عشق ملعون بالدم(الفصل الثلاثوان)
لو بيدي يا حبيبتي، لما تركتُ قلبي يتعلّق بك هكذا ثم أتركه معلّقًا في الهواء، ينزف دون صوت.
لو بيدي، لما تعلّم قلبي معنى الفقد من ظهرك، ولا حفظ ملامح الغياب من عينيك.
كنتُ سأخبئ نفسي بين أضلاعك، لا لأهرب من العالم، بل لأنني وجدت هناك النسخة الوحيدة مني التي لم تتكسّر بعد.
لكنني الآن، خارج حضنك، أكتشف كم كنتُ بلا وطن، كم كان صدري هشًّا دونك، وكم أن الفقد لا يأتي فجأة… بل يتسلّل ببطء حتى يسكن الروح.
أدركتُ أن الأوطان لا تُحتل دائمًا بالسلاح، أحيانًا تُفقد حين يبتعد من كان يسكنها.
وأنا… منذ رحيلك، أمشي بلا خرائط، أحمل قلبًا مشرّدًا، يفتّش عنك في كل الوجوه، ويعرف، في كل مرّة، أنك الوطن الوحيد الذي لن يعود.
تجمد المشهد كله في لحظة واحدة، كأن الزمن انكسر عند حافة النفس، والهواء المحيط بهم صار أثقل من أن يستنشق…
تراجعت الأصوات، وخفتت الهمسات، وباتت الحديقة الواسعة كقبر مفتوح ينتظر سقوط الجسد الأول…
كان قلب فهمي يخفق بعنف لا يليق برجل خبر الحياة، بينما رماح شعر بقبضة خفية تعتصر أحشاءه من الداخل، قبضة لا ترى، لكنها تمسك بوعد قديم وغضب مدفون ينتظر لحظة الانقضاض.
نهض فهمي فجأة، وشحب وجهه، وخرج صوته مبحوح متوتر ، كأن الرعب يجره من حنجرته: چري ايه يا باشا؟! ديه دخلت فرح بردك؟!
تقدم دياب بخطوة حادة، عيناه تقدحان شرر، وغضبه يتقدم لسانه: ومش اي فرح ديه… ديه فرح رماح الأنصاري!
رفع مأمور المركز حاجبه بابتسامة ساخرة، فيها مرارة أكثر من السخرية، وقال ببرود ثقيل: عشان كده چيتله بنفسي يا حچ دياب.
نهض رماح بارتباك واضح، بلع لعابه بصعوبة، وكأن حلقه ضاق فجأة عن الكلام، وهمس بصوت حاول أن يبدو ثابت وفشل:خير يا بيه… أنا عملت ايه؟
ربت المأمور على منكبه ربتة لا تحمل طمأنينة، بل إنذار مبطن، وقال بنزق قاطع: لا، عملت كتير يا رماح… اتسترت على موسى العزيزي.
اندفع فارس خطوة واحدة إلى الأمام، كأنها طعنة محسوبة، وخرج صوته حاد لا يعرف الرحمة:ديه غير الاختلاس اللي ثبت من الملفات في كل شحنة بينا وبين عساف العزيزي، وكنت انت وموسى بتجاسموا فيها.
سقط الصمت على الجميع سقوط الصاعقة، وتيبست الوجوه، وتكسرت النظرات تحت ثقل المفاجأة.
ارتجف رماح، وغضبه اختلط بالرعب حتى صار صراخه أقرب لاستغاثة:مش أنا يا اخوي! ديه موسى هو اللي لعب في الحسابات!
انقض فهمي عليه كالعاصفة، قبض على ياقة جلبابه بعنف كاد يخنقه، وهدر بصوت انفجر فيه القهر:
وانت نصصت معاه بدل ما توجفه عند حده؟!
هز رماح رأسه بجنون، عينيه تفيضان هلع، وصاح: كدب! يا عمي محصلش! فارس بده يحبسني عشان يملص من چوازي من نغم!
أومأ فارس برأسه ببطء، ابتسامة باردة ارتسمت على جانب فمه، قاسية كحد النصل، وهدر بتهكم قاتل:
ادهم.
ارتجف جسد رماح كما لو نزعت منه روحه، واتسعت عيناه بذعر فاضح.
مال فارس قليلًا للأمام، صوته انخفض لكنه صار أفتك، وغمغم :الملف… يا ادهم.
وفي تلك اللحظة، لم يعد الفرح فرح، ولا الزغاريد سوى صدى بعيد لشيء مات قبل أن يكتمل.
تقدم أدهم بخطوات ثابتة حازمة، لا تردد فيها ولا ارتجاف، كأن الأرض نفسها تفسح له الطريق.
وجهه جامدًا، عيناه معقودتين على لحظة انتظرها طويلًا.
أخرج الملف من خلف ظهره، كمن يخرج سكين أخفاها بعناية، وألقاه على الطاولة بقوة أحدثت صوت جاف شق الصمت، ثم قال بصوت قاطع لا يعرف المزاح:غلطت عمرك لما حطيت عنيك على اللي يخصني يا اخوي.
اشتعل وجه دياب غضب، وانفجر صوته كطلقة غاضبة:
يعني انت ورا الملعوب ديه؟! وديت شجيجك في داهية عشان تبعده عن خطيبته؟!
اندفع أدهم نحو والده بخطوات غاضبة، كل خطوة تحمل سنين من الكبت، وهدر بصوت مشحون بالقهر: عمرها ما كانت خطيبته ولا هتكون! انتو اللي وجفتوا في طريجي!
ثم التفت إلى فارس، ونبرة صوته انكسرت رغم صلابتها، وقال بحزن مكبوت: ولولا الغالي… كانت نغم هتضيع مني… أنا كت ندل معاه، وهو ردها لي بچدعنه بس في مجتل.
أدار فارس رأسه بعنف، كأن الكلمات صفعة، وقال بحدة جارحة:عشان ختيي… مش عشانك يا أدهم.
ارتفعت يد المأمور بإشارة حاسمة، صوته لا يقبل نقاش:
خدوه، وهاتوا الملف ديه.
اندفع العساكر، قبضوا على رماح وسط ذهول ثقيل شل الحاضرين، فصرخ برعب فاضح: لا! هملوني! أنا مليش صالح!
ركض دياب خلفهم، صوته مبحوح وهدر: استنوا! هملوه! وخدينه وين يا خلج؟!
ربت المأمور على منكب فارس ربتة سريعة، وقال بجدية خالية من المجاملة:متشكرين يا فارس.
أومأ فارس برأسه، وصوته خرج هادئ حزين، كمن يسلم روح لبارئها:العفو يا بيه… سلمان كان بني آدم زين، وحرام دمه يروح هدر… الله يرحمه.
أومأ المأمور، وغمغم بصوت أجش:الله يرحمه.
انصرف خلف العساكر، ومعه انصرفت الضوضاء،
وبقي الصمت… صمت ثقيل هبط على الصدور كالكفن،
لا زغاريد، لا فرح، فقط حقيقة عارية، وسقوط مدو لا يسمع له صدى.
ضرب رماح كف ع الآخر بذهول ، وهدر بصوت صارم : مكتش جادر تلم النصيبه ديه يا ولدي.. لحد بعد العجد.. بدل الچرس وسط الخلج!
نظر له فارس بغضب حاول اخفاءه ، وتقدم فهمي بخطوات غاضبة، وجهه متجهم كسماء توعدت بالعاصفة، وهدر بصوت!مرتفع يشق السكون: هنعمل إيه دلوق؟ بجينا فرجة، والناس مهتصدج يلسنوا على خيتك!
حول فارس أنظاره الي فهمي وهز رأسه بالنفي، ثباته كان أشد من الغضب من حوله، وقال بصوت قاطع لا يعرف التراجع:لا يا عمي… معاش ولا كان اللي يلسن على بت عاصم الأنصاري..
في تلك اللحظة، أخرج سند دعوة الفرح من جيبه، رفعها كدليل يغلق كل باب للجدل، وقال بهدوء محسوب:
الناس چاين فرح بت عاصم الأنصاري على ولد عمها أدهم الأنصاري يا عمي.
تجهم وجه فهمي أكثر، حاجباه انعقدا بدهشة مخلوطة بغضب حارق، وهدر:كيف يعني؟! وأنا كيف الأطرش في الزفة؟! وبعدين انتو خابرين زين ادهم ونغم مينفعش يتچوزو!!
اقترب منه فارس خطوة، صوته انخفض، لكن نبرته حملت خبث هادئ كحد السكين: نلموا الليلة دلوق يا عمي عشان الناس… وبعدين هفهمك كل حاچه… يكتب ادهم علي نغم احسن من الچرس!
ثم أدار رأسه قليلًا، وأشار إلى أدهم إشارة مختصرة حاسمة، وقال:يلا يا عريس… اكتب على خيرت الله.
انسلت دمعة ثقيلة من عين أدهم، دمعة لم يعرف لها طريق قبل تلك اللحظة…
نظر إلى فارس، وفي عينيه حزن وحسرة عالقة كغصة لا تنزل، ثم اندفع نحوه، ضمه بقوة، كمن يتمسك بآخر ما تبقى له، وغمغم بصوت متحشرج موجوع:سامحني يا خوي… أنا آسف.
ببطء، رفع فارس ذراعيه، احتواه، وربت على ظهره، صوته خرج خافت، لكنه مشبع بالوجع والرضا معًا: حرجتوا جلبي… بس مهنتوش عليا.
نظر إليه أدهم بعينين غارقتين، وقال بحزن صادق:
سامحني… ولو بدك أروح لحبيبة وأفهمها كل اللي حصل.
هز فارس رأسه بالنفي، نبرته كانت هادئة كقرار اتخذ وانتهى:حبيبة عارفة كل اللي حصل، وأنا هملتها تهدى وتاخد وجتها.
اقترب بدر بخطوات مترددة، صوته خرج مبحوح موجوع:طب وأنا يا غالي؟ سامحني يا اخوي… كفاية كده.
ابتسم فارس ابتسامة خفيفة عند طرف فمه، ابتسامة تحمل تعب السنين، وقال: تعالي يا بدر.
لم يتمالك بدر نفسه، وضم فارس بقوة، كمن يعوض خوف مر عليه، وهتف:حجك عليا يا اخوي… كت مرعوب عليك والله.
ربت فارس على منكبه، صوته ثابت، كمن يسلم راية الصمود:شد حالك يا اخوي… هتبكي كيف العيال يا بدر!
وفي الخلف، كانت الليلة تغلق جراحها على مهل،
فرح ولد من تحت الرماد،
وأخوة انكسرت… لكنها لم تسقط.
ربت سند على منكب أدهم بنزق مصطنع، كأنه يريد أن يطرده من دوامة التفكير، وهتف: يلا… الجاضي مستني يا عريس.
التفوا حول أدهم في دائرة صغيرة، دائرة تشبه الحماية أكثر مما تشبه الفرح، وقال فارس وهو يبتسم بثبات متعمد:يلا… متخافش.
نظر إليه أدهم بنظرة مشوبة بالارتباك، ثم انفلتت ضحكة قصيرة من بين شفتيه، ضحكة خرجت أعلى مما ينبغي، فضحكوا جميعًا بصخب حاول أن يغطي ما في الصدور من ارتجاف مكتوم.
جلس أدهم أمام فهمي، وجلس المأذون في صدر الطاولة، وتشابكت الأيدي فوقها المنديل الأبيض، كأن الزمن نفسه عقد أصابعه معهم.
بدأ المأذون بمراسم كتب الكتاب، وصوته يتردد بنبرة رسمية رتيبة، بينما كان فهمي وأدهم يرددان خلفه بصوت واثق، صوت يحمل سعادة مفاجئة، وذهول لم يهدأ بعد، كأن الأمر كله حدث أسرع مما يسمح للعقل بالاستيعاب.
في تلك اللحظة، رفع أدهم عينيه إلى فارس.
نظرته علقت هناك… وتاه.
عاد به الخاطر إلى الأمس القريب، إلى الغضب،
إلى الدمعة الثقيلة، إلى الفوضى التي كادت تبتلع الجميع،
إلى أخ كان على حافة السقوط، فمد له فارس قلبه قبل يده.
شد أدهم على يد فهمي دون وعي، وتنفس بعمق، كأنما يوقع لا على عقد زواج فقط، بل على عهد جديد…
عهد كتب بثمن باهظ،
وولد من رحم ليلة لم تكن عادية أبدًا.
فلاش باك
مساءا في سرايا الانصاري
أوقف فارس سيارته في حديقة السرايا، وترجل منها بخطوات مثقلة، كأن الأرض تشد قدميه إلى أسفل، وكأن الهواء نفسه صار أضيق من أن يحتمل…
لم يكد يغلق الباب خلفه حتى نهض أدهم من مكانه، والغضب الممزوج بالرعب يفور في صدره، وهدر بصوت منفلت:عچبك؟ نغم كانت بدها تطوح حالها من السطوح! يارب تكون انتجمت وشفيت غاليلك يا فارس!
تجمد فارس في مكانه لحظة، ثم اندفع نحوه بعينين اتقد فيهما القهر، وهتف: تطوح حالها من السطوح؟ كيف يعني؟!
اقترب أدهم بخطوات مشتعلة، كأن النار تسير تحت جلده، وهدر:أمال فكرك إيه؟ وانت بدك تچوزها رماح غصب عنيها؟ انت كيف مش حاسس بالچحيم اللي بدك ترمي أختك فيه؟!
في لحظة واحدة، قبض فارس على ياقة قميصه، شده إليه بعنف كمن ينتزع الحقيقة من صدره، وهدر:مش أنا اللي يرمي أخته الرمية ديه! رماح ديه ميستحجش ضافر نغم حتى… مش يتچوزها!
نظر إليه أدهم بنزق متفجر، وصاح:أنت مخوت! الفرح بكره بينه وبينه سواد الليل بس… إيه اللي في راسك؟ فهمني!
دفعه فارس بقوة، كأن صدره لم يعد يحتمل الأسرار، وهدر:أخوك حرامي! كان بيختلس هو ولد الحرام موسى… وأنا حطيت يدي على مستند فيه كل بلاويهم!
اتسعت عينا أدهم، لكنه تمالك نفسه وهتف: طب مستني إيه؟ بلغ، والغي الفرح!
نظر إليه فارس بحدة، وأخرج دعوة الفرح من جيبه، ولوح بها أمام عينيه وهدر:يعني يتلغى الفرح بعد ما وزعنا الدعاوي على الناس؟!
التقط أدهم الدعوة بيده ونظر فيها بعينين محتقنتين بالغضب، وهدر:في داهية الدعاوي والناس و
انقطعت كلماته فجأة.
جحظت عيناه بذهول صاعق، حين وقعتا على الاسم المكتوب.
تشنجت أصابعه حول الورقة، وهتف بصوت متكسر:
كـ… كيف؟ كيف اسم العريس أدهم دياب الأنصاري؟!
تحرك فارس من أمامه بخطوات غاضبة، كأن القرار صار أثقل من أن يناقش، وغمغم:مش عشانك… عشان نغم… يلا، خسارة في چتتك… ادي بطاجتك لسند عشان يخلص التحضير ويرتب كتب الكتاب.
اندفع أدهم خلفه، قبض على ذراع فارس بكل ما فيه من ندم، وصاح بصوت متحشرج موجوع:استنى يا أخوي… أنا آسف. أنا غلطان!
سحب فارس ذراعه من بين يديه بقسوة موجعة، وقال ببرود يقطع: أسامحك عشان غدارت بيا؟ طب كيف؟
ثم انصرف، تارك خلفه صدى خطواته كحد سكين في الصدر.
وقف أدهم في مكانه، ينظر في أثره، حزن ثقيل يطبق على قلبه، وحسرة تعرف لأول مرة معنى أن تخسر أخاك…وأنت ما زلت واقف على قدميك.
…عودة…..
فاق أدهم على صوت سند يهزه من شروده: امضي يا أدهم… روحت وين؟
ابتسم أدهم ابتسامة خفيفة، فيها طمأنينة من نجا من حافة هاوية، والتقط القلم…
وقع اسمه بثبات ، كأنه يوقع قدره لا ورقة.
تلاه بدر، ثم فارس كشاهدين، فرفع سند الدفتر عاليا وهتف بصوت جهوري: همضي العروسة!
أومأ فارس برأسه، فتحرك سند إلى الأعلى، وما إن خطت قدماه الدرج حتى انطلقت الأعيرة النارية تشق الهواء، تشتعل في السماء كنجومٍ مجنونة، وتدوي كأن الأرض نفسها تزغرد.
عاد سند بالدفتر، وفي لحظة واحدة اشتعلت السرايا فرحا؛
زغاريد تتلاحق، ضحكات تتعالى، وأصوات الرصاص تزلزل الأرض تحت أقدامهم، حتى خيل لمن في الداخل أن الجدران ترقص معهم…
أشار أدهم إلى فارس، وقال بنبرة دافئة لم يعرفها صوته من قبل: يلا… بدي آخذ نغم وأروح أطمن أمي.
أومأ فارس، ولوح له بيده إشارة موافقة، فتحركوا إلى الداخل.
وما إن وطأت قدماها بهو السرايا، حتى انفجرت الزغاريد من أفواه النساء، عالية، متلاحقة، كأنها إعلان رسمي بأن الحزن خرج من هذا المكان بلا عودة…
نهضت وهيبة وفاطمة في اللحظة ذاتها، دهشة حادة شقت ملامحهما حين اكتشفتا غياب رماح… ووجود أدهم مكانه، واقف كحقيقة أربكت كل ما اعتادته القلوب…
اقتربت هند وإيمان بخطوات حذرة، وانحنت ايمان قرب أذن نغم وهمست بصوت خافت، كأنها تخشى أن تكسر هشاشتها:يلا يا عروسة… العريس وصل.
ارتجف جسد نغم بعنف، كأن الاسم وحده صفعة.
انسابت دموعها بقهر ثقيل تحت الطرحة التي أخفت وجهها، لا خجلًا من الناس، بل خوف من أن ينكشف وجعها على الملأ…
نهضت بصعوبة، قدماها لا تحملانها، وروحها أرهقها الفقد قبل أن تفهم الخلاص.
اقترب أدهم بخطوات بطيئة، مترددة، كمن يسير على أرض قابلة للانهيار.
توقف أمامها، شعر باهتزاز جسدها، رأى دموعها تتسلل من بين جفنين مطبقين بقسوة، كأنها اختارت العمى على أن ترى ما يحدث ..
مد يده، رفع الطرحة ببطء مهيب…وتجمد قلبه.
كانت أمامه…زوجته….حبيبته… قدره الذي عاد من حافة الضياع.
تأملها بعشق صامت، بعينين لا تصدقان أن الله أنصفه أخيرًا….
خرج صوته متحشرج، لكنه حنون، دافئ كحضن طال انتظاره: مبروك… يا عروستي.
شهقت نغم، وكأن الروح أدركت الحقيقة دفعة واحدة.
تجمدت، رفعت وجهها بذهول صادم، وانهمرت دموعها بلا قدرة على التماسك.
ابتسم أدهم بسعادة صافية، ومد يده يمسح دموعها بحنان خالص، وقال بخفة كسرت حدة اللحظة: مفيش الله يبارك فيك يا عريس؟
رمشت نغم بعينين مذهولتين…ثم انهار جسدها.
جحظت عينا أدهم رعب، التقطها قبل أن تمس الأرض، وصرخ بصوت شق القلوب: نغــــم!
التف الجميع حولهما…هتف فارس برعب عار من القسوة::
نغم! فوجي يا نغم… فوجي يا حبيبتي!
ربت أدهم على وجنتها، صوته يرتعش وهمس: نغم… حبيبي… فوجي يا عمري.
ربتت وهيبة على يدها بقلب أمٍّ يرتجف لا يحتمل السقوط:مالك يا بتي… افتحي عينيكي يا ضنايا.
اقتربت مريم مسرعة تحمل كوب ماء وهتفت : خدي يا خوي.
أخذ أدهم الكوب، قربه من فم نغم، ولحظات ثقيلة مرت…ثم تنفست…وفتحت عينيها ببطء.
رفعت بصرها، حدقت في أدهم بذهول، وهمست بصوت تائه:أنا وين؟… إنت جولت إيه؟
انفجر الجميع في الضحك، ضحكة نجاة لا سخرية فيه.
حملها أدهم بين ذراعيه ونهض، وقال وهو يضحك:
جولت مبروك يا عروستي…ووچعتي من الفرحة، وديه محسوبة لي ولا عليا؟
هزت رأسها بذهول ،وتشبثت بياقة سترته كأنها تفشي أن يختفي من أمامها ،وغمغمت بدموع:كيف يعني؟
ربت فارس على وجنتها بحنو أخوي،يعرف ثقل الخوف، وقال مبتسم : إنتي هبلة يا نغم؟ كيف تصدجي إني أعمل فيكي كده؟ انتي شجيجتي… حتة مني.
نظرت له بحب صاف، وهمست: كنت عارفة… بس خوفت الغضب يعميك.
قبّل فارس يدها، وصوته أجش دافئ:لا يا جلب أخوكي… إلا انتي… أنا كان بدي أربي التور ديه.
ابتسم أدهم بسعادة خالصة وقال :حجك يا غالي… حجك يا أخوي.
ابتسم فارس بطرف فمه، وأشار بيده: يلا يا خوي… خد عروستك وتوكل على الله.
أومأ أدهم، وتحرك بها نحو الخارج، والجميع خلفهما.
الزغاريد تشق السماء، والأعيرة النارية تزلزل الأرض،
والسعادة ترى قبل أن تسمع.
وضعها أدهم في السيارة بحنان، دار حولها، صعد هو وبدر مكان السائق ، وانطلقت السيارات خلفهم…
زفة أسطورية، ولدت من رحم القهر، لتعلن أن بعض الأفراح…لا تأتي إلا بعد أن تكسر القلوب… ثم تجبر.
وأن بعض النهايات، حين تتأخر، تأتي أعنف… لكن أجمل.
…..
في المستشفى
دلف ضابط الشرطة إلى الغرفة، وخلفه مجموعة من العساكر، وأمير يسير بينهم ككتلة غضب تمشي على قدمين.
الشرر يتطاير من عيونهم، والهواء في الغرفة انكمش كأن الجدران نفسها تحبس أنفاسها.
نهض فواز فجأة، الدهشة تشق ملامحه، وقال بصوت متوجس: خير يا عامر بيه؟
في تلك اللحظة، ابتلع موسى ريقه بصعوبة، قبض على كف أبيه بكل ما تبقى له من قوة، وجسده يرتجف كغصن في مهب عاصفة.
تقدم عامر خطوة، وصوته خرج أثقل من قدرته على الاحتمال: والله مش عارف أجولك إيه يا حاج فواز… بس ولدك جتل أخوه.
تجمدت الدماء في عروق فواز… شعر كأن الأرض انسحبت من تحت قدميه، وكأن الزمن سحب منه فجأة. تمتم بصوت متلعثم، يكاد لا يسمع: كيف… كيف يا بيه؟
أخ يجتل شجيجه؟
اندفع أمير للأمام، قبض على ياقة جلباب موسى بعنف كاد يخلعها، وهدر بصوت مزق الغرفة: اسأل الشجيج اللي هان عليه يدفن أخوه وهو حي!
سقط فواز على الكرسي خلفه كمن ضرب في صدره بسكين، وانفجرت دموعه بلا وعي، وهمس بصوت منكسر: سلمان… اتدفن بالحيا؟
حاول موسى دفع أمير وصرخ بهستيريا: كدب! كدب!
أنا أعمل كده في أخويا؟! سيبني يا أمير!
لكن أمير سحبه بقسوة، وألقاه أرضًا، وهدر وهو يشير إليه بازدراء: كداب! الخسة والندالة طافحين من وشك!
زحف موسى للخلف على الأرض، يزحف ككائن مكسور، وصرخ بصوت مرتعد: هملني يا أمير! أنا ما عملتش حاچةيا أبوي… سلمان في سكندرية!
اندفع أمير نحوه بعنف أعمى، فأمسك عامر بذراعه بقوة: خلاص يا أمير…وما تضيّدعش حالك علشان الـ**** ديه.
ثم أشار إلى العساكر بحسم لا يقبل النقاش: خدوه. يلا.
تقدم العساكر، سحبوا موسى وهو يرتجف رعب، صوته خرج مبحوح : الحجني يا أبوي…ما تصدجهمش!
نظر أمير إلى فواز بعينين مثقلتين بالحزن، اقترب منه وربت على كتفه، وقال بصوت خافت مكسور: البقاء لله يا عمي… سلمان كان طيب وابن حلال…الله يرحمه… ادعيله.
كان صوت أمير يصل إلى فواز كصدى بعيد، مشوه، بلا معنى.
رفع عينيه بذهول فارغ، ثم انطفأ الجسد فجأة… وسقط أرضا.
اندفع أمير نحوه، التقطه برعب: عمي! عمي!
ثم صرخ بكل ما في صدره: دكتـــور!
……
في منزل أدهم الأنصاري،
وقفت هنية عند عتبة الدار، كوب الحليب يرتجف بين يديها، وفي صدرها حسرة ثقيلة لم تجد لها اسم…
لم تكد تلتقط أنفاسها حتى انقلب ذلك الثقل ذهول مشوب بفرحة خاطفة، حين فتح باب السيارة، وانحنى أدهم، حمل نغم بين ذراعيه، وصعد بها الدرج بخطوات سريعة، كمن يخشى أن تنتزع منه غنيمته في أية لحظة، كأنها نجت من حرب لا يحكى عنها.
انفجرت زغاريد هنية، ممزوجة بدموع الفرح، وتتابعت الزغاريد من كل صوب، تتخللها الأعيرة النارية تشق السماء، كأن الليل نفسه يعلن الاستسلام لهذه السعادة المفاجئة.
توقف أدهم، أنزل نغم برفق بالغ، وضم والدته بسعادة طفولية وهتف: بركيلي يما.
احتوته هنية بذهول مخلوط بالفرح، وصوتها يرتعش: مبروك يا جلب أمك… أخيرًا يا ولدي.
ابتسم أدهم، بينما ضمت هنية نغم بسعادة صافية، وهتفت: مبروك يا ضنايا.
ربتت نغم على منكبها برفق، وهمست بصوت مرتجف يخالطه الخجل: الله يبارك فيكي يا مرت عمي.
مدت هنية كوب الحليب قائلة: اشرب يا ضنايا… ربنا يچعل حياتكم بيضا كيف الحليب.
ارتشف أدهم نصف الكوب، ثم قربه من نغم، فابتسمت له ابتسامة مرتعشة، تحمل بقايا الدهشة والخوف، وارتشفت منه القليل.
تأملتهما هنية بدهشة لم تجد لها تفسير، وقالت: بس… كيف ديه حصل؟ ووين رماح وأبوك؟
أشار أدهم بيده في هدوء مقصود وقال : هفهمك بعدين يما.
أومأت برأسها، واقتربت منه وهمست، والقلق يأكل أطراف صوتها: طب هتعمل إيه دلوق يا ولدي؟ خلي نغم تنعس في أوضة إيمان أحسن.
ربت أدهم على منكبها برفق، وقال بثبات يطمئن ولا يشرح: متخفيش يما… هدي حالك.
أومأت هنية على مضض، بينما الرعب لا يزال ينهش قلبها بصمت.
انحنى أدهم، حمل نغم بين أحضانه، فلفت ذراعيها حول عنقه بخجل غريزي، كأنها تتشبث بالأمان ذاته، وتحرك بها إلى الأعلى وسط الزغاريد التي كانت تزلزل الأرض تحت قدميه.
أنزلها برفق، فتح باب الشقة، وما إن شهقت حتى حملها من جديد، دلف بها إلى الداخل، وأغلق الباب بقدمه بعنف مكتوم، كأنه يغلق العالم كله خلفهما.
اتجه إلى غرفة النوم، ووضعها على السرير برفق مهيب، كما توضع ماسة نادرة، يخشى صاحبها أن يجرحها حتى بالنظر.
جلس أمامها يتأملها طويلًا، كأنها حلم قديم خرج من ذاكرة الليل وتجسد فجأة في وضح النهار…
كانت ملامحها هشة، مشدودة بخيط رفيع من الخوف والدهشة، وكأنها لم تصدق بعد أن هذا الأمان صار قريبًا إلى هذا الحد.
اقترب ادهم قليلا، فارتدت نغم إلى الخلف بذعر غريزي، ورفعت يدها على صدره كمن يضع حاجزًا بين قلبين،
وهمست بصوت مرتجف: أدهم… الجهر الخفي… وأنا بترعب، والنبي…
توقف فورًا، كأن كلماتها سحبت النار من عروقه دفعةً واحدة…
أمسك يدها برفق، لا كمن يقيد، بل كمن يطمئن، وانحنى فطبع قبلة حنونة على كفها…
تسلّل إلى بطنها ألم خفيف، مزيج من التوتر والرهبة، فشدت أنفاسها دون وعي…
رفع عينيه إليها، وصوته خرج خافت، ثابت، يقطر صدق:
متخفيش… أنا عمري ما أخاطر بيكي، ولا أخليكي تخافي.
شد على يدها قليلًا، كأنه يزرع وعده في نبضها،
اقترب منها حتى لم يبق بينهما سوى نسمة خفيفة مشتعلة بالشوق، صارت أنفاسهما يختلطان في هواء واحد يغلي بالرغبة المكبوتة…
انحنى قليلاً، فأصبحت شفتاه تلامسان شفتيها دون أن يلمسان بعد، حرارتهما تندمج في توتر يشعل الجلد، وهمس بصوت أجش مشبع باللهيب والعذاب الداخلي:
بس أدوج طعم شفايفك وبس.
ارتجفت يداها وهي تحاول دفعه بعيدًا، لكن الوهن غلبها، فلم يكن دفعها سوى لمسة خائفة مترددة على صدره الصلب، وقلبها يدق بعنف يهدد بكسره… همست بصوت مرتعش يكاد ينكسر: ادهـ…
لم يمهلها… في لحظة واحدة، كأن يأسا قد انفجر في صدره كبركان، قبض على شفتيها بقبلة رجل يغرق ويتشبث بآخر نفس له….
رفع يده خلف عنقها، أصابعه تشتد في شعرها كمخلب يغوص في اللحم النابض، يثبت رأسها كي لا تفلت منه، ثم التهم شفتيها كمن ينهش الخلاص الأخير بجوع يفترس شفتيها..
أمسك بشفتها العلوية أولاً، امتصها بعنف ممزوج بالجوع والألم الحلو، امتصها حتى شعرت بنبضها يتسارع تحت لسانه الحار المتجول، يلعق شفتها بلذة تذيب الحدود،
يشعر بدفء لحمها يذوب في فمه كعسل ساخن،
رائحة عطرها تمتزج بانفاسه بإثارة تسكر حواسهم
ثم انتقل إلى السفلية، يلتهمها بنفس الجنون، يعضضها برفق مؤلم يحول الألم لذة، ثم يمتصها مجددا حتى احمرت وانتفخت من شدة الامتصاص، دمها الدافئ يسيل على لسانه كخمر الجنون المنهمرة…
ويد أخرى تنزلق على خصرها يضغطها نحوه في احتضان يذيب العظام، أنفاسه الحارة تغرق وجهها بينما جسده يلتصق بجسدها في رعشة مشتركة تشعل كل خلية
ثم جمع شفتيها معاً داخل فمه، ينهشهما بعنف لم يعد قادر على كبحه، لسانه يغزو فمها بعاصفة من الرطوبة والحرارة الغوية، يلعب بلسانها في رقصة محمومة تثير أنين مكبوت، يبتلع صراختها القصيرة كوقود لناره الداخلية التي تهدد بإحراق العالم،
الإثارة تسري في عروقهما كسيل جارف يغرق الحواس في بحر من اللذة المؤلمة والاستسلام اللاواعي.
حاولت نغم دفعه بيديها الضعيفتين، جسدها يرتعش من التوتر والاختناق الحميم، وهي تكافح للتنفس تحت وطأة القبلة الجارفة التي تسرق الهواء والعقل، وغمغمت بصوت مختنق بين شفتيه: أأدهم في إيه… مش جادرة أتنفس…
لكنه لم يتركها … ظل يمسك بها، أنفاسه الثقيلة تملأ فمها برائحة الشهوة المكبوته، كأنه يحاول أن ينقل إليها كل ما لم يستطع قوله بالكلام، كل الشوق والغيرة والخوف الذي يعصف به من الداخل، جسداهما ملتصقان في رعشة مشتركة تدعو إلى الغرق الكامل
حاول أدهم تمالك نفسه، فأغمض عينيه بقهر كثيف امتزج بغضب يخدش صدره من الداخل…
نهض عنها فجأة، كأن البقاء أكثر لحظة سيكسر آخر أسوار السيطرة، وخطا مبتعد بخطوات سريعة متوترة، وغمغم بصوت أجش يحاول أن يبدو عادي: غيري فستانك… وأنا هچبلك العشا، ناكلو سوا… أنا ليا يومين مكلتش.
كذب على نفسه قبل أن يكذب عليها؛ فالجوع لم يكن في معدته، بل في قلبه وروحه… دمه ..
بلعت نغم لعابها بتوتر وخجل، وكأن الكلمات علقت في حلقها قبل أن تجد طريقها للخروج…
حاولت النهوض، وارتجفت أصابعها وهي ترفع طرف فستانها قليلًا، ثم همست بصوت خافت مرتعش: وأنا… بردك.
أومأ برأسه سريعًا، محاول أن ينتزع عينيه من ملامحها قبل أن تخونه رجولته، قبل أن يعود خطوة واحدة إلى الخلف فينهار….
اتجه نحو الباب، لكن قدميه خذلتاه فتوقف، التفت إليها، وخىج صوته أثقل مما أراد: هتعرفي تغيري الفستان لوحدك؟… ولا تحبي أساعدك؟
جحظت عيناها بذهول صادم، اختلط بالخجل حتى احمر وجهها، وهزت رأسها نفي بسرعة، وهمست بتلعثم صادق: لا… اعرف… اطلع إنت.
أومأ برأسه، وبلع لعابه بصوت مسموع، كأن حلقه صار صحراء فجأة…استدار وخرج من الغرفة، وأغلق الباب خلفه، ثم أسند جبهته عليه وزفر بنزق مكتوم: يا ويلي منك… الأوضة كنها چهنم الحمرا، وإنتي جدامي كده!
مسح حبات العرق المتجمعة على جبينه، ومرر يده على وجهه كمن يحاول أن يوقظ نفسه من فتنة ثقيلة…
ثم تحرك بخطوات سريعة نحو خارج الشقة، أغلق الباب خلفه بقوة خفيفة، وهمس بسخريةٍ موجوعة وهو يهبط الدرج: جال يومين مكلتش… ده أنا لو فضلت دجيجة تاني، كت هاكلك علي جطمه واحده…
في الغرفه ..
دارت نغم حول نفسها بعنف، قلبها يشتعل بين التوتر والغضب، وأصابعها المرتجفة تكافح رابط الفستان الذي أبى الانصياع لرغبتها…
اقتربت من أحد الأدراج، فتحته ببطء، وقبل أن تجد الحل، وقع نظرها على مقص
صغير..
قبضت عليه بيد مرتجفة، قلبها يخفق بعنف، وبلا تردد قصت الرابط، كأنه يقيد حرية نفسها، ثم نزعت الفستان وألقت به على أحد الكراسي كأنه عبء ثقيل.
تحركت بخطوات مترددة نحو غرفة الملابس، عينيها تتجول بين ثنايا ملابس أدهم، وتغمرها مزيج من الدهشة والحنين… همست بصوت خافت، مرتعش: دول بتوع أدهم… بس أنا؟ أمال حاچتي أنا وين؟
سحبت كنزة من بين ملابسه، وتنهدت ببطء، ثم اتجهت نحو المرحاض، كأنها تبحث عن ملاذ مؤقت، لحظة تلتقط فيها أنفاسها وتعيد ترتيب نفسها بعد صراع داخلي لا ينتهي.
بعد دقائق ثقيلة كالعمر، عاد أدهم وهو يحمل صينية العشاء…
توقف عند منتصف الغرفة حين وقعت عيناه على الفستان الملقى بلا روح فوق الكرسي، كجسد خلع منه الأمان… زفر بحسرة، وانفلتت منه غمغمة موجوعة:
جلعتك… كان نفسي تفشلي وتستناني!!
وضع الصينية على الطاولة، وجلس على الكرسي كمن ينتظر قدره، عينيه لا تفارقان باب المرحاض… مرت اللحظات بطيئة، متثاقلة، حتى فتح الباب قليلًا… لا أكثر.
ظهرت نغم منزوية خلفه، نصف جسدها مختبئ، ونصف قلبها يرتجف… رفعت عينيها نحوه، وهمست بصوت خافت كأنها تعتذر عن وجودها: أدهم… أنا بدي أي حاچة من هدومي.
نظر إليها بدهشة قصيرة، ثم اتسعت عيناه وهو يتذكر. نهض وقال بصوت حاول أن يجعله مطمئنًا: آه… صح. حطوا حاچتك في شجة رماح، والمفتاح معاه… بكره أكسر الباب وأنجلك كل اللي ليكي، يا روحي.
اقترب من باب المرحاض خطوة أخرى، وتردد قبل أن يسأل: تحبي أچبلك جميص ولا تيشرت من عندي لحد الصبح؟
أومأت بخجل، بالكاد يرى، وقالت: أنا… لابسة تيشرت.
اندفعت دقة في صدره…دفع الباب قليلًا، وعيناه تلمعان بشغف لم يستطع كبحه، وهمس بصوت أجش خانته السيطرة: طب… وريني كده.
هزت رأسها بالنفي بسرعة، واشتعل وجهها خجلًا:
لا… عيب. أصله جصير جوي.
لكن أدهم لم يعد يسمع غير خفقان قلبه… دفع الباب أكثر، ومد يده، وسحبها إلى الخارج… شهقت بفزع، حاولت دفعه، والدموع تتجمع في عينيها: لا… اوعى يا جليل الأدب!
لكنه ضمها إليه، ضمة رجل خائف قبل أن يكون عاشق.. تأملها كمن وجد روحه بعد ضياع طويل… مرر يده على خصرها، وسحبها إلى صدره، وهمس في أذنها بحنو موجع: يابوي… چمالك يچمد الدم في العروج يا بت… أنا حاسس كأني كله عصب واجف، وهيموت عليكي…
حاولت دفعه بوهن، جسدها يرتجف، وخرج صوتها مكسور بالخجل: أ أدهم، لا… اوعى.
رفع ذقنها برفق، كأنها شيء ثمين يخشى كسره، ونظر في عينيها بكل الحب والخوف والجنون الذي خبأه سنين، وقال بصوت أجشّ صادق: كنت هموت بحسرتي لو ضيعت مني يا نغم عمري.
عضت شفتها بخجل موجوع، وهمست: اليومين اللي فاتوا… كانوا أصعب يومين في حياتي… بس كانوا أكتر يومين حسيت فيهم إنك چنبي، وجريب مني.
اقترب، وقبل طرف شفتيها برقة مرتعشة، مرة… ثم أخرى، كأنه يخشى أن يصدق أن هذه اللحظة حقيقية. مرر شفتيه على وجنتها بحنان بالغ، وهمس: أنا طول عمري چنبك… بس من خوفي عليكي، كنت أوچعك وأوهمك إني بعيد.
وفي صدره، كان قلبه يصرخ: سامحيني… خفت أكثر مما يجب، وأحببت أكثر مما أظهرت.
انحنى وحملها بين ذراعيه كمن يلتقط روحه بعد سقوط طويل، واتجه بها إلى الكرسي وجلس، ثم أجلسها على ساقيه، محاصر إياها بصدره ودفئه….
مرر نظره على ملامحها بامتلاك لم يعد يخفيه، وهمس بصوت خشن تغلفه غيرة قديمة متراكمة: عارفة… لما كان يچي عليكي عريس؟ كنت أتخنج…أروح لولد الـ**** وأطلع عليه چتته السواد، لحد ما ياخد في وشه ويغور وما يعودش تاني.
رفعت حاجبها بدهشة صافية، كأنها تعيد ترتيب عمر كامل في رأسها، وقالت ببطء: يعني… إنت اللي كت بتطفشهم؟
ابتسم بعبث لا يخلو من وجع قديم، مد يده إلى الصينية، قطع قطعة لحم، وقربها من فمها وتمتم: أمال فاكرة إيه؟
هو أي راچل يچي عليكي، ممكن يهملك؟
دي عينه كانت تطمع من أول نظرة.
كلهم كانوا فاكرين إنهم ياخدوكي مني…
بس أنا كنت أطلع روحهم واحدة واحدة، لحد ما يغوروا.
تناولت نغم قطعة اللحم بهدوء، عيناها شارده، وصوتها خرج ناعم، صادق، موجوع: وأنا…كنت أزعل لما حد يچي، وأفرح جوي لما ميعودش…
كنت بحبك من أول مرة عرفت يعني إيه حب…
ومن أول ما جلبي فهم يعني إيه يترعش، ويفرفط، ويخاف وهو صاحي على اسم حد.
بس عمري ما چه في بالي… إنك بتحبني كده.
لم يمنحها فرصة لتكمل… اقترب فجأة، وقبلها على شفتيها قبلة عميقة، مختنقة بالشوق، كأنها اعتراف مؤجل انفجر دفعة واحدة. سند جبهته على جبينها، أنفاسه حارة، وخرج صوته مبحوح صادق: انتي حبي…
وحجي من الدنيا….من أول ما حبيتك، النوم فارجني، والخوف لزمني…كت عايش على فكرة واحدة
إني ممكن أخسرك… العشية دي أخيرًا…
هعرف أنام، وأنا مطمن، وحبيبتي چوه حضني.
حاوطت نغم عنقه بذراعيها، وكأنها تتأكد أنه حقيقي، دفنت وجهها في عنقه، وانسابت دموعها ببطء، بلا نحيب، بلا صوت، وتمتمت بصوت مكسور: أنا… لسه مش مصدجة يا أدهم.
شدها إليه بقوة، قوة رجل عاد من الموت لتوه، ومسح على شعرها بحنان مرتعش، وهمس: ولا أنا، يا عمري…
ولا أنا.
أسندت رأسها على منكبه، وتسللت السكينة إلى جسدها لأول مرة منذ أيام…
أغمضت عينيها دون مقاومة، كأن جسدها استسلم أخيرًا بعدما تأكد أن هذا الحضن لن يخذله.
مرر أدهم كفه على رأسها وظهرها بحركات بطيئة، هادئة، حنونة، كمن يهدئ طفل خائف من العالم….
راقب أنفاسها وهي تهدأ تدريجيًا، حتى سقطت في نوم عميق… نوم لم تعرفه منذ يومين.
ابتسم أدهم، ابتسامة رجل انتصر بعد حرب طويلة، وحملها مرة أخرى بين ذراعيه…
نهض بها إلى السرير، وضعها برفق شديد، كأنها نسمة لو شد عليها قليل لانكسرت…
تمدد بجانبها، سحب الغطاء الثقيل عليهما، ثم جذبها إلى صدره، ذراعه تطوقها بإيمان لا شك فيه.
ظل مستيقظ، يحدق في السقف، لا يصدق… أنها هنا.
بين أحضانه…في نفس السرير.
كأنها معجزة تأخرت… لكنها وصلت أخيرًا.
…..
في سرايا العزيزي
أوقف فارس الفرس بمحاذاة سور السرايا، شد اللجام بيد تعرف طريقها جيدًا، ورفع بصره إلى شرفة غرفة حبيبة.
هناك، حيث يسكن قلبه دون إذن، ودون وعد.
أخرج هاتفه، عبث به قليلًا كمن يؤجل وجع يعرف أنه آت لا محالة، ثم طلب رقمها.
رفع الهاتف إلى أذنه…
ثوان تمر بطيئة، ثقيلة، بلا جواب.
أنزل الهاتف، عاد ينظر إلى الشرفة، وهمس بصوت خرج من بين ضلوعه لا من فمه: حني عليّ يا حبة جلبي… دانتي جاسية جوي.
عاود الاتصال، وهذه المرة كانت عيناه معلقتين بالشرفة كغريق يحدق في طوق نجاة….وفجأة…
اشتعل الضوء في الغرفة.
ابتسم.
ابتسامة رجل صدق للحظة أن المعجزة قررت أن تزوره.
لكن الهاتف ظل صامت..
في الأعلى
جلست حبيبة وسط السرير، الهاتف بين يديها، تحدق في اسمه وكأنه ذنب قديم عاد ليطالبها بالحساب…
ابتلعت لعابها بتوتر، ثم ألقت الهاتف على الفراش بغيظ مكتوم، وهمست: بجِح جوي… يعني لسه ليك عين؟
لم تمر لحظات حتى اهتز الهاتف برسالة…تناولته، قرأت، فارتفع حاجبها بنزق واضح. حبيبة… هتردي ولا أدخل أكلم أبوكي؟والمره ديه هطخه بالنار صح لو رفضني!
ضغطت على أسنانها، عضت إصبعها غيظا، وتمتمت: إن شاء الله تكلم العفريت بنفسه.
رن الهاتف من جديد….هذه المرة لم تحتمل.
أجابت، وصوتها خرج مشدود، حاد: انت واخرتها إيه معاك يا فارس؟بعد عني وارحمني!
جاء صوته خافت، مبحوح، كأنه عبر مسافة وجع طويلة: أبعد عن روحي؟عن حتة من جلبي؟ كيف يعني يا حبيبة…
ثم صمت لحظة، وكأنه يجمع شظايا قلبه، وأكمل: نغم وادهم اتچوز ، وادهم خلاص خدها…. كنت ناوي أوجع، وأنتجم، وأعذب…بس لأجل الورد، تتسجى الأرض.
ولأجل عيونك اللي كيف التلج الحي…
وجيتك سوهاچ، ووجفت الچوازة اللي من أولها كانت عشانك…كله… من أوله لآخره… عشانك.
أغمضت حبيبة عينيها، وزفرة ثقيلة خرجت منها دون إذن، وهمست براحة صادقة: الحمد لله…
ابتسم فارس ابتسامة جانبية، فيها شقاوة عاشق لم يتعلم الهزيمة، وقال بعبث دافئ: وحشتيني جوي… جوي يا حتة النور…اطلعي البلكونة… بس طلة، عشان خاطري يا حبيبي.
وكان يعرف…أن الطلة الصغيرة هذه، كفيلة بإشعال حرب جديدة في قلبه، لكنه لا يمانع قليلًا من الحريق..
زفرت حبيبة زفرة مثقلة بتعب أكل صدرها، وقالت بصوت واهن حاولت أن تلبسه قسوة لا تملكها: إنت لسه فاكر إن ليك خاطر عندي؟ محدش دلوق يهمني…
حتى حديتك ما بجيش يأثر فيا.
الأول كان جلبي بيحس، وكلامك كان يخليه يرتعش…
دلوق خلاص، ما بجاش بيحس.
جلبي مات بعد عني يا واد الناس.
دار الفرس تحت فارس دورة عصبية، كأن جسده التقط ارتعاش قلب صاحبه، وكأن الكلمات سكاكين تغرز في خاصرته واحدة تلو الأخرى.
شد اللجام بيد مرتجفة، وخرج صوته متحشرج، موجوع: جلبك مماتش يا حبة جلبي…هو بس حزين…
وأنا جلبي محروج عليكي.
أنا معاكي… في حزن، في فرح، في أي حاچة، وفي أي ظروف…
هنعدي كل دي سوا، حتى لو الدنيا وقفت ضدنا.
نهضت حبيبة، اقتربت من زجاج الشرفة، وقفت أمامه كأن بينهما بحار لا ترى…نظرت إليه، ودموعها تنزل ببطء قاتل، لا صراخ فيه ولا استعطاف.
تمتمت بصوت مبحوح: فارس…
قطعها قبل أن تكمل، صوته خرج حنون حد الألم: يا حبة جلب فارس…إنت فرحة عيني اللي عمري ما هتنازل عنها… حبيبة، أنا عايش عشانك… إنتي النفس اللي رابطني بالحياة…عارف إنك تعبانة دلوق، وأنا تعبان معاكي…وهنخف سوا.
انهارت.
جلست على الأرض، أسندت ظهرها إلى الحائط، وضغطت الهاتف بين كفيها بعنف، كأنها تحاول اقتلاع صوته من عقلها، لكنه كان يسكنها أعمق من ذلك.
كان بداخلها جنون يعرف طريقه إليه مهما أغلقت الأبواب، شوق لعنته ألف مرة، وما زال حيا.
كانت تريد أن تسمع… وتكره أنها تريد.
جاء صوته من الهاتف كيد تخترق كل دفاعاتها: هستناكي يا حتة النور…هستناكي طول عمري… هستنى الساعة اللي ترچعي فيها لحضني…حضن اللي موشوم باسمك، وحدك….ولحد آخر دجيجه في عمري.
شهقت حبيبة بنحيب حاد، كأن شيئًا انكسر دفعة واحدة، وصرخت: كفاية كدب!حضنك اتحرم عليا… دلوق
لمرتك وبس!
هز فارس رأسه بعنف، وصوته جاء قاطع لا يقبل نقاش: لا يا حبيبي، والنعم لا….حضني ليكي وبس….وكل حتة فيا ليكي… إنتي أول العشج وآخره….احتليتيني يا حبة جلبي…استعمرتيني من چوه وبره….مافيش غيرك.
انتي مرتي، وأم عيالي، والنور اللي نور عيني ومسح حزني…إنتي وبس.
انزلقت دموعها بقهر موجع، أغلقت الهاتف فجأة كمن يقطع شريان، وألقت بنفسها على الأرض.
تكورت على ذاتها، احتضنت جسدها المرتعش، تحاول كتم شهقاتها بصعوبة، بينما قلبها الذي ادعت موته كان يصرخ، ويثبت لها، للمرة الألف… أنه ما زال حيا،
ومكسور، وباسمه.
في الأسفل،
تعلق نظر فارس بالهاتف لحظة أخيرة، كأن بينه وبينه خيط لم يقطع بعد، ثم رفع وجهه نحو الشرفة الخالية، وصوته يخرج مكسور بحسرة صافية: هونها وحنن جلبها يا رب…وصبرني وبرد جلبي.
ضغط بكعبه على بطن فرسه وهمس بصوت متحشرج، كأن الكلام يخرج من بين شقوق قلبه: يلا يا هزيم… يلا يا صاحبي.
دار هزيم ببطء ثقيل، كأنه يشاطره الوجع، كأنه هو الآخر لا يريد الرحيل…
خطا خطواته الأولى مترددا، وفارس لا يكف عن الالتفات، مرة بعد مرة،ينظر إلى الخلف في كل نبضة، في كل نفس،
على أمل صغير، عنيد، أن تفتح الشرفة، أن تظهر،
أن تلوح، أن تقول كلمة واحدة تغير المصير.
لكن الشرفة ظلت صامتة، والسرايا ابتلعتها العتمة شيئًا فشيئًا، حتى اختفت تمامًا خلف ظهره.
مضى فارس في الليل، يسير ببطء يشبه الحداد،
والطريق يمتد أمامه طويلًا، ثقيلًا، كأن الظلام نفسه يمشي معه، يحمل وجعه، ويعرف اسمه.
صباحًا في سرايا العزيزي
اجتمع الجميع حول مائدة الطعام، لكن الصباح بدا غريب، هش، كأن الشمس نفسها دخلت السرايا على استحياء. سكون ثقيل خيم على الوجوه، ذلك الهدوء الذي يسبق العواصف، الهدوء الذي لم يزرهم منذ أيام وكأن البيوت، مثل القلوب، تتعب من الصراخ.
مرر أمير عينيه على الوجوه واحد واحد، ثم توقف عند حبيبة… كانت تجلس صامتة، شاردة، كأن روحها ليست هنا بالكامل…
ابتلع لعابه وقال بصوت بدا عادي أكثر مما ينبغي، وذلك ما جعله مخيف:في حاچة… حصلت عشية.
تجمد الهواء… التفت الجميع إليه دفعة واحدة، وقالت إنعام بقلق تسلل إلى نبرتها: خير يا ولدي؟
أومأ أمير برأسه ببطء، وعيناه لا تفارقان وجه حبيبة، كأنه يتعمد أن ترى الصدمة وهي قادمة: أصلًا… الخرتيت موسي طلع چاتل.
نزلت الكلمة كالرصاصة.
صمت أطبق على المكان، صمت قاتل… ارتجفت حبيبة بعنف، وكأن الأرض انزلقت من تحت قدميها، وفي اللحظة نفسها صاحت هند، كأن قلبها استبق عقلها، ونهضت بفزع: لا… أوعك يا أمير تجولها!
التفتت الأنظار إليها بدهشة، وكأنها قالت ما لا يقال… نهض عساف سريعًا، أمسك بذراعها محاولا تثبيتها: اهدي يا هند، اهدي.
لكن هند انهارت ، رأسها يهتز بنفي عاجز، وانزلقت دموعها بقهر حارق… نظرت إلى أمير، وخرج صوتها مكسور، كأنها تسأل عن موت تعرف جوابه مسبقًا:سلمان… صح يا أمير؟ موسي جتل أخوه؟
شهقت حبيبة شهقة حادة، شهقة خرجت من صدرها كأنها تنتزع، ووضعت ريم يدها على فمها تكتم صرخة كادت تفضح رعبها….
في المقابل، نهض فوزي وإنعام بذهول اختلط بالغضب، وهدر فوزي بصوت مرتجف: كيف يعني صح يا ولدي؟ كيف!
أومأ أمير برأسه مرة أخرى، لكن هذه المرة انكسرت نبرته، وغاص الحزن في صوته: صح يا أبوي…
جتله.
ثم أكمل، وكأن كل كلمة تثقل صدره أكثر: ورماح، ولد عم فارس، ساوم فارس…جصاد الفيديو اللي مصوره لموسي وهو بيجتل سلمان ويدفنه في الچبل اللي ورا المزرعة.
ساومه يچوز نغم ، وفارس عشان ياخد الفيديو ويضغط بيه على موسي، يخليه يطلج حبيبة، ويطلعني أنا من تهمة جتل موسي…وافج على چوز أخته من رماح…
لحد ما خد الفيديو.
كانت الكلمات تسقط واحدة تلو الأخرى، لكن داخل حبيبة لم تكن كلمات…كانت سكاكين.
انزلقت دموعها ببطء، بلا صوت، بلا حركة…وفي لحظة مجنونة، انفتحت ذاكرتها كجرح طازج، واندفعت كلمات فارس في عقلها بجنون، كأنها تقال الآن، كأن صوته لا يزال قريبًا:ابعد عن روحي وحتة من جلبي كيف يا حبيبة…نغم وإدهم اتچوزوا خلاص….كنت بدي أُعذب إدهم وأنتجم منه،بس لأجل الورد تتسجي الأرض،
وعشان عيونك اللي كيف الطلج الحي…چيتك لحد سوهاچ، وجفت الچوازه اللي من أولها كانت عشانك.
كله… من الأول للآخر… عشانك.
ارتجف جسدها…فهمت الآن…فهمت كل شيء… متأخرة.
نهضت حبيبة ببطء، كأنها تحمل فوق كتفيها عمر كامل من الحسره والوجع…
لم تقل كلمة…لم تنظر لأحد…كان الصمت يحيط بها كثوب حداد… بدت وكأنها تسير على حافة هاوية، لا تعرف إن كانت ستسقط أو ستقف… أو تموت واقفة.
نهضت ريم خلفها، دموعها تنهمر على وجنتيها بلا توقف، كأنها وحدها من رأت الكسر الحقيقي في ظهر حبيبة.
خرجتا من المكان، وبقيت المائدة عامرة بالطعام…
لكن القلوب كانت خاوية، والسرايا، رغم اتساعها، ضاقت فجأة كقبر.
صرخت هند بين أحضان عساف صرخة خرجت من قاع روحها، لا من حنجرتها، صرخة تشبه الانكسار أكثر مما تشبه الصوت: يا أخوي… يا جهرت جلبي عليك يا أخوي…
شدها عساف إلى صدره بقوة، كأنه يحاول أن يمنع روحها من الانفلات، وربت على رأسها بحنان موجوع، وصوته خرج متحشرج، مكسور لكنه ثابت: اهدي يا حبيبتي… اهدي….ادعيله بالرحمة، ديه اتجتل غدر، وربنا ما بيضيعش حج حد…الله يرحمه يا جلبي.
لكن الحزن لم يكن يسمع، كان أعمى… أطرش… لا يعرف إلا الهجوم.
ارتفع نحيب إنعام، نحيب مشوب بالغضب، كأن قلبها احترق ولم يبق فيه سوى الرماد… ضربت صدرها بقبضتها، وصرخت بوجع مسموم: الله ينتجم منك يا موسي… تموت موته مشنعة، يا بعيد! تجتل أخوك يا فاچر؟! ده انت لا أخ ولا راجل… ده انت لعنة… يا مرك يا انعام..
سقط فوزي على الكرسي كأن قوته خذلته دفعة واحدة. ظهره انحنى، ودموعه نزلت حارقة، لا صوت لها، فقط حرق صامت…تمتم بصوت متكسر، كأن الكلمات تنتزع من بين أنفاسه: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم…
حسبي الله ونعم الوكيل… الله يرحمك يا ولدي…
الله يرحمك يا سلمان.
قالها وكأنها آخر ما يملك… دعاء يتشبث به قبل أن ينهار تمامًا.
خفض أمير رأسه، وصوته جاء حزين، مثقل بما يحمله من أخبار لا تحتمل:عمي فواز… لما عرف، وجع من طوله.
هو دلوق في الإنعاش من عشية.
شهقت هند بفزع مفاجئ، وكأن خبر ثاني أُطلق على صدرها قبل أن تلتقط أنفاسها من الأول: أاااابوي!
اندفع فوزي واقف بغضب حارق، الغضب هنا لم يكن قوة، بل وجع يبحث عن مخرج، وهتف: ومجلتش ليه من عشية يا ولدي؟!
رفع أمير يده في محاولة تهدئة، وقال بسرعة، كمن يبرر وهو يعلم أن لا تبرير يكفي: أنا كنت مع الحكومة، لحد ما طلعوا جتة سلمان وخدوها الطب الشرعي…
وكنت مع عمي لحد ما حالته استقرت.
متخافش، لما وجع كان في المستشفى، ولحجوه في ساعتها.
لكن الخوف لا يقنع، والقلق لا يهدأ بالكلمات.
انهارت هند من جديد، صوتها خرج نحيب حاد يشق القلب:أنا بدي أبوي…يا عساف، خدني ليه… بدي أبوي.
أومأ عساف برأسه دون تردد، كأن القرار كان جاهز قبل أن تطلب، وقال بحسم حنون: يلا… يلا يا هند.
غيري خلجاتك بسرعه، وأنا أخدك ليه دلوقتي.
أومأت هند برأسها، واندفعت نحو الدرج، تركض وهي تنتحب، كأنها تهرب من البيت ومن الخبر ومن نفسها.
تحرك فوزي إلى الخارج، وصوت عكازه يسبق خطواته ثواني، صوت ثقيل، كأنه عداد عمر يعلن خسارة جديدة.
لم تمض لحظات حتى عادت هند، وخرجت مع عساف، نحيبها يملأ أركان البهو، يعلق في الجدران، ويترك خلفه فراغ موحش.
ضربت إنعام كفا بكف، وعيناها مغرورقتان، وهمست بحيرة موجوعة: كان مستخبي وين ديه كله يا رب؟
إزاي الشر ده كان عايش وسطنا ومش خبرينه؟
اقترب أمير منها، وربت على يدها بحنان ابن يعرف أن لا شيء يصلح هذا الكسر، وقال بصوت خافت: مجدر ومكتوب يا يما…استهدي بالله.
مسحت إنعام دموعها بظهر يدها، وكأنها تحاول مسح الوجع لا الدموع، وتمتمت: لا إله إلا الله… لا إله إلا الله يا ولدي.
وبقيت السرايا، بعد خروجهم، صامتة…صمت ثقيل،
كأن الحيطان نفسها تنوح،
وكأن الفقد قرر أن يقيم فيها بلا موعد للرحيل.
……
في منزل سلام الكاتب
نزلت الخادمة الدرج وهي تحمل صينية الإفطار، خطواتها بطيئة كأنها تحمل ثقل البيت كله لا مجرد الطعام…
لمحتها شهية، فتوقفت وحدقت في الصينية بنظرة تعرف الإجابة قبل أن تسأل، وقالت بصوت مكسور:
بردك مفطرتش؟
هزت الخادمة رأسها بالنفي، وابتلعت ريقها بحزن، ثم ردت بصوت خافت: ولا حتى اتعشت… تالت يوم النهارده، الزاد ما اندلش چوفها يا ستي، والله الحال ما يسرش.
ضربت شهية كفا بكف، وكأن المصيبة صفعتها، وخرج صوتها بنحيبٍ مكتوم:لا حول ولا قوة إلا بالله…
يا ساتر يا رب، وبعدهالك يا بتي.
ثم التفتت إلى سلام، الذي كان جالس صامت، يضع يده على خده، كأن الزمن توقف عند تلك الحركة، وهتفت بغضب موجوع: إنت هتجعد تحط إيدك على خدك إكده؟
مش ديه شورتك يا سلام!
رفع سلام رأسه ببطء، وعيناه تقدحان شرر ممزوج بحيرة قاتلة، وهدر: شورتي؟
يعني كنتي بدك أهمل البِت تضيع عمرها مع ولد الأنصاري؟من غير عيل، ولا تيل، ولا حتى عايشة كيف البنات؟
نهضت شهية فجأة، كأن الكلمات لسعتها، وصاحت بنفاد صبر يقطر ألم: وهي إكده عايشة؟ دي البِت بتموت…ياريتني ما سمعتلك ، البت بتدبل كل يوم أكتر من اللي جبله! لما كانت مع چوزها كانت زينة، كيف الوردة!
هملها تعاود لچوزها يا سلام… حرام عليك!
انتفض سلام، وضرب كف بكف بعنف أوجع الصمت، وتحرك نحو الدرج بخطوات غاضبة سريعة، وخرج صوته حاد كالسكين:أنا لازمن أجطع الحديت ديه من چذوره…
وأخلص!
صرخت شهية خلفه، والخوف سبق صوتها:إياك تكدرها!
كفاية اللي هي فيه يا سلام!
لكن سلام لم يلتفت.
كان الغضب يقوده، والعناد يعميه، حتى وصل إلى الغرفة.
رفع يده، طرق الباب طرق خفيف أولًا…لم تجب.
طرق مرة أخرى، أقوى…لا رد.
فتح الباب دون انتظار… وتجمد.
تسمرت قدماه في مكانهما، وكأن الأرض شدت جذورهما، واتسعت عيناه بذعر حقيقي، وخرج صوته مبحوح، حاد، مرتجف : ليــــلة؟!
ووووووووووووووووووووووووووو
توقعتكم ي سكاكرررر
ساحره القلم ساره احمد

اكيد تحفه من قبل م اقرأ
تسلمي يا حبيبتي ❤️
تسلم الايادي
تسلمي يا قمر ❤️
تسلم ايدك تحفه اكيد ♥️
تسلمي يا حبيبتي
يسلم قلمك المبدع ي سو ❤️
تسلمي يا قمر ❤️
تسلمي يا حبيبتي ♥️
تسلم ايدك أكيد روعة ❤️
تسلمي يا حبيبتي ♥️
تسلم ايديكي مقدما يا سارة ♥️ متأكدة هيبقى بارت عظمة ♥️♥️♥️
تسلمي يا حبيبتي ♥️
🥰🥰🥰
♥️♥️
الإبداع كله وصل 💙 وحشوني الغوالي
تسلمي يا حبيبتي ♥️
🥰❤️❤️
♥️♥️
تسلمي ي ساره ♥️
تسلمي يا حبيبتي ♥️
تحفة بجد تسلم ايدك يا قلبي ❤️
تسلمي يا حبيبتي ♥️
روعة بجد خطير 🩷
تسلمي يا حبيبتي ♥️
اي الجمال دا😍
جمال عيونك ي قلبي 💗
البارت جميل
تسلمي يا قمر ❤️
تسلم ايديكي ياقمر ♥️♥️❤️❤️
تسلمي يا قمر ❤️
تحفة تسلم ايديك
تسلمي يا حبيبتي ♥️
جااامد
تسلمي يا حبيبتي ♥️
تسلم ايدك يا قمر على البارات التحفه
تسلمي يا حبيبتي ♥️
رووووووعه تسلم الايادي
تسلمي يا حبيبتي ♥️
❤️❤️❤️❤️❤️❤️
♥️♥️
تسلم ايدك توووحفه 🥰🥰
تسلمي يا حبيبتي ♥️
تسلم ايدك ي سو
مبدعة دايما
تسلمي ي حبيبتي
يالله ماتعرفين ياسو شقد انتظرت البارت على نار جدا
تسلمي ي حبيبتي
تسلم الايادي ياحب اكيد تحفة ❤️❤️
تسلمي يا حبيبتي ♥️
رووعه ابدعتي دايما
تسلمي يا حبيبتي ♥️
الحلوياات نزلت يقلبي ❤️♥️😍❤️😍
تسلمي يا حبيبتي ♥️
تسلم الايادي 😘😍😍😘😍😘😍😍
تسلمي يا حبيبتي ♥️
روعه
تسلمي يا حبيبتي ♥️
تحفة اكيد قبل ما اقرأ 😘 تسلم ايدك
تسلمي يا حبيبتي ♥️
تسلم ايدك
تسلمي يا حبيبتي ♥️
ياعيني عليكي ياليلة البدر لما يعرف اللي جرالك هيهد الدنيا فوق دماغ ابوكي وفرحاااانه اوووي لنغم وأدهم اخيراااا اتجمعوا سوا وربنا يحنن قلب حبيبة علي فارس ياااارب
وانا مبسوطه جدا ليهم♥️♥️
تسلم ايدك
تسلمي يا حبيبتي ♥️
روعه
تسلمي يا حبيبتي ♥️
😍❤️❤️❤️
♥️
تسلمي يا قمر
تسلمي يا حبيبتي ♥️
تحفه يا قلبي
تسلمي يا حبيبتي ♥️
فرحت لنغم اوووووى اوووووى
وانا اووي والله♥️♥️
عظمة تسلم ايدك ياسارة جميلة جدا
تسلمي يا حبيبتي ♥️
الله ع الحلاوة
حلاوة عيونك♥️
تحفة بجدد❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤
تسلمي يا حبيبتي ♥️
تسلم ايدك يا غالية 🔥🔥♥
تسلمي يا حبيبتي ♥️
بارت ولا اروع💖💖
تسلمي يا حبيبتي ♥️
اةة ياقلبى
♥️
روعه جميله جدا المفروض لسه بارت بدل بتاع امبارح
تسلمي يا حبيبتي
ظبطو بس التفاعل وسارة مش بنتاخر عليكم ♥️
جميل جداً تسلم ايدك ياقمر ❤️♥️🌹
تسلمي يا حبيبتي ♥️
حلويات ومكسراااااات
شوفتها لما البارت بينزل بدري بيبقي فيه فرح ازاي 😂
تسلمي يا حبيبتي ♥️
والله التأخير ده غصب عننا♥️😂
البارت تحفففة 🥰🥰🔥
تسلمي يا حبيبتي ♥️
الفصل جميل اوي
تسلم ايدك ياحبيبي 🥰
تسلمي يا حبيبتي ♥️
يااعظمتك ياسوو
تسلمي يا حبيبتي ♥️
جميله اوي اوي ياقلبي ❤️
بس نفسي يفرحو بقا
تسلمي يا حبيبتي ♥️
هنشوف ي حبيبتي الاحداث♥️