عشق ملعون بالدم(الفصل الثامن عشر)
كان يدرك أن كل خطوة يبتعد بها عنها تُطفئ في صدره مصباحًا من الحياة، وأن المسافة بينها وبينه ليست طريقًا تُقطع، بل ضلعًا يُنتزع، وروحًا تُسحب من جذورها. ومع ذلك مضى… مضى كمن يجرّ نفسه من حافة قلبه، كمن يقطع يده بيده كي يحمي ما تبقّى منه، لا رغبةً في الرحيل… بل خوفًا عليها من النار التي تطاردهما معًا.
ذلك الفراق لم يأتِ لأن الحب مات؛ بل لأنه اشتعل أكثر مما يجب. أحبّها حدّ الخوف، وخاف عليها حدّ الهرب. هرب وهو يعرف أنّ الهرب سكين، وأن بقاءه سكين… وأن كليهما سيذبحه بطريقته.
وهذا النوع من الفراق لا يمشي على قدمين؛
يمشي على شفرات.
يشقّ الذاكرة كمسلة، ويترك في الحنجرة طعم الحديد، وفي الصدر نزفًا لا يتخثّر مهما دار الزمان.
ولعلّ الأوجع… أنّ كليهما كان يسمع اختناق الآخر لحظة الرحيل؛ كان يرى الارتجافة في الجفون، والدمع المتجمّد في نهايات العين، والابتسامة التي تُرسم بحدّ السكين لا بقلم الفرح.
وأن الصمت الذي احتميا به… كان أثقل من أي عويل، وأقسى من أي وداع.
دخل فارس… شاحب، مثقل، كأن جبال من ليل دامس رصت فوق كتفيه.
وفي اللحظة ذاتها… انفرج وجه إيمان ببريق سعادة خاطف، ارتجفت له أنفاسها قبل أن ترتجف شفتيها، كأن العالم عاد إليها بلونه بعد غياب.
نهض دياب ورماح، وهتف دياب بصوت يمتلئ فخرًا:
يا مرحب بالغالي ولد أخوي!”
مد فارس يده وصافحه، لكن صوته خرج حادًا، متوتر الحدود:كيفك يا عمي.”
أومأ دياب برأسه مبتسمًا وقال : طيب يا ولد أخوي… اجعد.”
لكن فارس هز رأسه بالنفي، كتفاه مشدودتان كوتر قوس وقال : انت عارف… أمي چايه تطلب إيمان.”
رد دياب بثبات رجل اتخذ قراره منذ زمن: وهي ليك يا ولدي… عطناكم.”
لكن قبل أن يستقر الكلام في الهواء…جاء الصوت.
صوت ظلاك… حاد كشوكة تغرز في المخ، ينهش أذن فارس بوحشية، همهمة شيطانية تتشكل ككلمات ملعونة:
هتهمل حبيبتك كيف… وتتچوز إيمان؟ اجتلهم… وفوز بي…حبيبه… اجتلهم… اجتلهم.”
شهق فارس خلسة، وأغمض عينيه بقهر، ووضع يده على أذنه كمن يتلقى صفعة نار، وهمس كمن يجاهد كي لا يسقط: أعوذ بالله…”
نهضت وهيبة وفاطمة بفزع واقتربتا منه، وربتت وهيبة على ذراعه وصوتها يختنق خوفًا: مالك يا ولدي؟ مالها ودنك؟”
رفع فارس عينيه إليها… وفي اللحظة نفسها ارتطم صوت ظلاك في رأسه مجددًا، كطرق عنيف على زجاج رقيق:
اجتلها… بدها تتچوز إيمان… وتهمل حبيبه… اجتلها يا فارس…”
فرك فارس جبينه بإعياء، وكأن الألم يقطع عقله شظايا.
ثم جذب رأس والدته إلى صدره، يحتضنها كمن يسرق لحظة أمان من وسط العاصفة، وهمس: مفيش… يما.
أنا زين.”
ثم التفت إلى إيمان، وخرج صوته خافت، مبحوح، مشدود بخيط خفي من خوف لا يفهمه أحد سواه:
إيمان… جبل أي حاچه… بدي أتكلم معاكي وحدك.”
أومأت إيمان فورًا، ونهضت بسرعة، قلبها يركض قبل قدميها وقالت : تحت أمرك يا غالي.”
نظر فارس إلى هنية، وقال بخشوع واحترام: في حضورك يا مرت عمي… محشومه.”
رمقته هنية بدهشة ممزوجة بتقدير، وهتفت: محشوم يما… كلك حشمه وأدب.”
وكأن الظل… هناك….ينتظر.
تحركت إيمان إلى الغرفة، تتبعها هنية بخطوات قلقة، بينما دخل فارس خلفهما وأغلق الباب بهدوء يختبئ خلفه زلزال.
تقدم إليهما، وقف أمامهما بثبات يشبه الصخر، قبض كفه خلف ظهره كمن يقي نفسه من لحظة ضعف، وقال بصوت حاسم لا يعرف الالتواء: بصي يا إيمان… وانتي يا مرت عمي… أنا ما طلبتش الچواز من إيمان… ولا من أي بت… مش عشان بدي الچواز.”
ارتجفت إيمان، وبلعت لعابها بصعوبة، وهمسة بتوتر يكشف هشاشة قلبها : كيف يعني… أمال بدك إيه من الچواز؟”
نظر إليها فارس… نظرة خالية من كل شيء إلا البرود القاتل، وقال بجمود: غرضي من الچواز… حاچه في نفسي…ملهاش أي صالح بيكي.”
تجمد وجه إيمان، فرفع فارس يده يشير لها ألا تقاطع، وأكمل ببرود يهشم الأحلام: أنا عارف إن كلامي چارِح…
بس عشان صلة الرحم… والدم اللي بيناتنا…
بخيرِك يا بت عمي…أنا راجل… عايف الحريم، وملهمش في حياتي مطرح… إلا واحدة.
عشجها ختم جلبي… وعجلي… وحتى چتتي.”
سقطت إيمان على الأريكة كما يسقط قلب من قمة جبل، تهوي أحلامها كلها دفعة واحدة.
انزلقت دموعها بلا استئذان… دموع قهر وحسرة عمر.
نهضت هنية بدهشة مذعورة، واقتربت من فارس، ودموعها تتشبث برموشها وهمس: ولما انت مختوم بعشج غير بتي… چاين على بتي ليه يا غالي؟”
نظر إليها فارس نظرة متعبة، وقال بصدق موجوع: بتك على راسي… كيفها كيف أي بت ناس.
بس أنا… مش هجدر أكون معاها…
كيف أي راچل مع مراته.”
شهقت هنية، وصكت صدرها بغيظ أم تدهس أحلام ابنتها تحت قدم الحقيقة، وهتفت: كيف يعني؟! طب هتتچوزها ليه؟ روح اتچوز اللي عشجها!”
أما إيمان… فكانت معلقة بين الدنيا والعدم، تحدق أمامها بعينين فارغتين، كأنها ترى ولا ترى أكبر أحلامها وهو ينهار تحت قدمي فارس… دون أن يرف له جفن.
نظر فارس إلى هنية، وملامحه تنفرط بين قسوة الواقع وكسرة القلب، وقال بصوت خافت لكنه ثابت: مكتش أتمنى من الدنيا غير إني أتچوزها… بس انتي عارفة يا مرت عمي… أتچوز اللي عشجها… كني بجتلها.
أنا مش هفرض عليكم أي حاچة.”
كانت الجملة تنهش صدره قبل أن تنهش آذانهن.
تنهد بعمق، كأن كل كلمة تقتطع جزءًا من روحه، وأكمل:
ولازمن تعرفي… إن طلبي ديه… مش عيب في بت عمي.”
التفت إلى إيمان… تلك التي تهوي دموعها بلا توقف، كأنها تسيل من جرح لا ينغلق.
نظر إليها بنظرة ثقيلة، ممتلئة باعتذار لا يشبه الاعتذار، وقال: إيمان… زينة البنات… وعلى كيفها.
لو بدها… وتجدر على العيش ديه… يا مرحب.
ولو مش هتجدر… بردك يا مرحب يا بت عمي.
بس جبل أي حاچة… اختاري بإرادتك….أنا مش ناقص أشيل ذنبِك.”
زفر بمرارة وصوت مشروخ وأكمل : وجسما بالله…
أنا ما عندي حاچة أدهالك غير احترامك…
وأشيلك على راسي… معززة مكرمة.
وأكتر من كده… معنديش.”
غرقت عينا إيمان بنظرة مكسورة… نظرة أنثى رأت أجمل أيامها ينقلب أمامها إلى اكحل ايامها، دون أن يترك لها فارس أي باب نجاة.
وجع صامت، يحفر في القلب حتى العظم.
قهرت هنية دموعها، ثم انفجرت بغضب أم تنتزع ابنتها من حلمها: لا يا ولدي! طلبِك مش حدانا! ربنا يعترك في مرادك… بتي مش ناجصة ولا شينة…
لأجل ما توافج على الچواز بنص راچل!”
لكن… إيمان قطعت صرخة أمها، بصوت باكي مرتعش، خرج من بين أنقاض قلبها: لا… موافجة يما.”
التفتت إليها هنية بذهول، بغضب يغلي تحت جلدها:
كنك اتخوتي يا بت حشاي؟!”
هزت إيمان رأسها… دموعها تتساقط كأنها تغسل آخر ذرة أمل فيها: يما… أنا هحبه… والعيشة چنبه كل أملي…حتى لو من بعيد…المهم چنبه.”
صرخت هنية بنحيب يزلزل الغرفة: مش هتجدرِي على العيشة ديه يا إيمان!فكري بعجلك… مش بجلبِك!
هتندمي!”
لكن القرار… كان قد سقط من قلب إيمان قبل عقلها.
ولا أحد يملك أن ينقذها من حب يقودها إلى الظلمة إلا نفسها… وهي آخر من تنقذ نفسها…
هزت إيمان رأسها نفيا، لكنها لم ترتجف… بل ثبتت نظرتها كأنها تعلن حرب على قدرها، وقالت بحسم يشق صدر أمها قبل صدرها:وهندم؟ لو… ضيعت فرصة إني أعيش مع الغالي في بيت واحد… حتى لو يوم واحد يا يما.”
كان الصوت يخرج منها متماسكًا، بينما قلبها يرتجف كطائر مذعور.
رفع فارس كفه، يوقف اندفاعها، وصوته يمتلئ بتحذير يختلط فيه الحزن بالصلابة: فكري يا إيمان… فكري زين.
أمك عنديها حج… العيشة ديه مش هتكون سهلة.
وأنا جِلتلك جدام أمك… عشان متچيش بعد كده وتطليني بأي حج.”
كان كلامه كصفعات باردة… ليس قسوة، بل صدق موجوع يخاف أن يجرها إلى حياة لا تحتملها.
أشارت هنية لها بعصبية أم تصارع لحماية ابنتها من النار وهتفت : وعيتي يا بتي؟ ملكيش أي حجوج!”
لكن إيمان… لم تتردد لحظة.
أومأت برأسها، وابتلعت دموعها، وقالت بصوت مكسور لكنه ثابت: موافجة… يا غالي.”
ضربت هنية كف على الآخر، ذهول وغضب وخوف، كأن العالم كله صفعها في لحظة.
لكن إيمان أمسكت بيدها سريعًا، تشبثت فيها كمن يتمسك بآخر ملجأ قبل السقوط:يما… أنا أصلا لو متچوزتش الغالي… مش هتچوز… خليني أعيش چنبه…
بدل ما أموت.”
تكسرت هنية دفعة واحدة، وخرج شهقتها كأنها طعنة تغرس في صدرها.
وضمت ابنتها بقوة، بحنان أم تدرك أنها لا تستطيع هزيمة هذا الحب…
ولا حتى إنقاذ ابنتها منه : اسملله عليكي يا بتي…” همستها وهي تبكي…
وكأنها تبارك لها حب تعرف أنه سيكسرها، ومع ذلك… لا تملك إلا أن تحضنها.
دق دياب الباب دقة كسرت سكون الدار، ودلف بخطوات ثابتة وهتف: خير… عوجتوا جوي؟”
تجمد الجميع لحظة، ثم رفعت إيمان عينيها إليه وهمسة بصوت خافت يرتجف من ثقل القرار: أنا… موافجه يا أبوي.”
كأن الشرارة اشتعلت في البيت دفعة واحدة. تهلل وجه دياب، وارتجفت فاطمة ووهيبة فرحًا، وانطلقت الزغاريد تشق الجدران لكنها في أذن فارس لم تكن إلا نصلًا يخترق القلب.
زغرودة… ثم أخرى… ثم ثالثة كأنها مطرقة على جمجمته.
في ذات اللحظة، دوى من صدره صرخة حادة، نحيب مختنق خرج رغم عنه، كأنه ولد ليكشف كم هو منكسر.
احتضنه دياب بسعادة لم يرها فارس، وقال بصوت متهلل: يبجي الفرح الخميس الجاي!”
هز فارس رأسه موافقًا… جسد رجل، لكن روحه كانت جثة…
عيناه لم تر أحدًا… سوى صورة حبيبه، ودموعها التي تتساقط في ذاكرته كأنها تلومه، تعاتبه، تتشبث بضلوعه.
لكن ماذا يفعل؟
لا يستطيع قتل حبيبه… ولا يستطيع قتل عائلته…
لكنه يستطيع دائمًا ذبح نفسه بصمت.
رمقته وهيبة بعين أم تدرك أن ابنها ينهار، ومسحت دموعها بطرف حجابها وهمس بقهر: حجك على عيني يا نور عيني…”
رفع فارس نظره إليها، بنظرات خاوية، نظرات رجل انتهى،رجل يحيا بجسد لا يسكنه أحد.
ثم استدار وانصرف بخطوات سريعة، ثقيلة كأن كل خطوة تحمل وزنه… ووزن قدره… ووزن خرابه.
……..
مساء ثقيل في سرايا العزيزي.
سكن البيت … لكن صدر أمير يعج كأنه غرفة مزدحمة بالهواجس.
وقف عند المقود، يليق به لون القهوة الداكن، كأنها مرآة لليل داخله… كان يحرك الملعقة ببطء، ثم توقف… يتذكر صوت بدر حين جاءه عبر الهاتف، صوت محمل بالقهر أكثر من الكلمات نفسها: خلاص يا أمير… فارس خطب بت عمه، ووفى بوعده معاك.”
كأن الجملة قرئت على قبر…
أغلق أمير عينيه بقهر صامت، وتدفقت الصورة في ذهنه… ردة فعل حبيبته حين تعرف…
يعرفها، يعرف هشاشتها حين تحب، يعرف كيف تهوي كتلة واحدة عندما تنكسر…
وما يخشاه ليس دموعها… بل ذاك الانهيار الصامت الذي سبق ورآه ذات ليلة، حين كاد قلبه يخرج من مكانه خوف عليها.
وفجأة
فاضت القهوة غليان، وانطلقت فقاعاتها كأنها صفعة توقظ غارق في الهم…
مد يده ليمسك بالمقبض، لكن اللهب عض أصابعه بعضة وحش جائع…
شهق شهقة مكتومة، وارتجف الإناء بين أصابعه قبل أن يفلت منه… يهوي على الأرض، ويحدث صوت كأن شيئًا في داخله انكسر معه.
انتشرت رائحة الاحتراق الخفيف، وتبعثر رذاذ القهوة الداكن على الأرض مثل بقع قلب ينزف.
اندفعت ريم إلى المطبخ فور سماع الجلبة، تنظر بدهشة بين الأرض والإناء ثم إلى أمير وهتفت : في إيه؟”
رفع رأسه نحوها، عيناه كأنهما خرجتا من عاصفة، وهز رأسه بالنفي
اتجه إلى الصنبور، فتح الماء على يده المحروقة؛ كانت البقع الحمراء تشهد على غياب عقله عنه.
اقتربت منه، ومسكت يده ونظرت إليها بصدمة وغمغمت:
يا لهوي… يدك اتحرجت! كيف؟”
ابتلع غصته بصعوبة، كأن الكلام يحرق حلقه أيضًا: شردت… والجهوه فارت.”
أغمضت ريم عينيها بقهر وحزن، همسة:مش تاخد بالك يا أمير…”
أومأ، ثم قال بحدة موجوعة، حدة رجل تكسرت قدرته على التماسك:ساعة الجدر يا ريم… خلاص.”
أومأت ريم برأسها، نهضت بخفة، واتجهت إلى المرحاض. ما لبثت أن عادت بأنبوبة مرهم، ملامحها مشدودة كأنها تحاول لملمة قلقها. مدت يدها، أغلقت الصنبور برفق، ثم همسة:كفاياك مايه… تعالي”
تحرك أمير ببطء، كأن كل خطوة تجر من كتفيه، وجلس على أقرب كرسي. جلست ريم أمامه، قريبة بما يكفي لالتقاط ارتجافه الخفيف، مدت يدها وسحبت يده المحروقة بين راحتيها.
قالت بنبرة تعرف الحقيقة قبل السؤال : شردت في حبيبه… صح؟”
أومأ دون تردد، وخرج صوته مبحوح، كأن الحرق الحقيقي ليس في جلده:أيوه.”
فتحت ريم الأنبوبة، وضغطت عليها قليلًا؛ خرج المرهم بلون باهت، ووضعته على البقعة الحمراء بحرص يليق بمن يداري جرح أعمق مما يرى.
كان أمير ينظر إليها… لا إلى يده.
تأمل خصلات شعرها التي انزلقت على وجهها، تهتز بخفة مع كل حركة. حاولت ريم إبعاد خصلة عنيدة ألحت على السقوط فوق عينها، فمد أمير يده ورفعها برفق، وقال بصوت خفيض:عنيده جوي.”
بلعت لعابها بتوتر، وهمسة: مين؟”
ابتسم ابتسامة صغيرة، بطيئة، كأنها خرجت رغماً عنه:
الخصلة ديه… عايزه تدخل في عينك.”
أطرقت رأسها، وقالت محاولة إخفاء ارتباكها: بحاول أحوشه… ومش راضيه.”
ضحك بخفوت، ضحكة لا تصل عينيه وقال : لا… غلطانه. عنيده بس ناعمه جوي… ولونها حلو.”
ارتجف إصبعها قليلًا وهي تفرد المرهم فوق الحرق، ثم قالت بصوت يكاد لا يسمع: أنا بدي تفكر مره تاني… حبيبه جافله دماغه وجلبها على فارس.”
أغمض أمير عينيه، وكأن اسم فارس جرحه من الداخل أكثر من النار. همس بقهر ثقيل: فارس خطب.”
شهقت ريم شهقة فزع حقيقية، سقطت الأنبوبة من يدها وارتطمت بالأرض بخفة لا تشبه وقع الكلمة.
هتفت:يا خبر اسود… ديه لو حبيبه عرفت… هتموت فيها!”
هز أمير رأسه نفيًا، نظراته تنزف مرارة وقال : لازمن تعرف… فارس عمل كده لأجل ما حبيبه تكره… وتعيش حياتها….وديه كان طلبي من فارس.”
كان صوته في آخر جملة أشبه باعتراف… اعتراف رجل يحرق كل شيء لينقذ قلب شقيقته..
هزت ريم رأسها بعنف، كأنها تريد أن تنفض الكابوس عن عقلها بالقوة وغمغمت بصوت مكسور يقطع الصدر: دي ظلم… يا ناس والله ظلم…
ثم استدارت فجأة، كأن شبح يلاحقها، تريد أن تبتعد عن ثقل الكلمات قبل أن يسحقها….
لكن القدر كان أرحم وأقسى في آن واحد…
انزلقت قدمها في بقعة القهوة المنسكبة، صرخة فزع حادة انشقت من حلقها وهي تهوي إلى الأسفل…
جحظت عينا أمير، اندفع كالصاعقة، لا يفكر، لا يحسب، جسده يسبق عقله… ومد كفه في لحظة مستحيلة،
استقبل رأسها قبل أن تلمس الأرض بجزء من الثانية، ثم لف ذراعه حولها كأنه درع من نار،
احتواها بقوة لا يعرف مصدرها، وقلبه يدق كطبل حرب في صدره…
تمسكت به بكلتا يديها كغريق يمسك بخشبة في عاصفة، وهو شدها إليه أكثر، صوته يهدر قرب أذنها، خشن ورقيق في نفس الوقت: متخافيش… متخافيش يا ريم…
فتحت عينيها على وسعهما، مذهولة أنها لم ترتطم، أن الأرض لم تبتلعها، أنفاسها تتلاحق كأنها خرجت من سباق مع الموت، همسة بصوتٍ يرتجف كورقة خريف: أنا… وجعت…
رفعها ببطء شديد، كأنها زجاجة عطر نادرة، أوقفها على قدميها، وهز رأسه نافي : متخافيش… لسه.
كلمة لسه خرجت منه كنبض مرتعش، كأنه يقول لها ولنفسه: الوجع الحقيقي لم يبدأ بعد.
تراجعت ريم بصعوبة، حاولت تخطو خطوة واحدة… فانفجرت صرخة ألم تقطع نياط القلب: آااه… رِچلي!!
انحنى أمير فورًا، أمسك ساعدها قبل أن تميل، عيناه تتسعان رعب وهو ينظر إلى قدمها: مالها؟ مالها رچلك؟
تجمعت دموعها، انهمرت حارة على وجنتيها وغمغمت : شكلها اتلوت… هتوچعني جوي…
انحنى على ركبته في لحظة، رفع طرف عباءتها بحذر شديد، عيناه معلقتان بالكاحل المنتفخ الذي بدأ يزرق، ثم قال بنبرة فيها خوف مكبوت: طيب… اهدي… استني بس…
وفي لحظة لم تتجاوز نبضة قلب، مرر ذراعه تحت ركبتيها، والأخرى خلف ظهرها، وحملها كأنها ريشة في عاصفة… حملها بقوة دافئة أربكت الهواء نفسه، كأن الزمن توقف…
شهقت ريم، وارتجف صوتها وهي تضرب على صدره بضعف: لأ… لأ يا أمير!
لكنه لم يسمع، أو سمع ولم يبال، تحرك بخطوات ثابتة خارج المطبخ،وهمس وهو يحاول تهدئة أنفاسه المضطربة: معلش يا ريم… هحطك على الكنبة دلوق ..
أراحها فوق الأريكة برفق يفضح رعشة يديه، ثم عاد مسرعًا بالمرهم، واقترب منها وهو يكتم شيئًا بين ضلوعه: واعية؟ أنا محبش يبجي عليا حاجة.”
تجمدت نظراتها عليه، تفحصت عينيه التي تلمع بقلق لم تتوقعه، وهمسة بدهشة مرتعشة:كيف…؟”
جلس أمامها، مد يده نحو قدمها بثبات يخون اضطرابه الداخلي، وقال بصوت منخفض:كيف ما دهنتلي مرهم… أنا أهدهنلك برِدك.”
شهقت ريم وأمسكت بطرف الأريكة بفزع، سحبت قدمها كمن يهرب من نار:زلا! كيف ديه؟”
قطب حاجبيه باستغراب حقيقي، وقال بحدة خفيفة:
في إيه؟ رچلك فيها كدمة يا ريم!”
هزت رأسها بعنف، وارتدت للخلف رغم الألم، وسحبت عباءتها فوق ساقها كمن يخفي سرًا لا يقال: لا يا أمير… عيب.”
تجمد للحظة… ثم اقترب ببطء، جلس بجوارها، وصوته هبط لنبرة مزيج بين الدهشة والضيق والشيء الذي يخشاه هو نفسه:عيب كيف يعني؟ أنا هتحرش بيكي؟
أنا… هحطلك مرهم بس.”
كانت الجملة بسيطة…
لكنّ الهواء بينهما لم يعد بريئ بعدها.
هزت ريم رأسها بعنف، ثم انتفضت واقفة كالسهم المشدود، لكن طرف العباءة خانها، تعلق في قدم الأريكة، فانحدر جسدها إلى الأمام في سقوط لا يرحم…
لم يكن هناك وقت للتفكير.
اندفع أمير كالشرارة ، وفتح ذراعيه… وأمسك بها في الهواء، قبض على خصرها بقبضة حديدية،
لكن قوة الاندفاع كانت أكبر منهما معا؛ وسقطا معًا، يهويان كحجر واحد، على الأريكة بعنف خافت، والاريكة ترتج تحت أجسادهما…
ريم فوق صدره تمامًا … وجهها يلامس وجهه، أنفها يلامس أنفه، شفتاها على بعد نبضة من شفتيه….
صدرها يضغط على صدره بعنف يقطع النفس، وذراعيه لا يزالان ملفوفان حول خصرها كحزام من نار، يحتويانها، يحميانها، يحرقانها في الوقت نفسه…
تجمد الزمن.
وجحظت عيناها، غارقة في بحر من الدمع والصدمة والخجل الملتهب…
وحمرة خفيفة تتسلل إلى وجنتها، أنفاسه الحارة تضرب وجهها كريح صيفية محمومة…
سكت كل شيء، إلا نبضين يخبطان في صدر واحد، كأن قلب واحد صار يدق لاثنين….
ثم خرج صوته أجش، متهدج، كأنه ينتزع من أعماق حفرة ما : عنيكي… ليه حلوة جوي وهي بتلمع بالدموع كده؟
رمشت ريم، دمعة ثقيلة تسقط من رموشها مباشرةً على شفتيه، وهمسة بصوت يرتجف كورقة في عاصفة:
في إيه يا أمير… أوعى…
اقترب أكثر، فمه يكاد يلامس فمها، همهم بصوت أعمق، كأنه اعتراف يخرج من قيد صدئ: أوع…
أومأت برأسها بسرعة، وصوتها لا يكاد يخرج: أيوه… إنت… إنت مسكني…
شعر أمير حينها فقط بثقل جسدها عليه، بمنحنياتها اللينة تضغط على عضلاته، بأنفاسها الحارة تسري على عنقه، بيديه اللي غاصتا في لحم خصرها من فوق القماش الرقيق…
انتفض جسده كأن صاعقة اجتاحته، لكنه لم يطلقها، بل شدها إليه أكثر للحظة خاطفة، ثم هتف بصوت يمزقه الغضب والرغبة معًا: والله ما خدت بالي…!
حاولت ريم النهوض، لكن جسدها كان يرتجف، فلم تتحرك، همست بخجل يحرق: مفيش حاجة…
بذل أمير جهد جبار ، ورفعها عنه برفق قاسي، مد يده برفق قاسي، دفعها إلى الوراء حتى استلقت على الأريكة، وقال بصوت آمر يرتجف من شدة الكبت: أهمدي… خليني أشوف رچلك…
شهقت ريم شهقةً خجولة، حاولت سحب قدمها وهمسة : أمير…
زفر زفير حاره كأنه ينفث لهب ، فتح أنبوب المرهم، وضع كمية على أصابعه الخشنة، ثم أمسك كاحلها برفق يخفي عنف،
رفع قدمها ببطء، وبدأ يدلك المرهم بحركات دائرية بطيئة، كأنه يعزف لحن سري على جلدها الملتهب…
كل لمسة من أصابعه تشعل نار تحت الجلد، وتطفئها في الوقت نفسه…
شهقت ريم من الألم والخجل المختلط، ودموعها تنهمر وغمغمت : آه… بتوچعني… والمرهم ساجع جوي!!
رفع عينيه إليها، نظرة طويلة ثقيلة، ثم همس بصوت خشن يشبه همهمة الرعد البعيد: هنسخنه… حاضر… خفي جلع وحيات أمك يا شيخة…
انكمشت ريم، عضت شفتها السفلى حتى كادت تنزف، جسدها يرتجف تحت لمسته، بينما هو كان يحاول جاهدًا أن يبقي أنفاسه منتظمة، وقلبه يخبط في صدره كحصان جامح…
ثم نهض فجأة، خطواته ثقيلة كأن الأرض تمتصه، توجه نحو الحمام يجلب ماء دافئ… تارك خلفه صمت ثقيل
كالرصاص، مشحون بالتوتر ..
دق جرس الباب، ونهضت ريم ببطء، كأن كل خطوة تسحبها من عالمها الداخلي، لكن خرج أمير من المرحاض، صوته ممتلئ بالحرص والجدية: خليكي أنا هفتح.”
أومأت برأسها وجلست مرة أخرى، قلبها يرفرف بين الخوف والفضول، بينما فتح أمير الباب ليجد حبيبه واقفة أمامه، وجهها شاحب وعيناها تلمعان بالدموع المحتبسة، تلك الدموع التي لا تستطيع الكلمات حملها.
اقترب منها بخطوات سريعة، وضمها إلى صدره بحنان يكاد يحرق صدره، وهمس بصوت ممزوج بالدفء والخوف: مالك يا حب؟”
أغمضت حبيبه عينيها المحتقنة، الدموع تسيل على وجنتيها ببطء، كأنها تحاول الهروب من الواقع، وهمسة بصوت مبحوح، خافت، متقطع: متاخزنيش يا أخوي… بس أنا بدي تلفوني.”
نظر لها أمير بعينين مشحونتين بالحزن، وكأنه يرى كل خوفها وكل ألمها، وقال: تلفونك؟ طب تعالي جوه يا جلبي.”
هزت رأسها بالنفي، الدموع تلمع كأحجار من نار، وغمغمت: لا…”
هز رأسه هو الآخر، بتردد وحرص، وأمسك بها برفق، محركًا إياها نحو الداخل، وهمس: تعالي بس…”
دخلوا واغلق أمير الباب خلفهم، وغاصوا في صمت ثقيل، يتخلله خفقان القلوب وهمهمات العقل المثقل بالقلق..
نهضت ريم، فتحت ذراعيها واحتضنت حبيبه بحنان يفوق الكلمات، وتمتمت بصوت خافت مليء بالدفء: كيفك يا جلبي؟”
أومأت حبيبه برأسها، دموعها تتساقط بلا توقف، وقالت بصوت خافت متقطع: الحمد لله…”
جلسوا على الأريكة، أمير على الكرسي المجاور، صوته خافت وهو يحاول كبح القلق: تلفونك راح في الحادثة يا حب… العربيه نفسها اتدمرت… كيف علبة السردين.”
وضعت حبيبه يدها على وجنتها بهم ثقيل ، وقلبها يختنق من مرارة الخوف والقلق، وهمسة: أنا بدي تلفوني… أنا مش حافظه أي نمره يا أمير.”
مسك أمير يدها برفق، سحبها عن وجنتها كأنه يحاول سحبها من قاع الهم ، عيناه تتأرجح بين الحزن والحنان، وقال: متحطيش يدك على خدك يا جلب أمير .. هچبلك تلفون چديد، وهرچعلك الخط القديم تاني… ولا تشيلي هم.”
ابتسمت بوهن، همسة بصوت يختنق بين الدموع: أمير… هو…”
بلع أمير غصته بصعوبة، صوته منخفض لكنه مشحون بالحب والحماية : جولي يا حب… بدك حاچة تاني؟”
هزت رأسها بالنفي، تحاول السيطرة على دموعها المنهمرة كالشلال، ثم نهضت، خطواتها بطيئة لكنها حازمة، وهمسة وهي تتحرك نحو الخارج: لا!! تصبحوا على خير.”
نظروا إليها بحزن، وغمغمت ريم بحسرة: كانت بدها تسأل على فارس أكيد…”
أومأ أمير برأسه، صوته محمل بالثقل والحنين: أكيد…”
……
صباحا في سرايا الأنصاري،
كانت الطاولة مرتبة بهدوء، لكن قلب المكان يخفق بقلق مرير….
جلست نغم على الطاولة، عيناها غارقتان في دموع لا تكف عن الانهمار، وارتجفت كلماتها المنهكة وهتفت بصوت يخرج من أعماقها: كيف يما… الغالي يتچوز إيمان… والله يما الغالي وحبيبه… هيحبوا بعض جوي…”
ارتعشت وهيبه من صمت المكان، نظرت لها بعينين مثقلتين بالحزن، وصوتها يختنق بين الحروف: وانتي خابره زين… أنهم مينفعش يتچوزو… أحب علي يدك يا بتي… متجلبيش المواچع يابتي…”
اقتربت مريم، ربتت على رأس نغم بيدين ترتجفان من الحنان والحزن، وقالت بصوت هادئ لكنه يقطع صمت القلب: استهدي بالله يا خيتي… اللي فيه الخير هيكون…”
رفعت نغم عينيها نحو السماء، والدموع تتلألأ فيها كأنها لآلئ من قلب الجرح، وهمسة بنداء مملوء بالأمل والوجع:
يارب… حلها من عندك… خفف عنهم… خفف عن جلبي…”
سكون المكان أخذ يتحرك بين همساتها وارتجافها، وكأن الهواء كله يختنق بانتظار قرار القدر، بانتظار أن تهدأ قلوبهم المشتعلة.
نزل فارس الدرج بخطوات سريعة، كأن كل خطوة منه تكسر صمت الصباح، وصرخته ارتفعت مشحونة بالوجع والحرقة: نغم!”
نهضت نغم على الفور، عيناها تلمعان بالقلق، وصوتها يرتعش بين الخوف والاهتمام: نعم يا اخوي!”
أشار لها بيد مرتجفة من شدة الألم، وغمغم بصوت يقطر الصداع والاحتقان: بدي حاچه للصداع…”
تحركت نغم بخفة، تتفادى نظراته المشتعلة، بينما نهضت وهيبه، عينها مليئة بالقلق والحنان، وقالت: يا ولدي… من امبارح ما حطتش الزاد في خشمك… لازمن تاكل حاچه”
نظر فارس إليها بعينين شاحبتين، مملوءتين باليأس والغضب، وغمغم بصوت متقطع: أنا هندلي سوهاج… أخلص شغل متأخر…”
عادت نغم مسرعة بحبوب المسكن وكوب الماء، التقطها فارس بيدين متشنجتين، وأخذ ثلاث حبات بسرعة، وابتلعهم دون تردد…
نظرت له نغم بذهول، وصوتها يختنق بالدهشة والحرص:
يا اخوي… كتير… تلاته؟”
أغمض عينيه بتعب، وظهر على وجهه كل ضغط الصداع وكأن الدنيا كلها تنهار حوله، وغمغم بصوت مبحوح:
صداع شديد… مش جادر يا نغم…”
أعطها الكوب، ثم انصرف بخطوات سريعة، جسده مشتعلاً بالغضب المتأجج داخله، كأن كل شيء حوله يذوب تحت حرارة هذا الانفعال، وهو يسير بعنف لا يمكن كتمه.
توقف أمام ادهم في المدخل ، وعيناه تشتعلان بالغضب، وغمغم بصوت محمل بالحنق: علي وين؟”
نظر له فارس بحدة، وغمغم بصوت متقطع، تتصاعد فيه حرارة الغضب والضغط: سوهاچ… هخلص شوية شغل جبل الفرح…”
هز ادهم رأسه ببطء، وتنهد وتمتم بين أسنانه: ديه على أساس إنك فرحان بالفرح ولا بالعروسه…”
اقترب فارس منه خطوة بخطوة، صوته صار منخفض لكنه محمل بكل ما في قلبه من مرارة وغضب: انت عارف… إحنا كلنا هنتچوز بنفس الطريجه… حتى انت بتحب نغم… بس مش هتتچوزها… وهتتچوز واحدة تانيه… مش هتكون فرحان… ولا حاسسها… وأنا خيارت اختك… وهي وافجت…”
ارتجف ادهم، ثم همس بدهشة وحرقة: بس… ياريت متظلمش أيمان…”
أومأ فارس برأسه بخفة، وغمغم وهو يبتعد نحو الخارج:
أنا ظلمت روحي…”
صعد إلى السيارة، أغمض عينيه لحظة، ثم ضغط على دواسة السرعة، وانطلقت السيارة كصاعقة برق في الطريق، كأنها تحمل كل غضبه، كل حزنه، وكل ثقل ما في قلبه، والهواء يصفع وجهه، والوقت كله يمر بسرعة تفوق صراخه الداخلي.
…….
في صباح هادئ بسمة الفجر، جلست العائلة حول مائدة الإفطار في سرايا العزايزي ،
والهدوء يكسو المكان، إلا أن شارد الفكر في عيون حبيبه كان كالغيمة الملبدة فوق قلب أمير…
نظر إليها وهو يحاول لفت انتباهها، صوته ملؤه الحنان والتوجس: هتعاودي چامعتك يا حب؟”
لكن حبيبه كانت غارقة في بحر أفكارها، بعيدًا عن صوته، كأن صوت الدنيا لا يصل إلى مسامعها…
نظرت له هند وريم بحزن يفتت الروح ، ورفعت انعام يدها، وربتت على يدها برفق وغمغمت بصوت حنون: اخوك هيحدتك يا ضنايا…”
رفعت حبيبه عينيها بتوهان، كأنها تبحث عن شاطئ يأويها من اضطراب قلبها، وأجابت بصوت خافت ممزوج بالرهبة: نعم…”
نظر لها والدها بعينين تحكمهما القلق والحب، وقال بلهفة تكسوها الشفقة: انتي زينه يا بتي… لو كتي لساتك تعبانه، بلاش تسافري… أنا جلبي اتخلع عليكي يا جلبي…”
هزت حبيبه رأسها بالنفي، محاولة التماسك، وهمسة بثقة مضطربة: أنا زينه يا ابوي… بس عندي امتحان النهارده… لازمن احضر…”
أومأ فوزي برأسه بقلق، صوته يحمل مزيجًا من الحزم والحنان: امير هياخدك… تخلصي امتحانك… وتعاودي طوالي…”
أومأت حبيبه برأسها بصمت، كأنها تشهد على صراعها الداخلي، ثم نهضت بخطوات ثقيله، تتحرك نحو الدرج،
وكل خطوة منها تترك أثرًا من التوتر والقلق، بينما أعين الجميع تتبعها، تجمع بين الحب والحرص، والرغبة في حمايتها من ثقل الحياة…
دق جرس الهاتف فجأة كأنه رصاصة في صمت البيت، انتزع فوزي الجهاز من جيبه، نظر إلى الشاشة وعيناه تضيقان، ثم همس بصوت خافت كأنه يخشى أن يسمعه القدر نفسه: فهمي العزيزي…
رفع أمير حاجبه وقال بتردد : رد يا أبويا…افتح المايك!
كانت حبيبة في منتصف الدرج، تجمدت فجأة كأن قدميها تسمرت في الخشب، ونظرت إلى الأسفل بعينين واسعتين لا تطرفان..
رفع فوزي الهاتف إلى أذنه وغمغم: ألو…
جاء صوت فهمي هادئ كالسكينة قبل الطعنة: صباح الخير يا أبو عساف…
أومأ فوزي برأسه كأنه يحية شبحًا: صباح النور يا ولد عمي… خير؟
ثم جاءت الكلمات كالصاعقة التي لا رعد قبلها، اخترقت الهواء واخترقت قلب حبيبة في آن: بكرة دخلة الغالي… ولد أخوي… ولازم تنورنا يا ولد عمي…
في تلك اللحظة انهار كل شيء داخلها…
تراجعت حبيبة خطوة إلى الوراء بسرعة كأن الأرض انشقت تحتها،
اصطدم ظهرها بالحائط بعنف، وكتمت شهقة مزقت صدرها بكفها، تحجرت عيناها في مكانهما،
قهر أسود اغرق بؤبؤيهما، ثم انهارت على درج السلم كأن عظامها ذابت فجأة، تسحب الهواء بصعوبة كمن يغرق في بحر من الرصاص، وهزت رأسها بعنف وغمغمت بصوت مكسور يخرج من بين أسنان مشدودة: مستحيل… كيف يعني؟ ده وعدني… والله وعدني… أكيد غلطانين… أكيد… أكيد…
نهضت حبيبة كمن ينتزع روحه من بين أضلاعه، خطواتها ثقيلة كأن الأرض تمتص دماء قدميها، حتى بلغت باب غرفة الجدة فدفعته بيد مرتجفة، ودلفت كأنها تدخل قبرًا ينتظرها…
غمغمت بصوت انكسر في حلقها، كأن الحروف تنزع من لحمها: ستي…
رفعت جملات عينيها المتعبه، فجحظت بدهشة وكأن شبح وقف أمامها…
أشارت بيدها المهزولة، فلم تتمالك حبيبة نفسها؛ اندفعت كطفلة تهرب من عاصفة، وألقت بنفسها في حضن جدتها، وانفجرت دموعها كأن سد انهار في صدرها: جلبي يا ستي… جلبي والله…هموت.. اتجهرت يا ستي!!
اتسعت عينا جملات أكثر، ووضعت كفها الخشن على ظهر حبيبة، تتحسس كأنها تبحث عن جرح غائر لا تراه العين، فالألم كان ينزف من كل خلية في جسد الحفيدة…
كتمت حبيبة صرخة كادت تمزق حلقها، دفنت وجهها في صدر جدتها الذي طالما كان ملاذها، فشدتها جملات إليها بقوة لم تعد تملكها إلا في مثل هذه اللحظات…
ضمة تحاول أن تحتوي عالمًا كاملاً من الألم، وكأن قلبين مكسورين يحاولان أن يلتحما ليبقيا على قيد الحياة.
دخلت ريم كأن ريح عاصفة حملتها، صوت نحيب حبيبة يقطع صدرها كشفرات…
ركضت نحوها وهتفت بصوت يرتجف بين الخوف والغضب: حبيبة يلهوي بس… كفاياكي كده، هتموتي!
انتفضت حبيبة كأن صعقة كهربائية اجتاحتها، تمسكت بذراع ريم كغريق يتشبث بخشبة في بحر هائج، وشهقاتها تقطع الكلمات: هـ… هاتي تليفونك… بسرعة…
أومأت ريم بعينين غرقتا في بحر من الحزن والذهول، مدت يدها بسرعة:حاضر… أهو…
انتزعت حبيبة الهاتف بقبضة حديدية، أصابعها ترتجف وهي تطلب رقم فارس… لكنه مغلق، كالعادة، كأن السماء نفسها تتآمر عليها…
عضت شفتها حتى سال الدم، ثم طلبت رقم نغم.
لحظات… ثم جاء الصوت الباكي من الطرف الآخر، كأن قلب ينزف في المكالمة: ألو… مين معايا؟
انفجرت حبيبة بنحيب يمزق الروح: أنا حبيبة… فارس وين يا نغم؟!
قفزت نغم من مكانها، ونظرت لوالدتها بعينين مذعورتين، ثم هرولت إلى الحديقة بخطوات تكاد تطير، وهمسة بصوت مكسور: حب… كيفك يا روحي؟
شهقت حبيبة شهقة حادة كأن سكين غرست في صدرها، وصرخت حتى اهتزت جدران البيت: زفت يا نغم… أنا هموت… صح؟ فارس هيتچوز؟ كيف ده حصل؟ كيف؟!
هزت نغم رأسها بعنف، كأنها تنفي قدر مكتوب بحبر الدم، وهمسة بيأس يقطر من كل حرف: والله ما فاهمة حاچة… واعية الغالي بيموت بالبطيء جدامي… والله بيموت…
وضعت حبيبة كفها على جبينها، والدنيا تدور بها دوائر سوداء، تحاول أن تمسك بوعيها قبل أن يغرق: طب… هو وين دلوق؟
مسحت نغم دموعها بظهر كفها المرتجف وغمغمت: سافر سوهاچ…
أومأت حبيبة برأسها ببطء، كأن رأسها ثقيلة بحجر، وغمغمت بصوت خافت كأنه من قبر: طب… سلام دلوق…
أغلقت الخط بيد ميتة، ثم قامت كأن عظامها مكسورة، تتجه إلى غرفتها بخطى آلية… دلفت، واغلقت الباب، وبدأت تخلع ملابسها بسرعة، كأنها تتأهب لمعركة، أو لجنازة.
…..
في منزل دياب العزيزي،
كانت الجدران نفسها تضيق بأنفاس الغضب المتصاعد. دلفت هنية إلى غرفة ابنتها كمن يحمل في صدره عاصفة مكبوتة، خطواتها ثقيلة، ووجهها مشدود بفزع أم ترى ابنتها تسير بنفسها إلى حتف تعرفه جيدًا.
جلست على طرف الفراش، وكفاها ترتجفان فوق ثوبها، وقالت بصوت مخنوق بالعتاب: فاكري يا بتي… انتي لسانك على البر.”
لكن إيمان التفتت إليها بعينين تشتعلان غضب وإصرارًا، كأنهما نافذتان على حربها الداخلية، وأجابت بحدة مجروحة: يما… أنا مش هعرف أحب غيره… ولو اتچوزت أي واحد… هعيش معاه كإني ميتة… يبجى أعيش مع اللي بحبه، حتى لو ربع حياة… أنا مش طمعانة في أكتر من كده.”
هزت هنية رأسها بيأس امرأة خبرت الرجال وخذلانهم، وهمسة بوجع: طب ليه؟ حتى لو اتچوزتي واحد مش بتحبيه… بس هتعيشي معاه كيف الخلج يا بتي؟”
نهضت إيمان بعصبية، وكأن جسدها يريد الهرب من كل صوت يعترض طريقها…
سحبت حقيبة أخرى، وبدأت ترتب ثيابها بيدين ترتعشان من خليط الشغف والخوف، ثم قالت: يما… انتي عارفة… الراچل مع واحدة حلاله بين أربع حيطان بيتغير، كل حاجة بتتغير… يعني هيمسك حاله يوم… اتنين… أسبوع… حتى شهر… أنا هستحمله لحد ما يوجع وحدة. دانا چبت حبة جمصان نوم… يحركوا الحچر.”
أغمضت هنية عينيها بحسرة طويلة، كأن العمر كله انكمش في صدرها، وقالت بنبرة تشبه دعاء يائس:
أنا لآخر دجيجه هجولك بلاش… وخلاص… ذنبِك في رِجبتِك…الراچل طالما عامية العشج… مش هيوعالك من أصله يا بتي.”
ثم نهضت، وانسحبت من الغرفة بخطوات مثقلة، كأن قلبها يساق بالقوة إلى الخارج.
تركت إيمان وحدها وسط الغرفة، تقف بين حقائب مبعثرة وأحلام مضطربة… رفعت بصرها نحو الفراغ، ترمش ببطء كمن يطرد شبح شك، وهمسة بتحد يتغذى من الغيرة والعشق والوجع: لا… أنا جادرة… أنسيه العشج واللي بيعشجها… أنا اللي هكون جدامه… مش هي.”
…..
ظهرًا، أمام أسوار الجامعة،
خرجت حبيبه كظل ضائع، كأنها قطعة من قلب مفصول عن جسدها… انتهى امتحانها، لكن كل شيء بدا كخطوط مبهمة على ورقة فارغة، وكأن الزمن نفسه يتهكم عليها.
ركضت نحو سيارة أجر، ويدها على صدرها، تتنفس بصعوبة، وكل نبضة من قلبها كانت كصفعة موجعة تهز صدرها…
ارتجف صدرها، وألم حاد يشقها من الداخل، كأن كل ثانية بدون فارس تزيد جرحها عمقًا، وكأن الحياة كلها وقفت لتشهد على شوقها المتقطع.
توقفت السيارة أمام شركة فارس، ترجلت بصعوبة، وقدمها كأنها ترفض أن تحملها، لكنها تقدمت بخطى متثاقلة، تجر الأقدام وتلاحق الهواء الذي سبق فارس، كأن كل خطوة تقتطع جزءًا من روحها.
وصلت إلى المكتب، وقفت أمام السكرتير، عينها ترتجف، وخرج صوتها من حنجرة حبيسة بالدموع: لو سمحت… عايزه اجابل فارس الانصاري.”
أومأ لها برأسه، بتردد، كما لو كان يشعر بثقل لحظتها، وقال: نجوله مين يا فندم؟”
بلعت غصتها، وكأن العالم كله اختفى، همسة بصوت مبحوح: حبيبه…”
رفع السكرتير الهاتف، وهمس بحذر: ايوه يا فندم… الأنسة حبيبه عايزه تجا…
لكن الاتصال انقطع فجأة، وكأن القدر نفسه يعبث بمشاعرها، وارتجف السكرتير، عينه تلمع بالقلق…
لم تمر سوى لحظة حتى انفتح باب المكتب، وخرج فارس بخطوات سريعة متثاقلة، صوته يختنق باللهفة والوجع: حبيبه…!”
قفز قلبها في صدرها، وشقت دموعها عينيها، نظرت له بعينين كأنهما نافذتان إلى قلبها الذي انتزع منه منذ يومين،
كأن كل وجعها جمع في لحظة واحدة أمامه… اقترب فارس، بدون وعي، يتأملها كأنها روحه التي فارقته، بلع غصته بصعوبة، وهمس بمرارة: عامله ايه يا…
أغمض عينيه، قهر ينهشه من الداخل، وغمغم بصوت مبحوح: زينه…”
ارتجفت حبيبه، وانكسر الذهول على وجهها، شعرت بأنها أمام رجل لم تعد تعرفه، انكسرت الحياه بعينيه بحزن لم تستطيع حبيبه تفسيره… اقترب منه وهمسة بصوت مرتجف: مالك يا غالي…؟
أخف فارس عينيه، كأن العالم كله يثقل على كتفيه، وأشار نحو المكتب قائلاً: تعالي يا حبيبه…”
تحركت بخطوات ثقيلة نحو المكتب، ودلفوا، وأغلق الباب خلفهم… وقف فارس أمامها، يتأملها بعيون نارية تحفر في روحها، كأنه يريد أن يحفر ملامحها إلى الأبد في قلبه، ولا يعرف هل ستكون الحياة رحيمة به ليراها مرة أخرى أم لا.
نظرت له، ودموعها المكبوتة تكاد تنهمر، وهمسة بصوت خافت مليء باللوعة: ليه مكتش هتسأل عليا في اليومين اللي فاتوا… كيف هنت عليك؟”
خفض عينيه، والقهر يلتهمه من الداخل، وغمغم ببرود ممتزج بالوجع: كت مشغول…
مالت رأسها، تحاول أن تلتقي عينيه أن تقرأ أعماقه، وصوتها يرتجف مبحوح، يقطع صمت المكان: كيف يعني… ولا كيف ما هيجولوا… هتتچوز جال…”
أغمض عينيه، وخطواته ثقيلة، وابتعد عنها نحو النافذة، يضع يديه على الزجاج البارد، وهمس بصوت متحشرج يملؤه الألم: بيجولوا…”
سكون ثقيل ملأ الغرفة، كأن كل جدار فيها يحتبس أنفاسهما، وكل قلب ينبض بوجع، وكل دمعة لم تسكب بعد، تنتظر لحظة الانفجار بين قلبين تعذبا بالحب والفراق معًا.
اقتربت منه حبيبة، والدموع تتساقط من عينيها كأنها تتساقط من قلبها مباشرة، ترتطم بالأرض كنبضات مقهورة… همسة بصوت مبحوح لا يكاد يسمع: وانت هتجول ايه…؟”
رفع فارس وجهه نحوها، وانزلقت دمعة ثقيلة على وجنته… دمعة تحمل وجع رجل ينتزع من روحه … غمغم بصوت أشبه باحتضار: بجول… كل شي نصيب… وإحنا ملناش نصيب في بعض.”
تجمدت ملامحها، كأن الكلمات خنجر غرس في صدرها. حتى الدموع توقفت، وحتى الهواء خانها. تمتمت بارتجاف يمزق القلب: ملناش نصيب كيف؟… بس انت جِلتلي إننا متحرمين على غيرنا… وإنك هتحرج الدنيا عشاني… وأنا صدجتك… وآمنتك… وثجت فيك!
أمانه يا فارس… بلاش كده… أمانه… انت كده هتموتني.”
قبض فارس على حافة النافذة بقوة، كأن الحديد وحده قادر على احتمال ارتجاف جسده… من شدّة الألم.
كان قلبه يحترق بصوت دموعها… نفس القلب الذي نبض لها والان سيقف إن ابتعدت.
اقتربت منه بحذر موجوع، ومدت يدها تلمس ظهره تشنّج ظهره فور ملامستها، كأن جسده كله يصرخ دون صوت….
سحبت يدها سريعًا، وغمغمت بوجع ينزف: هو ايه اللي حصل؟… أنا كدرتك؟ ولا انت أصلاً محبتنيش؟
طيب… ليه جربت مني؟ ليه خليتني أحبك؟ ليه؟”
هز رأسه بعنف، وكأنه يحاول إزاحة جدار من القهر عن صدره، وخرج صوته محطم: أنا محبتكش…؟
يا حبيبه… أنا دوبت فيكي… اتحرجت…
بس غصب عني… مفيش نصيب.”
حدقت به، وذهولها يتحول إلى غضب… إلى نار تشتعل من تحت الدموع وصاحت : انت… طفيتني.
وحرجت جلبي…وعمري.. عمري ما هسامحك.”
كانت كلماتها كالسهم، اخترقت صدره مباشرة… لكنه لم يتحرك. لم يدافع. لم يتنفس.
لأن الوجع كانت أكبر من قدرته على الكلام…
وأقسى من قدرته على النجاة.
التفت إليها فارس ببطء رجل سقط منه العمر فجأة، وحدق في عينيها بنظرات عاشق أُنهِك حتى أصبح حبه مرض ينهش ما تبقى منه. قال بصوت متحشرج لا يشبهه: ولا أنا هسامح نفسي… ولا هعرف أعيش بيها. الدنيا واجفة على جلبي كيف چبل، بتخنجني… بتكسر ضهري…. بس إنتِ؟ إنتِ الضي الوحيد اللي كان ربطني بالحياة. أحلى ما جابلت في عمري… وأوچع ما هيفارجني. بس الطريج بينا اتسد… واتسدت معاه روحي.”
ارتجفت الأرض تحت قدميها وكأن العالم استدار دفعة واحدة. شعرت أن عقلها ينفلت، أن كل ما حاولت تثبيته ينهار، وصوتها خرج ممزق كأنه نابع من جرح مفتوح:
الدنيا ملهاش دعوة… الذنب ذنبك! انت اللي ضعفت، انت اللي سبت إيدي أول ما شدت عليك… وأنا؟ أنا اللي وجفت جدام أهلي، جدام كل الناس، وجلتلهم إنك ضهري… وفي الآخر ضهري اتكسر… استسلمت؟! ده انت خدت مني روحي… خدت كل حاچة!”
رفعت يدها المرتجفة في وجهه، كأنها تطالبه بثمن لا يعرف سداده، وقالت وهي تنتحب بكلمات تسيل منها النار: هات جلبي… اللي سرجته وحرجته وچرحته. رچعهولي لو تعرف!… ولا خليه عندك… عندك دلوق تلات جلوب: واحد ميت… واحد حچر… والتالت محروج بغدرك.”
استدارت فجأة، تمشي بخطوات كأنها تهرب من نفسها، لكن فارس اندفع نحوها بجنون، قبض على ذراعها بقوة رجل يغرق ولا يجد سوى يدها يتشبث بها…
سحبها إليه، كسر المسافة، وأمسك بذراعيها كأنهما آخر حائط يسنده، ثم هتف بنشيج يشبه انهيار روح كاملة:
إنتي فاهمة غلط… يا روح فارس! بالله عليكي… اسمعيني.
إنتي عمري… والحتة الوحيدة اللي لسه فيها نبض…أنا بخاف عليكي من حالي ومن الدنيا… مستعد أبيع الكون كله عشانك…
بس في حاچة… حاچة واحدة مجدرش عليها جربك مش عشان مش عايزك وهموت عليكي… عشان لو جربت، هخسرك. ولو بعدت… هفجدني أنا.
بس لازم أبعد… ولو بعدي موت، يبجى أموت بعيد وأنا حافظك من وچع أكبر.
قرب وجهه من وجهها حتى كاد يبكي على أنفاسها وقال:
اسمعي دي… جلبي وعجلي وروحي كلهم معاكي… لحد آخر نفس… لحد ما يتدفن اسمي وأنا لسه على وعدك… يا حتة القلب الميت والحي… يا آخر وچع فاهمني؟”
حدقت فيه لحظة… لحظة واحدة فقط، لكنها كانت كفيلة بقتل الاثنين… ثم دفعته بقسوةٍ موجوعة، وانتزعت الأسوارة من معصمها بارتجافة غضب، كمن ينتزع خنجرًا مغروزًا في القلب، ورمتها في وجهه كأنها تقذف قلبه الميت خارج صدرها.
كانت تلك اللحظة اختصارًا لكل خيبتها… دفعة واحدة خرج منها الانكسار المكبوت، والوجع الذي لم تجد له لغة، وكأنها تلقي عليه ثقل ما حطمه فيها.
الدموع كانت ستارة تخفي العالم عنها، والهواء نفسه صار خانقًا.
وفارس…
فارس لحق بها رغمًا عنه، رغم انكساره، رغم إن كل خطوة كانت بتزيده موت. وصوته خرج يتقطع، يلهث وراءها: حبيبة… بالله عليكي! استني!”
لكنها لم تستدر….فتحت حبيبة الباب، فاندفع الهواء ببرودته على وجهها، لكنها لم تشعر بشيء…
لحظة واحدة فقط، ثم شهقت شهقة اخترقت السكون حين وجدت أمير واقف أمامها، وملامحه ملتهبة بغضب مكتوم ورعب عليها…
قبل حتى أن تسأله أو تبرر، انهارت عليه دفعة واحدة، ارتمت في حضنه كأنها تهرب من نهاية العالم، وصوت شهقاتها كان من شدته قادرًا يكسر صخور الجبال.
لف أمير ذراعيه حولها تلقائيا، وضمها بقوة رجل عرف أنه لحق على آخر نفس في روحها…
عيناه كانت تشتعل غضب على الدنيا كلها على فارس، على الظروف، على القدر الذي سحقها ، وعلى ضعفه هو لعدم قدرته علي منع دمعة واحدة منها.
اقترب فارس، كل خطوة كان فيها كأنه يمشي فوق زجاج، وصوته خرج مخنوق، مطحون:حبيبة…”
لكن أمير التفت له بحدة، نظرة كافية لقطع الطريق بينهما، ثم أشار له إشارة قصيرة حاسمة إشارة رجل بيقول: هنا انتهى دورك…
بعدها رفع حبيبة بين ذراعيه وكأنه يحمل جرح مفتوح، وانصرف بخطوات سريعة لا تشبه المشي… بل تشبه اقتلاعها من قلب فارس اقتلاعًا.
تراجع فارس خطوة… ثم أخرى…
الفراغ اللي تركه رحيلها كان كأنه ثقب أسود يسحب روحه للداخل.
أغلق الباب بعنف، بعنف رجل فقد آخر شيء يربطه بالحياة…
ثم بدأ يحطم كل شيء أمامه المكتب، الكراسي، أي شيء يمد يده عليه…لم يكن يكسر الأثاث… بل كان يكسر نفسه… وصوت شهقاته…
كان صوت روح تتمزق، صوت هواء ثقيل فوق صدره، صوت رجل فقد القدرة على التنفس.
سقط على الأرض، على ركبتيه، وانحنى كأنه أمام قبر. ضرب الأرض بقبضته حتى نزفت يده وهو يصرخ صرخة خرجت من أعماق قلبه المتفتت: ياااارب… ياااارب! الموت أهون… أهون من حياة كلها مرار… أهون من يوم واحد من غيرها!”
ارتج جسده بالكامل، وانزلقت دموعه بغزارة رجل كسر للأبد.
ثم خفت صوته، وصار كهمس طفل ضائع: خلاص… افرچها يا رب… يا حبيبة… يا الغالية…عمري كله فداكي…
فدا دمعتك… يا اللي أغلى مني.”
وبقي على الأرض… يبكي… وينزف صوته…
والغرفة تشهد انهيار ليس راجل فقط ، بس ظل عاشق محروق.
……
في صباح اليوم التالي،
اشتعلت السرايا على قدم وساق، الأصوات تعلو والزغاريد تتصاعد، والطبول تدوي كأنها قلب الأرض كلها ينبض بالفرح، الأعلام تتراقص في الهواء، والشماريخ تلمع كنجوم صغيرة فوق البهو، ورائحة الطعام المنبعثة تعبق المكان، كل زاوية تنطق بالسعادة،
إلا فارس…
وقف هناك، ساكن كتمثال من حجر، عيون لا ترى، قلب يبدو كأنه توقف عن النبض، روحه معلقة بين فرح الآخرين وبين وجعه الداخلي… لا ابتسامة، لا شعور، لا حياة.
اقترب منه بدر، وربت على منكبه برفق، صوته يحمل دفء أخوي مختلط بالحزن: فارس…
رفع فارس رأسه، عيونه مطفأة، فارغة من أي شعور، كأن الحياة انسحبت منها بالكامل، أشار له بدر بإيماءة خفيفة وقال بصوت متحشرج: يلا… عشان نچيبو العروسه.”
صمت فارس لحظة، ثم نهض بخطوات ثقيلة، كل خطوة كأنها جبل يزن على كتفيه، وثقل صدره….
صعدوا السيارات، وانطلقت في الشوارع المرصوفة بالأنوار والزينة، والهواء مشبع برائحة التراب الساخن من حرارة الشمس التي بدأ الغروب يختفي خلفها.
وصلوا إلى منزل دياب الانصاري، الذي كان يتوهج بالأضواء الملونة، الزينة تلمع في كل زاوية، والأعيرة النارية تتراقص في السماء، كأن السماء نفسها تحتفل بالفرح….
توقفت السيارات، ترجلوا منها، وكل طلقة نارية كانت تصدح في الهواء كزغاريد معدنية، تصدح بفرحة الناس…
وقف دياب في وسط الصالة كأنه عمود من حديد، وبجانبه أدهم ورماح، فتح ذراعيه وضم فارس بقوة وهتف بصوت يغمره الفرح : مبروك يا ولد أخويا… إيمان أمانتك دلوق…
أومأ فارس برأسه فقط، صمت ثقيل كالرصاص، لا ابتسامة، لا كلمة، كأنه دمية تحركها خيوط غير مرئية. ضمه أدهم بدوره وغمغم في أذنه: مبروك يا صاحبي…
أومأ فارس مرة أخرى، ثم تحرك نحو الداخل كأن قدميه تسحبان سلاسل، خلف الجميع، يمشي كمن يساق إلى المقصلة…
جلس بجانب المأذون، وجلس دياب من الطرف الآخر، مد يده وقال بصوت عال : يدك يا غالي…
نظر فارس إلى يد عمه كأنها حبل المشنقة، عيناه فارغتان.
هتف دياب بدهشة مصطنعة: يدك يا فارس!
بصعوبة بالغة، رفع فارس يده كأنها مربوطة بحجر من رصاص، صافح عمه، وبدأت مراسم الكتاب…
كلمات المأذون تتساقط كحجارة في بئر عميقة، وفارس غائب تمامًا، شارد في عالم آخر، يرى وجه حبيبة فقط، يتخيلها الآن… هل تبكي؟ هل تصرخ؟ هل تموت بداخلها؟
لم يفق إلا على صوت طلقة نار في الهواء، كأنها سرقته من نفسه، انتفض جسده انتفاضة خفيفة…
نهض الجميع، صفقوا، صافحوه واحدًا تلو الآخر، لكن في حلق كل واحد غصة تكاد تخنقه، ابتسامات متكسرة، تهنئة ثقيلة كالتراب…
خرج فارس إلى الخارج، أشار لأدهم بإصبع مرتجف وقال بصوت خافت: هاتها يا أدهم…
أومأ أدهم، ثم التفت لوالده: هتطلع تچيب العروسة ولا أطلع أنا؟
هز دياب رأسه بالنفي وقال بصوت فيه عزم وفرح :
أنا هطلع… وأنا حداي كام إيمان.
صعد الدرج بثقل، كأن كل درجة تقطع من عمره، دلف إلى حجرة النساء وهتف بصوت عالي: يا رب يا ستار…
ردت هنيه من الداخل بفرحة متكلفة: تعالى يا أخويا…
دخل، نظر إلى إيمان بفستانها الأبيض، جالسه كدمية جميلة لا روح فيها، عيناها لامعتان بالدموع المحبوسة. اقترب منها، دموعه تنهمر رغمًا عنه، همس: جاهزة يا بتي؟
نهضت إيمان، هزت رأسها بهدوء وهمسة: جاهزة يا أبوي…
قبل جبينها، وغمغم بصوت متحشرج : ألف مبروك يا حبيبتي…
ابتسمت ابتسامة شاحبة وقالت: الله يبارك فيك يا أبويا…
أمسك يدها بيد مرتجفة، تحرك بها نحو الدرج، والنساء خلفهما يطلقن الزغاريد… صوت عال يملأ أركان البيت، لكنه يبدو كصرخة في فراغ، زغاريد تغطي على نحيب صامت يملأ قلوب الجميع…
في الأسفل،
تحت أضواء الزينة الخافتة التي كأنها دموع متجمدة، وقف فارس كتمثال من جليد. رفع عينيه نحو إيمان وهي تنزل الدرج ببطء، الفستان الأبيض يتمايل كشبح أبيض في ليلة سوداء…
للحظة واحدة، خدعته الذاكرة؛ رأى حبيبة مكانها، ضحكتها تملأ الدنيا، فانشق وجهه عن ابتسامة حقيقية لأول مرة منذ أيام…
ثم عاد الواقع كصفعة، تلاشت الابتسامة، وأغلق عينيه بقهر يحرق الرمش…
اقترب دياب، مد يد إيمان الصغيرة نحو فارس وقال بصوت يحاول أن يبدو قوي: مبروك عليك عروستك يا ولد أخويا…
رفعت إيمان عينيها إليه، سعادة غامرة تضيء وجهها كنجمة في سماء صافية؛ أمامها الرجل الذي عشقته منذ كانت طفلة، بوسامته التي تقطع النفس، وهيبته التي ترعب الرجال، وحضوره الذي يملأ المكان رعب وجلالاً… كانت تراه أخيرًا زوجها…
أومأ فارس برأسه حركة آلية، قبض على ذراعها بقوة خفيفة لكن بلا دفء، وتحرك نحو السيارة كأنه يسحب سجينته….
فتح أدهم الباب، صعدت إيمان بابتسامة لا تزال معلقة على شفتيها، أغلق الباب خلفها، دار فارس وجلس بجانبها كأنه جثة حية، صعد بدر أمام المقود وانطلقت السيارة في صمت ثقيل كالقبر…
كانت إيمان تنظر إليه بعيون تسبح في بحور السعادة، لكنه لم ينظر إليها ولو مرة… لا بالخطأ، لا بالصدفة…
عيناه معلقتان بالنافذة، يرى في الزجاج وجه حبيبة يبكي، يصرخ، يموت…
توقفت السيارة أمام حديقة السرايا، ترجل الجميع. تقدم فارس، وإيمان تتبعه بخطوات خفيفة، دون أن يمسك يدها، دون أن يلتفت إليها…
داخل السرايا، تقدمت به وهيبة بكأس الحليب كما جرت العادة، مدت الكأس نحو فارس بابتسامة مترددة…
نظر إليها بحدة جعلت الهواء يتجمد، هز رأسه بالنفي وقال بصوت كالسيف: لا يما…
قطبت حاجبيها بدهشة وألم وغمغمت : دي العادة يا ولدي…
عاد النظر إليها بنفس الحدة، فتراجعت يدها بالكأس كأنها لدغت،
مدته إلى إيمان التي ارتشفت منه بسرعة، أعادت الباقي بيد مرتجفة،
ثم التفت فارس وصعد الدرج بثقل، وإيمان تتبعه كظل حزين، خطواتها تتردد في صمت البيت الذي ابتلع فرحةً لم تكن يوم موجودة.
دخل فارس الغرفة كأنه يدخل زنزانة، دفع الباب بقوة خفيفة ثم وقف…
دلفت إيمان خلفه، أغلقت الباب بهدوء، كأنها تخشى أن ينفجر الصمت…
اقتربت منه خطوة واحدة، همسة بصوت يرتجف كورقة في الريح: مبروك يا غالي…
التفت إليها بنظرة جانبية باردة كالثلج، وقال بصوت جاف يقطع الحلق: اجعدي.
جلست على طرف السرير، ظهرها مشدود، همسة: أمرك…
وقف أمامها كقاض يصدر حكم نهائي، عيناه فارغتان كحفرتين سوداوين، ثم تكلم بصوت منخفض لكنه يزلزل الجدران: بصي يا إيمان… أنا شرطت عليكي وأنتي وافجتي، وخلصت روحي من ذنبك….
بس لو عجلك وزك، واشتكيتي وخليتيهم يزنوا على دماغي على أساس كتر الدج يفك اللحام،
يبقى أنتي غلطانة. مش هتجدري تلوي دراعي، ولو حسيت بأي حاچة… هنطلج…
انتفضت إيمان كأن صاعقة ضربتها، نهضت فجأة، دموعها تنهمر قبل أن تدري، هزت رأسها بعنف وهمسة وهي تبكي:
لا لا لا… أحب على إيدك، والله مش هافتح خشمي مع حد…
أومأ برأسه مرة واحدة، كأنه يقفل باب إلى الأبد، وقال:
دي هتيجي أوضتك..
رفعت عينيها المبلولتين بدهشة وغمغم : وإنت…؟
قوس حاجبيه بحدة، وهتف بصوت كالسيف: ملكيش فيا حاچه يا ايمان.. أنا ملك حبيبه وبس !
اخفضت رأسها، ودموعها تسقط على الأرض، وهمسة بصوتٍ مكسور: اللي تشوفه!!
تحرك فارس نحو الباب كأنه يفر من قبر، مد يده للمقبض، وفتحه بعنف… فوجد والدته واقفة، وبجانبها امرأة غريبة ممتلئة، وجهها عريض كأنه صفيحة نحاس، عيناها تلمعان بنور خبيث…
رفع حاجبه بدهشة حادة وقال: خير؟
تقدمت وهيبة خطوة، صوتها يرتجف من حزن ثقيل يغلف الكلمات: خير يا ولدي… إنت رايح فين ومهمل عروستك؟
قطب فارس جبينه، صوته خرج كالرصاص: محدش ليه فيا… وأنا فهمتكم من الأول.
انهمرت دموع وهيبة ببطء، كأن كل دمعة تزن قنطارًا، وغمغمت : يعني مش هتخش على مرتك يا ولدي؟
ضرب الباب بقبضته فاهتز الجدران، وهدر بصوت يرعب الشياطين: أما!!
ارتجف الجميع، تراجعت الداية خطوة إلى الخلف، رفعت وهيبة يدها المرتجفة تشير إليه بحزن يقطع نياط القلب، وقالت بصوت مكسور: خلاص يا ولدي… بس جدامك حل من اتنين يا تخش على مراتك كيف الرچال علشان ناسها يطمئنوا علي سترتها… يا إما تهمل الداية تفضها بلدي… إيه رأيك؟
وقفت الكلمات في حلقه كسكاكين، نظر إليها بذهول يغلي بغضب، عيناه حمراء كالجمر…
في تلك اللحظة اندفعت إيمان من خلفه، قبضت على ذراعه بكلتا يديها كأنها تتشبث بحبل نجاة، وانفجرت بنحيب يمزق الصمت: لا يا فارس… إنت مش هتهملهم يعملوا فيا كده… والله ما أستاهل…
التفت إليها ببطء، نظرة واحدة… نظرة تجمد الدم في العروق، لا رحمة فيها، ولا حنان، ولا حتى غضب… مجرد فراغ أسود يبتلع كل شيء ووووووووو
وروني التفاعل ي سكاكررررر التفاعل صعب بجد
وورواني توقعتكم واي ممكن يحصل
ساحرررره القلم ساره احمد

تسلم الايادي اكيد بجنن بدون ما اقرا حرف مبدعة دايما ❤️❤️
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تسلمي يقلبي ♥️
اول حد يدخل تسلم الايادي قبل مااقرأ اي شيء بجد ابداعك ابداع ♥️♥️♥️
تسلمي ي قلبي ♥️
انا اتفاعلت اهووووووو قبل مقراء حتي
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تسلم ايديكي ❤️
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تسلم الايادى مقدما يا فنانة اكيد ھتبھرينا
تسلمي ي حبيبتي ♥️
يا جدعااان انا خايفة اقرأ البارت 😬
لي ي حبيبتي دا ممتع اووي♥️
يجن كالعاده قبل ما اقرا بحيكي ياساحرتي ❤️❤️❤️🥰
تسلمي ي حبيبتي ♥️
التفاعل حرام عليكم ياجدعان
🥹🥹
انا النحمة عندي مش بدوس ليه
دوسي عليها مرتين ي حبيبتي
روعه
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تسلم ايدك يا جميل
تسلمي ي حبيبتي ♥️
روعه 💖
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تسلم ايدك، حاجه ترجع القلب
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تسلم ايديكي مقدما يا سارة من قبل ما أقرأ 💗💗💗💗
تسلمي ي قلبي ♥️
ما تنسوش تدوسوا ع النجمة
ياريت♥️
تحفه
تسلمي ي قلبي ♥️
تسلم ايدك ياساره
تسلمي ي حبيبتي♥️
تسلم ايدك ياسارة جميلة جدا
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تحفه تسلم ايديكي ياقمر ♥️♥️♥️♥️
تسلمي ي قلبي ♥️
تسلم ايديها تحفه كالعاده
تسلمي ي حبيبتي ♥️
اكيد هتبقي حاجه عظمه ♥️
تسلمي ي حبيبتي ♥️
ليه بجد كده مكانش المفروض يتجوزها شخصية البطل سلبيه اوي و ضعيفه
لسه الأحداث جايه لقدام♥️🤌
اي الجمال ده ❤️❤️❤️❤️❤️
تسلمي ي حبيبتي ♥️
انا بعيط ليه دلوقتى 😭😭
😭
حرام والله ليه عملتي كدا
🥹🥹🥹
تسلم ايدك يا قمر 💖💖💖💖
تسلمي ي قلبي ♥️
متخليهوش يعمل كدا
هنشوف الأحداث الجايه ♥️
تسلم ايدك تحفه بجد ♥️ ♥️
تسلمي ي حبيبتي ♥️
مبدعةةة
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تسلم ايدك روعة ❤️❤️
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تحفههه بس حزين ليه كدا
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تسلم ايدك يا روحي 🥹💗💗💗💗
تسلمي ي قلبي ♥️
حبيبة صعبانه عليا اتكلمت حرام ليه خلتيه يتجور
هنشوف الأحداث♥️
جميل طبعا ❤️
تسلمي ي حبيبتي ♥️
بليززززز متخليهوش يعمل كدا بقي حرام بقي والله
هنشوف الأحداث 🥹🤌
تسلم ايدك ياسووو على العياااااط دا
معلش معلش🥹
بس بجد انتي فنانة
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تسلم ايدك
تسلمي ي حبيبتي ♥️
وجعتي قلوبنا ياسو
اوي 🥹
😭😭😭😭😭😭😭😭
🥹🥹
تحفة 😍
تسلمي ي حبيبتي ♥️
زعلانه عليهم أوي 😭😭😭😭
اوي🥹
تفاعل من قبل ما نقرا والله
تسلمي ي حبيبتي ♥️
البارت ضرب نار بجد كله نكد 😂
نكد اوي والله😂♥️
كان عندي امل لاخر لحظه أنه ميتجوزش ايمان بجد زعلت اوي
كلنا زعلنا🥹
رائع رائع وعظيم يا سارة عيوني وجعوني من الدموع
تسلمي ي حبيبتي 🥹
قلبي وجعني اوووي وبكيت ليه كده بجد لا حبيبه تستاهل ولا فارس كمان
هنشوف الأحداث مع بعض ♥️
البارت رووووووووعة ياسارة تسلم ايديكم وعنيكم ياقلبي❤❤❤❤
تسلمي يعمري ♥️
تسلمي ي حبيبتي ♥️
فيلم محزن 😥😭
حصل
جداا🥹
روعه يا ساحره تسلم ايديك
تسلمي يروحي ♥️
تسلمي ي حبيبتي ♥️