عشق ملعون بالدم

عشق ملعون بالدم (الفصل الرابع عشر)

عشق ملعون بالدم (الفصل الرابع عشر)

نحن لا نُعطي الحبَّ،
بل يُؤخذُ منَّا كما يُؤخذُ الدمُ من الوريدِ في ليلةِ نزيفٍ لا يتوقَّف. يأتي من يستحقُّهُ، فيضعُ يدهُ على صدرنا، فيشعرُ بالنبضِ فيقول: هذا لي، ثم يقتلعهُ ويمضي، تاركاً الجرحَ يتنفَّسُ مكانَ القلب.
وفي هذا الجحيمِ المقدَّس، هناك قلبٌ واحدٌ فقط يعرفُ سرَّ الأمان،
إذا ضمَّكَ إليه، توقَّفَتْ الحروبُ داخلك، صمتتْ الأصواتُ، وصارَ الكونُ صدراً واحداً يتَّسعُ لكَ وحدك. تشعرُ أنَّ الزمنَ يخجلُ من الجريانِ في حضرته، فيقفُ احتراماً،
فإذا غابَ هذا القلبُ، أو غبتَ أنتَ عنه،
تحوَّلَ كلُّ نبضةٍ فيكَ إلى سكينٍ تطعنُ الصدرَ من الداخل، وصارَ التنفُّسُ ألماً، والحياةُ عقاباً بلا جريمة. تُصبحُ الليالي أطولَ من العمر، والأيامُ مجرَّدَ فواصلَ بين لحظتينِ من الشوقِ لا تطاق. يبكي الجسدُ دماً لا يُرى، ويصرخُ بصوتٍ لا يُسمعُ: أعيدوهُ إليَّ ولو ميتاً، فأنا أموتُ كلَّ لحظةٍ بغيابه.
وحين يختارُ القلبُ،
فلا عقلَ بعدَ اليوم،
قل للعقلِ: ارحلْ بسلامٍ أيها الغريبُ، فقد انتهى حكمُك، وولَّى زمانُك.
الآنَ يحكمُ الحبُّ وحده،
والحبُّ ديكتاتورٌ لا يقبلُ شريكاً في الحكم،
يقتلُ كلَّ من يعترضُ،
ويُكرِّمُ المستسلمينَ بأبدِ الوجدِ والعذابِ الأبديِّ الأبديِّ.
سلامٌ على العقلِ إذا مات،
فالموتُ في الحبِّ هو الحياةُ الوحيدةُ التي تستحقُّ أن تُعاش.

البارت ١٤
في الشقه في سوهاج ..

مر الوقت ببطء قاتل، وكل ثانية كأنها سكين تغرز في قلب فارس، حتى بدأت عيون حبيبة تفتح ببطء، نصف غافية ونصف ضائعة بين وعي ودوار، وغمغمت بصوت واهن متردد: اااه…

اقترب فارس منها كالمجنون، وقلبه يركض قبل خطواته، عينيه تلتصقان بكل حركة منها، وخرج صوته مخنوق بالرعب والحنان: سلامتك يا حبيبه من الاه… بعد الشر عنيكي يا جلبي…

رفعت حبيبة يدها المرتعشة لتلمس صدره، كأنها تبحث عن منقذ، وهمسة بصوت تائه: ايه حصل يا فارس؟

مسح فارس على وجنتها برفق يائس، وكأن كل لمسة منه تعيدها الي الحياه ، وهمس وهو يراقب حرارة جسدها المرتفعة: سخنتي من رجدتنا على الشط يا جلبي… مش عارف كيف غفلنا كده… نسيتي كل حاچة وانتي في حضني يا بت.

ابتسمت بخجل وهن، ومسحت على صدره برقة وهمسة: وانا كنت صاحيه بدري… عشان كده نعست وماحستش.

ابتسم فارس بعبث، وأصابعه تتجول على شفتيها كما لو كانت رسائل حياة، وهمس بعمق:يا بت… مش لأجل ما في حضني يعني.

لكزته بخفة، وهمسة بصوت خافت مرتجف: بس يا فارس… ويلا روح… هنعس تاني.

هز رأسه بالنفي، وحاوط وجهها بين يديه، عيناه مشتعلتان بالحزن والحب، ونبرته تمزج الحزم بالحنان: لا يا حبيبي… مفيش نعس… أنا ما صدجت تصحي… لازمن تأكلي وتاخدي العلاچ.

هزت رأسها بخفوت، وهمسة بضعف يقطع القلب: لا… مليش نفس.

سحبها فارس اجلسها برفق شديد، كل حركة منه تعكس خوفه من فقدانها، وتمتم بحزم مختلط بالحب: لا… لازمن تأكلي… والجلع ديه مش هينفع المرة ديه… أنا مش هسيبك كده.

دخلت نغم وهي تحمل صينية الطعام، وصوتها يهتز بالقلق والرحمة: الو… الأكل اهو.

أشار لها فارس بعينين متوهجتين بالحب والحماية، وهتف بحزم مختلط بالحنان: تعالي يا نغم… بدها تنعس تاني جال … لازم تاكل الأول… لازم تشربي وتاخدي العلاج… مش هسيبها غير كده.

اقتربت نغم بحذر، وضعت الصينية أمامهما، وعيونها تترقب كل حركة…

نظرت حبيبة إلى الطعام بضيق، وصوتها المبحوح يهتز بالخوف والضعف: أنا زوري… وچعني… مش جادرة والله أبلع.

مد فارس يده، مسك الملعقة برفق وحزم، واقترب بها نحو فمها، وصوته منخفض لكنه صارم: وعشان زورك وچعك… لازمن سوائل سخنة… عشان يفتح وتخفي يا جلبي… يلا.

أومت حبيبة برأسها على مضض، ابتلعت الحساء بصعوبة، وغمغمت بصوت مبحوح: البلع واعر…

قرب فارس ملعقة أخرى، وصوته يفيض بالحنان والجدية:معلش يا جلبي… مرة ورا مرة… زورك هيفتح.

أومت برأسها على مضض، بينما استمر فارس في طعامها برقة وحزم، كل حركة منه تحمل الأمان والحماية…

انتهت الوجبة، ومد لها حبة الدواء وزجاجة الماء، وهمس:
خدي الحبة ديه… وانعسي براحتك.

ابتلعت حبيبة الدواء، وصوتها يرتعش بالامتنان: الحمد لله… ربنا يخليكم ليا.

أخذت نغم الصينية، وهمسة بحب وارتياح وهي تخرج : ألف سلامة يا حب… المهم تجومي بالسلامة يا حبيبتي.

ابتسمت حبيبه، وجسدها مشتعل بالحرارة، وعرقها يبلل القماش، كل ثانية كأنها رقصة بين الحياة والمخاطر،

وفارس ونغم محيطان بها كالحصن، كل لمسة، كل نظرة، كل همسة محملة بالحب، الخوف، والرغبة في حمايتها من أي شيء… حتى من الزمن نفسه.

أشار لها فارس بيده، وهتف بعيون مشتعلة بالحب: ريحي چسمك يا جلبي.

انزلقت حبيبة قليلاً، فرفع الغطاء فوقها برفق، قبلها على رأسها بحنان…

نظرت إليه بعينين ناعستين، رقيقتين، يكسوهما التعب والطمأنينة… ابتسم بعبث، قبل زاوية شفتيها وهمس بلهفة: ياويلي من ديه عيون… ياويلي.

أغمضت عينيها، وابتسامة صغيرة تزين ثغرها، وهمسة بصوت خافت مبحوح: تصبح على خير يا حبيبي.

مرر فارس يده على شعرها برفق، وهمس بصوت يفيض بالحب والحنان:تصبحي على الرضا والنور يا حتة النور.

أغمضت عينيها ثانية، بينما نهض فارس وخرج ببطء، وقلبه مشتعل بالحب والقلق، أدار ظهره للباب، وأغلقه بهدوء…ثم هتف: نغم…

خرجت نغم من المطبخ، وصوتها يتعالى ببعض القلق:
رايح وين؟ أنا هحط نتعشي أنا وأنت.

هزّ فارس رأسه بالنفي، لكنه قبل أن يرد، قاطعته نغم بسرعة: متجولش لا… عشان خاطري.

أوما برأسه، وقال بصوت خافت لكنه دافئ:ماشي… بس بسرعة.

أومت نغم برأسها، وتقدمت نحو المطبخ، بينما خرج فارس إلى الصالة، قلبه لا يزال يرفرف بين الحب والخوف، عيناه لا تفارق غرفه حبيبة، وكل خطوة يخطوها محملة بالحنان، الحماية، والشغف الممزوج بالقلق.
……..

في سرايا العزيزي،

كان الصمت يهبط على المندرة كغمامة ثقيلة، كأن الجدران نفسها تنتظر ما سيقال وترتجف من حمل القرار…

دلف غسان إلى الداخل بخطوات متحفزة، يتقدمها قدر من القلق المكتوم، وقال بصوت يشق السكون: شيعتيلي يا بوي؟

رفع فوزي رأسه، وقد بدا التعب متكئًا على ملامحه، وأومأ له أن يقترب وقال :  تعالي يا ولدي.

جلس غسان إلى جواره، والرهبة تمسك بأنفاسه: خير يا أبوي؟

لكن قبل أن يفتح فوزي فمه، انشق باب المندرة عن أمير تتبعه إنعام التي رمت السؤال كمن يخشى الإجابة:
خير يا أبو غسان؟ كفا الله الشر يا أخويه.

أشار لهم فوزي بيده، كمن يجمع شتات العائلة حول أمر لا يحتمل التأخير:تعالوا… اقعدوا… هشوركم في أمر
إكده.

جلس الثلاثة في نصف دائرة حوله، والقلق ينساب بينهم كريحٍ باردة.
وضع فوزي كوب الشاي أمامه ببطء، ثم قال بنبرة جليلة:
صلوا على النبي.

رددوا جميعًا بخشوع يليق بوقع اللحظة: اللهم صلي عليك يا نبي.

مسح فوزي على عكازه كمن يستجمع ثباته، ثم غمغم بصوت يحمل وطأة خبر شديد: في عريس زين چاي على حبيبة!

كانت الصدمة كصفعة مباغتة؛ ارتجفت أنفاس إنعام، وتشبث صوتها بخوف أمومي لا يخطئه أحد: أوعى يكون بعيد يا فوزي… أنا مبديش بنتي تبعد عني.

هز فوزي رأسه مطمئنًا وقال : لاه… متخافيش…جريب جوي.

انعقد حاجبا أمير، وتسلل التوجس إلى صوته: مين يا أبوي؟

رفع فوزي كوب الشاي إلى شفتيه، احتسى رشفة طويلة، ثم قال بثبات يثير ألف سؤال: موسى… واد عمك.

انفجر صدر أمير بزفرة حانقة، كأنما لفظ معها كل الامتعاض المتراكم وهتف : موسى ديه إيه؟! اللي يخد حبيبة؟ خدها ربنا بدري!

تبادلت العيون بنظرات مذهولة، وهتف غسان وقد اختلط الدفاع بالاستفهام في صوته: ماله ولد عمنا؟ ونلجوه عدلنا معاه!

لكن أمير قفز واقفًا، والغضب يتأجج في عروقه كجمرة:
حبيبة مش هتوافج… أنا عارفها!

ارتفعت إنعام بصوت يقطر نفورًا ناقمًا: أجولك الحج يا حچ… هو واد كيف الديب إكده، تحسه ملهوش أمان! خابر لو سلمان، أجولك ماشي… بس الواد الأصفر ديه؟ أنا مش مرتاحاله!

فجأة صفع فوزي كفا بكف، وكأن جملة إنعام كشفت أمامه باب مظلم لم يلفت الانتباه من قبل، وهتف بدهشة حانقة: جول لي أمك يا ولدي… على البلوه اللي عملها سلمان! اللي هتجول عليه طيب؟!

توتر الهواء في المندرة كوتر مشدود، وكأن كل كلمة عالقة في صدورهم تنتظر الشرارة التي ستفجرها…

أومأ غسان برأسه، وخرج صوته وكأنه يعلن فضيحة تهز أركان السرايا: سلمان سرج ربع مليون يما… واللي جال عليا موسى، جال الحج ولو ع رجبة شجيجه.

اتسعت عينا إنعام بدهشة كأن الأرض انسحبت من تحت قدميها، وقالت بنبرة لم تستوعب بعد: كيف ديه؟ سلمان يِمد يده؟ والله ديه عچوبه صوح!

انفلت أمير بغضب لا يروض، وصوته يجلجل في المندرة: وانتو صدجتوا الكلام الفارغ ديه؟! أنا عارف سلمان زين… وعارف برضه موسى، ولو واحد منيهم سرج، يكون موسى… مش سلمان!

هز غسان رأسه نافياً، ممررًا الحقيقة كسكين حاد:وايه؟… جولك إن سلمان اعترف أول ما وچهناه!

تحجر وجه أمير، كأن الضربة باغتته من حيث لم يتوقع.
وقبل أن ينطق، هدر صوت فوزي بنفاد صبر يضرب الأرض بعكازه لو استطاع: أنا لحد آخر دجيجه… كت حاسس إن سلمان بريء… بس لم جر على حاله عجلي كان هيشت!

دار بنظره بينهم، كمن يزن كل كلمة بميزان الرجال، ثم قال بنبرة حاسمة تقطع الجدل: أنا واعي… إن موسى واد أخوي… وراچل… وشاري حبيبة… إيه جولكم؟

انتفض أمير واقفًا، والغضب يتدفق من عينيه كشرر: وانا مش واعيله… غير عيل ملزج! ومينفعش حبيبة!

اعترضه غسان، وقد تحول صوته إلى نبرة تحذير أخوي:
عيب يا أخوي! ديه ولد عمك…وأنا عن حالي… ما وعيت منه على حاچة عفشة. ..واهو… اللي نعرفوه أحسن من اللي ما نعرفوهوش!

هزت إنعام رأسها بعناد لم يلين، وقالت بصوت مكسو بحد الأم: مش مهم إحنا… المهم اللي هتعيش معاه! وتتصبح ف خلجته باجي عمرها!

التفت إليها فوزي، وشيء من العتاب يعبر وجهه:مجلتيش إكده ف چوازة أمير يا إنعام؟

أومأت إنعام، كمن يحمل مرارة لا تريد أن تكسر مرة أخرى، ثم نهضت بخطوات سريعة نحو الخارج وهي تهتف: ما أنا مش هغلط مرتين يا حچ!

انصرفت، وتبعها أمير، والغضب يتبعه كظل كثيف.
وظل غسان واقفًا في مكانه، ثم قال في هدوء يحمل ما يشبه التسليم: صح يا أبوي… أهم حاچة رأي حبيبة.

أومأ فوزي، وكأنه يسلم الأمر لقدر لا يصرف إلا بحضوره: لما تيچي حبيبة… يحلها حلال.

……..
سوهاج ..في اليوم التالي، 

بدت حبيبه وكأنها أزهرت من جديد بعد ليلة طويلة من العناء، خرجت من الغرفة بخطوات واثقة لكن متثاقلة، كأن قلبها ما زال ينبض بقوة من أثر المرض…

وجدت نغم جالسة عند طاولة الطعام، غارقة في كتبها، وملامحها تحمل حرص الأخت وحنانها المشتعل.

رفعت نغم رأسها، وابتسامتها ترتجف بين القلق والحب:
صحيت يا حب؟

جلست حبيبه بجانبها، وصوتها المبحوح يحمل دفء الشفاء: أه… صحيت… عشان أذاكر… عندي امتحان بكرة.

ربتت نغم على يدها برقة تفيض حنانًا، همسة: حاولي متتعبيش حالك…

أومأت حبيبه برأسها، وعندها دق الباب. نهضت نغم مسرعة، لكن حبيبه سبقتها وأشارت لها: أنا هفتح.

اقتربت حبيبه من الباب، فتحت ببطء، وابتسامة خفوت ترتسم على شفتيها، وعيونها تلمع بخجل ودفء وهمسة : فارس…

نظر لها فارس بدهشة ممزوجة بالغضب، واقترب بخطوات سريعة، ووضع يده على وجنتها ليتأكد من حرارتها، وهتف وقلبه يختنق بين الغضب والقلق: انتي جومتي ليه من فرشتك؟

أشارت له بيدها، وهمسة بخفة لكنها صادقة: عندي امتحان بكرة… لازمن أذاكر… وأنا زينه والله.

ابتسم برقة، ودلف مبتسمًا، وقلبه يفيض بالحب والقلق معًا وقال : تعالي يا حبيبي… متوجفيش ف وش الهواء.

تحركوا إلى الداخل، وأغلق الباب خلفهم بعناية، وضع الأكياس على الطاولة، كأن كل شيء من حولهم يهدأ أمام حضورهم المشحون بالدفء…

جلست حبيبه، وعيناها تلمعان بخجل وتعب وقالت : ليه كل ديه… كل يوم كده؟

أومأ فارس برأسه، وغمغم بصوت هادئ لكنه مشحون بالعاطفة والسلطة الرقيقة:انتي تتغذي وانتي ساكته… لأجل ما تركزي ف المذاكرة.

ابتسمت بخفوت، وتعب وجهها لا يطفئ نور ابتسامتها:
حاضر… ربنا يخليكي ليا.

ابتسمت نغم بحب صادق، وعيناها تتلألأ بدفء وحب: ويخليك لينا يا غالي.

امتلأت الغرفة بصمت دافئ، صوت دقات القلوب متسارعة، والهواء يبدو مشحونًا بعاطفة لم تقال بعد، وكل لحظة بينهما تتنفس دفء وحنان، كأن العالم كله قد توقف ليستمع لنبض قلوبهم.

أومأ فارس برأسه، وفتح أحد الأكياس التي وضعها على الطاولة، وأخرج بعض حبات البرتقال والليمون، وعيونه تتلألأ بحركة مليئة بالحنان والخفة وغمغم : انتو ذاكروا… وأنا هعملكم عصير.

نظرت له حبيبه بدهشة، ونهضت بسرعة، محاولة التدخل: انت اللي هتعمل؟ لأ، هات أنا أعمل.

أشار لها فارس بحسم وحنان في آن واحد: اجعدي… ذاكري.

ضحكت نغم بخفوت، ونهضت لتساعد: طب أنا…

هز رأسه بالنفي، وصوته يمزج الحزم بالمرح: متجعدي يابت… انتي وهي خلصنا… أنا مش فاضي.

جلسوا جميعًا، كل واحدة تمسكت بكتابها، والهدوء يغمر المكان، بينما تحرك فارس إلى الداخل ليعد العصير…

نظرت حبيبه إلى الداخل، وعيناها تلمع بالدهشة والحنين وهمسة : أخوكي جلب ليه مرة واحدة كده؟

ضحكت نغم بخفوت، وهمسة بابتسامة: لا… هو كده هيرچع لطبيعته… أنا كنت مستغربه اليومين اللي فاتوا.

رفعت حبيبه حاجبيها بدهشة، وغمغمت: لا يا شيخه… طب ربنا يطمنك… كيف ما طمنيني؟

خرج فارس من المطبخ بعد لحظات، يحمل أكواب العصير، صوته يعلو بخفة وحيوية: هتذاكروا ولا هتلتوا؟

هزت حبيبه رأسها بعزم وقالت : هنذاكروا يا غالي ..

وضع فارس الأكواب أمامهم، والدفء يتدفق من حركاته البسيطة وقال : اشربوا العصير.

نظرت له حبيبه بدهشة، وعيناها تتسائلان: وانت مش هتشرب؟

هز رأسه بالنفي، وصوته يمزج الطمأنينة بالجدية: لا… أنا چيت أطمن عليكم… ومعاود عندي شغل متأخر… اعملوا حسابكم… بكرة بعد الامتحان هنعاود على البلد.

أومأت حبيبه، وهتفت نغم بصوت مختلط بالحيوية والتعب: أنا امتحاني بعد بكره يا غالي.

نظر لها فارس بعينين تجمع بين الحزم والدفء، وقال: بعد بكره هيكون فرح أمير… هودي حبيبه بكره .. وأعود ليكي على طول.

هزت نغم رأسها بتوجس وقالت : وليه تروح وتيچي يا أخوي؟ اليومين دول اجضيهم مع صحابي ف السكن؟

أومأ فارس برأسه موافقًا وقال : ماشي… يومين وبعدين هنعاود على طول… بس متطلعيش من السكن ابدا!!

أومأت نغم وقالت بنبرة خافته مختلطة بالمرح: متجلجش يا أخوي… السكن چمب الچامعة.

نظرت لهما حبيبه بتوتر، وعيناها تمتلئان بمزيج من الفضول والخجل: لو جلجان على نغم… خليك يا فارس… وأنا اجول لي أمير يجي يخدني.

هز فارس رأسه بالنفي، وخرج صوتة بحدة وحزم: أمير هو اللي جالي أچيبك معايا… هو مفضيش.

أومأت حبيبه برأسها بدهشة، وغمغمت بصوت منخفض: خلاص… اهدي يا فارس… مالك؟

هز فارس رأسه بالنفي، وعيناه تمتلئان بالإصرار:
مفيش حاچة… ذاكروا وناموا بدري… حضري حالك… بكره هنعاود على البلد.

أومأت حبيبه برأسها بدهشة، وتحرك فارس نحو الباب بخطوات سريعة، وحبيبه تنظر له بدهشة ،كأنها تحاول استيعاب شدة حرصه واهتمامه المتوتر…

نظرت حبيبه إلى نغم، وعينيها تتسائلان عن تصرف فارس وقالت : هو مالو؟

مطت نغم شفتيها بدهشة وجهل، وهمسة: مش عارفة يا حب… والله هو ساعات يبجي… مش طايج حاله كده… وبعدين يروج لحاله.

زفرت حبيبه بتعب مكتوم، ونظرت إلى كتابها من جديد، نصف عقلها مكرس للمذاكرة، والنصف الآخر رحل بعيدًا مع فارس، بين الخوف والحنان والاشتياق.

…….

في سرايا العزيزي،
اقتحمت أنعام غرفة أمير كالعاصفة، وعينها تلمعان غضب وسخط، وصوتها يصدح في أرجاء المكان: امير يا ولدي!

اعتدل أمير فجأة، وأغلق دفتر الحسابات بعنف، وعيناه تلمعان بين الدهشة والتحفظ: خير يا يما؟

جلست أنعام أمامه، وملامحها تحترق بالغضب والدهشة معًا، ونبرة صوتها مشحونة بالحزم والسلطة: جولي يا ولدي… انت مجطوع منيك الرجاء جوي إكده… لتكون ملكش ف الحريم يا حزين!

شهق أمير، كأن الكلمات صدمت صدره، وارتجف صوته بين الغضب والدهشة: چري إيه يما… ايه الكلام المجندل ده؟ ولا عشان محترم حالي… منفعش معاكم!

هزت رأسها بالنفي، وصوتها صار كالسيف، لا يحتمل الجدال: ليه كت جلتلك… ادخل عليا مشعلك واحدة ف دراعك… أنا هتحدتت على خطيبتك!

قطب أمير حاجبه، وخرج صوته منهار بشرود: خطيبتي؟

صكت أنعام صدرها بحنق، وصرخت بعنف، كأن كل غضبها خرج دفعة واحدة: اباي يا أمير… نسيت خطيبتك يا حزين؟

مسح أمير على وجهه بضيق، وهمس بصوت مكتوم:
اه… ام كيان…

جحظت عيناها بدهشة مختلطة بالغضب، وهدرت بحدة:
ام ايه يا ضنايا… في واحد هيجول على خطيبته اللي كلها يوم وتبجي مرته… أم كيان؟

نظر لها أمير بغضب مكتوم، صوته مشحون بالتحذير والانفعال: أما أحب ع يدك… أنا عملتلك اللي بدك… وريحتك… وهتچوز على كيفك… اطلع من دماغي… الله يرضا عليكي.

نهضت أنعام من مكانها بغضب محتدم، وهدرت كأن الجدران تصغي لكل كلمة:طب يا أمير… لو مرحتش تسالي على خطيبتك… وتچبلها اللي تعوزه… كيفها؟ كيف أي عروسه… انت حر… واتحمل غضبي عليك… عاد!

انصرفت أنعام بغضب عارم، وأغلقت الباب خلفها بعنف مدو كأنه صاعقة تصيب أرجاء الغرفة.

زفر أمير بغضب لا يضاهيه شيء، وألقى الدفتر من يده بعنف، وغمغم بمرارة مكتومة: حرج ابو الچواز على اللي بده يتچوز…

كان الغضب يتصاعد في صدر أمير كدخان حبيس؛ قبض على هاتفه بعصبية وعبث بشاشته قبل أن يرفعه إلى أذنه، كأنه يبحث في صوت ما عن مهرب من ضيق
يخنقه.

وما إن جاءه صوت ريم الهادئ، كنسمة باردة على روح متعبة: الو؟

مسح أمير كفه على صدره، يحاول تهدئة ذاك الاضطراب الذي يسري في دمه، وتمتم بنبرة ممزوجة بالكتمان:
كيفك يا ام كيان؟

أومأت ريم برأسها هناك، على الطرف الآخر، وكأن أمير شعر بإيماءتها تتسلل عبر سماعة الهاتف، ثم قالت بخفوت مطمئن: الحمد لله يا اخوي… كيفك؟ وكيف أمه أنعام؟ وعمي فوزي؟ وحبيبة وهند والعيال… وعساف اخوي؟

ضحك أمير بدهشة خفيفة، وكأنها استدرجت منه بساطة كان يخفيها: كلهم بخير… هما محدش هيكلمك فيهم إياك!

هزت ريم رأسها نافـيةً، ونبرتها تتشح بود دافئ: لا… كلهم هيكلموني وهيسألوا عليا وعلى كيان. ربنا يخليكم ليا.

شعر أمير بشيء من الحرج يتسلل إلى صوته، فانخفضت نبرته وغمغم: بصراحه يا ام كيان… أمي هتزن على راسي… بدها اچيلك اچبلك…

لكن ريم لم تدعه يكمل، جاء صوتها حاسمًا رغم هدوئه: لا يا أمير… متنتعش هم كنك چيت وچبت! أنا مبديش حاچة.

زفر أمير نفسا طويلًا، وكأن صخرة تدحرجت عن صدره، ثم قال براحة ظاهرة: ربنا يخليكي يا ام كيان… ذحتي حچر عن صدري.

ابتسمت ريم بود ينساب من كلماتها بلا عناء: ولا يهمك يا اخوي.

أومأ أمير وهو يشد على الهاتف بامتنان صامت: أنا هشيعلك فلوس… وانتي

قاطعته ريم هذه المرة بقوة لم يعهدها منها، صوتها ينهض فوق الكلمات بثبات لا يقبل نقاشًا: لا! أنا حدايه كافة شي… ربنا يخليك يا أمير… إن شاء الله متحرم منك.

أومأ بالرغم من رفضها، كمن يحترم صلابتها قبل رأيها:
تشكري يا ام كيان… مع السلامة.

أغلق الهاتف ببطء، ثم ترك الهواء ينساب من صدره في زفرة حانقة لكنها مستسلمة، قبل أن يتمتم وهو يحدث نفسه: أنا كده… عملت اللي عليا.

………

في صباح ثان يوشك أن يعيد على فارس كوابيسه القديمة،
وقف بسيارته أمام بوابة الجامعة، جسده ثابت لكن روحه مضطربة…

كأن الريح تتقاذفها من الداخل… كانت يده على المقود، أما قلبه فكان يشتد خفقانه مع كل ثانية…

لا يعرف لماذا ظل ذلك الكابوس يطارد ليله، ولماذا ذلك السفر القصير يضغط على صدره كالحجر، لكن الانقباض كان حاضر، عنيد، لا يهدأ.

وفي غمرة شروده، طرق خفيف على زجاج السيارة شق عزلته كضوء مفاجئ،

فرفع رأسه… وما إن أبصرها حتى انفرج وجهه كمن رأى القمر يكتمل أمامه فجأة…

ارتسمت ابتسامة واسعة على ملامحه، ابتسامة لا تشبه إلا فارس حين يرى حبيبته.

فتح الباب بسرعة وهتف، صوته ينساب دفئ رغم توتره: ادخلي يا جلبي… عامله ايه دلوق؟ والامتحان تمام؟

صعدت السيارة وأغلقت الباب، ما زال التعب في عينيها، لكنها ما إن رأته حتى تهللت دهشة خفيفة: اه تمام… انت كت سرحان جوي.

انطلق بالسيارة، لكن صوته خرج منخفضًا، وكأنه يقول الحقيقة لنفسه قبلها: واللي ف جلبه عشجك… هيمسك عجله بردك.

ابتسمت بحب، تلك الابتسامة التي تهدئ عواصفه وقالت : نفسي اعرف هتچيب الكلام ديه من وين؟

نظر لها نظرة عاشق لا يعرف سوى طريق واحد إليه:
والنعم من جلبي.

ضحكت بخفة تذيب ثقل النهار وتمتمت :  الحي ولا الميت؟

أجابها بغمزة ماكرة وصوت خافت: التنين هيغشوا من بعض.

ألقت عليه نظرة محبة، كأنها تربت على قلقه من غير كلمات: انت مشكله يا غالي.

مد يده إلى يدها، قبض عليها بحنان عميق، ثم رفعها وقبلها… قبلة واحدة علي ظهر يدها ، ثم أخرى على باطن يدها، كأنهما تعويذة تحميه من خوف لا يريد الاعتراف به…وقال : من يوم ما عشجتك يا جلب الغالي… جبل كده كنت فاكر إن الجلبين ميتين.

ربعت ذراعيها حول صدرها، ونظرت له بدهشة تحاول أن تخفي دفء سعادتها: يعني بدك تفهمني إن واحد زيك… عمره ما حب ولا اتحب جبل كده؟

نظر إليها… نظرة تشعرها أنها وحدها الحقيقة الباقية في عالمه، ثم همس بصوت منضبط لكنه يفيض صدقًا:
معرفش لو حد حبني… بس أنا عمري ما حبيت… ولا جلبي عرف غير عشجك… يا حتة النور.

ابتسمت حبيبة بخجل وحنان يفيض من بين ملامحها الصغيرة، وهمسة بصوت مبحوح كأنه نهر من العاطفة:
وانا بردك محبتش … بس كت وانا صغيرة… كت بحب سيلفستر ستالون.

ارتعشت عين فارس ، وعيناه تحترقان بغضب عابث مختلط بالشوق، وسحبها من ذراعها نحوه بقوة تلتف بين العاطفة والسيطرة، وهتف بحدة ممزوجة بالشغف:
وبتجوليها ف وشي يا بت!

ضحكت بصخب يغلي بالحب والشغف، وغنجها جعل قلبه يطرق بعنف كأنه يريد الخروج من صدره، وقالت بمرح متشابك مع العاطفة: معرفش… أكدب عليك يا حبيبي؟

حاوط عنقها بذراعه، وغمغم بصوت خافت، لكنه مشحون بالشغف والحرقة: هتوجفي جلبي بجلعك… الله يسامحك.

ابتسمت له بحب لا يقاس، كأنها تمنحه العالم كله بابتسامة واحدة، وعيناها تتحدثان بصمت أعمق من أي كلام: عمري ما اجلعت غير عليك.. انت احلي حاچه حصلت لي!!

نظر لها فارس بعينين يملؤهما الحنان والهيام، وهمس بصوت يذوب معه الهواء من حولهما: وانتي أحلى حاچة خلجها ربي.

لكزته بخفة وهمسة في أذنه، والحرارة تعتمل بينهما:
أوعي طيب… وسوج علي مهلك… امير كلمني وجالي… هيستنى ف بيتكم.

أومأت برأسها مطمئنة، ورد عليها بهدوء سريع، كأن قلبه لا يحتمل الانتظار:حاضر يا جلبي.

ثم انطلق بالسيارة بسرعة متوسطة، كأن كل ثانية تقربه من قلبها يشعل شغف وعشق داخله،

والشوارع تتسارع أمامه، وكل ضوء ووميض يعكس حرارة تلك اللحظة التي لا يمكن أن تنسى….

قلبه يرفرف، يختنق بين الرغبة في حمايتها والخوف من أن يفوت لحظة واحدة من قربها،

ويده تمسك عجلة القيادة بقوة، لكنها ترتعش من شدة الحب الذي يفيض في صدره.
…….

كانت سرايا الأنصاري يغمرها الهدوء ربما الهدوء الذي يسبق العاصفة ، تحيط بها الحدائق الغناء وأروقة مرصوفة بالبلاط البراق، تتخللها أشعة الشمس المغيب التي ترقص على جدرانها العتيقة

اقتربت وهيبه من أمير، تحمل بيديها كوب القهوة، وكأنها تحمل معها جزءًا من دفء قلبها وحنانها الصامت، يلمس روحه قبل جسده: اتفضل يا ضنايا.

نهض أمير بأدب رزين، كأن احترامه لها طبع في كيانه، وأخذ الكوب من يدها، صوته خرج محمل بالامتنان والود:
يزيد فضلك يا عمه.

جلست وهيبه، وعيناها تتلألأان بمزيج من الحنان والفخر،  وقالت : هتعجد بكره على أم كيان يا ولدي؟

أومأ أمير برأسه بثقة هادئة، قلبه يموج بين الترقب والمسؤولية، وكأن كلماتها تمنحه قوة خفية: إن شاء الله يا عمه.

ربتت وهيبه على ساقه برفق، كأنها تمنحه الطمأنينة والدعم في آن واحد، وهمسة بصوت دافئ يسكن أعماق روحه: زينه يا ولدي… ربنا يتمملك على خير.

أومأ أمير مجددًا، ثم ارتشف من كوب القهوة، صوته يحمل مزيج دافئ من الطمأنينة والتوتر: على خير.

وفي تلك اللحظة، دلفت سيارة فارس إلى الحديقة، تزامنًا مع حركة وهيبه وأمير، وعيناه تلمعان بمزيج من الدهشة والفرح وقال : ديه عربية الغالي!

أغمضت وهيبة عينيها في لحظة تتكاثف فيها المرارة حتى تكاد تسمع، كأن الصمت نفسه ينوح تحت وطأة ما تقدِم عليه…

كانت تدرك أنها على وشك أن تسحق قلبين لا ذنب لهما إلا أنهما وقعا في العشق … قلب ابنها، وقلب تلك الفتاة التي لم تخطئ سوى أنها دخلت الدرب الخطأ في الوقت الخطأ…

ومع ذلك، لا فكاك من القرار؛ فالقدر أحيانًا يضيق حتى يصبح باب لا سبيل لغير عبوره.

ترجل فارس من السيارة، تتبعه حبيبة بخطوات يكسوها حياء لطيف، ونور لا يخفى على امرأة خبرت وجوه العشق وارتجافاته….

كان بينهما ذلك الصمت المفعم بالألفة… تلك اللمعة التي لا تخطئها عين أم… وفي صدر وهيبة انعقد شيء أشبه بخيط خشن يشد روحها من الداخل، يعصرها حتى تكاد تختنق.

ومع كل هذا… لم يكن أمامها إلا أن تمضي في الطريق الذي اختارته، مهما كان الثمن.

تقدم أمير بخطوات ثابتة، يكسوها الترحيب والرجولة:
حمد الله على السلامه.

ضمه فارس بحب صادق، كأن اللقاء بينهما يهد جبلاً من المسافات: الله يسلمك يا اخوي.

ربت أمير على منكبه بنفاد صبر وقال :  عوجتوا ليه؟ أنا لي ساعه مستنيكم.

أشار فارس وهو يحاول تبرير البطء: من جدام الچامعه على هنه على الطول… بس كت ماشي على مهلي عشان حبيبه.

أومأ أمير برأسه بحنق خفيف، ثم اتجه إلى حبيبة، ذاب التوتر من عينيه لحظة رأى وجهها المتعب والحنون. احتوها بذراعيه وقبل رأسها بحنان اخوي خالص: كيفك يا خيتي؟

ربتت حبيبة على صدره بخجل مطعم بالامتنان: زينه يا اخوي… كيفك انت؟

اوما برأسه وقال بصوت خافت: الحمد الله… يلا.

لكن فارس قطب حاجبيه بدهشة، والتوتر يلمع في عينيه كحد سكين: يلا ايه؟ اصبر تاخد نفسها من السكه!

ثم التفت إلى والدته، كأنه شعر خفية نبهته لاضطراب يخيم على وقفتها البعيدة…

قرأ في تصلب كتفيها، وفي شد شفتيها، ما لم يرق له. اقترب خطوة وهتف بنبرةٍ امتزج فيها القلق بالاستنكار:
مالك يا يما؟ واجفة كده ليه؟… تعالي، سلمي على حبيبة.

نظرت وهيبة إليه بنفاد صبر معلن، وصوتها يقطر استنكارًا: ركبتي هتنچح عليا يا ولدي.

تراجعت حبيبة خطوة، وانطفأ لمعان الابتسامة في عينيها… لكن اقتربت رغم ذلك، بدفء صادق، ورفعت ذراعيها برقة متواضعة: الف سلامه يا عمه… اجي أنا اسلم عليكي.

لكن وهيبة… تراجعت خطوة، خطوة ثقيلة كأنها تختبر الأرض تحت قدميها. أدارت وجهها بعيدًا عنها، وغمغمت بحدة لا تخطئها الأذن: خليكي مطرحك… نغم جلتلي إنك كتي عيانه، وأنا مش ناجصه عدوه.

توقف الهواء في صدر أمير بغضب حاد ، تجمدت اللحظة…شعرت حبيبة ببرودة الفزع تتسلل إلى صدرها، وارتعش قلبها… بإحراج يسكب ضوئه البارد على قلبها، وارتجفت أنفاسها كأن الهواء صار ثقيلاً فوق صدرها…كأن الحديقه كلها ضاقت فجأة…

بينما تجمد فارس مكانه، والنار تتصاعد ببطء رهيب خلف عينيه… نار لا تخطئ أنها ولدت للدفاع عنها…وحواسه كلها تركز على حبيبة، على أي حركة قد تجرحها، أي كلمة قد تؤذيها.

كأفعى مستعدة للانقضاض، قبض على قبضته، والدم يغلي في عروقه…

اقترب بخطوات حادة، عيناه تشتعلان بلهيب الغضب، وصوته هدر كالسيف: اما ايه اللي هتعمليه ديه؟ متي كتي هتتكلمي كده؟! ومع مين… مع حبيبه؟

رفعت وهيبه حاجبها بغضب متفجر، صوته ينضح تحديًا:
يا ولدي… أنا مش حمل العيه!

هزت حبيبة رأسها بتوتر، وكأن قلبها يريد أن يذوب بين الحزم و الإحراج وغمغمت بدموع :حجك عليا يا عمه… وبعد الشر عليكي.

ثم عادت بخطوات مترددة نحو أمير وقالت: يلا يا اخوي.

نظر فارس إلى والدته بعتاب ثقيل، مزيج من الغضب والحزن، ثم تحرك نحو أمير وهدر بحزم يكاد يقطع الهواء: حجك عليا يا حبيبه… أمي مش جصدها.

أومت حبيبة برأسها، ودموعها تختبئ خلف صوتها المبحوح: مفيش حاچه… هي عندها حج.

ضم أمير حبيبة بحنان، بنظرة ثاقبة مليئة بالعتاب الغاضب موجهة إلى فارس وهدر :جلتلك الطريج واعر جوي يا صاحبي… وادي أوله.

أومأ فارس برأسه بثبات، كل حرف منه يفيض حزم وحماية: ولا أوله ولا آخره يا صاحبي… أنا ميهمنيش غير حبيبه… ومش هسمح لحد يدوس على طرف ضلها.

أومأ أمير برأسه، والغضب يغلي خلف عينيه وهتف : اللي فيه الخير يجدمه ربنا… سلام يا اخوي.

تحرك نحو سيارته، فتح الباب، وصعدت حبيبة بخفة، أغلق الباب خلفها….

انطلقت السيارة كأنها برق، والهواء يصفع وجوههم، والفكر مليء بالقلق والحب والتوتر الذي يلتهم كل ثانية تمر.

وقف فارس يحدق في السيارة وهي تبتعد، كأن قلبه يسحب خلفها قطعة قطعة،

الألم يغلي في صدره كمرجل فائر…. لم يتحرك إلا حين كادت الخطوات تخونه،

فانصرف نحو والدته، والغضب يمزق صوته تمزيق: ليه كده يماا؟ تكسري بخاطرها ليه؟ هي عملتلك ايه؟ وبلاش حوار العيه ديه… ميكولش معايا!

رفعت وهيبة عينيها إليه بقسوة تحاول بها إخفاء ارتعاشة قلب مذعور، وصوتها خرج كحد السكين: بص يا فارس… البت ديه لو آخر واحده ف الدنيا… وخلت الدنيا من البنته… عمرك ما هتتچوزها.

تجمد فارس لحظة، ثم انفجر الغضب في عينيه كشرارة نار تلتهم الحطب: ليه يما؟

ضربت وهيبه كف على الآخر، كأن الحقيقة لدغت قلبها، وهتفت بذهول مشحون بالألم: هتسأل يا جلب أمك؟ انت خابر ليه زين… ولا بدك تجهر جلبي كيف ما اتجهر علي بدر؟ ولا بعد الشر… تكويني بنارك كيف حمزه؟

هز فارس رأسه بعناد مرير، وأنفاسه تتلاحق متصادمة مع غضبه: وانا مش هتچوز غير حبيبه… تحرم عليا الدنيا من غير حبيبه يا يما!

صرخت وهيبة، فكأن جدار السرايا ارتجف من حدة صوتها: تحرم؟ ميضرش يا فارس! بس حبيبه لاه… هضرك! وانت هضرها!

اقتربت منه بخطوات يختلط فيها الخوف بالغضب، ولكزت صدره بقوة كأنها تدفع عنه مصيرًا أسود:
كيف هتحبها؟ وكيف بدك تحرمها من كل الفرحه؟ ولا كيف… مش خايف عليها تموت ليلة فرحه تحت يدك؟ أمال لو هتكرها…كت هتعمل فيها ايه؟

تجمد فارس، وابتلع أنفاسه بصعوبة، الألم يشق صدره نصفين، وصوته واهن لكنه محترق: هتحسبيني ليه على ذنب مش ذنبي؟ وهتجطمي فيا ليه على حاچه مش بيدي يما؟ أنا مختارتش إني أعشجها أصلا.

تهدجت أنفاس وهيبة، وانهمرت دموعها ساخنة على وجنتيها، تطفئ شيئًا من قسوتها، ثم همسة بصوت يكسر الظهر: بس في يدك تموتها… أو تهملها تعيش في أمان يا ولدي.

ارتجف فارس، ودمعة لامعة انزلقت من عينه كأنها آخر ما يملك من تماسك، وقال بصوت مكسور: مش جادر… يما… مش جادر.

لم تصبر وهيبة أكثر، فمدت ذراعيها وضمت رأسه إلى صدرها بقهر أم تصارع القدر، وصاحت كأن نيران قلبها تفيض من فمها: يا مرك يا وهيبه… يا وچع جلبي عليكم يا ضنايا!

في تلك اللحظة اندفع سند إلى الحديقة، خطواته سريعة كأن الأرض تحترق تحت قدميه، نظر إليهما بدهشة وصوت مرتفع:في ايه يما؟ هتصرخي ليه؟

رفع فارس عينيه إليه بنظرة محطمة، ثم أشاح وجهه، وتحرك بخطوات مختنقة نحو سيارته. فتح الباب بعنف، وانطلق كالسهم، كأن الطريق وحده قادر على احتمال غضبه.

اقترب سند من والدته، وعيناه تتساءلان بقلق شديد:
في ايه يما؟ ماله الغالي؟ ديه حتى مسلمش عليا!

انزلقت دموع وهيبة من جديد، وغصت وهي تهمس:
خيك… عشجان يا ولدي.

ضرب سند جبهته بيده بقهر، وصوته يتشقق في حلقه:
ليه يا غالي؟ وانت عارف اللي فيها! هتوچع جلبك… وجلوبنا كلنا معاك! ليه؟ ما كفاينا بدر… والحسرة اللي سكنت جلوبنا؟

ربتت وهيبة على صدره، وغمغمت بصوت منكسر لكنه يأمر: روح وراه يا ولدي… متهملهوش وحده… وعجله يا ولدي… عجله!

أومأ سند برأسه، وقبل يدها بخفة، ثم دار كالإعصار نحو سيارته.
فتح الباب، وانطلق خلف فارس بسرعة تكاد تشق الهواء… كأن قلبين يركضان وراء قلب ثالث يوشك أن ينكسر.

……….
في سيارة سند،

كان الليل يضغط على الزجاج كستارة كثيفة لا تمنح الطريق إلا ما يكفي من الضوء ليمتد أمامه كخيط قلق.

قبض على هاتفه محاولًا الاتصال مرة بعد أخرى علي فارس ، وصوت لم يجب يضرب أذنيه كصفعة تزداد قسوة…

اشتعل قلبه قلقًا، وارتجفت أنامله فوق الشاشة وهو يوزع نظره بين الطريق والهاتف بعين متوترة، حتى انقطع الصمت بنغمة الاتصال أخيرًا، تبعها صوت أدهم:
الو؟

هتف سند بلهفة ممزوجة باضطراب واضح، كأن القلق يجر كلماته من صدره جرا: ادهم… انت وين؟

تغيرت نبرة أدهم سريعًا، وقد التقط الخوف الكامن في صوت سند وقال :  أنا ف المصنع… خير يا اخوي؟

زفر سند بقوة، زفرة محملة بنيران غضب لا يعرف مصدره الحقيقي، ثم قال:طب متعرفش فارس وين؟

قطب أدهم حاجبيه بدهشة صادقة، ورد متفاجئًا: فارس؟ ده ف سوهاچ.

هتف سند بنفاذ صبر يوشك أن يتحول إلى شعلة:
يا چدع فوج معايا! فارس چيه النهارده… وشد مع أمي كده… وهمل البيت وهو متكدر… وبرن عليه مش بيرد!

أومأ أدهم من الجهة الأخرى، وصوته يزداد جدية:
طب… لو مش ف البيت… ولا ف الاسطبل… ولا ف أي حتة تبع الشغل… يبجى ف بيت الچبل.

شد سند على عجلة القيادة بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعه، ثم تمتم: ماشي يا أدهم… أنا هروح له… وتعال وراي انت وبدر.

أومأ أدهم فورًا، وقال بصوت عملي صارم: ماشي… أنا هشيع رماح لي عساف العزيزي بالعجد الچديد… عشان الشحنة بتاعت بكره الصبح.

رد سند بضيق يخالطه استعجال:شيع رماح وتعال انت… سلام.

انتهت المكالمة، وبقي سند وحده مع الطريق الممتد أمامه… وطرقات قلب لا يهدأ، تخبره أن الليل يخفي ما هو أكثر من الظلام.

أغلق أدهم الهاتف بقبضة متوترة، وما إن التفت حتى وجد عماد يراقبه بدهشة حادة، فهتف الأخير: مالك؟ جلبت خلجتك ليه؟

زفر أدهم زفرة أثقلت صدره، كأنها تحمل غبار قلق متراكم، وغمغم بنبرة غاضبة تخفي خلفها خوفًا لا يريد الاعتراف به: الغالي اتعرك مع أمه… وهمل البيت.

ارتفع حاجبا عماد بدهشة، ثم أشار بيده إشارة حاسمة وقال: تعال نچيبوا بدر من المزرعة… ونرحولو.

لم ينتظر أدهم أكثر، بل هتف بصوته الصارم المنادي:
رماح!

خرج رماح من المكتب، خطواته ثابتة كعادته، وقال بتركيز: نعم يا أدهم؟

أشار أدهم نحو المكتب بإيماءة سريعة، وهتف: العجود اللي علي المكتب… خدها لي عساف العزيزي… عشان شحنة بكره.

اقترب رماح قليلاً، وغمغم بثقة المتمرس:  هخلص الشغل اللي في إيدي… ووديهم جبل بكره.

أومأ أدهم برأسه، ثم التفت إلى عماد وأشار إليه إشارة تحمل لهجة الاستعجال: يلا بينا.

وانصرف معًا، خطواتهم تنخر طريق المزرعة عبر ليل يتوهج بالقلق…

كان الهواء من حولهم يضج بنبوءة صامتة، وكأن الأرض نفسها ترقب ما سيحدث عند بيت الجبل…

ذلك المكان الذي حفظ أسرارهم، واحتضن ضحكاتهم، ودفن دموعهم، وبقي شاهدًا على كل ما يهز قلوبهم من حب ووجع و مصائر متشابكة.

في بيت الجبل…

جلس فارس كمن وضع فوق فوهة بركان يتسع صدره بالغليان ويتقلص صبره عند حافة الانفجار….

كان الليل من حوله ساكنًا، لكن صدره يعج بعواصف لا تهدأ…قبض على هاتفه حتى ابيضت مفاصله، وكأن الحديد ذاته يصرخ بين يديه، وهدر من بين فكيه المغلقين بقسوة: ردي يا حبيبه… متخلنيش اتخوت… وتهب مني عليكي وعلي الكل.

رن الهاتف طويلًا… أطول مما يحتمله قلب عاشق يتأرجح بين الغضب والخوف، وانتهت الرنة… بلا رد.

هناك، في غرفتها،

كانت حبيبة تحدق في الهاتف المشتعل بالاتصالات، تحيطها دموعها كسياج من وجع طري، وغمغمت بصوت مبحوح: مش هرد… ما أنا مش هعملك مشاكل مع ناسك من أولها.

جاءها صوت مألوف، ذاك الذي يسكن عقلها ويجادلها مهما حاولت تجاهله، وقالت بنزق خفيف: وفارس ذنبه إيه يا مخوته؟! حتي ردي عتبيه بس!

هزت حبيبة رأسها بعناد هش، وقالت وهي تمسح دموعها بكف مرتجف: لا… انتي معايا ولا معاه.

قهقه الصوت بخفة فيها لؤم لطيف وقالت: أنا مع الحج يا أختي! وفارس بيحبك… وانتي واجعه لشوشتك.

مالت حبيبة على الوسادة، وكأن التعب أنهك حتى حروف أنفاسها، وهمسة بانكسار عذب: نفسي… نفسي أحبه وأحبه… واموت في حبه… وميبعدش عني أبدًا.

أغمضت عينيها المحتقنتين بدموع تتقاطر كأنها تساقط ما فاض عن قلب صغير أنهكه الحنين…

وفجاءه شعرت كأنها تلقى في غياهب جب لا قرار له، يبتلع صوتها وتأملها وكل ما تتمسك به.

ولم يمض إلا لحظات… حتى تبدل الهواء في الغرفة، كأن السكون يتنفس بشيء ليس من عالم البشر…

نسمة شفافة هبت على وجهها، أعقبها هدوء غريب… ثم تجلى بجوارها الطيف الأبيض،كأنها تربت على القلوب المنهكة بالعشق ،

وقفت عند رأس حبيبة، تمد يدها فوقه، وأصابعها كأنها ضوء لا يلمس لكنه يدفئ، وهمسة بصوت خافت رقيق:
نامي يا حبيبه…لازم تنام دلوق .. هون علي جلبك… يا حبيبة الغالي.

وانسابت الراحة شيئًا فشيئًا فوق ملامحها، كأن الوجع استسلم للحظة من رحمة لا تشبه شيئًا في الدنيا.

لحظات قليلة تلت ذلك، وارتفع صوت طرقات خفيفة على باب الغرفة، ثم جاء صوت فوزي من خلفه ينادي بلطف يليق بأب محب: حبيبة…

انتظر ثانية كأنه يمنحها فرصة للرد، ثم دفع الباب ببطء. أطل برأسه داخل الغرفة فرأى حبيبة غارقة في نوم عميق، أنفاسها هادئة وملامحها غافية كطفلة أنهكها التعب…

وقف يتأملها للحظة، نظرة طويلة يتداخل فيها الحب بالحيرة، ثم أغلق الباب بصمت حذر كي لا يوقظها.

استدار ليعود أدراجه، لكنه تفاجأ بإنعام واقفة أمامه، تشيح بعينيها نحوه بدهشة واضحة وهي تسأله:
خير يا أخوي؟ بدك حبيبة؟

أومأ فوزي برأسه، يحاول ترتيب كلماته: كت بدي آخد رايها على موسى… بس نعست بدري… محستش بخبطي على الباب.

تقلص حاجبا إنعام بدهشة أكبر، واقتربت خطوة وهي ترد باستغراب: كيف ديه؟ حبيبه نومها خفيف… ومش بعاده تنام دلوق.

تنهد فوزي وهز رأسه بتفكير ثقيل، ثم تمتم كمن يحاول إقناع نفسه: يمكن تعبانه من السفر… همليها لبكره. ربنا يحلها.

أومأت إنعام بهدوء، لكنها لم تخف القلق الذي مر خاطف في عينيها: حاضر يا أخوي.

وبقيت الكلمات معلقة في الهواء… كأن البيت بأكمله يحبس أنفاسه بانتظار ما سيأتي.

في الداخل

كانت حبيبة ما تزال غارقة في نوم عميق ثقيل حين رفع الطيف كفها فوق رأسها، تغمرها بتلك الطمأنينة السماوية التي لا تأتي إلا من كائن خلق ليحمي قلوب العشاق… لكن الطمأنينة لم تدم… لم تمهل حتى تستقر.

فجأة انشق السكون بشيء يشبه الصفير… لكنه لم يكن صفيرًا، بل زئير غضب متوحش، كأن وحش أسود جائع…

ارتجف الهواء، واندفع دخان كثيف أسود يقتحم الغرفة بعنف، كأن الظلام نفسه صار له أنياب.

اندفع الدخان وطوق الطيف قبل أن تلتقط أنفاسها، وسحبها للخلف بقوة كأسر…
بينما هدر ذلك الصوت الخشن، صوت يشبه النار حين تلتهم غابة بأكملها: ديه آخر تحذير… بعدي عنيهم يا فينورا.

تلوت فينورا في قبضته، والغضب في عينيها يلمع كشرارة مقدسة…دفعته بيديها المرتجفتين وصاحت بشجاعتها الهشة: سيبني يا ظلاك! كفايه… أنا مش جادره اتحمل الظلم ديه!

لكن ظلاك لم يكن ليصغي لرجاء ولا لقلب طيب. قبض على عنقها بعنف، قبضته كالأصفاد، وخرج صوته خشن كصوت وحش خلق من رماد اللعنات: أبوكي يحكم عليكي… والمره ديه مش هتجدري تهربي… ولا تضحكي عليا تاني!

وما إن أنهى كلماته، حتى انكمش الدخان من حولهما ودار كسحابة سوداء هادرة، ثم اختفى الاثنان في ومضة ظلام خاطف… كأن الغرفة ابتلعت للحظة في عالم آخر.

عاد السكون… لكنه سكون منهك، مشبع برائحة الخوف وآثار الصراع.

وهناك… عند حافة الوسادة، سقطت وردة حمراء ذابلة، كانت قد لامست يد فينورا من لحظة قبل خطفها. سقطت بجوار حبيبة بخفة حزينة، وكأنها آخر أثر من الطيف الأبيض… وكأنها تربت على قلب حبيبة في صمت يجعل الوجع أقل قسوة.

……..
كان بيت الجبل في تلك اللحظات أشبه بوعاء ضخم يحبس الغليان، جدرانه تشهد على ضيق يخنق الأنفاس…

جلس فارس على الأريكة كمن يجلس فوق فوهة بركان هادر، صدره يعلو ويهبط في اضطراب لا يهدأ، وعيناه متشبثتان بالأرض كأنهما تخشيان مواجهة الألم الذي يفتك بالقلب.

جلس سند بجواره، ووضع كفه على منكبه بحنو أخ يعرف تمامًا أين يسكن الوجع فيه، وهمس: يا غالي متكدرش حالك… امك خايفه عليك يا اخوي.

رفع فارس نظره إليه ببطء، نظرة تتفتت من شدة الحزن، قبل أن يغمغم بصوت أنهكته الغصة: بتجولي إلا حبيبه يا سند؟ طب أنا اختارت يعني الشجي والعذاب لحالي؟

على الطاولة وضع كوب الشاي بعنف خافت، ورفع بدر يده عنه وهتف بنبرة حق لا تعرف المداراة: لا يا ولد عمي… طول عمرك محچم جلبك لحد ما حسينا إن جلبك ميت أصلًا.

أشار فارس بيده وكأنه يزيح سحاب من فوق رأسه، ثم قال بمرارة مشتعلة: والنعم حاولت كتير أبعد عنيها…

رفع يديه الاثنتين إلى صدره، وضغط علي موضع الألم ذاته، وتابع بصوت منكسر: عارف لو أنا وجفت وفكرت شويا بس… هبعد عنيها؟ أنا عارف حالي.

ربت أدهم على كتفه، بنظرة أخ يلمس نفس الجرح، وهمس: يا غالي هدي حالك، احنا حسين بيك… وكلنا زي بعض.

رفع فارس رأسه بدهشة صادقة، كأنه اكتشف أن النار التي تحرقه لها ألسنة أخرى حوله، وقال: كيف زي بعض؟

بلل أدهم شفتيه، وكأن الاعتراف ثقيل يريد أخيرًا أن يسقط: أصل أنا بحب نغم… وبدي اتچوزي.

وضع فارس كفه على وجهه بعنف، وهتف بضيق عميق:
الله… احنا كده وصلنا؟

كتم عماد ضحكته بصعوبة، لكنه لم ينج من عيني بدر الذي هدر: بطل ضحك بدل ما أطوحك من الچبل!

رفع عماد يديه مستسلمًا وقال :  خلاص يا اخوي… بس حالكم يحزن ويضحك في نفس الوجت.

لكزه أدهم بغضب وهو يتمتم :  عارف لو اتچوزت جبلينا زي صهيب ولد الكلب… ديه هطلع عينك!

قهقه بدر وقال بنبرة المنتصر في معركة قديمة: لا متخفش… صهيب خد مني ضرب، وجفت حاله كيفنا بالظبط.

انفجروا جميعًا ضحكًا، ضحكة صادقة تخترق الحزن للحظات قليلة، كنافذة هواء في غرفة تختنق.

لكن فارس لم يلبث طويلًا؛ نهض فجأة وتحرك نحو الباب بخطوات مضطربة…هتف بدر وهو ينهض معه: علي وين؟

فتح فارس الباب بعنف يجعل الخشب يرتجف وهدر:
هروح أشوف أمير… اتكدر من كلام امي ومش بيرد عليا.

أشار له أدهم محاولًا تهدئته وقال :: طب هدي حالك… واحنا هنروح نچيبوا أهنه.

تراجع فارس وهز رأسه بضعف مكابر:مش هيرضا يچي.

ابتسم بدر بثقة من يعرف كيف تحسم الأمور وقال:
ملكش صالح… احنا هنخطفوا.

علت ضحكاتهم المكان من جديد، ضحكة رجولة لا تخلو من جنون محب،

ثم خرج سند وأدهم وبدر يركضون نحو السيارة، وصعدوا جميعًا… وانطلقت السيارة تشق الليل نحو سرايا العزيزي، كأنهم في مهمة إنقاذ قلب قبل أن ينكسر تمامًا.

حتى توقفت السيارة أمام مدخل السرايا، وتبادل الرجال نظرات سريعة قبل أن يترجلوا…

كان الهواء مشحون بقلق لا يخفى، وما إن لامست أقدامهم الأرض حتى دوى صوت بدر يخترق السكون:
أمييييير!

خرج أمير من باب الإسطبل، يمسح كفيه في بنطاله، وملامحه تنقلب من هدوء مرهق إلى دهشة حادة وهتف : خير يا وش الخير انت وهو؟

اندفع بدر نحوه بخطوات غاضبة، وهتف وهو يشير بيده:
انت مهتردش على تليفونك ليه يا علـ…

لكن قبل أن يكمل، دفعه أمير بقوه كصفعة هواء…وهدر :
وانت مالك؟! هو انتو اشترتوني يا ولد الأنصاري؟

الحدة في صوته أشعلت الأجواء…تحرك أدهم بسرعة من خلفه، وخطفه من ذراعه قبل أن يدفعه بدر بقوه …وقع امير علي ادهم …ثم أمسك بدر بساقي أمير من الأسفل فجأة،

فشهق أمير غاضبًا وهو يكاد يسقط، لولا أن أدهم ثبته في اللحظة الأخيرة.

وفي ثانية واحدة حملوا امير فوق أكتافهم …حاول أمير التملص وصاح بصوت أجش، غاضب ومذعور في نفس اللحظة: نزلني يا ولد الكلب! منك لهو هكدركم… أجسم بالله!

انفجر سند ضحكًا كأن المشهد كله مسرحية مكتوبة مخصوص لإضحاكه، فتح باب السيارة بسرعة وهو يقول بصوت عالي: هاتوا الود ده هنااا!

اندفعوا به داخل السيارة رغم مقاومته الشرسة، وانغلق الباب خلفهم، وانطلقت السيارة تشق الطريق بسرعة…

كان أمير يرفس ويحاول الإفلات، بينما ضحكاتهم الصاخبة تملأ الكابينة وتخنق غضبه أكثر.

وكأن السرايا نفسها كانت تتابع المشهد مبتسمة من بعيد.

في بيت الجبل…

ارتج الباب بقوة حين دفعه أمير بعنف، كأن غضبه يسبق خطواته، وهتف بصوت يقطع سكون المكان: بتخطفني يا ولد الأنصاري؟ هتمشيها عافية يعني؟

قفز فارس وعماد واقفين في لحظة، وانقلب وجه فارس لغضبٍ جامح وهتف: مش انت اللي مش بترد؟! وأنا بدي أعتذرلك واستسمحك على كلام أمي… وانت منفض!

قهقه أمير بتهكم، ضاحكًا ضحكة فيها سم وقال ض: وخد الكبيرة بجى عشان أنا اتخنجت… موسى ولد عمي طلب حبيبة… وأبوي وعساف موافجين.

كانت الجملة أشبه بطلقة… انزلقت الأرض من تحت قدمي فارس، وتحول وهج الدم في عينيه لبركان ثائر.

في لحظة خاطفة قبض على ياقة أمير وهزه بعنف كاد يخلع كتفه: لا يا حبيبي! ديه على چتتي! حبيبة بتاعتي… ديه مرتي… وهخدها لو على دمكم كلكم!

هرع سند وبدر ناحيتهم، يحاولان انتزاع فارس من على أمير قبل ما يتحول البيت لمجزرة، وهتف سند محاولًا يثبت غضب أخيه: وه يا فارس… ارچع لرشدك يا أخوي! انت عمرك ما اتخوت كده!

رمقه أمير بذهول شديد، يكاد لا يصدق المشهد وقال :  انت اتخوت؟! ما أنا واجف معاك من الأول!

لكن فارس لم يسمع كلمة. دفع أمير دفعة صادمة ارتطم بها بالحائط، ثم زحزح ذراع سند بقوة كأن الغضب أعماه تمامًا، وهدر بصوت أجش:أنا هروح لأبوك الليلة ديه… وانت لازم تجوله! لو بده يشوف ولد أخوي غارج في دمه… يوافج عليه! على الحرام من دراعي هبندجه… هو اللي يتشددله!

أومأ أمير برأسه بحذر، كمن يتحرك فوق أرض تتشقق تحت قدميه، يحاول ألا يستفز الوحش الهائج الواقف أمامه…

كان فارس يتوهج غضبًا، كأن النار تتصاعد من صدره، وأي كلمة خاطئة قد تشعل انفجارًا لا عودة منه.

رفع أمير يديه قليلًا، في محاولة يائسة لتهدئته، وصوته خرج مبحوح وهو يقول: طب اهدي… وصلي على النبي. أنا متأكد حبيبة هترفض موسى.

كان صوته أشبه بخيط رفيع يمتد وسط عاصفة، محاولة أخيرة لصد الغرق… محاولة لإنقاذ فارس من نفسه قبل أي شيء.

لكن العاصفة لم تهدأ بعد…  كان فارس شارد داخل دوامة سودا، لا يسمع ولا يعي. وخرج صوته كهدير نار: ديه مش هترد عليا؟! تكون هتوفجوا عشان كلمتين فارغين من أمي؟!

اندفع نحو الباب كأن الشياطين تجر خطواته، وخرج بعنف يكاد يخلع خشب البيت…

لحقه الباقون مذعورين، وصوت سند يلحقه وهو يركض: استني يا غالي! بلاش جرس وفضايح يا أخوي!

والليل في الجبل كان شاهدًا على غضب قد يتحول لعاصفة دم

وووووووووووووووو

تتوقعوا اي هيحصل مع الغالي وحب الجلب

ساحره القلم ساره احمد

4 424 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
772 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
Nedaa
Nedaa
2 شهور

من قبل ما اقرا اكيد بجنن تسلم الايادي ❤️❤️

Yomna
Yomna
2 شهور
ردّ على  Nedaa

تسلمي ي حبيبتي ♥️

ضيف
ضيف
2 شهور
ردّ على  Yomna

الدائره والنجوم بتفاعل عليهم ازي يايمني

ضيف
ضيف
1 شهر
ردّ على  Yomna

تسلم ايدك حبيبتى ♥

Imen kraoua
Imen kraoua
2 شهور

تسلم ايديكي مقدما يا حبيبتي 🌹🌹🌹

Yomna
Yomna
2 شهور
ردّ على  Imen kraoua

تسلمي ي حبيبتي ♥️

Wafaa Mansour
Wafaa Mansour
2 شهور

مبدئياً وقبل ما أقرأ حرف واحد ، تسلم إيديكي وعنيكي وكل حاجة فيكي وبشكرك كتيييير جداً انك نزلتي البارت هنا في المدونة وربنا يوفقك ويباركلك يارب دايماً أنتي والأدمن الرائعين كلهم
هقرأ بقي وارجع تاني ، سلام مؤقت .

Yomna
Yomna
2 شهور
ردّ على  Wafaa Mansour

تسلمي ي حبيبت قلبي♥️

ضيف
ضيف
2 شهور
ردّ على  Wafaa Mansour

رووووعة

Mero❤️
Mero❤️
2 شهور

تسلم ايدك ياحبيبتي 😘

Yomna
Yomna
2 شهور
ردّ على  Mero❤️

تسلمي ي قلبي ♥️

Mero❤️
Mero❤️
2 شهور

❤️❤️❤️

Yomna
Yomna
2 شهور
ردّ على  Mero❤️

♥️♥️♥️♥️♥️♥️

Imen kraoua
Imen kraoua
2 شهور

ارجو بجد تحترموا أنهم نزلوا البارت رغم التفاعل اللي ما يرضيش ربنا و نقدر سارة على تعبها والله تستاهل مننا اكتر من كدة

Yomna
Yomna
2 شهور
ردّ على  Imen kraoua

ياريت بجددد الموضوع بقا بايخ جدااا

Imen kraoua
Imen kraoua
2 شهور

أول ما تخلصي دوسي ع آخر نجمة مش بفلوس واللهي

Yomna
Yomna
2 شهور
ردّ على  Imen kraoua

ياريت

Nada Mohamed
Nada Mohamed
2 شهور

❤️❤️❤️

Yomna
Yomna
2 شهور
ردّ على  Nada Mohamed

♥️♥️♥️

ضيف
ضيف
2 شهور

قبل ما اقرأ والله روعه ويجنن

Yomna
Yomna
2 شهور
ردّ على  ضيف

تسلمي ي حبيبتي ♥️

Eriny
Eriny
2 شهور

قبل ما اقراه أكيد جامد زي كل مره 😍😍🔥🔥🩷♥️♥️😘 تسلم ايدك يا اجمل ساحره 😍

Yomna
Yomna
2 شهور
ردّ على  Eriny

حبيبت قلبي يا إيرو♥️

ضيف
ضيف
2 شهور

تسلم الايادي والله 🥰🥰🥰🥰🥰🥰

Yomna
Yomna
2 شهور
ردّ على  ضيف

تسلمي ي حبيبتي ♥️

ضيف
ضيف
2 شهور

سحر القلم بجد 😍

Yomna
Yomna
2 شهور
ردّ على  ضيف

تسلمي ي حبيبتي ♥️

ضيف
ضيف
2 شهور

جميل جدا

Yomna
Yomna
2 شهور
ردّ على  ضيف

حبيبتي تسلمي ♥️♥️

ندوش
ندوش
2 شهور

تسلم ايدك يا ساحرة ❤️

Yomna
Yomna
2 شهور
ردّ على  ندوش

تسلمي ي حبيبتي ♥️

ضيف
ضيف
2 شهور

يمني الدائره والنجوم بنتفاعل ازي عليهم

Yomna
Yomna
2 شهور
ردّ على  ضيف

بتضغطي علي النجمه ي حبيبتي كده اتفاعلتي♥️

ضيف
ضيف
2 شهور

تحفه بجد

Yomna
Yomna
2 شهور
ردّ على  ضيف

تسلمي ي حبيبتي ♥️

Hafid ben
Hafid ben
2 شهور

تسلم ايدك والله

Yomna
Yomna
2 شهور
ردّ على  Hafid ben

تسلمي ي سكر♥️

ضيف
ضيف
2 شهور

تحفة♥️♥️

Yomna
Yomna
2 شهور
ردّ على  ضيف

حبيبتي♥️♥️

Sagda
Sagda
2 شهور

😍😍😍😍❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️

Yomna
Yomna
2 شهور
ردّ على  Sagda

🤩🤩🤩

Salwa
Salwa
2 شهور

ايه الجمدان دة ياسو

Yomna
Yomna
2 شهور
ردّ على  Salwa

حبيبتتتقلبييي🤩

Salwa
Salwa
2 شهور

تسلم ايدك ياقمر

Yomna
Yomna
2 شهور
ردّ على  Salwa

تسلمي ي سكر♥️♥️

Salwa
Salwa
2 شهور

تحفه

Yomna
Yomna
2 شهور
ردّ على  Salwa

تسلمي ي قمرةةة♥️

Salwa
Salwa
2 شهور

بارت تحفه

Yomna
Yomna
2 شهور
ردّ على  Salwa

تسلمي ي سكر♥️♥️

Salwa
Salwa
2 شهور

🥰🥰🥰

Yomna
Yomna
2 شهور
ردّ على  Salwa

♥️♥️

Salwa
Salwa
2 شهور

😍😍😍😍

Yomna
Yomna
2 شهور
ردّ على  Salwa

♥️♥️

ضيف
ضيف
2 شهور

البارت رووووووووعة ياسارة تسلم ايديكم وعنيكم ياقلبي❤❤❤❤

Yomna
Yomna
2 شهور
ردّ على  ضيف

تسلمي ي قلبي ♥️

Salwa
Salwa
2 شهور

❤️❤️

ضيف
ضيف
2 شهور

روعه

Yomna
Yomna
2 شهور
ردّ على  ضيف

حبيبتي تسلمي ♥️

ضيف
ضيف
2 شهور

يتر فارس هيعمل ايه مع حبيبه 🤔🤔🤔

Yomna
Yomna
2 شهور
ردّ على  ضيف

هنشوف مع بعض ♥️

Zina
Zina
2 شهور

اي الجمال دا يا فنانه تسلم ايدك 🥹💗💗💗

Yomna
Yomna
2 شهور
ردّ على  Zina

تسلمي ي حبيبتي ♥️

ضيف
ضيف
2 شهور

البارت تحفة كالعادة تسلم ايدك ♥️🌹

Yomna
Yomna
2 شهور
ردّ على  ضيف

تسلمي ي حبيبتي

ضيف
ضيف
2 شهور

اخخخخخخ عالعظمه

Yomna
Yomna
2 شهور
ردّ على  ضيف

♥️♥️♥️♥️

ضيف
ضيف
2 شهور

تسلم ايدك تحفه ❤️🌹

Yomna
Yomna
2 شهور
ردّ على  ضيف

تسلمي ي حبيبتي ♥️

ضيف
ضيف
2 شهور

تحفهههه 🥹

Yomna
Yomna
2 شهور
ردّ على  ضيف

تسلمي ي حبيبتي ♥️

Doha
Doha
2 شهور

تسلم ايدك ياسووو كالعاده ابداع 😘😘😘😘😘

Yomna
Yomna
2 شهور
ردّ على  Doha

تسلمي بسكرة♥️🤩

ضيف
ضيف
2 شهور

تسلم ايدك البارت تحفففه كالعاده ❤️❤️

Yomna
Yomna
2 شهور
ردّ على  ضيف

تسلمي ي قلبي ♥️

ضيف
ضيف
2 شهور

تحفة تحفة تحفة بارت اكثر من رائع

Yomna
Yomna
2 شهور
ردّ على  ضيف

حبيبت قلبي تسلمي ♥️

ياسو
ياسو
2 شهور

ابداع

Yomna
Yomna
2 شهور
ردّ على  ياسو

تسلمي ي قلبي ♥️

Omar mohamed
Omar mohamed
2 شهور

ايه الحلاوه والجمدان ده البارت روعه تسلم ايدك

Yomna
Yomna
2 شهور
ردّ على  Omar mohamed

تسلمي ي قمرة♥️♥️

ضيف
ضيف
2 شهور

بلاش جرس وفضايح ايه دى حيولع الدنيا

Yomna
Yomna
2 شهور
ردّ على  ضيف

ولسه😉

AmonAbughaith
AmonAbughaith
2 شهور

بلشت تشد الامور😍 يسلم ايديكي😘

Yomna
Yomna
2 شهور
ردّ على  AmonAbughaith

تسلميييي ي سكرة♥️

ضيف
ضيف
2 شهور

حقيقى والله انا لسه مقرأتش البارت بس انا عارفه انك عامله عظمه ياسووو ف اكيد البارت تحفهه♥️♥️♥️🎀

Yomna
Yomna
2 شهور
ردّ على  ضيف

تسلمي ي حبيبتي ♥️

ضيف
ضيف
2 شهور

بارت جميل
كله اكشن

Yomna
Yomna
2 شهور
ردّ على  ضيف

تسلمي ي قلبي ♥️

حور محمد
حور محمد
2 شهور

خلص الكلام فيكي ياسارة
الرواية تجنن تسلم ايديكي ♥️

Yomna
Yomna
2 شهور
ردّ على  حور محمد

تسلمي ي قلبي ♥️

ضيف
ضيف
2 شهور

البارت جميل جدا تسلم الايادي ♥️♥️♥️♥️

Yomna
Yomna
2 شهور
ردّ على  ضيف

تسلمي ي قلبي ♥️

ضيف
ضيف
2 شهور

جميل 💜💜

Yomna
Yomna
2 شهور
ردّ على  ضيف

حبيبتي ♥️

نوال ابو حايس
نوال ابو حايس
2 شهور

يانهار ابيض علي الجمال والرقي

Yomna
Yomna
2 شهور

قلبي تسلمي♥️

ضيف
ضيف
2 شهور

تسلميلي ياقلبي ❤

Yomna
Yomna
2 شهور
ردّ على  ضيف

تسلمي ي قلبي ♥️

ضيف
ضيف
2 شهور

سو دايما مبدعة 🤍🤍🤍🤍🤍

Yomna
Yomna
2 شهور
ردّ على  ضيف

حبيبت قلبي تسلمي ♥️

ضيف
ضيف
2 شهور

تحفه بجد ♥️♥️♥️

Yomna
Yomna
2 شهور
ردّ على  ضيف

حبيبتي انتي♥️♥️♥️