عشق ملعون بالدم

عشق ملعون بالدم (البارت السابع عشرر)

عشق ملعون بالدم (البارت السابع عشرر)

كان حبهما نارًا متأججة، عاصفة لا تُهدأ، قلبان يلتصقان، يشتعلان، ثم يُمزّقان معًا، عاجزان عن الفراق، لكن محكوم عليهما بالابتعاد. لم يكن عشاقًا عاديين، بل روحان محتدمتان، يُساقان في طريقٍ لا نهاية له، كل خطوة فيه تزيد من وحشتهما، وتوسّع الهوة بين قلبيهما كجرفٍ ينهار بلا رحمة.

يبدأ كل لقاء بشرارة غضبٍ خفية، صغيرة، تكبر سريعًا لتلتهم كل شيء؛ الحضن يصبح سلاحًا، الكلمات تصبح جراحًا، والابتسامة تتحوّل إلى وجع يتكرّر في الصدر بلا توقف. ينهاران في حضن بعضهما، كأن الحضن نفسه سجن، يحبس الروح قبل الجسد، ويترك أثره مثل ندبةٍ لا تُمحى.

وعندما يفترقان، يكون الفراق أشد قسوة من كل لحظة سابقة، إذ لا شيء يُترك خلفه سوى صدى الذكريات، يتكرّر في الصمت كصرخةٍ مكتومة، والحنين يختنق في الحلق حتى تكاد الروح تتوقف عن التنفس. الطريق بينهما طويل بلا عودة، وكل خطوة تسحبهم بعيدًا عن بعضهما، نحو فراغٍ ينهش القلب، نحو فراغٍ يُذكّرهم بما فقدوا، بما لن يعود.

في النهاية، يبقى الحب نفسه، قويًا، محتدمًا، لكن مستحيلًا، كعاصفةٍ تترك كل شيء خلفها محطمًا، وكل قلبٍ يئنّ تحت الرماد، لا يجد سوى صدى الآخر في صمتٍ يوجع أكثر من أي حضن، أكثر من أي دمعة.

في غرفة يختلط فيها صرير الألم بأنفاس محبوسة، رمشت حبيبة بعينيها ببطء واهن، كأن الجفون تقاوم ثقل العالم كله…

كان الوجع يسري في جسدها كما تسري النار في هشيم جاف، يعض أطرافها، ويقتلع أنفاسها من صدرها.

اقترب منها أمير، وقلبه ينهار في صدره، وغمغم بدموع تتزلزل معها روحه: حبيبه… كيفك يا خيتي؟ انتي سمعاني؟

ارتجفت جفونها، تحاول فهم ما حولها، لكن الصور انهمرت في عقلها فجأة، كالسكاكين… صوت الارتطام، صرختها، حضن فارس، ظلال الموت وهي تنقلب مع الحديد…
وفجأة شق صوتها الغرفة كطعنة: فااااارس!”

انكمش قلب أمير، وأمسك ذراعيها بقوة يائسة، وهتف فزع يقاتل انهيارها وانهياره معها: حبيبه! اهدي يا خيتي! فارس زين!”

لكن عقلها لم يعد لها… كانت كالمسحورة، كالمجزوبة من بين الرمق والموت، نظرت حولها بعينين فقدتا اتزان الروح، وصرخت بكلمات تتكسر في حلقها: زين كيف… فارس… العربيه… زين… وينه؟ فارس! فاررررس! زين! زين طب وينه!”

شدها أمير إلى صدره يثبتها كأن روحها تنفلت من بين أصابعه، وصاح برجاء موجوع: جسم بالله يا حبيبه… فارس زين! اهدي يا خيتي، لأجل خاطري!”

رفعت عينيها إليه، تحدق بلا وعي… كأنها تبحث عن ضوء في غرفة بلا شبابيك، وقالت بصوت متحشرج متقطع:
طب… وينه فارس؟ لو زين… كان هيكون چاري… صح؟”

انكسرت غصة في حلق أمير، تلك التي كان يحاول كتمها منذ وصل… ابتلعها بصعوبة موجعة، وقال بنبرةٍ مهزومة:
هو زين… والله… بس مشي… طلع من المستشفى.”

تجمدت ملامحها… كأن السهم أصاب قلبها لا جسدها.
ثم… ضحكت.
ضحكة قصيرة، باهتة، تشبه شهقة روح قطعت عنها السماء.
غمغمت بصوت مبحوح، مرتجف، لا يصدق: كيف… يعني؟ كيف يهملني بين الحياه والموت… ويمشي؟ انت بتتكلم عن مين؟ مستحيل… مستحيل أصدجك…”

نظر لها أمير، وقلبه يتفتت في اللحظة ذاتها، وقال بصوت منكسر يشبه انحناء سيف قديم: بس… هو مشي يا حبيبه.”

وواصلت الهاوية ابتلاعها… نهضت حبيبه بخطوات ثقيله ، وانحنت على الجدار، تسند نفسها بكف مرتجف،

وصوتها يتشقق كأن كل كلمة تجرح حنجرتها من الداخل: فـ فارس.. وينك؟!

أمسكها أمير بقوة يائسة، كأنما يحاول أن يشد الروح العائدة إلى الاشتعال، وخرج صوته محشرج، مثقوب بالوجع:هدي يا حبيبه… تعالي نروحوا وانا هفهمك.”

لكنها هزت رأسها بعنف، والنفي يتفجر من كل نقطه فيها، ثم اندفعت…

واندفعت تجر قدميها رغم الألم الذي يشق جسدها نصفين، تصفع أبواب الغرف واحدًا تلو الآخر، كأن في كل باب احتمال نجاة… أو كذبة تريد فضحها.

صرخت بنحيب يمزق السكون: فاااارس… يا فارس ردي عليا… طمن جلبي بالله… أنا هموت…!”

كان الهواء يضيق حولها، جدران الممر تميل، الأرض تهتز، ورئتاها تختنقان بفراغه…

كأن الدنيا كلها تحولت لمستشفى واسعة لا يسكنها إلا صوتها المكسور وهي تنادي من باعته الحياة فجأة.

لحق بها أمير، صدره يعلو ويهبط، عيناه تجحظ من الفزع وهو يراها تتداعى أمامه كشمعة قربت من نهايتها…

مد يده إليها محاولًا الإمساك بذراعها، لكنها انتفضت كمن لدغ، وصرخت بصوت مذبوح يزلزل قلبه: سبني… سبني أدور عليه… لو زين كان هيكون هنه! ميجدرش يهملني … كان هيسبج روحي بروحه!”

تهاوت قدماها للحظة، ثم نهضت بعناد مجنون يقتلها أكثر مما ينقذها.
تقدمت وهي تضرب صدرها بكف مرتجف وتلهث: ليه يمشي؟ ليه يهملني وأنا بين الموت والحياة؟
فارس ميجدرش… مش هيكدب… مش هيضحك… انت مش واعي… وأنا مش هصدج!”

وصلت لباب آخر، فتحته بقسوة حتى ارتطم بالحائط، ونادت بصوت خافت كأن روحها تلفظ آخر نبضاتها: فارس… لو سامعني… تعالى… بالله عليك… تعااااال…”

لكن الصمت كان هو الوحيد الذي لبى ندائها…
صمت بارد، قاس، يطعن أكثر مما يفعل الغياب.

تراجعت خطوة، ودموعها تنحدر دون هوادة، ثم همسة بصوت متحشرج ممزق: جلبي… بيتشج… بيتصفي… حد يجوله… يرچع… جبل ما أموت…”

وخلفها أمير ،يتمسك بها بيأس، يكتم أنفاسه، يكتم الحقيقة، يكتم الوجع الذي يعرف أنه سيكسرها أكثر مما كسرت…

لكنه يرى بعينيه كيف يتصدع إنسان أمامه، كيف يسقط الجزء الأخير من عقلها في هاوية اسمها: فراق من لا يفترض فراقه.

ومشوار الوجع… لم يبدأ بعد…

نهض فارس من السرير وكأن روحه تنهار داخله، عينيه تحتدمان بالدموع والوجع، وصاح بصوت متحشرج يقطع صمت الغرفة: حبيبه… متخفيش يا حبة جلبي… حبيبه!”

تمسك به ادهم بعنف، وخرج صوته مبحوح بالغضب والحزم:معادش ينفع… أنت عملت الصح وخلاص!”

هز فارس رأسه بالنفي، ودمعه ينهمر بغضب وحسرة، وغمغم بصوت مبحوح مرتجف: مجدرش… انت مش سامع صوته…”

ثم تابع بصوت أشبه بالصفير المتقطع: هتبكي يا ادهم… طب اصبر… هسكتها وبس…”

سحبه ادهم خلف باب الغرفة، مؤشرا له بالسكوت، عندما سمع خطوات حبيبه تقترب.
تجمد فارس في مكانه عندما فتح الباب، وصرخت حبيبه بنحيب ممزق: فارس… وينك؟!”

تمسك بها أمير بحنان، وعينيه تدمع بحرقة، وأشار نحو السرير الفارغ وهمس بصوت يحرق قلبها: واعـيه والله… دي أوضة ٣٤ اللي كان فارس… ولو مش مصدجاني… أندلي اسألي بنفسك…”

ارتجفت حبيبه، ودموعها تقطر على الأرض، وصدرها يعلو ويهبط بانفعال مكتوم، ثم اندفعت مسرعة نحو الأسفل، تصرخ:كدب… فارس… جالي أنه عمره ما هيهملني… يا فاااارس… تعااااااال… والنبي!”

ضرب فارس رأسه في الحائط بعنف، ودفع ادهم بيده بغضب، وانطلق خارج الغرفة، خطواته تتدفق بالغضب والجنون، كل خطوة تقربه من حبيبه، وكل ثانية تمر تزيد النار في قلبه، لعله يلحقها قبل أن يبتلعها الظلام بالكامل.

في بهو المستشفى،
وقفت حبيبه، عيناها تتسعان بالرعب، وصدرها يختنق، وكل شهيق كأنه يقتلع قلبها من صدرها، وهمسة بشهقات متقطعة:والنبي… فارس الانصاري… في أوضة كم…”

نظر الموظف إليها باحتراس مدهشه وقال : أوضه ٣٤.”

شهقت حبيبه فجأة، وكأن الهواء غادر رئتيها، جحظت عينيها، وضاق صدرها حتى شعرت أن الأرض انهارت تحت قدميها،

والكون كله صار عبئًا لا يطاق… التفتت إلى أمير، ونظرتها تمزق قلبه نصفين، همس باسمها بصوت ممزوج بالخوف والألم: حبيبه…”

تزلزلت خطواتها تحتها كأن الأرض انسحبت من العالم، تهوي ببطء لا يحتمل، وبفقدان وعي يخطف الأنفاس. وفي اللحظة التي كادت فيها ركبتاها تخونانها،

اندفع فارس… اندفع كأن النار تشعل دمه… شق الجموع، ودفع أمير دفعة غاضبة أطاحت به أرضًا، قبل أن يمد ذراعيه ويلتقطها من حافة السقوط.

احتواها بقوة رجل يخشى أن يخسر آخر ما تبقى له من حياة، وانفجر صوته من صدره: حبيبه…!”

ارتجفت شفاهها، تناثرت أنفاسها المتكسرة، همسة كمن يبحث عن آخر خيط وعي: فا…”

ثم انهار رأسها على صدره، كأنها أخيرًا وصلت إلى حضن أمانها الوحيد.
وانهار فارس معها… دموعه تتساقط بلا خجل، كطفل يسحب منه قلبه:حبيبه ردي علي يا روحي… حجك عليا والله غصب عني يا حبة جلبي…”

اقترب أمير متألما، ولحقه وادهم، وبدر الذي اندفع من الخارج بوجه مذعور…

وفي اللحظة ذاتها التف الأطباء والممرضون، وصوت الطبيب يشق الهواء المشحون:ارفعوها على السرير… بسرعة، هاتها جوه!”

نهض فارس وهو يحملها كأن جسدها ورق وروحه حجر ينهار من فوقه.
سنده أمير، رغم الغضب المشتعل في عينيه، ورفعاها معًا، ثم وضعها فارس برفق فوق السرير، كمن يضع قلبه على حافة الموت.

امتلأت الغرفة بنفس ثقيل، وجوه شاحبة، أعين تهتز، وخوف يربط الجميع بحبل واحد…

أنفاس حبيبة المتقطعة كانت تحكي كل شيء…
حكاية حب يقاتل، ووجع ينهش الأرواح، وعتمة لا تمنحهم لحظة نجاة.

تراجع فارس خطوة للخلف، كأن الأرض تهتز تحته، ثم قبض على ذراع أمير وسحبه معه خارج الغرفة بعنف يفضح ما يغلي داخله،

وما إن ابتعدا حتى دفعه فارس بعيدًا عنه، وانفجر صوته كبركان مكبوت، والدموع تهطل من عينيه بلا خجل:
هچولك إيه؟! انسي… انسي إني أبعد عنها! أديك وعيت… كانت هتموت… وأنا مت مية مرة!”

قبض أمير على قميصه يشده إليه كمن يحاول إنقاذ غريق: منك لله! ليه خلتها تحبك جوي كده؟! هو ديه وعدك؟! أنا عمري ما هسامحك! بعد عنها يا فارس… هتخسرني!”

صرخ فارس، وصوته كأنه انشقاق قلب: مجدرش! جسم بالله ما جادر! ارحمني يا أمير… بلاش… بلاش إنت كمان تبجي اجسى عليا من اللعنة يا اخوي!”

دفعه أمير بعنف، وهدر بجنون موجوع: يا غبي! أنا خايف عليكم! خايف على اتنين ماليش غيرهم والتين اغلي من بعض! مش هجدر أتحمل خسارة أعز صاحب… وأختي في نفس الوجت!”

اقترب منه أكثر، والصوت ينكسر بين شفاهه: فاكر لما طه مات؟ مين اللي بكيت على كتفه؟ مين اللي عوضني عن أخوي؟ مش إنت؟ إنت… عندي أخوي وصاحبي… وحتة من جلبي… والله العظيم ما أنا خايف على حبيبة بس… مع إنها أختي الوحيدة ومحليتش غيرها…”

تقلص وجه فارس، كأنه ينتزع من داخله، وغمغم بصوت يفتت الحجر:كده كده هنموت… لو بعدنا عن بعض هنموت، ولو جربنا… برضه هنموت… خلينا نموت مع بعض، واهو… لو ملناش نصيب في الدنيا… يبجى في الآخرة.”

تجمد أمير، وتبادلت العيون بينه وبين بدر وادهم، ذهول ممزوج بالغضب، كأن فارس يقف أمامهم لا كعاشق… بل كمن فقد صوابه تمامًا.
هتف أدهم بنبرة صاعقة: إنت اتخوت!”

وحين لم ينكر فارس، ولم يرتجف، ازداد وجه أمير قسوة، وصوته صار حد السكين: لا… هو ما اتخوتش… هو بجي خطر. خطر على نفسه… وخطر على أختي… وأنا… بحذرك يا فارس… بعد عنها. بعد… عنها.”

خرج الطبيب من الغرفة، والقلق يتصاعد في الصدور حد الاختناق. التفوا حوله بلهفة مشوبة بالخوف، وكان فارس أسرعهم، صوته خرج كمن يطالب بالحياة نفسها: كيفها يا دكتور؟”

تنهد الطبيب، ومرر نظرة سريعة بينهم قبل أن يقول بجدية: عندها انهيار عصبي حاد.”

تجمدت القلوب لحظة، ثم تبادل الجميع نظرات يشتعل فيها الغضب على قدر ما يشتعل فيها الوجع… تقدم أمير خطوة، وصوته يغلي: لو تسمح يا دكتور… أنا بدي آخد أختي عالبيت. وأي حاچة تحتاچها هنوفرها في البيت… بس هي لازمن تبعد عن المستشفى.”

أومأ الطبيب بتفهم، وقال: ماشي… هي نايمة دلوق بسبب المهدئات اللي حجناها بيها. تجدروا تاخدوها بعربية إسعاف.”

هز أمير رأسه سريعًا وقال : اعمل اللازم.”

وما إن ابتعد الطبيب حتى قبض فارس على ذراع أمير بعنف، كأن الغضب يجرح كفيه، وصاح بصوت مضرج بالرفض: فاكر إن كده هتبعدها عني؟!”

انقض بدر وادهم عليه في لحظة واحدة، يمسكانه بقوة قبل أن يفلت غضبه على الجميع. هتف أدهم: فارس كفاية يا خوي… فرچت الناس علينا.”

لكن أمير تقدم، وعيناه تشعان نارًا تكاد تحرق الهواء، وقال بصوت ينفجر من صدره:عجل ولد عمك يا بدر إنت وادهم! ديه كنه بيطلب خيتي عشان يموتوا سوا… ويموتونا بحسرتنا بعديهم… ومتكدر إني رافض؟!”

ثم اندفع أمير إلى غرفة حبيبة، بينما كان فارس يحاول التملص من قبضتي بدر وأدهم كوحش جرح ولم يعد يرى إلا شيئًا واحدًا: كده موته… وكده موته يا أمير! وأنا مش ههملها!”

شده بدر بقسوة، وهدر بصوت كحد السيف: يا خوي كفاياك! إنت كنت العاجل فينا!”

أدار فارس رأسه بعنف، وصوته يتشقق: يعني عاچبكم اللي حصلها؟! عاچبكم إنها افتكرت إني هملتها ومشيت؟! عاچبكم اللي اتكسر فيها؟!”

أشار له أدهم، يحاول السيطرة على نبرة صوته رغم أنفاسه المضطربة:يا فارس… اهدي… تعال… لازم نهدى ونفكر.”

هز فارس رأسه بعناد موجوع وهدر : لا… مش ههملها!”

مسح بدر وجهه بكفه غاضبًا، وهدر:طب استهدى بالله… وتعال نجعد في العربية… لما يطلعوا بعربية الإسعاف… نطلع وراهم.. إيه رايك؟”

توقف فارس، كأن الكلمات اصطدمت بجدار داخله، ثم انخفضت كتفاه قليلًا، وهز رأسه بحزن يثقل الهواء…

تحرك معهم خارج المستشفى، وخطواته ثقيلة، يلتفت خلفه كل لحظة كأن روحه تسحب من هناك، من تلك الغرفة تحديدًا.

وصلوا إلى السيارة، صعدوا، وجلس كل منهم في صمته، شارد في عالمه، بينما فارس ظل عيناه معلقتين بباب المستشفى… كأنه ينتظر أن تعاد روحه إليه مع أول فتح لذلك الباب.

أسند بدر جبينه إلى المقود، كأن الحديد أرحم من ثقل صدره… غاص في شروده حد الاختناق؛ ماذا سيحدث حين تنقضي السنة ويطرق والد ليلة بابه مطالب بـ كلمتهم؟
أيعقل أن يطلقها؟

أيعقل أن يعود يومًا إلى البيت فلا يجد ظلها، ولا عبقها الذي كان يلتف حوله كدعاء صامت؟

أطبق جفنيه بقهر يشرخ الروح، وغمغم بصوت منكسر كحجر يسقط في بئر:أموت أهون… صح؟

إلى جواره، كان فارس مسندًا رأسه إلى زجاج النافذة، عيناه لا تغادران مدخل المستشفى، كأنه ينتظر أن يخرج قلبه من هناك…

المشهد يعيد نفسه داخله كطعنة لا تكل ولا تمل ؛ ظلاك يقترب من حبيبة، وصوته الخشن يهدده بخطف روحها…

ارتجفت حدقتاه، وهز رأسه نافيًا بعنف يائس وهمس بنبرة مشتعلة: روحي… جبل روحها.

وفي الخلف، سحب أدهم نفسا عميقًا من سيجارته، كأن الدخان وحده قادر أن يملأ الفجوة في صدره…

نظر أمامه بعينين تلاشت منهما كل المكابرة، كأن القرار الذي تهرب منه أعوامًا سقط الآن على كتفيه دفعة واحدة…

ثم أطلق زفيرًا تعبق فيه الهزيمة، وتمتم بصوت خفيض لكنه ثابت، كأنه يوقع حكمًا على نفسه:.أختارك تعيشي… يا عمري…إنتي الأغلى… وإنتي الأوله بالعيشه والفرحه.

خرجت سيارة الإسعاف، وخلفها سيارة أمير كظل يتبعه، أشار فارس إلى بدر بعينين مليئتين بالحسرات وقال:
يلا يا بدر.

أومأ بدر وانطلق خلف سيارة أمير، فيما ظل فارس ينظر إلى الإسعاف وكأن قطعة من قلبه تقتلع مع كل خطوة، وكل نبضة كأنها صرخة مكتومة في صدره.

في سيارة أمير، نظر إلى سيارة بدر في المرأة الجانبية للسيارة، وهز رأسه بغضب واستنكار: هتصعبها ليه يا أخوي؟

مرت ساعة تبدو كدهر، وكل ثانية تزيد الألم…
دلفت سيارة الإسعاف أخيرًا إلى حديقة سرايا العزيزي وتوقفت، خلفها توقفت سيارة أمير، ووقف بدر عند بوابة الحديقة.

خرجت انعام وفوزي وريم وهند من البيت، وجميعهم في حالة ذهول مختلطة بالرعب، عندما سمعوا صوت سيارة الاسعاف المزلزل…

صرخات انعام وريم وهند اندفعت مع فتح باب الإسعاف، بينما المسعفون يسحبون السرير الذي يحمل جسد حبيبة ساكن وبارد..

نظر أمير إليهم بعينين مشتعلة بالغضب، وصرخ: خشو چوا… هتصرخوا ليه؟!

تراجعت ريم وهند بنحيب، قلوبهن تكاد تتفتت من الرعب، فيما كانت انعام تتشبث بالأرض بيديها وترتجف من شدة الخوف والقلق، وكأن كل لحظة تأخير ستكلفهم روح غالية.

اندفع فوزي وهو يتعثر في ثوبه، وصوته يختنق بين الرعب والذعر، وعيناه تملؤهما الذكرى المؤلمة لكلمات حبيبة قبل سفرها: يارب… ما اعاود تاني…

تمسك بالسرير بيد مرتجفة، وغمغم بصوت مبحوح:مالها بتي… مالها؟

تمسكت انعام بأمير، دموعها تتساقط بغزارة، وصاحت بنحيب:مالها خيتك يا ولدي؟ ايه چرالها؟ تدخل بيها عليا بعربية الشوم ديه؟!

دخل المسعفون إلى الداخل، ومعهم فوزي متمسكًا بكف حبيبة، يقبلها بدموع مختلطة بين الخوف والارتجاف.

هتف أمير بحزم، صوته يقطع الهواء: مفهاش… والله حادثة بسيطة، وهي معاودة من الچامعة.

لطمت انعام وجنتيها، وصرخات الفزع تتعدى حناجرها:
اباي! حدثيه كيف يا ولدي؟!

أشار لها أمير بيده بحزم، وهمس بطمأنة: والله زينه يما… تعالي.

دخل الجميع إلى الداخل، وأمير يتمسك بوالدته وهي تنحب بحرقة، بينما كل قلب يلهث من رعبٍ ووجع لم يشهد مثله من قبل.

في السيارة،
أشار ادهم إلى بدر وهمس بصوت منخفض: اطلع يا بدر…

غمغم فارس بصوت مبحوح، يختنق بين الغضب والمرارة:اصبر يا خوي… دجيجه…

نظر له بدر بحذر، وغمغم: خلاص يا أخوي… اديك اطمنت عليها لحد البيت… وانت تعبان… لازمن ترتاح.

أجابه فارس بمرارة، وكأن كلمات الغضب تتسرب من قلبه:اطلع على بيت الچبل…

انطلق بدر بالسيارة صوب بيت الجبل، وصفها أمامه، وترجل الجميع، يتحركون بخطوات مثقلة بالتعب والوجع، نحو البيت، حيث تنتظرهم لحظات أخرى من القلق والمواجهة.

دق هاتف أدهم برقم نغم، فتوقف خارج البيت، كأن الخطوة التي كان ينوي أخذها انكسرت تحت ثقل الاسم. حدق في الشاشة بنظرة يختلط فيها الحزن بالاختناق، ثم رد بصوت مبحوح: الو…

انفجر صوت نغم من الجهة الأخرى، مرتجف، مذعور:
ادهم… شنطة حبيبه هنه… بس هي لا… وتلفونها مجفول… وحتي الغالي… وأنا مش عارفه أعمل إيه…

أغمض أدهم عينيه بقهر، مسند جبينه للحائط لثانية يخفي فيها وجعه، ثم همس بنبرة تهدئة رغم احتراق صدره: اهدي يا حبيبتي… بصي حضري حالك… وأنا هچيلك… الغالي وحبيبه عملوا حادث…

قطعت نغم كلماته بصرخة فزع اخترقت قلبه: يلهـــــووووي! حادثه؟! كيف يعني؟! طب هما طيبين؟!

أجاب بسرعة، يخشى أن ينهار صوتها قبل أن يسيطر عليها: والله طيبين… حتى طلعوا من المستشفى… وعاودنا على البلد… اهدي لأجل خاطري… وأنا چيلِك.

جاءه صوتها منهار ، مخنوق: طب بسرعه… أنا هموت على ما تيچي…

هز رأسه، رغم أنها لا تراه، وهمس بحنان موجوع: بعد الشر عليكي يا عمري… اهدي… وأنا چيلك مسافة السكه.

تعلق صوتها باكي: ماشي… سوج على مهلك… أمانه…

ـــ حاضر… سلام.
أغلق الهاتف ونزلت يده ببطء كأنها تحمل ثقل العالم.

دلف إلى الداخل وهمه يسبق خطواته، ثم قال بلهجة مشدودة : نغم كلمتني… هي وحدها في الشجه.

رفع فارس رأسه، ونهض بصعوبة كأن كل عظمة فيه تتكسر، وسحب سترته، وقال : هروح أچيــبها…

أمسك بدر بذراعه قبل أن يصل للباب وهدر بحدة ثابتة:
ليه؟ بدك تعمل حادثه تاني؟ اجعد… أدهم يروح يچيـبها.

أومأ فارس ببطء، وكأنه يسلم رغم قهره: هتعبك يا أخوي…

نظر له أدهم نظرة غاضبة، فيها خوف أعمق مما يبدو، وقال بنبرة مشتعلة: طب روح نـام يا فارس… اهدي شويه… انت هتموت حالك كده…

أومأ فارس بصمت، وانكمش في مقعده كمن تستنزف روحه، بينما استدار أدهم وغادر، وصعد سيارته، وانطلق بسرعة متوسطة… كمن يسابق خوف امرأتين في وقت واحد: واحدة تنتظر مذعورة… وأخرى نصف روحها على سرير لا تستيقظ.

ربت بدر على ساق فارس برفق متناقض مع الحزن الذي ينغرس في قلبه، ثم همس بصوت مجهد: بص يا غالي… أنا عارف إن كلامي دلوق غريب جوي بالنسبه ليك ولحالي… بس يا أخوي، أنا هجولك نصيحه… وانت حر.

رفع فارس عينيه نحوه، حزين كمن ينهار بلا صوت، وقال بمرارة:هتجولي أبعد عنيها… وأنا هجولك مش هجدر. وبعدين… مش انت اللي جولت إن حبيبتك في حضنك تعذبها وتعذب حالك بيها أهون من الهلاك وهي في حضن واحد تاني؟

أومأ بدر بحزن ثقيل، وقال: أيوه جولت… بس وجتها مكنتش عارف إني هشدها فـ عذاب ملهوش نهايه غير الهلاك.

نهض بدر، يدور حول نفسه في الغرفة كمن يحاول الهروب من جلده، من ذنبه، من الحقيقة، ثم قال بصوت يتهدج: مش حتجدر تتخيل… لما تكون في حضنك وبتتعصر من الوچع… وانت لا جادر تحوش عنها… ولا عن حالك… ديه أوعر إحساس في الدنيا… وإحساس الذنب؟ ديه نار تانيه.

رفع رأسه إليه بعينين تكسرهما الخيبة وغمغم : أنت عارف يعني إيه… حبيبتك تعيش في بيتك… بس محرومه منيك؟ وانت محروم منيها؟ لا… وكمان حارمها من كل المتعه اللي في الدنيا كلاتها.

هدر فارس بغضب، وصوته يرتجف: يعني مرتك في بيتك… وچاي تجول كده دلوق بعد ما ضمنتها في حضنك بعيد عن أي حد ينضرها؟!

صرخ بدر بحدة، والغضب يشق صوته: يا أخوي افهم! والله العظيم فـ حضنها جمر… وانت مش طايلها!

ابتلع فارس غصته كمن يبتلع سكينًا، وغمغم بصوت مبحوح: يا بدر… أنا مبديش حاچه غير… تيجي جدامي كده وبس.

اقترب بدر منه خطوة، وصوته يهبط إلى نبرة خافتة أشد وجع: والله كنت أجول كده… وانت يا غالي كنت تجول إنك لو حبيت حد… مش هتهلكه… وهتحميه…إيه اللي چرالك؟ مخيفش عليها كيف؟

انزلقت دمعة ثقيلة من عين فارس، وسقطت كحجر في صدره، ثم همس: مكتش أعرف… إني هعشجها كده… عارف يا بدر؟ وأنا في العربيه… بعد ما اتجلبت… ظهرلي ولد الحرام ديه.

شهق بدر بذهول، وأمسك بذراع فارس بقوة: كيف؟ طب حصل إيه؟ جالك إيه؟ كنت چريت معها كلام يمكن ينفهم منه حاچه؟!

أومأ فارس برأسه ببطء، كمن يعترف بخطيئة لا يفهمها:
جالي… إن اللعنه ديه بسببنا… من ظلم عملناه في بعض. وجالي… ارضوا بالحكم اللي اتحكم عليكم…

شرد بدر بذهول ممزوج بالغضب، وهدر: نرضا بالحكم كيف يعني؟ ومين اللي حكم علينا؟ وليه؟ ومين اللي ظلم… وظلم مين؟!

هز فارس كتفيه بيأس وقال : هتخوت… والله معرف.
ثم بلع غصته بصعوبة وهمس: وجالي… تدفع روح حبيبه التمن.

جحظت عينا بدر، والغضب يشتعل فيه كحريق: ولساتك هتجاوح؟! يخربيت أبوك! بدك إيه أكتر؟ تموتوا؟!

جلس فارس فجأة، كأن الأرض سحبت روحه، وأغمض عينيه بقهر، وهمس بصوت ميت: يابوي… الموت أهون يا بدر… أهون.

اقترب منه بدر بحسرة تشق الصدر، ووضع يده على منكبيه وقال بحنان موجوع: انعس يا فارس… ربك يحلها… انعس… ههمل التلفون ديه لو بدك حاچه… كلمني.

أغمض فارس عينيه، غارقًا في انكساره… وسحب بدر الغطاء عليه، ثم خرج بخطوات أثقل من الندم نفسه.

……

في سوهاج،

توقفت سيارة ادهم أسفل البناية، وسحب هاتفه، طلب رقم نغم، وانتظر لحظات ثقيلة كأنها سنين… جاء صوتها الخافت عبر السماعة: الو…

رد بصوت مبحوح، ممتلئ بالحنين والقلق: أندلي… أنا تحت.

أخذت نغم خطوة نحو باب الشقة، همسة: حاضر.

أغلق الهاتف، ونظر إلى مدخل البناية، وعيناه ترقبها بشغف وقلق في آن واحد. خرجت نغم بخطوات متسارعة، امتدت يد ادهم، فتح لها باب السيارة، وغمغم وهو يحاول كبح شعوره:اطلعي…

صعدت السيارة، نظرت إليه بدهشة، وسألته: مالك يا ادهم الغالي؟ طيب.

أومأ برأسه دون أن ينطق، ثم انطلق بالسيارة، والهواء يعصف حولهم كأن كل ثانية تمر قد تفصلهم عن شيء لا يريدونه: طيب.

حدقت فيه بدهشة وغمغمت : طب مالك انت… متكدر مني؟

زفر بحنق، وصوته يهتز بالغضب والوجع: نغم… أنا دماغي وجفه دلوق… اسكتي.

انكمشت نغم في زاوية السيارة، ودموعها تنهمر بصمت، همسة بخنق: حاضر…

ضغط ادهم على مقود السيارة حتى أبيضت مفاصله، وانطلق كالسهم، كأنه يريد أن يقطع الزمن نفسه، يصل إليها، ويبتعد عنها، يفي بوعده، ويأخذها بين ذراعيه، يقبل رأسها ويديها، ويمسح تلك اللآلي التي تسبب في هطولها، بينما تتلاشى حولهم كل الدنيا، ويبقى وجودها هو ما يعطيه الحياة والجنون معًا.
……

في بيت الجبل،

غرق فارس في نوم ثقيل، وغمره الظلام، حتى تغير الهواء حوله إلى جليد يلسع جسده، والعرق يتصبب منه بلا رحمة…

صوت ظلاك تسلل إلى عقله، وسحب روحه إلى مكان مكفهر، لا يشبه الأرض ولا السماء، قمة جبل أسود تحيط به سحب متلوية، ورياح خناقه تحمل رائحة النار والكبريت.

تراجع بذهول، ورأى تحت قدميه نارًا تغلي، تتلوى كأفواه مشتعلة، تصرخ وتلتهم كل شيء…

الصخور نفسها تتحرك وكأنها حية، والسماء قاتمة متشققة، والبرق يصطدم بالأرض ويشعلها من جديد…

أصوات العويل والصرخات تتردد من كل جانب، يختبر قلبه، يزرع الرعب في روحه، كأن المكان كله يريد أن يبتلعه.

هناك، على حافة هذا العالم السفلي، شعر فارس بأن الظلام يحكم، والنار تحكم، والرعب صديقه الأبدي.

فجأة انشقت قمة الجبل، وتفجر منها ظلاك، جسده مشتعل كأن النار ولدت منه، ولهيب أحمر يتوهج في عينيه كجمر لا ينطفئ…

تقدم بخطوات ثابتة، يميل برأسه في برود قاس، وقال بصوت خشن قاتم، كأنه يولد من باطن الجحيم: بدك تفك اللعنة؟

اشتعل الغضب في ملامح فارس وهدر: هفكها… وهحرجك…

تعالت ضحكة ظلاك، ضحكة سوداء هزت الجبل تحت قدمي فارس حتى تفتتت الحجارة من حوله.
تماسك فارس بصعوبة، وهدر بغيظ مكبوت:انت جولت إن فيه حد اتظلم… مين؟ أنا مستعد أرچع له حجه من عيني. بس جولي مين!”

اقترب ظلاك منه خطوة خطوة، بابتسامة لا تشبه إلا الشر الخالص، وهمس بسم بارد: الظالم… من دمك…
والمظلوم… مش هتجدر ترچع له حاچة.

انتزع فارس شعره بقبضة مرتجفة وهتف: لا… هجدر! بس جولي مين!”

دار ظلاك حوله ببطء، حتى التف دخان الجبل حول عنق فارس كحيل يشد، ثم قال بصوت يخرج من أعماق الجحيم: المظلوم… مات….مات مظلوم.”

تفجر الألم في صدر فارس، وانزلقت دمعة حارة من عينه ، لكن ظلاك لم يمهله…

تقدم بسرعة مرعبة جعلت الهواء يصفر من حوله. تراجع فارس خطوة… فانزلقت قدمه، وسقط في فوهة البركان المشتعلة، لكنه تمسك بحافة الجبل بأظافره.

ضحك ظلاك، ودخانه الأسود يلتف حول فارس كأفعى تخنق أنفاسه… انحنى إليه كهمس إبليس، وقال: بس… في حل يا غالي.”

لهث فارس بصعوبة، وصوته متقطع: إيه… جول.”

اقترب ظلاك حتى التصق صوته بأذن فارس، وهمس همس شيطاني خالص: تجطع نسل… عيلة الأنصاري كله.
وساعتها… تنجطع اللعنة مع نسل عيلتك.”

اتسعت عينا فارس في ذهول ممزوج بالغضب: كيف؟!”

ابتسم ظلاك ببرود ثلجي، وقال ببطء قاتل: تجتل عيلتك كلاتها… كبير وصغير…
اجطع نسل دمك يا فارس… تكسب حبيبة… أو…”

تشبث فارس بالحافة بكل قوته، وصاح: أو إيه؟!”

رفع ظلاك ذقنه، وقال بسكون يكسوه الرعب: أو تعيشوا… وتموتوا… تحت رحمتي…وأعصر جلوبكم… بيدي.”

وفي اللحظة التالية… شقت ضحكة ظلاك الهواء كطعنة،لما تكن ضحكه، بل شرارة أشعلت بركانًا تحت أقدام فارس ..

اندفع اللهيب كوحش يفترس الأرض، يطوّق ساقي فارس حتى صرخ، صرخة خرجت من عمق الروح قبل الحنجرة… ثم استيقظ فجأة، كمن قذف خارج كابوس إلى كابوس أوسع.

هب جالسًا، يلهث… جسده غارق في العرق، بينما الهواء من حوله بارد كقبر حديث…

رفع طرف بنطاله بيد مرتجفة، وما إن لامست عيناه جلده حتى تجمد الدم في عروقه؛ حروق حقيقية…

علامات سوداء كأن النار مدت يدها من الحلم إليه، لم تكتف بالتهديد… بل تبعته إلى الواقع.

زحفت البرودة على جلده كأصابع موت، وتسللت ضحكة ظلاك ذاتها من زوايا الغرفة، تتردد كصدى آثم، كأن الجدران نفسها تفغر فمها وتردد الهمس الشيطاني:
اجتل… واجطع نسلك… تفوز بحبيبة.”

اهتز صدره، ضغط كفيه على أذنيه بعنف، وانفجر صوته بوجل ممزوج بالغضب: بـبـس! أعوذ بالله منك… اكتم!”

ورغم صرخته… كان الصوت يبتسم…. ثم انقطع كل شيء فجأة، وغمر الصمت المكان كأنه سحابة سوداء تخنق كل شيء….

رن الهاتف بجانبه كجرس من عالم آخر، ارتعش قلبه، وارتجفت أصابعه حين سحب الهاتف… على الشاشة، اسم أمه يلمع كالصفعة على وجهه… رفع الهاتف بصعوبة، وهمس بصوت خافت وخشن: ايوه…”

ردت وهيبه، صوتها مشحون بالقلق والرهبة:انت هنه يا فارس يا ولدي… بدر جالي انك هنه!”

ابتلع فارس غصته وكأنه يبتلع نارًا متوهجة، وخرج صوته متقطع: خير يما…”

غمغمت وهيبه بدهشة حادة: مش هنروحوا بيت عمك يا ولدي؟”

نظر فارس إلى قدميه، وشعر بثقل كل ثانية، كل خطوة، كل احتمال يطرق عقله…

الخوف على حبيبه، على أهله، على كل شيء يراه ينهار أمامه. همس وهو يضغط على الهاتف كما لو كان يتشبث به ليبقى حيًا: روحي انتي يما…”

ردت وهيبه بارتباك، وكأن قلبها نفسه يتهالك معها:وانت يا ولدي… ميصحش كده…”

زفر فارس بمرارة، كأن الهواء أصبح نارًا تحرق صدره:
أما بكفياكي… أنا فيا اللي يكفي بلد!”

أومأت وهيبه برأسها، صامتة، والوجع يثقل كلامها، وقالت بصوت مكسور: خلاص يا ولدي… خلاص… مع السلامة…”

أغلق فارس الهاتف بعنف، وكأن العالم كله استدار ليضعه في زاوية وحيدًا….

وقفته كانت متثاقلة، كل نفس يخرجه صعبًا، كل حركة كأنها جرح جديد… نهض ببطء، يسحب نفسه إلى المرحاض،

يبحث عن أي شيء يخفف ألم قدميه المحترقتين، وعن أي ملاذ لعقله الممزق بين الغضب، القهر، والخوف على كل من يحب…

حتى الهواء حوله صار ثقيلاً، كأن الجدران تتنفس غضبًا، وكأن كل شيء في العالم صار ضد قلبه، ضد روحه، ضد كل ما بقي له من أمان.
في سرايا العزيزي…
دخلت ريم الشقة بخطوات قلقة، تبحث عن أمير بعينين يطوف فيهما الاضطراب…

وما إن تجاوزت المدخل حتى وجدته جالسًا على الأرض، ظهره منحني كأن العالم أثقل كتفيه، وفي يده صورة قديمة تجمعهم جميعًا: هو… وفارس… وبدر… وأدهم… وطه… وعماد.
كانت الصورة تبدو كوثيقة من زمن نقي، زمن لم تخدشه المصائب بعد.

كان أمير يحدق فيها بعينين تلمعان بالقهر، ثم انزلقت دمعة حارقة على وجنته، كأنها تعبير عن حسرة تختنق في صدره منذ زمن.

اقتربت ريم ببطء، وجلست قربه، نظرت إلى الصورة وإلى الوجع الكامن في ملامحه، ثم ربتت على منكبه برفق يفيض حنان وهمسة: أمير…”

ارتجف، ونظر إليها بعينين غارقتين في الدموع، وغمغم بصوت تكسره المرارة: جسيت عليهم غصب عني… خايف لا مرعوب عليهم…”

جلست ريم أمامه، الدهشة تشق ملامحها وقالت بصوت خافت: مين دول يا أمير؟”

ابتلع غصته وكأنها حجر يسد صدره، وقال: فارس… وحبيبه…”

عقدت ريم حاجبيها بدهشة أكبر وغمغمت :ليه بس؟ وانت هتلاجي أحسن من فارس وين لي حبيبه؟ وهي يا جلبي بتحبه جوي… ومهتجدرش تتحمل بعده… ساعدهم يا أمير… كفاية أبوك عليهم…”

رفع أمير رأسه بغضب مكتوم، وهتف وقد انكشفت في صوته فجاجة الخوف الذي يحكمه: يا ريم! أنا كت واجف معاهم… لحد ما حصلت الحادثة! يا ريم… عيلة فارس ملعونة… اللي يتچوز واحدة عشجها بيموتوا أول ما يتجفل عليهم باب!”

اتسعت عينا ريم برعب، حدقت حولها كأن الظلال نفسها تهددها، وتمسكت بذراع أمير وهمسة: أعوذ بالله… كيف يعني؟”

ربت أمير على يدها بحنو ثقيل محمل بالوجع وغمغم : متخفيش يا ريم… فهمتي ليه؟
أنا خايف على حبيبه… عشان لو اتچوزت فارس… ممكن تموت ليلة دخلتها… كيف ما حصل مع حمزة وعروسته… وبدر ومرته اللي كان هيموتها يوم دخلتهم… ولحد دلوق مجربش منيها… وعايشين عيشة تصعب على الكافر…”

اهتز صدر ريم، وانزلقت دموعها رغمًا عنها، وهمسة بقهر خافت: يلهوي… ديه مرار طافح يا أمير…”

أومأ أمير برأس مثقل، وصوته حين خرج كان مبحوحًا، يقطر وجعًا تشقه الدموع:من خوفي عليهم… جسيت جوي عليهم… بس أعمل إيه؟ غصب عني يا ريم والله…”

انزلقت دمعة من عيني ريم، مسحتها سريعًا ثم ربتت على وجنته بلمسة تفيض حنان، وهمسة بصوت خافت يهدئ العاصفة داخله:اهدي يا أمير… اهدي… وأنا هتكلم مع حبيبة…تعيش يومين حزينة ومچروحة… بس عايشة.”

تمسك أمير بيدها كأنها الحبل الوحيد الذي يمنعه من السقوط، وهتف بخوف صاف: أيوه يا ريم… إنتي طول عمرك عاجله… اتكلمي معاها… حاولي تهديها… طبطبي على جلبها بحنانك… وكلامك اللي كيف البلسم…”

هزت ريم رأسها موافقة، ودموعها ترتجف على الرمش:
حاضر يا أمير… حاضر… بس انت اهدي… لأجل خاطري.”

تنهد أمير بألم لا يخفى، رفع يدها إلى شفتيه وقبلها بحنان اعتراف لا يقال: ربنا يخليكي ليا يا ريم…”

سحبت ريم يدها سريعًا، وقد علا وجهها خجل واضح، وهمسة: ويخليك لينا على طول…”

نهضت بعجلة، الارتباك يسبق خطواتها، واتجهت نحو الباب بينما عيناه تتعقبانها بدهشة. قال بصوت حاول أن يخفي حيرته: إنتي اتكدرتي؟ حجك عليا؟”

وقفت ريم عند باب الشقة، التفتت إليه وهزت رأسها نفيًا دون أن تنبس بكلمة… ثم خرجت بخطوات سريعة تحمل من الاضطراب ما لا يخفيه مسعاها للهرب.
……….

كان العالم السفلي يستيقظ ببطء كأنه يخفي أنفاسه عن العابرين… سماء بلا لون، معلقة فوق هاوية لا قرار لها،

تتدلى منها خيوط من ضوء داكن، كأنها بقايا شمس ابتلعها ليل لا يعرف الرحمة…

الهواء هناك لا يتنفس… بل يقاوم. ثقيل، ساخن، يزحف في الصدر كأفعى تتلمس نبض القلب.

وبين فجوات العتمة ينهض القصر الملكي، كأنه نحت من عظام جبل مات منذ قرون…

أسواره شاهقة، تتشابك عليها نقوش حمراء تشبه جروح لا تنغلق، تتوهج كلما مرت روح تائهة قربها…

بواباته ليست من الحديد، بل من صفيحة سوداء تشبه الزجاج المحترق، تعكس كل شيء… ما عدا من يتجرأ ويدنو منها.

ورغم اتساعه الهائل اتساع ساحات يمكن لجيش كامل أن يضيع فيها إلا أن الهواء بين أروقته يضيق على الصدر كقيد غير مرئي، ويخنق الأنفاس ببطء لئيم، كأن المكان نفسه لا يريد لضيف أن يظل حيا.

تتدلى من سقفه عوارض حجرية منقوشة بأشكال لا يجرؤ العقل على تفسيرها؛ أشكال تبدو أول وهلة زخارف جميلة… ثم يتضح أنها ليست زخارف، بل وجوه مشوهة لأشياء كانت يومًا حية.

الجدران عالية، مصقولة بحجر أسود يلمع لمعانا خادعًا، كأن الظلام نفسه يمسح وجهه عليها كل ليلة ليزداد عمقًا. وعلى أطراف الممرات تتراقص ألسنة نيران باهتة، لا لون ثابت لها، تتقلب بين الأزرق والقرمزي كما لو كانت تتنفس شرا خالصًا.

ورغم فخامة المكان، ورغم عظمته التي تذكر بعهود الملوك القدماء… هناك شيء خبيث يسري فيه؛ شيء يجعل كل خطوة تحدث صدى داخلك لا على الأرض، كأن القصر لا يسمع وقع الأقدام… بل يسمع ارتجاف الأرواح.

هنا… حيث تجمل الهاوية لتبدو قصرًا،
وهنا… حيث يتعايش المجد مع اللعنة،
يبلغ الشر ذروته تحت تاج يتلألأ كما لو أنه ولد من جمرةٍ لم تطفأ قط.

جلست فينوار أمام بركة ماء راكدة، يعكس سطحها ذكرى لا تزال تطعنها: وجه أمها الذي رأته آخر مرة قبل أن يبتلعها الموت ،ويحجبها عنها …

كان الحزن يعلو ملامحها كضباب كثيف يأبى أن ينقشع، كأن الماء يعيد إليها ما تريد أن تنساه، لا ما تتمنى رؤيته.

اقتربت منها ناريسا رقيبة الدم المختوم ، تلك التي أكملت تربيتها بعد موت الأم، والتي بقيت شاهدة على انهيار طفلة كسرت قبل أوانها…

انحنت ناريسا وربتت على منكب فينوار بلمسة تحمل قلق أم وحنو راعية، ثم جلست أمامها وغمغمت بصوت خفيض: حبيبتي… كفايه حزن… ليه هتحملي حالك فوج طاجتها؟”

رفعت فينوار عينيها الفاترتين نحوها وقالت بصوت مختنق: رجيبة الدم… خليني لحالي… مش ههرب.”

ابتسمت ناريسا بود يلين حجارة العالم السفلي وهمسة:
طول ما جولتي ليا لجبي مش اسمي… تيجي متكدرة مني صح؟”

أومأت فينوار بحزن أثقل من العتمة نفسها، ثم غمغمت:
أيوه… هان عليكي تحبسيني؟ عاچبك اللي هيعمله ظلاك فيهم؟! جلب بيهم العربية وكان هيموتهم… مش صعبانين عليكي؟”

هزت ناريسا رأسها بوقار يليق بمن تحمل سر سلالة الملوك، وقالت بنبرة هادئة تخفي تحتها خوف دفين:
أيوه… صعبانين عليا ، وحبيتهم من حبك إنتي ليهم.
وعشان إكده… هجولك نصيحة.”

اقتربت فينوار منها بجنون الشوق والقلق، وتمسكت بيدها وهتفت برجاء يحفر الصدر:الأول… اعملي التعويذة…بدي أروح أطمن عليهم…
وأمنع الچوازة ديه… تلاجي حبيبة مچروحة ومجهورة.”

نظرت ناريسا حولها بسرعة حادة كأن الهواء نفسه جاسوس للملك، ثم هتفت بخوف مرتجف:إششش! حد يسمعك؟ إنتي خابرة… لو مولاي الملك حس إني أنا اللي بهربك لعالم البشر… هيعمل فيا إيه؟”

أطرقت فينوار رأسها بخجل موجوع وقالت بصوت مكسور:عارفة… ورطك معايا يا رجيبة الدم.
بس أنا ماليش غيرك… وإنتي كيف أمي.”

وضعت ناريسا يدها على وجنتها بحنان غريب على مخلوقة من عالم الظلال، ثم قالت بنبرة تجمع الرحمة والحذر : أنا خابرة… وهساعدك تروحي.
بسجقبل ما تروحي… فكري في طريقة تساعديهم بيها.
مش مهم توجفي الچوازة… المهم تنفك اللعنة.
فكري كيف توصليهم للطريق الصح… كفايه تزوليهم يا فينوار!!

ثم رفعت إصبعها بتحذير حاد، كأن الضوء نفسه تراجع خوفًا وقالت : بس من غير ما أبوكي الملك أورمانتيس… ولا حد من خازنة الملك أو الوصيفات يحسوا.
مش لأجل ما تساعديهم… تهلكي حالك…
إنتي خابرة غضب أبوكي… الملك أورمانتيس.”

سكتت فينوار، وشرعت روحها تهيم في دهاليز الاحتمالات، تبحث عن خيط نجاة يمر بين غضب والدها الملك، وسلاسل اللعنة التي تحاصر من تحب…
بينما ظل اسم أورمانتيس… ملك قوم الناراسين يخفق في صدرها كتهديد لا ينسى.
……

في سرايا العزيزي، ارتجف الهواء بخفوت حين فتحت حبيبة عينيها بصعوبة، صوتها بالكاد ينساب من حلق يابس: فـ… فارس… فا… فارس…”

أسرعت إليها إنعام وريم بوجهين يقطران قلقًا، وانحنت إنعام فوقها تكاد تمسح رعشتها بقلبها: اسمالله عليكي يا جلب أمك… افتحي عنيكي يا بتي… جلبي ملهلب عليكي.”

رمشت حبيبة ببطء، كأن جفنيها أثقل من العالم، ثم همسة: مايه…”

تحركت ريم بخفة مذعورة، أحضرت كوب الماء، وساعدتها إنعام على النهوض…

ارتشفت حبيبة رشفة صغيرة، فاستدار الكون حول رأسها كسرب من الدوار…

جلست، تلتقط أنفاسها، بينما أصابع إنعام تربت على يدها بحنان يشبه الدعاء:كيفك يا بتي؟ جدر ولطف بينا يا جلب أمك…”

أومأت حبيبة بصعوبة وهمسة :الحمد لله…”

نهضت إنعام، وصوتها يلين: هروح أچبلك حاچة تاكليها يا ضنايا.”

أومأت حبيبة من جديد. وما إن ابتعدت إنعام، حتى امتدت يدها المرتجفة تمسك بكف ريم، وهمسة بصوت مكسور:بدي تلفونك…”

ترددت ريم، وبللت شفتيها وغمغمت: ليه؟”

ترجرجت الدموع في عيني حبيبة، وانفلت صوتها بقهر:
بدي أكلم فارس… بدي أطمن عليه…”

جلست ريم بجانبها، ويدها تنساب على شعر حبيبة بحنان يخفف ولا يشفي: حبيبة… أنا بدي تفهمي كلامي زين… فارس ما ينفعكيش… هو..

قطعتها حبيبة بغضب مفجوع، وصوت مختنق بالنحيب:
فارس منفعنيش؟! أمال مين اللي ينفعني؟ أكيد أمير… اللي جالك تجولي كده… صح؟”

ازدادت دموعها، وارتفع صوتها المرتجف: كيف ما كان بده يفهمني إن فارس هملني في المستشفى؟ بس أنا وعتله… جبل ما يغمي عليا… وحسيت بحضنه… عاود ليا تاني … مهنتش عليه …”

كانت الكلمات تتساقط منها لا كحديث… بل كأن روحها نفسها تستنزف مع كل حرف…

أشارت لها ريم وهتفـت بصوت هادئ يحاول تطويق العاصفة قبل أن تنفلت: حبيبة… اهدي. انتي عندك انهيار عصبي… والعصبية ديه غلط عليكي يا جلبي.”

لكن حبيبة انفجرت كقلب ضاق بما لا يحتمل، ودفعت يد ريم بنشيج محتقن: انتو اللي هتعصبـومي! كلكم اتفجتوا علينا… حرام عليكم! ليه هتعملوا فينا كده؟! كل ديه علشان حبينا بعض؟”

اهتزت ريم في مكانها، تهدها دموعها، وهمسة بنحيب خافت:لا والله… بس أنا سمعت إن عيلتهم..

قاطعَتها حبيبة بضحكة مرة، ساخرة، تمزق الهواء:
إنتي بردِك هتعومي على عومهم؟! إنتي اللي متعلمة يا ريم! في حاچة اسمها نحس؟ يتحكم في مصيرنا وحياتنا؟! حرام عليكم…”

مدت ريم يدها برجاء، وصوتها يخفت ويقوى في آن واحد: طب خلاص… اهدي. اهدي بلاش تتعصبي ولا تتكدري، لأجل خاطري بس.”

أغمضت حبيبة عينيها لحظة، كأنها تلتقط أنفاسًا من الرماد، ثم همسة بضعف يوجع: طب… هاتي تلفونك. همـوت واطمن عليه.”

أومأت ريم، وسلمتها الهاتف بحذر أم تعطي طفلًا جرحه المفتوح: حاضر… بس اهدي. اهو التلفون.”

أمسكت حبيبة الهاتف بيد ترتجف كأنها تحمل قلبها نفسه، طلبت رقم فارس، وضغطت الهاتف على أذنها…
لحظات قليلة، ثم سقطت دمعتها قبل أن يسقط صوت الشبكة: الهاتف الذي طلبته… مغلق.”

أنزلت الهاتف ببطء، كمن ينزل سكينًا من صدره، وهمسة بصوت ذابل: تلفونه… مجفول.”

ربتت ريم على يدها، وحنانها يسري في أصابع مرتجفة هي الأخرى: اهدي يا حبيبتي… أكيد تلفونه راح في الحادثة، كيف تلفونك… أكيد هو هيرن عليكي.”

اكتفت حبيبة بإيماءة بطيئة، ثم انزلقت بجسدها فوق السرير، كأنها تبحث عن مكان يخفف الألم ولا تجده.
تدفقت دموعها على الوسادة، خافتة الصوت، مجلجلة الوجع: همليني… بدي أنام.”

لم تستطع ريم سوى أن تمسد شعرها بحنو يشبه الاعتذار: حاضر… بس هچيلك تاني.”

خرجت ريم بخطوات بطيئة، بينما أغمضت حبيبة عينيها بقهر ثقيل على صدرها حتى شعرت كأن الدنيا بأكملها تنطبق عليها، ولا فرجة ضوء واحدة تنفذ إليها.

…..

في منزل دياب العزيزي،

ساد صمت مهدد، وكأن فوق رؤوسهم طيور تخشى التحليق…

جلست هنية تتفحص وجوه الجالسين، قبل أن تستقر بنظرتها على وهيبة التي لا تكف عن فرك يديها بقلق ظاهر، وسألتها بنبرة تحمل نصف استغراب ونصف ريبة:
أمال وين الغالي يا خيتي؟”

ابتلعت وهيبة لعابها بصعوبة، كأن الكلمات تتعثر في صدرها، وغمغمت: جالي روحي انتي… اطلبيها. وهو يعني خابر إيمان زين يا خيتي.”

قطبت هنية حاجبها دهشة وقالت: كيف ديه ياختي؟ كيف عريس ميچيش يطلب عروسته؟!

تدخل دياب بغضب حاول إخفاء ما تحته من حرج:چرى إيه يا وليه؟ انتي مستعچلة عليه ليه؟ بكره يچي… وأم سند وأم حمزة الخير والبركة بردِك.

أومأت وهيبة برأسها بخفوت وقالت : تشكر يا أخوي.”

وأضافت فاطمة بصوت يحمل محاولة لترك أثر طيب:
يچعله عامر يا خوي.”

في تلك اللحظة، انحدرت إيمان على الدرج بخطوات خفيفة، يسبقها خجل يشبه الفرح البكر… لكن ابتسامتها ما لبثت أن انطفأت حالما لم تر فارس بين الجالسين.
وقفت عند أسفل الدرج، تائهة، وغمغمت بحزن حاولت إخفاءه: هو الغالي… مچاش معاكم إياك؟”

نهضت وهيبة بسرعة، وانتزعت من وجهها ضحكة مصطنعة، وهتفت: أهلا يا مرت الغالي… تعالي يا بتي.”

اقتربت إيمان بخطوات بطيئة، تحاول ابتلاع الغصة التي تخنق حلقها وغمغمت : كيفك يا مرت عمي؟”

احتضنتها وهيبة بحنان مرتبك وقالت : طيبة يا بتي… إيه الچمال ديه كلاته؟”

نظرت لها إيمان بعينين يثقلهما الأسى وتمتمت: حضرت حالي كتير… عشانه.”

تشنج قلب وهيبة، لكنها كتمت وجعها وهتفت : هيچيلك يا بتي… بس هو مشغول النهارده.”

اقتربت فاطمة وضمتها بحب وقالت : الله يا ولاد بدر منور… مبروك يا إيمان.”

انفلتت دموع إيمان رغماً عنها، خيبة ثقيلة تهوي على صدرها، وغمغمت: ربنا يبارِكلي فيكي يا مرت عمي.”

جلست النسوة حولها، وإيمان تتجرع صبرًا مر تعرفه مسبقا… أما وهيبة فكانت تنظر إلى دياب، تتردد الكلمات قبل أن تنطق بها: احنا بدنا إيمان لولدي الغالي يا أبو أدهم.”

هم دياب بالرد، لكن وقع خطوات ثقيل قطع الحديث، وصوت مبحوح، متحشرج خرج من العتبة: استني… يما.”

التفتت الرؤوس كلها نحوه دفعة واحدة.
دخل فارس… شاحب، مثقل، كأن الجبال تساق فوق كتفيه.
وفي اللحظة ذاتها… تهلل وجه إيمان بسعادة خاطفة، ارتجف لها قلبها قبل أن ترتجف شفتيها

ووووووووووووو

سكاكرررر قلبي طولت البارت علي قد مقدر علشن اعوضكم عن بارت يوم الثلاثاء اتمني يعجبكم والقي تفاعل حلووووو وأشوف الرفيوهات ورأيكم في البارت

وطبعا توقكتم في البارت اي تتخيلوو رد فعل فارس اي ي حلوين..

انتظروني في بارت جديد واحداث جديده في البارت القادم

ساحره القلم ساره احمد 🖋️

4.1 342 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
668 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
Nedaa
Nedaa
1 شهر

تسلم الايادي اكيد بجنن من قبل ما اقرا بس اكيد راح يكون موجع جدا ❤️❤️

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  Nedaa

تسلمي ي حبيبتي ♥️

ام تسنيم
ام تسنيم
1 شهر

اول تعليق من ام تسنيم لحبيبت قلبي سرسوره دمتي مبدعه ياساحره القلم بحبببببببببك❤️🫂🫂😘😘😘❤️❤️😍😍😍😍

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  ام تسنيم

تسلمي ي قلبي♥️

ام تسنيم
ام تسنيم
1 شهر

اكيد تحفه تسلم الأيادي ياحبيبتي

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  ام تسنيم

تسلمي ي قلبي ♥️

BN Hafid
BN Hafid
1 شهر

تسلم ايدك ❤️😍😍😘 انا حاسة اني حنبسط

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  BN Hafid

تسلمي ي حبيبتي ♥️
هتنبسطي جدا♥️♥️

مامت رحيل
مامت رحيل
1 شهر

اكيد رووووعه من قبل مااقراء

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  مامت رحيل

تسلمي ي قمرة♥️♥️

مامت رحيل
مامت رحيل
1 شهر

بسم الله

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  مامت رحيل

♥️

Soaad Maher
Soaad Maher
1 شهر

تسلم الايادي يا عمري 💖 بس يا ترى فارس هيعمل اى ولا راح ليه يالهوى كل مره تشوقينا بالقفله بتاعتك دي يا حبيبتي متتاخريش علينا 😘😘

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  Soaad Maher

تسلمي ي حبيبتي ♥️

ضيف
ضيف
1 شهر

تسلم الايادي 🌹😘

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي ي قلبي ♥️

Shimooo
Shimooo
1 شهر

البااارت جااامد جداا اتمنا فينوار تعرف تساعدهم في حكايه اللعنه دي الجوازه تقف♥️♥️

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  Shimooo

هنشوف مع بعض الأحداث ♥️

Malak
Malak
1 شهر

تحفة تسلم ايديك

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  Malak

تسلمي ي حبيبتي ♥️

Mero❤️
Mero❤️
1 شهر

تسلم ايدك ياسارة ❤️❤️

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  Mero❤️

تسلمي ي حبيبتي ♥️

Samar
Samar
1 شهر

تسلم ايدك ابداعتي ♥️

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  Samar

تسلمي ي قلبي ♥️

ضيف
ضيف
1 شهر

تسلم الايادي

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي ي قلبي ♥️

Salma Mohamed
Salma Mohamed
1 شهر

تسلم ايدك ❤️

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  Salma Mohamed

تسلمي ي حبيبتي ♥️

ضيف
ضيف
1 شهر

يجنن قبل ما اقرأ والله 🔥🔥🔥🔥

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي ي قلبي ♥️

ضيف
ضيف
1 شهر

تسلم ايدك يا احلي ساره 😍😍😍😍😍😍

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي ي حبيبتي ♥️

منايا
منايا
1 شهر

تسلم ايدك يا سارة بس كفايه عذاب بقي ارحميهم وفكى اللعنة ١٧ بارت كلهم عذاب ولعنة على الاحباب ارحنيهم وفكيها اوعى تخلى فارس يخطب زفته تسلم ايدك

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  منايا

هنشوف الأحداث مع بعض ♥️

ضيف
ضيف
1 شهر

البارت رووووووووعة ياسارة تسلم ايديكم وعنيكم ياقلبي❤❤❤

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي ي حبيبتي ♥️

Menna walid
Menna walid
1 شهر

انا بعيط بدل حبيبه 😭😭

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  Menna walid

كلنا😭😭

ضيف
ضيف
1 شهر

بارت رائع 😭😭😭😭😭

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي 😭😭♥️

Nabila Ahmad
Nabila Ahmad
1 شهر

تسلم ايدك ياسارة مبدعة ومتميزة كالعادة

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  Nabila Ahmad

تسلمي ي قلبي ♥️

ضيف
ضيف
1 شهر

جميل اوووى

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي ي حبيبتي ♥️

نور الحياه
نور الحياه
1 شهر

روووووعة 😍

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  نور الحياه

تسلمي ي حبيبتي ♥️

May
May
1 شهر

تسلم ايديك

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  May

تسلمي ي قلبي♥️♥️

May
May
1 شهر

الله ينور يا قمر

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  May

تسلمي ي قلبي ♥️

ضيف
ضيف
1 شهر

😍 😍 😍 😍 😍

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  ضيف

♥️♥️

ضيف
ضيف
1 شهر

رووووووووعة ياسارة تسلم ايديكم وعنيكم ياقلبي❤❤❤❤

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي ي حبيبتي ♥️

sooma
sooma
1 شهر

يجنن بجد

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  sooma

تسلمي ي عيوني♥️♥️

ضيف
ضيف
1 شهر

روعه سرد وكتابه بجد

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي ي قلبي ♥️♥️

ضيف
ضيف
1 شهر

روعه

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي ي قلبي ♥️

ضيف
ضيف
1 شهر

❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  ضيف

♥️♥️

ضيف
ضيف
1 شهر

تسلم ايدك يا قمر

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي ي قلبي ♥️

ندوش
ندوش
1 شهر

تسلم ايدك دائما متألقة

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  ندوش

تسلمي ي قلبي ♥️

ضيف
ضيف
1 شهر

بجد تحفه عالم تاني بنعيش فيه وكأنه حقيقه

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي ي قلبي ♥️

ضيف
ضيف
1 شهر

تحفهه🥰

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي ي حبيبتي ♥️

ضيف
ضيف
1 شهر

الله عليكى

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  ضيف

♥️♥️

Monaضيف
Monaضيف
1 شهر

البارت قمر بس القافله قفلت في وشي 😂

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  Monaضيف

معلش معلش🥹

ريري
ريري
1 شهر

رائع رائع يا سارة❤️

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  ريري

تسلمي ي قلبي ♥️

موني
موني
1 شهر

البارت تحفه بجد تسلم ايدك ي قلبي ❤️😘

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  موني

تسلمي ي قلبي ♥️

ضيف
ضيف
1 شهر

حرام والله اللي بيحصل

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  ضيف

🥹🥹🥹

ضيف
ضيف
1 شهر

يارب فارس يوقف الجوازهههه يارببب

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  ضيف

هنشوف الأحداث 😉

ضيف
ضيف
1 شهر

تسلم ايدك

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي ي حبيبتي ♥️

ضيف
ضيف
1 شهر

البارت ده تحفه اوي بجددد في حاجات كتيره مختلفه

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي ي حبيبتي ♥️

ضيف
ضيف
1 شهر

بجدتحفه

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي ي حبيبتي ♥️

Sama
Sama
1 شهر

تسلمي ي حبيبتي ❤️ تحفه بجد ♥️♥️

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  Sama

تسلمي ي قلبي ♥️

ضيف
ضيف
1 شهر

رووووعه

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي ي حبيبتي ♥️

موني
موني
1 شهر

اتمني بجد فارس يروح يلغي الجوازة دي خالص والله صعبانين عليا اوي وجعوا قلبي 🥺🥺💔 والعقده دي تتفك خلاص احنا بننهار 😭😭😭😭

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  موني

تسلمي ي حبيبتي ♥️

ضيف
ضيف
1 شهر

جميله

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  ضيف

عيونك ي حبيبتي ♥️

ام عبد الرحمن
ام عبد الرحمن
1 شهر

تسلم ايدك يا ساره بجد مبدعه❤️❤️

Yomna
Yomna
1 شهر

تسلمي ي قلبي ♥️

ضيف
ضيف
1 شهر

بجد مبدعه

Yomna
Yomna
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي ي قلبي ♥️