عشق ملعون دم (الفصل الثالث عشر )
لا تُورِطْ نفسكَ في العشق،
فالحبُّ ليسَ وادياً يُزهرُ فيه الوردُ، بل هو هاويةٌ تُسقطُ فيها الروحُ من شاهقٍ لا قعرَ له، وكلُّ ما يتبقَّى منكَ صدىً يتردَّدُ في الفراغ، ينادي اسماً لن يجيب.
ثمَّةَ قاضٍ يُدعى الاشتياق،
جالسٌ على كرسيٍّ من عظامِ العاشقين الذين سبقوكَ، عيناهُ جمرتانِ لا تنطفئ، وصوتهُ ريحٌ تُمزِّقُ الصدرَ من الداخل. لا يقبلُ الرجاء، ولا يعرفُ الرحمة، يحكمُ بالأبدِ على كلِّ من تجرَّأ فأحبَّ، فيُعذِّبُهُ بغيابِ من أحبَّ حتى يتمنَّى الموتَ فيُحرَمُ منه.
نحن لا نملكُ قلوبنا،
بل هي أسرى حربٍ تُساقُ إلى ساحةِ الوجدِ مكبَّلة، لا تُسألُ عمَّن تُحبُّ ولا متى، بل تُجبرُ على الحبِّ جبراً يفوقُ جبروتَ الطغاة. تُنتزَعُ المشاعرُ منَّا انتزاعَ الروحِ من الجسدِ في لحظةِ الاحتضار، فلا نصرخُ، لأنَّ الصرخةَ نفسها صارتْ ملكاً لمن أحببناه.
البارت ١٣
عضت حبيبة شفتها بغيظ مكتوم، واتجهت نحو الهاتف الذي لم يتوقف عن الرنين للحظة…
مدت يدها المرتجفة والتقطته، وما إن وقع بصرها على الشاشة حتى اتسعت عيناها برعب مفاجئ، وهتفت بصوت مخنوق: يا لهوي… أمي!
نهض فارس فورًا، اقترب منها بخطوات ثابتة، وضم ذراعيه حولها بحنان، كأن دفئه وحده قادر على أن يعيد الطمأنينة إلى صدرها…
همس قرب أذنها بصوت منخفض هادئ: متخافيش… ردّي عليها، أكيد بتطمن عليكي بس.
رفعت حبيبة عينيها إليه، وعيناها تلمعان بدموع محبوسة تبحث عن مهرب…
كان توترها ينساب في أنفاسها القصيرة المتعثرة، وعضت شفتها مرة أخرى قبل أن ترفع الهاتف إلى أذنها وتهمس بصوت مبحوح: الو…
جاء صوت إنعام من الجهة الأخرى حادًا، ناقمًا، يمتزج فيه الغضب بالخوف، وكأنه يحمل العالم كله على كتفيه: وينك يا حبيبة؟ عمالة أرن يا بتي… وجعتي جلبي في رچليه!
رمشت حبيبة ببطء، ورفعت عينيها نحو فارس بنظرة مليئة بالعتاب الطفيف… عتاب يذوب في حبه،ثم غمغمت: حجك عليا يما… كنت نعسانة… محستش بالتلفون.
زفر فارس بحدة لم يستطع إخفاءها، ثم قبض على يدها وقبلها برقة، قبلة تحمل اعتذارًا مختلطًا بحنو لا حدود له. عضت حبيبة شفته خلسة وسحبت يدها بسرعة، وأشارت له بعينيها أن يهدأ، فابتسم هو بعبث خفيف كأنه يستمتع بحرجها.
جاء صوت إنعام متنهدًا براحة مؤقتة، يتخللها ذلك القلق الأمومي الذي لا يزول وقالت :سهرتي إياك؟
هزت حبيبة رأسها بالايجاب… رغم أن أمها لا تراها، ورغم أن الكذب كان ممكنًا، إلا أنها عجزت عنه…
التصقت يدها بيد فارس بقوة، كأنها تستمد ثباتها منه، واعترفت بصوت متكسر: أيوه… شوية.
قالت إنعام بعد لحظة: متي هتيچي؟ بعد يومين… أخوكي هيعجد.
نظرت حبيبة نحو البحر… وكأن الموج يعكس اضطرابها، قبل أن تقول: عندي امتحان بعد بكره… هخلصه وأچي، حاضر.
تمتمت إنعام: تيچي بالسلامة يا بتي… طريح السلامة.
أومأت حبيبة برأسها رغم أن الاتصال انتهى تقريبًا، وهمسة: سلام يا حبيبتي.
ثم أغلقت الهاتف، وفي اللحظة ذاتها انزلقت دمعة ثقيلة على جانب وجهها، تسللت ببطء كأنها تفرغ خوف لم تعترف به…
رفعت رأسها إلى فارس، وصوتها يرتجف بانكسار محب:
يلا… روحني… أمانة… بسرعة.
وقف فارس أمامها كجدار من دفء وطمأنينة، وشد على ذراعيها بقوة محسوبة، كأن خوفها ينساب بين أصابعه ويحاول احتواءه قبل أن يبتلعها…
اقترب منها أكثر، ومسح دمعتها بطرف أصابعه بحنان خفيض لا يشبه الرجل الذي يقف بثبات أمام الدنيا، ثم همس بصوت امتلأ حنان صادقًا: اهدي يا حبة جلبي… نفطرو ونمشوا على طول.
هزت رأسها بعنف، أنفاسها تتلاحق سريعًا، ويداها تعبثان في الهواء باحثتين عن حقيبتها وكأنها تبحث عن ملاذ يوقف انهيارها: فطور إيه بس يا فارس؟… أنا مرعوبة… مش هجدر آكل أصلًا!
لم يسمح لها فارس بالابتعاد، قبض على ذراعها بقوة رجلٍ لا يخاف إلا على من يحب،
وجذبها إليه في لحظة واحدة، حتى شعرت بأنفاسه الساخنة تلامس وجهها…هتف بصوت حاد حاسم، صوت رجل يتحدى العالم من أجلها: حبيبة… اهدي… انتي معي راچل، مش عيل… محدش يجدر يدوسلك على طرف.
اهتزت شفتاها المرتجفتان، وانفلت صوتها مكسورًا بدموع مطوية في صدرها: بس دول أهلي… وأنا حاسة كني خنت ثچتهم… خصوصا أمير.
قطب فارس حاجبيه، مزيج من الغضب والدهشة تعبر في نظراته كوميض سيف: محصلش حاچة لديه كله يا حبيبي.
انخفض رأسها، وأغمضت عينيها كمن يهرب من جرح داخلي لا دواء له، وهمسة بانكسار: كفاية كده… روحني عشان خاطري.
طال صمته لحظة… لحظة امتلأت بأنفاس ثقيلة تحاول السيطرة على غضبه، ثم مد يده تحت ذقنها برفق، رفع رأسها إليه، وأجبر نظراتها أن تلتقي بنظراته…
كان في عينيه عشق كامل، لا يخجل من نفسه ولا يتراجع أمام أحد… قال بصوت منخفض، عميق، يشبه وعدًا لا يمكن كسره: هروحك… وهطلبِك… وهتبجي مرتي جدام ربنا والخلج… ومحدش هيجدر يحوشني عنيكي… ولو فيها روحي.
تقلصت المسافة بين قلبيهما في لحظة، وتكسر الخوف شيئًا فشيئًا داخلها، ثم ارتسمت على وجهها ابتسامة صغيرة… خجلة، لكنها مبللة بالحب. همسة بصوت يكاد لا يسمع، لكنه اخترق صدره كنبضة حياة: وانا مبديش غيرك يا فارس… أنا بحبك جوي.
أغمض فارس عينيه لحظات، كأنما يحاول أن يهدئ العاصفة التي ثارت بداخله من شدة كلمتها… من صدقها… من قربها الخطر…
تسللت أنفاسه من بين شفتيه مهزوزة بالدهشة، وهمس بصوت خافت متوتر، يحمل في داخله ذهول رجل يوشك أن يصدق حلماً: احنا صاحين ولا نعسنين… لو بحلم هتكدر جوي.
ابتسمت حبيبة… ابتسامة صغيرة، لكنها كانت كفيلة بإشعال كل شيء حولهما… قلبها يخفق بجنون، كأنه يريد أن يهرب إلى حضنه دون إذن. همسة بصوت مرتجف، صادق حد الوجع: لا… صاحين.
فتح فارس عينيه دفعة واحدة، كمن انتزع من غيبوبة طويلة… نظر إليها نظرة نارية عاشقة، نظرة رجل سقط قلبه في يد امرأة واحدة ولن يتراجع….
وفي لحظة خاطفة، مد ذراعيه إليها، ضمها بقوة إلى صدره، ورفعها عن الأرض حتى شعرت بأن الرمال ابتعدت وأن السماء اقتربت…
دار بها في حلقة واسعة على الشاطئ، والصمت لا يسمع فيه إلا خفق قلبيهما… ثم صرخ بنبرة رجولية، عالية، تزلزل الأرض تحت قدميها: بحببببببيييييك!
تدفقت الدماء في عروقها كأن شيئًا انفجر فيها من الفرح والذعر والاشتياق… تشبثت بسترته بأصابع مرتعشة، دفنت وجهها في عنقه، واستسلمت لرجفته قبل صوتها، ثم همسة على جلده بأنفاس متقطعة: بموووت فيك.
أنزلها رويدًا، كمن يخشى أن تنكسر من شدة الرقة، وظلت يده على خصرها لحظة أطول مما يجب… لحظة احتياج…
ثم دس يده في جيبه بعجلة خفية، وأخرج علبة قطيفة صغيرة، وقال بصوت أجش دافئ يحاول إخفاء توتره:
نسيت ادهالك عشيه.
فتحها أمام عينيها. لمع بداخلها سوار من الذهب الأبيض، يتدلى منه قلب ماس، منحوت عليه حبة الجلب الميت. شهقت بدهشة، ولمعت عيناها كأن الضوء انسكب فيهما وهمسه بصوت خافت: ليه ديه يا فارس؟
أمسك السوار بين أصابعه، رفعه أمام وجهها يتأرجح بخفة في الهواء، وغمغم بنبرة خافتة فيها عتاب دافئ:
معجبتكيش؟
هزت رأسها سريعًا، ونظراتها خجولة مبهورة: لا… حلوة جوي… بس لو حد..
لم يمهلها. قاطعها بحسم رجل لا يريد للخوف أن يمر من بينهما، أمسك يدها وثبت معصمها بين أصابعه، وألبسها السوار ببطء… ثم قال بصوت عميق واثق: ولا حد ولا تنين… كلها كام يوم وهتبجي مرتي… ومحدش له عندنا حاچة.
ارتجف قلبها بين أضلاعه، وارتسمت على شفتيها ابتسامة غارقة في الحب، وهمسة بخجل دافئ:حلو جوي.
أومأ برأسه، قبض على يدها بقوة كأنه يحمي كنزه، ثم جذبها برفق وقال: تعالي نفطرو… ونروحوا.
تحركا معًا، يداهما متشابكة، أصابعها في أصابعه كأنها عهد مكتوب على الجلود قبل الورق…
عبروا الشاطئ نحو المطعم القريب… طريق قصير، لكنه كان يمتلئ بالوعيد … أنه سيقف ضد الدم…وضد اللعنة…
وضد المصير إذا لزم الأمر.
كانت يدها الصغيرة في راحته… وكأنها توقيع أولي على مصير جديد.
وذلك الوعد الخفي الذي تشابكت فيه أصابعهما… لم يكن وعدًا بالأمان والحب فقط، بل كان:
وعدًا بمعركة سيخوضها فارس وحده…
معركة ضد اللعنة التي جرت في دمه…
لكي يجعلها له… أمام الدنيا بأكملها …
………
في سوهاج …
توقفت سيارة فارس أمام البناية، وانطفأت معها هدأة الطريق من حولهما، كأن اللحظة نفسها تحبس أنفاسها في انتظار ما سيقوله وما ستقوله هي. التفت إليها بنظرة تحمل دفء العائد إلى موطنه وقال بصوته العميق:
ادي احنا وصلنا يا ستي… هديتي خلاص؟!
كانت حبيبة متلهفة كطفلة تنتظر قطعة سكر، فهزت رأسها وأشارت له بيدها في عتاب محبب: اه أخيرًا… نفسي دخل بطني.
انفرجت شفتيه عن ضحكة دافئة، ورفع حاجبه بعبث يعرف كم يربكها وقال: دخل بطنك كيف يعني؟… بطنك ديه ما هيدخلش فيها غير حتة مني.
شهقت وقد اشتعل وجهها بحمرة الخجل، ولكزته بخجل منكه وهي تفتح باب السيارة بسرعة: يخربيت لسانك يا شيخ!
انفجر ضاحكًا، ضحكة عالية كأنها تكسر الصمت من حولهما، ثم ترجل من السيارة ورمى إليها بنبرة تمزج الجد بالمزاح: ماشي… مش هرد عليكي… اطلعي عشان هروح أچيب نغم وأطلع على الشركة.
تحركت نحو مدخل البناية، وغمغمت بصوت مبحوح:
حاضر…
لكن صوته ناداها فجأة؛ صوت أجش، محمل بما هو أكثر من الكلمات:حبيبة.
استدارت، وارتجفت عيناها قليلًا من تلك النداءة التي لا تشبه شيئًا آخر.وردت بخفوت : نعم يا غالي؟
اقترب منها، حتى التقت أنفاسهما بين المسافة الصغيرة التي بقيت، ثم قال بنبرة تحمل وعدًا لا يخون: دلوق… بجيت غالي جوي يا جلب الغالي.
أمسك يدها، ورفعها إلى شفتيه وقبلها قبلة طويلة، بدت وكأنها تطبع على قلبها لا على كفها..
لكنه قطب حاجبيه فجأة، ونظرة قلق لم يعرف السيطرة عليها مرت في عينيه… وغمغم بصوت متحشرج: يدك دافيه يا عمري.
همسة وهي تنظر ليده على يدها:عشان مش خايفه…
هز رأسه، غير مقتنع، فاقترب أكثر، ووضع راحة يده على جبهتها ثم على وجنتها، بلهفة من يخشى أن يفقد نور حياته فجأة وقال : لا… حاسس كأنها سخنة… لتكوني هتعيي… وتسخني يا جلبي… من نومة الشط.
ابتسمت بخفوت، بعيني امرأة تهدئ إعصار رجل أحبها أكثر مما يحتمل: متخافش يا حبيبي… أنا زينة والله.
ظل ينظر إليها لحظة، بصمت يزدحم بالقلق والحنين، ثم قال مجبرًا نفسه على التراجع: طب… اطلعي يا حبيبة. ارتاحي شوية… وهچبلك نغم.
اومات برأسها وتحركت وهمسة: حاضر.
صعدت، وحذاؤها يصدر تلك الوقعات الخفيفة على السلم كأنها تبتعد عنه ببطء مؤلم…
وقف يراقبها حتى اختفت خلف باب الشقة، ولم يتحرك إلا عندما سمع صرير الباب يفتح ثم يغلق.
عندها فقط عاد إلى السيارة، وانطلق إلى سكن الجامعة، بينما شيء ما في صدره يتقلب… كأن قلبه بقي هناك، عند الباب الذي أُغلق خلفها.
…..
كان صمت سرايا الأنصاري ينهض حولهما كجدار من مهابة قديمة، حين دلف بدر وهو يقبض على كف ليلة بقبضة تحمل حماية وتملكا لا يترك مساحة لشك…
كان يمشي أمامها بخطوات ثابتة، كأن البيت كله ملك يمهد لها طريقه، ثم غمغم وهو ينظر في وجهها: عچبك البيت؟
أومأت بحماس خفيف… حماس مشوب بالراحة، وبدهشة من هواء لم يخنقها: تصدج؟ البيت ريحه أخف من السرايا بكتير جوي.
هز رأسه في هدوء يعرف ما تقصده وقال :صح.
قبل أن تضيف شيئًا، خرجت فاطمة من المطبخ، ويداها ما تزال تفوح منهما رائحة الخبز والطعام، وصوتها يسبقها بحفاوة الأم وقلقها:وه انتو كتو وين من صبحية ربنا أكده؟
كان السؤال بسيطًا، لكن جرح بدر كانت له حواف حادة، فالتفت إليها بعينين تقدحان غضب وهتف بحدة: چري إيه يما؟ هي كانت مع غريب!
تجمدت نظرة فاطمة، كأن الكلمة صفعتها لا ابنها، وانطفأ صوتها لحظة قبل أن يخرج خافتًا منكسرًا: مش جصدي يا ولدي…
لكن بدر كان قد أغلق على نفسه بابًا من الغضب، ونزقه يشعل كل شيء حوله…
نفخ بضيق، ثم استدار خارجًا بخطوات كأنها تدكّ الأرض دكًّا، ورائحة ضيقه تملأ المكان.
تابعت ليلى ظهره وهي يتلاشى، وحرقة صغيرة تعتصر صدرها، ثم همسة: بدر مش هتفطور…
لكن الباب كان قد أطبق خلفه بلا رد.
عادت فاطمة إلى ليلة، ودمعة قهر انسلت من عينيها وهي تمسحها بطرف حجابها وقالت : أنا مجصديش يا بتي… أنا ادرعت عليكم.
اقتربت ليلة منها، ووضعت كفها على منكبها بحنان يشبه الطبطبة علي جرح قديم، وهمسة بصوت ناعم يضمد:
لا يما… متخديش على خاطرك…بدر بس مخنوج… حبة كده، ويروج!
هزت فاطمة رأسها بحزن مطوي في قلبٍ متعب وقالت :
ربنا يفك ضيجته يا بتي…
فشدتها ليلى إلى صدرها، وضمتها بحنان الابنة التي تجبر الانكسار، ثم أسندت رأسها إلى قلب فاطمة وقالت: ادعيلنا يما.
رفعت فاطمة يدها، ومسحت على منكبها برفق يشبه الدعاء في ذاته، ثم قالت بنبرة أم تسلم أبناءها إلى الله:
ربنا يجرب البعيد يا بتي… ويلمكم على بعض على خير… وأفرح بخلفكم الصالح.
في الخارج،
كانت الحديقة الخلفية غارقة في صمت يشبه ترقب مرعب… الصمت الذي يسبق ظهور شيء لا ينتمي لهذه الدنيا.
اندفع بدر إليها بخطوات متوترة، وعيناه تلمعان بتلك الحدة الممزوجة باليأس، حدة رجل صار يفهم أن خلاصه وخلاص حبه قد يختبئ في زهرة ذابلة.
بدأ يدور حول نفسه، كمن ضاع منه ظله…
عيناه تفتشان الأرض بجنون… يبحث عن تلك الوردة الحمراء الذابلة التي لا تظهر إلا إذا مر الطيف الأبيض..
كان يتحرك بعنف مكبوت، يزاحم التراب بنظراته، يقلب العشب بطرف حذائه، وكأنه يفتش في صدور الأيام لا في أرض الحديقة.
ذلك الطيف…لعنة هذا البيت…والمفتاح الوحيد لفكها.
انحني بدر يقلب العشب بأطراف أصابعه، ثم نهض يزيح التراب بحد حذائه، يقترب من جذوع النخيل ويبتعد، يحني رأسه، يرفع وجهه… كأنه يتشمم الهواء بحثًا عن أثر.
مرر يده على شعره بعنف يقترب من الانهيار، بحنق يوشك أن يشق جمجمته، ثم هدر من بين فكيه بصوت مبحوح متوحش: إظهر… ولا انت مش بتظهر غير وأنا مش فيجلك يا ولد المـ*؟
كانت الكلمات كأنها تنتزع من صدره، لا تقال.
لكن الحديقة بقيت صامتة… وكأن الطيف يقف في مكان قريب، يراقب بدر ويبتسم بسخرية.
زفر بدر زفرة ثقيلة امتزج فيها الغضب بالعجز، وجلس بقوة على المرجيحة، فارتجت كأنه يشكو.
انحنى إلى الأمام، كوعيه استقران على ركبتيه، ويداه مشدودتان، وعيناه تغوصان في التراب كأنهما تحاولان تمزيق الحاضر للوصول إلى علامة مفقودة…
كانت نظرته أشبه بوحش يحاول أن يلتقط رائحة فريسته… يبحث عن أي طرف خيط، أي دليل…
كان يعرف أن الوردة لا تظهر عبثًا…
ولا تظهر خطأ…
وأن ظهورها هذه المرة قد يكون الخيط الذي ينتظره منذ سنوات.
همس بغل يشبه الدعاء:وريني… وريني طرف الخيط… جبل ما أخسر كل حاچة.
وظل جالسا، يقاوم رغبة سوداء في الصراخ…
ينتظر علامة…
ذبول وردة…
أو ارتجافة هواء…
أو ظلا يمر في زاوية عين.
…….
في مكتب فارس الانصاري، ارتفع رأسه عن الأوراق المتناثرة أمامه على صوت رنين الهاتف. سحب الهاتف ببطء، نظر إلى الشاشة، ورفع السماعة إلى أذنه قائلاً بنبرة دافئة وحازمة: حبيبي، كيفك؟
رد أمير بصوت متحشرج، ممزوج بالدهشة والود: أنا زين… كيفك يا صاحبي؟
ابتسم فارس بخفة وتحرك إلى الشرفة، عيناه تتأملان الخارج للحظة قبل أن يرد بحزم وحرص: أنا زين… بس بدي تجول لابوك… أنا بدي آچيه.
قطب أمير حاجبه بدهشة، وقال بصوت متردد: كيف يا غالي… والـ…
قطعه فارس دون تردد، صوته حازم كما لو كان يخط طريقًا أمام نفسه: هكلم أبوك علي خطوبة يا أمير… بس عشان الموضوع يبجي فالنور وحبيبه تطمن.
أومأ أمير برأسه موافقًا، صوته يحمل رضا ومودة:ماشي يا غالي… هات البنات وتعالوا بعد يومين هعجد… وبعد ما أخلص الحوار ده هكلم أبوي… أنا في ضهرك يا صاحبي.
ابتسم فارس بسعادة واضحة، قلبه يفيض بالطمأنينة:
تسلملي يا أخوي.
أومأ أمير مرة أخرى وقال، صوته يحمل المسؤولية والحنان:أنا بردك بدي لأختي راچل يشيلها في عينه… ومفيش ارچل من فارس الانصاري.
ابتسم فارس بخفوت، وكأن قلبه يهمس بالوفاء:إن شاء الله ربنا يجدرنا… وأسعدها… ومخيبش ظنك يا أخوي.
أومأ أمير برأسه، الود والطمأنينة يملأان صوته: عارف يا غالي… سلام.
أغلق فارس الهاتف، تنهد للحظة، ثم عاد إلى مكتبه، عاد إلى أوراقه، لكن قلبه كان أخف… وروحه مشحونة بالاطمئنان والأمل، كأنه خط لنفسه طريق الأمان والحب في آن واحد…
مر الوقت طويلاً، وفارس منكب على أوراقه، عيناه تتنقل بين السطور بحزم وتركيز، وكأن كل ورقة تحمل جزءًا من العالم الذي عليه حمايته…
فجأة، دق الهاتف مرة أخرى. رفع رأسه ببطء، نظر إلى الشاشة، وارتسمت على وجهه علامات القلق والخفة معًا، قبل أن يسحب الهاتف وغمغم بصوت منخفض لكن دافئ:
خير يا نغم؟
ارتفع صوت نغم متحشرجًا، مزعورًا، ممزوجًا بالقلق والحيرة: الحجني يا غالي… حبيبه نايمة… مش راضية تصحي… غرجانه في العرج ومولعه!
ارتجف قلب فارس كما لو كان صدره محاصَرًا بخنجر من قلق لم يعرف مثله من قبل، وعقله بدأ يركض أسرع من قدميه، يتخيل كل الاحتمالات المظلمة التي قد تكون حبيبه عالقة فيها…
صوت نغم، المتحشرج والممزق بالرهبة، ما هو إلا شرارة أشعلت النار في صدره، وجعلت كل نبضة قلبه تتلوى بين الرعب والعجلة.
ارتجف الهواء حوله وكأن اللحظة كلها تتنفس قلقًا معه. لم يكن مجرد شعور بالخوف، بل شعور بالذنب، بالمسؤولية المطلقة،
وكأن العالم كله أصبح صغيرًا مقابل حماية قلبها من أي ألم… كل ثانية تأخر فيها دفعته إلى الجنون، وكل كلمة سمعتها أذناه عن حالها كانت كسهم حارق يثقب روحه.
خرج من المكتب على الفور، جسده كله مشحون بالاندفاع، عيونه مشتعلة بلهيب القلق، ويداه ترتعشان وهو يحاول الاستيعاب هل هي بخير؟ وكل خطوة من خطواته نحو الخارج كانت مشحونة بارتجاف الرعب الذي لم يهدأ في قلبه لحظة واحدة.
……..
في منزل عبد الله السوهاجي
دخلت مني غرفة ريم، والقلق يعتلي وجهها، عيناها تتقدان بسؤال وخوف. همست بلهفة: ريم!
نظرت إليها ريم وهي تطعم كيان، بصوت خافت يحمل الحنان والاعتياد: نعم يما؟
جلست مني بجانبها، وسحبت الطبق من بين يديها برفق، ونظرتها عيناها مشبعتان بالحرص والجدية: جومي غيري عشان نندلوا نچيبوا طلباتك.
رفعت ريم حاجبها بدهشة واضحة:طلباتي؟ طلبات إيه يما؟
نظرت لها مني بعينين قلقيتين، وغمغمت بجدية ممزوجة بالحب والخوف: جوليلي يا بت… إيه الحكايه؟ إيه الچوازه المعجربه ديه؟ إيه الا ما وعيتلك هتكلمي خطيبك في التلفون؟ كيف المخطوبين اللي هيلتو ويعچنوا طول النهار والليل في التلفون، ولا حتي حد وعي وشه من يوم ما جروا الفاتحه وادي وش الضيف.
ضحكت ريم، ابتسامتها مزيج من المرح والحزن، وقالت بمرح خافت: يلهوي يما… خدي نفسك وابلعي ريجك.
رفعت مني حاجبها، وعينها تشع بالشك والحرص:
هدسي عليا يابت أمك … بس عينك مطفيه وكنك مغصوبه.
ابتسمت ريم ابتسامة نصف متهكمة ونصف حزينة، وتمتمت بصوت منخفض: لا راضيه يما بكل اللي رايد بيه ربنا… بس جلبي واجف عند اليوم اللي فارجني فيه طه، الله يرحمه.
ربتت مني على يدها بحنان وصوت يشوبه الحزم:
يعني مهتحبيش أمير يا بتي؟
رفعت ريم رأسها، ودموعها تلمع في عينيها، ونظرت إلى والدتها بحزن عميق: أمير زينه الشباب، وربنا هيكرموا لأجل اليتيمه اللي هيربيها… بس أنا خلاص خت نصيبي من الحب والرچاله.
قطبت مني حاجبيها بدهشة وغضب مختلط بالحرص:
متي ديه ينفع يا بتي؟ الراچل هيتچوزك لأچل ما يربي يتيمه؟ بس ديه شاب! ولا كل الشباب… واللهم بارك يابتي، شباب وصحته زينه، ربنا يكفي شر البلاوي ويحميه… كيف انتي بدك تحرمي اللي حلله ربك؟
هزت ريم رأسها بالنفي، وغمغمت بدموع محبوسة:
يما… همليني في حالي… ربنا عالم بحالي… وأنا مبديش طلبات ولا حاچه.
نظرت لها مني بعينين مشبعتين بالشفقة والحزن، وقالت بصوت هادئ مليء بالأمل والحنان: ربنا يصلح حالك يابت حشاي… ويهدي جلبك للخير.
ضمّت ريم والدتها بحنان، وهمسة بصوت يختلط فيه الرجاء بالدعاء: يارب يما…
نهضت مني، تمسح دموعها بطرف حجابها بقهر على حال ابنتها، وتركت ريم تغرق في بحر ذكريات لا تزول، تحاول أن توازن بين قلبها وروحها، بين الماضي والحاضر، بين الحزن والأمل، في صمت مشحون بالحنان والاشتياق.
…….
في سوهاج في في شقه البنات
تسلل فارس إلى البيت كمن يطارده شهاب من نار القلق، وخفق قلبه يسبق خطواته قبل قدميه…
وما إن فتحت نغم الباب حتى اندفع إلى الداخل، وصوته يتصدع من شدة الخوف: وين حبيبة؟ مالها؟
أشارت نغم بيد مرتعشة نحو الداخل، وقالت بصوت مبحوح يفضح فزعها: چوه يا خوي…
لم ينتظر كلمة أخرى؛ ركض كالسهم عبر الممر، يلهث والهواء يضرب وجهه كصفعة، وقلبه يسبق خطواته بعنف…
دفع باب غرفة حبيبة بعنف، كأن الجدار تحول إلى جدار من لهيب، وهتف بصوت يختنق بالرعب: حبيبة… مالك يا جلبي؟
كان الهواء داخل الغرفة كان ساخنًا خانقًا، وكأن الحرارة جعلت الجدران تقترب منه….
اقترب من السرير بخطوات متعثرة، جلس بجانبها وانحنى فوقها….
لامست أصابعها وجنتها، فارتجفت تحت لمسته الممزوجة باليأس والخوف… حرارتها تحرق الجلد، وعرقها يغطي جبينها كثقل مر، ووجهها مشرق بلون يقترب من الاحتراق.
اتسعت عينا فارس، وشيء يشبه الطعنة اخترق صدره من شدة الخوف والقلق…مرر راحة يده على وجنتها بحنان يائس، وصوته مكتوم:حبيبة… فوجي يا جلبي…
رفعها بين ذراعيه برفق حاشد، كأنها أثمن ما حملته يداه يومًا. أصدرت أنفاسها همهمة مرتعشة، وفتح جفناها بصعوبة، نظرت إليه نظرة ضبابية، حدقتها تبحث عنه:
فـ… فارس…
شهق، وكأن صوتها جاءه من حافة هاوية، مسح شعرها عن جبينها بكف مرتجفة، وربت على وجنتيها برفق يائس: أيوه يا حبيبي… اصحي… حجك عليا… أكيد لما غفلنا عالشط… يا جلبي.
ظهرت نغم عند الباب، شحوب البكاء على وجهها، اقتربت وربتت على كتفه، وصوتها ينكسر من شدة الخوف:
اهدى يا غالي… لازِم نِخدها المستشفى… ولا نچيبوا دكتور.
أومأ فارس بسرعة، كأنه يختنق من ثقل القرار… أنزل حبيبة على السرير بحنو يكاد يبكي، وضم يدها للحظة، كأنها الخيط الوحيد الذي يربطه بالحياة، ثم نهض بعجلة وهتف: خليكي چرها… لحد ما أچيب الدكتور… بس غيري خلجاتها… ولبسيها طرحة.
هزت نغم رأسها في طاعة مرتعشة: حاضر يا خوي…
ثم عاد الارتجاف ليخيم على صدر الغرفة… كأن الزمن نفسه قد توقف ينتظر أنفاس حبيبة لتطمئن.
انصرف فارس بخطوات مثقلة، كأن الأرض تحته تضيق مع كل خطوة، خرج كمن يهرب من خوف لا يملك له حيلة، والباب من خلفه ارتج كأن قلبه هو من أغلقه.
وقفت نغم لثواني تتشبث بأنفاسها، ثم تقدمت نحو الخزانة بخطوات ثقيلة، ومدت يدها إلى المقبض كأنها تحاول تثبيت نفسها على واقع يهتز تحت قدميها… فتحت الباب، فانسكبت روائح الملابس النظيفة… رائحة حبيبة الدفئه..
جلبت نغم أول ما طالته يدها من ثياب، وقلبها يخفق في صدرها كدف مذعور… اقتربت من السرير، جلست بجوار حبيبة، ولمست كتفها بحنو وغمغمت : يا حبيبتي… سامحينا، بس لازمن نغير هدومك…جبل الدكتور ما يچي ..
بدأت تفك أزرار ثوبها بحذر شديد، كأن كل حركة قد توقظ وجعًا أو تضيف ضياعًا جديدًا إلى جسدها المتعب. حرارة جسد حبيبة تتصاعد كضوءٍ مشتعل من الداخل، وعرقها يجعل القماش يلتصق بالبشرة، فتبذل نغم أقصى جهدها لتفكّه دون أن تؤلمها.
رفعت نغم رأسها نحو وجهها، فوجدت عينيها نصف مغمضتين، تتأرجحان بين وعي غائب ونداء خافت لا يصل… حركت يدها على جبينها برفق، وتمتمت بمرارة خافتة: يا رب… استرها علينا.
ثم أكملت تبديل ثيابها بحنان مغموس بالخوف، وكل لحظة تمر تثقل الهواء، كأن الحياة كلها معلقة على هدوء جسد مشتعل بين يديها،
عاد فارس بعد دقائق لا تشبه الزمن، كأن قلبه يركض أمامه ويجر جسده خلفه…. دفع باب الشقة بعنف وأغلقه كما لو كان يحاول حبس الخوف نفسه داخل الجدران، وارتفع صوته مشحونًا بالقلق والرعب : نغم!
خرجت بسرعة من الغرفة، ووجهها شاحب من الخوف: تعال يا غالي…
أشار فارس للطبيبة التي تقف خلفه بعجلة طفل فقد امانه: تعالي يا دكتورة… بسرعة.
أومأت الطبيبة، ودخلوا جميعًا إلى الغرفة. تقدمت وجلست بجانب حبيبة، وملامحها تحولت إلى جدية خبيرة، ثم أشارت إلى نغم دون أن ترفع عينيها: افتحي السوستة… بتاعة الجاكت.
هزت نغم رأسها، ومدت يدها إلى جاكت المنامة، تحاول فتح السوستة بحذر شديد، كأن أي حركة خاطئة قد تؤذي حبيبة أو تزيد من سخونتها.
وفي تلك اللحظة…
زفر فارس بقوة، رمش بعينيه كأنه تلقى صاعقة، وبلع ريقه بصعوبة… الخوف عليها يختلط بالحمايه الغريزيه، والوجدان كله يصرخ بين الرغبة في الاقتراب والرعب من لحظة الضعف….
تحرك بخطوات سريعة نحو الخارج، كمن يحاول الهرب من ذاته المتعبة، والهواء يثقل صدره مع كل خطوة.
راقبته الطبيبة بدهشة خفيفة، ثم التفتت إلى نغم وقالت: هو مش چوزها؟
هزت نغم رأسها بالنفي، وبصوت خافت محمل بالمعاني:
خطيبها…
ارتسمت على ملامح الطبيبة ابتسامة صغيرة مطمئنة، فيها مسحة رضا واطمئنان: واضح إنه بيحبها جوي…
أومأت نغم موافقة، ثم عادت الطبيبة تركز على الكشف. وضعت السماعة على صدر حبيبة، تابعت تنفسها بدقة، قلبت يدها على جسدها، ولمست جبينها، وكل تفاصيل وجهها تتغير بين قلق وتشخيص سريع، وكأن الوقت كله معلق بين خوف وعلاج، بين رعب وهدوء مؤقت.
في الخارج…
كان فارس يقطع الممر ذهابًا وإيابًا، لا يعرف أين يضع يديه، ولا أين يسكب قلبه المتوجع…
الدقائق كانت تنهش أعصابه، والغضب من نفسه يشتعل في صدره كجمر مستعر، وهدر بصوت خافت متحشرج:
كيف هملتها تنعس على الشط؟! كيف ما خدش بالي؟!
كان يدور حول نفسه، وكأن المكان يضيق به، أو كأن روحه معلقة خلف
ذلك الباب، خلف لحظة الخطر التي لم يهدأ لها قلبه.
خرجت الطبيبة أخيرًا.
توقف فارس فجأة، واقفًا أمامها، عيناه تلمعان بخوف صادق، وصوته يخرج متحشرجًا من رعبه: خير يا دكتوره؟!
رفعت يدها محاولة تهدئته، وقالت بنبرة رصينة، تُطمئن وتؤلم في آنٍ واحد: عندها دور برد جامد وسخونة عالية جوي.
قالتها بوضوح، ونظرت في عينيه كأنها تريد أن تطمئنه وتبقيه يقظًا في الوقت نفسه. ثم أضافت بنبرة هادئة محسوبة: السخونة هتعمل لها هذيان… وده اللي حصل… لكن الحمد لله، انت اتصرفت بسرعة…
تنهد فارس تنهيدة مكتومة، كأن الهواء يعود لصدره لأول مرة منذ أن شعر بمرضها…
تابعت الطبيبة وهي ترتب أوراقها وتغلق حقيبتها: أنا علجت لها محلول دلوق… واحد لتعويض السوائل، وبعده واحد خافض للحرارة… السخونة بدأت تنزل شوية، وهتحتاچ چرعة تانية بعد ست ساعات.
بلع فارس لعابه بتوتر، ورعب يملأ قلبه، وقال:طب لو بعد المحلول سخنت تاني؟
أخرجت الطبيبة دفترها وكتبت فيه بسرعة خبيرة، ثم سلمته له:دي الروشتة… فيها مضاد التهاب، وخافض حرارة كل ست ساعات، وفيتامينات تقوي المناعة. لازم تاخد الدوا في معاده من غير تأخير.
توقفت لحظة، ونظرت إليه بصرامة لطيفة: ولازمها راحة تامة يومين على الأجل… نوم ، سوائل… ومتتحركش كتير من السرير.
هز فارس رأسه، وصوته مبحوح من شدة الارتياح والذنب معًا: حاضر… من عيني.
ابتسمت الطبيبة ابتسامة صغيرة: هتكون كويسة إن شاء الله… بس انت خليك حواليها، شكلها بتتطمن لما تسمع صوتك.
خفض فارس عينيه للحظة، ثم نظر إلى الباب كأن قلبه سبق عينه إليه…أشار للطبيبة وأخرج مبلغًا من المال ووضعه في يدها: تشكري جوي…
أومأت الطبيبة، وتحركت نحو الخارج، خلفها نغم، وفارس وقف لحظة، قلبه لا يزال يركض مع كل خطوة لها، وعينه تلاحق كل حركة، وكل أنفاسها.
تحرك فارس نحو الغرفة كمن يحمل قلبه بين يديه، كل خطوة منه ترسم خوفًا وذنبًا على وجهه، وكأن الأرض نفسها تتقلص تحت قدميه…
اقترب من السرير، جلس بجانب حبيبة، ومرر كفه على وجنتها برقة تغذيها المحبة والقلق معًا، وانحنى عليها، قبل جبينها بحنو يفيض من قلبه المشتعل، وغمغم بصوت يختنق بالحب والخوف: ألف سلامة عليكي يا حبة جلبي… وحجك عليا، بس انتي اللي خفتي تخشي البيتش بانجالو يا عمري.
مسك يدها برقة، وقبلها بجانب الكانولا، وهمس كما لو أن كلماته تخلق مأوى من الأمان وسط هذا الخوف: فاكر إني أجدر أمسك بشر… حتى لو محبوسين في حضن بعض… حضني… حضني يحميكي، مش يوچعك أبدًا.
دخلت نغم بخطوات مرتجفة، وصوتها يتلون بالقلق والاهتمام: الحرارة اندلت ولا لسه يا غالي؟
رفع فارس عينيه إليها، سحب مقياس الحرارة، ومرر أصابعه على شفتها بلطف مكتوم، ثم وضعه بين شفتيها ، ومسح على جبين حبيبة بحنان يحاول كتمه خلف الصمت: حسسها بدأت تندل.
أومأت نغم بخفة، وصوتها يحمل الحرص الأخوي : هروح أحضر لها حاچة عشان لما تصحي تاكل وتاخد الدوا.
ربت فارس على يدها وقبلها برقة أخوية، كأن كل خفقة قلبه تتسرب إليها عبر لمسته، وغمغم : تسلم يدك يا خيتي.
ربتت نغم على يده، وتمتمت بدفء: تسلم يا أخوي.
تحركت نغم نحو الخارج، تاركة فارس وحيدًا، عينيه تتبع كل نفس لها، وكل حركة صغيرة من جسدها المرهق. قلبه مشحون بالحب والخوف والذنب، والقلق ينخر فيه كلهيب لا ينطفئ، وهمس في نفسه بصوت خافت:
يا رب… خليها دايمًا في أمان،
اقترب منها وقبل أطراف أصابعها بحنو باكي وغمغم : يا حبة جلبي… أنا هنه… مش ههملك أبدا.
كل ثانية تمر كانت وكأنها تتصاعد بين نبضه ونبضها، كأن كل لحظة من صمتها تغذي خفق قلبه، وكل نفس تتنفسه يذكره بأن العالم كله يمكن أن يتوقف، إلا هي… إلا حبيبة.
……….
كانت مزرعة العزيزي غارقة في صمت ثقيل يشبه سكون ما قبل العاصفة؛ ذلك النوع من الصمت الذي يفضح أكثر مما يخفي، ويظهر تحت جلد اللحظة نوايا لا تقال…
وحين دلف موسى إلى مكتب فوزي، كان يحمل معه رائحة الخداع… تلك الرائحة التي لا يشمها إلا القلب الذي اعتاد الحرب.
— صباح الخير يا عمي.
قالها موسى بنبرة ناعمة، لكن لمعان عينيه كان يمشي في اتجاه آخر… حاد، جائع، متحفز.
رفع فوزي رأسه عن الملف، صوته يحمل ثقة رجل لم يتعود الشك وقال : تعالي يا موسي چبت الماليه؟
اقترب موسى، وضع الحقيبة أمامه، فتحها بثبات فيه شيء من الاستعراض… وكأن المال ليس مالهم، بل صيد عاد به وحده وقال : عد مالك يا عمي… والوصولات في الشنطه.
أغلق فوزي الحقيبة دون أن يتفحصها، لكنه قال بنبرة رجل يخبرك أنه يرى ما هو أبعد من النقود:أنا هعد وراك بردك… انت عليت في نضري جوي لأجل ما نطجت بالحج… لو علي رجبة شجيجك.
حين رفع موسى يده وقبل باطنها وظهرها، كان المشهد يشبه طقس ولاء مقلوب… الولاء فيه ليس للقلب، بل للمصلحة… وقال بصوت شبة رجولي : لا يا عمي… الحج حج… لو علي رجبتي أنا… مش اخوي.
ربت فوزي على يده بحنان الأب وغمغم : يا زين ما ربا فواز اخوي .. راجل چدع يا ولد.
استدار موسى، ودار حول المكتب بخطوات محسوبة، حتى وقف أمامه… الظل يسقط على جانب وجهه، فيظهر خبثه كما لو كان وشما…وقال : يعني لو طلبت منيك طلب هتوافج يا عمي؟
نظر له فوزي باهتمام صادق… اهتمام الأب لما يتوقع أن يكون طلب حق ..وقال : اطلب يا ولدي… انت من اليوم وطالع كيف ولدي امير وعساف.
ابتسم موسى… تلك الابتسامة التي تشبه انزلاق ناب تحت الشفاه وتمتم : بس أنا طلبي غالي جوي يا عمي؟!
اوما فوزي بثقه وراحه وقال : اطلب يا موسي… طولة ولا جصرت… انت واد اخوي… أي حاچه مش هتروح بره.
هنا… انكشف وجه الحقيقة… وغمغم : أنا مبديش مال… ولا أي حاچه في الدنيا… غير حبيبه بت عمي.
توقف الزمن لحظة.
ارتفع حاجب فوزي بدهشة رجل لا يرى الغدر حين يبتسم… وقال: انت بدك تتچوز حبيبه يا موسي؟
أومأ موسى، ونهض كمن يظهر حسن نيته، دار حول المكتب حتى صار قريبًا من قلب فوزي… أقرب مما ينبغي… وهتف بصوت مبحوح يقطر خبثا ممزوج باللوع:
أحب علي يدك متجول لا يا عمي… أنا هحب حبيبه… ومبديش بت غيرها… لو انت رفضتني يبجي حكمت عليا يحرم عليا صنف الحريم كلاتهم.
أشرق وجه فوزي بسذاجة الأب الحنون وقال :اباي… هتحبها جوي إكده يا واد؟
اوما برأسه بتأكيد وأنساب صوته كسريان السم في العروق: واكتر يا عمي والله… ديه الدنيا ملهاش عازه من غير حبيبه.
نهض فوزي، وضمه بحفاوة لا يستحقها، وهتف بسعادة لم يدرك أنها تهدى للثعبان نفسه وقال : مكتوبالك يا ولدي… وأنا دلوق بس هرتاح لما أطمن علي بتي مع راچل صوح يصونها ويحافظ عليها.
ربت موسى على ظهره… ومن خلف كتف عمه لمع شيء ثقيل في عينيه، خبث بارد، جشع… لا يعرف عن الحب شيئًا…وقال : في عيني يا عمي… طول العمر.
تنهد فوزي براحة حقيقية وقال: لما تيچي حبيبه من سوهاچ نشوروها… واللي في الخير يجدمه المولي يا ولدي.
أومأ موسى برأسه مطيعًا…
لكن داخله كان يحتفل بانتصار أسود… انتصار لم يكتمل بعد، لكنه بدأ وغمغم بصوت بارد كالنصل : علي خيرت الله يا عمي.
وووووووووووووو
تتخيلو رد فعل فارس اي وممكن القدر يفرقهم ولا حبهم اقوي….
ساحره القلم ساره احمد..

تسلم ايديكي مقدما يا سارة 💗💗💗
تسلمي ي حبيبتي ♥️
اوعوا تنسوا التفاعل يا قمرات ♥️ دي آخر فرصة
بالظبط ظبطو التفاعل ي قمرات♥️
🤩🤩🤩🤩🤩
♥️♥️
اخيرا وحشتنا الرواية والله تسلم ايدك اكيد هتبقي تحفه 😍
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تسلم ايدك ياقلبي 💞💞💞
تسلمي ي قلبي 💗
دمتي مبدعه ياساحره القلم
حبيبتقلبي تسلمي💗
تحفه
تسلمي ي حبيبتي ♥️
حبيبتي تسلم ايديكي اكيد كالعادة تحفة❤️❤️
حبيبتي تسلمي ♥️
دمتي مبدعه ياساره اكيد تحفه 👏👌👌❤️
تسلمي ي روحي♥️
جميل جدا جدا جدا ♥️ تسلم ايديكي ياقمر ♥️♥️♥️
تسلمي ي قلبي ♥️
تسلم ايدك ياقلبي 😘
تسلمي ي حبيبتي ♥️
التفاعل ياقمرات علشان خاطر ساره
ياريت ي قمرات♥️
حبيتي تسلمي ♥️
❤️❤️❤️
تسلم ايدك ❤️
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تحفه
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تحفه
تسلمي ي حبيبتي
تحفة تحفة قبل ما أقرأ😭♥️♥️♥️♥️
تسلمي ي حبيبتي
جيله ياسارة
تسلمي ي حبيبتي ♥️
بشجعك مالجروب 😭♥️♥️♥️
تسلمي ي ندود♥️
تحفة
تسلمي ي حبيبتي ❤️
جميلة ياسارة
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تسلم ايدك
تسلمي ي حبيبتي ♥️
فصل تحفه بجد
تسلمي ي حبيبتي ♥️
🥰🥰🥰
♥️❤️
🥰🥰🥰
♥️♥️
ساحرة كالعادة 🥹❣️
تسلم ايدك يا قمر💗💗
تسلمي ي عيوني ♥️
تسلم ايديك
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تسلم ايديك ياقمر
تسلمي ي حبيبتي
ابداع تسلم ايديك يا قلبى
تسلمي ي حبيبتي
سلم ايدك يا ساره
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تسلم الايادي ايه الجمال والحلاوه دي انا مستنيه الفصل الجديد بجد انا متشوقه ليه جدا 🧡🧡🧡♥️♥️🩷🥰🥰
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تسلم ايدك يا قلبى
تسلمي ي عمري♥️♥️
اول واحده
توووووحفه اى الجمال والحنان دا بس 😍😍😍🥰🥰🥰🥰
تسلمي يا حبيبتي ♥️
تسلم الايادي تحففففففه بجد😍❤️❤️❤️❤️❤️❤️
تسلمي ي حبيبتي ♥️
عسل قبل ماقرا
تسلمي ي حبيبتي ♥️
ايه الحلاوه دي
تسلمي ي ع
تسلمي يا قمر ❤️
بارت ناااعم اووى
حبيبتي تسلمي ♥️
الجمال كله وصل هنا
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تسلم ايدك يسارة ♥️♥️❤️😍🌹
تسلمي ي قلبي ♥️
تحفه ❤️❤️❤️
♥️♥️♥️♥️
تحفه بجد ♥️♥️
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تحفة
تسلمي ي حبيبتي ♥️
عاش
حبيبتي♥️
❤ ❤ ❤
💗💗💗
فارس هيخربها علي دماغ الكل
حقيقي روووووووووعة تسلم ايدك ❤️❤️❤️❤️
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تحفةةةةة
تسلمي يا قمر ❤️
فاخر من الاخر
ده فارس هيمصمص عضمه 🫣🫣🫣
هنشوف مع بعض ♥️
ايه الجمال ده ♥️🫶
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تسلم الايادي 💪♥️
تسلمي ي حبيبتي ♥️