عشق ملعون بالدم(الفصل الخامس عشرون)
ليت الوفاء في الناس مثل العبادة…
ليكن ركنًا ثابتًا…
ليُثاب المخلص ويُعاقب الغادر…
لكن في هذا العالم، الوفاء لعنة…
والقلب الوفي يصرخ في صمت،
وينزف بلا شهود،
ويبكي بصوتٍ لا يسمعه أحد.
حبيبتي…
إن كان لي وطن، فحضنك هو وطني،
وإن كان لي دار، فعيوناكِ داري…
لكنني أعيش هنا،
في فراغٍ ينهش روحي،
في ألمٍ لا يُطاق،
كل دقيقة بلاكِ موتٌ جديد،
كل لحظةُ غيابك جرحٌ يغتال قلبي،
ويبكي شيئًا مني قبل أن أحتفظ بالدموع لنفسي…
لم ينتظر فارس.
دلف إلى الغرفة بخطوة واحدة، ثم أغلق الباب خلفه بعنفٍ لم يكن مجرد إغلاق…
بل كان كأنما أُقفل قبر على حساب لم يصف بعد.
وقف فارس أمام الباب لحظة، ظهره مستقيم، كأنما يمنح الجدران فرصة أخيرة لتشهد
صدره يعلو ويهبط كصدر وحش جريح، ثم استدار ببطء مرعب.
كان موسى ممددًا على السرير، جسد واهن،
ووجه شاحب لم يفق بعد من ألمه القديم،
لكن ما إن وقعت عيناه على فارس ..حتى استيقظ الخوف دفعة واحدة، خوف بدائي، حيواني،
كأن الغريزة صرخت داخله: اهرب… لو تستطيع.
توهجت عينا فارس بجنون الغضب والغيرة،
لم تكن تلك نظرة رجل….كانت نظرة نار انفلتت من قيودها.
وتجمعت صورة واحدة في رأسه ..صورة لا تحتمل التأويل …حبيبة…ويد دنيئة امتدت إليها.
كور قبضته، فانفجرت طرقعة عظامه في الفراغ
كطلقة تحذير أخيرة…كسر الصمت ، وأعلنت بداية النهاية.
تقدم…كل خطوة كانت تحفر الأرض.. وتحفر قلب موسى معها…لم يسمع خطوات… بل سمع اقتراب النهاية.
فتح موسى عينيه على اتساعهما، والرعب يتسرب إلى صدره كسم بطيء…ما كان يراه مقبل نحوه..لم يكن رجل عادي…كان شيئًا أقرب إلى الموت…حين يقرر أن يأتي على مهل.
وقف فارس أمامه…لم يتكلم…فقط حدق.حدق كأنما يخلع عنه آخر أوهامه، رجولته التي طالما تباهى بها.
حاول موسى النهوض بصعوبة، سحب نفسه على الوسادة، وعيناه معلقتان بعيني فارس… كأنهما بوابتان فتحتا على الجحيم.
غمغم بصوت متحشرج: أوعك… أوعك تجرب… هوديك في نصيبه…
ابتسم فارس ابتسامة جانبية…ولم تكن إلا وعد اسود بالهلاك
تمتم بصوت يشبه الزئير المكتوم: أنا حذرتك…
وانت اللي رميت حالك تحت رچلي.
دنا أكثر، وانحنى قليلًا، كوحش يتلذذ بلحظة ما قبل الفتك،
وقال بصوت خافت… لكنه قاطع: انا مش هجتلك…
عارف ليه؟
حاول موسى بلع لعابه، لكن حلقه كان جاف
كأنه يحاول ابتلاع زجاج مهشم…وهمس: عشان…
هتخاف تروح في نصيبه.
هز فارس رأسه بالنفي بهدوء.. كان أشد قسوة من الصراخ،وقال بصوت فاحش البرود: لا…عشان الموت راحة، وخسارة فيك… أنا هجتلك بالحيه ..وهدفنك چوه حالك .. عشان بعد كده لو بس چات سيره حبيبه جدامك تكسر عينك!!
انهار موسى تحت وطأة الرعب والذل معًا. أشار بيد مرتجفة تتحرك بعشوائية مذعورة، تتلمس الهواء بحثً عن أي شيء يتمسك به، لكن لا شيء… لا شيء يمسك به سوى فراغ يتسع مع كل نبضة من قلبه المذعور.
غمغم بصوت مكسور، مختنق بالبكاء :أنا هبعد… ههمل البلد كلها… بس هملني في حالي…
اعتدل فارس في وقفته، نصب قامته كالسيف،
ثم تحرك بخطوات ترج الأرض…. التقط شاش طبي من على الطاولة، كوره بين راحتيه ببطء يقطر رعباً، يلفه ويعتصره كما يعصر الجلاد حكمه الاخير ..
اقترب…اقترب كالموت الذي لا يسرع ولا يتباطأ، بل يأتي في موعده المحتوم.
غمغم بصوت منخفض، غليظ، ثقيل كحكم الإعدام وهو يقرأ على المحكوم: إنت قربت من مراتي… مرات فارس الأنصاري…يعني ليا حج عنديك.
حاول موسى أن ينهض، وضع يده على كتفه الذي يئن من الألم، وصرخ محاولاً الدفاع عن نفسه بكلمات متلعثمة:مراتك كيف؟! أنا اللي كاتب… و
لم تكتمل الجملة…لم يعط فرصة إكمالها.
اندفع فارس كبركان انفجر من صدر الأرض ذاته، سد فم موسى بالشاش المكور بعنف لا يقاوم، كتم صوته بكف صلبة كالحديد المحمى،
وفي اللحظة التالية قبض على عضوه بقبضة حديدية متوحشة، يعتصره بعنف بدائي جاحد، كأنما يريد أن يسحق فيه كل ذكرى، كل لمسة، كل نفس تجرأت على اقترابها من ملكه.
خرجت صرخه .. لكنها لم تجد طريقاً إلى الخارج. انحبست في حلقه، تحولت إلى ارتجافة هستيرية، إلى أنين مكتوم يشبه عويل كلب يذبح ببطء، إلى رعب خالص لا لون له ولا طعم سوى المرارة والعجز.
ضرب موسى السرير بقدميه بعنف يائس، تشنج جسده كله، وتحول الزمن في تلك الغرفة إلى ثواني لا تنتهي، ثواني تعذب ولا تنهي، تمزق ولا ترحم…انكسر موسى من الداخل
وخارج الغرفة…
ساد صمت مقرف، صمت ثقيل يعرفه الجميع لكنهم لا يجرؤون على تسميته باسمه الحقيقي.
تجمد فهمي في مكانه.. شد بدر قبضته بشماته..بلع سند لعابه بتوتر ورعب يملأ قلبه….ادار أدهم وجهه وانطفي الغضب بداخله دفعه واحده .. لطمت وهيبه وجنتيها بدون صوت برعب هز كيانها …
وضعت ايمان يدها على صدرها وكأنها تشعر بالطعنة ذاتها.
ثم… فجأة… انقطع كل شيء.
وبقي خلف الباب رجل لم يقتل بالمعنى الحرفي،
لكنه كسر إلى الأبد…
كسر حتى صار اسمه بعد اليوم: الرجل الذي اقترب مما يخص فارس الأنصاري… ثم دفن حي في جسده.
انفتح الباب ببطء…لم يفتح…بل كأن الغرفة لفظت فارس لفظ ..خرج فارس بخطوات ثابتة،
لا يلهث، لا يرتجف، لا يحمل على وجهه أثر معركة.
وجهه كان بارد…برودة مقابر.
وعيناه؟جمرتان خامدتان ظاهري .. لكن من يحدق فيهما يعرف أن النار لم تنطفئ…بل استقرّت.
توقف لحظة أمام الباب، استدار نصف استدارة،
كأنما يتأكد أن القبر أُغلق جيدًا،
ثم ترك الباب خلفه موارب على صمت ثقيل.
لم يقل كلمة…مر بجوار بدر وأدهم… كأنه لا يراهما، كأن العالم كله تقلص… إلى شيء واحد..وانتهى.
حاول بدر أن ينطق، لكن صوته مات في صدره
حين التقت عيناه بعيني فارس…لم تكن نظرة انتصار…
كانت نظرة رجل أنهى أمرًا ولا ينوي الرجوع عنه.
همس فهمي برعب: فارس…
لكنه لم يرد…سار .. وخطواته كانت أهدأ.. من اللازم…
وهذا ما كان مرعب..
بعد ثواني.. انفجر الصراخ من داخل الغرفة…ليس صراخ ألم عادي، بل صراخ كائن.. اكتشف فجأة ..أن شيئًا داخله
قد سلب منه..إلى الأبد.
هرولت الممرضات… اندفع طبيب الجراحة،
خلفه طبيب آخر، ثم اثنان من التمريض.
دفع الباب بقوة وصاح: حصل ايه؟! مين عمل فيك كده؟!
ارتجف جسد موسي بعنف هستيري .. عيناه جاحظتان،
أنفاسه متقطعة…كأن الهواء نفسه..يخونه.
اقترب الطبيب منه بسرعة وهتف : ركز معايا…مين اللي دخل هنه؟ مين اللي عمل فيك كده؟
ارتعشت شفتا موسى…فتح فمه…ثم أغلقه…وصورة فارس ..واقفا أمامه، لا يتحرك، لا يصرخ، فقط ينظر إليه بعينين تلمع كالجمر…
بلع موسى لعابه بصعوبة،وهمس بصوت مكسور: مـ…
موعتلهوش…موعتش وشه.
تبادل الأطباء نظرات سريعة وهتف بدهشة: كيف يعني موعتش وشه؟! كان حد معاك في الأوضة؟!
انكمش موسى أكثر غطى وجهه بيده،وخرج صوته متكسر: لا!! كان مغطي وشه!!
سجل الطبيب الملاحظة، وقال بلهجة حاسمة: تمام…
چهزوا العمليات فورًا..
…..
غرفة حبيبة
تحركت رأس حبيبة ببطء أولًا، كأنها تطفو من قاع سحيق، ثم انعقد حاجباها بعنف… وعاد المشهد.
عاد كاملًا، بلا رحمة، كسكاكين تغرس في الذاكرة لا في الجسد.
ارتجف جفناها بعذابٍ مر، كأن عقلها يحاول الفرار من جمجمته، كأنها تريد اقتلاع رأسها من ذلك الجحيم الذي أُعيد تشغيله داخلها قسرًا.
ارتجفت كل خلية فيها، ثم هبت فجأة.
اهتز السرير تحتها، وانفجرت صرختها…صرخة شقت روحها قبل أن تشق الصمت.
اندفعت إنعام وجملات معًا، وضمتاها دفعة واحدة،
جلست إنعام خلف ظهرها، أحاطتها بذراعيها كجدار أخير، وجملات أمامها وضمتها علي صدره كحصن منيع..
غمغمت إنعام بصوت مبحوح مبتل: اسم الله عليكي يا ضنايا… اسم الله عليكي.
كانت أنفاس حبيبة لاهثة، متكسرة، صدرها يعلو ويهبط كمن نجا لتوه من الغرق، العرق يتصبب من جبهتها،
وهي تبتلع غصتها بنحيب حاد
،
ثم همست بصوت مرتجف كطفلة ضاعت: أمير…
وين أمير يما؟
رفعت جملات طرف حجابها بيد ترتعش، ومسحت جانب وجه حبيبة ببطء حنون، نظرتها كانت وطن كامل من الاحتواء.
لكن حبيبة نظرت إليها بعينين غارقتين في السواد،
وانفجرت باكية: أنا اللي جتلته يا چدتي… مش أمير.
في لحظة حاسمة، وضعت جملات يدها على فم حبيبة،
قبضة أم تعرف متى تمنع الكلمة قبل أن تقتل صاحبتها،
وهزت رأسها بالنفي، وفي عينيها أمر لا يقبل الجدل.
ربتت إنعام على منكب حبيبة، وصوتها خرج مشروخ بالخوف: بس اسكتي… هو لساته متجندل، عايش كيف اللجمه في الزور، وأمير راچل يتحمل… انتي لاه يا ضنايا.
هزت حبيبة رأسها بعنف، الدموع تتحول لغضب يشتعل في صدرها، وصاحت: لا يما! أنا بدي أمير، بدي أخوي!
مش هجدر أتحمل يشيل غلطتي.
انفجرت إنعام، غضبها هذه المرة كان خوف خالص،
صرخت وهي تضمها بقوة:اسكتي يا حبيبة! اسكتي يا ضنايا! هتتبهدلي… ويتشندل حالك! كفايكي اللي چرالك يا بتي… كفايه!
سكنت حبيبة قليلًا… لكن صدرها ظل يرتجف. لم تكن تهدأ… كانت فقط تتكسر بصمت.
فجأة… انفتح الباب بعنف مكتوم، ودلف عساف بخطوات سريعة، عيناه تشتعلان قلق، وخرح صوته مبحوح قبل أن يستقر: مالها يما؟ سامع صراخها من وأنا على السلم!!
نهضت إنعام سريعًا، أشارت إليه بيد مرتجفة وقالت: تعال يا ولدي… بدها أمير.
لم ينتظر عساف كلمة أخرى….اقترب منها فورًا،
وضم حبيبة إلى صدره بقوة ثابتة، كأن ذراعيه سور لا يخترق.
مسح على شعرها بحنان أخ يعرف كيف يحتوي الانكسار،
وهمس قرب رأسها: لا يا خيتي… أمير هيطلع يومين بالكتير….أنا لسه چاي من عنديه، وهو زين… زين جوي.
تمسكت حبيبة بجلبابه كالغريق، دموعها تسيل بحسرة موجعة،وهمست: زين كيف…وهما خدوه، وفكرينه هو اللي طخ الحيوان ديه؟
أومأ عساف برأسه بثبات،وخرج صوته واثق كأنه يقفل باب خوف مفتوح: كده ولا كده… كنا هنجتلوه.
إنتي بس استعچلتي.
رفعت رأسها فجأة، الدهشة تشقّ ملامحها،
والدموع تنزلق دون إذن: تجتلوه؟!
أومأ مرة أخرى، هذه المرة بنبرة لا تقبل نقاش،
وقال بخشونة صادقة: أمال كنا هنسمي عليه؟
بعد عملته الكحلة ديه؟
ثم مال برأسه قليلًا، وابتسم بجانب فمه ابتسامة باردة،
وقال بنبرة مشوبة بشيء من العبث الأسود: وعلى العموم…فارس جام بالواچب.
تجمدت حبيبة…اتسعت عيناها حتى كاد الرعب يفيض منهما، ثقل لسانها، وخرج صوتها متلعثم: كـ… كيف؟
اقتربت إنعام بخطوة مرتجفة، وهتفت بذهول ممزوج بالخوف: جتله؟
هز عساف رأسه بالنفي، لكن الشماتة الواضحة في صوته كانت أبلغ من كلمة : لا…خصاه… المستشفى،
مجلوبه بره.
توقف الزمن لثانية….تجمدت حبيبة كتمثال من صدمة،
بينما انفجرت إنعام فجأة بسعادة عارمة، وهتفت غير مصدقة: أمانة؟ صح يا ولدي؟
أومأ عساف برأسه بثقة،
وقال وهو يبتسم: زغرتي يا إنعام.
ضحك قلب إنعام قبل فمها، وانطلقت زغاريدها ممزوجة بدموع ساخنة، زغاريد خرجت من وجع طويل…
ومن ثأر مؤجل أُغلق أخيرًا.
ضم عساف حبيبة إلى صدره مرة أخرى، وغمغم قرب أذنها بصوت ثابت: راچل… صح… فارس ديه!
قبضت حبيبة على ياقة جلبابه بقوة، وخرج صوتها مبحوح يقطر إرهاق ووجع: بدي أروح يا أخوي…
ريحة المستشفى هتخنجني.
أومأ عساف برأسه فورًا، ربت على رأسها بحنان حاسم،
وقال: حاضر يا ست أخوك…نروح.
وفي تلك اللحظة،
لم تكن حبيبة تطلب الخروج من المستشفى فقط…
كانت تطلب الخروج من الكابوس.
مر الوقت ببطء ،كأن الساعات نفسها كانت تجر على قدمين متعبتين،
حتى اخترق صمت السرايا صوت سيارة توقفت داخل الحديقة الواسعة.
ترجل عساف أولًا….دار حول السيارة، فتح الباب،
ومد يده بثبات حنون، كأنما يمسك بقطعة من روحه لا بجسد منهك.
أمسك يد حبيبة وساعدها على النزول…خطوتها الأولى على أرض السرايا كانت مترددة، كأن المكان يعرف ما مرت به…ويحاول أن يتعامل معها بحذر.
دخلوا السرايا…في البهو،
كانت ريم وهند في الانتظار… الفرح حاول أن يظهر…
لكنه خرج مشوب بالحزن، كضحكة تعرف أن البكاء أقرب.
اندفعت ريم نحو حبيبة،ضمتها بقوة، ودموعها تحرق عينيها وهمست : حمد الله على السلامة يا خيتي…
ارتجف قلب حبيبة داخل صدرها،كأن الضمة انتزعت شيئا موجوع من أعماقها،
وردت بصوت متهدج: الله يسلمك يا ريم…
أما هند…فوقفت بعيدًا….كأن قدميها تجمدتا في الأرض،
تمسح دموعها بكف مرتجف، تحاول أن تكون قوية…
وتفشل.
رفعت حبيبة عينيها، التقت نظراتهما…. حزن صامت عبر بينهما، لا كلام له…
انزلقت دمعة من عين حبيبة دون مقاومة، ثم أدارت وجهها ببطء، وتحركت نحو السلم…
كأنها تهرب من كل العيون…. راقبتها هند بعينين غارقتين في الأسى، كانت تود أن تلحق بها لكن تملك الشجاعة.
اقتربت ريم من هند، ربتت على منكبها بحنان موجوع،
ثم صعدت خلف حبيبة، وجملات خلفهما،
بينما ظل الصمت يملأ السرايا…صمت ثقيل،
يعرف أن ما عاد…ليس كما كان
توقفت إنعام عند منتصف البهو، واستدارت فجأة نحو هند، نظرة حادة خرجت من عين موجوعة قبل أن تكون غاضبة،وصوتها انكسر وهو يعلو:إنتي واجفة إكده ليه؟ أنا جولت هلجي الجيكي عاودتي بت أبوكي من حالك!
انفجر صدر هند بنحيب حاد، دموعها لم تطلب إذن هذه المرة،وانحنت كتفاها كأن الكلام سقط فوقهما حجرًا.
التفت عساف نحو أمه بعينين تشتعلان، وغضبه لم يكن وقاحة… بل دفاع: تروح ليه بيت أبوها يما؟ هي إيه ذنبها؟
ارتدت إنعام نحوه،الغضب والحزن متشابكان في ملامحها كعقدة لا تنحل:واختك كان ذنبها إيه على اللي عملوه أخوها فيها؟ دول ناس معدمين الأصل!
خطا عساف خطوة للأمام، صوته خرج مبحوح، لكنه قاطع كالسيف: لا يا يما! هند بت البيت ديه.
أنا يوم ما اتچوزتها كانت عيلة مفكتش ضفيرها.
أنا اللي ربيتها… وإنتي وأبوي… هي بتنا جبل ما تكون بتهم!
تقدمت هند بخطوات متعثرة، كأن الأرض تهتز تحت قدميها،وتعلقت كلماتها بدموعها:لو بدك أمشي… همشي يا يما. بس كيف ما جال عساف، أنا معرفش أم غيرِك،
ولا أب غير أبوي فوزي، ولا أهل غيركم…عساف وعيالي كل دنيتي…معرفش أعيش براكم.
اهتز وجه إنعام، غضبها تراجع خطوة ليكشف حزن أثقل،
فصاحت بصوت مخنوق:اللي عمله أخوكي يعكر بحور يا هند!
اشتعل عساف من جديد،
غضبه هذه المرة كان نار تحرق الظلم لا الأشخاص:وهي مالها؟كل واحد متعلق من عرجوبه يا يما!
وأنا مش ههملك تيجي على مرتي عشان أخوها العايب!
اقترب من أمه،وقف قبالتها كجدار لا يزاح، وقال بحسم لا يقبل الرجوع:ولو مش هطيجي مرتي. أنا هاخدها، وأچبلها أحسن بيت في البلد، ونمشي من هنه.
نظرت إليه إنعام طويلًا، ثم قالت بحدة متعبة،
كأنها تستسلم لا توافق:إكده يا عساف…
طب يا واد بطني، بكيفك.
استدارت ومضت بخطوات غاضبة، حاولت هند التمسك بطرف ثوبها،لكن إنعام أفلتت يدها وهتفت: اوعي يا بت!
بقي عساف مكانه لحظة، زفر بيأس ثقيل، ثم اقترب من هند وضمها إلى صدره، وهمس لها بحنان صادق:اهدي يا حبيبتي… أنتي عارفه، أمي جلبها واجعها على حبيبة،
واللي چرى مكنش هين…يومين… وهتروج.
أومأت هند وسط نحيبها، وصوتها خرج مكسورًا لكنه صادق:حز في جلبي والله يا عساف… اللي چرى لحبيبة مكنتش تستاهله.
أنا لو طولت موسى، هاكله بسناني على عملته اللي كيف وشه دي.
ربت عساف على ظهرها برفق، وقال بنبرة تنهي العاصفة:
خلاص… كفاية بكا…اطلعي للعيال…. وأنا رايح المركز عشان أمير. وكله هيتصلح بأمر الله.
هزت رأسها موافقة، ومسحت دموعها بكفها المرتجف:
حاضر.
اقترب منها، مسح دموعها بيد حنونة، وقال مبتسم رغم الإرهاق:خلاص يا بت… حجك عليا.
ابتسمت بوهن ممزوج بالحزن:حجك إنت عليا يا حبيبي.
قبل رأسها، وانصرف بخطوات سريعة، بينما صعدت هند إلى الأعلى، دموعها تنزل ببطء حزين…
كأن كل درجة تصعدها تحمل معها وجع لا يرى،
لكنه حاضر في القلب.
……..
في مركز الشرطة
خرج أمير من غرفة التحقيق بخطوات ثابتة على غير ما يعصف بصدره، الأصفاد تقيد يديه، لكن رأسه مرفوع،
وعيناه جامدتان كأنهما ترفضان الاعتراف بالهزيمة.
اندفع فوزي وعساف نحوه بلهفة ممزوجة بالقلق،
وصوت فوزي خرج متحشرج:خير يا ولدي؟
أومأ أمير برأسه، نبرة صوته هادئة على غير المتوقع،
كهدوء يسبق العاصفة:خير يا أبوي… بس انت روح.
كفاك من عشية هنه، وشكلك تعبان.
اشتعل وجه فوزي بغضب حارق، كأن الكلمات طعنت في كرامته:أروح كيف وأهملك؟! اسكت إنت!
ثم التفت بعينين متوسلتين إلى المحامي، وصوته هذه المرة انكسر:طمني يا بيه.
أشار المحامي بيده في محاولة لتهدئة النار،
وقال بنبرة محسوبة:هنحاول نمشيها إصابة بالخطأ…
وسط كل العيارات اللي اتضربت، يعني مكنش جصده.
بس هو… موسى، لو وافق يتنازل، تبجى خطوة زينة.
انفجر صوت أمير فجأة، غضبه خرج مكتوم لكنه لاذع:
جصدك يساومنا؟ ويحط التنازل صاد إنه يطلج حبيبة؟ لا دانا انعدم احسن يا ابوي!
تقدم عساف خطوة، نار الغضب تسبق كلماته:طب يبجى يعمل كده، وأنا أطلع بروحه، وأكمل اللي بداه الغالي.
قطب أمير حاجبيه بدهشة حادة، والتفت نحوه:
عمل إيه الغالي يا أخوي؟
ابتسم عساف ابتسامة جانبية، باردة، متشفية،وفيها قسوة لا تخطئها العين: خصاه!
تجمد فوزي مكانه لحظة، ثم خرج صوته مبهور ممزوج بالفخر:يسلِ يمينه… ولد الناس.
ضحك أمير ضحكة قصيرة،
كأنها تنفس عن غضبٍ دفين: صاحبي يا أبوي…
طول عمره راچل جوي.
قطع اللحظة صوت العسكري الخشن،
قاطعًا كل شيء:كفاية إكده!
أومأ أمير برأسه في امتثال ظاهري، وتحرك مع العسكري،
لكن قبل أن يبتعد، قبض على ذراع عساف بقوة،
وهمس بسرعة:چبت التلفون؟
أومأ عساف دون كلام، وأخرج من جيبه هاتف صغير الحجم، دسه بخفة في جيب أمير، ثم ابتعد كأن شيئًا لم يكن.
تحرك أمير إلى الحجز، الأصفاد تصدر رنين معدني بارد،
بينما عيونه لا تزال مشتعلة، تفكر، تحسب، وتنتظر لحظة الحساب.
استدار فوزي نحو المحامي، وصوته هذه المرة حاسم لا يقبل التراجع : لازمن أمير يطلع يا بيه.
أومأ المحامي ببطء، وتنهد بصوت أجش:خليها على الله… يا فوزي بيه.
وبقي الصمت معلق في أروقة المركز، صمت ثقيل،
كأن الجدران نفسها تعرف ..أن ما حدث الليلة
لن يمر بلا ثمن.
في الزنزانة
جلس أمير في أقصى الركن، حيث لا تصل الهمسات ولا العيون،
مسند ظهره إلى الجدار البارد كأن البرودة أقل قسوة مما في صدره.
أخرج الهاتف بخفة المعتاد على الخطر، عبث بالأزرار سريعًا، ثم رفعه إلى أذنه.
ثواني بدت أطول من العمر، قبل أن يأتيه صوت ريم…
مبحوح، مكسور، يقطر وجع :ألو…
ابتسم أمير ابتسامة دافئة لا تشبه المكان،
وغمغم بصوت خفيض يحمل حنان الحبيب وطمأنة الغائب : صوتك مبحوح …هتبكي.
هبت ريم من فوق السرير دون وعي، كأن الصوت جذبها من قلبها،وصاحت بتلعثم ارتجفت معه أنفاسها: أمير؟
وفي اللحظة نفسها، انتفضت حبيبة من حضن جملات،
وصرخت بدموع انفجرت دفعة واحدة: أمير!
أومأت ريم برأسها، دموعها تنهمر على وجنتيها بلا مقاومة،وغمغمت وهي تكتم شهقتها: أيوه… أمير.
سحب الهاتف من يدها بلهفة مرتعشة، وقبضت حبيبة عليه كأنها تتشبث به من الغرق، وصاحت بصوت مكسور: أمير يا أخوي… كيفك؟ وليه تعمل كده؟
ابتسم أمير رغم القضبان، ورغم الحديد، ورغم كل شيء،
وغمغم بحنو صادق: روحي فداكي يا حب… بطلي بكا عشاني….أنا الغلطان من الأول…أنا السبب.
انزلقت دموعها بقهر حارق، وهمست وكأنها تناجي أمل واهن:مش هبطل بكا غير لما تطلع بالسلامة.
أومأ أمير برأسه، نبرته هادئة، هادئة أكثر مما تحتمل الجدران:هطلع… بس أنا غلطت من الأول لما طلبت من فارس يبعد عنكويخليكي تكرهيه.
تجمدت أنفاسها في صدرها، ارتخت قبضتها على الهاتف دون أن تشعر… شعر بها أمير، فقال بصوت أقل صلابة، أكثر صدق:حجك عليا يا خيتي… كنت خايف عليكم
إنتوا جبل ما تتجوزوا .. واتجلبت بيكم العربية.
أمال لو اتچوزتوا…كان إيه اللي هيحصل؟
بلعت غصتها بصعوبة، وصوتها خرج مثقل بالانكسار:
إحنا اللي حبنا…مكنش كفاية… إنه يجف جدام الصعب…
وانكسر من أول خطوة.
هز أمير رأسه بالنفي، وهم أن يعترض: لا يا حبيـ
لكنها قاطعته،صوتها حاسم، موجوع، كأنها تقطع آخر خيط:مش هتفرج… صدجني… أنا خلاص… ولا هنفع فارس ،ولا حتى نفسي…ريم معاك.
مدت الهاتف إلى ريم، يدها ترتجف، عينها غارقة بالدموع.
أخذت ريم الهاتف بخجل ممزوج بالحب والقلق،
وهمست بصوت مرتعش:أيوه يا أمير…
زفر أمير بضيق مكتوم، كأن أنفاسه تحمل أثقال أكثر من القضبان، وغمغم بنبرة حاول أن يجعلها عادية: كيفك يا ريم؟ وكيان… وأمي؟
أومأت ريم برأسها، وخرج صوتها ثابت على عكس قلبها:
كلنا طيبين…إنت كيفك يا أخوي؟
عض أمير شفته بقوة، محاولًا كبح تلك النار التي تعرف طريقها إلى صوته، ثم هدر بحدة ممزوجة بمزاح خشن:
تاني بردك يا بت! إنتي مش بتحرمي؟ ولا فاكراني مش طايلك تحرج دمي؟
قطبت حاجبيها بدهشة حقيقية، وردت بسرعة وكأنها تدافع عن نفسها: لا! هي بتطلع لوحدها كده والله،
مش جصدي أضايجك.
لوى فمه نصف لوية، وغمغم بصوت أجش دافئ،
فيه خيط خطر لا يخفى:مش جصدك؟ يعني إنتي مش حسباني أخوك دلوق؟
بلعت لعابها بتوتر واضح، وخجلها قفز إلى صوتها،
فحاولت الهروب بتغيير الحديث: طـ…طب إنت هتطلع إمتى؟
ابتسم أمير ابتسامة أوسع، عبثية، مستفزة،
كأنه وجد ثغرة في دفاعها، وقال بنبرة مائلة:
وحشتك صح؟ وحشتك أنا…ولا البوسة؟ ولا نفسي على شـ
انقطع صوته فجأة، حين جاءت شهقة ريم المرتبكة،
ثم أُغلق الخط.
نظر أمير إلى الهاتف بدهشة ثانيتين، ثم كتم ضحكته بصعوبة، وكتفيه اهتز وهو يعيد الاتصال فورًا.
في الغرفة،
نظرت حبيبة إليه بعيون دامعة متحيرة، وغمغمت بصوت واهن:قفلت؟ ولا الخط قطع؟
اخفت ريم الهاتف تحت الوسادة، كتمت الصوت،
ووضعت يدها على صدرها تحاول التقاط أنفاسها،
ثم همست بصوت مبحوح مرتجف، كأنها تقنع نفسها قبل أن تقنع غيرها:لا… لا… جطع… جطع لوحده.
وفي الزنزانة،
عاد الاتصال يرن، وأمير يبتسم بتلك الابتسامة التي تعرف كيف تخلخل القلوب، مدركًا أن بعض المعارك…
حتى خلف القضبان، يخوضها وهو منتصر سلفا.
…..
في الأسفل،
توقفت سيارة فارس داخل حديقة سرايا العزيزي،
وترجل منها بخطوات بطيئة… لا ضعف فيها، بل ثقل رجل يحمل قلبه بين ضلوعه كجرح مفتوح.
رفع بصره إلى شرفة غرفة حبيبة، وتنهد بعمق موجع،
كم خشي هذه المواجهة… خشي دموعها أكثر مما خشي سلاحا، وخشي أن يرى الكسر في عينيها .. ولا يملك القدرة على جبره.
تحرك نحو البوابة الداخلية، رفع يده… وتردد للحظة،
كأن الطرق سيوقظ كل ألمه دفعة واحدة،
ثم دق الباب.
بلع لعابه بصعوبة…لحظات ثقيلة مرت،..حتى فتح الباب.
تجمدت إنعام في مكانها، حدقت فيه بذهول كامل،
وكأن الماضي والحاضر اصطدما في لحظة واحدة وغمغمت : فارس…
أومأ برأسه ببطء،وصوته خرج متحشرج، مبحوح،
يحمل وجع لم يعد يحتمل التخفي:كيفك يا خاله…
وكيف حبيبه؟
امتلأت عينا إنعام بالدموع فورًا،
وانكسر صوتها وهي تجيب بصدق قاسي: مش طيبه يا ولدي…مش طيبه واصل.
ارتجف صدره، وكأن الكلمات غرست فيه سكين،
وغمغم بصوت يختنق بالدموع: هتجي زينه… وهتعاود كيف الورده، وهتضوي كيف حتة النور …وعد مني.
فتحت إنعام فمها بذهول مشوب بفرحة خجولة،
كأنها تخشى أن تصدق، وهتفت:لسه بدك حبيبه؟
نظر إليها فارس بذهول أكبر، وعيناه امتلأتا حتى الحافة،
ثم قال بصوت مكسور صادق: بدي…بس؟ دانا موت عليها يا خاله.
شهقت إنعام، واندفعت دموعها دفعة واحدة،
وضمت فارس إلى صدرها بعاطفة أم رأت خلاص ابنتها،
وهتفت:بعد الشر عليكم يا ضنايا…بعد الشر.
ربت فارس على منكبها، واستقرت ابتسامة شاحبة على شفتيه، ابتسامة رجل لم ينج بعد ..لكنه يرى طريق النجاة.
نظر إليها مجددًا،وهمس بصوت متوسل موجوع:
بدي أشوف حبيبه.
أومأت إنعام برأسها بسرعة، واللهفة سبقت كلماتها:حاضر…تعالي اجعد.
أومأ فارس، وتحرك نحو أقرب أريكة، جلس ببطء،
ووضع يده على صدره ..كمن يسند جرحه…
صعدت إنعام الدرج بخطوات متعجلة،قلبها يسبق قدميها،
حتى وصلت إلى غرفة حبيبة.دفعت الباب ودلفت،
وعيناها تلمعان بفرح حاول أن يكون حذرًا،
وهتفت بصوت متلهف:حبيبه… جومي يا بتي.
رفعت حبيبة عينيها بصعوبة، كأن الجفون صارت أثقل من أن تطاع، رأسها مسندة فوق صدر جملات،
وصوتها خرج مكسور، باهت كصدى روح أنهكها البكاء:
ليه يا يما…
أشارت إنعام بيدها نحو الأسفل، وكأنها تشير إلى قدر لا مهرب منه،وقالت بنبرة حاولت أن تدخل الطمأنينة:
فارس تحت.
تجمد جسد حبيبة دفعة واحدة، كأن الاسم صعقها،
امتزج الذهول بالغضب في عينيها، وخرج صوتها مبحوح مرتجف، يحمل رفض حاد :خليه يمشي… مستحيل أخليه يلمحني حتى.
اقتربت إنعام بدهشة، وكأنها لا تفهم كيف انقلب الحب جدارًا،وقالت بصدق أم تعرف قلب ابنتها: ليه يا حبيبه؟
انتي بتحبيه، وهو غرجان فيكي.
انفجرت حبيبة بالبكاء،دموع مقهورة، حارقة، وصاحت من عمق الوجع:لا… اللي كت أحبه جتلتي ،
جوليله حبيبه اتجتلك… وشبعت موت… ارحموني!
ارتفعت يد إنعام باضطراب، والدهشة مشوبة بالعجز،
وقالت بسرعة محاولة تهدئتها:خلاص… خلاص يا بتي، اهدي.
لكن حبيبة لم تهدأ، بل اندفعت جملات وضمتها بقوة،
كأنها تحاول أن تجمع ما تفتت من روحها. تشبثت حبيبة بجدتها، ودفنت وجهها في صدرها، تكتم صراخ لو خرج
لأسقط الجدران.
انزلقت دموع إنعام بقهر صامت، تراجعت خطوة،
ثم أخرى،وغادرت الغرفة وقلبها يئن.
فجأة، اعتدلت حبيبة بعنف، تحركت نحو الباب،
وأغلقته بالمفتاح كأنها تغلق العالم كله خلفه.
أسندت رأسها إلى الخشب، وانهار صوت نحيبها… يملأ الغرفة، بكاء مكتوم، متقطع، كأن الروح تسحب منها قطرة قطرة.
نهضت جملات،وضمتها بحنان يفوق الوصف، ربتت على ظهرها ببطء،صبر الجدات، وألم الأمهات، وهمست دون كلمات… فبعض الوجع لا يحتمل أن يقال.
في الأسفل،
نهض فارس فجأة، كأن نبض خفي انتزعه من مكانه،
وعيناه معلقتان بإنعام وهي تهبط الدرج، وصوت نحيبها يسبقهـا كجرح مفتوح.
اقترب بخطوات مرتجفة، لا تشبه مشية الرجال،
بل مشية قلب يخشى الحقيقة، وتمتم بصوت متحشرج يرتعش:مبدهاش تشوفني… صح؟
نظرت إليه إنعام، والدموع تملأ عينيها حتى كادت تفيض،
وقالت بصوت مثقل بالحزن: كتر خيرها يا ولدي… اعذرها.
أومأ فارس برأسه ببطء، كأن كل حركة تثقل صدره،
وهمس:حقها يا خاله… أنا اللي اتخليت عنها، بس ربنا وحده اللي يعلم.
اقترب أكثر، وكأن الأمل يدفعه دفع،
وتمتم برجاء مكسور: ممكن أطلع ليها… وأحاول أهديها؟
هزت إنعام رأسها بالنفي، وصوتها خرج حاسم رغم ارتجافه:مينفعش يا ولدي… هي لسه بردك ما أطلجت صح هو ولد حرام وعايب، بس الأصول أصول.
أنا كت بدي تندلي وتحدتها جدامي،
بس أوضتها؟ مينفعش.
بلل فارس شفتيه الجافتين، وكأن العطش ليس ماء بل غفران،وقال بإصرار : أحدتها من ورا الباب… وانتي معايا.
ترددت إنعام، وفركت يديها ببعض بقلق ظاهر،
ثم غمغمت على مضض:تعالى يا ولدي… يمكن في حديتك الشفي…
صعدت الدرج، وفارس خلفها، حتى وصلا إلى باب غرفة حبيبة، بابٍ بدا وكأنه يفصل عالمين: عالم قبل الكسر،
وآخر بعده.
اقترب فارس من الباب، وطرقه بخفة، كأنه يخشى أن يوقظ الألم، وقال بصوت يقطر حب وحنان موجوع:
حبيبه!!
هبت حبيبة من فوق صدر جملات، وعيناها اشتعلتا بجنون الغضب، وكادت تنهض،
لكن جملات تمسكت بها وأشارت لها أن تنتظر.
نظرت حبيبة إلى الباب، وصدرها يعلو ويهبط
بانفعال مكتومٍ كبركان محبوس.
طرق فارس مرة أخرى، وصوته هذه المرة كان مكسور،
كأنه يعتذر عن نفسه لا عن ذنبه: حبيبه… يا حبة جلبي،
أنا عارف إنك سمعاني، وعارف إني كسرت جلبك.
بس وحياة حبيبه، وعيون حبيبه اللي هموت وأبص فيهم مرة ..ولو بعمري… أنا كسرت روحي وضهري ورجولتي
وأنا بكسر جلبك.
نهضت حبيبة، وجسدها يرتجف، اقتربت من الباب،
وأسندت ظهرها عليه، وانزلقت دموعها بقهر،
وخرج صوتها مرتجف كجرح ينزف: امشي يا فارس…
كل حديتك لا هيجدم ولا هيأخر….إنت أول واحد يخوني…ويدبحني… امشي، متخليش الخنجر اللي في جلبي يتحرك.
هز فارس رأسه، والدموع تقطر من عينيه دون خجل،
وقال بصوت متهدج متوسل:بعد الشر على جلبك يا حتة النور….اديني فرصة، وأنا هداوي چرحك وچرحي.
ورب الكعبة يا حبيبه .. كان غصب عني، من خوفي عليكي…خفت حضني يجتلك.
صرخت حبيبة، ودموعها ساخنة تلهب وجنتيها،
وصوتها خرج كندبة مفتوحة: أنا كان بدي أموت في حضنك … ولا أندبح بعيد عنه! إنت اخترت، وجولت ملناش نصيب في بعض،وإن الدنيا حكمت علينا.
خلاص… بدك إيه مني دلوق؟ أنا أصلًا مت، روحي اندبحت، وجسمي وكرامتي اتهانوا وسط الخلج.
حبيبه اللي كنت عارفها.. اتجتلت…بدم بارد.
ساد الصمت، صمت ثقيل، كأن البيت كله يحمل حداد قلب ..لم يعد يعرف كيف يعود حيا..
ارتفع صدى ضرب فارس للباب في الصمت القاتل، كل خفقة في صدره تصرخ بالغضب، وكل عضلة في جسده تشهد على رجولته المذبوحة التي لم تعد تحتمل الظلم. ضرب الباب بعنف، متفجر بكل ما يحمل من وجع وخوف وحب، وهتف صوته يملأ الأفق: حبيبه… اكبر واعلى من كل الخلج! كل الدنيا تحت رچليكي… أنا مش هجولك… هرد كرامتك جدام الجلج… عشان كرامتك أعلى حتى من كرامتي… أنتي… حتى نور… يا حبيبه… عارفه يعني ايه نور؟ يعني العيون لازم تخشع وهي بتبصلك!
صمت لحظة، يستشعر كل نبضة من جسدها تتردد على الباب، كل شهقة منها تخترق قلبه كالخناجر، شعر بها تنزلق علي الأرض ، ارتعاشها يلمس الأرض تحت قدميه، وكأن الهواء كله أصبح محمل بالوجع والحنين….
شهقاتها ترتد في قلبه فتزيده تمزق، وتغرز في عينيه صورة ألمها.
اقتربت انعام بخطوات حذرة، وضعت يدها على منكبه، وغمغمت بدموع: هملها… تهدي يا ولدي.
أومأ فارس برأسه على مضض، يحدق في باب الغرفة بعمق يحرق روحه وينحر قلبه، همس بصوت ميت:
أمانه… خلي بالك منيها.
ابتسمت انعام برقة، وصوتها يملأه الفرح والاطمئنان: هتوصيني على بتي يا غالي.
أومأ فارس بحسم: هي بردك بتي… وحبه جلبي… ومرتي.
ربتت انعام على منكبه بصوت مبتهج:ربنا يجرب البعيد يا ولدي.
ابتلع فارس غصته بصعوبة، وألقى نظرة أخيرة على الباب، همس بصوت يتقاطع فيه الحزن مع الرجاء: يارب.
تحرك ببطء نحو الأسفل، وكل خطوة منه تحمل ثقل الرجولة والوفاء والحب الممزوج بالغضب،
وانعام تتابعه بعينين مليئتين بالفرح، تدرك أن أمامها رجل على شكل عوض من الله لابنتها، حامي وراعي لا يعرف التراجع.
في الداخل، سحبت جملات حبيبه التي تمسكت بها بدموع وقلب يختنق، وضمتها بحنان يفوق الوصف.
قلب جملات كان يطرق صدرها بعنف، وعقلها يدور بقرار لا رجعة فيه…
…..
في العالم السفلي…
ارتجف الهواء فوق قمة جبل الجليد، وجمدت البرد حتى أصبح كالسيف الحاد على الجلد، حين انشقت الثلوج فجأة وبرز قرماس،
ظهره مثقل بسهم غادر اخترق جسده، ويداه مغطاة بالدم القاني، يقترب من التابوت الجليدي بخطوات متثاقلة، وعيناه تلمعان بقلق ووجع…
همس بصوت متحشرج، يقطر ألم وتهيج : فينوار… مولاتي…
رأس فينوار كان يميل على صدرها كطائر مكسور الجناح، جسدها ساكن، والبرد يلتف حولها كما لو يريد أن يبتلعها. بلع قرماس لعابه بتوتر، وامتلأ صوته برعب الفزع: فينوار… ردي عليا… فينوار… اصحي… ارچوكي… مولاتي!
في تلك اللحظة، انشق الهواء البارد فجأة، وظهرت ناريسا من الظلال، عينيها شعلة من العزم، وصرخت:فينوار… فوجي!
أشار لها قرماس بيده بحزم، وصوته صار كالحديد المشتعل: التابوت ديه… لازمن يفتح دلوقتي!
أومأت ناريسا برأسها بثقة، وهمست بكلمات لا يسمعها سوى الأرواح، وكأنها تستنطق الجليد والظلال نفسها. انطلقت حولها أطياف كثيرة، ووقف أمامها جني الثلج، صدى كلماته يتردد في كل ذرة من الثلج: أمرك… رقيبه الدم المختوم.
أشارت له ناريسا بيدها، وعينها حادة، كأنها تأمر الموت نفسه:حرر فينوار …ديه وجت… وچبتها.
أومأ جني الثلج، واقترب من التابوت الجليدي، مرر يده الملطخة بالقدرة القديمة، وهمس بكلمات تشق الثلج والصمت، فتح التابوت ببطء…
وقبل أن يسقط جسد فينوار في الفراغ، التقتها ناريسا بحنان صارم، وضمتها إلى صدرها، وجلست على الأرض وهي تحميها كدرع حي، وقالت بصوت يقسم الأرض والسماء:انصرف!
أومأ جني الثلج بخطى بيضاء، وانسحب في صمت مثل الضباب، وفي نفس اللحظة، شق الهواء قرماس، يركض بعينين تلمعان بالحرقة، وهتف بصوت يملأ الجبال:
فينوار!
نظرت له ناريسا بحدة، عيونها سكاكين تحذر من أي خطوة متهورة: قرماس…
أومأ قرماس برأسه، صوته خافت لكنه مشحون بالولاء والرجاء:مولاتي…
الثلوج صمتت، والجبال تكاد تهتز من قوة العواطف التي تتدفق فوق قمة الجليد، حيث الحب والوفاء يواجهان الموت والظلام في صراع لم يره العالم من قبل.
ارتجف الجو فوق قمة جبل الجليد، وكأن الهواء نفسه يحمل ثقل البرودة والفزع، حين بدأت فينوار تحرك رأسها ببطء، تتنفس أنفاسًا ثقيلة، يملأها البرد حتى تصل إلى أعماق صدرها…
فتحت عينيها ببطء، ونظرت إلى قرماس بعينين تلمعان بالألم والأمل معًا، وغمغمت بصوت مبحوح، كأن الكلمات تكاد تنكسر على شفتيها: قرماس… أخيرًا كنت فجدت الأمل…
هز قرماس رأسه بالنفي، أخرج النبته بين يديه وقال بصوت خافت، يقطر ولع وحب وحذر: مجدرش… اتخلي عنك… انتي روحي… ومولاتي…
ارتجفت فينوار بدهشة، وغمغمت: انت… مصاب، قرماس؟
أومأ ببطء، وتمتم بصوت متكسر:چرح خفيف…
اقتربت ناريسا بحركة متأنية، وأخرجت الطعام المخصص لفينوار، وقالت بحزم وحنان:مفيش وجت… لازم تأكلي النبته وسط الوكل، عشان تتحملي مرارتها ديه… كيف الحنضل، يا بتي؟
لم تتردد فينوار، بل أخذت النبته وفركتها فوق الحساء الساخن، حتى امتزجت كأنها روح وعنفوان، ثم رفعت الكوب بيد مرتجفة وقالت بهدوء مؤلم: اشرب دلوق…
ابتسم قرماس برقة وغمغم: اشربي… واتحملي يا مولاتي…
ارتشفت فينوار الحساء، وحرق حلقها كما لو أن النار تمر عبره، لكنها استمرت حتى انتهت، وهي تسعل سعال جاف يسحق صدرها.
قبضت ناريسا على يدها وربتت عليها بحنان، وهمست:
حبيبتي… سلامتك يا بتي…
اقترب قرماس بطيئة، أخرج زهرة حمراء من بين ثيابه، وضعها بفمه حتى ذابت وتحولت إلى رحيق يشبه العسل الأحمر…
رفع رأسها برقة، وطبع شفتيه على شفتيها، مرر لسانه ليفتح شفتيها بلطف، وتسرب الرحيق إلى فمها من لسانه إلى لسانه، حتى آخر قطرة…
ومع ذلك، بقيت القبلة بلا شعور، مستمرة كما لو أن الروح نفسها تتشابك فيهم.
نظرت ناريسا إليهما بدهشة مخلوطة بالغضب، وهتفت:
ايه… كفايه! الرحيق خلص من بدري!
ابتعد قرماس بأنفاس لاهثة، وهمس: آسف… مولاتي…
خفضت فينوار عينيها، ثم همست بصوت مرتجف:
متى هيبدأ الوهم؟
أومأ قرماس وهو يتأمل ملامحها بنظرات حب مشحونة بالجنون، وقال:توصل النبته الدم… وهيبدأ…
مرت لحظات ثقيلة، فينوار تخفي عينيها عنه، وهو يتأملها كأنها كل العالم بالنسبة له، وناريسا تتأرجح عينيها بينهما، كأنها شاهدة على قوة لا يقهر…
فجأة، اهتز جسد فينوار بعنف، وتمسك بها قرماس وناريسا معًا، حتى استقر جسدها.
صاحت فينوار الوهم من خلفهم: أنا… هنه…
نظروا إلى الخلف، وابتسم قرماس بسعادة مشتعلة، وهتف: الاتنين… أچمل من بعض…
لكزته فينوار، التي جلست متعبة، وغمغمت: كفايك يا قرماس…
ضحكت ناريسا وقالت بمرح: مفيش وجت… يلا… الوهم يدخل التابوت…
أومأت فينوار الوهم ، واقتربت من التابوت، وحمل قرماس فينوار الحقيقه بين ذراعيه، وذابوا في الهواء كظل متلاشي…
أغلقت ناريسا التابوت على الوهم، وابتسمت بسعادة، بينما الثلج حولهم يهتز برقة، وكأن الجبل نفسه يبارك عودة الأمل إلى قلب فينوار.
ارتجفت أركان سرايا الأنصاري
بصوت خطوات فارس الغاضبة، كأن الأرض نفسها تدك بدك كل حجر تحت قدميه.
دخل بخطوات سريعة وحازمة، وعيناه تتوهجان بغضب لا يهدأ، ووقف الجميع مشدوهين أمامه.
صاحت وهيبه بصوت يرتجف من الدهشة والقلق: وينك يا ولدي؟ كت فين؟
نظر لها فارس بحسم، صوته يقطر حزم وغضب: كت عند مرتي.
تبادلت العيون النظرات بدهشة، وبلعت إيمان غصتها بنحيب مكتوم، لا تستطيع إنكاره…
اقتربت وهيبه بدهشة مرتجفة، وسألت:مرتك مين يا ولدي؟
ميل فارس رأسه قليلًا، وهتف بصوت يكسر الصمت المحيط: حبيبه… حبة جلبي.
تجمد رماح للحظة، ونظر إلى إيمان المنهارة بدهشة ممزوجة بالحنق، وغمغم بصوت حاد:انت هتتچوز يا غالي؟
ابتسم فارس ابتسامة جافة، بحسم لا يحتمل الاعتراض، وقال: اعتبرني اتچوزت… عنديك اعتراض؟
هز رماح رأسه بالنفي، وتلألا الخبث في عينيه، وهتف :
بس هي لسه على ذمة ولد عمه موسي العزيزي…
اقترب فارس خطوات تشعل الأرض من حوله، قبض على ياقته بقوة، وهدر بصوت كالرعد: وانت مالك بدخل حالك ليه… ولد المحروج انت؟!
هز رماح رأسه بالنفي مرة أخرى، وقال بخبث: لا يا واد عمي… دانا كمان عندي اللي يخليك تحط رچلك على رجبة العايب، بواجي الرچاله… ويطلج حبيبه في لحظه… بس مش ببلاش!
لم يلتفت فارس للكلمات، بل قبض على رماح وسحبه إلى الخارج بخطوات سريعة وغاضبة، كأن غضبه يحرق كل شيء في طريقه، تاركًا صدى قلبه المكتوم يملأ أركان السرايا بصوت لا ينسى
ووووووووووووووووووو
توقعتكم ي سكاكرررر
ساحره القلم ساره احمد

تسلم الايادي طبعا كالعادة بجنن ❤️❤️
تسلمي يا قمر ❤️
تسلم ايديك يا قمر
تسلمي يا قمر ❤️
تحفه
دى عيونك الحلوه حبيبتى
تحفه كالعاده
يسلم ذوقك حبيبتى
تسلم الايادي ♥️♥️👏👏
الله يسلمك حبيبتى
ابداعتي ي ساحرتي الجميله 😘
تسلمي يا قمر ❤️
تسلم ايديكي مقدما يا حبيبتي أكيد تحفة كالعادة 💗💗💗💗
تسلمي يا حبيبتي ♥️
تحفه طبعا
تسلمي يا حبيبتي ♥️
روعه روعه
تسلمي يا قمر ❤️
تحتحفه بجد
تسلمي يا قمر ❤️
جمال البارت خيال ❤️❤️❤️
تسلمي يا قمر ❤️
روعه تسلم ايدك ياقلبي
تسلمي يا قمر ❤️
تسلم ايدك ♥️♥️
تسلمي يا قمر ❤️
تحفه
تسلمي يا قمر ❤️
البارت رووووووووعة ياسارة تسلم ايديكم وعنيكم ياقلبي❤❤❤❤
تسلمي يا قمر ❤️
ابداع ياحبيبتي ❤❤
تحفه بجد تسلم إيدك
تجننن🥹🩷🩷
تسلمي يا قمر ❤️
ايوووة كده ياسارة دلعينا
اخر دلع😉♥️
تحفه تسلم ايدك ❤️
تسلمي يا قمر ❤️
تسلم الأيدي
تسلمي يا قمر ❤️
تسلم ايدك ياسووو ❤️ عظمه ❤️
تسلمي يا قمر ❤️
روعه يا قلبى تسلم ايديك
تسلمي يا قمر ❤️
البارت تحفة كالعادة تسلم ايدك ياقمر ❤️♥️❤️
تسلمي يا قمر ❤️
تسلم ايدك
تسلمي يا قمر ❤️
جميلة كالعادة تسلم ايدك ياسارة فى تقدم دايما كدة
تسلمي يا قمر ❤️
تحفه ياقمر كالعاده ❤️❤️❤️
تسلمي يا قمر ❤️
جااااامد تسلم ايدك وافكارك وابداع حقيقي احسن من يبدع بالقلم
تسلمي يا حبيبتي ♥️
تحفه تحفه❤️❤️❤️
تسلمي يا قمر ❤️
رائعة ❤️
تسلمي يا قمر ❤️
تسلم ايدك اولا، ثانيا النكد هيخلص امتى الواحد قلبه وجعه
تسلمي يا قمر ❤️
تحفه تسلم ايدك ياقلبي
تسلمي يا قمر ❤️
جمد جدا
تسلمي يا قمر ❤️
تحفه ❤️🐻
تسلمي يا قمر ❤️
تحفة فوق الخيال
تسلم ايدك
تسلمي يا قمر ❤️
تحفه تسلم ايدك ♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️
تسلمي يا قمر ❤️
روعه
تسلمي يا قمر ❤️
دا انقلاب دا
دا انفجار😉😂
تحفففففةةةةة ياسارة
تسلمي يا قمر ❤️
❤️❤️❤️❤️❤️❤️
♥️
جمييييل
جمال عيونك ي حبيبتي ♥️
رووعة
تسلمي يا حبيبتي ♥️
كلمه مبدعه قليله عليكي يا ساحر القلوب ❤️❤️
تسلمي يا حبيبتي ♥️
تحفة بجد ❤️❤️❤️❤️
تسلمي يا قمر ❤️
❤️❤️❤️🔥
❤️🔥
بارت يهبل ♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️تسلم ايدك
تسلمي يا قمر ❤️
تحفة
تسلمي يا حبيبتي ♥️
جميله
تسلمي يا قمر ❤️
روعه روعه مبدعه
تسلمي يا قمر ♥️
بارت جاامد جدااا 😘😘😘😘😘😘😍
تسلمي يا قمر ❤️