عشق ملعون بالدم (الفصل السادس عشر)
ليتنا كنّا نستطيع أن نرجو الطُّرقات ألّا تفصل بين قلبين تعانقا يومًا…
لكن الطرق لا ترحم، تمسك بالعشاق من أيديهم وتجرّهم بعيدًا، حتى وهم يتشبّثون ببعضهم كما يتشبّث الغريق بآخر نفسٍ في صدره.
بعض الفراق لا يشبه نهاية…
يشبه الاقتلاع.
تُنتزع الروح من روحها، ويُسحب القلب من نصفه الآخر وكأن سكينًا باردة تعمل ببطءٍ متعمد، تترك الجرح مفتوحًا ينبض، لا يندمل ولا يهدا.
يمضي كلٌّ منهما في طريقٍ لا يريده، يحمل ذكرى اللمسة والضحكة والوجه الذي حفظه أكثر من ملامح نفسه، يمضي وهو يعرف أنه لا يسير… بل يُساق سوقًا، كالمسافر الذي يُدرك أن كل خطوةٍ تبعده عن الحياة التي كانت.
وما أقسى ذلك الفراق الذي لا يحدث لأن الحب انتهى…
بل لأنه قُطع من جذره وهو ما زال حيًّا، يتلوّى، يصرخ، يقاوم… ثم يُترك هناك على حافة الطريق كروحٍ تائهة لا تعرف كيف تكمل، ولا تملك كيف تعود.
ولعلّ أكثر ما يُهلك القلب…
أن كليهما يعرف أن الآخر ما زال يحمل وجعه، ويبيت على الشوق نفسه، ويختنق بالحنين ذاته…
ورغم ذلك، تبقى المسافة أقوى من قلبيهما، ويبقى الطريق ممتدًا بلا رحمة، يسرق منهما ما لا يُعوّض…
ويترك خلفه حبًّا حيًّا، لكنه محكومٌ بالموت البطيء.
وقف فارس أمامه، شامخ كالصخر، والصلابة تتدفق من ملامحه كحديد مصهور، والشرر يتطاير من عينيه ككرات من لهب محتجز في صدره…
صمت مفاجئ عم المكان، والأنفاس حبست، والرؤوس التفتت إليه بذهول وامتزجت النظرات الغضب بخوف مكتوم
هدر موسى بصوت غاضب، وجسده يرتجف تحت جبسه، وكلماته مشتعلة: إيه اللي چابك يا ولد الانصاري؟! هي البچاحة جاطعـة فيك جوي كده؟!
قبض أمير على ذراع موسى بعنف، وهدر: مـــــوسى!
لكن فارس رفع يده إشارة له أن يتركه، وميل برأسه ميلًا حادا كحد شفرة تتهيأ للقطع.
في طرفة عين، سحب سلاحه من خلف ظهره، شد أجزائه بصوت خاطف، وشهره نحو موسى مباشرة.
شهق موسى، واتسعت عيناه كمن رأى الموت واقفًا أمامه، وتجمد كل من حوله…
قبض سند على ذراع فارس بخوف، وكأن لمسته قد تمنع الكارثة، بينما ارتد موسى إلى الخلف بعشوائية مذعورة حتى تعثر بجلبابه وسقط على ظهره سقوط مهين..
رفع فارس ذراعه عاليًا، وأطلق الرصاص في الهواء، طلقات هادرة شقت الفرح نصفين….
ومع كل طلقة، تزلزلت هيبة موسى المنبطح أمام العيون، بينما ضحكات خافتة وشهقات دهشة تسربت هنا وهناك على هيئته المبعثرة… كفريسة يتلاعب بها الوحش قبل أن يقرر إن كان سيقضي عليها أم سيتركها عبرة.
فارس لم ينطق بكلمة…
لكن حضوره وحده كان كفيلًا بأن يفرض الصمت، ويهشم الغرور، ويعلن أن الساحة كل الساحة له فقط …
اقترب سليمان بخطوات سريعة، وجهه متوتر، وساعد شقيقه على النهوض بصعوبة، وغمغم بغيظ مكتوم: تعالي معايا… كفاية كده يا موسى.
نهض موسى مترنح، والعار يثقل كتفيه حتى تمنى لو تنشق الأرض وتبتلعه فلا يرى أحد مهانته تلك…
عيناه لا تجرؤان على ملاقاة أي وجه، وكل خطوة كان يشعر معها أن نظرات الناس سهام تنغرس في روحه.
هز فوزي رأسه بغضب مكبوت، والتفت إلى عساف وهدر بصوت ممتلئ استنكار : عاچبك إكده؟! إهانة لولد عمك في بيتنا… كنها إهانة لينا كلاتنا!
أومأ عساف بحدة، يحاول السيطرة على غضبه وقال:
اهدي يا ابوي… أنا هحلها، ما توسعهاش.
اقترب فواز من شقيقه وتمتم باستغراب:مالهم يا أخوي؟ إيه حوصل؟
تنفس فوزي بقهر، وصوته انخفض إلى نبرة متوترة وهو يقول: شباب… وهيتمجلتوا مع بعض يا أخوي. الدنيا جامت من كلمة… وكل فاكر نفسه چبل ما يتهزش.
ثم حدق في الساحة التي كانت قبل قليل ميدان للفرح… فإذا بها تتحول إلى ساحة صراع، والنار تحت الرماد توشك أن تشتعل من جديد.
لكزه أمير فارس في منكبه بحنق يختلط بالضحك وقال: ياخي رعبتني… جلبك الميت ديه هيودينا في داهيه!
هز فارس رأسه بنفي ثابت وقال بصوت منخفض:ما أنا مش هخرب فرح أخوي… چاي أفهمه بس.
كتم بدر ضحكته بصعوبة، ورفع حاجبه بخبث وقال :
انت ما خربتش الفرح… انت خربت موسى نفسه!
قهقه أدهم وأضاف وهو يمسك بخصره: وأنا بجول… جول لي ولد عمك يفكه من كار الچواز خلاص يا أمير! بعد الدرعة ديه مستحيل يجدر!
انفجروا ضحكًا، ضحك شبابٍ يعرفون أن ما حدث لا ينسى، وأن موسى سيكتب هذا اليوم في دفتر الفضايح الصعيدي بخط عريض.
لكن الضحك انطفأ حين اقترب عساف، وجهه ممتلئ غضب، وهدر بصوت يملأه القسوة: ديه كلام يا فارس؟! اسمو واد عمنا… وفي بيتنا بردك!
نظر له فارس بحدة، وطبقة غاضبة من الألم تغطي صوته: وأنا حد عملي جدر يا عساف؟ حد احترمني؟ لأجل ما أعمل جدر لحد؟!
أشار عساف إليه بحدة أخف، كأنه يحاول الإمساك بالأمور قبل أن تنزلق: يا صاحبي… اللي وجف بينا وبينك في النسب مش عيب فيك… لا سمح الله.
تجمدت ملامح فارس للحظة، عيناه امتلأت بحزن ثقيل، غضب مكتوم، وجرح لا يتداوى بسهولة… قال بصوت مبحوح: انتو خايفين على بتكم… وده حجكم.
بس أنا بردك هخاف عليها… يمكن أكتر منكم.
أبوك ما خدتش كلمتي… وأنا كت بدي أخطبها… ومكنتش هفكر في الچواز غير لما أحل مشكلتي… بأي تمن.
تنهد عساف بضيق، ومرر يده على وجهه كمن يحاول ترتيب غضبه وقال : صلي على النبي… إن شاء الله جاعده ليك… ومن نصيبك.
أومأ فارس ببطء، ورغم محاولته يخفيه… تسرب إلى وجهه خيط رفيع من السعادة، هش، خائف، وكأنه يخشى أن يلمسه الهواء فيتلاشى.
التفت عساف وربت على منكب أمير وقال بنفاد صبر:
يلا يا أخوي… أمك هتجولك كفياك، الحريم كلاتهم مشوا.
قطب أمير حاجبيه بدهشة وغمغم باستنكار طفولي:
ما يمشوا… أنا مالي يا أخوي؟
ضرب الشباب جباههم في آن واحد، كأن الصداع أصابهم جماعيا، ولكزه فارس بعنف وهدر: اتحرك يا علـ* دخلتك يا حبيبي! اطلع ياض!
زفر أمير بحنق، كأنه ينتزع من جنة ما: يا چدعان… ما لسه بدري!
صفق بدر كفه على الآخر بدهشة وقال: الواد ديه جبله وهينجطني النهرده!
دفعه أدهم من كتفه غضبًا وتمتم: يا عم… اطلع الله يسهلك… متچلبش علينا المواچع!
سحب عماد أدهم من ذراعه وهتف وهو يكتم ضحكته:
اهدي يا وحش! ده لولا الجيد اللي ماسككم… مكناش عرفنا نلماكم أصلًا!
وانطلقت ضحكات الشباب صاخبة، تموج بين الأشجار كضحكات ليل صعيدي يعرف أن الفرح لا يكتمل… إلا بفوضتهم.
تحرك أمير إلى الداخل، وقد ارتجف قلبه بين الغضب والتوتر ، السرايا كان يملؤه صخب الزغاريد والضحكات…
لكن في خلفية كل تلك الفرحة، كان ظل الواقع يثقل أكتافهم زواج بأمر العادات والتقاليد، وليس اختيار قلبين، فالليلة لم تختر بمحض إرادتهم، بل فرضها القانون الصامت للعائلة… ريم، زوجته عنوة ….
خرجت إنعام من المطبخ تحمل كوب الحليب، تهزه بخفة كأنها تهز بركة مباركة، وهتفت بسعادة عارمة: اشرب يا ضنايا… ربنا يبيض ليلتك.
التقط أمير الكوب وشرب نصفه، ثم مده إلى ريم وهو يتمتم بنبرة خفيفة أقرب للرجاء: اشربي…
نهضت ريم واقتربت، أصابعها ترتجف كزنبقة مبلولة بالندى….
أخذت الكوب، ارتشفت منه رشفة صغيرة، ثم أعادته إلى إنعام وهمسة بخجل: تشكري يا يما…
اقتربت هند، زغاريدها ترتفع في المكان، وضعت يد ريم في يد أمير، محاولة أن تجعل الأمر يبدو طبيعيًا، وكأنها لعبة فرح لا تدرك واقعها المرير وقالت : يلا يا عريس… اطلع بعروستك!
ارتعشت يد ريم بين كفه الدافئ، لكنها لم تكن فرحة حقيقية، بل امتثال لطقس قسري، وحاولت جذب يدها بخجل… مال أمير نحوها وهمس بحنان مختلط بالقلق:
معلش يا ريم…
وكأنه يعتذر عن كل هذا الضجيج الملتف حولهما.
تحرك بها نحو الدرج، لكن ريم توقفت عند أول درجة، التفتت إلى حبيبة التي تحمل كيان، وعيناها تمتلئان بالدموع: هاتيها يا حب…
أومأت حبيبة برأسها، ودموعها تختلط بحزنها وفرحتها من أجل شقيقها: خدي يا ريم…
اقتربت إنعام وربتت على يد ريم بحنان مختلط بالتردد، محاولة تلطيف واقع قسري: كيف يا بتي؟ همليها تنام معاي العشيه ديه… وخليكي مع چوزِك.
هزت ريم رأسها بالنفي، صوتها يخرج مخنوقًا بالامتثال:
مجدرش… أنام وكيان مش في حضني يا يما…
تدخل أمير بحزم، محاولًا فرض شعور بالسيطرة على ما فرض عليهم: همليها على كيفها يا يما… هاتي البت… أنا هشيلها.
ابتسمت ريم ابتسامة من بين دموع مضطربة بأمتنان، بينما حمل أمير الطفلة بين ذراعيه، وأمسك يد ريم الأخرى، وصعدا السلم وسط الزغاريد… فرحة السرايا كانت فوقها ظل الحقيقة المرة….
فتح أمير باب الشقة ببطء، مفسحًا الطريق لريم التي دلفت بخطوات مترددة، ارتجافها واضح في كل حركة…
أغلق أمير الباب خلفه، وصوت الإغلاق جعل قلب ريم يهبط إلى قدميها كما لو ثقل العالم كله عليها.
اقترب أمير، ووضع الطفلة على أقرب أريكة، جلس بجانبها، ومسح شعرها بحنان خافت، ثم نظر إلى ريم الواقفة عند الباب، متجمدة كتمثال من الصمت. نهض ببطء، اقترب منها وربت على رأسها بحنان مختلط بالطمأنينة: عيشتنا مع بعض أبسط من كده يا ريم…
نظرت له ريم بتردد، وردت بخفوت: مبديش أتجل عليكي يا أخوي…
هز أمير رأسه بالنفي، صوته حنون وهادئ: عمرك ما كتي تجيله من يوم ما دخلتي البيت ديه… واحنا دلوق خلاص جدام ربنا والناس… راجل ومرته…عشان كده هحفظ جدرك وأصونك، وانتي خليكي على راحتك، لأجل ما أنا محسش إني تجيل عليكم
ابتسمت ريم بود، وارتجفت ابتسامتها بين الامتثال والراحة وغمغمت :والله يا أمير… أنا معرفش أجولك إيه، بس انت سهل ولين جوي… وأنا عمري ما جبلت حد كده.
ابتسم أمير بمرح خافت، وغمز قائلاً: زين جوي… يعني ينفع تحضريلي اتعشي؟
ضحكت ريم بمرح، وارتاحت في صدق اللحظة وقالت : طبعا… دجيجتين بس!
أومأ برأسه، وتركها تتجه نحو الغرفة، وهي تشعر أن ثقل الأيام قد خف عن كتفيها، وأن لحظة الصفاء هذه منحت قلبها راحة لم تعرفها منذ زمن.
دخلت ريم الغرفة بخطوات ثقيلة، كأنها تقف بين قرارين، الحجاب الذي اعتادت عليه أمام امير ، أم طبيعتها التي ترغب في استعادتها….
وقفت أمام الخزانة طويلاً، تنظر إلى نفسها بصمت يثقل المكان، حتى طرق الباب فجأة، وصوت أمير جاء هادئًا لكنه مثقل بالحنان: ريم يلا… كيان هتبكي.
اقتربت ريم من الباب، عباءتها ما زالت ملتفة حولها كما هي، فتحت الباب، ونظر إليها أمير بدهشة صامتة وقال : لسه ما غيرتيش؟
ارتجفت، همسة وهي تكتم توترها: معرفتش…
أومأ برأسه، ونظر لها بعينين مليئتين بالاعتراف بحجم معاناتها وفهمه العميق لها، مد يده وربت على كتفها بحنان قائلاً وهمس: جلتلك… خليكي على راحتك، أنا مش هيضيج عليكي.
أومأت ريم برأسها، وصوت خطواتها على الأرضية يملأ الغرفة بالتردد والحرج، وقالت بصوت متقطع: هشوف كيان…
أشار لها أمير بيده، عيناه تحملان صبرًا وفهمًا عميقين، وقال بحزم وهدوء: ماشي… هغير خلجاتي على ما تحضري العشي.
احتوي الجو على صمت مشحون بالتوتر، ارتعشت أنفاس ريم وهي تحمل ابنتها بين ذراعيها، ودلفت إلى غرفتها بنبض قلب يطرق صدرها بعنف….
وضعتها على السرير برفق، وبدأت تبدل عباءتها الثقيلة بملابس النوم الشتوية، قطيفة دافئة بأكمام طويلة وبنطال واسع، جمعت شعرها الفحمي في ربطة مشدودة،
وجلست لتضم ابنتها بحنان، تنظر لها بعينين تلمعان بالقلق والحرص، حتى غفت الطفلة في هدوء. نهضت ريم بسرعة، وهمسة لنفسها بصوت متقطع: اتاخرت جوي… والچدع چعان.
خرجت من الغرفة بخطوات متوترة، متجهة إلى المطبخ، حيث سخنت الطعام الذي أعدته هند، وأخرجت الصينية إلى السفرة…
نظرت حولها ولاحظت أمير متكئًا أمام التلفاز، غارقًا في النوم، اقتربت منه بحذر، ولكزته بخفة على منكبِه وقالت: امير… اميررر!
فتح عينيه ببطء، مشوش، وظل ينظر إليها، مشهدها المختلف بدون الحجاب وشعرها المنسدل حول وجهها جعلها تبدو له ككيان جديد…همس بصوت متردد، ممزوج بدهشة: ريم…
ابتسمت بدهشة، وقالت: ايوه… ريم… مالك؟
اعتدل أمير في جلسته، وعيناه تحملان مزيجًا من الدهشة والحنو، وقال بصوت هادئ ولكنه مشحون بالجدية: أصلك… من غير الحچاب شكلك مختلف… كنك واحدة تانية.
وقف الصمت للحظات، مشحونًا بالتوتر، وكأن المكان كله أصبح مترقب لذلك التوتر الخفي ، ارتعشت ريم بخجل، قطبت حاجبيها بدهشة وقالت بصوت متردد: طب يلا… سخنت ليك العشي.
أومأ أمير برأسه، ونهض بخطوات هادئة، واقترب من السفرة قائلاً: تعالي… مش هتعشي وحدي.
أومأت ريم برأسها بخجل، وتحركت خلفه وجلست على السفرة، علي استحياء ..
بدأ أمير يضع الطعام في طبقها، وهو يبتسم وقال بصوت مرح وهادئ: كلي يلا… متستحيش… مش أول مرة ناكل مع بعض يعني.
أومأت ريم برأسها بخجل، وهمسة: لا… بس أول مرة وحدينا.
ابتسم أمير، وهز رأسه وتمتم:خلاص… دلوق بجينا… أجرب تنين لبعض في البيت ديه.
نظرت له بدهشة، لكنها التزمت الصمت، وبدأت تتناول الطعام بين كلام أمير المرح والهادئ، وبين خجلها الطاغي وابتساماتها الرقيقة، ليغمر المكان دفء جديد من الحميمية والهدوء، يخفف عنهم توتر اليوم الطويل.
…….
في سرايا الانصاري…
ارتعشت عينا وهيبه بالحزن حين شاهدت بدر وسند يدخلان بهو السرايا، وغمغمت بدهشة ممزوجة بالقلق:
وه… الغالي وين؟
جلس سند بجانب والدته، ومد يده ليحتضنها بحنان، وهمس لها مطمئنًا: اهدي يا يما… الغالي في بيت الچبل.
انزلقت دموع وهيبه على وجنتيها بحسرة وثقل، وغمغمت بصوت يختنق بالحزن والخوف: وه يا غالي… جسية جوي على أمك يا ولدي… وأنا خايفة عليك… وعلى البنيه.
ضمها سند بقوة وحنان، وهمس مطمئنًا: اهدي يا يما… همليه بس يهدي باله ويروج.
نظر بدر حوله بخفة، متململًا بين القلق والفضول وقال : ليله… وين؟
أشارت له وهيبه وهي تمسح دموعها بطرف حجابها ببطء، محاولًة أن تبدو أكثر قوة مما تشعر:طلعت… تنعس من شوية كده.
تحرك بدر في الظلام صاعدًا الدرج كأن دمه يغلي في عروقه، كل خطوة تقربه منها تشعل في صدره نارًا لا تطفأ….
دفع باب غرفتها بقوة مكتومة، دلف، ثم أغلقه خلفه بمفتاح حاد كأنه يقطع العالم كله عنهما، ويحبسها معه في قفص من لهفة وجنون…
اقترب من السرير حيث تنام ليلة، جسدها المغطى بغطاء خفيف يرسم منحنياتها كأن القمر نفسه يحسدها…
جلس على حافة السرير، عيناه تحرقان ملامحها، صدرها يعلو ويهبط بهدوء ، وجنتيها الملتهبه من آثار النوم التي تخفي تحتها عرقًا يدعوه للانقضاض…
كان ينظر إليها كجائع لم يذق طعم الزاد منذ سنين، عشقه يمزق أحشاءه، يدمي قلبه، يحرق كل خلية في جسده.
مد يده المرتعشة، مرر أنامله على وجنتها بحنان يخفي وراءه وحش، ثم انحنى وغرز شفتيه في جبينها قبلة طويلة جائعة، كأنما يشرب من روحها…
همس بصوت مكسور يقطر عطشا: ليل البدر.. وحشتيني جوي جوي .. حسيت كني هموت لو لمستكيش دلوق…
فتحت عينيها ببطء، جفناها يرفرفان كفراشة مذبوحة، وغمغمت بصوت ناعس يذيب الحديد: بدر..
لم يرد. حاوط وجهها بكفين قاسيين، والتهم شفتيها بعنف مكبوت، كأنه يعاقبها على كل لحظة بعد،
يفرغ في فمها كل ألم الشوق وكل لهيب الجسد… عض شفتها السفلى، مصها، جرها بأسنانه حتى انتفخت وتأوهت في فمه. ..
ردت ليلى القبلة بجوع مفاجئ، أظافرها تغرز في عنقه، تسحبه إليها كأنها تريد أن تبتلعه حيا…
سحب شفتها بين أسنانه كالذئب، ثم تركها وهدر بصوت خشن مبحوح: آااخ يا ليلى.. آااخ.. ياريتك تشوفي حالك بعيني دلوق.. شفايفك دي بتفتح جوايا أبواب جهنم والجنة مع بعض.. بحس إنك لو فتحتي رچليكي دلوق هغرق فيكي وأموت چواكي وأنا مبسوط..
ارتعشت أنفاسها، مررت يدها على وجنته الحاره وهمسة وصوتها يتقطع:بدر.. كلامك ديه.. بيخلي جلبي يتنفض من جوا..
ابتسم ابتسامة شيطانية، ولمعت عيناه بنار وقحة، همس وهو يقرب من أذنها: قلبك بس يا بت؟ مفيش حته تاني هيترعش ويبلك؟!
اتسعت عيناها، واحمر وجهها حتى أذنيها، وهمسة بصوت مخنوق: بدر..؟
بلل شفتيه بلسانه ببطء، نظر لأسفل جسدها بنظره تحرق الغطاء، وقال بخبث يقطر شهوة: ما تعالي يا ولد المـ*.. بدي أوريها الحتة اللي هتترعش وهتتفشخ دلوق!!
دفعته بكفين مرتجفين، قامت جالسة، انزلقت الغطاء عن كتفيها يكشف صدرها الغض ، وقالت بصوت يختلط فيه الخوف بالرغبة:هو مين ديه؟ وليه الكلام الجليل الادب ديه يا بدر؟
ضحك ضحكة خشنة، اقترب حتى حرقت أنفاسه صدرها، وقال:كلام جليل الادب؟ طب والفعل يا روح أمك؟ دانا لو اتلميت عليك هفشـ
كتمت فمه بعصبية، وغطت وجهها بيد، ثم همسة من بين أصابعها:بس يا بدر.. والنبي متلبش چتتي !!
قام فجأة، نزع قميصه بعنف، رماه بعيدًا، جسده المفتول يلمع بعرق الشهوة، وهدر:أنا جاي ألبشه جاي انتجم لحد ما تنسي اسمك..
قفزت ليلى واقفة على السرير، الغطاء سقط كله، جسدها يرتجف أمامه، وصرخت برعبٍ ونشوة: بدر والله أنا خايفة جوي .. مينفعش انت عارف اخرتها!!
زفر زفرة طويلة كأن نارًا خرجت من صدره، التقط قميصه بغيظ، ارتداء بسرعة وغمغم بصوت مخنوق بالعطش:خلاص يا ليلة.. اهدي يا حبيبتي.. لبست أهو.
جلست ليلة على حافة السرير، جسدها كله يرتجف كأن تيار كهربائي يجتاحه،
صدرها يعلو ويهبط بعنف، عيناها تتقلبان في الغرفة كطفلة ضائعة تخشى أن ينقض عليها الظلام..
اقترب بدر بهدوء، جلس بجانبها، وضع كفه الكبيرة على وجنتها المحمومة، مسح دمعة لم تسقط بعد…
وهمس بصوت منخفض يخرج من أعماق صدره:خلص يا قلبي.. أنا جنبك.. اهدي
رفعت عينيها إليه، الخوف يسبح في حدقتيها، وقالت بصوت يقطعه الرجاء : أنا بدي أروح أزور بيت أبويا.. بس يوم واحد
هز رأسه بسرعة، كأن الكلمة نفسها تجرح حلقه:لا.. متطلعيش من البيت ديه.. ديه بيتك وبيتي.. وأنا مش هقدر أهملك لحظة…
اقتربت منه أكثر، وضعت كفها على صدره، تشعر بدقات قلبه المتسارعة تحت أصابعها، وهمسة وهي تكاد تبكي: يا حبيبي.. عشية واحدة.. اتوحشتهم جوي.. تعالى معايا، نجضي يوم وعشية ونعاود مع بعض.. رچلي على رچلك
احتضنها بدر بقوة، يديه تلفان حول ظهرها كأنه يخشى أن تذوب بين ذراعيه، دفن وجهه في شعرها، يستنشق ريحتها كمدمن، وهمس في أذنها بصوت يقطر ألما:
هموت لو بعدوكي عني ساعة واحدة.. هموت لو حرموني منك يا ليلة.. أنا عايش عشانك بس!
تمسكت به بكل قوتها، أظافرها تغرز في ظهره، وغمغمت والدموع تبلل قميصه: محدش في الدنيا يقدر يحرمني منيك ولا يحرمك مني يا عمرى.. أنا ليك وبس…
في تلك اللحظة ، على الشرفة المقابلة للغرفة، خلف الزجاج المعتم، ارتسم شبح ابتسامة لزجة، مشبعة بشر خالص…
عيون حمراء تلمع في الظلام كجمر النار.. مرر مخالب طويلة سوداء على الزجاج ببطء متعمد، تترك خدوشًا عميقة، ثم غاصت في لحمه هو نفسه، فسال الدم الأسود القاتم.
بإصبع دام، كتب على الزجاج كلمة واحدة بخط متعرج يقطر: النهاية دم ..
ثم ضحك ضحكة صامتة، فتح فمه فانبعث منه دخان أسود كثيف خانق، يتسلل تحت الباب، يلف الغرفة برائحة الموت والكبريت، يحيط بالحبيبين وهما لا يزالان متعانقين، غافلين عن أن النهاية قد بدأت تكتب نفسها بالدم على جدران حياتهما.
………
ارتعشت أجواء الصباح في سرايا العزيزي بنفحات التوتر والقلق، حين نزلت حبيبه الدرج بخطوات سريعة، كأنها تريد الهرب من جدران هذا البيت الذي يخنق روحها…
رفع فوزي رأسه، ونظر إليها بدهشة ممزوجة بالغضب، وهدر بصوت ممتلئ بالانفعال: علي وين بدري إكده؟
نظرت له حبيبه بحزن عميق، وهمسة:عندي امتحان بكره.
وضع فوزي كوب الشاي بنزق على الطاولة، وهتف بغضب: كيف ديه وعمك وولد عمك هيچوا في العيشه لأجل ما يجروا فاتحتك؟
قطبت حاجبيها بعنف، وهتفت: فاتحتي وانا كت وافجت يا ابوي، عشان تجرو فاتحتي… أنا مش هتچوز اللي اسمه موسي ديه!
نهض فوزي بغضب شديد، وهدر بحدة: ولا هتتچوز ولد الانصاري!
أومات برأسها، وغمغمت بدموع مكتومة: ماشي… يبقي ولا ديه… ولا هتچوز خالص.
خرجت انعام من المطبخ، تحمل أطباق الطعام، وهتفت بنزق: اباي… هتترهبني ولا إيه يا بتي؟
نظرت لها حبيبه بعيون متحجرة، وقالت بحزم: أيوه… أحسن ما اتچوز غصب عني… أنا همشي وأعاود چامعتي.
طرق فوزي الأرض بعكازه بغضب، وهدر: يعني مش هتعاودي يا حبيبه؟
نظرت لهم بحزن، وغمغمت بدموع: يارب… ما اعاود تاني.
انصرفت حبيبه بخطوات سريعه ،وضربت انعام كفًا على كف بغضب وحسره، ونزل عساف الدرج، ونظر حوله بدهشة، وهتف: وين حبيبه؟
أشارت انعام إلى الخارج بحزن، وهمسة:طلعت يا ولدي.
انصرف عساف سريعًا نحو الخارج، ووجد حبيبه تنتظره بجانب السيارة، تمسح دموعها بقهر. اقترب من السيارة وفتح بابها، وربت على رأسها بحنان وقال : اطلعي يا خيتي.
أومات برأسها، صعدت إلى السيارة، وصعد عساف خلفها، وانطلقت السيارة بسرعة، حاملة معها خليطًا من الحزن والقلق والخوف على مستقبل غير معلوم.
………
ظهراً… في بيت الجبل.
استفاق فارس من نوم ثقيل، كأن رأسه يحمل صخور الجبل نفسه….
أثقلته المهدئات التي دسها عماد في فمه ليلًا …
لكن جفونه لم تطفئ النار التي تتقلب في صدره منذ البارحة….
نهض ببطء، وتناول علبة السجائر تلك التي أصبحت عادة مستحدثة… عادة يلجأ إليها ليوهم أعصابه بالهدوء.
أشعل سيجارته، وزفر دخانها بغضب مكتوم يشبه تنهد رجل يحارب الدنيا وحده…
مد يده إلى هاتفه وعبث بشاشته لحظات، قبل أن يرفعه إلى أذنه، وكأنه يتشبث بآخر خيط يربطه بالحياة.
في شقة سوهاج…
كانت الغرفة غارقة في صمت متعب حين دلفت حبيبة، تلتقط الهاتف الذي لا يزال يرن بإلحاح. ردت بصوت مبحوح، يحمل آثار بكاء طويل: ألو…
جاء صوت فارس من الجهة الأخرى أجش من ثقل النوم، لكنه مفعم بالحنان الصافي الذي تعرفه جيدًا: صباح النور يا حبيبي…
جلست حبيبة على السرير، تطوق نفسها بذراعيها كمن تبحث عن صدر تستند عليه، وهمسة بصوت خافت حزين: صباح الخير يا غالي…
أغمض فارس عينيه بقهر، وكأنه يعجز عن مد يده عبر المسافة ليطوق ألمها، وقال : كيفك يا حبة جلب الغالي؟
هزت رأسها بالنفي، وخرج صوتها محشوا بالدموع: تعبانة جوي… مش طايجة الدنيا من غيرك يا حبيبي…
ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتي فارس، ابتسامة رجل يعرف أن أنثاه تشتاقه حد الوجع، وهمس بصدق:
فديتك بالدنيا كلها يا نور حياتي… متبكيش. أنا هاجي لي أبوكي تاني النهرده… واتكلمت مع عساف وهو طمني شوية.
شهقت حبيبة بنحيب مخنوق وقالت : أنا عاودت سوهاچ يا غالي… مجدرتش أتحمل البيت… كت حاسه كني هتنخنچ… الحيطان هتطبچ علي نفسي…
انتفض فارس واقفًا، وكأن كلماتها أشعلت فيه كل طاقة الأرض….
سحب ملابسه بسرعة، وبدأ يرتديها بنصف وعي ونصف جنون، وغمغم بصوت لاهث: خلاص… هدي… أبوس على كل حتة فيكي… متبكيش… مسافة السكة يا جلبي… وأكون عندچ…
مسحت دموعها بظهر يدها، وصوتها خافت مبحوح كأنها تستجدي الطمأنينة:سوج على مهلك… لأجل خاطري…
هز رأسه وهو يخرج من البيت، يركب سيارته بعزم رجل لا يعترف بالعوائق، وقال: حاضر يا حتة النور… متفتحيش الباب أبدا لحد ما أوصلك.
أومأت برأسها، وهمسة:حاضر… سلام يا حبيبي…
همس فارس بحنو يذيب الصدر: سلام… يا جلب حبيبك.
صف فارس سيارته في حديقه السرايا، ودلف إلى بهو السرايا كعاصفة حبيسة، تتقد في صدره نار لم تجد لها متنفسا بعد…
كانت خطواته سريعة، قاطعة، تنبئ بما يشتعل في داخله. ما إن لمحته وهيبة وفاطمة حتى نهضتا بدهشة لم تمهلهما الكلمات. تمتمت وهيبة بصوت مرتعش: چيت يا ولدي؟
لكن فارس مر أمامهما دون أن يلقي إليهما نظرة، وجهه متجهم، جبينه معقود كأن على كتفيه العالم كله. ارتقى الدرج بعجلة، وخلفه ترك قلقًا يثقل الهواء.
تابعته وهيبة بعينين يغمرهما الأسى، كأن كل خطوة يخطوها تقتطع جزءًا من قلبها. همسة بحرقة هادئة تشبه الانهيار البطيء: كل ديه جسوه يا ولدي لأجل ما خايفه عليك…
مدت فاطمة يدها تربت على كتفها برفق يداوي، وقالت بصوت خافت: اصبري يا خيتي… الغالي راچل، ومش سهل عليه الجهره.
أومأت وهيبة، وانسابت دموعها ببطء مرير. لم تكد تمسح وجنتيها حتى عاد فارس، يهبط الدرج وفي يده ملف، كاد يغادر حين استمسكت والدته بذراعه وهتفت بعتاب موجوع:إكده يا ولدي… هنت عليك؟
أغمض عينيه بقهر يتردد صداه في صدره قبل صوته، وتمتم بصوت مبحوح:أنا اللي هنت عليكي… يما.
هزت رأسها نافية، وكلماتها تتهدج من الدموع:لا يا ولدي… دانا هعمل كله ديه خوف عليك، وانت خابر.
رفع فارس عينيه إليها، يلمع فيهما غضب مختلط بوجعه، وقال بنبرة حادة: أنا مش عيل معاكي… يما.
لكن وهيبة أصرت، تهز رأسها وكأنها ترفض مجرد الفكرة:
كيف عيل؟! انت في عيني زينة الشباب… وسيد الرچاله… وميتخافش على اللي زيك يا ولدي.
اقتربت منه، وضعت يدها على صدره بلمسة تشبه دعاء أم مفطورة القلب على قداس لا ينتهي. قالت بصوت متكسر: اسمع مني يا ولدي… أنا خطبلك إيـ—
قطعها فارس بحدة انشق بها الهواء، وابتعد خطوة محرضا العاصفة داخله: خطبتيلي؟!
أومأت برأسها، الخوف يتسلل إلى صوتها: أيوه… لما تتجوز هتنسى حبيبه يا ولدي.
ضحك… ضحكة مرة، تنضح بالسواد. ثم هتف بمرارة تعصر القلب: لو حريم الدنيا اللي اتخلجوا… ولا اللي لسه هيتخلجوا… ميملوش عيني بعد حبيبه، يما.
اقترب خطوة، صوته صار حادًا… صارمًا… يشبه باب يغلق إلى الأبد:واللي خطبتيها؟ اتچوزيها انتي… يما.
وتركهما ومضى، خطواته حادة، سريعة، تكاد ترتجف من شدة الغضب وكأن الأرض تضيق تحت قدميه.
رفعت وهيبة يدها إلى فمها بصدمة وغيظ، وهتفت:
يا مرك يا وهيبه! أجولهم إيه دلوق ديه؟ ديه اليت كانت طايره من الفرح!
هزت فاطمة رأسها بيأس خانق، وهمسة:وياريتنا ما كنا عشمناهم… يا خيتي.
…..
في مزرعة العزيزي…
صف عساف سيارته بعناية، وترجل منها، وقد تعالت في صدره مخاوف لم يعرف لها سببًا بعد، وجد رماح واقفًا ينتظره..اقترب منه بخطوات حازمة، وقال: كيفك يا رماح؟
نهض رماح ببطء، اقترب منه، وغمغم بصوت منخفض:
طيب يا أخوي… أنا چتلك في الليل بس…
قاطعه عساف بحزم، وأشار له بيده:عشيه كان فرح أمير أخوي…
ابتسم رماح بخفوت وقال: مبروك يا أخوي… خد العجود… امضيها لأجل ما أعودها لي ادهم أخوي.
أومأ عساف برأسه، وتحرك إلى
المكتب، وقال: تعال يا رماح.
دلف الاثنان إلى المكتب، لكن عساف تجمد في مكانه بذهول، حين لمح الخزنة… مفتوحة… فارغة. اقترب منها وهو يصرخ بغضب مكتوم:يا أبوي… الخزنة اتسرجت!
نظر له رماح بدهشة وقلق وقال : كان فيها كتير يا عساف…
اندفع عساف نحو الخزنة، وصرخ: كان فيها أكتر من مليون چنيه يا رماح!
لحقت به رماح بسرعة، ومنعه من لمس الخزنة، وحذره:
استني يا عساف… لازمن نبلغ… ومتمسهاش عشان البصمات.
أومأ عساف برأسه، أخرج هاتفه، وغمغم بمرارة: صح… عنديك حج…
رفع الهاتف إلى أذنه، لكن لفت انتباهه ورقة مطوية داخل الخزنة. مد يده، التقطها، ونظر فيها بدهشة ممزوجة بالغضب، ثم هدر: سلمان…
سحب رماح الورقة من يده وقرأ بصوت مرتعش: سامحني يا أخوي… خت المبلغ اللي ف الخزنة واعتبره دين ف رجبتي… هسافر بره، ولما ربنا يكرمني هعاود وارد ديني كله… سليمان.
سقط عساف على كرسيه، وكأن السماء انهارت فوق رأسه، وغمغم بذهول وحزن:ليه كده يا سلمان؟!
طوى رماح الورقة بهدوء وقال: يعني ديه خط سلمان… صح.
جلس عساف صامتًا، يغلي غضبًا وحيرة، تفكيره يسبح في بحر من الأسئلة… ماذا سيقول لوالده؟ كيف يواجه هذا الخيانة؟
…….
في قلب سوهاج المحرق بنار الظهيرة، أوقف فارس سيارته أسفل البناية، رفع عينيه إلى النافذة المضيئة في الدور الثاني، ثم سحب هاتفه بأصابع ترتجف من لهيب الشوق والرعب معًا…
طلب الرقم، وكل نبضة في قلبه تردد اسمها.
بعد رنينتين، جاء صوتها الممزق: ألو…
رد بصوت خشن يقطر حنان مر : انزلي يا قلبي.. أنا تحت!
سمعها تومئ برأسها في الفراغ، وصوتها يصل إليه كأنين بعيد: حاضر…
أغلق الخط، وبقي جالسا بسيارة، عيناه معلقتان على باب العمارة كأنه ينتظر الحكم بالإعدام أو بالحياة…
الثواني تمضي كقرن من الزمان ، ثم ظهرت هي فوق الدرج…
ترتدي فستان أسود رقيق، يخفي منحنايتها، وجهها شاحب، عيناها غرقى في بحر من الدموع، لكنها لا تزال أجمل ما رآه في حياته، حتى وهي تتهاوى…
نزلت الدرج بخطى ثقيلة، كأن كل درجة تقطع من روحها قطعة…
دارت حول السيارة ببطء، وفارس يتبعها بعينين محمومين، يلتهمان كل حركة، كل دمعة تترقرق على رموشها..
فتح لها الباب بيد مرتجفة، صعدت وهي تكتم شهقة، ثم انهارت فجأة: شفت اللي حصل… شفت يا فارس…
لم يتكلم. جذبها من ذراعها بعنف مكبوت، سحبها إلى صدره كأنه يريد أن يخفيها داخل ضلوعه، يحميها من العالم كله….
ضمها بقوة تكاد تكسر عظامها، يده تلف خصرها، أصابعه تغرز في لحمها كأنه يتأكد أنها حقيقية، أنها لا تزال ملكه…
قبضت حبيبة على قميصه بقبضتين يائستين، دفنت وجهها في كتفه، وانهمرت دموعها الساخنة تغرق قميصه، تحرق جلده…
زاد من الضم حتى شعر بأنين خفيف يصدر من جسدها الرقيق، وهمس في أذنها بصوت يخرج من أعماق جهنم والجنة معًا: متخافيش… الموت أهون من إني أهملك لغيري… أنا هحرح الدنيا وأحرج نفسي جبل ما أسيب حد يجرب منيك..
تراجعت قليلاً، وجهها أحمر، عيناها منتفختان، شفتاها ترتجفان، وهمسة والخوف يمزق صوتها:طب هنعمل إيه يا فارس…؟
زفر فارس زفرة حارة مليئة بالغيظ واليأس، ثم مد يده الخشنة برفق مذهل، مسح بها وجه حبيبة من الدموع كأنه يمحو خريطة الألم عن بشرتها….
وضع كفه خلف عنقها، أصابعه تغوص في حجابها وسحبها إليه مرة أخرى، يضمها إلى صدره كأنها آخر قطعة منه في هذا العالم…
أدار المحرك بقوة، وانطلقت السيارة كالسهم في شوارع سوهاج الخانقة، والغبار يطير خلفهما كأرواح تطارد.
غمغم بصوت خشن يهز الزجاج: هنهمل البلد باللي فيها!!
رفعت حبيبة رأسها فجأة، عيناها جاحظتان على وسعهما، وهتفت برعب ودهشة: كيف يعني هنهرب؟
أومأ برأسه بعنف، عيناه مثبتتان على الطريق كأنه يقطعه بأسنانه: هنحاول تاني… بس لو صمموا على رأيهم يبجى مفيش حل تاني… يمكن لما نبعد ونتچوز ونعيش زي الناس يهملونا لحياتنا..
هزت رأسها بعناد يقطع القلب، ودموعها تسيل من جديد:
لا يا فارس… لا… أنا ماجدرش أعمل كده في أبويا ولا في إخواتي!
نظر إليها بدهشة ممزوجة بحنق يعصف به، وغمغم من بين أسنانه: أبوكي اللي بده يرميكي في نار راچل مش عايزه؟!
تنهدت تنهيدة ثقيلة كأنها تحمل جبلًا على صدرها، وهمسة بصوت مكسور: حتى لو أنا هنت عليه… هو ميهنش عليا… ميهنش أبدًا أحط رأسه في التراب… ولا إخواتي… أمير جلبي وعساف عيني… كيف أعمل فيهم كده يا فارس؟
التفت إليها لحظة، والسيارة تكاد تطير. نظر إليها بعشق فاق الحدود، إعجابٍ يبلغ عنان السماء، عيناه تلمعان ببريق يمزج بين الجنون والعشق… وغمغم بصوت يخرج من أعماق روحه: طب وأنا يا حبيبة… أنا إيه عندك؟
رفعت عينيها إليه، بعشق يغلل كل ذرة في جسدها، يستولي على نبضها وأنفاسها، وهمسة بصوت يرتجف من شدة الحب: أنت راچلي يا غالي… أول حب وأول راچل يمس روحي جبل چسمی… أنت كلي يا حبيبي!
نظر إليها بذهول يشل الروح، كأنما رأى ملاكًا ينزل من السماء ليحرق قلبه بنار لا تطفأ….
مد يده بسرعة محمومة، جذبها إلى صدره بقوة تكاد تكسر ضلوعها، يداه تلفان حولها كأنه يريد أن يذوبها داخل جلده،
همس بصوت متحشرج، مكسور، يقطر دمًا وعشقًا:أنا كده دوبت… وعشجتك أكتر يا حبة الجلب الميت والحي!!
ضمته حبيبة بكل ما أوتيت من قوة، أنفاسها تختلط بأنفاسه، دموعها تسيل على عنقه، وفجأة…
جحظت عينا فارس، اتسعتا حتى كادتا تخرجان من محجريهما…
ظل أسود هائل، أسود كالليل المغلق، يقف في منتصف الشارع الخالي كأن الأرض انشقت وابتلعت النور…
لم يكن بشر ، لم يكن حيوان، كان كتلة من الظلام الحي، عينان حمراوان تلمعان كجمر في الجحيم…
ضم حبيبة إليه بقوة ضارية، صرخت حبيبه صرخة انشقت لها السماء، ثم دفعها فارس بعنف محموم إلى المقعد الخلفي، طار جسدها كدمية بين يديه،
وهو يحاول بجنون السيطرة على المقود. لكن في لحظة واحدة، لحظة لا تقاس، اصطدمت السيارة بالظل الأسود بقوة تهز الأرض…
انقلبت السيارة، مرة… مرتين…تهشم الزجاج ،وصرخات حبيبة تملأ الفضاء،وتناثرت الدماء على الزجاج المحطم.
استمرت في الدوران حتى استقرت أخيرًا على جانبها في وسط الشارع الخالي، كأنها لعبة مقدر لها الدمار…
ساد الصمت… صمت ثقيل، مخيف، يسمع فيه فقط صوت الوقود يقطر على الأسفلت…
ثم بدأ الدخان الأسود يتصاعد من حيث كان ظلاك، يلف السيارة كأفعى عملاقة، يتسلل من الشقوق، يخنق الهواء. وقف ظلاك ككتلة سوداء أمام النافذة المحطمة،
نظر إلى فارس الذي ينزف من جبهته، عيناه نصف مغمضتين، وابتسامة لزجة تمتد على وجه لا وجه له..
غمغم ظلاك من جوف الظلام، صوت كالصد في قبر:
كل ما تجرب تاخدها… الموت هيجرب معاك…
ثم ضحك ضحكة صامتة، اهتز لها الدخان،
فتح فارس عينيه بصعوبة، والدماء تغطي وجهه، شعر بأن العالم كله قد انقلب على رأسه.
رأي ظلاك أمامه كائن أسود، ضخم، ملامحه مشوهة وعيونه تطلق شررًا يلسع أعماق قلبه…
همس فارس بصوت متقطع، متألم: ليه… هتعمل كل ديه… ليه؟
اقترب ظلاك منه ببطء، كظل يبتلع الضوء، وغمغم بحنق يزلزل الأرض تحت قدميه: اتحرم عليكم العشج… ارضوا بالحكم.
تألم فارس، وكأن كل عظامه تتلوى من الألم والخوف، وغمغم بصوت ممزق: مين اللي حكم علينا… وليه؟
اقترب الظل من حبيبه الغائبة عن الوعي، ومرر مخالبه على وجهها بلطف مرعب، وتمتم كهمسات جحيمية:
افعالكم… وظلمكم لبعض…
مد فارس ذراعه بصعوبة، يحاول دفعه عنها، وهدر بصوت يقطع الحجر: هملهما! متمسهاش بعد عنيها يا ولد الـ!
ضحك ظلاك ضحكة تخرج من أعماق الجحيم، صدى الظلام نفسه، واقترب أكثر، وقال بخبث قاتل: لو كان التمن روحها!! تدفعها؟!
صرخ فارس بفزع، وهو يسحب قدمه العالقة، وهدر بعنف يخرق الصمت: بعد عنيها! روحها أطهر من إنك تمسها… أعوذ بالله منك! بعدددددد !!
تحامل علي نفسه وسحب حبيبه إليه بكل قوته، وضمها إلى صدره، وهدر وصرخ بحب ممزوج بالرعب: أعوذ بالله من الشيطان الرچيم… حصنتك بالله الحي القيوم، من كل شر يلم بك، ومن كل شيطان رچيم!
تراجع الظل قليلاً، لكن الظلام حوله كان يلف المكان، يضحك بصوت خبيث يزلزل كل ما حولهما، كأن الأرض نفسها ترتجف من وجوده.
ضم فارس حبيبه بقوة،وصوت نحيبه وشهقاته تتقطع، كل شهيق يكاد يقتل قلبه، وكل لحظة تمر وهي بين يديه تزيد خوفه وحبه، حتى استنفدت روحه بالكامل، وسقط فاقد الوعي في حضنها…
…..
في المصنع،
سحب بدر هاتفه ، نظر إليه بدهشة، لكنه أجاب وغمغم:
الو…
جاء الصوت، مهني، صارم، كصدى آلة لا تعرف الرحمة:
حضرتك من الأرجام اللي على تليفون شاب اسمه فارس عاصم الأنصاري.
تجمد بدر في مكانه، خقق قلبه بعنف، كأن أضلعه تنقبض تحت ضغط رهيب، وهتف بصوت متقطع: أيوه… ديه أخوي… في إيه؟
جاء الرد كالصاعقة، كأنه رعد يهوي على رأسه بلا إنذار:
عمل حادثة، وكان معها واحدة اسمها حبيبة فوزي العزيزي.
هب بدر من مكتبه بفزع، كمن انقلبت حياته رأسًا على عقب، ركض إلى الخارج وهو يصرخ: هما وين؟
رد الموظف، صوته جامد، بارد كالصخر: في مستشفى سوهاج العام.
اصطدم بدر بأدهم في طريقه، تمسك به بقوة، وهتف: مالك؟ وخد في وشك كده!
صرخ بدر وهو يركض بلا وعي: الغالي عمل حادثة… هو وحبيبه!
ركض أدهم خلفه بزعر، صعدوا السيارة، وانطلقت بسرعة البرق. قلب بدر يطرق صدره كأنه يريد الخروج، عبث بهاتفه، طلب رقم أمير الذي أجاب بصوت هادئ : — الو…
هتف بدر بصوت حاد، كل كلماته تتخللها رعشة:وينك يا أمير؟
نهض أمير متوترًا، صوته يختنق:ف البيت… ليه؟
هتف بدر بصرخة تكاد تهز الجدران: اندل… دلوق على سوهاچ… مستشفى العام! فارس وحبيبه عملوا حادثة!
شهق أمير بصدمه، ركض نحو الخارج، لكن الباب أغلق خلفه بعنف، صوت صريره يقطع الصمت كالسكين. خرجت ريم من المطبخ، عيناها متسعتان، وهتفت بقلق:
في إيه يا أمير؟
لكن لم تصلها الإجابة… فالباب صار حاجزًا، والحقيقة المروعة تتربص بهم خلفه، كالظل الذي لا يرحم، وكأن الزمن نفسه توقف للحظة قبل أن يندلع الذعر في كل ثانية.
…
في المستشفى،
دخل أمير وبدر وأدهم، والرعب يكسو ملامحهم، والقلق يثقل خطواتهم. هتف أمير للموظف بصوت يختنق:
فارس الانصاري وحبيبه العزيزي… وين لو سمحت؟
نظر الموظف إلى الجهاز أمامه، ببرود مهني وقال : فارس عاصم في أوضة ٣٣، وحبيبه فوزي في أوضة ٣٤، الدور التالت.
اقترب بدر وغمغم بصوت متحشرج: هما طيبين؟
هز الموظف رأسه بالنفي وقال : تجدروا تسألوا الدكتور.
أومأ لهم، وتحركوا إلى الدرج بخطوات متسارعة، مضطربة، كل نبضة في قلوبهم تعكس الرعب والقلق.
عندما وصلوا إلى غرفة ٣٣، كان الطبيب يخرج منها. اقتربوا منه، وهتف أدهم بصوت مبحوح: خير يا دكتور… حالته إيه؟
أشار لهم الطبيب بيده، وقال بهدوء صارم: اهدوا… هو بخير. عنده جرح في جبينه عميق شوية، بس عملنا أشعة والمخ سليم… والتو في رجله بس أسبوع ويجدر يمشي عليها.
تمسك أمير بالطبيب، وغمغم بصوت مضطرب: واختي… حبيبه… كيفها؟
أومأ الطبيب بوجهه، وغمغم: مفيهاش أي حاجة كبيرة… مجرد كدمات. كانت في الكرسي اللي ورا، بس الدرع كانت صعبه عليها. أدناها مهدي وهي نايمة.
أشار بدر إلى الغرفة وغمغم :—طيب… ينفع نشوف فارس؟
أومأ الطبيب ببطء، وقال: ممكن… هو فاج.
انصرف الطبيب، وصدى خطواته يبتعد شيئًا فشيئًا، تاركًا وراءه الصمت الثقيل في الغرفة، كأنه يحرس جرح لم يلتئم بعد. دخل الثلاثة إلى غرفة فارس، وكل خطوة يخطونها تطرق صدرهم بقلق لا يطاق.
اقتربوا من السرير، حيث استلقى فارس كظل منكسر، وعيونه نصف مغلقة تسبح بين الألم والوعي الضائع. جلس أمير على الكرسي بجانب السرير، أنفاسه تتشابك مع توتره، وغمغم بصوت متحشرج: سلامتك.
فتح فارس عينيه بصعوبة، نظر إليه بنظرة تثقلها الأسى، وغمغم:حجك عليا.
بلل أمير شفتيه بغضب مكبوت، وغمغم وهو يكظم ألمًا:
ليه؟ عشان طلعت مع أختي من غير ما تجولي؟ ولا لأجل الأمانه اللي كت هتضيعها؟
أغمض فارس عينيه بقهر، وابتلع غصته المرة كما لو كان يبتلع الجحيم كله، وغمغم بصوت متهدج:كت… بدي أشوفها… كان بدي أوصل لحل.
اقترب بدر وربت على كف فارس بحنان ثقيل: اهدى يا أخوي… اللي حصل مش بيدك.
لكن أمير التفت إليه بعينين تشتعلان غضبًا وذهولًا، وهدر بصوت يلهب الروح: لا… بيده! أنا من الأول حذرته… بس هو مسمعش الكلام! وادي النتيجة… كان هيموت حاله… وحبيبه معاه!
نظر إليه أدهم بغضب، وغمغم بصوت يكتنز الخوف:
في إيه يا أمير؟ مش وقت الكلام ديه.
نهض أمير فجأة، كأن الغضب صار جسده كله، وهتف بصوت يمزق الصمت: يا چدعان! أختي… كانت هتموت! ومش بس كده… كانت هتموت في عربية مع راچل غريب عنها… جدام الخلق! تفتكروا الناس كانوا هيهملونا ف حزننا؟ ولا كانوا هيلسنوا علينا
شهق بغضب مكتوم، ثم هتف:يعني سألنا كان هيبجي كل لسان يعني موت وخراب!
رفع فارس رأسه قليلاً، نظرته مكسورة، تتوسل للفداء، وغمغم بحزن يكاد يفتك بروحه: أنا عارف إني غلط… بس يا أخوي… أنا
قاطعه أمير بحدة، كلماته كالحديد الساخن تقطع أنفاس فارس نفسها : يبجي تصلح غلطتك! إنت لازم تبعد عن حبيبه… كفاية اللي چرى! أنا مش هجف أتفرچ… لحد ما أدفن أختي بيدي!
انزلقت دمعة ثقيلة على جانب عين فارس، كأنها صرخة صامتة من قلبه الممزق، وغمغم بصوت متهدج، مكسور لكنه حاسم: عندك حج… كل ما أجرب منيها الموت… هيجرب معايا.
أغلق عينيه لحظة، كأنه يحاصر الألم كله، ثم أكمل:
أنا هبعد عنيها… حتى لو هموت… المهم حبيبه تكون بخير.
نظر بدر وأدهم إلى فارس، نظراتهما مشحونة بحزن عميق يفتت الروح، كأن الألم نفسه قد سكن أجسادهم.
تحشرج صوت أمير، محمل بالوجع العميق، وكلماته تكاد تتقطع بين ضلوعه: مش بس كده… لازم تكرها فيك… كيف ما خليتها تحبك!
رفع فارس رأسه، نظر إليه بعينين تغرقهما الحزن، وسأل بصوت متهدج: كيف يعني؟
ابتلع أمير غصته بصعوبة، كأن الكلام ثقيل كالحديد على صدره، وقال: تتچوز.
تجمد الهواء حولهم، وكأن الزمن نفسه توقف، وانحنى فارس برأسه بالموافقة، صامتًا، بلا كلمة، لكنه كان قد أعطى جواب قلبه المكسور.
نظر له أمير بعيون حزينة، ملؤها الألم والخذلان، قبل أن يلتفت بخطوات سريعة، كأن كل خطوة تهرب من الواقع، وانصرف. تبعه أدهم بغضب، كل حافة جسده تهتز من التوتر المكبوت، وصدى خطواتهما ترك فراغًا ثقيلاً في الغرفة، حيث ظل فارس وحيدًا، يبتلع الصمت والحزن والموافقة الثقيلة في قلبه.
اقترب بدر من فارس، ومد يده كمن يحاول انتشال أخيه من غرق داخلي، وربت على كفه بحنان يائس، قائلاً بصوت واهن: مش عارف أجلك إيه يا أخوي… استهدي بالله.
لم يجب فارس؛ كان فكه يرتجف بقهر مكبوت، كأنه يقضم الألم بأسنانه. ثم همس، وصوته مبحوح كمن يحتضر من الداخل: هات تلفونك يا بدر…
أومأ بدر، وأخرج هاتفه بيد ثقيلة، ومده إليه. قبض فارس على الهاتف كأنه يمسك آخر خيط يربطه بالحياة، ثم عبث به قليلاً قبل أن يطلب رقم والدته. رفع الهاتف إلى أذنه، وأنفاسه تتقطع.
جاء صوت وهيبة المتعب، المرهق بالانتظار والقلق:
خير يا ولدي؟
أغلق فارس عينيه للحظة، ثم قال بصوت مبحوح يفضح ما يحاول إخفاءه: أنا فارس… يما.
قطبت حاجبيها بدهشة ولهفة، وصوتها يرتجف بقلق: مالك يا ولدي؟ مال صوتك؟
ابتلع فارس شوك مدبب يشق حلقه وقلبه معًا، ثم نطق بما يشبه بالحكم بالاعدام على نفسه: أنا… موافج… أتچوز اللي بدك يما.
صاحت وهيبة بفرحة امتزجت بالحزن، فرحة أم كانت تنتظر، وحزن امرأة شعرت بشيء مكسور خلف الكلمات:
أخيرًا… الحمد لله يا ولدي… أنا هروحلك على إيمان… بت عمك.
أطبق فارس جفنيه بقوة، كأنه يغلقهما عن دنيا لم تعد تعنيه، ثم قال بصوت خافت، منكسر، مطفأ:متفرچيش… يما… أي واحدة.
وأغلق الهاتف ببطء.
وفي اللحظة التي انطفأت فيها الشاشة، شعر بأن آخر شيء داخله قد انطفأ أيضًا…
كأن روحه، وقلبه، وكل ما بقي فيه من رغبة للحياة… قد مات وانتهى أمره.
ووووووووووووووووووووو
ورواني توقعتكم ي سكاكررررر
ساحره القلم ساره احمد

حبيبتي تسلم الايادي اكيد بجنن من قبل ما اقرا❤️❤️
تسلمي يا قمر ويسلم ذوقك وكلامك ♥️
يسلم ذوقك حبيبتى
توووووحفة قبل اما اقرا 😍😍♥️🥰 تسلم ايدك يا اجمل ساحره قلم ♥️♥️😍
تسلمي يا قمر ويسلم كلامك ♥️
الله يسلمك و يحفظك حبيبتى
تسلم ايدك تحفه طبعا كالعاده ♥️♥️
تسلمي يا قمر ♥️
دى عيونك الحلوه حبيبتى
♥️♥️♥️♥️♥️
ليه النجمه مش بتعلق
جربي تاني ي قمر ♥️
جربت كتير واقفه عند رقم7
اتمنى يكون في تفاعل عشان الروايه تخلص ونخش في الجديد يا ريت بجد نقدر تعبها 🥰♥️
يا ريت ♥️
تحفة قبل ماقرا 😘
تسلمي يا قمر ♥️
يسلم ذوقك وقلمك اكيد تحفه زي كل مره ♥️
تسلمي يا قمر ويسلم كلامك ♥️
تحفه تسلم ايديكي ♥️♥️♥️♥️
حبيبتي تسلمي ♥️
تحفه ياساره
تسلمي يا قمر ♥️
حبيبتي البارت اكتر من رائع
تسلمي يا قمر ♥️
تسلمي وتسلم ايدك ياقمر
حبيبتي تسلمي ♥️
تسلمى ياقمر
تسلمي يا قمر ♥️
❤️
تسلم ايديكي مقدما يا سارة من قبل ما أقرأ 🩷🩷🩷
حبيبتي تسلمي ♥️
عايزين تفااااااعل كتييييير سارة تستحق مننا كدة واكتر يلا نشجعها ♥️♥️♥️
تسلمي يا ايمو ♥️
تسلم ايدك
تسلمي يا قمر ♥️
الله ينور
تسلمي يا قمر ♥️
تسلم ايديك
تسلمي يا قمر ♥️
تسلم ايدك ياقمر ❤️
تسلمي يا قمر ♥️
تسلم ايديك يا سارة ♥️
تسلمي ي حبيبتي ♥️
♥️♥️♥️🫶
♥️♥️♥️
تسلم ايدك ياسارة
تسلمي ي حبيبتي ❤️
البارت بجنن ♥️♥️♥️♥️
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تحفه تحفه بجد 😭🥹♥️
تسلمي ي قلبي ♥️
انا بعمل النجمة مش بتعمل لي
دوسي عليها مرتين
♥️♥️♥️
♥️♥️
تسلم ايدك يا قلبي دمتي مبدعه
تسلمي ي حبيبتي ♥️
روعة بجد ربنا يوفقك 🥰🥰🥰🥰🥰
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تفاعلوا ياقمرات ساره تستاهل التقدير
تسلمي ي قلبي ♥️
البارت صعب اوي بجد 😭 فارس وحبيبه صعبانين عليا اوي
🥹🥹
ياربي علي وجع القلب دده بقاا💔🥺
بس البارت تحفففه♥️♥️♥️♥️
تسلمي ي حبيبتي ♥️
البرت تحفة فنية كالعادة تسلم ايدك ياقمر ❤️♥️
تسلمي ي قلبي ♥️
حبيبتي تسلم ايدك
البارت روعة
قلبي وجعني على فارس
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تسلم ايدك يا جميل
تسلمي ي قلبي ♥️
يادلع الدلع😂 الله واكبر كده احنا بدأنا ونقول بسم الله وتسلم الأيادي💗💗💗💗💗💗💗
تسلمي ي قلبي ♥️
تحفه ياقمر ❤️❤️❤️
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تحفه بجد
تسلمي ي قلبي ♥️
ليه كده يا ساره قهرتينا كلنا شوفي حل متخليهوش يزعل حبيبه
🥹🥹🥹🥹
والله دا حرام 🤧🤧🤧😔
ليه كدا 😭
🥹🥹🥹
روووعه
تسلمي ي قلبي ♥️
تسلم ايدك
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تسلم ايدك يا قمر
تسلمي ي قلبي ♥️
❤️❤️يجنن ومشوق جداا .وشكلنا داخلين علي عيااااااط
حصل🥹🥹
تسلم الايادي تحفه بجد
تسلمي ي قلبي ♥️
تحففففففه
حبيبتي تسلمي ♥️♥️♥️
رااااائع
تسلمي ي حبيبتي ♥️
مسكين يا فارس والله قلبي زجعني عليك
🥹🥹
حزن والله حرام واخرتها ياريت يكون في حل بس بجد مبدعه
ليش يا فارس🥹🥹 بارت بجنن بس حزين🥲🥲 تسلم ايديكي 😍