في صدره، وغمغم من بين أسنانه المطبقة: كل واحد هيصنف الرچولة على كيفه يما… وأنا رچولتي في وعدي لحبيبة، أنا محرم على غيرها، ولو فيها موتي، ومعيزش أكون راچل غير معها.

ألجمت الصدمة الجميع، كأن صاعقة سقطت من السماء فأحرقت الأرض تحتهم، وأذهلتهم كلماته التي انطلقت كالسهام المسمومة….

أومأت وهيبة برأسها ببطء، وقالت بصوت خافت يحمل استسلاماً ثقيلاً: خلاص بكيفك… بس احنا وبيت عمك من حجنا نطمن على بتنا.

نظر إليها بدهشة ممزوجة بغضب يشتعل كالنار في الهشيم، وهدر صوته من جديد: حجكم كيف بالطريقة الشينة دي؟

بلعت إيمان غصتها بنحيب مكتوم يعتصر قلبها، وغمغمت بصوت مكسور: أمال بدك أحط رأس أبوي في الطين؟ هيجول إيه لي أمي والناس اللي هيستنوا في بيتنا لما يجولوا وين سترة بتك؟

نظر إليها فارس بغضب يلتهم ملامحه، وهتف بصوت يرج الأرض: يا مخوته افهمي! الطريجة دي فيها خطورة عليكي، وأصلاً حرام شرعاً حد يطلع لعورتك المغلظة غير چوزك!

نظرت إليه بدهشة تخترق القلب، وقالت بصوت يرتعش:
وانت چوزي ورفضني… أعمل كيف؟بدك ابوي يشنع بي؟!

أغمض عينيه بقهر يعصف به كالعاصفة، وغضب مكبوت يكاد يفتك به، وغمغم بصوت خشن: أنا چوزك على إتفاجنا… واكتر من كده ملكيش عندي.

نظرت إليه بحزن عميق يغرق الروح في بحر من الألم، وقالت بهدوء يخفي عواصف: ماشي يا فارس.

ثم التفتت إلى وهيبة والقابلة، وقالت بصوت ثابت رغم الدموع التي تخنقها: تعالي يا مرات عمي… أنا چاهزة.

نظر إليها فارس بغضب يشتعل في عينيه، وأشار بيده بحدة، وهتف: أنا حذرتك! اللي هتعمليه ده غلط يا بت عمي!

نظرت إليه ودموعها تنهمر على وجنتيها كالمطر الغزير، وغمغمت بصوت مبحوح: انت رفضت الصح يا ولد عمي.

أومأ برأسه ببطء، وقال بصوت بارد كالثلج: انت حرة في حالك… اللهم بلغت…

وانصرف بخطوات مشتعلة بالغضب، كأن الأرض تحترق تحت قدميه، تاركاً وراءه صمتاً ثقيلاً يخنق الجميع، قلوب ممزقة لا يشفيها إلا الزمن… أو ربما لا يشفيها أبداً..

ودلفت وهيبة والقابلة إلى الغرفة في صمت ثقيل يخنق الهواء، وأغلقت الباب خلفها بيد مرتجفة، كأنها تغلق باب على عالم من الألم والعار المقنع….

التفتت وهيبة إلى إيمان، عيناها مملوءتان بحزن يغرق الروح، وقالت بصوت خافت يرتجف كورقة في ريح عاصفة : هنعمل إيه دلوق؟

نظرت إليها إيمان بحسرة تفتت القلب، دموعها تكاد تسقط لكنها تمسكها بأسنان مضغوطة، وقالت بصوت ينضح بالألم المكبوت: عمري ما تخيلت إنه يوافج مرته تفضها الداية… كيف رچولته سمحتله بكده؟

أومأت وهيبة برأسها ببطء مؤلم، ودموعها تنزل ببطء كقطرات مطر ثقيلة على وجنتيها المجعدتين، وتمتمت بصوت مكسور: مهو جالك بده يكون راچل مع حبيبة وبس يا إيمان…

أومأت إيمان برأسها في استسلام مرير، مسحت دموعها بإصرار يخفي الانهيار الداخلي، وقالت بصوت يحاول الثبات: هخلع الفستان وأچيكم..

أومأت وهيبة، وتحركت إيمان نحو المرحاض بخطى ثقيلة كأنها تسير نحو محرقة…

جلسوا في انتظار يملؤه التوتر والصمت المرعب، حتى خرجت إيمان بعد وقت قصير ترتدي قميص نوم أبيض رقيقاً، كأنه كفن ينتظر الجثمان….

اقتربت منها وهيبة بلطف حزين، مسكت يدها الباردة كالثلج، وأجلستها على السرير بلين، وقالت بصوت يحاول التهدئة: نامي وافتحي رچليكي…يا بتي!

تمسكت بها إيمان فجأة، وجسدها يرتجف برعب يعصف بها كزلزال، وغمغمت بدموع تنهمر كالسيل: أنا خايفة يا مرات عمي…

ربتت وهيبة على وجنتها بلطف أمومي ، وقالت بصوت يحمل رحمة متأخرة: خلاص بلاش يا بتي… ويمكن ربك يحلها بعدين…

شردت إيمان بعينين فارغتين، والخوف يتضخم داخلها كوحش يلتهم أحشاءها، لكن خوفها من أن يتركها فارس كان أكبر، يعصف بكل تفكير….

وبدون تفكير أكثر، تراجعت على السرير ببطء، تمددت كالضحية على المذبح، وغمغمت بدموع وصوت متحشرج بالبكاء: يلا بسرعة…

اقتربت وهيبة من أحد الأدراج، فتحته بيد مرتجفة، وأخرجت منديلاً أبيض نقياً كرمز لشرف مزيف، مدته إلى القابلة وقالت بصوت خافت: سترتها يا خيتي…

أومأت القابلة، نهضت بخطى ثقيلة، التقطت المنديل ولفته حول إصبعين من أصابعها الغليظة الخشنة،

واقتربت من السرير وقالت بصوت خشن كالحصى:
افتحي رچليكي يا عروسة…

ارتجفت إيمان برعب يجمد الدم في عروقها، تمسكت بوهيبة التي ضمتها إلى صدرها في عناق يائس،

وحاولت فتح ساقيها لكن الرعب شلها، فلم تتمكن. جلست القابلة أسفل ساقيها، مدت يدها فتحت ساقيها بعنف وحشي، ثم مدت اليد الأخرى واخترقتها بعنف وحشي أعمى..
.
صرخت إيمان صرخة مزقت الصمت، ألم يفتك بها كأنها تتمزق حتى أحشائها، جسدها يتقوس في عذاب لا يطاق، حتى تلون المنديل بدمائها الدافئة التي سالت كدليل على شرف مبتذل….

أخرجت القابلة يدها أخيراً، رفعت المنديل المصبوغ بالدماء عالياً كراية نصر مزيفة، وأطلقت زغرودة مرتفعة تخترق الجدران، وهتفت بصوت يرج الغرفة: قولوا لأبوها بيت الأصول ربيتها غالية!

وكأن الشرف والأخلاق، في هذا العالم الظالم، أصبحتا تقاسان ببقعة دم على منديل، لا بكرامة الإنسان ولا بحريته، ولا بقلوب تمزق في صمت أبدي… عالم يبيع الروح مقابل وهم، ويحتفل بالدماء كدليل على نقاء، بينما يغرق في وحل العار الحقيقي.

أطلقت وهيبة زغرودة مدوية ملأت الغرفة فرحاً مصطنعاً، انتزعت المنديل من يد القابلة وهي تطلق الزغاريد بصوت يرج الجدران، تمسكت بيد إيمان بقوة وهتفت في نشوة عمياء: مبروك يا بتي!

لكنها شهقت فجأة، كأن صاعقة ضربتها، عندما وجدت كف إيمان بارداً كالثلج، جسدها مسترخياً في غيبوبة مفزعة، والدماء تسيل بغزارة…

واكتملت الصدمة عندما هتفت القابلة بفزع يقطع النفس:
يا ويلي الحجيني يا حچة! البت هتنزف… السرير غرج دم!

هبت وهيبة برعب يجمد الدم في العروق، ركضت نحو الخارج كالمجنونة، نزلت الدرج بخطوات سريعة مرتعبة تكاد تتعثر، وصاحت بصوت يخترق الليل: فارس! الحجني يا ولدي..

نهض فارس وبدر وأدهم وسند في لحظة، رعب يعصف بوجوههم، وهتف أدهم بصوت مرتجف متهدج: خير يا مرات عمي؟

أشارت إليهم بيدها المرتعشة وصاحت في هلع: شيعوا! هاتوا الدكتورة… البت هتنزف!

سقطت صاعقة عليهم، فصاح أدهم بذهول يمزق القلب:
كيف يعني هتنزف؟ منين؟ وفارس هنه!

تحرك فارس بغضب يلتهم ملامحه كالنار، وهتف بصوت خشن: تعالي نچيبوا الدكتورة… وبعدين أفهم.

هتفت فاطمة بدهشة تخفي خوفاً، وقالت بحدة: استنوا! ميفعش الغالي يطلع… الناس تجول إيه؟ روح أنت يا بدر مع أدهم.

أومأ بدر، وانطلق مع أدهم نحو الخارج كالريح، بينما اقترب فارس من الدرج، نظر إلى والدته بنظرة مليئة باللوم المرير، وغمغم بصوت ينضح بالغضب المكبوت:
جلتلكم بلاش… بس أنتوا كل همكم تورطوني…مش فاهمين إني بعدت عن حبيبة عشان أنا اللي اخترت أبعد، ومشدهاش في چحيم بيت الأنصاري؟

نظرت إليه وهيبة بحزن عميق يغرق العينين، لكن فارس انصرف بغضب يشتعل في صدره نحو الخارج….

في طريقه، التقى بعمه دياب، فتمسك دياب به وقال بلهفة: دخلت يا ولدي؟

نظر إليه فارس بغضب يقتل، وغمغم ببرود قاتل يجمد الهواء: اسأل أمي وبتك.

وانصرف بغضب يحرق الأرض تحت قدميه، تاركاً دياب واقفاً لحظات في ذهول… ثم اقترب دياب من وهيبة، وقال بصوت مبحوح مرتجف: بتي زينة؟ مالها الغالي؟

هزت وهيبة رأسها بالنفي، وغمغمت بدموع تكاد تخنقها:
متخافش يا أخويا… زينة ربايتك.

ومدت له المنديل المصبوغ بدماء ابنته. تهلل وجه دياب فجأة بسعادة عمياء وفخر أحمق، انتزع المنديل بيد مرتجفة من النشوة، أخرج سلاحه من حزامه، واندفع نحو الحديقة كالمجنون،

وبدأ يطلق الأعيرة النارية في الهواء بفرح عارمة، طلقات تدوي في الليل كالرعد، وتبعته طلقات كثيرة من الرجال حوله، تعبيراً عن فرحة مزيفة مبنية على دماء وألم…

فرحة تحتفل بـشرف يُقاس بدماء فتاة غائبة عن الوعي، بينما الروح تنزف في صمت، والكرامة تداس تحت أقدام تقاليد عمياء، في عالم يطلق النار ابتهاجاً بجريمة مقنعة باسم الشرف.
………

في سرايا العزيزي،
في غرفة جملات،
أخيرًا غفت عينا حبيبه بعد معاناة طويلة، وبكاء مرير مزق أحشائها، وكان قلب الجدة يتحسس ألمها، يربت على شعرها بحنان جارف، حنان العارف بالوجع والفقد، حنان من ذاق الموت في فراق أعزاء.

دخلت إنعام، وعيونها تملؤها الدموع والقلق على فلذة كبدها…نظرت إليها بارتباك وحنان وغمغمت : نعست أخيرًا يا يما…

أومأت جملات برأسها بحزن، ثم أشارت إلى إنعام بغضب وعتاب، أشارتها تتحرك على أذنها وعينيها تشع بالغضب الصامت، كأنها تقول:لما فعلتم هذا بها ؟!

أومأت إنعام بحسرة، دموعها تتجمع على وجنتيها، وقالت: غصب عني يا يما… خوفت عليها… ديه بتي الوحدنيه… وسمعت حديت فوزي؟

أشارت جملات بحدة على أصبع حبيبه، ثم على قلبها، رفعت إصبعها بتحذير صارم …

أومأت إنعام بحسرة، وصوتها مبحوح بالوجع:
متخفيش يا يما… محدش هيغصب عليها في أي حاچة… اللي فيها مكفيها…

احتضنت جملات حبيبه بقوة، دفء الحنان يغمر الفتاة، ثم أشارت لإنعام بالانصراف…

أومأت إنعام بحزن، وانصرفت بخطوات ثقيلة، وكأنها تجر وراءها ثقل الهم والحسرة، والوجع كله.

وضعت جملات يدها على قلب حبيبه، وشعور بالطمأنينة بدأ يتسلل،
ثم بدأت تلاوة القرآن الكريم، صوتها صامت لكنه مليء بالسكينة،
فأخذ قلب حبيبه المفطور يهدأ شيئًا فشيئًا،
ويغرق في طمأنينة مؤقتة،
في حضن الحنان، بعيدًا عن كل الألم والخوف الذي ملأ أيامها السابقة.

…..
عودة إلى سرايا الأنصاري،

حيث يغلف الليل السماء بثوب أسود ثقيل، وتتسلل ريح باردة تخترق الجدران كأنها تحمل أنين القلوب الممزقة…

دلف بدر وأدهم مسرعين، ومعهما الطبيبة التي كانت تحمل حقيبتها بيد مرتجفة من الاستعجال، وهتف بدر بقلق يعتصر الحلق: الدكتورة يا مرات عمي!

نهضت وهيبة بلهفة يائسة، دموعها تنهمر بلا توقف كشلال لا ينقطع، أشارت إلى الطبيبة نحو الأعلى وقالت بصوت مبحوح يتوسل: همي معايا يا دكتورة… سايج عليكي النبي وأهل بيته.

أومأت الطبيبة برأسها بسرعة، وانصرفت مع وهيبة بخطوات سريعة تكاد تتعثر على الدرج، كأن الموت يطارد أعقابهما…

دلفت وهيبة الغرفة أولاً، وهتفت بصوت مرتجف:
اتفضلي يا دكتورة.

اقتربت الطبيبة من السرير بذهول يجمد النظر، عيناها تتسعان أمام كمية الدماء التي تلطخ الفراش كأن مذبحاً قد أقيم في هذه الغرفة… هتفت بصوت يرتجف من الغضب والصدمة: وين چوزها الهمجي ديه؟!

هزت وهيبة رأسها بالنفي، وغمغمت بصوت خافت يحمل عاراً ثقيلاً: چوزها ملهوش صالح يا دكتور… الدخلة كانت بلدي.

شهقت الطبيبة بذهول مخلوط بغضب يشتعل في عينيها كالنار، وهتفت بصوت يرج الغرفة: كيف يا عالم يا مخويت؟ لسه في چهلكم غرجانين؟

أشارت إليها القابلة وهي تنتحب برعب يعصف بها، وقالت بصوت مرتجف: أنا مليش صالح يا دكتورة…

جلست الطبيبة بجانب السرير، وبدأت الكشف على إيمان الغائبة عن الوعي، وهي تشعر أنها أمام مختلين فقدوا صوابهم في بحر التقاليد الظالمة….
هتفت بغضب لا يخفى: ملكيش صالح كيف؟ البت لو چرالها حاچة هحبسك يا متخلفة!

ارتجفت القابلة برعب يجمد عظامها، تمسكت بوهيبة كالغريق، وغمغمت: الحجيني يا ست الناس…

أومأت وهيبة، ودموعها تنهمر على وجنتيها كالمطر الغزير، وغمغمت: اصبري… نطمّن على البت الاول؛

أنهت الطبيبة كشفها أخيراً، أعطت إيمان عقاقير توقف النزيف، وهتفت بصوت حاد:أنا وجفت النزيف… بس البت اتچرحت چرح غميج… فهموا جوزها مفيش علاجة غير بعد عشرين يوم أو شهر، يكون الچرح لم زين، وتمشي على العلاچ ديه…

أومأت وهيبة، ودموعها تنزل ببطء مؤلم، وتمتمت:
الحمد لله… ربنا يكرمك يا دكتورة.

أومأت الطبيبة برأسها، وقالت بصوت ينضح بالألم والغضب المكبوت: ياريت أنتوا تحبوا بناتكم أكتر من كده… وكفاية چهل وتخلف. العلاجة اللي ربنا حللها وچعل فيها السكن والراحة والدفء والحب … جلبتوها برعب ونزيف وعار ودم… اتقوا الله في بناتكم!

أومأت وهيبة، ودموعها لا تتوقف كأنها نهر من الحسرة والندم ، وقالت بصوت خافت: حاضر يا دكتورة… تشكري يا حبيبتي.

زفرت الطبيبة بغضب يعصف بصدرها، انصرفت بخطوات سريعة غاضبة، تاركة وراءها غرفة مليئة بدماء وألم، وقلوبا غارقة في وحل تقاليد تسمى شرفاً، بينما هي في الحقيقة أبشع أنواع الجريمة بحق الإنسانية، جريمة ترتكب باسم الله، وتحتفل بدمائها كأنه نصر… في عالم يموت فيه الرحمة، ويحيا فيه الجهل الأعمى.

…..

في العالم السفلي،

حيث لا يقاس الزمن إلا بثقل الأنفاس، خرجت فينوار من تلك الغرفة الباردة، وقد خلفت وراءها رفوف من النقوش والرموز التي تتحدث عن اللعنات كما لو كانت كائنات حية،

كان الهواء هناك راكد ، مشبع برائحة الحجر العتيق والنار الخامدة، وكل خطوة تخطوها كأنها تسجل في ذاكرة المكان.

امتد أمامها ممر طويل ، ممر لا يعرف الضوء الصريح…

ورغم اتساع الممر، كان الهواء يضيق في صدرها كلما تقدمت، يضغط على أنفاسها بثقل غير مرئي،

تابعت فينوار سيرها، تبحث عن أي أثر يشير الي تلك الغرفه التي أخبرتها عنها رقيبه الدم المختوم ،

حتى اقتربت من الغرفة الأخيرة في هذا الطابق…

هناك، انتصب باب ضخم من حجر داكن، محفور بعلامات غريبة لا تقرأ، بل تشعر، كأنها تحذيرات صامتة من عالم لا يعرف الشفقة.

وقبل أن تبلغ العتبة، انشق الظل أمامها.

ظهر حارس الباب فجأة، جني أحمر البشرة، كأن النار اتخذت هيئة لحم وعظم…

ملامحه حادة، مرعبة، عيناه غائرتان تشعان بشرر مكبوت، وجسده الضخم يحجب الطريق كما لو كان جزءًا من الباب ذاته.

توقفت فينوار أمامه بصرامة ملكية، لا تعرف التراجع.
نظر لها وصوته خرج أجش، خشن، كاحتكاك صخور في قاع الهاوية: الرچوع… يا ابنة الملك أورمانتيس…

أشارت إليها بيدها فانحنى أمامها، وصوته خرج كالصدي : مولاتي… لا يچوز وچودك هنه. دي من المحظورات.

اقتربت منه خطوة، ورفعت نظرها إليه بثبات لا يخلو من التحدي، وقالت: استقيم… وعرف حالك.

استقام في وقفته، فاهتز الهواء من حوله كأن الجدران ارتدت خطوة إلى الخلف، وقال بصوت يخرج من قاع محروق: أنا قرماس ابن الاحمر… حارس الأختام السفلية…. عبد موكّل بحراسة ما لا يچب أن يرى، وسادن باب اللعنات التي لا تغفر.

ثبتت فينوار عينيها فيه، لم ترتعش، ولم تتراجع، رغم أن حرارة حضوره كانت تلسع الجلد. لكن خلفه، بدا الباب الحجري الضخم كفم مغلق على سر قديم، تتراقص فوقه رموز مظلمة تنبض كقلوب حية.

قالت ببرود ملكي يخفي اضطرابها: تنحى!!

ضحك قرماس ضحكة قصيرة، خشنة، كأنها انكسار حجر على حجر، وقال: لو كان الأمر بيدي… كنت انحنيت،
بس اللي ورايا ديه ما بيفتحش حتي لبنت الملك…
ولكن صاحبة الدم المختوم… تعد معچزه!!

تقدم خطوة، فاشتد ضيق الهواء، وشعرت فينوار بأنفاسها تسحب من صدرها سحب وقال : المكان ديه…
ثم تابع بصوت أثقل : محرم…والكتاب اللي فيه…
لو جعدتي جدامه سنين، لا هتفهميه،
ولا هتعرفي تطلعي منه تعويذة واحدة.

شدت فينوار قبضتها، وتذكرت حبيبة… وفارس…بدر … وليله … ادهم … ونغم واللعنة التي تطبق عليهما كقبر مفتوح.
تقلص بريق عينيها للحظة، لكنه لم ينطفئ وقالت : انت ممكن تساعدني ،وتعلمني باي تمن ؟!

سكن قرماس فجأة….ثم قال، بنبرة أقل قسوة… وأكثر خطرًا: اللعنة ديه ما تتفكش بعلم بس ، تتفك بثمن.

مال برأسه قليلًا، واقترب حتى صارت رائحة النار القديمة تحيط بها وقال : وأنا…أعرف الطريج.

رفعت فينوار حاجبها بحذر: وقالت : مجابل إيه؟!

ساد صمت ثقيل، صمت من النوع الذي ينذر بكارثة. ثم قال قرماس بصوت منخفض، كأنه يعترف بخطيئة دفنت منذ ألف عام: أنا مش من قوم الناراسين…ولا من سلالة الملك أورمانتيس….أنا كنت حر… وغلطت غلطة ما تتغفرش.

لمع غضب قديم في عينيه وأكمل : ومن ألف سنة،
عاقبني الملك أورمانتيس وسك عبوديتي، وربطني بالباب ديه.
عبد… بحرس معرفة تنقذ غيري، وتلعني أنا.

اتسعت عينا فينوار ببطء وقالت : يعني بدك إيه؟

قالها دون تردد: بدي سك عبوديتي… بدي اتحرر.

تصلّبت ملامحها وقالت : بتطلب مني أواچه أبويا؟

ابتسم قرماس ابتسامة خالية من الفرح، ابتسامة، ثم غمغم بصوت منخفض متكسر: أنا ما أجدرش أطلب من مولاتي إنها تعرض حياتها للخطر…
بس ممكن تسرقيه….وأنا آخده… وأختفي في سابع أرض.

ساد الصمت.
صمت ثقيل تمدد بينهما ككائن حي، يراقب أنفاس فينوار وهي تفكر…. عقلها كان يعمل بسرعة، يفتش عن مسار مستحيل بين هيبة الملك، وخطورة السرقة، وثمن التأخر الذي قد يهلك من تحاول إنقاذهم.

اقترب منها قرماس خطوة، حتى صار صوته لا يكاد يسمع، كأن الجدران نفسها لا ينبغي أن تشهد هذا العهد.
وهمس : أنا هقولك على طريقة…
تخفي بيها الكتاب…وهوريكي التعويذة المطلوبة،
وهعلمك كل العلم اللي عندي…
بس حرريني، يا مولاتي.

رفعت فينوار بصرها إليه.
نظرة حادة، قاسية، لكنها مسكونة بسحر لا يقاوم، سحر الدم المختوم الذي لا يخضع ولا يروض…

توقف الزمن للحظة، وكأن العالم السفلي بأكمله ينتظر قرارها.

ابتسم قرماس ابتسامة واهنة، وقال بصوت أقرب إلى الرجاء:.عارف إنك تقدري… بسحرك الطاغي.

أومأت فينوار برأسها، وكان في الإيماءة ثقل عهد لا ينقض… وقالت : موافجة. وهچيبلك سك عبوديتك…
وهحررك….أنا صاحبة الدم المختوم.

انحنى قرماس بوقار لم يعرفه منذ ألف عام، وقال بنبرة خاشعة ممزوجة بإيمان مظلم: عارف…
اتجمعت فيكي الصفات الوراثية كلها.
القوة… والعناد… والهلاك.

أومأت برأسها مرة أخيرة، وقالت بصوت حاسم: هرجعلك.

وفي اللحظة التالية، تلاشى جسدها من أمامه، كما لو أن الهواء ابتلعها دفعة واحدة، ولم يبق منها سوى صدى قرارها.

أغمض قرماس عينيه، وزفر زفرة طويلة، ثم بدأ جسده يذوب في الظل، ينساب في الحائط الحجري كما لو كان جزءًا منه منذ البدء، حتى اختفى تمامًا، تاركًا خلفه باب اللعنات…
ووعد قد يسقط ملك، أو يحرر عبد ، أو يحرق عالم بأكمله.
…..
في منزل فواز العزيزي،

ارتعش الصمت مع خطوات فواز الثقيلة نحو غرفة موسى، الذي كان نائم غافل،

وقف فواز أمام سريره، عينيه تحترقان بالغضب والقلق معًا، وهتف بصوت يزلزل الرواق: موسي… مووووسي! اصحي! بكفاياك نوم!

فتح موسى عينيه بصعوبة، صوت مبحوح وهو يحاول التركيز : في ايه يا ابوي؟ علي الصبح…

نظره فواز حاد، يمزج بين الحنق والخوف: وصلت خبر على أخوك حدته… ولا لأ؟

أومأ موسى برأسه، بكسل نصف مستيقظ: ايوه… هو في اسكندرية يا ابوي.

ارتجفت يد فواز وهو يشير نحو موسى، كأن كل أمل قلبه متوقف على تلك اللحظة: طب… رن عليه، بدي اسمع صوته وأطمن عليه!

مد موسى يده ببطء، سحب الهاتف من على الطاولة وطلب رقم سليمان، لكن الرنة انتهت بلا رد. رفع عينيه نحو فواز بتهكم خفيف: لسه نعسان يا ابوي… مردش.

ارتجف قلب فواز، يغلي بالقلق، كأنه لا يحتمل دقيقة إضافية بعيدًا عن ابنه: لما تحدته جوله، يحدتني يا ولدي… اتوحشته… وبدي… أطمن عليه.

أومأ موسى برأسه، عينيه تغلقان من جديد عائدًا إلى النوم كما لو لم يكن في العالم شيء يستحق القلق:
حاضر يا ابوي.

نهض فواز بخطوات ثقيلة، كل خطوة كأنها تنهش قلبه أكثر، وانصرف، وغلق الباب خلفه كصوت خافت لحزن لا يزول.

صباح خافت تمدد فوق سرايا العزيزي،

تسلل الضوء إلى غرفة جملات كأنه يحاول أن يكون رحيم… أن يضع كفه الدافئة فوق قلوب أرهقها الشقاء طويلًا.

فتحت حبيبة عينيها ببطء،
نظرة تائهة، فارغة، كأنها خرجت توا من حلم انكسر قبل أن يكتمل…

اعتدلت في جلستها، تجولت بعينيها في المكان بدهشة صامتة، وشعور غامض يضغط صدرها… شعور بأنها تفتقد شيء عظيم، لا تعرف اسمه، ولا موضعه،

كأن جزءًا من روحها قد انسحب خلسة، أو لعل الروح كلها غابت وبقي الجسد ينهض بالعادة فقط.

وقعت عيناها على جدتها….جالسة في هدوء، تتلو آيات القرآن بعينين مغمضتين وقلب مفتوح على الرجاء، كأنها تحرس الغرفة بالدعاء.

نظرت حبيبة إليها طويلًا، ثم قالت بصوت عادي، بلا ارتباك، بلا خوف، بلا وجع: صباح الخير يا ستي أنا بيت عندك

تجمد الصوت في أذن جملات.
رفعت وجهها ببطء، الدهشة تنفجر في عينيها، وأومأت برأسها دون وعي، ثم نهضت واقتربت من حبيبة، وجلست إلى جوارها، ومدت يدها تشير إلى صدرها بحنان مرتعش.

أومأت حبيبة برأسها، وقالت بنفس الهدوء: «ايوه انا زينه الحمد الله

حدقت جملات فيها بقلق يتكاثر، هناك شيء مفقود…
فراغ ثقيل يسكن عيني حفيدته، نظرة لا تشبهها، كأن وعيها ناقص، كأن ذاكرتها توقفت عند محطة ما ورفضت العبور.

نهضت حبيبة فجأة، وكأنها تذكرت أمر عادي من يوم عادي، ولوحت بيدها قائلة: أنا هروح اشوف امير ولا عساف يوصلني سوهاچ عندي امتحان النهارده

انحنت جملات برأسها،
أومأت بحزن صامت، حزن لا يملك تفسيره ،
بينما انصرفت حبيبة بخطوات سريعة…

خطوات إنسانة تمشي في يوم لا تعرف أنه سرق منها،
وأنّ ذاكرتها تركت خلفها جرح مفتوح…

هبطت الدرج بخفة غير منطقية، صوتها خرج عادي… كأن شيئًا لم ينكسر في هذا البيت: صباح الخير يما!

ارتفعت الرؤوس دفعة واحدة،
الدهشة ارتطمت بالوجوه، والصمت سقط ثقيلًا قبل أن ينهض أمير فجأة، ينظر إليها كمن يرى طيفًا: كيفك يا حبيبه

أكملت نزولها بخطوات سريعة، وقالت ببساطة جارحة: الحمد الله

نهضت إنعام، وفتحت ذراعها تلقائي، وضمتها بقلب يرتجف: الحمد الله الف مره يا جلب امك

كانت حبيبة بين ذراعيها… دافئة، حية،
لكن شيئًا فيها غريب،

شيئًا جعل ريم وهند وعساف يتبادلون النظرات، ذهول مشوب بالرعب، كأنهم يقفون أمام نسخة ناقصة من التي يعرفونها.

شدت ريم ذراع أمير ، وهمست بصوت مخنوق: حبيبه مش طبيعيه

أومأ برأسه وهو يحدق فيها، وقال بقلق مكتوم: حاسس يا ريم… بتعمل چامده

هزت ريم رأسها بالنفي، ودموعها تتجمع، وتمتمت: لا… حاچه اكبر من كده

التفتت حبيبة إليهم فجأة، وسألت بعفوية قاتلة: مين هيوصلني سوهاچ عندي امتحان

نهض فوزي ببطء، الدهشة تعتصر ملامحه وقال : انتي امتحانتي يا بتي من كام يوم

نظرت إليه باستغراب صادق، كأنه هو من أخطأ وقالت : امتحنت كيف يا ابوي

ثم التفتت إلى أمير وعساف وقالت بنبرة مستعجلة: أنا هلبس بسرعه وشوفوا مين هيوصلني

وركضت إلى الأعلى،
بينما الصدمة شلت أنفاسهم جميعًا،
حالة غريبة، باردة، قاسية… كأن الزمن لعب لعبته السوداء داخل رأسها.

نهضت ريم وهند في آن واحد،
تبعنها بخطوات سريعة وقلوب مقهورة، تسبقها الخشية وتلاحقها الرحمة.

دلفتا الغرفة،
كانت حبيبة ترتدي ملابسها على عجل، حركة بلا تردد، بلا وعي بما فاتها…

اقتربت ريم منها وسألت بصوت حاولت أن تجعله ثابتًا: حبيبه هو النهارده ايه

نظرت إليها حبيبة بدهشة: نهارده الأربع

تبادلت ريم وهند النظرات… بذهول، خوف، يقين مفزع.

أشارت هند إلى ريم وهمست: خليكي معاها وانا هجول لي عساف يچيب الدكتور

انصرفت هند مسرعة،أومأت ريم برأسها، أعصابها توشك أن تنهار، وهي تنظر إلى حبيبة… إلى تلك التي نسيت يومها الأسود،
ونسيت الوجع، ونسيت أن قلبها انكسر… وبقيت وحدها تواجه فراغ الذاكرة.

اقتربت حبيبة من ريم بخطوات مترددة، كأنها تخشى أن تفزع هذا الصمت الهش،

وانحنت قربها، وهمست بصوت خافت حزين:ريم هاتي تلفونك بدي اطمن علي فارس ليه يومين معرفش عنيه جاچه

اتّسعت عينا ريم في لحظة واحدة،
رعب خالص اندلق فيهما، وهمست بارتباك: يومين متعرفيش عنه حاچه كيف؟!

أومأت حبيبة برأسها، دموعها خرجت بلا مقاومة، صوتها مكسور: هموت واطمن عليه هاتي تلفونك

أخرجت ريم هاتفها بيد مرتعشة، ناولته لها دون كلمة،
ثم ركضت إلى الخارج…
كأنها تهرب من الحقيقة، أو من الانهيار.

أمسكت حبيبة الهاتف،
أصابعها تتحرك بثقة من يعرف الرقم عن ظهر قلب.
طلبت رقم فارس… رفعت الهاتف إلى أذنها، انتظرت،
ثواني ثقيلة، ثم جاء الصوت الآلي البارد…
رسالة غبية، قاسية، تخلو من أي رحمة:
الهاتف مغلق… كالعادة.

شدت على الهاتف،
كأنها تحاول عصر صوته من داخله،
ثم عبثت بالأرقام مرة أخرى، وطلبت رقم نغم.

لحظات… وجاء صوت نغم، حزين، مشبع بالحسرة: حبيبه كيفك يا جلبي

ردت حبيبة بصوت واهن: الحمد الله زينه يا حبيبتي بس بدي أكلم فارس بدي اطمن عليه وتلفونه مجفول من ساعه الحادثه !!

نهضت نغم فجأة، الدهشة امتزجت بالقلق في صوتها: كيف انتي هتجولي ايه يا حبيبه

ردت حبيبة بصوت أضعف، كأنه يتآكل: ادهوني بالله عليكي يا نغم بدي اطمن عليه واجوله أنا هندلي سوهاچ ولازمن اشوفه..

انزلقت دموع نغم دون إذن، وهمست لنفسها بصوت مبحوح: يالهوي البت اتخوتت إياك

أغمضت حبيبة عينيها بألم حاد، صداع رهيب شق رأسها،
وشعور غريب… إحساس لاذع بأنها قالت هذه الكلمات من قبل، أنها عاشت هذه المكالمة، بنفس الرجاء، بنفس الوجع.

فركت جبهتها، وتمتمت بتعب: نغم روحتي وين؟!

رمشت نغم بعينيها، ثم ركضت نحو غرفة فارس، وهتفت بسرعة: دجيجه هصحيه يا جلبي

توقفت أمام باب غرفته، طرقت بقلب يرتجف، وصوت مرتعش: يا غالي اصحي يا اخوي

وكان الجرح على وشك أن يفتح على مصراعيه.

فتح فارس عينيه كمن ينتزع من قاع مظلم،
وعي مثقوب، ورأس ثقيل، وبقايا الحبوب المنومة تسبح في دمه كخدر لعين…

تلك الحبوب التي لم تعد علاج للنوم، بل مهرب من اليقظة… من الفقد… منها.

نهض مترنحًا، خطواته غير واثقة، فتح الباب،
فتجمد في مكانه..نغم.
وجهها شاحب، الذعر محفور في ملامحها، وعيناها غارقتان في دموع لم تعد تخفي شيئًا.
نظر إليها بعينين نصف مفتوحتين، وتمتم بصوت متكسر: مالك يا نغم؟!

مدت له الهاتف، أصابعها ترتجف، حاولت أن تتكلم، لكن صوتها خانها وهمست : حبيبه بدها تـ

لم يسمع بقية الجملة…جذب الهاتف منها باندفاع جنوني،
كأن الاسم وحده أشعل دمه…رفعه إلى أذنه بلهفة موجوعة، وصوته خرج مبحوح، محروق: حبيبه… حبيبه ردي عليا يا حبة جلبي

في الطرف الآخر، أغمضت حبيبة عينيها… ذلك الصوت…
شيء فيه يعرفها أكثر مما تعرف نفسها.
دفء غريب تسلل إلى صدرها، يوجع بلا سبب،
وهمست بصوت خافت: انت زين يا حبيبي

تصلب فارس…الكلمة ضربته في القلب مباشرة.
حبيبي…
انفجرت دموعه ، تساقطت حارة، ثقيلة،
وهمس كمن يسأل ليتأكد أنه لم يحلم: أنا حبيبك

جاءه صوتها متعجب ، بريئا، خاليا من أي ذاكرة للخراب: ايوه حبيبي! مالك يا غالي؟!

اختنق صدره بالحسره.. نظر إلى نغم بحيره ، فوجدها تهز رأسها وهي تنتحب، فهم… أو حاول أن يفهم.
ابتلع غصته، وصوته خرج ضعيف، متوسل: انتي زينه يا عمري… مالك يا حبة عيني؟ انتي كيفك؟ ووينك طيب؟!

ردت بصوت مبحوح، يحمل عتاب لا تعرف مصدره: أنا متكدره منك يا غالي

تصدع داخله شيء أخير… اخر ذره علي الاحتمال ..
راح يدور في المكان بلا وعي، كوحش جريح يبحث عن موضع للألم وغمغم : عارف… بس يا كل عمري أنا..

قطعت عليه،وصوتها حزين، موجوع، صادق حد القسوة: كده اهون عليك؟ ليك يومين مسالتش عليا… أنا عارفه إن تلفونك راح في الحادثه بس كت اتصرف يا حبيبي وطمني… كيف تهملني جلجانه كده

اهتزت الدنيا تحت قدميه…تشبث بطرف الشرفة، وتكسرت أنفاسه ، وارتجف صوته : مالك يا حبة جلبي… ايه اللي هتجوليه ديه… جوليلي وينك

جاءه الرد بسيط… قاتل: أنا لبست وهندلي سوهاچ… وانت تعالي بدي اشوفك واطمن عليكي

أومأ برأسه بلا وعي، دموعه تحرق عينيه، وصوته خرج مكسور تمامًا: حاضر يا جلبي… حاضر… هچيلك على عيني..

انتهت المكالمة…لكن الوجع لم ينته…أغلق الهاتف،
ركض إلى المرحاض، أغلق الباب بعنف كأنه يغلق العالم كله، وسقط هناك… لا يبكي ، بل ينهار لأنه عرف الحقيقة:
هي نسيته… ونسيت خيانته، ونسيت زواجه، ونسيت الجرح… وبقي هو وحده يتذكر كل شيء.

في الخارج،
وقفت نغم، يدها على صدرها، تنتحب بصدمة صامتة،
وهي تدرك أن هذه المكالمة لم توقظ الذاكرة…
بل مزقت القلبين معًا.

……….
في سرايا العزيزي،
عاد أمير بخطوات سريعة، والقلق يسبقه،
والطبيب خلفه يحمل حقيبته كمن يحمل حكمًا لا يعرف وزنه بعد.

هتف أمير بصوت متوتر: تعالي يا دكتور

أشار عساف إلى الأعلى وقال: طريج يما عشان الدكتور

تقدم موسى خطوة، وأكد بصوت خافت: هما فوج عند حبيبه يا اخوي

أومأ أمير برأسه، وسار أمام الطبيب، وتحرك الجميع خلفهما، كأن البيت كله يصعد إلى غرفة واحدة… غرفة الوجع.

حين وصلوا أمام باب غرفة حبيبة، توقف الطبيب، ورفع يده بهدوء حاسم: استنوا هنه!!

أومأوا برؤوسهم في صمت ثقيل،
وتشبث فوزي بكم الطبيب، صوته خرج متحشرج مكسور الرجاء: طمني الله يرضى عليك يا ولدي

أومأ الطبيب مطمئن وقال : متخافش يا عم الحچ

ثم دلف إلى الغرفة.

كانت حبيبة جالسة، عينان واسعتان، خاليتان من الخوف… ذلك النوع المرعب من الهدوء الذي لا يولد إلا من فقدان لا يدرك.

نظرت إلى الطبيب بدهشة، ثم التفتت إلى ريم وهند ووالدتها، وسألت ببراءة جارحة: مين ديه؟!

انكسر شيء في القلوب دفعة واحدة.
اقتربت ريم، دموعها معلقة على حافة الانهيار، وقالت بصوت حاولت أن تجعله ثابت: ديه الدكتور يا حب لازمن نطمنوا عليكي انتي نسيتي الحادثه

هزت حبيبة رأسها بالنفي، كأنها تدفع عن نفسها تهمة غير مفهومة: أنا طيبه خلاص وعندي امتحان لازمن امشي

تقدم الطبيب خطوة، صوته هادئ، محسوب، لا يريد أن يوقظ فزع نائم وقال : متخفيش يا انسه هطمن عليكي وهتروحي امتحانك براحتك

أومأت حبيبة على مضض ؛ وجلست على طرف السرير، جسد مطيع، وذاكرة غائبة وقالت :حاضر..بس بسرعه لازمن اسافر!

ابتسم الطبيب ابتسامة مهنية خفيفة، وقال: حاضر يا ست البنات

وبدأ الكشف….تحركت يداه بهدوء، يسأل، يلاحظ، يسجل ما لا يقال،

بينما وقفت إنغام وريم وهند يراقبن المشهد،
والدموع تنهمر بصمت ثقيل…ليس خوف من مرض،
بل رعب من حقيقة تتشكل ببطء،

في الأسفل،

توقفت سيارة فارس بشكل عشوائي، كأنه لم يعد يرى الطريق أصلًا…

ترجل منها مندفع، اغلق الباب خلفه بعنف،
ودلف إلى السرايا بخطوات سريعة مذعورة،
وصوته انشق في المكان: امير… ااااامير!

نظر أمير الي أسفل الدرج بدهشة حادة وقال : فارس!

توقف فارس أسفل السلم، صدره يعلو ويهبط بعنف،
رفع رأسه وهتف بصوت مختنق: ايه اللي حصل؟ مالها حبيبه؟!

اشتعلت النار في قلب موسى. انفلت من مكانه، وركض إلى الأسفل، وخرج صوته مسموم: ليك عين تيچي لحد هنه؟

اندفع أمير وعساف خلفه بسرعة،
وهدر أمير بغضب حاسم: مش وجته ديه يا موسى!

اشتعل فارس في مكانه…عرق بارد اندلق في جسده،
عروق رقبته تحفزت، غضبه انبعث كوحش مفلت،
وهدر بقسم أعمى: جسما بالله المره ديه هكسر رجبتك لو ما خفيت من جدامي!

تراجع موسى خطوة برعب من هيئة فارس، لكن صوته ظل لاذع: يا بچاحتك!

تقدم أمير وعساف سريعًا،
وقفا بينهما، وهتف أمير محاول السيطرة على اللحظة: فارس… ايه اللي چابك دلوق!

فتح فارس فمه ليتكلم، لكن الكلمات ماتت قبل أن تولد.

عندما فتح باب الغرفة في الأعلى ، خرج الطبيب.

في تلك اللحظة… سكن كل شيء.كأن الهواء نفسه حبس في الصدور،وكأن السرايا بأكملها حبست أنفاسها.

اقترب فوزي من الطبيب بخطوات متعثرة،
وجه أب على وشك الانهيار، وصوته خرج مكسور ، متوسل: طمني الله يرضى عليك!

تقدم الطبيب خطوة، ونظره يمر على الوجوه المتجمدة،
على فوزي المتشبث بالأمل كما يتشبث الغريق بخشبة،
على إنعام التي ترتجف بصمت،
وعلى فارس… الذي اقترب بخطوات بطيئة،
كأنه يشعر أن الكارثة تحمل اسمه، وأن كل شيء في عالمه على وشك الانفجار.

تنفس الطبيب بعمق، ثم قال بهدوء مهني، صوته ثابت لكنه ثقيل: اللي عند حبيبه مش مرض عضوي…

شهقت إنعام، وتشبث فوزي بالكلمة كما لو كانت آخر حبل نجاة وقال : يعني ايه يا دكتور… يعني مفيش خطر؟

هز الطبيب رأسه ببطء وقال : الخطر مش على چسمها… الخطر على نفسيتها وعجلها!

تبادلت العيون النظرات،
وشد فارس قبضته دون وعي، كأنه يحاول الإمساك بما تبقى من صبره.

أكمل الطبيب بصوت ثابت، بارد لكنه يوجع: حبيبه تعرضت لصدمة نفسية عنيفة… صدمة جوية خلت عجلها يعمل آلية دفاع!!

انفلت صوت أمير مرتعش: والصدمة دي هي اللي عملت فيها كده؟!

تمسك فوزي بذراع الطبيب، عينيه ممتلئتان بالدموع، وصوته خرج متوسل، كأن قلبه على حافة الانهيار:
أعذر چهلي يا ولدي… بس… كيف يعني آلية دفاع ديه؟!أنا مفهمش حاچه!!

أومأ الطبيب ببطء، صوته ثابت لكنه محمل بثقل المعرفة:
آلية دفاع… يعني عقلها مسح الحدث اللي سبب لها الوچع… مش جادر يستوعب أو يعترف بيه … لانه لو اعترف كانت هتنهار!

ارتجف فارس ، وشحب وجهه ، وتساقطت دموعه بلا توقف، والرهبة تغلف كل جسده، كأن الحقيقة هذه قد كسرت كل شيء بداخله، وتركته بلا حماية أمام حجم الألم الذي تحمله حبيبة.

نظر الطبيب إليه مباشرة، وكأنه يعرف أن الكلمات ستفجر القلب وقال : اللي عندها اسمه فقدان ذاكرة نفسي تفارقي

سقط الاسم ثقيلًا على الحضور، كأنه حجر ضخم على الصدر.

همس عساف بحسرة: يعني هي ناسيه الحادثه؟!

هز الطبيب رأسه: مش ناسيه الحادثه… ناسيه كل اللي چه بعدها من وجع وصدمه

اختنق فارس، الهواء خرج من رئتيه دفعة واحدة،
وخرج صوته منخفض، منكسر: والنسيان ده… هيروح؟

تردد الطبيب لحظة، وتلك اللحظة كانت أطول من قدرة الجميع على الاحتمال ثم قال : ممكن… وممكن لأ!

انكسر صوت فارس، متحشرج وموجوع: يعني هتفضل كده؟!

قال الطبيب بسرعة:لا… في حالات كتير بترچع ذاكرتها… بس لازم تفهموا إن الرچوع مش دايمًا رحيم!!

رفع فوزي رأسه ببطء، صوته يهتز: يعني إيه يا دكتور؟

قال الطبيب بصوت أخفض، ثقيل كالحديد: لما الذاكرة ترچع… الصدمة بترچع معاها بوچعها!!

ساد صمت مرعب… ثم همس أمير بأنفاس ثقيلة:
يعني ممكن تتعب اكتر ؟

أجاب الطبيب بثقل: ممكن تدخل في انهيار عصبي لو اتعرضت لضغط أو صدمة چديدة… علشان كده مهم چدًا محدش يواچهها بأي حجيجة دلوق..

ارتجف صوت فارس، خرج رغماً عنه: هنخبي عليها الحجيجة؟!

نظر الطبيب إليه نظرة عميقة، كأنه يعرف كل شيء:
أي حجيجة هتوچعها… بلاش منيها دلوق..

ثم أكمل: هي دلوق عايشة جبل الصدمة… في نجطة زمنية آمنة بالنسبة لعجلها!

سأل موسى بحدة: ولو افتكرت؟

رد الطبيب ببطء، صوته كالقنبلة: ساعتها… الألم هيهچم مرة واحدة!!

أخفض الجميع رؤوسهم، والوجوه شاحبة، والصمت صار يضغط على القلوب.

وقال الطبيب الجملة الأخيرة، القاصمة: النسيان اللي هي فيه دلوق… مش مرض… ده مسكن… بس مسكن مؤقت… المهم تبعد عن أي حاجة تكدرها!

انصرف الطبيب، خلفه عساف، ووقفت الغرفة ساكنة، مشحونة بالوجع والرهبة.

وفي تلك اللحظة، عرف فارس… أن حبه، وزواجه، وذنبه… مش بس كسر قلبها… ده كسر عقلها علشان يحميها منه.

اقترب موسى من فارس بخطوات ثقيلة، صوته يقطر حقدًا: وعي وصلتها لوين كله بسببك…

نظر له فارس، عينيه مشتعلة بالقهر، قبض على عنقه، وهدر بصوت يزلزل المكان: بعد عني… أنا مبديش اجتلك دلوق عشان بس معملش مشكله وحبيبه عيانه!

لكزه موسى ببرود، صوته مليء بالسم: امشي انت… وهي تبچي زينه

حاول أمير التدخل، وهدر بصوت حاد: بجولكم ايه ديه… مش وجته!

هدر موسى بغضب يغلي: كله منيه… هو مش اتچوز… ودخلته كانت عشيه… ايه اللي چابه دلوق؟!
يا راچل… دانت اتعفيت على العروسه… وعملتها نزيف… ديه شكله حب جديم وانت مصدجت!

قبض فارس على عنقه بعنف، كمخالب الوحش، لكنه تجمد فجأة عندما ارتفعت صرخة حبيبة، صرخة موجعة تقطع الروح:اتچوزت يا فارس!

رفعوا رؤوسهم جميعًا دفعة واحدة، والدهشة تملأ العيون،
ورأوا حبيبة تترنح أعلى الدرج.

اندفع فارس كالسهم، قلبه يرفرف، يدرك أنها ستسقط، والجميع خلفه متجمدون في رهبة.

سقطت حبيبة، فتلقاها فارس بين ذراعيه، وهدر بصوت يقطع الصمت والروح: حبــــــــيبه!

صرخت إنعام وريم وهند، أصواتهن تتشابك بين الخوف والغضب: بتي… يا مري!

اندفع الجميع الاعلي ،هدر فوزي بصوت متحشرج، يخرج من قلبه كل رعبه: اوع يا فارس… هملها… ناخدوها المستشفى!

رفعها فارس بين ذراعيه، قلبه مشتعل، وركض بخطوات تهز الدرج بغضب: محدش هيخدها المستشفى غيري!

اندفع الجميع خلفه، أصواتهم تتقاطع مع صرخات انعام المبعثرة بين الدرج والجدران.

التقى فارس بعساف عند باب السرايا، وهدر وهو يتنفس بعنف: افتح العربيه!

نظر له عساف، عينيه تمتلئ بالرهبة وهو يرى جسد حبيبة الهامد بين ذراعي فارس.
تحرك بسرعة، وفتح باب السيارة الخلفي، وضع فارس حبيبة على المقعد، وأغلق الباب بحذر.

صعد عساف ومعه فارس، وانطلقوا، والقلوب تخفق مذعورة، كل ثانية تمثل ساعة من الرعب.

خلفهم، خرج أمير وموسي وفوزي وإنعام، التي ارتدت حجابها بسرعة وركضت، ، وصعدوا سيارتهم، وانطلقوا خلف سيارة عساف، في مطاردة قلبية لا يعرف أحد نهايتها….

لم يمض وقت يذكر حتى توقفت سيارة عساف أمام المستشفى، صرير الفرامل بدا كصرخة تحذير أخيرة.
ترجلوا على عجل، فتح فارس الباب بعنف،

دفعه عساف وانقض على شقيقته، حملها بين ذراعيه كمن يحمل روحه نفسها، وركض إلى الداخل وهو يهدر بصوت مشقوق: دكتور… بسرعة! حد يلحجنا!

توقفت سيارة أمير خلفهم، ترجل الجميع دفعة واحدة.
اندفع فوزي، أمسك بفارس عند الباب، صوته مبحوح يختلط بالرجاء: استنى… كفاية كده… امشي يا ولدي!حرام عليك!

قبض موسى على ذراع فارس، صوته مشحون بالمرارة:
هملنا يا أخي… نداوي بتنا!

انفجر فارس…قبض على عنق موسى، دفعه بعنف حتى سقط علي ظهره، وهدر بصوت أسود: مش ههملها تاني… ولو الجيامه هتجوم!

اندفع أمير، تومسك به محاول تهدئته: يا خوي..

قاطعه فارس بغضبٍ أعمى، وضربه بجبهته بقسوة، صرخة الألم اختلطت بالصوت: متجولش أخوي! انت مش كد الكلمه ديه… مش ديه كان طلبك؟ أخليها تكرهني؟ عاچبك اللي وصلنا ليه؟!

تراجع أمير وهو يتألّم، صوته منكسر: أنا كت خايف عليكم…

سحب فوزي أمير للخلف، وتقدم ليقف أمام فارس، عيناه تقدحان شررًا، وهدر: امشي… بدل ما اجتلك يا فارس واحسر أهلك عليك!

تقدم فارس خطوة، وقف في مواجهته، صوته صار أهدأ… وأخطر: مش همشي… وهخدها غصب عنيكم كلكم… ولو حبيبه چرالها حاچه… مش هيكفيني فيها حد.

وأشار إليهم بيده، غضبه يفيض: انتو التلاته… انتو السبب. هطلع روحكم في إيدي!

تراجعوا خطوة، عن هذا المعتوه ، ثم اندفعوا إلى داخل المستشفى،
وبقي فارس عند الباب، واقف كجدار من نار،
الغضب يشد عروقه، والحزم يعقد فكه…
يعرف الآن أن الرجوع مستحيل،
وأن المعركة الحقيقية… بدأت الان ..

….

في العالم السفلي،

دلفت فينوار إلى الغرفة المحصنة، تلك التي كانت تعرف أهميتها جيدًا عند والدها، الملك أورمانتيس…

كانت الجدران السوداء تحبس الضوء كما لو أنها تأبى أن ترى شيئًا من العالم الخارجي، الهواء ثقيل ، كأنه يتنفس من تلقاء نفسه، يراقب كل خطوة تخطوها.

اقتربت من الصندوق الأسود، ضخم الحجم، محفور بعلامات قديمة كأنها نقوش لعنات…

رفعت يدها وأشارت بإيماءة ملكية، فانفتح الصندوق كأنه يعترف بحقها، ومدت يدها داخله، وهمست بصوت خافت لكنه ثابت: بدي… سك عبودية قرماس ابن الاحمر… حارس الأختام السفلية.

ارتفع السك بين أصابعها، يلمع بلون معدني قاتم، وكأن قوته تحاول التحدث قبل أن يتحرك أي شيء آخر…

رفعت فينوار نظرها إليه، وابتسامة عارمة اجتاحت وجهها، غمغمت: أخيرًا…

ضمت السك إلى صدرها، الإحساس بالحرية القادمة يلهب روحها، ثم تحركت بخطوات متسارعة نحو الباب…

مدت يدها لتفتحه، لكن الباب بقي صامدًا، كأنه تمثال حجري لا يعرف الانصياع. جحظت عيناها برعب، وغمغمت بصرخة خافتة: لالالا… افتح!

مرت لحظات وكأنها دهور، يضغط فيها الهواء على صدرها بثقل لا يطاق، حتى بدأ الباب يهتز ببطء،

وصدرها يخفق بعنف، ثم انفتح فجأة، وكأن صمت العالم السفلي نفسه انكسر، وجحظت عيناها مرة أخرى أمام ما يكمن وراءه، شعور بالمجهول يلتهمها ويبقيها حية في الوقت ذاته

وووووووووووو

وروني توقعتكم ي حلوين

ساحره القلم ساره احمد 🖋️

4.1 381 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
661 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
ضيف
ضيف
1 شهر

تحفهه

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ♥️

ضيف
ضيف
1 شهر

البارت خطير بجد حب فارس لحبيبه وجع قلبي

ضيف
ضيف
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ❤️

ضيف
ضيف
1 شهر

تسلم ايدك يا قمر

ضيف
ضيف
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ❤️

aseel basam
aseel basam
1 شهر

رووووعة
قمة في الابداع

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  aseel basam

تسلمي يا حبيبتي ♥️

Asmaa Ezz
Asmaa Ezz
1 شهر

مافيش كلام يوصف الابداع ده ❤️❤️❤️❤️

ضيف
ضيف
1 شهر
ردّ على  Asmaa Ezz

تسلمي يا قمر ❤️

Nedaa
Nedaa
1 شهر

تسلم الايادي تحفة اكيد

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  Nedaa

تسلمي يا حبيبتي

Mero❤️
Mero❤️
1 شهر

تسلم ايدك ❤️

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  Mero❤️

تسلمي يا حبيبتي ♥️

ضيف
ضيف
1 شهر

تسلم الايادي 🌹

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ❤️

ضيف
ضيف
1 شهر

تسلم ايدك يا جميل

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي ي حبيبتي ♥️

ضيف
ضيف
1 شهر

رائع تسلم ايدك

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي يا حبيبتي ♥️

Shimooo
Shimooo
1 شهر

تحفففه بجدد تسلم ايدك❤️❤️❤️❤️

ضيف
ضيف
1 شهر
ردّ على  Shimooo

تسلمي يا قمر ♥️

Imen kraoua
Imen kraoua
1 شهر

أيوة بقى أخيراً ♥️

ندي
ندي
1 شهر
ردّ على  Imen kraoua

تسلمي يا قمر ♥️

Ahmedwaled
Ahmedwaled
1 شهر

تسلمي وتسلم ايدك ياقمر

ضيف
ضيف
1 شهر
ردّ على  Ahmedwaled

تسلمي يا قمر ♥️

Imen kraoua
Imen kraoua
1 شهر

تسلم ايديكي مقدما من قبل ما أقرأ 🔥♥️🔥♥️

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  Imen kraoua

تسلمي يا قمر ♥️

Ahmedwaled
Ahmedwaled
1 شهر

البارت رائع

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  Ahmedwaled

تسلمي يا قمر ❤️

ضيف
ضيف
1 شهر

تحفة بجد

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ❤️

Mona Zaghlol
Mona Zaghlol
1 شهر

تحفه ❤️

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  Mona Zaghlol

تسلمي يا حبيبتي ♥️

ضيف
ضيف
1 شهر

بجد تحفه تسلم ايدك عظمه على عظمه

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ❤️

ضيف
ضيف
1 شهر

الحمد لله مش حصل حاجه

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  ضيف

♥️🥹

ضيف
ضيف
1 شهر

تسلم الايادي

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ♥️

ام تسنيم
ام تسنيم
1 شهر

اكيد تحفه ياساره يسلم الأيادي ❤️🥰

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  ام تسنيم

تسلمي يا قمر ❤️

ام تسنيم
ام تسنيم
1 شهر

التفاعل ياجدعان

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  ام تسنيم

ياريت يظبط❤️

ضيف
ضيف
1 شهر

تسلم ايدك ياقلبي 💗💗💗💗

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ❤️

شيماء
شيماء
1 شهر

تسلم ايدك ياقلبي 💗💗💗💗

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  شيماء

تسلمي ي قلبي♥️

على سامي
على سامي
1 شهر

بجد تحفه

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  على سامي

تسلمي يا قمر

على سامي
على سامي
1 شهر

انشاالله. الفصول ال جايه احسن

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  على سامي

بإذن الله ♥️

ضيف
ضيف
1 شهر

تحفه ♥️♥️😍

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ❤️

ضيف
ضيف
1 شهر

كل مرة توجعي قلبنا علي حبيبة وفارس ودا اكبر دليل انك مبدعة عشان بتخلينا نعيش الاحساس والمشاعر الموجودة في الرواية ونتاثر بيها حقيقي برافو عليكي

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي ي حبيبتي ♥️
يسلم كلامك♥️

مامت رحيل
مامت رحيل
1 شهر

اروووووووعه

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  مامت رحيل

تسلمي يا قمر ❤️

مامت رحيل
مامت رحيل
1 شهر

بحبك موت ي سو

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  مامت رحيل

حبيبتي تسلمي ♥️

ضيف
ضيف
1 شهر

تفاعلت اقرا بقي 😂🥰🥰

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  ضيف

متغبيش علينا♥️

ضيف
ضيف
1 شهر

تسلم ايدك يا قلبي

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي يا حبيبتي ♥️

ضيف
ضيف
1 شهر

البارت رووووووووعة ياسارة تسلم ايديكم وعنيكم ياقلبي❤❤❤❤

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ❤️

ضيف
ضيف
1 شهر

حبيبة صعبانه عليا اووووى

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  ضيف

اوي🥹

Fatenmansour
Fatenmansour
1 شهر

تحففففه

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  Fatenmansour

تسلمي يا قمر ♥️

Fatenmansour
Fatenmansour
1 شهر

تسلم ايدك 💚

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  Fatenmansour

تسلمي يا قمر ❤️

دودو
دودو
1 شهر

كفايه كده علي حبيبه

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  دودو

أنا بقول كده برضو 🥹

Doha
Doha
1 شهر

وجعععع حراام بجد 😭😭😭

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  Doha

🥹😭

ضيف
ضيف
1 شهر

تحفففه بجد تسلم ايدك يا ساره مبدعه ❤️❤️❤️

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ❤️

ضيف
ضيف
1 شهر

تحفه

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي ي قلبي ♥️

Zayneb
Zayneb
1 شهر

🥰🥰🥰🥰🥰

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  Zayneb

❤️

ضيف
ضيف
1 شهر

جبار جبار جبار

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ❤️

ضيف
ضيف
1 شهر

❤ ❤ ❤

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  ضيف

❤️❤️

Princess soma
Princess soma
1 شهر

تحفة روعة بجد

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  Princess soma

تسلمي ي قلبي ♥️

Eman Ahmed
Eman Ahmed
1 شهر

جميله جدا وروعه ويارب اللعنه تتفك

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  Eman Ahmed

تسلمي يا حبيبتي ♥️
يارب♥️🥹

ضيف
ضيف
1 شهر

ابدااااااااع

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ❤️

شمس محمد
شمس محمد
1 شهر

ياابداعتك ياساره تحفه❤️❤️

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  شمس محمد

تسلمي ي حبيبتي ♥️

Nadjet acem
Nadjet acem
1 شهر

واو البارت تحفة تسلم ايدك يا ساره 😘😘❤️❤️

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  Nadjet acem

تسلمي يا قمر ❤️

مروة البحيرى
مروة البحيرى
1 شهر

روووووعة ♥️♥️♥️

Yomna
Yomna
1 شهر

تسلمي يا قمر ❤️

ضيف
ضيف
1 شهر

تووووووووحفة

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي يا حبيبتي