عشق ملعون بالدم (الفصل الحادي عشر)
وما أنتِ..
إلا عشقٌ هجم على قلبي كالإعصار،
خلع أبواب الصمت، وترك الروح نهبًا لهيب الانتظار.
ما عدتُ أجيد الحبّ إلا حين تحضرين،
كأنكِ المفتاح الوحيد لبوابات العمر،
وكأنكِ اللافتة المضيئة في عتمة الطرقات،
تقول للعابر المرهق:
“من هنا تبدأ الحياة…”
كم هو موجع أن أقتات على الشوق،
أن أسكن في مدار الغياب،
أُمسك بلهيب الحنين كمن يمسك جمرًا،
ولا أدري.. أيلتقي دربنا في آخر هذا العناء،
أم يظل الاشتياق قدرًا لا نهاية له؟
ليت الشوقَ يرحم،
ليته يحملني إليكِ كما تحمل الرياح نوارس البحر،
ليته يختصر المسافات،
فيعيدني طفلًا بين يديكِ،
لا يعرف وطنًا إلا عينيك،
ولا مأمنًا إلا صدرك،
ولا حياة إلا بكِ…
كان كل شيء يحدث بسرعة قاتلة…
السيارة تدور حول نفسها، صراخ حبيبة يخترق جمجمته، والمخالب السوداء تشق الهواء كأن الليل نفسه يهاجمهم.
لم يستطع فارس التنفس…
الدخان زحف إلى صدره، إلى حلقه، إلى روحه ذاتها.
حتي سمع صوت هامس خلف أذنه، صوت ليس بشريًا، كأنه يأتي من قاع بئر: دورها… هاتولي روحها…”
التفت… فوجد وجوهًا كثيرة تخرج من الدخان، متآكلة، بعيون شاحبة، كلها تنظر إلى حبيبة…وليس إليه.
صرخ فارس بفزع ،وهو يقبض عليها بين أحضانه: سيبوهااا!”
لكن صوته خرج بلا صوت….مد يده ليدفعهم عنها …
فوجد أن أصابعه تتحول إلى ظل، تتبخر، تفقد شكلها…
كأنه هو نفسه يفقد وجوده.
ثم…سقطت السيارة في العدم….واختفت الأرض.
ولم يبق إلا الظلام….ظلام له قلب ينبض… وصدر يتنفس…وكائن ينتظرهم…
هب من نومه كمن ينتزع من قاع غرق مظلم، كأن أحدهم غرقه في ماء مثلج…شهقة حادة خرجت من صدره، ويده أمسكت بالفراغ أمامه كأنه ما زال يحاول سحب حبيبة من الموت….صدره يعلو ويهبط بعنف، والعرق يتصبب منه كالممسوس ..، ويداه ترتجفان حتى بدا كأن العالم كله يهتز حوله.
تاهت عيناه في الغرفة المظلمة، عاجزًا عن إدراك أين يبدأ الواقع وأين ينتهي الكابوس….رفع عينيه نحو الظلام وقال بصوت مبحوح: ده… حلم؟ ولا بداية؟”
نظر ليده…
فوجد بقعة دخان أسود خفيفة على أطراف أصابعه…
تتبخر ببطء، كما لو أنه كان يلمس الكائن حقًا قبل ثانية.
بلع ريقه بصعوبة مرة بعد مرة… ثم قفز من السرير كمن يهرب من شيء يطارده.
اندفع إلى الخارج، فتح باب شقته بعنف، وقطع الممر بخطوات مضطربة قبل أن يبدأ في طرق بابها بجنون، طرقات تحمل كل ما فتك بأعصابه من خوف… ومن حب.
في الداخل…
خرجت حبيبة من المرحاض ، تلتقط أنفاسها في هدوء، قبل أن تشهق بفزع على صوت الطرق الهائج وراء الباب.
وضعت يدها على صدرها، تمتمت باضطراب : مين چاي دلوق؟”
سحبت سترتها على عجل ورفعت غطاء رأسها فوق شعرها وهي تقترب من الباب بخطوات قلقة، ثم هتفت:
حاضر… مين؟”
جاءها صوته متحشرج، متكسر ، صوت رجل غرق في ظلمة أكبر من الليل: فارس… يا حبيبه… افتحي.”
فتحت الباب بدهشة ممزوجة بالقلق، وما إن ظهرت له حتى قطع أنفاسها وهو يسحبها دفعة واحدة، عنيفة… يائسة… كأنما يشدها من فم الموت نفسه…
ضمها إلى صدره بقوة كادت تضغط عظامها حتى الأنين، قوة لا تشبه الرجال… بل تشبه الغرقى حين يعثرون على الهواء بعد لحظة احتضار.
شهقت حبيبه، واتسعت عيناها بخجل وذهول، ورجفت أصابعها على صدره العاري وهمسة باهتة: في ايه يا فارس… انت…
لكن ذراعيه كانتا قد استحوذتا عليها..
يده الأولى ضغطت على ظهرها بقوة ارتجفت لها مفاصلها،
والأخرى غرست أصابعها المرتعشة في خصلات شعرها، كأنه يحاول أن يثبتها في الحياة، ألا يتركها تسقط في ذلك الظلام الأسود الذي رآه قبل لحظات.
اقترب فمه من أذنها، وهمس بصوت محروق، مبحوح، يقطر ألمًا: كابوس…كابوس يا حبيبه… جلبي كان هيجف…”
ارتجفت هي بدورها حين شعرت بحرارته المحمومة، بأنفاسه المتقطعة، برجفة جسده التي لم تهدأ…
مدت يدها بخجل إلى صدره، ربتت على قلبه المرتعش كمن يطفئ نارًا تشتعل خلف الضلوع، وتمتمت: اهدي يا فارس…”
لكن فارس لم يهدأ….تحرك بها خطوة، ثم أخرى، حتى حاصرها بين ذراعيه وبين الحائط، وصوته خرج منه كهمس جريح، كاعتراف يمزقه الخوف:لو چرالك حاچه… أنا روحي هتروح مني…”
رفعت يدها بارتجاف وربتت على وجنته، وهمسة بصوت خافت يقطر أنوثة وطمأنينة: اهدي… أنا زينه والله… ديه كان كابوس وراح خلاص…”
رفع عينيه إليها…نظرات رجل لم يعد يرى العالم إلا من خلالها، نظرات عاشق احترق عشقه ووجعه ورعبه في لحظة واحدة، ثم خرج صوته خافتًا، دافئ، منكسراً أمام عشقها:احضنيني… يا حبة جلبي…”
بلعت ريقها بتوتر، بعينيها الخجولتين، وهمسة: أنا…
اقترب أكثر… كأنه يضع روحه كلها في كلمة واحدة:
لأجل خاطري…
ارتعشت….وتراجعت، وعضت شفتها بخجل، تمتمت بأنفاس متقطعة: اااصـ… أأنت…”
فأطبق يديه عليها، بقوة حانية، وسحبها إلى صدره هامسًا كمن يتوسل دفئها لينجو من جحيم لا يراه سواهما: متخفيش… حضن واحد بس… لأجل خاطري… يا حتة النور… لأجل ما أهدي…”
عضت شفتها بخجل مرتجف، وأغمضت عينيها كمن يسلم نفسه للطمأنينة القلقة، ثم مررت ذراعيها حول عنقه، تتشبث به كمن يتمسك بحافة الحياة ذاتها…
كان صدرها يعلو ويهبط بأنفاس متقطعة، كأن كل نفس ينتزع من أعماق خوف لم يزل يطاردها.
ضمها فارس بقوة عارمة، قوة عاشق مذعور يختلط حبه بالخوف حتى لا يعود يعرف أيهما يسبق الآخر…
رفعها عن الأرض كأن وزنها أقل من تنهيدة، ودفن وجهه في عتمة شعرها، يخفي رجفته وشرقه وانكسار قلبه.
وغمغم بصوت مبحوح متحشرج يخرج من صدر يكاد ينشق: بعشجك يا حتة النور… لو الكابوس ديه كان حجيجي… روحي كانت شجت صدري جبل ما أوعالك بتتأذي.”
تنفست بعمق، محاولة أن تتشبث بوعيها أمام انفعاله الطاغي، ومررت يدها المرتعشة على منكبيه، تتلمس العرق الذي يلمع علي منكبيه كالدموع… كأن جسده هو الذي يبكي، لا عيناه.
وهمسة بصوت خفيض مرتعش: اهدي يا فارس… ديه كان كابوس… انت جسمك سخن وعرجان جوي… وبتترعش… اهدي… أنا مش جادرة أتلم على أعصابي.”
أغمض عينيه بقهر يمزقه من الداخل، وانكمش فيه الخوف حتى صار وحش يشد أنفاسه…
مرغ وجهه في عنقها بشوق جوعه، وضمها بحدة التملك الذي يولد من الرعب لا من الشهوة،
ثم التهم عنقها بقبلات منكسرة، كأنها محاولة يائسة لإثبات أنها ما زالت هنا… لم تخطف منه…وهمس :
أنا هخاف عليكي خوف… يخلي الدم يچمد في عروچي… لو حاچة مستك الوچع هينحر صدري نحر… يا حبيبة… بدي أدخل چوه دمك… وأفديكي بروحي…”
ارتجف جسدها تحت وطأة حرارته ولهيبه، وحاولت دفعه بوهن، تتلمس الأرض بقدميها لكن الأرض كانت أبعد من قدرتها على الثبات…
ارتدت برأسها للخلف، وخرج صوتها محمل بدموع تتراقص على حافة الانهيار وغمغمت: فارس… لا… لا… كفاية… بس…”
لم يتراجع إلا حين شعر بنفسه يكاد يختطفها من نفسها.
أومأ برأسه، يحاول تنظيم أنفاسه التي تفلت من سيطرته، ثم تراجع قليلًا وأنزلها على الأرض برفق، كأنها شيء مقدس يخشى أن ينكسر بين يديه.
مرر كفيه في شعرها بملامسة حنونة، يحاول أن يمحو آثار خوفه وخوفها معًا وهمس : حجك عليا… والله غصب عني… كت محتاچ أحس بيكي چوه حضني.”
عضت شفتها بخجل باهت، محاولة أن تدفعه بوهن لا يقنع أحدًا، وهمسة: خلاص… انت زِين… دلوق… روح نام.”
أومأ برأسه، لكن عينيه لم تغادرا صدرها الذي يعلو ويهبط بانفعال مكتوم، يشعل بداخله لهيب آخر لم يخمد من الرعب… بل اشتعل من النجاة.
وغمغم بصوت خافت يقطر شغفًا: طب هدي… حجك عليا… صحيتك يا حبة الجلب الميت.”
هزت رأسها بالنفي، ومسحت دموعها سريعًا لتبدو ثابتة، وقالت: لا… أنا كت صاحيه… روح نام… وأنا هنام… عندي محاضرة الساعة تسعة.”
أومأ فارس، وبريق التعلق لم يفارقه وقال : هستناكي تحت… هوصلك الجامعة.”
هزت رأسها بالنفي، كمن يحاول التخفي من شيء آخر يلمع في عينيه، وقالت: أصل…”
لم يزل الهواء من حولهما مشحون بحرارة الخوف الذي لم يبرد بعد…كانت أنفاسهما قريبة، لاهثة، كأن كلاهما خرج لتوه من معركة مع الموت.
رفع فارس يده بحنان رجولي يشتعل دفئًا، ومرر أصابعه على وجنتها المرتجفة، ثم لامست إبهامه حافة شفتيها في لمسة أربكت قلبها كله.
اقترب أكثر، حتى أصبح صوته يضرب على شفتيها كنبض مكشوف: شش… كلمة تاني.”
بلع لعابه بصعوبة، وعيناه تتشبثان بشفتيها بلهفة خامدة كالجمر، ثم همس أمام شفتيها مباشرة بصوت أجش، مثير، لا يخطئه قلب:هبوسك بوسه… نخلف فيها تؤام.”
شهقت حبيبة بخجل متفاجئ، وارتفع حاجبها بدهشة تخاصم قدرتها على الإجابة…لكن قبل أن تلتقط أنفاسها…
ارتفع الصوت في داخلها…كأنه صوت عقلها الحانق:
حبيبة ازعطي جليل الحيا ديه… كفايكم يا بت!”
رفعت حبيبة عينيها إلى الأعلى فجأة كمن يوبخ ظل لا يراه أحد، وغمغمت: أنا… همشيه… مبيمشيش…”
تراجع فارس خطوة صغيرة بدهشة، وحدق فيها كمن يحاول قراءة ما وراء جلدها:إنتي بتحدتي مين…؟”
اتسعت عيناها، وارتبكت، وشعرت بالسخونة تزحف إلى وجهها… لقد تكلمت بصوت مسموع…دون انتباه وغمغمت وهي تخفض رأسها بخجل فاضح : نفسي… هحدت نفسي…
لكن الصوت عاد أعلى، حاد، ساخر : يا بت… مشيّه! اللي واجف عريان ديه… ولا حاسس ببرد ولا متلوم… ولا عشان حلو وجسمه حـ
قطعتها حبيبة بعنف، رافعة يدها في الهواء في إشارة قاطعة: ششش! متبصيش!”
قطب فارس حاجبيه بذهول حقيقي، وهمس: مبصش على إيه…؟”
رمشت بعينيها سريعًا، كأنها تطرد صوت لا يراها غيرها، وحاولت السيطرة على ملامحها المرتجفة: ايوه… امشي… روح… أنا هنام… يلا… روح… امشي من وشها… يلا…”
اقترب منها فارس بقلق صريح، ووضع راحته على وجنتها ثم على جبينها، كأنه يتأكد من حمى مفاجئة:
حبيبة… مالك يا جلبي؟ إنتي زينة…؟”
لكن الصوت عاد، أعلى، يجرها من روحها: يا بت بكفياكم تحسيس! إنتو مهتشبعوش!”
أغمضت حبيبة عينيها بقهر فاضح، ثم هتفت من بين أسنانها:أنا زينة… يلا روح نام!”
تراجع فارس وهو لا يزال غارقًا في دهشته، ثم أومأ ببطء وقلبه يعضه قلق: حاضر… براحة… تصبحي على خير يا حبيبي.”
أومأت برأسها بتوتر لم يخف عليه، لكن عينيها ارتفعتا مرة أخرى إلى السقف، كأن هناك من يقف فوقهما حقًا.
همسة بصوت خافت: وانت من أهل الخير…”
توقف فارس عند الباب، التفت إليها بحدة مريبة، ثم رفع نظره إلى الأعلى مثلها تمامًا وقال : حبيبة… في إيه…؟”
ارتجفت شفتاها، وأسرعت تهز رأسها بالنفي وتمتمت :
مفيش… خلاص… روح يا فارس…”
أومأ أخيرًا، لكنه خرج وهو يلتفت كل خطوة، غير قادر على فهم ما رآه أو سمعه…
بينما بقيت حبيبة واقفة، تنظر إلى الأعلى، تحاول أن تسكت الصوت الذي يسكن عقلها…
أغلقت حبيبة الباب خلف فارس بعنف مرتجف، كأنها تحاول أن تغلق معه الباب على خوف لا تريد الاعتراف به…
أسندت ظهرها للخشب البارد، وضمت ذراعيها إلى صدرها كمن يحتمي من شبح يقف فوق كتفه.
رفعت رأسها إلى الفراغ الذي يعلوها، وغمغمت بغيظ متوتر: أوعاكي… تحدتيني تاني جدام فارس! بدك يجول عليا مخوته؟”
لم يتأخر الصوت… جاءها مندلق في رأسها كضحكة حادة مشحونة بالحنق، كأنها ضحكة كائن يرى ما لا تراه، ويشم رعبها كما تشم رائحة دم طازج: انتي أصلًا مخوتة يا حبيبة… وأنا هحذرك. فارس ديه دحلاب… عمال يبوس عاللي الفاضي والمليان… وانتي هدوبي بين يديه يا بت العزيزي.”
خفق قلبها بقوة… ليس خوفًا من الصوت، بل من فكرة أن يكون كلامها صحيحًا.
هزت رأسها بقسوة، كمن يطرد سما وهتفت : وانت مالك؟ حلي عني يا أختي!”
لكن الصوت لم يصمت…
شعرت به يلتف حول عقلها كظل لا جسد له، كعين مفتوحة داخل رأسها لا تغمض أبدًا…
وبلا انتظار لرده، دفعت حبيبة جسدها عن الباب، وانطلقت بخطوات سريعة متوترة في الممر الضيق حتى غرفتها.
كان قلبها يدق…
ينبض كطبول حرب تعلن بداية معركة لا تعرف طرفيها.
أكانت تهرب من حديثها مع فارس…؟
أم من الصوت الذي تسلل لحدود عقلها حتى أصبح كأنفاس خلف أذنها…؟
أم من نفسها التي بدأت تشك في وعيها؟
فتحت باب غرفتها وتسللت للداخل كمن يدخل ملاذًا…
لكن الظلام لم يكن ملاذًا تلك الليلة.
كان ينتظرها.
………..
كان البيت غارق في سكون الفجر…
سكون يشبه السكون الذي يسبق سقوط السيف.
دلف سليمان إلى الداخل بعد عودته من صلاة الفجر، والندى ما زال عالقًا بأكمام ثوبه، ووجهه محمل بوقار رجلٍ يعرف أن البيوت تختبر عند أول ضوء.
توقف عند أسفل الدرج، وكأنه شعر بثقل غامق يتربص هناك…
وما هي إلا لحظة حتى ظهر موسى، يهبط الدرج بخطوات سريعة تحمل شيئًا يشبه الهروب، أو ربما الجرأة الخالصة التي لا تعرف الحياء.
رفع سليمان يده وأوقفه بنظرة نافذة، وقال بصوت هادئ يخفي تحته إعصار مكبوت: استني… چبت الفلوس اللي سرجتها؟”
توقف موسى، التفت إليه ببرود قاس، ورفع حاجبه بدهشة مصطنعة كأنما يسخر من فكرة الذنب ذاتها، ورد بصوت خال من كل احترام: أنا اللي سرجت… ولا انت؟”
قطب سليمان حاجبيه، وتقدم خطوة كمن يريد أن يرى الحقيقة تشتعل في وجه من أمامه وقال : أنا؟ انت هتكدب الكدبه وهتصدچها؟!
انت عارف إني جولت كده عشان أبوك… اللي انت رميته بالتهمه ولا همك يموت فيها من جهرته!”
ضحكة موسى جاءت باردة، سامة، كأنها صفعة على وجه البيت كله وغمغم : كنا هنورث… يا فجري.”
لم يتمالك سليمان نفسه، فلكزه بعنف اهتز له كتف موسى، وصاح بنبرة موجوعة من شدة الغضب: انت كيف طايچ حالك كده؟! ديه لو ولد حرام… مش هتبچي كده!”
اشتعلت عينا موسى….كانت عيناه أشبه بالجمر حين يلامس الزيت، وقال بصوت يقطر سم: أنا ولد حرام؟
ملكش صالح! انت انسحبت من لسانك… وطچيت حنكك… وجلت هتعاود الفلوس… يلا كيف الدكر… عاودها!”
أغمض سليمان عينيه لحظة، كمن يحاول حبس الدم الذي يكاد يغلي في عروقه، ثم قال بيأس موجوع:
لو معايا… ما كنتش استنيت منك حاچه…بس كل اللي حيلتي… ما يِكملوش اللي سرجته.”
ضحك موسى من جديد…ببرود ينم عن قلب بلا جذر، وبلا ظل: شوفت؟ الحلال ما يوكلش عيش.
كيف انت مش معاك… يكمل ربع مليون؟
وأنا حداي أكتر من اتنين مليون؟”
رفع سليمان رأسه ونظر إليه نظرة رجل ما زال يفرق بين الحلال والحرام، وقال بثبات: الحرام… عمره ما دام.
ولو دام… يبچي غضب زياده عليك.”
جلس موسى على الأريكة، مد ساقيه باستهتار فاضح، وتثاءب بلا مبالاة: ملكش صالح… يا سيدي.
أنا اختارت الدنيا… سبتلك الچنة… برطع فيها وحدك.”
الذهول في عين سليمان انقلب نارًا وصاح : انت بچم؟
أنا هجلك نكملوا الفلوس… ونعودها لعمك.
وانت حر في حالك… إن شاء الله تِولع ف حالك!”
أشار موسى له بتكبر جعله يبدو كملك رخيص على عرش مصنوع من قش: من وين ياخوي؟ أنا الفلوس اللي معايا… كلها هتچوز بيها… أصلي بت عمك… أكيد مهرها غالي جوي.”
قهقه سليمان بتهكم لم يستطع إخفاءه: انت بدك تاخد حبيبة؟ انت أدبيت؟ إياك!”
اشتعل موسى غضبًا، كصبي ينتزع منه لعبته: ليه يا سلمان؟بت عمي… وأنا اللي صنت مال عمي… ووشيت على أبوي وأخويا عشان الأمانة…وعليت عند عمك!”
اقترب سليمان منه، وجهه صار أكثر صلابة، وصوته أشبه بضربة منجل: وأنا… هروح أهد أحلامك على راسك.
وأحكي لعمك كل حاچه… وانت عارف إنه هيصدچني.”
قفز موسى واقفًا، كوحش حشر في زاوية، وصاح:
يبچي بدك تموت يا سلمان؟! لو خشمك چاب كلمه جدام عمك… هيبچي آخر يوم في عمرك!”
ابتسم سليمان بسخرية حزينة، ورفع يده كمن يسلم الأمر لله: مش مهم…بس أبينك على حجيجتك جدامهم…
كلاتهم! جدامك لبكره…لو مچبتش الفلوس…يبچي انت اللي چبتها لنفسك.”
وانصرف سليمان…
خطواته تحمل حسم يشبه حسم من يذهب إلى حرب يعلم أنها قد تقتله.
أما موسى…
فبقي واقفًا، جسده مشدود كوتر قوس، وعيناه تتوهجان بحقد عار، قبل أن يغمغم بصوت مسموم: ماشي يا سلمان…انت اللي بديت….”
………
كان الصباح في سوهاج يشق عتمته الأولى ببطء،
حين رفع فارس رأسه عن مقود السيارة كمن انتشل من غيبوبة قلق لم يذق معها النوم….
نزع نظارته بتعب واضح، وصوت الكعب الخفيف لحبيبة يقترب بين بخطوات رقيقة ترك أثره على التعب العالق في عينيه،
فابتسم… ابتسامة تفضح السهر الطويل والتوتر الذي أكل ما بقي منه.
ترجل من السيارة ببطء متعب، وغمغم بصوت مبحوح يشبه تنهيدة مكسورة: صباح الخير.
توقفت أمامه، نظرتها متسعة بدهشة وقلق، وقالت: صباح النور… انت منعستش من الفچر؟
هز رأسه نفيًا، فتح لها باب السيارة كأنه يفعل ذلك وهو غارق في بئر داخله، وهمس بصوت منخفض متوتر:
لا… مجدرتش… حاسس راسي مدوشه.
صعدت السيارة، ثم أغلق هو الباب، دار حولها وصعد… وانطلقت السيارة تحت يديه بسرعة تشبه هروبه من شيء لا يزال يطارده.
راقبت وجهه المرهق، وحاجبيه المنقبض، وفكه المشدود، ونظراته التي لا ترمش… وقالت برقة تخشى أن تزيد النار اشتعالًا: فارس؟
لم ينظر إليها، بل ثبت عينيه على الطريق كأنه يخشى أن يلتفت فتسقط منه قوته، وغمغم بصوت منخفض أجش :
ايه يا جلبي؟
مدت يدها برفق وربتت على يده القابضة على الدركسيون بقوة تكاد تجرح الجلد، وقالت:اي فيك يا فارس… ليه جالب وشك كده؟ ديه حلم وراح لحاله… فك شوية وحياتي عندك.
تنهد… تنهيدة رجل يحمل على كتفيه أكثر مما يحتمل. بلل شفتيه بتوتر ،
ثم انحرف إلى جانب الطريق وتوقف فجأة. استدار نحوها… نظرة منكسرة لكنها عاشقة، نظرة رجل خاف عليها أكثر مما خاف على نفسه.
وغمغم بصوت مبحوح يحتشد فيه العشق والخوف معًا: حياتك… هي حياتي أنا يا حبيبه. والكابوس كان واعر جوي… عشان حسيت إن الخطر هيمس طرفك.
روحي كانت هتفرجني.
ارتجفت أنفاسها، وهزت رأسها نفيًا كأنها ترد عنه ظل لا يحق له أن يقترب، ومدت يدها وربتت على وجنته بحنان دافئ يسكن العاصفة داخله، وهمسة: لا… متجولش كده، بعد الشر عليك. أنا زينه وانت زين… الحمد لله ديه كابوس وخلاص.
قبض على يدها… قبضة رجل يخشى أن تفلت منه ولو للحظة. رفع كفها إلى فمه وقبل باطنها قبلة حميمة دافئة، قبلة طويلة… حتى كادت شفتيه تترك أثرها عليها. ثم همس بين قبلتين: وطول ما فيا نفس… هتبجي زينه… مهما حصل.
سحبت يدها بخجل وتوتر، قلبها يخفق كطائر صغير، وهمسة: طب كفايه… يلا المحاضره هتفوت عليا.
أومأ برأسه، واستعاد عجلة القيادة بانفعال صامت، وانطلق من جديد..
توقفت السيارة أمام بوابة الجامعة؛ نظر إليها نظرة فاحصة… تحمل وصية خوف وعشق لا يجد له كلمة وقال : حبيبي… خدي بالك من حالك…وأول ما تخلصي… رني…هچيلك على طول.
هزت رأسها سريعًا، أمسكت حقيبتها، فتحت الباب وقالت:
حاضر يا فارس… حاضر.
ترجلت من السيارة، أغلقت الباب، ولوحت له بيدها، ثم مضت بخطوات رقيقة داخل البوابة… بينما فارس يتابعها بعينين لا تغمضان، كأنه يحرس ظلها قبل خطوتها.
وحين اختفت… انطلق بسيارته نحو الشركة، وما زال صداه الداخلي يهمس: لو يچي الخطر… يچي لي أنا، مش ليها.”
…….
في سرايا العزيزي…
كان الهدوء يرفرف فوق الممر الطويل كجناح أبيض، لا يسمع فيه سوى حفيف الهواء المتسلل من النوافذ العالية. دلف أمير إلى غرفة جدته بخطوات مملوءة بالشوق، كأن حضوره إليها ضرورة لا يكمل يومه دونها.
فتح الباب برفق، وما إن لمح عيني جملات حتى هتف بصوتٍ خفيض دافئ: شيعتيلي يا چده؟
أومأت برأسها وأشارت له بيدها إشارة صغيرة، وابتسامة خافتة ارتسمت على وجهها الهادئ…
أغلق أمير الباب خلفه واقترب منها، متكئًا قليلاً نحوها، وغمغم بعفويته المحببة: وحشتك يا چيچي إياك؟
ابتسمت بحنان يشبه دعاء صامتًا، وربتت على منكبه، ثم أشارت بأصابعها إلى قلبه… قبل أن تشير إلى قلبها، تسأله بعينيها عن حاله، عن ذاك الفراغ الذي تعرفه جيدًا، عن نبض الحب الذي لم يستقر بعد.
ابتسم أمير بملامح ذائبة بحبها، وقال بصوت منخفض يمتلئ بالصدق: لا… لسه يا جلبي…مفيش في جلبي غيرك.
هزت رأسها ببطء، وعيناها تلمعان بشغف عميق، ثم أشارت إلى إصبعه… إلى المكان الذي تخلو منه دبلة زواج. فهمها قبل أن تكمل، وغيمت عيناه بحزن ثقيل وهو يهمس: ريم…
أومأت جملات إيماءة صغيرة، تشير بيديها أن ريم جيدة ، أو ربما تريد أن تقول: الحياة لا تقف على أحد.
أخفض أمير رأسه قليلًا، وقال: وانا أجدر أجول غير كده يا چدتي؟… بس انتي أكتر واحده عارفه… الحب غريب جوي في اختيارنا… مش ديه حديتك؟
ابتسمت ابتسامة تعرف أكثر مما تقوله، فأومأت بتأكيد. ثم رفعت يدها اليسرى، تشير إلى قلبها… ثم قلب أمير… ثم السماء… ثم قبضت يدها بقوة.
التفسير لم يحتج كلمات.
أومأ أمير برأسه بعمق وقال: عارف… إن الحب بيدخل الجلب من عند ربنا…وعارف إنه هو اللي بيختارني… وبيختار لينا الجلب اللي بنحبه…والاختيار… اختيار إچباري.
زفر بتعب ممزوج بغصة وغمغم: وديه أكبر تفسير إن جلبي مختارش ريم… ولا جلبها اختارني…
مش كلنا محظوظين كيفك انتي وچدي… الله يرحمه.
أنا لحد دلوق مش جادر أفهم العشج اللي كان بينكم… من غير ما كتي تتحدتي معه.
أشارت جملات إلى قلبها، ثم أغلقت يدها حوله كأنها تمسك قلبها بين كفيها… تعلمه أنه الحب حين يكون أعمق من الكلمات.
ابتسم أمير رغم ثقل السؤال، وقال بهدوء مستسلم:
عنيدك حج يا چدتي… الجلب مش في يدينا…ولا العشج بالحديت ..
ربتت على يده بطفولة حنونة، ثم أشارت بكفيها بمعنى الطمأنينة، الانتظار، والقبول الاشاره ..
ابتسم أمير وقال: والله… مهمل جلبي مفتوح في استجبال أي إشارة.
ضحكت جملات ضحكة صامتة لكن مليئة بالروح وأشارت بيدها أن الإشارة ستأتي..
أومأ هو هامسًا، كأنه يعد قدرًا لا جدته: وانا مستني يا چميل…
وضعت جملات راحة يدها على قلبه برفق، ثم أشارت بيدها الأخرى أن عليه أن يبقي قلبه مفتوحًا… ويفهم الإشارة حين تأتي.
اقترب أمير وضمها في حضنه… حضن مليئ بالامتنان والدفء، ثم قبل رأسها برقة قائلًا: هفهم الإشارة… حاضر.
أمام بوابة الجامعة…
خرجت حبيبة بخطوات مترددة، حقيبتها على كتفها، وعيناها تبحثان بقلق عن ظل فارس قبل أن تبحث عن وجهه..
وسط الزحام، لمحت قامته أولًا… ثم ملامحه… ثم وقوفه المتوتر وهو يتحدث مع معيدة في الكلية.
لم تكن الضحكة التي ارتسمت على شفتي المعيدة ثقيلة… لكن في عين حبيبة، كانت طعنة كاملة.
توقفت مكانها كأن الأرض شدت قدميها إليها، وانكمش صدرها بغيرة جارحة جعلت أنفاسها تخرج ساخنة.
قطبت حاجبيها بحدة، وانفلتت منها غمغمة غاضبة بين أسنانها: بس فالح يجولي حبة الجلب الميت… دانا هموتك انت وجلبك يا فارس…
ارتفع صوتها الداخلي، ذلك الجزء الوقح من روحها، وهو يبصق الكلمات بحدة: بدل ما انتي واقفة تأكلي فب حالِك… اتحركي، نحليها من شعرها اللي فرحانة بيه ديه يا مخوته!
اتسعت عينا حبيبة وهي ترد عليه بخنق: هتوديني في نصيبة… ديه معيدة في الكلية! هسجط السنة لو نحلتها من شعرها!
قهقه الصوت الداخلي بغل واضح، وهتف: خلاص، هملي ليها… وابجي تفي في وِشي لو لجيتي راچل تاني كيف فارس!
رفعت حبيبة رأسها للسماء بعصبية، وكأنها تطلب صبرًا مُستعجلًا من ربها، ثم بصقت على الأرض بحنق وهي تهمس: طب غوري…
كانت الغيرة تنهش قلبها بناب حاد، وركبتيها ترتعشان ما بين رغبة في الهجوم… ورغبة في الهرب… ورغبة ثالثة في الوقوف فوق ناطحة سحاب والصراخ باسم واحد فقط: فارس.
تحركت حبيبة نحوه بخطوات سريعة تكاد تفضح ما يشتعل في صدرها، وجذبت ذراعه بقوة طفولية غاضبة، كمن يحاول انتشال صاحبها من يد الخطر…
ارتج فارس قليلًا من حدة قبضتها، فالتفت إليها بعينين اتسعتا بدهشة وحنان في آن واحد، وقال بصوته الخفيض الذي يسكن قلبها: مالك يا جلبي؟
كانت الغيرة تطفح من أنفاسها، تفضحها الزوايا المرتعشة في شفتيها. ذمت فمها بغيظ وغمغمت: هتعمل ايه؟ أنا بدي أروح.
أومأ فارس برفق، كأنه يهدئ عاصفة صغيرة انفجرت داخل كفه، ثم قبض على يدها ورفعها إلى شفتيه وقبلها قبلة ناعمة تسكت كل جرح وقال: حاضر… أنا بس چبلت الدكتوره نهى، كانت زميلتي أيام الكلية.
رفعت نهى حاجبها، واقترب صوتها الناعم المليء بالنغج، ذلك النغج الذي يجرح ولا يداوي: إزيك يا حبيبتي؟
ثم نظرت إلى فارس بنظرة طويلة… نظرة امرأة تعرف جمالها وتأثيرها، وكأنها تلتهم ملامحه بعينيها، قبل أن تهتف بابتسامة جانبية: أختك دي يا غالي؟
شهقت حبيبة، كأن أحدهم أشعل نارًا في صدرها. اندفعت خطوة للأمام وهتفت بنزق حاد: غالي؟!
بحدس الرجل الذي يحمي ملكه، حاصر فارس خصرها بذراعه وقبض على ذراعها الأخرى، ثم جذبها إليه بثقل رجولته وهتف: لالا… مش أختي.
دفعت صدره بقبضة غاضبة، وكأنها تؤكد حقها بصوت لا يعرف التردد: أنا خطيبته!
وفي اللحظة ذاتها… خرج صوت فارس حادًا، رجوليًا، محملًا بتلك البحة التي تعرف كيف تشق قلبها نصفين:
مرتي..حبيبه مرتي!
تجمدت نهى، حاجباها ارتفعا بدهشة متعجرفة، ثم سألت بحدة حاولت أن تخفيها خلف ابتسامتها المتصنعة: خطيبتك ولا مراتك؟
التفتت حبيبة إلى فارس بسرعة، نظراتها مزيج من خوف طفولي وغيرة مفترسة، لكن فارس… كان غارقًا فيها وحدها، يلتهم ملامحها بعينيه كأنه يراها للمرة الأولى.
قال بصوت منخفض، ساخن: مرتي… وخطيبتي… وحبيبتي… وحبة جلبي… وحتة النور اللي في حياتي.
انهارت الغيرة من كتفيها كتراب، وحل مكانها حب دافق، صاف، كأنه انسكب في شفتيها وعينيها ورجفتي أنفاسها.
أما نهى… فقد توقفت لحظة، الغضب يشتعل خلف ملامحها قبل أن تغادر بخطوات سريعة متوترة.
لكن أحدًا لم يشعر بها…
كان العالم كله يختزل في نظرة واحدة…
نظرة فارس لحبيبة، ونظرتها له، كأنهما يقفان على حافة قبلة لا تنطق، لكنها تكاد تسمع.
كان وقع صوت الفرامل الحادة كصفعة أعادت العالم كله إلى دورانه من جديد…
ارتجفت حبيبة للحظة، واتسعت عيناها في توتر أربك أنفاسها، وهمسة بخفوت تتعثر فيه الحيرة:هي راحت وين؟
دار فارس بنظريه في المكان بحدة خاطفة، كأنه يستنشق أثر الخطر، ثم قال بنبرة تجمع القلق بالرجولة الصلبة: مش عارف… تعالي يا جلبي.
أومأت بخضوع طفولي، تتحرك بخفة مرتبكة بجانبه نحو السيارة…
فتح لها الباب بحركة سريعة، حامية، كأن يده تبعد عنها العالم، وصعدت هي بينما أُغلق الباب خلفها … جلس فارس بجانبها، أشعل المحرك، وانطلق بسرعة…
نظر إليها بحنان حارق يتخفى خلف عبثه، وهتف وهو يبتسم ابتسامة تهز قلبها: احنا بنغير يا حبة جلبي.
زاغت عيناها، ضاعت ملامحها في خجلها، وألصقت نظرتها بزجاج النافذة تهرب منه ومن نفسها، هامسة بتوتر عذب:لا… هي بس هتتجلع كده ومستفزه.
قهقه فارس بصخب لا يخفي فخره بها، وقال بصوته الأجش الذي يسري في عروقها: انتي ختي الجلع والغنج والأنوثه اللي في الدنيا كلها… كل بنات الدنيا چمبك غفر يا حبيبي.
مد يده، قبض على يدها الصغيرة وسحبها إليه، ثم لف ذراعه حول عنقها بحنو واضحة، وهمس بصوت يربك ظهرها: حطي في دماغك وچلبك… إني أنا خلاص بتاعك.
وحدك… كل حاچة فيا، جلبي وعيوني وعجلي.
مال بشفتيه على أذنها، ومرت أنفاسه على بشرتها كشرارة، وهمس بعبث يذيب قوتها: وكل حتة في چسمي… بتاعتك وحدك.
ارتجفت، وعضت شفتها بخجل يعجز عن الهروب، ولكزته بخفة مرتبكة وهمس بصوت يختبئ خلف خجلها: لم حالك… انت جليل الحيا جوي.
ضحك فارس، ضحكة رجولية متربعة في قلبه، وقال وهو ينظر إلى وجهها وكأنه أغلى كنز امتلكه: طب… وكل حتة فيكي بتاعتي. وأنا… هموت عليكي.
ضربته بيدها بخفة، ورفت رموشها بخجل سكران قبل أن تهمس: يخربيتك بس…
اقترب منها أكثر، وكأنه يريد أن يسجنها بين ذراعيه، وهمس بنبرة لا تشبه إلا رجلًا يعشق حتى الفناء: بردك.
قطع ضحكته فجأة رنين الهاتف، فمد يده وسحب الجهاز، وغمغم بصوت أخوي دافئ: دجيجة يا جلبي…
أومأت هي برأسها بخفة، ونظر إليها فارس بابتسامة مشحونة بالحب والعبث، قبل أن يرفع الهاتف ويجيب:
الو.
ردت نغم بتردد واضح: ايوه يا فارس…
ابتسم فارس بحنو أخوي، صوته يملؤه الدفء: في حاچه يا جلبي.
نظرت إليه حبيبه بدهشة ممتزجة بالغضب، فابتسم لها فارس بعبث وقال وغمغم: دي نغم يا جلبي…
رفعت حاجبها بنزق، وهمسة بحدة: وانت عندك كم جلب يا فارس؟
ضحك بصوت دافئ، يقطر خفة ومغازلة: تنين… يا جلب فارس.
هزت رأسها بيأس، ونظرت أمامها محاولة كتم ضحكتها، بينما ردت نغم بحماس: فارس… ممكن اروح ابات مع اصحابي في السكن البنات، عشان واحدة صاحبتي هتتچوز وهتمشي الجاهره.
نظر فارس إلى حبيبه، وبلل شفتيه بابتسامة مائلة إلى الغنج: ماشي يا نغم… وهعدي عليكي الساعه تمنه.
هتفت نغم بسعادة مرحة: ربنا يخليك ليا يا اخوي!
أغلق فارس الهاتف وغمغم بحنان ممزوج بالعبث:
بيبه… نفسك في ايه يا حبة جلبي؟
ارتابت حبيبه قليلاً، ونظرت إليه بدهشة: ايه… مش فاهمه.
رفع حاجبه بدهشة، صوته يحمل عبثه المعتاد: ايه… اي حاچة يا حبيبي… نفسك فيها من زمان.
شردت قليلاً، وعيناها تلمعان، قبل أن ترد بنبرة خجولة:
نفسي اروح البحر…
رفع حاجبه بدهشة، وغمغم بلهجة مختلطة بين المفاجأة والمرح:بحر! يعني هتعرفي تعومي؟
هزت رأسها بالنفي، وصوتها خافت: لا… أنا بدي اجعد جدامه كده شويا وخلاص.
ابتسم هو وغمزها بعبث، يلتف حولها شعاع من الدفء:
واعلمك العوام… عشان نعوم مع بعض.
لكزته بخفة، وهتفت بنبرة نصف غاضبة ونصف ممتعة:
لم حالك يا فارس!
ضحك بصوت صاخب، مليء بالخبث والرجولة، عينيه تلتهمان ملامحها، بينما هي تلتفت له بدهشة، ثم هزت رأسها بيأس وهمسة: جليل الادب موت…
…….
في غرفة نغم،
دارت حول نفسها وهي تقبض على الهاتف بحنق، تحاول الاتصال بأدهم مرارًا دون جدوى….
بلعت غصتها بصعوبة، وهمسة بصوت مبحوح: هو غير رأيه إياك؟! الله يسامحك يا ادهم… هتخوتني ببرودك يا شيخ.
عاودت الاتصال أكثر من مرة، حتى فقدت الأمل، فألقت الهاتف جانبًا، ودموعها تنهمر على وجنتيها…
جلست على السرير، تمسح دموعها بباطن كفها، وكتفها يرتجف تحت وطأة الحزن.
دلفت حبيبه إلى الغرفة، وهتفت بقلق: نغم خـ…
قطعت جملتها وشهقت بفزع حين وجدت نغم تنحب بحرقة. اقتربت منها وربتت على ظهرها بحنان: مالك يا حبيبتي؟ ايه اللي حصل؟ مين مكدرك؟
نظرت إليها نغم بنحيب، ضمت حبيبه إلى صدرها وسندت رأسها على كتفها، وغمغمت بين دموعها: مخنوجه جوي… أنا كت مرتاحه وجاطعه الأمل… هو اللي چاني… وجالي بحبك أنا كت في حالي والله يا حبيبه.
قطبت حبيبه حاجبيها بدهشة وحزن، وغمغمت: مين ديه يا نغم؟ وعمل ايه… هيبكيكي كده؟
تنهدت نغم بين شهقاتها الحادة، وأجابت بصوت متقطع:
ادهم… ولد عمي… أنا هحبه من زمان… بس هو عمره ما طل نحيتي… وانا كت متاكده أني مش في دماغه… وكت في حالي… لحد ما هو چالي من يومين… وجالي بحبك… وبدي اتچوزك… ودلوق هرن عليه من عشيه… مش بيرد عليا.
أومات حبيبه برأسها، ومسحت على شعرها بحنان: يا جلبي… يمكن مشغول… أو نعسان… أو عنده شغل.
هزت نغم رأسها بالنفي، وغمغمت بدموع: لا… أنا حاسه أنه ندم.
جلست حبيبه أمامها، ومسحت دموعها بطرف يدها، بصوت مطمئن: ندم؟ كيف؟ ويلاجي الچمال والأدب كله وين تاني؟ دانتي بت عمه يعني… عرضه… وأكيد هيصونك.
ارتسمت لمحة أمل في عيني نغم، وقالت: يارب يكون كده… أنا بحبه جوي يا حبيبه… جلبي معرفش راچل غيره… أنا كني اتفطمت على حبه من صغري.
ابتسمت حبيبه بحب، وغمغمت بصوت دافئ: يا جلبك… اللي كيف الحليب… ربنا ما يكدرك ابدا، ولا يعكر جلبك حزن يا حبيبتي.
ابتسمت نغم بحنان، وقالت: حلوة جوي الدعوة دي يا حبيبه.
أومات حبيبه برأسها: چدتي… علي طول تدعيلي الدعوة ديه.
ضمت نغم حبيبه إلى صدرها بحب، وهمسة:ربنا يچعلها من نصيب جلبي… وجلبك يا حب.
أغمضت حبيبه عينيها، وهمسة بخفوت: يارب…
……..
في بيت الجبل،
خرج بدر من المطبخ وهو يحمل كوبين من القهوة، ومد أحدهما نحو أدهم الذي جلس غارق في شرود وحزن،
انهمرت دمعة ثقيلة على شاشة هاتفه فوق اسم نغم، كأن قلبه كله يتلوى مع تلك القطرة الواحدة….
هز بدر رأسه بحزن، ووضع الأكواب على الطاولة، ثم اتجه نحو الشرفة ووقف، زفر بحنق وغضب مكتوم، وكأن قلبه يمزق: حتى انت يا أدهم…
مسح أدهم دموعه العالقة على جفنيه، وغمغم بصوت مبحوح: أنا مالي… أنا زين.
نظر بدر أمامه بشرود مشوب بنار حارقة، وقال بغضب مكتوم: أمال شارد ليه بين حروف نغم…
ارتجف فك أدهم بغضب، وغمغم: لما الدمعه اندلت من عيني… غرجت اسم نغم… كأنها هتجولي عشجك… ليها هيغرجها ف البكي…
سند بدر على حافة الشرفة، ونكس رأسه، قطرت دموعه بقهر، وهمس لنفسه: ليه ربنا خلج الحب؟ ليه خلج الشوج؟ ليه خلج الجلب ضعيف جوي… نظر واحدة منيها ولا كلمة… يخضع الجلب ويدوب فيها… والعجل يتلغي…
نظر أدهم إلى الهاتف الذي يضيء باسم نغم مرة أخرى، وأغمض عينيه بقهر، وغمغم بصوت متقطع: ولما العجل يتلغي وتجدم خطوة… تندم عليها… باجي عمرك… خلج الحب والجلب الضعيف… عشان يخضع بيهم اللي فاكر حاله جوي… ومفيش حاچة ممكن يخضع ليها… لحد ما يچي الحب… وعيله متطلعش من ركبتك… تخضعك… وتذلك في عشجها.
شرد بدر بحزن، متذكر طعم شفتين ليلة ورائحتهما التي تسكر الروح، ونعومتها بين أحضانه، تنهد بحرارة، وجسده يشتعل بنار حارقة، وغمغم بصوت متقطع: مش لو كت بعيد كان احسن… ياريتني ما جربت… ولا مسيتها… كل حاجة ناجصة… بعيد عنيها…
نهض أدهم بغضب واقترب منه، وغمغم: احنا بين كل الواعر يا بدر…
أومأ بدر، وقال: بين الوجع والجهر…
عم الصمت بينهما، ثقيل كظلام الليل الذي يطل أمامهم، أعظم من الظلام الذي يجثم على صدورهم…
كل واحد منهما يغرق في نيران قلبه، في عشق لا يرحم، وفي ألم يكتم النفس و يثقل الروح.
……
في سرايا الأنصاري،
جلست ليلة على الأرجوحة، وسندت رأسها على فروعها المتفرعة بين الورود،
ودموعها تنهمر على وجنتيها بلا توقف، وهي ترقب بوابة السرايا، وكأن كل ثانية تمر تزيد شعورها بالفراغ وبالبعد عن بدر..
نظرت حولها إلى الأرجوحة التي أعدها لها بدر بحب جارف، ونسجت في ذهنها ذكريات الأيام التي كان يجلسها بين ساقيه،
يدفعها برقة، ويوزع قبلاته على عنقها وشفتيها بحنان يلهب المشاعر ويجعل قلبها يختنق بالعشق.
انزلقت دموعها بقهر وحزن، وغمغمت بخضوع للقدر:
يارب… مجدرش أعيش من غيره…
فجأة، تغيرت الأجواء حولها، وارتعشت النسائم من لمسة حانية خافتة على وجنتيها، كأن أحدهم يمسح دموعها، ثم سقطت وردة حمراء ذابلة على حجرها، وصوت خافت ورقيق همس لها من بين الصمت: العشج اجوي يا ليلة…
شهقت ليلة، ووضعت يدها على أذنها بفزع، ونهضت بسرعة وهي تنظر حولها برعب،
فانزلقت الوردة على الأرض، وانفاسها تتقطع في صدرها، فركضت نحو الداخل، وكأنها تهرب من رؤية لم تجرؤ على مواجهتها.
ثم ظهر طيف باهت على الأرجوحة، جلست بثبات غامض، وابتسامة باهتة تتسلل إلى شفتيها كما لو كانت عابرة بين الحزن والحنين،
وعيونها تتلألأ بوميض غامض تراقب ليلة وهي تركض مذعورة، وقلبها يخفق بعنف، وأنفاسها تتقطع بين الرعب والدهشة.
همس لها بصوت خافت، يشق الصمت كنسيم دافئ ولكنه مشحون بالعاطفة: چبانه…
انقبض قلب ليلة في صدرها، وكأن الكلمات لامست أعماقها وأشعلت كل إحساسها بالخوف والحنين،
ثم، في لحظة، ذاب الطيف في الهواء كأنه لم يكن إلا سراب من نور، تاركًا الوردة الحمراء الذابلة على الأرض، شاهدة صامتة على لحظة مشحونة بالغموض والعاطفة، وكأن قلب ليلة ما زال يسمع همس الحب، والخطر، والحذر في آن واحد
في سوهاج،
وقف فارس أمام سيارته، عينيه تتفحصان الطريق بترقب، ينتظر نزول حبيبه ونغم. وفجأة، ظهرتا أمامه، حبيبه وهتفت بدهشة: انت صممت اندل ليه؟ أنا مش رايحه معها!
أومأ فارس برأسه بهدوء، وقال: تعالي بس…
تحرك سريعًا وفتح باب السيارة الأمامي والخلفي، صعدت حبيبه في المقعد الأمامي، ونغم في الخلف، ثم أغلق الأبواب وانطلقت السيارة على الطريق.
نظرت له حبيبه بدهشة متعجبة وقالت: ممكن تفهمني يا فارس؟
هز رأسه بالنفي وهمس بعبث: لا…
رفعت حبيبه حاجبيها بدهشة وضحكت نغم، وقالت: لا، كيف يا فارس؟
نظر لها فارس عبر المرآة الداخلية للسيارة، وقال بجدية مختلطة بالمرح: يعني لا يا نغم، ولا مبدكيش تروحي لصاحبتك…
هزت نغم رأسها بالنفي، وردت بسرعة: لا… هو لا، كيف ما يجول الغالي يا حب…
نظرت لها حبيبه في المرآة بغضب طفولي وقالت: يا چبانه…
ضحكت نغم بمرح وقالت: الچبن سيد الأخلاج…
ضحك الجميع بمرح، وتوقفت السيارة، فهتف فارس:
يلا يا ستي، وبكره هاچي اخدك، متروحيش لحد ما اچيلك…
أومأت نغم برأسها وقالت: حاضر…
وترجلت من السيارة وتحركت نحو البوابة، وواصل فارس نظراته إليها حتى اختفت بين الظلال،
ثم انطلق بالسيارة بسرعة، تاركًا وراءه صوت المحرك وصدى الضحك المرح في الأفق…
نظرت له وعيونها تشع فضول وقلق، وقالت: فارس… جول ريحين وين؟ أنا مش جادره أتحمل… ولا حملك انت مخوت!
ضحك فارس بصخب، صوت ضحكته يملأ الأجواء، وكأنه يعيد نبض السيارة كلها إلى الحياة:وانتي ست العجلين… اصبري على رزجك…
رفعت حاجبها بنزق، وهتفت بتحد طفولي:جصدك ايه يعني؟ أنا مخوته!
هز رأسه بالنفي بسرعة، وصوته يقطر حدة ودهشة:
ولد كلب مين… يجدر يجول كده!
اقترب منها بلهفه ، كأن جذور الشوق تسحب روحه نحوها، وخطف قبلة عميقة على شفتيها، لكنها كانت سريعة كوميض برق في ليلة صيفية، ثم همس بصوت يقطر العبث والشغف:دانا كت اجطعه بسناني…
شهقت بفزع، وارتعشت في مكانها كزهرة تهزها الريح، ودفعته عنها بكل قوتها، وارتفع صوتها صارخًا، متوعدة ومتمردة: يخربيتك… هنعمل حادثه كده!
تراجع هو إلى كرسيه، جلس كمن سقط بين طيات صمته، وغمزها بعبث متحشرج، همس بالكلمات التي حملت بين طياتها حرارة غير معلنة: متخفيش…
احتدم الجو فجأة، انطلقت السيارة بسرعة، في صمت ثقيل يملأ الفراغ بينهما، وكأن كل نبضة قلب تكتب قصة شغف مكتومة، والهواء من حولهما صار محملاً بالحرارة والرغبة، لا هو قادر على التراجع ولا هي على الصمت.
حتى توقفت أمام المطار، وترجل فارس من السيارة، وعيونه لا تفارقها، بينما حبيبه تنظر حولها بدهشة وارتباك.
فتح الباب ومد يده، وهتف بصوت رجولي حنون: يالا يا حته النور…
نظرت حولها بقلق، وقالت: احنا چاين هنه ليه؟
أومأ برأسه، ونبرته مشبعة بالحزم والعناية: هستجبل واحد صاحبي چاي من السفر…
مسكت يده، وترجلت من السيارة بدهشة، وهمسة بنبرة حائرة: وطيب… وانا مالي؟
أومأ فارس بحزم، وجرها بخطوات سريعة إلى داخل المطار، قائلاً بصوت منخفض لكنه مليء بالحب والاهتمام: أنا جولت… بدل ما تجعدي وحدك في الشجه، ونغم مش معاكي…
سارت حبيبه معه، عيناها تتسعان بدهشة، وقلبها يخفق بتوتر، وهي لا تدرك ما يجري حولها سوى الدهشة والارتباك…
حتى توقفت أمام درج الطائرة، وارتعشت كلماتها وقالت : هو احنا هنچيب صاحبك من چوه الطائرة؟
ضحك فارس بصوت دافئ ارتجف معه الهواء من حولهما، ثم انحنى فجأة، حملها بين ذراعيه بثبات مطمئن كجذر شجرة متجذر في الأرض،
فشهقت بفزع، وارتجفت ساقاها بدهشة مفاجئة، وهتفت بصوت متقطع، يمزجه الدهشة بالخوف والمغازلة:
يا مخوت… انت مصمم تخطفني!
ضحك بصخب، ضحكته تتردد بين جدران الدرج، ثم صعد بها بخطوات سريعة،
متسارعة كقلبه وهو يغرق في شعور لم يجرؤ على الاعتراف به، وغمغم بلهجة مشحونة بالحب والعبث:
اه… هخطفك وادسك چوه جلبي يا حبة جلبي!
وكانت لحظاتهما تختلط فيها المغامرة بالحنان، والخطر بالدفء، وكل حركة وكل همسة تكتب قصة شغف مشتعلة بين قلبين لا يعرفان التوقف.
وصل إلى باب الطائرة، وأشار إلى المضيفة بابتسامة خفية، لتلتقط جوازات السفر من جيبه…
ضحكت المضيفة بخجل، والتقطت الجوازات، وتفحصتها بعناية، بينما حبيبه لا تزال في ذهولها، وقلبها يعلو ويهبط بين خوف وحب،
وهي بين أحضان فارس، متشابكة المشاعر، وكأن العالم كله توقف للحظة واحدة.
وقالت المضيفة بصوت رقيق مبتسم:رحلة سعيدة يا فندم…
نظرت حبيبه إلى جواز السفر بدهشة، وعيناها تتسعان:
أنا معنديش چواز سفر!
ابتسم فارس بعبث، وتحرك داخل الطائرة وهو لا يزال يحملها بين أحضانه، وهمس لها بحنان مشبع بالجرأة:
—طلعته النهاردة بعد ما نغم سرجتلي بطاجتك، وواحد صاحبي خدمني.
رفعت حاجبها بدهشة، وغمغمت نصف مستهزئة: انت رئيس عصابة يا فارس؟!
ضحك بصخب، ووضعها بلطف على مقعدها، وقبل جبينها بحنو، وهو يربط الحزام حولها، وقال:أنا مستعد ابجي أي حاچة… المهم أكون وياكي يا حبة الجلب الميت.
أغمضت عينيها بدهشة، وتنهدت بثقل المشاعر، وفهمت حجم الجنون والدفء معًا، وهمسة: يالهوي… هتخوتني يا فارس… براحه عليا والنبي.
ابتسم بعبث، وجلس بجانبها، ومال على مقعدها، وهمس بصوت منخفض: تدفيعي أيه؟
رفعت حاجبها بنزق، وقالت: جصدك كام؟
أشارت المضيفة بربط الحزام، وبدأت الطائرة بالإقلاع. تمسكت حبيبه بكف فارس، وغمغمت بدموع مختلطة بين الخوف والفرح: أنا خايفة…
حاوط فارس منكبيها، وضمها بقوة حضنه، وهمس في أذنها بحنو وعبث: خليكي ف حضني… والخوف يخاف يجرب منيكي.
رفعت حبيبه وجهها، ونظرت إلى فارس بعينين تختلط فيهما الدهشة والحب والرهبة،
وكأن كل نبضة قلبها تصرخ باسم عشقه…
تأمل فارس ملامحها بنظرات مشتعلة بالعشق، واقترب أكثر، مستنشقًا أنفاسها الممزوجة بالعاطفة،
حتى كاد الزمن يتوقف بينهما، وكل شيء حولهما يذوب في حرارة اللحظة.
لكن، كسر سحر اللحظة فجأة، بصوت طرق خافت، متقطع، على زجاج نافذة الطائرة الصغيرة بجانب حبيبه.
تجمدت أجسادهما، وكأن الهواء نفسه توقف عن الدوران، والدهشة والخوف والفضول تختلط على وجهيهما. نظر فارس إلى الزجاج بذهول وترقب ،
بينما ارتجفت حبيبه إلى جانبه، وارتعش صدرها، ونظرت خلفها وصرخت بصوت حاد.
ووووووووووووو
انتظروني في بااارت جديد وجنان، جديد من جنان ولاد الانصاري …….
ساحره القلم ساره احمد

تسلم الايادي اكيد بجنن من قبل ما اقرا❤️❤️
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تسلم ايدك 🥰🥰
تسلمي ي حبيبتي ♥️
❤️❤️❤️
♥️♥️
تسلم ايديكي مقدما من قبل ما أقرأ 💗💗💗
تسلمي ي حبيبتي ♥️
اكيد هتبقي حاجه عظمه زي كل مره 😍
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تحفففففففففففففه ❤️❤️❤️❤️
تسلمي ي حبيبتي ♥️
♥️♥️♥️
الجمدااان كلوووو حقيقي 🥹💗
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تحفه تسلم ايدك ❤️
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تحفه تحفه تحفه
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تسلم ايدك
تسلمي ي حبيبتي ♥️
البارت رووووووووعة ياسارة تسلم ايديكم وعنيكم ياقلبي❤❤❤❤
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تسلم ايدك
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تسلم ايدك تحفة فنية بجد ❤️🙏🏻
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تسلم ايدكى ❤️
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تحفه
تسلمي ي حبيبتي ♥️
رووووووعه
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تحفه ❤️
تسلمي ي حبيبتي ♥️
جميل جدا جدا تسلم ايدك
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تحففففه بجددد تسلم ايدك😍♥️♥️♥️♥️
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تسلم ايدك البارت تحفة بجد ❤️
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تسلم ايدك جميل اوي❤️♥️
تسلمي ي حبيبتي ♥️
يسلم الأيادي ياساحره القلم دمتي مبدعه متألقه ❤️❤️😘😘
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تحفه تسلم ايدك مبدعه كالعاده ياقمر
تسلمي ي حبيبتي ♥️
احيه هو ايه ال حصل مين خبط ع الشباك
هنشوف الأحداث 😙
❤️❤️❤️
♥️♥️♥️♥️
تسلم ايدك يا قمر💘💘💘💘
تسلمي ي حبيبتي ♥️
يجنن
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تحفه ♥️❤️
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تحفه
تسلمي ي حبيبتي ♥️
يا شيخة حرام عليكي القفلة دي كده مش هعرف انام من كتر الفضول وربنا 😂😂
تحفة التحافة كالعادة يا سيرو 💋❤
اتعودو بقاااا💥😂
تسلم ايدك ياسوسو تحفه
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تووووووووحفة رائع
تسلمي ي حبيبتي ♥️
بارت ابداعي
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تسلم ايدك يا حبيبتي
تسلمي ي حبيبتي ♥️
مش طبيعي فعلا سردك قوي وبشدك بطريقة روووووعه
تسلمي ي حبيبتي ♥️
احييية على الكهن والميااصة
هموت😂😂
تسلم ايدك يا احلي ساره ❤️❤️❤️
تسلمي ي حبيبتي ♥️
اكيد تحفه قبل ما اقرأ 😘😘😘😘
تسلمي ي حبيبتي ♥️
جميلوجدا
تسلمي ي حبيبتي ♥️
جميل
تسلمي ي حبيبتي ♥️
جامد مووت 😍😍😍😍😍💃💃💃💃
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تسلم ايدك
تسلمي ي حبيبتي ♥️
روووووووووووعة و اكثر من رائع تسلم ايدك يا سارة سحرتينا والله
تسلمي ي حبيبتي ♥️
الله عالجمداااان♥️
تسلمي ي حبيبتي ♥️
❤️❤️❤️👍
♥️♥️
روعة
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تسلم إيدك
تسلمي ي حبيبتي ♥️
ابداعاتك احلى سارة
تسلم هالايادي 😘
تسلمي ي حبيبتي ♥️
روعه روعه روعه يا قلبي تسلم ايدك ابدعتي
تسلمي ي حبيبتي ♥️