عشق ملعون بالدم

عشق ملعون بالدم( الفصل التاسع ثلاثون)

عشق ملعون بالدم( الفصل التاسع ثلاثون)

إذا كان الناس جميعًا يتمنّون قربك،
فأنا لا أرضى أن أكون واحدةً منهم.
أنا أريد أن أكون الاستثناء،
أن أكون الجزء الذي لا يُنتزع منك،
النبض الذي إن اختلّ… اضطرب كل شيء.
ليتك تعلم…
أنني حين عشقتك، لم أعشقك كما يعشق الآخرون،
لم أكتفِ بإعجابٍ أو افتتان،
بل وضعتك في قلبي موضع العرش،
وأغلقت عليك أبوابه،
وأعلنتك ملكًا لا يُشارك.
أغار عليك… نعم،
أغار عليك من العيون التي تطيل النظر،
من الكلمات التي تحاول الاقتراب،
من الطرق التي قد تسحبك بعيدًا عني.
أغار عليك حتى من حزنك،
لأنني أريده أن يمرّ بي أولًا،
أن يستأذن قلبي قبل أن يمسك.
عشقتك بقلب طفلٍ يخاف الفقد حدّ البكاء،
يتشبث بك كما يتشبث الغريق بخشبة النجاة،
لا لأنه ضعيف…
بل لأنك أمانه الوحيد.
وعشقتك بقلب عاشقٍ لا يرى في الأرض سواك،
فإن مرّ الناس أمامي،
رأيت وجوههم باهتة،
وأنت وحدك واضحٌ كالشمس.
وعشقتك بقلب شيخٍ زاهدٍ،
أدار ظهره للدنيا حين وجدك،
واكتفى بك عن ألف أمنية،
وعن ألف طريق.
أحببتك بقلب أمّ،
وفي قلوب الأمهات تضحية لا تُحصى،
حبٌّ يسبق الألم،
ويبتسم رغم التعب،
ويختار أن يتألم بدلًا ممن يحب.
لو خُيّرت بين راحتي وراحتك،
لاخترت راحتك دون تردّد،
ولو كان الثمن عمري.
أنا لا أريدك قريبًا فقط…
أريدك لي.
لي كما تكون الروح لجسدها،
لا ينازعها فيه أحد،
ولا يجرؤ أحد أن يقترب منه بغير حق.
وإن كان الحب دعاءً،
فأنا أدعو أن أبقى في قلبك كما أنت في قلبي،
ثابتًا، عميقًا، غير قابلٍ للاستبدال.
أنا أغار… نعم،
لكن غيرتي ليست شكًّا،
بل خوف عاشقةٍ تعرف قيمة ما تملك،
وتدرك أن بعض الرجال لا يُحبّون… بل يُصانُون صونًا.
فإن أحببتك،
فقد أحببتك امتلاكًا لا يؤذي،
وغيرةً لا تخنق،
وتضحيةً لا تُعلنها،
لكنها مستعدة أن تحترق…
كي تبقى أنت سالمًا.


فاق عساف من شروده على صوت مأمور المركز يخترق أذنه عبر الهاتف، كأنه ينتزع من دوامة سوداء: عساف انت سمعني؟

عاد إليه السمع دفعة واحدة، ومعه عاد ثقل الحقيقة…
بلع الغصة التي تشكلت في حلقه حتى كادت تخنقه، وشد على الهاتف بقوة حتى ابيضت مفاصله، وغمغم بصوت خشن يقطر غضب مكبوت: سامعك يا بيه… بس متجلجش… اللي يجرب من اختي ولا چوزها ديته عيار… والبادي عليه اللوم.

كان صوته منخفض، لكن تحته نار تتقد، نار رجل يعرف معنى الثأر، ويعرف كيف يمسك الزناد دون أن ترتعش يده.

هتف المأمور بغضب واضح، صوته يحمل تحذير الدولة وثقل القانون: كده هتجلب مچزره يا عساف! وانت عارف مفيش راچل في البلد كلها ممسكش سلاح… والأمور هتفلت!

ارتفعت أنفاس عساف، وصدره يعلو ويهبط كصدر ثور جريح… زفر بغضب شديد، وهدر بصوت مكتوم لكنه ممتلئ بالوعيد: يا بيه… انت عامل جدر لولد الفرطوس ديه اكبر من اللازم… متخافش… ديه يچي ايه في الي عده في حياتنا… يما طجت علي الرأس طبول.

كانت الكلمات تخرج من بين أسنانه، كل حرف فيها محمل بتاريخ من الدم والغبار والوجع.
هتف المأمور بحدة أشد: اسمع الحديت! هبعتلك جوه تأمن الفرح الليله ديه… وبكره لحد ما نجبضوا عليه.

أطبق عساف فكه حتى كاد يسمع صرير أسنانه، ورد بغضب لا يخلو من كبرياء: يا بيه جوة ايه؟ الحامي ربنا… واحنا خابرين نحموا اللي لينا زين جوي.

كان صوته صوت رجل تربى على حماية عرضه بيده، لا ينتظر ظل يحميه.

زفر المأمور بحنق، وهتف بصرامة إدارية لا تقبل الجدل:
يا بني ادم ديه مسئوليه عليا… وديه واچراء… مينفعش نفوته.

ساد صمت قصير، ثقيل، كأنه لحظة قبل إطلاق رصاصة. نظر عساف نحو السرايا، حيث تتصاعد الزغاريد وتلمع الأضواء، وحيث تضحك أخته الآن دون أن تعلم أن شبح أسود خرج من سجنه يتربص بها.

أغمض عينيه لحظة، ثم أومأ على مضض، وكأن الكبرياء يبتلع سكين حاد، وقال: ماشي يا بيه… ابعتهم… اهم ضيوفنا وعلي راسنا من فوج… مع السلامه.

أغلق الهاتف ببطء، لكن العاصفة في داخله لم تغلق.
رفع رأسه، نظر عساف حوله بعينين صارتا أشبه بعيون صقر يلمح فريسته من مسافة بعيدة. لم يعد في وجهه أثر للفرح، ولا ظل للطمأنينة.

يبحث في كل وجه حوله، كأن موسى قد يخرج من بين الظلال في أي لحظة… الفرح مستمر…الزغاريد تعلو.
الأغاني تهز الأرض….لكن في صدر عساف، بدأت الحرب.

أشار بإصبعه إلى أحد الرجال وهتف بحدة تقطع الهواء:
خد يا متعب خد!

اقترب متعب بخطوات مترددة، وقد التقط من نبرة سيده ما جعل قلبه ينقبض، وهتف: امرك يا بيه؟

أشار عساف له بحسم، وصوته صار سيف مسلول:
انت وكم راچل كده فتحوا عنيكم زين… اللي ينضر موسي داخل الفرح ولا حتي حوليه يضرب في المليان… فاهم يا ولد المركوب؟

تجمد متعب مكانه، واتسعت عيناه، وألجمت الصدمة لسانه… اسم موسى وحده كان كفيل بأن يبدل الدم في العروق نارًا.

نظر إليه عساف بحنق، وهدر بصوت منخفض لكنه مرعب: انت اتخرست إياك يا بچم؟

هز متعب رأسه بالنفي سريعًا، وغمغم بذهول: لااا يا بيه… بس جصدك موسي ولد عمك؟

أومأ عساف برأسه ببطء قاتل، حسم لا يقبل جدل، وهدر: ايوه هو… لو موسي عتب الفرح روحه جصاد اروحكم كلكم… فاهم؟

كانت كلماته ثقيلة، لا تحتاج إلى تفسير.
المعنى واضح: لا نسب، لا دم، لا قرابة… حين يتعلق الأمر بأخته.

أومأ متعب بدهشة لا تزال تعصف بصدره: فهمت يا بيه.
وانصرف بخطوات سريعة، يشير إلى بقية الرجال بعينين مشتعلة بالاستنفار،

بينما كان سند يقترب وقد قرأ العاصفة في وجه صديقه..توقف أمامه بدهشة وقال: في ايه؟ وشك اتجلب وانا هتتحدت في التلفون وكنه نصيبه وجعت عليك.

فرك عساف كفيه بغضب، حتى كاد الجلد يحتك نار بنار، وهدر: واي نصيبه يا اخوي؟ ديه نصيبه مجندله وبلوه مسيحه…

اشتد وجه سند، وهدر بغضب ممزوج بتوتر صادق: انطج يا ابو عمو… وجعت جلبي في رچليه!

اقترب عساف خطوة، وصوته انخفض لكنه صار أثقل:
ولد المركوب موسي هرب من السچن… وناوي علي شر.

كأن صخرة سقطت بينهما…اتسعت عينا سند، واشتعل الغضب فيه دفعة واحدة، وهدر: كيف؟ امال ولاد الكلب دول بيحرسوا ايه؟

ضحك عساف بتهكم مرير، ضحكة لا حياة فيها ،وهدر :
وبعد ما هرب منيهم… جال هيبعتهم يامنوا الفرح عشان خايف علي العروسه والعريس.

اشتد فك سند، وبرزت عروقه، وخرج صوته خشن يقطع الحجر: عروسه وعريس ايه اللي يجرب منهم؟! ديه اللي يمس شعره من اخوي ومرته اخد فيه اعدام يا ابو عمو.

كان الغضب في صوته ليس تهديد … بل وعد…
ربت عساف على منكبه، محاولة تهدئة بركان على وشك الانفجار، وهتف: اهدي يا اخوي… كل حاچه تحت عنينا… سلمها لله.

لكن عيني سند لم تهدآ….كانتا تلمعان بغضب بدائي، وهو ينظر في أرجاء الفرح باستنفار كامل، يراقب الظلال، المداخل، الأسوار، وحتى وجوه المعازيم.

الذبايح تنحر ….الضحكات تعلو….الاعيره الناريه تمزق الهواء.
لكن خلف الأضواء، خلف الضحكات، خلف فستان العروس الوردي …
كان هناك شيء أسود يتحرك في العتمة.
والرجال… بدأوا يعدون الرصاص في صدورهم قبل بنادقهم.

لم تمض دقائق حتى انشق ليل القرية عن أضواء سيارات غريبة تخترق العتمة.

لم تكن أضواء زينة ولا مصابيح عرس… كانت أضواء بيضاء حادة، باردة، لا تعرف الفرح.

توقفت سيارات الشرطة أمام السرايا، ودوى صوت الأبواب تفتح في آن واحد، كأن الليل نفسه انخلع من مفاصله.

نزل الرجال الامن بملابسهم الداكنة، أسلحتهم معلقة على صدورهم، وأعينهم تمشط المكان بصرامة لا تعرف المجاملة.

في الداخل، كانت الطلقات ما زالت معلقه في الهواء حتي خفتت فجاءه..

تسلل الهمس بين الصفوف.
تحولت الضحكات إلى نظرات متبادلة.
وتباطأت الأقدام الراقصة حتى توقفت.

دخل أول صف من القوة إلى ساحة الفرح، خطواتهم ثابتة، مدروسة، تنتشر كما ينتشر الحذر في قلب أم رأت ظل خلف ولدها.

تبعهم آخرون، يتمركزون عند البوابات، فوق الدرج، قرب الأعمدة، عند كل مخرج يمكن أن يبتلع خطرًا.
أصابعهم قريبة من الزناد…عيون ترصد الحقول المظلمة.
كل حركة ظل تفحص… كل صوت بعيد يحسب حسابه.

ارتفعت الأكتاف بصلابة تعرف أن الفرح إن انكسر… يداس الدم تحته.

ساد صمت ثقيل
اقترب الضابط من عساف، وتوقفت المسافة بين الدولة والدم عند خطوة واحدة.

تبادل الرجلان نظرة طويلة…
نظرة يعرف فيها كل منهما أن الليلة لم تعد ليلة زغاريد فقط.
همس سند من بين أسنانه، دون أن يحول عينيه عن المداخل: شكلها مش معدية بالساهل يا ابو عمو…

لم يرد عساف.
كانت عيناه تجوبان المكان ببرود قاتل، وصدره يرتفع ببطء محسوب.
قال فقط، بصوت منخفض لا يسمعه إلا من يعرف طباعه:
اللي يدخل علينا… يطلع محمول يا صاحبي… اهم حاچه خلي الغالي في فرحته ومتكدرهوش…

اوما سند برأسه بحسم حامي وغمغم : متشلش هم …

عاد صوت الأغنية خافت، مرتبك…
حاولت الرجال استعادة الإيقاع….حاول البعض الضحك.
لكن الفرح… لم يعد كما كان…كان الجميع يرقب.
ينتظر….يتنفس بحذر….وفي مكان ما خارج الضوء…
كانت الظلال أطول من المعتاد.
…………
صباح ثقيل تسرب إلى سرايا الأنصاري على مهل، كأن الضوء نفسه يتردد قبل أن يطرق أبواب ذلك البيت المثقل بالأسرار.

في غرفة فارس، كان الهواء مشبع ببخار الماء وعبق البخار ، وحفيف المناشف يقطع سكون المكان….

خرج فارس من المرحاض وهو يمسح شعره بالمنشفة، قطرات الماء تنحدر على عنقه وصدره، تلمع فوق بشرته كندوبٍ شفافة لا ترى… إلا لمن يعرف كيف ينظر.

جلست فينوار على طرف الفراش، هادئة على عادتها، كأنها تقيس المسافة بين الحياة والموت بعينيها…

ابتسمت ابتسامة صغيرة لا تصل إلى قلبها، وقالت بنبرة خفيفة: چاهز يا عريس؟

توقف فارس لحظة، سحب المنشفة من فوق رأسه ووضعها على منكبيه، ثم رمقها بنظرة نصفها سخرية ونصفها تعب… وخرج صوته متحشرج، خشن من آثار النوم: چاهز… أنا كت مستنيكي… أنا عملت كيف ما طلبتي، والباجي عنيدك.

كان في كلماته شيء من التحدي، وشيء أكبر من القلق.

أومأت فينوار برأسها، نهضت ببطء واقتربت منه. المسافة بينهما تقلصت حتى صارت أنفاسهما تختلط…
رفعت وجهها إليه وقالت بصوت خفيض، لكنّه مشحون بما لا يقال: وأنا چاهزه… بس جبل أي حاچه، انت لازمن تعرف إن حياتك في خطر.

تبدل وجهه في لحظة…اختفت بقايا المزاح، واشتعلت في عينيه نار حادة…

قبض على ذراعها بعنف مباغت، أصابعه غرست في لحمها كأنه ينتزع الحقيقة انتزاع، وهدر: وحبيبه؟! أوعي تكون حبيبه في خطر! مش بعد ديه كله أجدمها للموت والخطر بيدي!

كان اسمهـا يخرج من فمه كاستغاثة مكتومة… أو كقسم.

هزت فينوار رأسها ببطء…وجهها صار صفحة بيضاء، خاليا من كل انفعال، كأنها نزعت قلبها جانبًا لتنجز مهمتها دون أن ترتجف وقالت :  لا… حبيبه في أمان…انت وانا وچوزي وچدك رماح اللي في خطر.

قطب حاجبيه، والغضب يصعد في صدره كبركان لا يجد فوهته ،وهتف : چدي كيف؟! ديه راچل كبير… وهيمشي بالعافيه!

نظرت إليه نظرة لا عودة بعدها، نظرة من يعرف أن الأقدار لا تجادل… قالت بصوت بارد كحد السيف: الغلط اللي حصل مش هيتصلح بعطف الجلوب… واللي يفسد الشي هيتحكم عليه يصلحه، مهما طال الزمن.

كلماتها سقطت عليه كحجارةٍ ثقيلة…ابتلع غصته بصعوبة، وكأنّ حلقه امتلأ بمرارة لا تحتمل.وغمغم : يعني بدك أبني حياتي على چتة چدي؟ انتي مخوتها؟

هزت رأسها سريعًا، وكأنها تصارع فكرة لم تكتمل وهتفت :  لا… مجلتش كده… بس التعويذة ليها طلبات. بدها أربع أرواح… وكل روحين يكونوا في مطرح…انت وقرماس هتتحدوا في مطرح… وانا ورماح… في مطرح .

اقتربت خطوة أخرى، حتى صار بينهما خيط رفيع من التوتر يكاد يرى…قالت بحدة تخفي وراءها قلق عميق:
وبعدين… يمكن اللي هيعمله چدك ديه يشفعله على ذنبه.

غامت عينا فارس بحزن كثيف، حزن رجل يعرف أن الكبرياء لا يصد القدر… وقال بصوت مبحوح : خلي بالك يا فينوار عليه… مهما كان راچل كبير… مش حمل بهدله.

أومأت برأسها، ثم أخرجت من طيات ثوبها زجاجة صغيرة، ممتلئة بسائل أحمر ثقيل، لونه كأنه مقتطع من شريان نابض…

مدتها إليه بحزم، وعيناها تثبته كما لو كانت توصيه على روحه: في العشيه… وأول ما تبجي مع حبيبه ويتجفل عليكم باب… تشرب ديه جبل ما تجرب منها… فاهم يا فارس؟

تصلبت ملامحه عند ذكر اسمها… التقط الزجاجة، وأصابعه أغلقت عليها بقوة حاسمة.وقال : فاهم طبعًا. هشربها أول ما أدخل الأوضه… على الطول.

لحظة صمت ثقيل تمددت بينهما….في تلك اللحظة، لم يكن فارس عريس يتهيأ لليلة تنتظره… بل رجل يقف على حافة قدر مجهول، يحمل في جيبه زجاجة قد تنقذه… أو تدفعه إلى مصير لا عودة منه.

أومأت فينوار مرة أخيرة….ثم… اختفت.
لم يتلاشى جسدها فجأة، بل بدا كأن الهواء ابتلعها برفق، كأنها لم تكن إلا طيف مر من هنا ليترك خلفه رائحة الخطر.

بقي فارس وحده….ينظر إلى الزجاجة في يده…
وإلى انعكاس وجهه في المرآة.
ولأول مرة، لم يري في عينيه صورة العريس.

بل صورة رجل يوقع بيده على امتحان لن يخرج منه كما دخل.
………..

في حديقة سرايا الأنصاري،

كانت الشمس تميل بخيوطها الذهبية فوق الأشجار العتيقة، والهواء يحمل رائحة ياسمين قديم يعرف حكايات البيت أكثر مما يعرفها أهله.

دلفت سيارة عساف ببطء، وكأنها تستأذن المكان قبل أن تستقر….

توقفت قرب الممر الحجري، وصمت المحرك تارك خلفه توتر خفي ينساب بين الأغصان.

التفت عساف إلى جدته، وحدق فيها بدهشة صريحة لا يخفيها، وقال ضاحك وهو يهز رأسه: والله يا چدتي أنا هتخوت! انتي اللي هتفرشي أوضة العرسان؟ طب كان چات ريم ولا هند!

كانت جملات جالسة بثبات، ملامحها صلبة كأعمدة السرايا، لكن عينيها تخبئان شيئًا أعمق من مجرد عناد.

هزت رأسها بإصرار، ثم أشارت بيدها إلى الداخل… إلى قلب البيت… بعدها رفعت أصابعها نحو عينيها، ثم أنزلت يدها إلى صدرها، حيث يخفق القلب.

فهم عساف، أو ظن أنه فهم… ابتسم بحنان خافت وقال:
عارف… نفسك تننضري بيت حبيبه؟

هزت رأسها بالنفي فورًا… حركت أصابعها بإشارة قاطعة، كأنها تنفي عنه سذاجة الفكرة، ثم عقدت يدها وأعادت بسطها ببطء… إيماءة نذر قديم، عهد بينها وبين السماء.

تسمر عساف لحظة، ثم اتسعت عيناه بدهشة وقال :
ندرها… إنك تفرشي أوضته حبيبه بيدك؟

أومأت برأسها بقوة، كأنها تخشى أن يخونها الوقت قبل أن تفي بما وعدت….

لمعت الدموع في عينيها، ومسحتها بطرف يدها سريعًا، في حركة خجولة لا تليق بتاريخ امرأة لم تنحن يومًا.

فتحت باب السيارة وترجلت بهدوء يليق بامرأة تعرف قيمة كل خطوة… نزل عساف مسرعًا، دار حول السيارة وأمسك بيدها بحذر، وقال بنبرة ملؤها البر: على مهلك يا چدة.

أومأت، وسارت معه ببطء. خطواتها ثابتة، لكنها محملة بسنين طويلة من الصبر والانتظار.

لم يقطعا سوى بضع خطوات حتى انشق الهواء بصوت مألوف، يحمل دهشة واستفهامًا: وه الحچة چملات العزيزي يا خطوه عزيزي!

كان رماح يقف غير بعيد، عينيه تتفحصان المشهد بدهشة صريحة.

توقفت جملات، ورفعت رأسها نحوه. نظرتها كانت حادة، لا تحتمل فضول ولا شك…
لم تنطق، لكنها سلمت ما في يدها إلى عساف حقيبة صغيرة ثقيلة بما فيها، لا بما تزن.

أشارت إليه أن يدخل….أومأ عساف بطاعة، وأخذ الحقيبة منها قائلاً: سلمي على چدي… وأنا هطلعهم لحد أوضة حبيبه.

هزت رأسها موافقة، وبقيت واقفة لحظة في الحديقة، تنظر إلى البيت كما تنظر أم إلى ابن يعود من سفر طويل.

أما عساف، فانصرف نحو الداخل، يحمل الحقيبة… ويحمل معها سر نذر لا يعرف أحد إن كان وفاءه سيجلب الفرح، أم سيوقظ قدر آخر ينتظر في الظل.

اقتربت جملات منه، لا تمشي نحوه… بل تمشي نحو ماضي دفنته بيديها ولم يمت.

كان رماح قد تقدم بخطوة، لهفته ممزوجة بقلق قديم لا يبرأ، وحزن عالق في صدره منذ سنين…

وقف أمامها، وفجأة بدا كأن الأرض تدور بهما، لا دوران فرح ولا دهشة، بل دوران سنوات طويلة تهاوت فوق رأسيهما دفعة واحدة.

في عينيها، لم يكن يقف رجل شاخ، بل خطيئة تمشي على قدمين.

تذكرت أختها…
تذكرت الشرف الذي انكسر كإناء فخاري تحت أقدام هذا الرماح، وتذكرت جنون شقيقتها، كيف أحرقت نفسها والكل بانتقام أعمى، لا يفرق بين ظالم ومظلوم.

مد رماح يده، متردد، كأنه يمدها عبر هوة سحيقة، وغمغم بصوت مبحوح: كيف يا حچه چملات؟

رفعت رأسها إليه، ونظرتها كانت كسيف مسلول.
هدرت بغضب مكتوم، وخرج صوتها من بين أسنان مطبقة:مفيش بيناتنا سلام يا ولد الأنصاري… اللي بيناتنا دم وعرض.

ارتجف جفنه، وابتلع غصة حادة… وخرج صوته مكسور، كأن الكلمات تجرحه قبل أن تخرج: الدم والعرض خصوني يا حچه… أنا غلطت، بس ويمين بعظيم ما كان في نيتي أي غدر… أبوي حط سكينة تلمه على رجبتي…

قاطعته بصوت أشد حدة: وانت غرستها في جلب چميله! وكل ذنبها إنها عشجتك، وسلمتك حالها ضايعتها في لحظة نداله وضعف!

تقلص المكان من حولهما، وكأن الجدران نفسها لا تحتمل هذا الاعتراف المتأخر.
بلع رماح الشوك في حلقه، شعر أن صدره يضيق، أن الهواء صار شحيح…وغمغم بصوت متحشرج موجوع: أنا جلبت الدنيا لفيت أرض الله الواسعة… عشر سنين! كل ما حد يجولي وعي چميله في أي بلد، كنت أرمح… وجلبي يرمح جبلي… كان نفسي أعاود مرة بيها، وأتچوزها، وأرد حجها جدام الخلج.

انفجرت جملات بغضب أشد، كأنها تنتقم بالكلمات بعد أن عجزت الأيدي:هتلاجيها كيف فوج الأرض… وهي هلكت روحها تحتها؟

تجمد….
كأن أحدهم سحب الأرض من تحت قدميه.
تراجع خطوة، ثم أخرى، حتى سقط على الأريكة خلفه. انحصرت أنفاسه في صدره، وارتجفت يداه، وانزلقت دموع ثقيلة على لحيته البيضاء الشائبة.

اقتربت منه جملات، نظرت إليه بشيء من التشفي المر، الممزوج بالحزن، وقالت: في يوم عرسك على بت عمك… چميله كت هتتخوت….اتوكدت إنك غدارت…شردت من الدار، ورمحت في الدنيا على راسها… وأنا طلعت أرمح وراها…احاول ألحجها، أعاودها، جبل ما أبوي يحس.

جلست أخيرًا، وكأن ساقيها لم تعودا تحتملان حمل الذكرى… ودموعها انهمرت بلا مقاومة، وخرج صوتها مبحوح، يرتجف بين الرعب والحزن: بس هي دخلت الكهف اللي في الچبل… اللي غرب البلد…كنت حاسه إن حاچه بتسحبها ليه… خوفت جوي.

شهقت، وهزت رأسها ببطء، وكأن المشهد يعود حيا أمام عينيها: وجفت استناها… بس مطلعتش… عفصت علي جلبي ودخلت…جريت رجليه جر ودخلت وراها.

توقفت لحظة،
وعيناها زاغتا بعيدًا، كأنها لم تعد ترى الحديقة ولا السرايا، بل ترى ظلمة الكهف… وبرودة الصخر… وصدى خطوات كانت آخر ما سمعته من أختها.

شردت جملات…وعاد الكهف يفتح فمه في ذاكرتها من جديد.

فلاش باك

كان الكهف فم مفتوح في خاصرة الجبل…
فم ابتلع الزمن، واحتفظ بصرخاته.

الظلام في داخله لم يكن غياب ضوء، بل حضور شيء آخر؛ شيء ثقيل، مكفهر، يتنفس ببطء….

الأحجار على الجدران بدت كأنها تئن همس، كأنها تحفظ ما رأت عبر السنين ولا تجرؤ على البوح.

بلعت جملات لعابها، وصوت البلع بدا لها كالرعد في ذلك الصمت… ضمت حجابها حول عنقها، أصابعها ترتجف، وخطواتها تتقدم بحذر مرتجف فوق أرض باردة كقبر.

ثم… رأت…وتجمدت أنفاسها في صدرها، كأن الهواء هجر رئتيها دفعة واحدة.

تراجعت خطوة، وعيناها امتلأتا بالدموع، واحتمت خلف نتوء صخري، تنظر بذهول لا يصدقه عقل.

كانت جميلة واقفة في قلب الظلام…وأمامها كائن لا يشبه بشر ولا ظل خالص…

أسود…لكن سواده لم يكن لون ، بل كثافة.
كأن قطعة من ليل أعمى انفصلت عن السماء وتجسدت.

النار تخرج من عينيه، لا لهب عادي، بل شرر كأنه يتغذى على الغضب…

الظلال تدور حوله في دوامات مكتومة، تصدر أصوات تشبه الزئير الخشن، كأن الكهف نفسه يزأر من حضوره.

ارتجف جسد جميلة كله، وخرج صوتها مبحوح، مقطوع الأنفاس: مكتش أعرف إن دخولي هنه ممنوع… بس الدنيا ضاجت في وشي، والغدر عماني… ولازمن أهرب من أهلي.

اقترب أورمانتيس ببطء مدروس…. دار حولها كما يدور المفترس حول فريسته، وخرج صوته خشن، حاد، ينساب إلى أذنها كسم بارد: بدك ما تهربِي وتهملي اللي غدار بيكي يتهنى بحياته… وانتي خسرِتي كل حاچه؟ انتي ضعيفه جوي يا چميله….

انزلقت دموعها، ساخنة فوق وجنتيها الباردتين، وهمست بقهر موجع:أنا كت احبه… وهو باع حبي وغدر بيه.

اشتد الظلام من حولهما، وازداد صوته حدة، كأن الجبل يردد غضبه: يبجي يعيش محروم من الحب… هو ونسله.

رفعت عينيها المرتجفتين نحوه، وشيء منكسر فيها بدأ يتحول إلى رغبة عمياء في الانتقام: أيوه… لازم يعيشوا محرومين… كيف ما حرموني.

ضحك أورمانتيس….لم تكن ضحكة عادية، بل ارتداد صدى ثقيل ضرب جدران الكهف حتى اهتزت الصخور. دار في المكان، وامتلأت الأركان بحضوره، ثقيل، خانق، كأنه دخان أسود يملأ الرئتين.

ثم هدر: بس كل شي وله تمن… وانتي التمن.

ارتجف جسدها بعنف…. كادت تراجعت خطوة، لكن الظلام كان أسرع…
قبض على عنقها فجأة، قبضته كحلقة من نار، ورفعها عن الأرض… تدلت قدماها ترفس الهواء، وأنفاسها تتكسر في صدرها.

هدر بصوت زلزل الجبل: وجت الرچوع فات يا إنسيه… هلتحم معاكي… ومن اليوم ديه آل الأنصاري ملعونين بالعشج والدم… اللي هيعشج هيموت… ويموت معاه اللي هيعشجه….هيعيشوا محرومين من الحب… والكره والحجد والچحود هو اللي هيسود في نسل الأنصاري!

صرخة جميلة اختنقت في الهواء…وتلوت بين ذراعي أورمانتيس برعب …

أما جملات…
فجسدها كان يرتجف كغصن في عاصفة… تراجعت بسرعة، قلبها يكاد يتوقف من الرعب….

تعثرت وسقطت، ولم تشعر بقدميها… زحفت على الأرض الباردة، ودموعها تنهمر بلا صوت، كأن الرعب سرق منها حتى القدرة على الصراخ.

الزئير ظل يلاحقها، وصدى الكلمات يضرب رأسها كالمطارق….حتى خرجت من الكهف.

خرجت وهي تشعر أن صوتها انحشر في صدرها، وأن شيئًا أسود لحق بها… لحق بالعائلة كلها.

عودة

ارتعشت جملات في الحديقة، وكأن برودة الكهف تسللت إلى عظامها من جديد.

نظرت إلى رماح، ودموعها لم تعد دموع امرأة غاضبة… بل دموع شاهدة على لعنة بدأت هناك.
همست بصوت متكسر: من يومها… والعشج في داركم ما بيكمل… يا يموت… يا يدبح اللي حواليه.

وكان الهواء بينهما ثقيل…كأن الكهف لم يغلق بابه بعد.

ارتجف جسد رماح، لا من برد ولا من ضعف، بل من ذلك الحزن العميق الذي يهبط فجأة كصخرة على الصدر فيسحقه….

قبض كفيه بقوة حتى ابيضت مفاصله، وهدر بصوت مبحوح، كأنه يخاصم ظل لا يرى: استعچلتي يا چميله…

كان الاسم يخرج منه كطعنة متأخرة.

سالت دموع جملات حارقة، لا دموع امرأة تبكي، بل دموع شاهدة حملت سرا أثقل من الجبال…

قالت بصوت متكسر، كأن الكلمات تنتزع من صدر عاش أعوام بلا صوت: من الرعب اللي وعتله… صوتي اتحاش في صدري سنين… ولما عاود، حكم عليا ولدي فوزي أفضل خرسه، ولا أتحدت باللي وعتله… وأنا كت اتعودت على السكوت… وارتحت وأنا ساكته…بس النهارده لا… معدش السكوت ينفع.

كان في اعترافها ارتجاف سنوات كاملة،
سنوات من الصمت الذي ظنته نجاة… فإذا به خيانة للحقيقة.

رفعت رأسها نحوه، وعيناها تقدحان بشرر قديم، وهدرت:
انت لازمن تدفع التمن… ولد ولدك لازمن يعيشوا بكفياهم اللي فات من عمرهم… وبكفيه الأرواح اللي خدتها اللعنة في رچاليها.

تلقى كلماتها كما يتلقى المحكوم حكمه الأخير.
ابتلع غصته بصعوبة، وصدره يعلو ويهبط كمن يصارع الغرق وقال :  أنا بدي ولد ولدي يعيشوا كفياهم حرمان… ولو على روحي.

قالها بلا تردد.
كأنه أخيرًا وجد شيئًا يستحق أن يفنى لأجله.

نهضت جملات، ومسحت دموعها بكف مرتجفة، لكن ملامحها استعادت صلابتها… غمغمت بنبرة حاسمة:
فينوار بت چميله… هتچلك… تروح معها، فاهم؟

رفع وجهه إليها، وفي عينيه ألم يهدم جبال ولا يطلب شفقة… أومأ برأسه بصمت، صمت هذه المرة لم يكن هروب… بل قبول..

استدارت جملات، وخطواتها سريعة، غاضبة، تتجه نحو الداخل كأنها تسابق الوقت.

أما رماح، فبقي مكانه.

الأرض تدور به، والسماء تضيق، وصدى اللعنة القديمة يعود ليهمس في أذنه.

ولأول مرة منذ أعوام تعب من عدها…لم يعد يخاف الموت….بل خاف أن يكون الأوان قد فات.
……..
مساء مهيب هبط على سرايا الأنصاري،
مساء لم يأتي هادئ… بل جاء على صهوة الطلقات.

ارتجت الأرض تحت الأقدام من دوي الأعيرة النارية التي شقت الهواء شق، كأن السماء نفسها تعلن الفرح على طريقتها الصاخبة….

تداخل صوت الرصاص مع المزمار البلدي، ذلك النغم العتيق الذي يشبه صرخة الفرح الأولى في صدر الصعيد، حاد، صافي، يخترق القلوب قبل الآذان.

الحديقة تبدلت ملامحها تمامًا…
الأشجار العتيقة التي شهدت خصومات وموالد وعزاءات، ارتدت الليلة ثوب من نور….

سلاسل المصابيح تدلت كعقود ذهبية، تتلألأ فوق الرؤوس، وتنساب بين الأغصان، فتجعل المكان يبدو كأنه قطعة من حلم مضيء.

الزينة بألوانها الزاهية ترفرف مع نسمة المساء، وأصوات النساء ترتفع بالزغاريد الحادة، تخترق الليل، فتجاوبها الضحكات، ويعلو التصفيق، ويشتد إيقاع الطبول.

اليوم…زفاف الحفيد…ابن الدار الغالي ،
الاسم الذي تحمله العائلة في صدورها بفخر لا تخفيه.

رجال الأنصاري ينتشرون في الحديقة بجلابيبهم الناصعة، صدورهم مرفوعة، شواربهم مشدودة باعتزاز، يتبادلون التهاني بقبضات قوية، وعيونهم تراقب كل شيء. الفرح عندهم ليس مجرد ليلة… بل إعلان هيبة.

في صدر المكان، انتصبت المنصة كعرش صغير، تنتظر العريس…الكراسي المصطفة بدقة، الموائد العامرة، رائحة الشواء المتصاعدة تختلط بعطر البخور الذي يتهادى في الهواء.

لكن…ورغم الصخب والأنوار، كان هناك خيط خفي من توتر لا يراه إلا من يعرف.

الطلقات التي ترتفع احتفالًا… كانت تشبه في وقعها نذير.

والمزمار الذي يصرخ بالفرح… كان صوته يحمل شيئًا من العويل البعيد.

فالليلة ليست مجرد زفاف. إنها ليلة قدر يتخفى في هيئة عرس، وليلة عشق يمشي على حافة لعنة لم تنته بعد.

انشق الدرج الرخامي عن خطواته.

نزل فارس ببدلته السوداء الأنيقة، كأن السواد لم يخلق إلا ليزداد به وقار وهيبة…
كانت قامته مستقيمة، كتفاه مشدودتين، وعيناه تلمعان ببريق لا يدري أهو بريق الفرح… أم وهج معركة يخوضها في الداخل.

خطف الأنفاس كما يخطف الليل آخر خيط من النهار.
واشتعلت الزغاريد، حادة، طويلة، ممزوجة بدموع الفرح… وبخيط رفيع من توتر لم يفهمه الا من عاشه…

تقدم بدر نحوه، ووجهه يفيض بسعادة حاول أن يغلب بها قلق يسكن عينيه… فتح ذراعيه وهتف: حبيبي يا غالي! مبروك يا عريس!

احتضنه فارس بقوة، ربت على منكبه كما يربت الأخ على نصف روحه، وقال بنبرة دافئة: الله يبارك فيك يا أخوي.

ابتعد بدر قليلًا، نظر إليه نظرة عميقة، ثم قال بنبرة نصفها مزاح ونصفها اعتراف:وعيت إن العشج

ملوش كبير يا واد عمي… وإننا كلنا هنغرج في الچحيم الناعم بمزاچنا.

ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي فارس، ابتسامة رجل يعرف النار لكنه يختار العبور. أومأ برأسه وقال:
اتفائل يا أخوي… وإن شاء الله الچحيم هيجلب چنه.

ابتسم بدر بتهكم لطيف، وربت على كتفه وقال : يدي على كتفك يا أخوي.

وفي زحمة التهاني، تقدمت إيمان….كانت عيناها تلمعان بدموع لم تحسم إن كانت دموع حزن أم رضا… ابتسمت، والابتسامة ترتجف على شفتيها، وقالت: مبروك يا ولد عمي… ربنا يسعدك يا رب.

نظر إليها فارس بدهشة خافتة، ممزوجة بألم قديم يعرفه جيدًا. اقترب منها خطوة، وصوته لان كثيرا : الله يبارك فيكي يا بت عمي… عجبالك، ربنا يريح جلبك.

ابتسمت ابتسامة مرتجفة، وغمغمت: أيوه… جلبي اتحرچ، بس فرحان ليك يا غالي.

بلل فارس شفتيه، كأن الكلمات تثقل عليه، ثم انحنى قليلا وقبل رأسها بحنان صادق…تلك القبلة البسيطة كانت كافية لتنهار دموعها، لكنها كانت دموع سعادة خالصة هذه المرة…هتف برفق:  يعلم ربنا معزتك في معزة نغم… ربنا يسعد جلبك يا إيمان.

تنهدت بسعادة هادئة، وتمتمت بصوت مبحوح: ربنا يتمملك على خير يا غالي.

اقتربت هنيّة، وربتت على منكب إيمان بحنان أمومي، وقالت: والله ربنا هيكرمك يا بتي… ويعوضك لأجل ما حبيتي الخير لغيرك.

أومأت إيمان برأسها، وهمست بكلمة خرجت من عمق قلبها: يارب.

وعاد المزمار يعلو من جديد، والأضواء تلمع، والفرح يتمدد في الحديقة… بينما القدر، في مكان ما،
يعد أنفاسه.

التفت فارس على وقع خطوات ادهم الواثقة، اقترب سريعًا من فارس، وعيناه تتلألأان بمزيج من الحماس والحذر، وقال بصوت عال ممزوج بالفرح والتهكم:
يلا يا أخوي… كلنا بره چهزين ، مبدش تچيب مرتك ولا إيه!

ابتسم فارس، واقترب قليلاً ليضم ادهم بين ذراعيه، وعيناه تتوهجان بالحب والعشق، وهتف بصوت يمزج الحماس بالسعادة: هچيبها… ومش ههملها تاني يا أخوي… يلا!

اقتربوا جميعًا من باب السرايا، خرجوا في الحديقة حيث كانت السيارات مصطفة بعناية، كأنها حرس شخصي للفرح المنتظر…

الهواء مشبع برائحة البارود من الأعيرة النارية، والمزمار البلدي يدق بإيقاعه الحاد، يصاحب الزغاريد والضحكات، فتزلزل الأرض تحت أقدامهم، وتنبض الحديقة بالحياة والهيبة في ليلة تحتفل بكل ما هو ثمين وغالي.

كان كل شيء معد بعناية، وكل نظرة وكل خطوة تبث توتر جميل، كأن الأرض والسماء على حد سواء تشاركان العروسين فرحهم،

وتترقب اللحظة التي سيصبح فيها فارس وحبيبه قلب واحدًا تحت أنوار الزفة الصاخبة.

ارتجت أركان الحديقة بضحكات الزغاريد وأصوات الأعيرة النارية، بينما وقف رماح بجانب فارس، مد ذراعيه إليه في حضن حاني، كأنه يقبض على وداع لم يحن بعد…

نظر فارس إلى جده بعينين ملؤهما الحزن العميق، وهمس بصوت مبحوح مشحون بالوجع:سامحني يا چدي…

هز رماح رأسه بالنفي، ودموعه تتساقط ببطء على وجنتيه، وغمغم بصوت مكسور: أنت اللي تسامحني يا ولدي… لو كت أعرف من زمان… كنت وجفت اللعنة بروحي ودمي… من زمان…

ضم فارس جده بقوة، همس في أذنه بحذر مشوب بالحزن: أوع لحالك يا چدي… لما تروح مع فينوار…

ربت رماح على ظهره بحنان موجوع، وصوته المتحشرج يقطر ألم وفخر :المكتوب مكتوب يا ولدي… وانا راضي… بس انتوا تعيشوا وتتهموا… أوعدني يا ولدي، متوجفوش حياتكم يوم… لو چرالي حاچه… تطمنوا على حالكم… وتكبروا نسل الانصاري ليوم الدين…

أومأ فارس برأسه بحزن عميق، وهمس:أوعدك يا چدي… نسلنا مش هيتجطع أبدًا…

اقترب سند، يمسح المكان بعينيه بحثًا عن أي خطر، وربت على منكب فارس بحزم ومرح: يلا يا اخوي… عوجنا جوي… كده كده چدك چاي معانا…

ابتسم رماح وقال بخفة ممزوجة بالفخر: أيوه… ديه فرحة الغالي… ولازم أشارك فيها… وأچيب معك عروسته…

ضم فارس جده بحب، وهمس بتمني صادق: ربنا يباركلي في عمرك يا چدي… يارب…

وضغط رماح على منكب فارس بفرحة عميقة، وهتف بصوت يرتجف بالحب: ربنا يحميك يا ولدي…

أصبحت اللحظة مشحونة بالعاطفة، بين الحنين والفرح، بين الخوف والمسؤولية، وكأن الأرض والسماء تعترفان بأن هذه الفرحة قد ولدت رغم كل الألم والظلام الذي مر بهم.

تحرك الجميع بخطوات مفعمة بالحماس، وصعدوا إلى السيارات واحدة تلو الأخرى، فتوالت أصوات المحركات وكأنها تشاركهم نبض الفرح…

انطلقت الزفة، كأنها كاسطول فاخر يقطع الطرق، يحمل بين جنباته كل الحماسة والتوتر والبهجة، بينما كان المزمار البلدي يدق بإيقاعه الحاد، والأعيرة النارية تشق الهواء، تلمع في السماء كالنجوم المنفجرة، فتزلزل الأرض تحت أقدامهم، وتنتشر فرحة لا تقاوم بين كل من حولها، فتختلط الإثارة بالهيبة، ويصبح كل نبضة قلب جزءًا من هذا الاحتفال الصاخب والفخم الذي يعلن عن فرح السرايا الكبير.

….

في سرايا العزايزي
ارتجت الحديقة بأصوات المزمار البلدي والزغاريد التي تشق الهواء، مضيئة بألوان زاهية كأنها قلب العروس نفسها ينبض فرحًا….

وقف عساف متحكم في أعصابه، يده مشدودة على سلاحه، وعيناه تلمعان بالغضب والحذر، كل عضلة في جسده متأهبة لأي تهديد محتمل.

اقترب منه أمير وهمس بصوت متحشرج يمزجه القلق بالمحبة: اهدي يا أخوي، انت على أعصابك من عشيه… موسي ديه أچبن من إنه يخاطر ويچي الفرح…

هز عساف رأسه، وعيناه تتفحص المكان بلا توقف، صوته خشن وحاد: الحرص واچب يا أخوي، ديه خيتك الوحيدة… بدنا ليلتها تعدي على خير.

ابتسم أمير بحزم، كأن اليقين يملأ قلبه، وهمس: هتعدي يا أخوي… بأمر الله، هتعدي.

الهواء امتلأ بتوتر مكتوم، والحديقة، رغم الألوان والزينة والصخب، حملت في نفسها شعور بالترقب،

كل عين تتنقل بين الضيوف ورجال الأمن، وكل نبضة قلب كانت تتزامن مع صدى المزمار، وكأن الليل كله يشارك في مراقبة كل خطوة، مستعدًا لإيقاف أي شر قبل أن يقترب من فرحة السرايا.

….
في غرفه حبيبه…
كانت الغرفة كلها تنبض بالهدوء قبل العاصفة، صمت مشحون بالانتظار، وكل نفس من حبيبه يردد في صدرها فرح وخوف، وكأنها على أعتاب لحظة ستغير حياتها إلى الأبد.

ارتعشت أنفاسها وهي تحدق في انعكاسها، عيونها تلمع بين الدهشة والسعادة، والفستان الأبيض الأسطوري كتحفة من عالم الأحلام،

والفستان ينساب على جسدها ببهاء لا يوصف، ضخم ومفصل خصيصًا لها، وكأن كل خيط فيه يروي قصة عشق فارس وسحر اهتمامه بها..

يلتف حول خصرها برقة ملكية، وتتساقط من طياته أقمشة شفافة تتلألأ كالنجوم تحت أضواء الغرفة، تمنحها بريق لا يشبه أي شيء رأته العيون من قبل.

الطرحة الطويلة تتدلى برشاقة خلفها، وكأنها شلال من الحرير الأبيض يرافق كل خطوة، فيما التطريزات الدقيقة على الصدر والكمين تتلألأ بخيوط من فضة وذهب خافتة، كأنها مرسومة من ضوء القمر….

كان هذا الفستان أكثر من مجرد لباس زفاف؛ كان وعدًا، لوحة فنية تحتفل بها الطبيعة والبشر معًا، مصنوع ليجعل حبيبه تشعر وكأنها كأنها أضحت ملكة على عرش الفرح.

ابتسمت ريري بابتسامة مهنية وقالت بلهجة دافئة: خلصنا يا ست العرايس… ما شاء الله زي القمر.

نظرت لها حبيبه بدهشة ممزوجة بإعجاب وقالت : أنا لحد دلوق مش مصدجه إنك ريري بجد … أشهر ميكب إرتست في مصر، جيتي لحد أسيوط؟

ثم ارتسمت في عينيها فرحه لا توصف وهي تنظر على الفستان الأبيض اللامع، الواسع وفخم بشكل أسطوري، وكأن الحلم أصبح حقيقة أمامها، همست بارتباك وفرحة: ولا الفستان… إلي كيف الحلم ديه؟

ابتسمت ريري بابتسامة مهنية، وفخر يلمع في عينيها وقالت : فارس بيه متابع معايا من شهر ونص تقريبًا، والفستان ده هو اللي اختار تصميمه بنفسه… كان صعب، خدنا شهر لحد ما خلصنا، بس يستاهل بجد… أسطوري.

ترقرقت دموع حبيبه وهي تتلمس قماش الفستان وتغمض عينيها للحظة، تحاول استيعاب كل ذلك الحب والاهتمام وهمسة : عمل ديه كله؟

أومأت ريري بصدق وقالت: واضح أنه بيعشقك، وانتي تستاهلي يا حبيبتي… ربنا يتمم لكم على خير يا قمر.

ابتسمت حبيبه بخجل، والدموع تنهمر على وجنتيها وقالت : الله يبارك فيكي… متشكرة.

أنهت ريري كل شيء، وأشارت للعاملات معها وقالت : كله تمام… نلحق الطيارة احنا بقا.

أومأت حبيبه برأسها وغمغمت: مع السلامة يا حبيبتي.

وغادرت ريري ومن معها، تاركة حبيبه واقفة، بين سحر الفستان وانتظار فارس،

اقتربت حبيبه ووقفت أمام المرآة، عينان تتألقان بين رهبة وخوف وفرحة متداخلة، وهي تحدق في ملامحها التي أصبحت أكثر إشراق وجاذبية، كأنها ولدت من جديد…

مررت يدها على فستانها الأبيض الأسطوري بذهول، والدهشة تعانق قلبها، وأغمضت عينيها للحظة خاطفة، وعادت بذاكرتها إلى تلك الليلة المشؤومة… حين ارتدت فستان زفافها الأول، الذي لم يكن فستان، بل كفن، ليلة اختفت فيها حبيبه، ليلة الموت الرمزي لذاتها.

فجأة اخترقت فينوار الهواء، ظهرت من العدم، وصوتها الحاد الممزوج بالحنو ملأ الغرفة: بس اتولدت على يد فارس من چديد يا حبيبه!

فتحت حبيبه عينيها على الفور، نظرت إلى فينوار وارتعشت، قالت بخوف خافت: ايوه… صح… بس أنا خايفة.

قاطعها فينوار بحزم وحنو في آن: مفيش حاچة تخوف يا حبيبه، فارس حبيبك هيشيلك بعينه…متخفيش… ديه فارس، مش أي حد… لو جرنتيه بحد، بتظلميه.

أومات حبيبه برأسها، ابتسامة مرتجفة تلون وجهها، وغمغمت: صح يا فينوار.

أشارت لها فينوار بيدها، وصوتها ارتفع مليئ بالتحفيز: حضري حالك… الغالي وصل تحت!

ارتجف جسد حبيبه بتوتر، ودلفت ريم وهي تهتف بسعادة: يلا يا حب… الغالي وصل بالزفة!

ابتسمت فينوار لحبيبه بتشجيع، ثم ذابت في الهواء كأنها لم تكن.

تنهدت حبيبه، وضعت يدها على صدرها وهي تتنفس بصعوبة، وغمغمت بتوتر: استرها يا رب… معايا.

اقتربت ريم من حبيبه، وضمتها بحنان حاد، كأنها تحاول نقل طمأنينة متخيلة إلى قلبها المرتجف، وقالت بصوت هادئ ومطمئن: اهدي يا حبيبتي… ربنا يتمملك على خير يا رب.

أومات حبيبه برأسها، ودموع الفرح تلمع في عينيها، وغمغمت بصوت متقطع: يارب…

دخل فوزي وامير، وعيناه تلتقيان بعيني ابنته، قلبه يفرح بعنف، لكنه مثقل بالخوف والهاجس القديم، وهمس بصوت مبحوح يرتجف بين الحنان والرعب: خلصتي يا بتي؟

تقدمت حبيبه نحو والديها، فاحتضنها فوزي بقوة، وقبل رأسها بحنان ممزوج بالقلق، كأن قلبه يريد أن يحميها من كل ما يخشاه منذ أن ولدت: مبروك يا بتي… بس خلي بالك، يا رب يحفظك من كل شر.

أغمضت عينيها، تستنشق دفء حضن أبيها، وهمست بارتعاش: الله يبارك فيك يا ابوي.

ربت أمير على رأسها بابتسامة تملؤها السعادة، لكنه يرى في عيون والده المزيج الغريب من الفرح والخوف، وقال: مبروك يا حب.

تنفست حبيبه بعمق، وهمست بخفوت: الله يبارك فيك يا اخوي.

ربت فوزي على منكبها، وأمسك بيدها بحزم، عيناه تموجان بين الحذر والفرح وغمغم : يلا يا بت… بس خلي بالك… خلي بالك من أي حاچة.

تحركوا معًا نحو الدرج، خطواتهم تملؤها السعادة والخوف معًا، قلب فوزي يخفق بين فرح اليوم ولعنه قديمة التي يكره أن تقترب من ابنته الوحيدة، كل خطوة تحملها نحو مستقبل مشحون بالتوتر، والحب، والخطر المعلق في الهواء.

في الأسفل،

دلف فارس، يليه أدهم وبدر وعماد وصهيب، كأنهم حراس نور وفرح يحرسون قلعة الحياة الجديدة…

اقتربت أنعام منه، تحمل الملح بين أصابعها، ورشته على الرؤوس بعناية وابتسامة متوهجة، وهتفت بصوت يرتعش فرحا: مبروك يا ولدي، يچعل ليلتكم بيضا، كيف جلوبكم!

ابتسم فارس، وملامحه تتوهج بسعادة لا توصف، قبل رأسها وهمس: الله يبارك فيكي، يما.

ربتت أنعام على صدره بحنان متقد، وقالت بقلق خفي: خلي بالك على حبيبه، يا ولدي.

رفع فارس رأسه، وعيناه تلمعان بدهشة ممزوجة بخوف مبطون وهتف : هتوصيني على روحي يا يما؟ متخفيش، متوصيش، حريص!

ثم، ظهرت حبيبه في أعلى الدرج،
كالبدر المكتمل في ليله هادئة، مشعة بأنوارها، تخطف القلوب وتحبس الأنفاس…

ارتج البهو من الزغاريد، ورفع فارس رأسه بذهول وسعادة فائقة، كأنه لا يصدق أن قطعة النور هذه، هذه التي أنارت حياته، صارت زوجته؛ ملكة جمال، من عالم آخر لا ينتمي للبشر…

اقتربت بخطوات بطيئة، كل خطوة منها تسرق منها الخوف وتضعه بين يدي فارس، وكل حركة كأنها تهدي قلبه انفجارًا من السعادة والذهول…

وعندما وصلت إلى قاعدة الدرج، تمددت يداه نحوها، لكن ليس باللمسة العادية؛ كانت يده ترتجف من شدة الحب والخوف، من الرهبة التي تشبه الخلود والسرمدية،

قبض على يدها بحنان يفوق الوصف، وقبلها بحنو لا يشبه إلا حنو العاشقين ، وهمس بصوت عميق يمزج الحب بالدهشة:مبروك عليا يا حتة النور… مبروك يا عروستي.

ابتسمت حبيبه تحت الطرحة الخفيفة التي تخفي جزءًا من جمالها، ابتسامة مرتجفة، وهمست بصوت مبحوح: الله يبارك فيك يا غالي.

اقترب منها فارس أكثر، وقبلها على رأسها بحنان عميق، وهمس في أذنها بعبث ودفء ممتزج بالخوف: يلا على بيتنا، يا حبة جلبي.

أومات حبيبه برأسها، وجسدها يرتجف بمزيج من الفرح والخوف، مسك يدها الباردة، ولفت ذراعها حول ذراعه، وتحركوا ببطء إلى الخارج،

والجميع خلفهم، والزغاريد تصدح، والأعيرة النارية تخترق الهواء، معلنة بداية حياة جديدة، مشحونة بالعشق، بالفرح، وبالوعد الذي لن ينتهي، وسط قلوب تنبض بالحب، والرعب، والأمل في لحظة واحدة.

عند السيارة،

سادت لحظة صمت ثقيل، صمت الأم الحنون، أنعام، وهي تودع فلذة كبدها، وعيناها تلمعان بالدموع، وهمست بحزن: مبروك يا بتي… اوعي لحالك.

أومات حبيبه برأسها، والدموع تنهمر على وجنتيها بلا توقف، ضمتها والدتها بقوة، وكأنها تحاول أن تنقل إليها كل الأمان في قلبها.

ثم جاءت جملات، وضمتها بحنان مفرط، ربتت على وجنتها، ولسانها يردد دعاء مشوب بالرعب والحزن والوجع، كأنها تحاول درء لعنة خفية عن روح الحبيبه.

نظرت لها حبيبه بدهشة، وهمست بصوت خافت مرتجف: متخفيش عليا يا چدتي.

أومات جملات برأسها، رفعت كف الحبيبه وقبلتها بحنان، وقبلت الحبيبه كف جدتها بحب عميق، كأنها تودعها من قلبها إلى قلبها…

اقتربت ريم، وضمت حبيبه بسعادة، وهتفت: ربنا يتمملك بخير يا جلبي.

ابتسمت حبيبه بخفوت، ثم جاءت هند واحتضنتها بسعادة، وهمست: مبروك يا خيتي.
ابتسمت حبيبه مرة أخرى بخفوت، وهمست بصوت مبحوح: الله يبارك فيكي.

فتح عساف باب السيارة، وصعدت حبيبه وهي تلقي نظرة أخيرة خلفها، تشير إلى والدتها وجدتها بيد مترجمه، ودموعها تنهمر على وجنتيها، دموع ممزوجة بالحنين والخوف والفرح، كما لو أنها تحاول أن تحبس كل هذا الحب والحماية في قلبها قبل أن تبدأ حياتها الجديدة.

دار فارس ببطء نحو السيارة، وصعد بجانب حبيبه، حاوط منكبها بحنان وسحبها الي صدره بحنو ، كأن قلبه يريد حمايتها من كل شيء، وهمس في أذنها بصوت مبحوح بالحب والعبث: هتبكي وانتي في حضني يا حبة جلبي.

هزت رأسها بالنفي، ودموعها تتلألأ في عينيها، وغمغمت بخفة: أمي وچدتي وكلهم… هيوحشوني.

ابتسم فارس بابتسامة تغلفها الحنان والعبث، وهمس بهدوء: وأنا موحشكيش.

أومات برأسها بخجل، وهمست: وحشتني.
اقترب منها أكثر، قبل رأسها برقة، ثم جانب شفتيها بحنو وعشق، وغمغم: وانتي وحشاني موت… أنا هموت من كتر ما وحشاني… يا حبة جلبي.

عضت حبيبه شفتيها بخجل وهمست بصوت خافت: فارس… اتلم شويه… الناس حوالينا.

ضحك فارس بمرح وعبث، وأشار إلى بدر الذي يقف  بجانب السياره ، وأوما بدر برأسه قائلاً: هنتحركوا… اهو كله طلع في العربيات.

أومأ فارس برأسه، وانطلقت السيارة، تليها بقية السيارات في زفة ضخمة لم يشهد لها مثيل من قبل، أسطول من السيارات يحيط بسيارة العروسين، وأمامهم رجال الأمن يقفون كالسدود الحامية.

أضاءت الأعيرة النارية سماء البلد كأنها نهار، بينما كان المزمار البلدي يهدر في الأرض، يعكس فرحة مختلطة بالتوتر، فرحة كبيرة تملأ القلوب بالدهشة والاحتفال، وفرحة أخرى مشوبة بالرهبة من كل خطر محتمل، ولكن مع كل ذلك، كان فارس وحبيبه متوحدين في قلب واحد، وكأن العالم كله اختزل في هذه اللحظة.

 دلفت السيارات إلى حديقة سرايا الانصاري، اصطفت كأنها أسطول من الفرح يلمع تحت أضواء القناديل والزينة، وانفتح الطريق أمام الأعيرة النارية التي تشق الهواء بصخب، والمزمار البلدي يدوي في الأرجاء، والفرحة تملأ المكان….

انتشرت قوات الأمن حول الحديقة، ورجال آل الانصاري والعزيزي يحملون السلاح، يقفون كالسدود لحماية الغاليين، بينما القلوب تخفق بين الفرح والخوف في آن واحد.

اقترب سند من سيارة فارس، نظراته حادة، عينيه تكتنفهما الحذر والحسم، ثم فتح الباب. ترجل فارس، دار حول السيارة وفتح الباب الآخر، وهتف بصوت ممتلئ بالحب والفرح: يلا يا جلبي… نورتي بيتك.

مدت حبيبه يدها الباردة كالثلج، وترجلت بصعوبة من فستانها الأبيض الضخم، الذي يشبه الحلم نفسه، ساعدها فارس وأمير بحنان على حمل الفستان حتى استقرت قدماها على الأرض….

ابتسم فارس وهمس بصوت أجش يقطر شوق: الفستان كدك خمس مرات يا حبة جلبي.

أومات حبيبه برأسها، وغمغمت بخجل ودموع تتلألأ على وجنتيها: اخترته… كبير جوي… معرفش أمشي.

انحنى فارس، حملها بين ذراعيه، وهتف بصوت دافئ مبحوح يختلط فيه الحنين والشوق: لأجل ما أشيلك يا حبيبي.

شهقت حبيبه بخجل، تمسكت بعنقه، وامتزج قلبها بقلبه، بينما تحرك بها فارس نحو الداخل، والرصاص في الهواء يصنع جدار من صوت وصخب يذكر بالليلة الكبيرة، والقلوب تخفق بين الفرح والخوف…

توقف عند الباب، حيث كانت وهيبه وفاطمه، تحمل كوب من الحليب، وعيناهما تلمعان بالدموع المختلطة بالسعادة والخوف على افلاذ اكبادهم..

بابتسامة مرتجفة، وبصوت مبحوح يقطر الحنان، هتفت وهيبه: مبروك يا حبايبي… ربنا يبعد عنكم الشر ويبيض ليلتكم.

أنزل فارس حبيبه من بين ذراعي بحنو يبكي الجماد . وضم والدته، بحنان، وقبل رأسها، وهمس: الله يبارك، يما… متجلجيش… خير يما.

ربتت وهيبه على صدره، وهمست بحنان: خير يا ولدي…
ثم ضمت حبيبه بحنان شديد، وقالت بصوت خافت: مبروك يا عروسة الغالي.

ربتت حبيبه على منكب والدتها، وهمست بخجل وامتنان: الله يبارك فيكي، يما.

مدت وهيبه كوب الحليب إلى فارس، وقالت: اشرب يا حبيبي… ربنا يچعل ليلتكم بيضا كي الحليب.

ارتشف فارس نصف الكوب، ثم مده إلى حبيبه وهمس بحنو: اشربي يا حتة النور.

ارتشفت حبيبه القليل، وهمست بخفة وحرج: مجدرش… يا غالي… كفايه.

أومأ فارس برأسه، أعاد الكوب إلى والدته، ثم رفع حبيبه بين ذراعيه من جديد، وتحرك بخطوات سريعة نحو الدرج، وسط الزغاريد، الدعاء لهم بالسعادة، والأعيرة النارية التي تنير السماء، والقلوب التي تخفق فرح، وخوف، وحنين… بينما كل نظرة بينهما كانت كأنها تقول: معًا… مهما طال الطريق… لا شيء يستطيع أن يفرقنا.

وصل فارس إلى باب جناحه، فتحه بقدمه ودلف بهدوء، وأغلقه خلفه بنفس الحركة، كأنما يحاصر العالم كله خارجًا…

تحرك نحو غرفة النوم الرئيسة، التي كانت مزينة بالورود الحمراء والأضواء الناعمة التي ترقص بظلالها على الجدران، فغمرت الغرفة أجواء ساحرة ممزوجة بالدفء والرهبة…

أنزل حبيبه في وسط السرير المزان بالورود، وجلس أمامها، تتأمل عينيه عينيه باهتمام مشوب بشغف وهوس، كأنها قطعة من نور سقطت من السماء، تشرق به كل شيء من حوله…

مد يده برفق، رفع طرحتها الشفافة عن رأسها، وتأمل ملامحها بعينين مشتعلة بنار العشق الذي احترق به منذ زمن، وهمس بصوت أجش متحشرج: عروستي… ومرتي…

بلعت حبيبه لعابها بتوتر وخجل، وفركت يديها المرتجفتين، بينما فارس يحدق في يديها، ويلمس ارتجافها، ويتمتم بخفوت: خايفة…

أومات حبيبه برأسها بخجل، قبضت على فستانها الأبيض حتى ابيضت مفاصل يدها من شدته…

بلل فارس شفته وهو يشعر بجفاف حلقه بفعل النار المكبوته داخله ، اقترب منها، لكنه تجمد عندما لمعت الزجاجه في عينيه التي اعطتها له فينوار، توقف فجاء، متذكر كلماتها الحازمة في التحذير…

تراجع رغماً عنه، والله وحده يعلم القوة التي استجمعها ليبعد نفسه عن كل ما يغريه…

وضع يده على يدها، ضغطها برفق عاشق، وهمس بصوت متحشرج من الأعماق: إيه رأيك لو تغيري الفستان بحاچة مريحة؟

نظرت له بدهشة وهمست بصوت مرتجف: أغير… أغير… وين؟
أشار إلى غرفة الملابس، وقال بهدوء حنون: هنه… كل حاچتك چوه…

أومات حبيبه برأسها، وحاولت النهوض، فنهض فارس معها، حمل لها الفستان برفق، وتحرك معها برفق نحو غرفة الملابس،

نظر لها فارس بعيون مشتعله بنار حارقه، وغمغم : تحبي اساعدك يا جلبي؟!

هزت راسها بحسم ،وخجل حاد ، وسحبت الباب أغلقته خلفها، ليبقى فارس واقفًا أمام الباب، يتنفس بصعوبة، وكأن كل لحظة انتظار تقيس مدى شغفه وشوقه….

تراجع خطوة للخلف، نزع سترته والقي بها على طرف السرير، وكأن الغرفة كما لو كانت مستعدة ليحتضنها فيها، بكل ما فيها من دفء، نور، وعشق صامت يختلط بالتوتر والرهبة.

اقترب فارس من الكامودينو، عينيه تتقدان بحسم، وروحه مثقلة بالمسؤولية، كأن كل لحظة تفصل بينه وبين مصير مجهول…

أمسك الزجاجة التي تحتوي التعويذة، وعيناه لا تفارقان محتواها الغامض، ذلك السائل الأحمر الداكن الذي بدا وكأنه يحمل في طياته نار من عالم آخر…

وضع سلاحه بجانب الزجاجة، تحسبًا لكل ما قد يحدث، ثم التقط الزجاجة بيده كمن يلتقط مصيره بطيبة قلب وعزم صامت، وفتح الغطاء، ونظر إلى السائل كما لو كان يحدق في عينيه المجهول.

ارتشف ما في الزجاجة دون تردد، دون أي تفكير سوى عشقه لحبيبه ووفائه له، كمن يقدم روحه قربان لمن يحب، وكأن قلبه يعلم أن الثمن غالي، لكنه مستعد لدفعه.

ارتج صدره على الفور، شعور غريب يعتصره، كأن نار من الداخل تشتعل في أوصاله، أوردته تتوهج بلهب ناري يتسرب في عروقه ويخترق كل خلية من جسده…

أغمض فارس عينيه، وتمسك بطرف السرير، وكأن الأرض نفسها تتلاشى تحته، وجسده يتصلب، يشتعل، يصرخ صمتًا، كأنه على حافة الانفجار، وكأن التعويذة تحاول احتوائه، تغيير كيانه، تحريف كل ما يعرفه عن نفسه.

لحظات عصيبة مرت، كل ثانية منها ثقيلة كألف عام، حتى استقر جسده أخيرًا، ولكن لم يعد كما كان…

بدا وكأن جزءًا من التعويذة قد اندمج فيه، كأن جسده وكيانه امتصا السحر، فأصبح أكثر صلابة وغموض، أشد قوة، لكنه أيضًا يحمل في طياته رهبة غامضة، شعور بأن العالم من حوله أصبح أقل أمان وأكثر وحشية.

فتح فارس عينيه، وهما تلمعان ببريق جديد، بلمسة من الرهبة والغموض الذي لم يكن يعرفه من قبل، كأن روحه قد احتوت شيئًا أكبر منه، شيء لم يخلق للبشر، شيء سيغيره إلى الأبد، وسيصبح حاضر في كل خطوة يخطوها، وكل قرار يتخذه.

في الأسفل،

دوت كلمات فينوار في رأس رماح، حادة لا تقبل الجدال ولا التردد:دلوق يا رماح، وجت الحساب.

أومأ رماح برأسه، كمن غيب عنه الوعي، أسودت عيناه، وكأن القدرة قد سلبت منه عن أي شعور أو خيار، إلا تنفيذ ما أمرت به فينوار….

نهض بخطوات ثقيلة، كل خطوة تخطوها أقدامه كأنها تدق طبول مصيره، والفرح في السرايا يزداد أوجا خلفه، لكنه بدأ يبتعد شيئًا فشيئًا، حتى اختفت معالم القرية، وحل الجبل الغربي محلها، والظلام يلف المكان كثوب ثقيل.

وقف رماح أمام الكهف الملعون، صمت يخنق الصدر، والليل يشتد من حوله، والظلال تحوم فوق رأسه، كأنها تحرس بوابة لعالم آخر، عالم لا يرحم…

ظهرت فينوار فجأة أمامه، كظل من العدم، وأشارت له برأسها نحو الكهف، ثم غمغمت بصوت حاد، يصفع كل شعور بالأمان : هنه بدأت اللعنة.

رفع رماح رأسه، صوته خشن وحازم، يحمل غضب مختلط بالتحدي:وهنه هتتكسر.

مسكت فينوار يده، تشابكت أصابعهما، وتحركوا معًا نحو الكهف، وسط ظلام دامس، حيث الظلال تلتف حولهم كأنها كائنات تراقب خطواتهم، وكل خطوة تقربهم أكثر من لعنه مظلمة، لم تخلق لأحد أن يراها بسلام.

في جناح فارس،

حيث يغلف الهواء رائحة العود الثقيلة الممزوجة بلهفه الانتظار الطويل،

خرجت حبيبة من غرفه الملابس كأنها حوريه من حرير أبيض شفاف… المنامة تلتصق بجسدها كالجلد الثاني، ترسم خطوط ثدييها الممتلئين وخصرها النحيل بلا رحمة،

وشعرها الأسود المموج الطويل ينسدل على ظهرها كشلال ليلي يغري بالغرق فيه.

نهض فارس من على حافة السرير كالوحش الذي استيقظ من سباته الأخير….

نزع قميصه بعنف واحد، عضلات صدره وذراعيه تتقلص تحت الضوء الخافت، وعيناه  تلك العينان السوداء الملتهبه تلتهمانها من رأسها إلى أخمص قدميها…

ابتلع لعابه بصعوبة، صوت بلعه يتردد في الصمت كإعلان حرب… رمى القميص جانباً واقترب بخطوات ثقيلة، يداه تمتدان كالمخالب لتحيطا بخصرها الناعم، يجذبها نحوه بعنف رقيق حتى التصق جسداهما.
شهقت حبيبة بخجل ممزوج برعشة، وهمست بصوت مرتجف:فارس…

انحنى عليها، رفع ذقنها بأصابعه الخشنة،

تأمل وجهها بعشق يقترب من الجنون الهستيري…

عيناه تشتعلان، شفتاه ترتجفان من شدة الرغبة المكبوتة… غمغم بصوت مبحوح : فارس هيموت عليكي… معدش فيا حيل أستحمل أكتر.

ابتلع لعابه مرة أخرى بصوت مسموع، ثم اقترب من أذنها حتى شعرت بحرارة نفسه تحرق جلدها، وهمس بصوت أجش، مبحوح، يقطر شهوة حارقة: بس جبل أي حاچة واعية… الطبنچة اللي على الكومودينو.

نظرت حبيبة نحو الكومودينو بدهشة، ثم إليه بعينين متسعتين، صوتها يتهدج: مالها يا غالي؟

أمسك وجهها بين كفيه الكبيرين، أصابعه تضغط قليلاً على وجنتيها، وهمس بحسم لا يقبل النقاش: أنا معرفش إيه اللي هيحصل بعد شوية… بس لو لجتيني، هضرك. اضربي بالطبنچة على طول.

شهقت بفزع حقيقي، واتسعت عيناها برعب،واهتز رأسها بالنفي بعنف: كيف؟! كيف أضربك بالنار؟ مستحيل!

فجأة قبض على عنقها من الخلف بقوة محسوبة، جذبها نحوه حتى التصق أنفاسهما، وغمغم بحدة:وجتها مش هكون فارس أصلاً… اسمعي الكلام يا حبيبة، متخربيش اللي بنعمله لينا شهور.

انهمرت دموعها صامتة، نظرت إليه بدهشة وألم، لكنه لم يعطها فرصة للرد…

هبط على شفتيها كالجائع الذي لم يذق طعاماً منذ أيام. قبلة عميقة، عنيفة، شفتاه تلتهمان شفتيها، لسانه يغزو فمها بعمق، يمتص روحها مع كل نفس…

تجمدت حبيبة بين ذراعيه لحظة، ثم حاولت دفعه بضعف، لكنه تراجع بها خطوة خطوة حتى أسقطها على السرير، وجسده الثقيل يهوي فوقها كجبل من نار…

يلتهم شفتيها بعنف أكبر، حتى شعر بطعم الدم الخفيف يختلط بلعابهم…

رفعت يدها تحاول دفعه، تهز رأسها بالنفي، لكنه مال برأسه مع رأسها، يرفض ترك شفتيها… همهم داخل فمها بصوت مبحوح مستمتع:أمممم…

أخيراً نزع شفتيه قليلاً، وهمس وهو يلهث: آآآف… شفايفك هتخوتني.

لكزته بخفة على صدره، أنفاسها متقطعة: هتموتني يا فارس… براحة.

التهم شفتيها المنتفخه بعينيه الملتهبه بجنون… مرر كفه على وجنتها بحنان مختلط بالوحشية، ثم غرز شفتيه في عنقها، يعض بشرتها الناعمة بنهم، يمتصها بقوة حتى ترك علامات حمراء تتفتح كزهور الدم…

ارتجف جسدها بعنف تحت ثقله، شعرت برجولته المنتصبة كالحديد الساخن علي المنامة الرقيقة، تحتك ببطنها بإصرار، كأنه يحرق جلدها.

فجأة… تغير كل شيء…كأن جليد القطب الشمالي انسكب في الغرفة دفعة واحدة….

برد قارس، صمت مخيف…ثم صرخ صوت مظلم، مجنون، يدوي من أعماق الفراغ.

تجمد فارس… قبض على صدره بقوة، ألم حاد يعتصر قلبه الأيسر كأن سيوف من جليد تخترقه….

نظر إلى حبيبة التي انكمشت بين ذراعيه، عيناها مليئتان رعباً، وهمست بصوت خافت مرتجف: في إيه يا فارس…؟

عض شفته حتى سال الدم، يحاول السيطرة على الألم الذي يمزقه، وغمغم بصوت متحشرج موجوع: متخافيش يا جلبي… بس متنسيش كلامي زي ما جلت لك.

فجأة، كأن روحها انطفأت… سقطت حبيبة بين ذراعيه فاقدة الوعي، جسدها يهتز برفق ثم يستسلم تماماً.

ضمها إليه بقوة حتى كاد يسحقها، وصرخ صرخة حادة ممزوجة بالألم والرعب والحب المدمر: حبيبة!!!

صارت الغرفة شاهدة على لحظة انهيار الرجل الذي كان على وشك أن يأكلها حية… والآن يحتضنها كأنها آخر ما تبقى له في هذا العالم.

تزلزلت الغرفة بعنف غير مسبوق، وكأن قوة مجهولة انهالت فجأة على كل ما فيها، ارتجت الأرض بعنف ، وتشققت الجدران بصراخ حاد ،

اهتزت الثريا في أعلاها، والأضواء ارتعشت حتى بدا كل شيء كأنه على وشك الانهيار….

صرخ فارس برعب ووجع، تمسك بحبيبه بشدة، وسحب الغطاء عن جسدها بصعوبة، وهو يصرخ من الألم، بينما خباء جسدها أسفل القماش، ضعيفه وهشه بين يديه.

فجأة ظهر ظلاك ، يكتسي دخان أسود كثيف يحيط به كأنه ظل من الظلام المطلق، وهدر بصوت يخترق العظام:
هتغطيها؟!… إنت كيف غبي كده!

نظر له فارس بعينين مشتعلة بالغضب، وجسده يرتجف ألم ووجع، وهدر بصوت يقترب من الصراخ: مش هتمس منيها… شعره!

ضحك ظلاك ضحكة جعلت الظلال ترتجف حوله، وصوت ضحكه يختلط بصهيل الريح المظلم: أنا مش همسها… إنت اللي هتجتلها بيدك!

انشق الهواء فجأة، حلقة من النار دارت حول الغرفة، وزلزلت الأرض كما لو أنها انفجرت من الداخل، وظهر قرماس، قوته عاتية، حضوره وحده كفيل بتمزيق كل شيء…

تجمد ظلاك بغضب شديد، وهدر بصوت يخرج من عمق الظلام:إنت… الحلجة المفجودة… وعشان أنك من الچن الأحمر، مجدرتش أجر أفكارك يا خاين!

استقام قرماس، رأسه عالي وعيناه تحترقان، صوته خشن وحاد كأنه صليل سيوف: سنين وانا مستني أوچهك يا ظلاك… كنت السبب في عبوديتي، والنهارده يوم الحساب ليك ولي أورمانتيس!

زاد الرعب، ارتجفت الظلال حولهما، وزائر الظلام هدر بصوت مرعب يهز أركان الغرفة: الملك أورمانتيس… يا عبد أورمانتيس!

صرخ قرماس بغضب يزلزل الأرض: أنا مش عبد أورمانتيس… أنا ملك الجن الأحمر، أبو الملتحم اللي في رحم فينوار… أنا صاحب المعچزة الأخيرة، اللي هتجضي على قوم الناراسين وملكهم!

كانت الغرفة كأنها مسرح للفوضى، نار وظلام، قوة تفوق البشر، كل شيء حول فارس وحبيبه يتقلب بين الرهبة والخطر، وكل نفس فيهما يختلط بالخوف والإثارة، وكأن الزمن نفسه توقف ليشهد صراع قوى لا يستهان بها.

في لحظة خاطفة، وقف قرماس بجانب فارس، يمد يده إليه بثقة لا تعرف التردد، وكأن مصير العالم كله معلق في تلك اللحظة…

مد فارس يده، وتمسك بكف قرماس المشتعل بالنار، وفجأة اندمجت روحه مع روح قرماس، وكأن جسده أصبح مجرد وعاء فارغ، سقط بلا روح على السرير، ساكن كجثة باردة.

تضخم جسد قرماس فجأة، قوة تفوق الوصف تتدفق منه كأن السماء نفسها خضعت لعنفه، اشتعلت النار في عروقه وأوردته، واندفع نحو ظلاك بسرعة تفوق قدرة البشر على الإحساس، قبض على عنقه في قبضة من نار وجحيم، وذابا معًا في الهواء،

كأن الكون كله يشتعل حولهما، وكل شيء حول فارس وحبيبه أصبح مجرد ضباب من الظلام والنار، صراع قوى لا يضاهى، لا يدركه إلا من وقف على حافة الجنون

وفجأة، خيم السكون على المكان كأنه لحظة موت صامتة، صمت يقطعه الرعب ذاته، وعادت حبيبه إلى وعيها ببطء، فتحت عينيها الواسعتين المملوءتين بالذهول والخوف، تتفحص الغرفة المتيبسة حولها، وكل شيء ساكن كأن الزمن نفسه تجمد.

نظرت حولها بذهول فوجدت فارس ملقى بلا وعي، جسده بارداً كأن الموت لم يترك له نفس واحد…

اندفعت نحو متعثرة، وقلبها يرتجف في صدرها كأنه سينفجر من الهلع، ومدت يديها المرتجفتين لتضم جسده إلى صدرها، محاولة أن تشعر بدفئه، بأي علامة على الحياة.

صرخت بصوت يشق المكان، يمزق أحبالها الصوتية، يصعد بالفزع إلى عنان السماء: فااااااارس! حبيبي! جوم… جوم يا فارس!

غاصت بحضنه بكل ما في صدرها من حنان وخوف، ضغطت جسده بقوة على صدرها، كأنها تحاول أن تمنع روحه من الانصراف عن هذا العالم، ودموعها تنهمر بلا توقف، تبلل وجهها ، وتغلف صرخاتها صدى الغرفة المهجورة بالسكون الرهيب.

جسدها كله ارتجف، وعينها تبحث في ملامحه عن أي علامة للحياة، أي نبضة قلب، أي نفس، وقلبها يكاد يتوقف من الهلع، وصرخت صرخة مدوية، زلزلت الجبال حزنا : فااااااااارس!امانه جوم… امانه متعملش فيا كده يا حبيبي.. فاااااااااارس يا عمري …

اندفع الجميع نحو الغرفة، أجسادهم تتجمد من الفزع، وعيونهم تتسع، لا أحد يجرؤ على الاقتراب من المشهد، وكأن الموت نفسه انتشر في الهواء، يحيط بكل شيء، ويبتلع أي شعور بالأمان.

ساحره القلم ساره احمد

4.1 387 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
517 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
Nedaa
Nedaa
11 أيام

تسلم الايادي من قبل ما اقرا اكيد تحفة❤️❤️

Yomna
Yomna
11 أيام
ردّ على  Nedaa

تسلمي يا قمر ❤️

ضيف
ضيف
11 أيام

تسلم ايدك يا قمر تحفه اووي بجد ♥️♥️

Yomna
Yomna
11 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ❤️

Sama
Sama
11 أيام

اكيد تحفه ي قلبي ♥️♥️ تسلم ايدك 🥰🥰🥰

Yomna
Yomna
11 أيام
ردّ على  Sama

تسلمي يا حبيبتي ♥️

Imen kraoua
Imen kraoua
11 أيام

تسلم ايديكي يا سارة أكيد عظمة من قبل ما أقرأ 🔥🔥♥️♥️

Yomna
Yomna
11 أيام
ردّ على  Imen kraoua

تسلمي يا حبيبتي ♥️

ضيف
ضيف
11 أيام

تسلم ايدك يا قمر خطير❤️❤️❤️❤️😍

Yomna
Yomna
11 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ❤️

ضيف
ضيف
11 أيام

والله العظيم والله العظيم انا بحبك حب انتي و التيم بتاعك جدا بس والله انا بحترمكم جدا و صراحه انتو عندكم حق و كامل الحق انتي بتكتبي روايات روعه جدا بس انا والله بتفاعل علي قد ما اقدر و يعني اكيد البارت يجنن زي صحبته بجد و شكرا لمجهودك انتي و التيم كله و كامل الشكر بجد و بالتوفيق

Yomna
Yomna
11 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا حبيبتي واحنا كمان بنحبك تسلمي لزووقك وكلامك التحفة ده❤️❤️❤️

ضيف
ضيف
10 أيام
ردّ على  ضيف

مواعيد الرواية امتي؟؟

Mero❤️
Mero❤️
11 أيام

تسلم ايدك اكيد روعة من قبل مااقرأ❤️

Yomna
Yomna
11 أيام
ردّ على  Mero❤️

تسلمي يا قمر ❤️

ضيف
ضيف
11 أيام

تسلم الايادي بجد من قبل ما اقرا

Yomna
Yomna
11 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ❤️

ضيف
ضيف
11 أيام

تسلم الايادي تحفه

Yomna
Yomna
11 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا حبيبتي ♥️

Samar
Samar
11 أيام

تسلمي ي سو ♥️

Yomna
Yomna
11 أيام
ردّ على  Samar

تسلمي يا حبيبتي ♥️

ضيف
ضيف
11 أيام

زي القمر تسلمي يا أجمل ساره

Yomna
Yomna
11 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ♥️

ضيف
ضيف
11 أيام

تسلم ايدك على البارت تحفه بجد

Yomna
Yomna
11 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا حبيبتي ♥️

noran
noran
11 أيام

تحفة بجد تسلم ايدك يا قمر ❤️

Yomna
Yomna
11 أيام
ردّ على  noran

تسلمي يا حبيبتي ♥️

ضيف
ضيف
11 أيام

مش حرام نتحرم من الابداع ده عشان التفاعل

Yomna
Yomna
11 أيام
ردّ على  ضيف

حرام والله بس ياريت يقدرووو ويتفاعلو♥️

اسماء
اسماء
11 أيام

روعة

Yomna
Yomna
11 أيام
ردّ على  اسماء

تسلمي يا حبيبتي ♥️

ضيف
ضيف
11 أيام

اخيرا هتبدا تتفك. اللعنة

Yomna
Yomna
11 أيام
ردّ على  ضيف

اخيرااا ♥️🙈

Rody galal
Rody galal
11 أيام

تسلم ايدك

Yomna
Yomna
11 أيام
ردّ على  Rody galal

تسلمي يا حبيبتي ♥️

ضيف
ضيف
11 أيام

البارت حلو اووووى
خطييييير

Yomna
Yomna
11 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا حبيبتي ♥️

ضيف
ضيف
11 أيام

تحفه تحفه تحفه متحمسه للجديد من دلوقتي💃💃💃👏👏👏👏👏👏👏👏

Yomna
Yomna
11 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا حبيبتي ♥️

ضيف
ضيف
11 أيام

حقيقي كل مرة نقول مش هنتفاجه
بس كل مرة التشويق واحنا بنقرا فوق الوصف
ابدعتي يا ساحرة القلم

Yomna
Yomna
11 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ♥️

اسراء
اسراء
11 أيام

تسلم ايدك ياقلبي

Yomna
Yomna
11 أيام
ردّ على  اسراء

تسلمي يا حبيبتي ♥️

مريم مسعد
مريم مسعد
11 أيام

تحفففففففففه 🌹🌹

Yomna
Yomna
11 أيام
ردّ على  مريم مسعد

تسلمي يا حبيبتي ♥️

مريم مسعد
مريم مسعد
11 أيام

تسلم ايدك ياقلبي

Yomna
Yomna
11 أيام
ردّ على  مريم مسعد

تسلمي يا حبيبتي ♥️

LoLo👍👍👍
LoLo👍👍👍
11 أيام

تسلم ايدك رووووووعه بجد تحففه ❤️ ♥️ ❤️ ♥️ ♥️ ♥️ ♥️ ♥️ ♥️ ♥️ ♥️ ♥️ ♥️ ♥️ ♥️ ♥️ ♥️ ♥️ ♥️ ♥️ ♥️

Yomna
Yomna
11 أيام
ردّ على  LoLo👍👍👍

تسلمي يا قمر ❤️

ضيف
ضيف
11 أيام

🤩🤩🤩

Yomna
Yomna
11 أيام
ردّ على  ضيف

♥️♥️♥️

ضيف
ضيف
11 أيام

تحفههه تسلم ايدك

Yomna
Yomna
11 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا حبيبتي ♥️

ضيف
ضيف
11 أيام

تسلم ايدك حبيبتي،♥️

Yomna
Yomna
11 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا حبيبتي ♥️

هبه
هبه
11 أيام

تحفه والله

Yomna
Yomna
11 أيام
ردّ على  هبه

تسلمي يا حبيبتي ♥️

Malak
Malak
11 أيام

تسلم ايدك حبيبتي

Yomna
Yomna
11 أيام
ردّ على  Malak

تسلمي يا س03بيبتي

nw281920@gmail.com
nw281920@gmail.com
11 أيام

تسلم ايدك ياقلبي

Yomna
Yomna
11 أيام
ردّ على  nw281920@gmail.com

تسلمي يا قمر ❤️

Rana
Rana
11 أيام

تحفهههههههه

Yomna
Yomna
11 أيام
ردّ على  Rana

يارب ديما ي حبيبتي

Last edited 11 أيام by Yomna
nw281920@gmail.com
nw281920@gmail.com
11 أيام

تسلمي ياقمر

Yomna
Yomna
11 أيام
ردّ على  nw281920@gmail.com

تسلمي يا قمر ❤️

ضيف
ضيف
11 أيام

تسلم ايدك ياعسليه البارت جميل اووى
بجد انا بحبك اووى انتى والتيم بتاعك
💗💗💗💗💗💗💗💗💗💗

Yomna
Yomna
11 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ❤️
تسلمي علي كلامك الجميل ده ♥️

انين
انين
11 أيام

روعه تسلم ايدك

ام ادم
ام ادم
11 أيام

تسلم ايدك

عاشقه روايات ساره احمد
عاشقه روايات ساره احمد
11 أيام

بجد البارت مؤثر اووى اوى

ضيف
ضيف
11 أيام

ابدااااااااع تحفه بجد 😍😍

ضيف
ضيف
11 أيام

جميل

ضيف
ضيف
11 أيام

تحفة بجد😭♥️♥️♥️

nadda
nadda
11 أيام

فوق الوصف والله

nadda
nadda
11 أيام

قفلت البارت تموتت

ضيف
ضيف
11 أيام

تسلم ايدك ❤️❤️

samer yehia
samer yehia
11 أيام

رائعة

ضيف
ضيف
11 أيام

انتي بجد عظيييييييمه ايه الجمال ده

Rana
Rana
11 أيام

تسلم الأيادي بجد

شروق ربيع
شروق ربيع
11 أيام

تسلم ايدك يا قلبي البارت جميل كالعادة

Hanaa
Hanaa
11 أيام

الا الغالي يا ساره

توته
توته
11 أيام

كل مره بتوه من حلاوة الفصل شابوه بجد ليكى

جيرمو
جيرمو
11 أيام

ده بارت عظيم

مروة البحيرى
مروة البحيرى
11 أيام

البارت جميل ♥️ تسلم ايديكي ياقمر ♥️❤️

Yomna
Yomna
11 أيام

تسلمي يا قمر

Last edited 11 أيام by Yomna