عشق ملعون بالدم (الفصل الخامس عشرر)
لا أعرفُ كيف أُحدِّدُ موضعَ الوجعِ فيَّ،
فالوجعُ ليس في الجسدِ، بل في الروحِ،
ولستُ أدري أين تقيمُ الروحُ،
أهي في القلبِ؟ أم في العينينِ؟ أم في تلك الظلمةِ التي تُحيطُ بي من الداخل؟
ثم أدركتُ: إنها كلي، وأنا هي،
فأنا الذي يُوجِعُني، وأنا الذي يُعذِّبُني،
أنا السكينُ والجرحُ، والدمعُ والصرخةُ المكبوتة.
لا أحدَ يفهمُ كيف نضحكُ وشظايا القلوبِ تتساقطُ من أعماقنا،
كيف نرسمُ ابتسامةً على وجوهنا ونحن ننزفُ من الداخل نزيفًا لا يُرى،
كم من شعورٍ نحاربهُ كلَّ ليلةٍ لكي نستيقظَ في الصباحِ أحياءً،
نقاومُ الانهيارَ، نقاومُ الصراخَ، نقاومُ أن نرتمي على الأرضِ ونقولَ: كفى.
لحقه الباقون مذعورين، يهرعون خلفه كأنهم يطاردون شررًا يتطاير من صخرة مشتعلة. كان صوت سند يجلجل في الممر الحجري، يلهث وهو يركض خلف فارس:
استني يا غالي! بلاش جرس وفضايح يا أخوي!
لكن فارس كان خارج حدود السمع… وخارج حدود التعقل…. الليل فوق الجبل تمدد كثيف، كأنه يراقب غضبه الذي يكاد يتحول إلى عاصفة دم، بينما الريح تعصف بالتراب والأغصان وكأنها تفسح الطريق لشيء سيقع.
اندفع فارس نحو سيارته بلا وعي، فتح الباب بقوة كأن الحديد أهان كرامته، وقفز خلف المقود…
مع أول ضغطة على دواسة البنزين اهتز الجبل كله تحت عجلات السيارة، وانطلقت في المنحدر الحجري بسرعة جنونية.
ارتجفت السيارة ،وهي تنزلق، تتمايل، وكادت في لحظة أن تنقلب به… لكنه لم ير شيئًا.
لا الطريق….ولا الخطر….ولا الجبل الذي يكاد يبتلعه.
كان يرى فقط الغضب… يتقافز أمام عينيه كوحش أسود يسوقه إلى الهاوية.
انطلقوا خلفه كأن الجبل كله اشتعل تحت أقدامهم…
صعد الجميع إلى السيارة، وانطلقت عجلاتها تلتهم الطريق الوعر، تهتز بين الحفر والصخور، والقلق ينهش صدورهم نهشا.
ضرب سند مقود السيارة بكفه وهدر، وصوته يتهشم بين الخوف والغضب: يا أبوي… متى اتخوت يا غالي كده؟!
ضغط بدر على المقعد أمامه كأنه يدفع السيارة بيديه، وهو ينظر إلى أضواء سيارة فارس التي تتراقص على حافة المنحدر، وكأنها على وشك أن تنقلب في أي لحظة. وهدر بعنف: بسرعه يا سند! هيتجلب المخوت ديه!
شد سند على المقود حتى ابيضت مفاصله وزاد السرعة، بينما السيارات تتمايل يمينًا ويسارًا فوق الطريق الجبلي القاتل.
من الخلف، صرخ أمير بذعر صادق وهو يتشبث بالمقعد: هتموتونا يا ولد الانصاري! براحه يا حبيبي!
التفت ادهم إليه بعيون مشتعلة وهادر كأنه يصب الزيت على النار:عارف لو مسكتش؟ هخلي ليلتك طين! مش أبوك السبب؟ رايح يرمي البِت لموسى الجلف ديه … ده عيل معفن!
أومأ أمير بنزق وعيناه ملتصقتان بالسيارة التي تطير أمامهم: الله يجطعكم كلكم… اهو الغالي هيموته… ونرتاح!
ارتفع صوت المحرك، والليل يفتح فمه كهاوية ينتظر سقوط أحدهم… بينما سيارة فارس تقترب من الحافة أكثر فأكثر.
أمام سرايا العزيزي،
كان الليل يتشبث بسكونه… لكن دخول فارس حطم ذلك السكون كما تتحطم صخرة تحت مطرقة غضب….
توقفت سيارته بعشوائية، صرير الفرامل يشق الهواء كصرخة مخلوق جريح، وترجل منها بخطوات ملتهبة، خطوات رجل لم يعد يملك غير نار تحرقه وتحرق طريقه معه…
اندفع عبر الحديقة، وكل خطوة منه كأنها طعنة في صدر الأرض… حتى وصل أمام فوزي وعساف.
توقف أمامهما، كتفاه مشدودتان كقوس يتهيأ للانفجار، وخرج صوته كحد السيف: عم فوزي… أنا چاي اطلب يد حبيبه بتك… وهشيلها في عيني.
نهض فوزي وعساف بذهول فاجأهما، وكأن العاصفة التي اقتحمت الحديقة اتخذت شكل فارس.
قال فوزي مندهشًا: فارس؟
أومأ فارس، وملامحه تصرخ بما لا يقوله لسانه، وصوته يقطر احتراقًا: أيوه يا عمي… جولت إيه؟ أنا رايد بتك في الحلال… وعهد الله… هعيشها ملكه.
اقترب عساف، يحاول إطفاء النار بيده المرتعشة، وربت على منكب فارس: طب اهدي يا اخوي… مالك شايط كده؟
لكن فارس هز رأسه كمن يرفض النجاة، والغضب يطل من عينيه كوحش محرر: مچيش أضيف يا عساف… أنا چاي اطلب حبيبه… ومش هچعد غير لما أسمع رد أبوك.
رفع فوزي رأسه، واشتعل في عينيه غضب لا يقل عن غضب فارس، ثم هتف بحدة تقصم الظهر: بدك بتي ليه يا ولد الانصاري؟ لأجل ما تميل بختها؟
ابتلع فارس غصته وكأنها جمر حارق انحدر في حلقه، ثم قال بصوت مشتعل يختلط فيه الحب بالغصة والنزف:
أنا أميل بختها يا عم فوزي؟ دانا بعشجها… وافديها بعمري.
ضرب فوزي الأرض بعكازه بقوة اهتزت لها الحديقة، وارتفع صوته كالبرق: اتحشم يا ولد! متى كنا وشنا مكشوفه أكده؟!
ارتج الليل… وكأن الجبل نفسه حبس أنفاسه ينتظر الانفجار القادم..
انفجرت الساحة أمام سرايا العزيزي بصخب يشبه ارتطام صاعقة في قلب الجبل…
توقفت سيارة سند بعنف، وترجل الجميع يجرون كأن النار تطارد خطاهم…
هرعوا إلى الداخل حتى وقفوا بجوار فارس، والهواء حولهم يضج بالتوتر.
هتف أمير، وهو يلهث وتمسك بذراع أبيه كمن يحاول كبح زلزال: ابوي… استهدي بالله… فارس مكلمني على حبيبه من جبل موسى!
دار فوزي نحوهم، حاجباه معقودان بعنف فادح، وصوته يهدر كالرعد: هو بمين اللي طلب لأول؟! ولا اللي يناسب خيتك؟!
اشتعلت عيون فارس بنار تنذر بالدم، ورد بعنف يوشك أن يخلع الهواء من مكانه: المناسب… هو اللي عشجها ويتمناها من الدنيا!
ضرب فوزي الأرض بكلماته قبل عصاه، وهدر بحدة تمزق الروح: ولد عمها أولى… وأحسن! إنت روح… ربنا يِعترك في بت الحلال…بس بتي؟ عطيت فيها كلمتي لولد عمها!
تحرك فارس نحوه خطوة… خطوة ثقيلة، مليئة بوجع يوشك أن ينفجر… رفع يده بتحذير يلتمع فيه الجنون الممزوج بالعشق، ثم هدر بصوت يقطع الحجر: أنا أولى!
حبيبه… حتة مني… من يوم ما ربي خلجنا!
ومش هتكون لغيري!
اندفع فوزي بحدة أكبر، ودفعه في صدره دفعًا جافًا غاضبًا، وصوته خرج كالسكين : هملنا من إنك عيل سفيه!
و وشك مكشوف!.بس ليه أديك بتي في عيلتك الفجرِيه؟! ليه؟ مفكرني مستغني عن بتي إيـاك؟!
صرخ أمير بوجه أبيه، وغضبه ينفجر لأول مرة: إيه اللي هتجوله ديه يا ابوي؟! ميصحش كده!
التفت فوزي إليه ببرود موجوع وقال : ملكش صالح انت!! لأجل ما صاحبك ترمي ليه خيتك!!
كان فارس في تلك اللحظة كرجل انكسرت ضلوعه من الداخل…
نظر لفوزي… نظرة عاشق ينهار أمامه الكون، وصوته خرج مبحوح، نازف، يفتت الروح قبل القلب: هتچوزها…
وأخدها…وامشي بره العيله… والبلد.
جملة سقطت بينهم ثقيلة كحكم نهائي… كقرار لا عودة منه، وكأن الليل نفسه توقف عن التنفس…
دق فوزي بعكازه على الأرض الترابية دقة كأنها صاعقة تهوي من سماء غاضبة، واندفعت كلماته من بين شفتيه كجمر مشتعل: بردك انت وِلد الأنصاري… حتي لو بره البلد ولا بره العيلة. انسي بتي… ولو انت آخر راجل في الدنيا! بتي تحرم عليك… كيف محرمات ربنا؟
تساقطت الكلمات فوق صدر فارس كخناجر مسننة، تنفذ ولا ترحم، تشق داخله شق وتتركه يترنح في مكانه كمن تلقى ضربة لم يستعد لها.
استدار فوزي وانصرف، خطواته تضرب التراب بنار حارقة، وكأن كل خطوة تعلن حكمًا لا نقض له، وتزيد الهواء حولهم اشتعالًا وغضبًا.
هتف عساف، وصوته يعلو كالحد القاطع: يا أبوي استنى! الكلام اخد وعطي!
مسح أمير على وجهه بعنف يكاد يجرح ملامحه، وهتف بحدة لا تخلو من رجاء:يا أبوي استني! ميصحش كده!
كان المشهد كله يغلي… كأن الأرض نفسها تحبس أنفاسها بين رجال يشتعلون غضبًا، ومصير يتهدد بالانفجار في أي لحظة.
ربت سند على منكب شقيقه بلمسة تحمل شفقة وحرصا، وكأنه يحاول تهدئة نار تتأجج في صدره، وقال بصوت خافت يداوي ولا يجرح: استهدي بالله يا غالي… كله بأمره…ولو ليها نصيب على چبينك… محدش هيخدها غيرك.
أغمض أدهم عينيه بقهر ثقيل، ثم مد يده إلى فارس وربت على منكبه بدفء الأخ الذي يحاول أن يسند جبلًا يتصدع من الغضب: روج يا خوي… مرت حد ما يخدهاش حد… بأمر الله… حبيبة من نصيبك.
رفع فارس عينيه إليهما، وصدره يعلو ويهبط بأنفاس مكتومة، كوحش مقيد يحاول ألا ينفجر…
غمغم من بين فكيه كما يخرج الغضب من بئر مظلمة:
فهم أبوك يا أمير… بدل ما الدم هيبجى للركب… أنا مش باجي على حاچة… ويوم ما أغلب؟ سلاحي هو اللي هينطج.
زفر أمير بإنهاك يعري توتره، ومسح على جبينه كأنه يزيح ثقلا عن روحه، ثم قال بصوت متعب لا يزال يحمل رجولة القرار: روح يا غالي… أنا هتصرف.
ربت عساف على منكبه، ثم ضغط بحدة لا تخلو من التفهم، وهتف بصوت يشق التوتر: روح… مش هحاسبك على حدتك ديه… أنا عارف إنك غضبان.
نظر له فارس بحدة تشبه شررًا يوشك أن يتطاير، ثم استدار وانصرف بخطوات مشتعلة، كأن كل خطوة تشعل الأرض من تحته.
وسرعان ما تبعه الجميع… وكل منهم يدرك أن خلف تلك الخطوات نارًا لو تركت بلا عقل لأكلت الأخضر واليابس.
توقف فارس فجأة، كأن الأرض شدت قدميه بقوة الغضب المتفجر فيه،
وما إن رأى موسى يدلف إلى الحديقة حتى انطفأ آخر خيط من احتماله…
تقدم نحوه بخطوات تشبه زحف العاصفة، ووقف أمامه بلا كلمة ولا إنذار… فقط غضب صامت يسبق العاصفة.
قبض على ياقة جلباب موسى بعنف خاطف، وجذبه نحوه كأنه يخنق المسافة بينهما، ثم هوت ركبته على موضع حاسم من جسده بضربة قاتلة.
صرخ موسى صرخة محشوة بالألم: آاااه! ليه كده؟!
اندفع الجميع نحوهما في محاولة للسيطرة على الوحش المنفلت، وهدر سند وهو يحاول انتزاع فارس بقوة: همله يا غالي! هيموت في إيدك!
أمسك أدهم بذراع فارس من الخلف، يشده بكل ما أوتي من قوة، وهتف بصوت يختلط فيه الخوف بالغضب:
هتودي نفسك في داهية يا أخوي!
سقط موسى أرضًا متلويًا، وفارس يحاول دفعهم بعنف يشبه اندفاع النار من فوهة بركان….
في هذه اللحظة اندفع بدر، التقط موسى من الأرض وبلحظة غضب هادرة ضربه بجبهته على أنفه بقسوة، وهدر بحدة تكشف كل المكبوت داخله: ليه؟! مش عارف ليه يا علـ* ؟!
كاد موسى ينهار على الأرض، لكن فارس التقطه قبل سقوطه، لا رحمة بل ليكمل ما بدأه….
قبض على ملابسه ووجه إليه لكمة ارتج منها نصف وجهه، ثم هدر بصوت مخنوق بجمر يغلي: تبعِد عن حبيبة! وتدخل دلوق لعمك… وتجوله إني عيل وسخ… وعاودت في كلامي!
صرخ موسى من شدة الألم وسقط أرضًا، يتلوى بين الغبار، بينما يقف فارس فوقه… كأنه غضب مجسد، لا يهدّئه سوى حقه المسلوب.
سحب أمير وعساف وعماد فارس بقوة امتزجت فيها الرجولة بالخوف عليه، كأنهما يمسكان بذراع ذئبٍ جريح يخشى الجميع من انطلاقه…
شد أمير كتف فارس بعنف وهتف بصوت مبحوح من هول ما رأى: يا خوي مينفعش كده! همله… ميستهلش توسخ يدك!
كان صدر فارس يعلو ويهبط كمن يبحث عن هواء لا يجد فيه إلا نارًا….
عيناه تقدان الشرر، وجسده يرتجف بوحشية مكبوتة، كأنه على وشك أن ينفلت من قبضتهم ويعود ليمزق موسى إربًا.
ضغط عساف على ذراعه الأخرى، يحاول تهدئته ولو بالقوة، وهتف بصوت أقرب للرجاء لكنه مكسو بالحدة:
بس يا فارس… خلاص! كفاية علي روحك قبل ما تكون كفاية عليه!
ظل فارس يتنفس كوحش يوشك أن يثب، نظراته ما زالت مغروسة في موسى الملقى على التراب، بينما يداه ترتعشان من شدة ما بداخله… دم يغلي، وظلم يشعل قلبه، وحب لو فاته سيحرق الدنيا بمن فيها.
في الأعلى،
كانت السكينة في غرفة حبيبة تنزاح شيئًا فشيئًا تحت وطأة الأصوات المتضاربة التي اخترقت جدران الليل.
رمشت بعينيها بتثاقل، وقطبت حاجبيها وهي تستمع للجلبة تتصاعد من أسفل السرايا، ثم غمغمت بصوت مبحوح من أثر النوم: إيه ديه… عركة ولا إيه؟
نهضت متكاسلة، كأن جسدها أثقل من أن يحمل، وجرت قدميها نحو الشرفة بخطوات يغلب عليها القلق أكثر من الوعي….
وما إن أزاحت الستارة وانحنت قليلًا لتنظر، حتى اتسعت عيناها بذهول صادم… كأن الدنيا كلها انقلبت تحتها.
رأت الرجال يتدافعون، ويحسبون فارس كوحش هائج، وموسى يترنح على التراب، ووجوه الرجال كلها مشتعلة بنار لا تعرف لها سبب بعد..
بدأ قلبها يتخبط في صدرها بعنف… وكأن الإجابة على سؤالها جاءت في صورة فوضى تنذر بعاصفة أكبر ممّا تحتمله هذه الليلة.
اندفع موسى يزحف على التراب كمن يبحث عن نجاة لا وجود لها، يئن ويتلوى لكن هدر : أنا هوديك في داهيه! وحبيبه بت عمي ، وهتچوزها غصب عن شنبك ..
اعمي الغضب فارس لم يترك له حتى فرصة أن يلتقط أنفاسه.
ادفع كالقاذفه ،وانحنى فوقه كوحش أفلت من قيده، وغرس كفه في صدره قبل أن يقبض على ذراعه ويلويه بعنف عكسي، حتى دوى صوت العظم المنكسر ممزوج بصراخ موسى المتفجر من الألم، وصوته اخترق الحديقة كطعنة في ليل الجبل.
صرخ عساف بصوت مفجوع، يضرب الأرض بجلبابه وهو يندفع نحوهما: لا! همله يا فارس!
كان سند أسرع، قبض على كتفي فارس وسحبه من فوق موسى بصعوبة، كأنه يجر كتلة من النار. رفع صوته بغضبٍ جريح: ليه كده يا أخوي؟!
لكن فارس لم يكن يرى ولا يسمع… كان الغضب يتدفق في عروقه بدل الدم. حاول التملص من ذراعي سند، وهدر بصوت لا يعرف الرحمة: هملني يا سند! أنا هشرب من دمه… ولد الـ**** ديه عشان يحرم يبص لمرات فارس الأنصاري تاني؟!
هرع عماد وأدهم إليه، يمسكان بذراعيه كمن يمسك ببرق منفلت، يهتفان بنبرة تلهث من شدة الرعب: يا ولد عمي! مينفعش كده… كفاية جرس! يلا بينا!
وبين أنفاسهم المتسارعة، وصوت موسى يختنق بالألم على التراب، كان الليل يعرف أن ما حدث لن يترك هذا البيت كما كان… ولن يترك فارس كما كان.
ارتفع صوت الأرض تحت أقدامهم وكأنها تشهد على العنف الذي وقع، ورفع عساف رأسه بعد أن فحص موسى بعناية، وعيناه تملؤهما الدهشة والغضب معًا: دراعه… انكسر.
مسح أمير وجهه بعنف، وصرخ بصوت ملؤه العزم والقلق:
تعالى ناخده المستشفى!
خرج فوزي مسرعًا، صوته يملؤه الغضب والحيرة: فيه إيه يا ولد؟
حمل عساف موسى من الأرض بمساعدة أمير، وهتف مطمئنًا: مفيش يا أبوي… موسى ولد عمي اتزحلج في الطين.
هز موسى رأسه بصعوبة، وغمغم بصوت متألم: لالا…
أسرع أمير، كاتمًا فمه بيده، وهتف بنبرة مستعجلة: يلا يا أخوي… ولد عمك موچوع، هنوده البيت يا أبوي!
تحركوا نحو الخارج، والكل خلفهم، وفوزي واقف في مكانه، عيناه تملؤهما الدهشة والارتباك، لا يفقه ما الذي حلّ فجأة في هذا البيت.
وفي الأعلى، تراجعت حبيبة بذهول، واندفعت بسرعة نحو الدرج، قلبها ينبض بخوف وقلق، لتلحظ المشهد الذي ترك أثره في كل روح كانت شاهدة على العنف الذي اجتاح الحديقة.
ارتجف قلب حبيبة وهي تهبط الدرج بخطوات متسارعة، كل نبضة فيه تحمل توترها وقلقها،
حتى وجدت انعام وهند واقفتين عند الباب، عيونهما تلمع بالغضب والريبة. نظرت إليهما بدهشة، وهتفت بأنفاسها تلهث: ايه اللي بيحصل بره يا ما…؟
التفتت إليها انعام بغضب حاد، صوتها صارخًا كالصفير:
يعني مخبراش يا بت امك… ولد الانصاري چيه طلبك من أبوكي؟
رمشت حبيبة بعينيها، تحاول استيعاب الكلمات، لكنها لم تستطع إخفاء ابتسامتها التي شقت وجهها بفرحة مختلطة بالدهشة، وهتفت بجرأة: صح… يعني فارس خطبني!
ارتسمت الصدمة على وجهي انعام وهند، ممزوجة بالغضب، حتى جاء صوت فوزي من بعيد، غاضبًا خانقًا، يقطع الهواء: واترفض يا حبيبة!
تلاشت ابتسامة حبيبة دفعة واحدة، وامتلأت عيناها بالدموع، وهمسة بحزن ومرارة: ليه… طيب هو في كيف فارس في الدنيا يا أبوي؟
اقتربت هند منها، أمسكت يدها بلطف وهمسة في أذنها بصوت خافت: اهدي يا حبيبتي… أبوكي بده مصلحتك.
نظرت حبيبة إليها بحزن، ودموعها انزلقت على وجنتيها وهمسة بمرارة: كيف يعني…؟
ارتفع صوت فوزي حتى شق الهواء بعنف: موسي طلبك، وأنا أعطيته كلمتي! ولد عمل أولي بيكي، وولد الانصاري يبعد عننا بعيلته النحس ديه!
شهقت حبيبة، واتسعت عيناها بجنون، وصرخت بغضب وعناد: موسي مين ديه؟ ده حتي مكملش تعليمه، ودمه يلطش… وأنا مش بطيجه!
ثم التفتت إلى والدتها، عيناها تبحثان عن النجدة، كأنها تغرق في طوفان أسود قاتم، وصاحت بدموع: الحجيني يما…!
ارتفع التوتر في أجواء السرايا حتى صار الهواء نفسه ثقيلًا، كأن كل كلمة تلقى تشعل شرارة جديدة.
اقتربت انعام من فوزي، وربتت على منكبه بحذر، وصوتها ينساب خافتًا يحمل رجاء صادقًا: أمانه عليك يا فوزي… بلاها موسى ديه، البت كرهها.
رفع فوزي عينيه إليها ببطء، نظرة مشتعلة بغضب صلد، وهدر بصوت يشق الصمت: يعني بدك أعيطها لي ولد الانصاري الفجري ديه؟
هزت رأسها سريعًا، تلوح بيديها نافية: لا… ولا ديه كمان! هي لسه نصيبها ما چاش يا راچل.
لكن فوزي ثبت قدميه في الأرض، صلابته تشبه صخرة الجبل، وهتف بحسم لا يعرف التردد: لا! هو چيه… وموسى ما يتعيبش. ولد عمها، وهيشيلها على رأسه.
تقدمت حبيبة خطوة، وقلبها يطرق صدرها كطبول معركة، عيناها تشتعلان بدموع الغضب، وهتفت بصوت مهتز لكنه حاد كالسكين: يعني هتغصبوني؟! كيف أمير وريم؟
لا والله! دانا أولع في حالي… ولا أتچوز هباب البرك ديه!
يارب يموووت!
واندفع جسدها إلى أعلى السلم، دموعها تتطاير من خلفها كشرارات موجوعة، ولحقت بها هند بخطوات مضطربة.
أما إنعام، فالتفتت نحو فوزي، عتابها يغلي في صدرها، وهتفت بصوت مكسور لكنه غاضب: عاچبك كده؟ هتودر لي البت اللي حيلتي!
ثبت فوزي قدميه أكثر، وضرب الأرض بعكازه ضربة اهتز لها التراب، وانفجر صوته:ديه چلع بنته فاضي!
بعد الچواز هتحبه… ومتتحملش عليه ولا الهوا.
وبعدين احنا جدرنا علي الراچل اللي بشنبات… وهنچوزه على كيفنا!
مجصوفة الرچبة ديه… هتمشي حديتها عليا؟
أنهى جملته، واستدار بعنف، يضرب الأرض بعكازه في كل خطوة كأنه يفرغ غضبه في الارض… ويترك خلفه بيتا يرتجف بين نار القلب ونار القرار.
……..
كان الصباح في سرايا الأنصاري شاحب كوجه سهر الليل على خوف لا يعرف النوم…
الشمس تسربت من شبابيك البهو الواسع، لكنها لم تستطع أن تبدد ذلك الحزن الكثيف الذي يجثم على المكان.
جلست وهيبة في صدر البهو، يدها تستند إلى وجنتها، كتفها محني كأن الليل ما زال فوقه ثقلًا…
عينان متورمتان، وقلب يتخبط بين ندم وألم وخوف على ابن خرج بنصف روحه وظل النصف الآخر معلقًا في صدر حبيبته.
اقتربت فاطمة بخطوات هادئة، جلست جوارها وربتت على ركبتها، وصوتها مبحوح من كثرة التفكير: وبعدها لك يا خيتي… إنتي مدچتيش الزاد من عشيه.
فركت وهيبة كفها على ساقها بعصبية مأكولة بالقلق، وغمغمت بصوت متهدج: الغالي معاودش البيت من عشيه يا خيتي…الواد معمي في عشج البت لآخر نفس…
وأنا ما عرفش أتصرف… خلاص، حطيت صوابعي العشرة في الشچ.
نظرت لها فاطمة بحسرة عميقة، بعين تحمل وجع أم تعرف حجم النار التي كتبت عليهم ، وقالت:والله البت زينه… وكيف فلجة الجمر…
وصغيره ومتربيه… وعيتي كيف ما رفعتش عينيها فيكي حتّى بعد ما كسرتي بنفسها…حبيبتي… جلبي وجعني عليها.
انزلق الدمع من عيني وهيبة، لا بقهر فقط، بل بندم لاذع، وهتفت بغضب انكسر آخره في حلقها: أباي… هتفكريني ليه يا خيتي؟ دانا جلبي اتچرح عليها…
لولا الجهر الجفي ديه… كانت زمانها مرت ولدي… وبِتي التانية…ربنا اللي عالم بمحبتها في جلبي… بس أنا خايفه عليها…بنيه بالچمال والأدب ديه… تروح إكده هدر؟
ديه كان أهلها يموتوا بحسرتهم عليها…
ولا ولدي… زينة الشباب… لو حصله عفش؟
دانا أطب ساكته جبليهم!
أومأت فاطمة، وخنقتها غصة مريرة حتى خرج صوتها نحيب: عندچ حج…بلاش الفاس تنجع في الراس…
وبعدين نجولوا ياريت اللي چرى ما كان.
أومأت وهيبة ببطء، وكأن كل كلمة تحمل ثقل السنين، ودموعها تنزل بهدوء يشبه انكسار شيء عزيز داخلها، وهمسة: وكلمة ياريت… عمرها ما عمرت بيت يا خيتي…
كان الغضب يتأجج في عيني فهمي كبركان ثائر، دلف إلى الغرفة صارخ بصوت يملأ المكان: وهيبه… ووووهيبه!
نهضت وهيبه بسرعة، قلبها يخفق بين خوف وحزم، وهتفت: چري إيه يا خوي؟
وقف أمامها فهمي بصرامة النار في عينيه، وصرخ:وين الشملول ولدك؟
قطبت هيبه حاجبيها بدهشة وردت بحدة: مين فيهم التنين بره من عشيه؟
ضحك بصوت متهكم، وصوته مليء بالتهديد والحدة:
فارس اللي هيروح يتهچم على الناس في بيتهم… ويخطب بناتهم عافية…
الحچ فوزي العزيزي لسه جافل معايه دلوق…
ولدك اتخوت إياك؟! يضرب ولد أخوي الحچ فوزي ويكسر دراعه… كسر مضاعف!
شهقت فاطمة بفزع، وصكت وهيبه صدرها بعنف مشوب بالغضب، وهتفت: يمرك يا وهيبه… هيودر روحه… ويحرج جلبي عليه يا فهمي!
رفع فهمي يده بحدة، صوته صار أقوى وأكثر حزمًا:
بجولك إيه… ولدك ديه لازمن يتچوز!
أومأت وهيبه برأسها، وعيناها تلمعان بالدموع، وقالت بنحيب حاد: ايوه… دلوق هحدتت أم ادهم… واخدوا معاد ونروح على إيمان بتي أخوك.
أومأ فهمي بحسم، وهتف: ايوه… حدتيها.
التقطت وهيبه الهاتف، رفعت السماعة إلى أذنها، وسمعت صوت هنيه الهادئ والمليء بالود والترحاب: الو… كيف يا أم سند؟
جلست وهيبه بتعب، وعيناها تحملان ثقلاً عميقًا، وقالت:
زينة يا خيتي… انتو كيفكم؟
ردت هنيه برضا وهدوء: نحمده على كل حال يا حبيبتي.
نظرت وهيبه إلى فاطمة وفهمي كأنها تستمد القوة منهما، وهي تشعر أن ما ستقوم به خطأ، لكنها لا تملك حيلة أخرى، وأومأت فاطمة بتشجيع صامت بنظراتها. انزلقت دموع وهيبه بحسرة، وقالت: كنا بدنا نيچوا على إيمان للغالي يا هنيه…
اتسعت عينا هنيه بدهشة، وهتفت: بدك إيمان… بتي للغالي؟ صوح؟
شهقت إيمان، واتسعت عيناها في ذهول، وسقط الكوب من يدها يرتطم بالأرض بارتباك واضح، ثم غمغمت بصوت متكسر يكاد يسمع:أنا… أتجوز الغالي؟
نظرت هنية إلى ابنتها بذهول، بينما جاء صوت وهيبة عبر الهاتف متماسكًا رغم ارتعاشة خفية: ايوه يا خيتي… هيلاجي أحسن من بت عمه وين؟
ابتسمت هنية بسعادة فاضحة، وهتفت بلهفة العروسين:
تنورنا يا خيتي! إحنا نلاجي أحسن من الغالي؟ الله أكبر عليه ولدك… دانا أشيعهاله محنية لحد الدار، وإحنا نفديك الساعة!
شهقت إيمان بفرحة عارمة، كأن قلبها اتسع دفعة واحدة. انطلقت منها زغرودة عالية حارة، تهتز لها جدران البيت، ودموعها تنهمر بعشوائية طفلة نالت أمنية مستحيلة.
رفعت وهيبة طرف حجابها، تمسح دموعًا ثقيلة خالطها ارتياح موجوع، وقالت بخفوت:إيمان اللي هتزغرت ديه؟
ضحكت هنية بين دموعها وردت بحنو: البت هتتخوت من الفرحه يا خيتي.
تنفست وهيبة بعمق، كأنها توقف زلزالًا يسري في صدرها، وقالت بثبات فقدته الليلة الماضية: ربنا يسعدهم يا خيتي… إحنا يومين إكده وهجولك چين متي بالظبط.
وضعت هنية يدها على صدرها بترحاب واسع، وهتفت:
تنورونا وتآنسونا في أي وجت يا جيتي… مع السلام.
أغلقت الهاتف، ثم التفتت إلى ابنتها بحدة ممزوجة بالدهشة وهتفت: يا بت كفياكي زغاريد! في عروسة تزغرت لروحها؟ طب استحي هبابة!
قهقهت إيمان والفرحة تتقافز من عينيها، وقالت وهي تمسح دموعها:استحي من إيه؟ ديه چواز وحلال ربنا! أنا بدي فلوس… هندلي أجيب فستان چديد، وأروح للكوفير!
رفعت هنية حاجبها بدهشة أكبر:يا بت اتهدي! هما لساتهم ما حددوا معاد!
هزت إيمان رأسها، والحماس يشع منها، وهتفت وهي تنطلق راكضة إلى الأعلى: لا! لازمن أحضر حالي من دلوق… عشان الغالي يتخوت من چمالي!
صفقت هنية كف على آخر، وغمغمت بدهشة صافية لا تخلو من الفرح: البت اتخوتت من الفرحه يا ولاد…
……..
في سرايا العزيزي،
كانت الحدائق غارقة في بهجة افراح الصعيد العميقة، صاخبة بالذبايح المتأهبة على مواقدها،
وأصوات الطبول تصدح في الأرجاء كأنها نداء الفرح للكون كله…. الأضواء تتلألأ على الجدران الحجرية..
والفوانيس تتراقص في الهواء، تنعكس على وجوه الناس فتلمع في عيونهم حرارة الفرح وعمق الاحتفال. الضحك يتصاعد،
والزمامير تطلق أشد ألحانها، والمباركات على ألسنة الحاضرين، حتى أصبح كل صوت وكل حركة في الحديقة كأنها جزء من نسيج فرح صعيدي أصيل، مشحون بالنار والحياة والاحتفال بالمصير الواحد.
في الأعلى،
جلست حبيبة على نصف سريرها، وكأن العالم كله انكسر حولها، والدموع تنساب على وجنتيها كأنه ينفجر بداخلها نهر حزن دفين…
اهتز الهاتف في يديها، رفعت يدها المرتجفة، ومسحت الدموع عن وجهها الذي كاد ينفطر ألمًا، ثم وضعت الهاتف على أذنها وغمغمت بصوت متقطع: الو…
ارتج صوت فارس في السماعة، محملًا بالألم والحب معًا:
لسه بردك هتبكي يا جلبي؟
ضربت السرير بيدها، كأنها تحاول إخراج كل القهر الذي يملأ صدرها، وقالت بنحيب مكتوم:أمال أضحك؟ أعمل إيه… وهي غفلچت من كل حته كده؟
خرج صوت فارس من الهاتف وكأنه ينسج من الحزن جناحًا يحميها : متخفيشي يا حبيبة… بعد اللي حصل مع ولد الـ*** ديه، عمره ما هيجربلك تاني… ولو مشلكيش من دماغه، أنا هشيل رأسه من على كتافي ونرتاح… وأنا هاچي لأبوك تاني… وتالت… لحد ما يوفج.
انزلقت دمعة ثقيلة من عينيها وهمسة بقهر وحزن: مش هيوفج… غصب على أمير… هيغلب فيا أنا…
نهضت متخبطة، خطواتها الثقيلة تصدح على أرض الشرفة، وأصابعها ترتجف وهي تتشبث بالحافة: وأنا… مش هجدر أعيش مع غيرك… ولا حد يمسني غيرك… مش بعد ما حسيت حضنك يا فارس…
في تلك اللحظة، انفجرت بالبكاء كأن كل ما بداخلها انشق دفعة واحدة…ارتفع نحيبها حتى كاد يكسر صدرها، وصوتها يختلط بالهواء كما لو كانت تبكي الروح نفسها.
لاذ فارس بالصمت لحظات، ثم خرج صوته مثقلاً بوجع رجل حين ينهزم أمام دموع من يعشق: طب اهدي… لجل خاطري… بدل ما أچي دلوق… أخطفك… وأكتب عليكي، ولو فيها خراب على الكل.
زاد نحيبها، وخنقتها الكلمات وهمسة بنبرة تمزق القلب:
أصلي فكرة إنك تبعد عني… وتاخد غيري في حضنك… هتجتلني… حضنك بتاعي وحدي يا فارس… أنا هموت والله من الفكره ديه…
أطبق فارس على شفته بقهر يسمع من أنفاسه، وهدر بصوت خافت لكن مشتعل: يا عمري… والنعم… حضني اتحرم خلاص على أي جنس بت في الدنيا… إلا انتي…
أنا أحضن تراب جبري… ولا أحضن غيرك…أنا بدي منك تهدي…
يابت، انتي حتة من جلبي … أهملها لغيري كيف؟!
أنا وأنتي… اتحرمنا على غيرنا يا حبة الجلب الميت.
تجرعت غصتها، ومسحت دموعها بظهر يد مرتجف وهمسة: هتيچي لأبوي… تاني؟
رد فارس بلا تردد، صوته يمزق المسافة بينهما: تاني… ومليون. ومش ههمله في حاله… غير لما آخدك منيه.
وفي تلك اللحظة، دلفت إنعام الغرفة، وصوتها يقطع الصمت: حبيبة! وينك؟
شهقت حبيبة بذهول وارتجفت، همست من بين دموعها:
طب… أخفل دلوق..
أغلقت الهاتف على عجل، عيونها لا تزال تفيض بالدموع، وارتجف صدرها بين الحنين والخوف والحنان، وكأن قلبها أصبح ساحة معركة لا يعرف لها نهاية: نعم..
نظرت إنعام إلى حبيبة بغضب ودهشة، وانفجرت بصوت حاد: لسه هتبكّي؟ وملبستيش ليه؟ يعني مردتيش تروحي معنا واحنا هنچيبوا مرت اخوكي ، ولا حتي هتندلي؟؟
جلست حبيبة على الفراش، وانفجر نحيبها كأن قلبها ينتزع من صدرها: مليش صالح! مش هحضر أفراح… ولا ليا صالح بحد… ومش هلبس!
رفعت إنعام حاجبها بدهشة متعجبة، واقتربت منها خطوة: وه! كل ده عشان ولد الانصاري؟ متي… عشجتوا بعض إكده؟ وأنا كنت وين؟ نايمه على وداني؟
نهضت حبيبة بغضب مهتز، ودموعها لا تهدأ: لا! مش من كتير… يدوب شهرين! بس يعني احنا غلطنا؟ غلطنا عشان بدنا الحلال؟ انتو ليه هتعملوا فينا كده؟
صاحت إنعام بصوت هز جدران الغرفة:يابت! الدنيا كلاتها خابره زين إن عيلة الانصاري ديه منحوسين! ومفيش چوزه هتعمر عندهم! ولد عمه… جتل عروسته ليلة دخلتهم… وموت حاله!
تجمدت حبيبة في مكانها، كأن أحدهم صب ثلج في عروقها، واتسعت عيناها بذهول نازف لكن صاحت : وأنا مالي؟ وفارس ماله بولد عمه؟ يمكن ولد عمه ديه… مريض! ولا دماغه خربانه! تحاسبوا فارس على غلطت ولد عمه ليه؟
خرج صوتها ممزق بين قهر ورفض وخوف، وكأنها تحاول أن تدافع عن آخر ما تبقى لها من حق في الحياة.
دلفت ريم إلى الغرفة بدهشة، عيناها تتنقلان بينهما، وقالت بقلق: في إيه؟ صوتكم چايب آخر السرايا يا يما!
أشارت لها إنعام بغضب مضطرم وهتفت: تعالي يا بتي! المخوته ديه هتموتني بدري!
ربتت ريم على منكب أمها محاولة تهدئتها، وقالت بنبرة لينة:طب اهدي يا يما… وأنا هتكلم معاها. بس أندلي انتي عشان الناس تحت.
نظرت لها إنعام بنفاد صبر، ثم رمقتها من أعلى لأسفل وهتفت : وانتي ملبستيش ليه لحد دلوق؟
رفعت ريم منكبيها بدهشة بريئة وقالت: ما أنا لابسه يا يما… اهو!
رمشت إنعام بعينيها، حاجباها يرتفعان بحدة وهدرت : عبايه يا ريم؟! في عروسه تلبس عبايه يا بتي؟!
ضحكت حبيبة بسخرية ممزوجة بالبكاء، وهزت رأسها قائلة بمرارة: أهو… اغصبي عليها تلبس فستان! ما هو كل حاچه في البيت ده عافيه وغصب!
تجمدت إنعام لثانية، الغضب يتصاعد في وجهها حتى احمرت وجنتاها، ثم التفتت نحو الباب وصرخت بنبرة مخنوقة من القهر:حسبي الله ونعم الوكيل فيكم!
واندفعت خارجة، تجر خلفها ظلال غضب يموج في السرايا كلها.
كان الهواء في بهو السرايا يثقل بالهم، وكأن الجدران نفسها تصغي لارتجافة القلوب…
وما إن أُغلق الباب خلف انعام حتى انفجرت اللحظة بما تحمله من خيبة ورجاء مخذول…
كتمت ريم وحبيبة ضحكتهما الصغيرة، تلك الضحكة التي ولدت من شدة التوتر أكثر مما ولدت من خفة الروح.
اقتربت ريم بخطوات حريصة، تحمل في نظرتها حنان الأخت وقلق الأم، وضمت حبيبة إلى صدرها كمن يحاول أن يلم شتات روح ترتجف، ثم همسة بلهفة مشوبة بالخوف: كيفك يا خيتي؟ ايه اللي حصل؟
تشنجت كتفا حبيبة في حضنها، وخرج صوتها مبحوحًا تختلط فيه العبرة بالخذلان:فارس چي عشيه لأبوي… وأبوي رفضه… ومصمم يچوزني البغل اللي اسمه موسي…
تساقطت الكلمات من شفتيها كأنها اعتراف موجوع يجرح الهواء… زفرت ريم بغضب صامت، وربتت على كفها المرتجف، وكأنها تسكت رعدة القلب قبل رعدة الجسد: استهدي بالله… وخليكي مصممه….انتي بردك علي فارس… دانتي لما حكتيلي في التلفون مكتش مصدجه الحب ديه كله.
رفعت حبيبة وجهها، وعيناها غارقتان بدموع لا تعرف مهرب، ثم غمغمت بصوت محطم: بحبه جوي… وهموت حالي لو غصبوني علي غيره…
شهقت ريم، كأنها تلقت الصفعة بدلًا عنها، وأمسكت وجهها بين يديها وغمغمت: بس تفي من خشمك! موت ايه؟ بعد الشر يا حبيبتي… إن شاء الله ربنا يكتبكم لبعض.
وفي داخل السرايا، كان الألم يتمدد في الصمت كظل ثقيل، بينما تتشبث القلوب ببصيص رجاء لا يكاد يرى… لكنه ما زال يقاوم.
في الأسفل،
توقفت سيارة فارس، ووقف بدر بجانبه كجبل لا يهزه ريح، وخلفه سند وادهم، وعماد يراقب الموقف بعينين حادتين كالسكاكين…
ترجل الجميع من السيارات، وأقدامهم تخطو على الأرض بخطوات واثقة، كل خطوة منها تصنع وقع يملأ الحديقة بقوة التحدي وعنفوان لا يقهر.
دخلوا الحديقة، والهواء يصفق لهم كأنه يعبر عن تصاعد الغضب في صدورهم، وكأن كل ورقة شجر وكل ظل بين الأشجار يشهد على عزمهم الراسخ، مستعدون لمواجهة ما ينتظرهم هناك، بلا خوف، بلا تردد… فقط قلب مشتعل بالعزم، ويد لا تعرف التراجع…
رفع أمير رأسه، وتمتم بغضب مكبوت: مهتچبهاش البر يا صاحبي… أنا عارفك.
لكزه عساف بعنف، هادرًا بصوت حاد كالحديد المشتعل:
دخلت ولد الانصاري ديه… هتجول، أنهم هيخربوا الفرح!
أومأ أمير برأسه، ونهض سريعًا، كأن الأرض لم تعد تكفيه.
وعلى الجانب الآخر، نهض موسي بصعوبة، ذراعه محاط بالجبس ومعقود بعنقه، تمسك به سليمان بتهكم، هادر: علي وين المره ديه… هيجطم رجبتك خليك بعيد عنيه!
هز موسي رأسه بغضب واستنكار، وصوت الغضب يتكسر من بين فكيه: علي چتتي… رچله تخطي بيت عمي!
تحرك موسي نحو فارس، وعينيه تتقدان بالغضب كبركان مستعر، وكل خطوة منه تهز الأرض من تحت قدميه.
وقف فارس أمامه، شامخ كالصخر، والصلابة تتدفق من ملامحه كحديد مصهور، والشرر يتطاير من عينيه ككرات من لهب محتجز في صدره…
صمت مفاجئ عم المكان، والأنفاس حبست، والرؤوس التفتت إليه بذهول وامتزجت النظرات الغضب بخوف مكتوم
وووووووووووووو
ورواني توقعاتكم ي حلوين اي هيحصل بين فارس وموسي
ساحره القلم ساره احمد 🖋️

والله ما في أطيب منكم ♥️♥️♥️
حبيبت قلبي تسلمي ♥️
البارت نزل اتمنى بجد تتفاعلوا
ياريت بجد 🥹
من الناس الي لسه مقرأتش الرواية ومستنياها تكمل 🫵🏻
بس دا ميمنعش ان سارة بتعمل تحفه عموماً. 😻♥️♥️♥️♥️🫂
تسلميلي ي سكرة♥️
حبيبتي 😘♥️♥️♥️🫂
دا كدا كدا جامد قبل ما اقرأه 🥹💗💗💗💗
حبيبتي تسلمي ♥️
سهلة و بسيطة دوسي ع آخر نجمة و بكدة تبقي اتفاعلتي
و تقدري تعرفي اتفاعلتي ولا لأ دوسي ع الدايرة قبل و شوفي الرقم و بعدين دوسي ع النجمة و ترجعي دوسي ع الدايرة لو الرقم زاد واحد يبقى اتفاعلتي صح ♥️
بالظبط🤭
الرقم ماذادش اعمل ايھ 😭
يمكن مشكلة في النت
والله درت زي انتي قلتي لكن نفس الرقم مش عارفه
تحفففففه بجد♥️♥️♥️♥️♥️
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تسلم الايادي عنجد كان بارت تحفة ❤️❤️
تسلمي ي حبيبتي ♥️
البارت رووووووووعة ياسارة تسلم ايديكم وعنيكم ياقلبي❤❤❤❤❤❤❤
تسلمي ي قلبي ♥️
تحفه 😍😍😍😍
تسلمي ي قلبي ♥️
اتمنى قراءة ممتعة للجميع و أنا عن نفسي هعيد قرايته معاكم ♥️
تسلمي ي سكرتي♥️
متنسوش التفاعل يا بنات 😍😍😍😍😍
ياريت♥️♥️
ابداع ياحبيبتي تسلم ايديكم وعنيكم ياقلبي❤❤❤
تسلمي ي سكرة 💗
تسلم ايديكي قلمك يا سارة 💗💗💗
تسلمي ي قلبي ♥️
تسلم ايدك يا حبيبتى
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تسلملي البنات الطيبة لحلوة 😘😘😘😘انا هنا بقرا ثالث علما البارت16 ينزل
تسلمي ي سكرتي💗
من حلاوتها قراتها اكتر من مره ابداعتي ♥️
تسلمي ي قلبي ♥️
تسلم ايدك البارت روعه 🌹♥️♥️♥️♥️
تسلمي ي حبيبتي ♥️
روعه يا ساره تسلم ايدك يا فنانه
تسلمي ي سكرة♥️♥️
توووووحفة جدا جدا الفصل جامد جدا جدا 😍😍😘😘 بجد لازم تقولة اي رايكم لان جامد جدا 😍😍😍 بجد تسلم ايدك يا اجمل ساحره 😍😍🧡🧡💜💜💛
تسلمي ي إيرو ي سكرة♥️
من حلاوتها قراتها اكتر من مره ابداعتي ♥️
حبيبتي تسلمي ي حبيبتي ♥️
يجنن اتفاعلو ياحلوين
تسلمي ي قلبي ♥️
تسلم ايدك يا جميل يجنن❤️❤️
تسلمي ي قمرة♥️
تسلم ايدك ياحبيبتي ❤️
تسلمي ي سكرتي♥️♥️
تحفه
تسلمي ي حبيبتي ♥️
رووعه
تسلمي ي قلبي ♥️
تسلم ايدك
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تحفه بجد ♥️♥️♥️
تسلمي ي قلبي ♥️
تحفه بجد تسلم ايدك
تسلمي ي حبيبتي ♥️
شكرا ي سوسو ❤️❤️ ي قمر ❤️❤️🔥
تسلمي ي قمرتي♥️
والله ما في أجمل من كده
تحفة فنية
تسلمي ي حبيبتي ♥️
♥️♥️♥️♥️♥️
♥️♥️
والله يعني باستنا البارات الجديد. بفارغ الصبر
نار كدا ولعت نار 😂♥️♥️♥️
نار😂🤌
تحفه بجد ياريت التفاعل يتظبط بقي علشان مش تزعل ساره
ياريت بجد ♥️
طب احكووولي ابدا من ووووين يا جمااااعه الواحد كان ع تكه ورح يبكي
من اول الرواية ي سكرة لذيذة♥️
ياعمرررري يافااارس يا روحي والله ليشعلاااا نااار
فارس دا سكر♥️😂
تحفههه❤❤❤
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تحفه كالعاده
حبيبتي♥️♥️♥️
جميلللللل
انا بتفاعل دايما والله العظيم ومش حطيني في جروب المتفاعلين
ي حبيبتي بناخد علي تفاعل الفيس بوك برضو
انااا كار عقلي ع قد البارت مووو حلووو
ابداااااع يا ساااااااره
تسلمي ي سكرة♥️♥️
البارت تحفه ♥️♥️♥️♥️
تسلمي ي قلبي ♥️
علقووووووو وكتبوووو كومنتات يا بنااات
♥️♥️♥️♥️
جميل جدا جدا تسلم ايديكي ياقمر ♥️♥️♥️
تسلمي ي سكرة♥️
تحفة تسلم ايدك امتى الالغاز هتتفك
هنشوف مع الاحداث♥️
تحفه فنيه بجد 💗
تسلمي ي قلبي ♥️
يلااا يا حلوين اتفعلوااا ♥️♥️
ياريت♥️
ابداااااع
تسلمي ي حبيبتي ♥️
بالتوفيييق ي قمر ♥️😘
تسلمي ي قمرة♥️
تسلم عيونك تحفة 🥰🥰🥰
تسلمي ي قلبي ♥️