نوفيلا في منتصف الوجع (الفصل الرابع)
وقف أيوب كوحش أُغلق عليه القفص، عيناه تقدحان بشرر أسود من غضب مكبوت، وصوته خرج أجش فاجر وهتف: هو معاذ بيكيفك ويريحك في كل حاجة كده… هو كام فولت بقى
انفجر المكان بصمت مصدوم، ثم شهقات متتابعة كأن الهواء انكسر دفعة واحدة…
اشتعلت النار في عيني معاذ وماهر، أما فجر فاشتد الغضب في صدرها حتى كاد يحرقها من الداخل، كورت قبضتها بعنف، شعرت للحظة أنها قادرة على إحراق أيوب حيا بنظرة واحدة.
لكزت سندس أيوب في خاصرته خفية محاولة إفاقته، لكن معاذ كان قد اندفع بالفعل، قبض على سترته بعنف وهدر بصوت حاد يقطع النفس: انت حقير، ولسانك الزفر ده لو جاب سيرة أختي تاني هفلقك نصين!
اندفع ماهر، ومعه فجر وسندس، يحاولون نزع الاثنين عن بعضهما، وصاح ماهر بغضب: عملتلك إيه يا أخي؟ شيلها من دماغك!
لكن أيوب، قد فلت زمام أعصابه تمامًا، قبض على عنق معاذ بعنف، وهدر بصوت منخفض لكنه مشبع بالتهديد: أختك؟ انت شايفني مختوم على قفايا؟ انت اسمك معاذ خاطر، وهي فجر الهاشمي… ولا هتسرح بيا وتقولي إخوات من الأم ولا إيه؟
اندفعت فجر بقوة، فصلت بينهما ودفعته بيديها، ووقفت حاجزًا بين الرجلين وهي تصرخ بغضب كاسح: وانت مالك؟ إخوات من أم ولا من أب… انت إيه دخلك في حياتنا أصلاً؟!
سحبها معاذ من ذراعها بقوة وهو يهتف: أوعي انتي بس!
وفي الجهة الأخرى، جذبت سندس أيوب بعنف، وصاحت وقد فاض صبرها: كفاية بقى! ميصحش كده… هما إخوات في الرضاعة يا أخي!
التفت أيوب إلى فجر، نظرة عبث وقح تشوبها حيوانية فجة، وقال بسخرية مستفزة: إيه ده؟ رضعتي معاه؟
جحظت عينا فجر وسندس في آن واحد، وفي لحظة واحدة دفعتاه بقوة إلى داخل السيارة، وصاحت سندس بغضب قاطع وهي تغلق الباب: كفاية بقى… ادخل يا أيوب!
وسقط الصمت بعدها ثقيلاً، مشحون ببقايا غضب لم ينطفئ… بل تأجل فقط.
هزت فجر رأسها بيأس ثقيل، كأن صبرها قد تآكل حتى آخره، وهتفت بغضب مشتعل: ماشي يا أبو قِردان… أنا هوريك مين فجر الهاشمي!
كان صوتها قاطع، حاد كحد السكين، لا يحمل تهديدًا فارغ بل وعد صريح بالعاصفة.
أشارت سندس بيدها بتوتر واضح، والحرج يكسو ملامحها، وقالت بضيق: أنا آسفة أوي… هو بيهزر.
ضحكت فجر ضحكة قصيرة خاوية، وهزت رأسها مرة أخرى، ثم قالت بحدة لاذعة: نصيحة؟ شوفي له دكتور.
لوح معاذ بيده وهو يتنفس بغضب مكبوت: يلا يا فجر… ده عايز مصحة.
أومأت فجر برأسها، وتحركت نحو السيارة بخطوات سريعة، نار الغضب تسبقها…
لحق بها معاذ، لكنه توقف فجأة حين جاءه صوت سندس خافت، مكسور : أنا آسفة يا معاذ… حقك عليا أنا.
التفت إليها بنظرة حانقة، وقال بفتور متماسك: حصل خير.
ثم انصرف بخطوات مشتعلة، صعد إلى السيارة، وانطلقت كالسهم، كأنه يهرب من كل هذا الجنون.
وقفت سندس مكانها، تحدق في الأثر الذي تركوه خلفهم، وقلبها مثقل بالحزن، وهمست: الله يسامحك يا أيوب.
دوى بوق السيارة فجأة بحدة مزعجة، فالتفتت إليه بغيظ، ثم عادت وصعدت إلى السيارة…
انطلق أيوب بسرعة مستفزة، كأن الطريق نفسه أغضبه.
صرخت سندس بذهول ممزوج بالغضب: انت إيه حكايتك؟! انت مكنتش بتعمل مشاكل مع بنت كده أبدًا! أنا كنت حاسة إنك مش شايف بنات أصلًا على الكوكب!
كان يقود ببرود قاتل، فكه مشدود، وعيناه جامدتان، ثم قال بصوت يقطر حنق: ما هو مفيش بنات… بس البت دي مستفزة، ورافعة مناخيرها لسابع سما، بس أنا هوريها.
رفعت سندس حاجبها بنزق، وقالت بحدة صادقة: فجر رقة النسمة، حرام عليك يا أيوب! انت بتظلمها… وبعدين من أول لحظة وانت اللي غلطان.
نظر إليها بدهشة مصطنعة، وقال بسخرية باردة: مين دي اللي نسمة؟ أمال الزعابيب شكلها إيه؟
نظرت إليه بحنق خالص، وهمست بصوت منخفض لكنه لاذع: بص في المراية… وانت تشوف شكلها.
ربعت ذراعيها بعصبية، وأدارت وجهها نحو النافذة، تحدق في الطريق بعينين ممتلئتين بالغيظ، بينما ظل أيوب صامتًا… لكن صمته هذه المرة لم يكن برود، بل عاصفة تتكون ببطء.
………
في سيارة معاذ
انفجرت فجر بغضب مكتوم كبركان وجد أخيرًا فوهته، وصاحت وصدرها يعلو ويهبط: شوفت؟! بعد ما خليني أوافق على الشراكة… أدي اللي أخدناه! بني آدم؟ لا مش بني آدم، ولا حتى حيوان… ده كائن غريب، منحل، وحمار حقير!
رمقها معاذ بنظرة جانبية وهو يقود، حاجبه مرفوع بحنق ساخر، وقال: ما الحمار حيوان يا فجر… انتي بتقولي إيه؟
زفرت بقوة، كأن الهواء يرفض الخروج من صدرها، وتمتمت: والله مش عارفة… أنا شكلي اتجننت رسمي.
هز ماهر رأسه ببطء، محاولًا تهدئة الأجواء التي تشحنها الكلمات، وقال بنبرةٍ عقلانية: خلاص أعصابك يا فجر، هو شخص زبالة… نعمله إيه؟ نخلص شغلنا، وبعدها يغور في ألف سلامة، ولا تزعلي نفسك.
التفتت إليه بعينين تقدحان شرر، وقالت بحدة: انتوا خلصوا بقى… أنا هسافر.
ضغط معاذ على المقود أكثر، وصوته خرج رافض، قاطع: لا. مينفعش. انتي عايزة ينتصر عليكي ولا إيه؟ احنا هنروح الفندق بكرة، وهنمشي كل حاجة على مزاجنا، وهنحرق دمه… هو اللي جابه لنفسه.
سكتت فجر.
غاصت في شرود ثقيل، عيناها معلقتان بالطريق الممتد أمامهم، كأنها ترى معركة لم تبدأ بعد…
عضت شفتها السفلى بتحدي واضح، ثم قالت بصوت منخفض، لكنه حاسم: ماشي.
وكان في تلك الكلمة القصيرة وعد…
وإنذار.
…..
في اليوم التالي
توقفت سيارتا معاذ وأيوب في اللحظة ذاتها، كأن القدر تعمد أن يرصهما جنب إلى جنب…
لم يكن بينهما سوى نفس واحد لتتحول الوقفة إلى اصطدام.
قبض معاذ على المقود بعنف، عروق يده بارزة كأوتار مشدودة، وغمغم من بين فكيه المطبقين: وديني لو حك العربية… لأنزل أحك وشه في الأسفلت.
نظرت فجر من النافذة باشمئزاز خالص، وكأنها ترى شيئًا يلوث المشهد، وقالت بحدة: مش كلامك بيئة… بس معاك جدًا. الواد ده نفسي أغير له معالم وشه.
ترجلا من السيارة، خطواتهما حادة، ثابتة، كأن الأرض تعرف ثقل غضبهما…
وفي اللحظة ذاتها، اندفع أيوب خارج سيارته، وجهه متجهم، وصوته سابق خطاه: أهو اللي بتقولي نسمة… نازلة من العربية… الآنسة زعبوبة، من غير صباح ولا مسا!
كان صوته يقطر سخرية لاذعة، كأن كل حرف يقصده ليصيب.
ترجلت سندس خلفه، عيناها تلمعان بدهشة ممزوجة بالحنق، وهتفت وهي تقترب منه: الله! إنت كمان عايزها تصبح عليك؟ إنت لو مكانها هتصبح عليك؟!
التفت إليها بنظرة نارية، أغلق باب السيارة بعنف دوى في المكان كصفعة غاضبة، ثم تحرك إلى الداخل بخطوات سريعة، كأن صدره لا يتسع لكل ما يحمله.
لحقت به سندس ، أنفاسها متوترة، بينما فجر تتابع المشهد بصمت ثقيل…
صمت ينذر بأن هذا اليوم لن يمر بسلام،
وأن الشراكة التي وقعت بالأقلام…
ستدفع ثمنها بالأعصاب.
كان الفندق صرح عتيق، واسع الأرجاء، كأنه هيكل ذاكرة عملاقة تركت وحيدة في مواجهة الزمن.
جدرانه ما زالت شاهدة على مجد مضى، لكن الخراب كان يزحف عليها ببطء قاسي؛ غبار كثيف يغلف كل شيء، أرضيات فقدت لمعانها، ونوافذ عمياء حجبت عنها الشمس بطبقة من الإهمال، حتى الهواء نفسه بدا مثقلاً بالحزن.
تحركت فجر بخطوات حذرة، كأنها تخشى أن توقظ المكان من سباته الطويل…
كانت عيناها تجوبان الأركان بشغف موجوع، تمر على التفاصيل كمن يلمس جرح قديم بأطراف أصابعه…
هنا كانت الضحكات، وهناك كانت الخطوات، وفي هذا الركن بالتحديد… كانت الحياة.
انقبض قلبها، وتساقط الحزن دفعة واحدة في عينيها، فغشتهما الدموع دون استئذان.
لم تبكي بصوت، لم تنهر، لكنها شعرت بأن صدرها يضيق، كأن الجدران المتصدعة تعكس تصدعًا أعمق داخلها.
مدت يدها تلامس سطح خشبي مغطى بالغبار، فترك أثر أصابعها خط واضح، وكأنها تقول للمكان:
أنا هنا… لم انساك.
تنفست بعمق، نفس مرتجف، وكأنها تستجمع شتات روحها بين رائحة العتق والذكريات.
هذا الفندق لم يكن حجارة فقط…
كان أثر ، وذاكرة، وبقايا قلبٍ لا تزال تنبض، مهما حاول الخراب أن يخنقها.
تأمل أيوب المكان بعينين مثقلتين، كأن خنجر قديم انغرس في صدره من جديد، لا يجرح اللحم هذه المرة، بل ينبش القلب مباشرة…
الأركان، السقف العالي، الفراغ الواسع… كل شيء أعاد إليه الوجع نفسه، الوجع الذي ظن أنه تعلم التعايش معه، فإذا به ينهض فجأة كوحش جائع.
ربتت سندس على منكبه بحذر، وخفضت صوتها كأنها تخشى أن يسمعها الألم نفسه، وهمست:ايوب لو هتتعب يلا احنا على الشركة، والمهندس والعمال يكملوا، وأنا كمان لو عايزني أستنى…
هز رأسه بالنفي سريعًا، وكأن العرض إهانة لعناده أكثر منه رحمة، وقال بصوتٍ متحشرج لا يشبه حدته المعتادة:لا… أنا كويس.
لكن عينيه خانتاه.
مررهما في أرجاء المكان بقهر كثيف، ممزوج بألم دفين، كأن ذاكرته فتحت أبوابها دفعة واحدة، وأطلقت نار عشر سنوات من الحزن المكبوت.
صور، أصوات، ضحكات قديمة… وكلها تنتهي في النقطة نفسها.
حتى توقفت عيناه فجأة.
عند فجر.
تجمد لوهلة، وغزت الدهشة ملامحه دون استئذان.
دموعها كانت تنحدر على وجنتيها بصمت موجع، لا صراخ فيه ولا افتعال، حزن خالص، نقي، كأن المكان يسحب منها ما تبقى من تماسكها.
لم تكن غاضبة… كانت مكسورة.
التفت إلى سندس وأشار برأسه نحوها، صوته خرج أقل حدة مما أراد:مالها؟
نظرت سندس إلى فجر بدهشة صادقة، ثم رفعت منكبيها باستغراب:معرفش… هي بتعيط كده ليه؟
ثم نظرت إليه بنظرة بريئة، لكن تحتها خبث محبب تعرفه جيدًا، وقالت بنبرة خفيفة:ما تروح تسألها.
رمقها بنظرة ضيق، وكأنها اقترحت عليه اقتحام حقل ألغام، وغمغم ببرود مصطنع:وأنا مالي.. إن شاء اللة تولع.
ثم انصرف نحو أحد الأشخاص بخطوات قاسية، محاول أن يستعيد قناعه المعتاد، تارك سندس واقفة مكانها، تنظر في أثره بذهول.
هزت رأسها بخفوت، وتمتمت لنفسها بنبرة لا تخلو من السخرية:يا سلام… واضح إنك ولا مالك… خالص.
على الجانب الآخر…
ضم معاذ فجر إلى صدره بحنان صادق، ذاك الحنان الذي لا يختلط فيه شيء سوى الأخوة الخالصة، وقبل رأسها كأنه يربت على جرح مفتوح، ثم همس بصوت منخفض:
خلاص يا حبيبتي… ادعيلها بالرحمة.
مسحت دموعها بظهر يدها في محاولة يائسة للتماسك، لكن صوتها خرج مرتعش، مكسور: الله يرحمها…
ثم أضافت، والعتمة تملأ نبرتها: وينتقم منهم… اللي حرموني منها.
اقترب ماهر خطوة أخرى، عيناه معلقتان بوجهها، بدموعها التي كانت تذبحه ببطء، كأن كل دمعة تسقط منها تنغرس في صدره هو. قال بصوت مبحوح متوسل:
كفاية يا فجر… عشان خاطري كفاية.
نظرت إليه، وفي عينيها حزن ثقيل، ذلك النوع الذي لا يحكى ولا يحتمل، وهمست:حسيت… كأني افتكرت كل حاجة مرة واحدة.
مرت بعينيها على أرجاء المكان، الجدران، الفراغ، الغبار… وكأن كل شيء يضغط على صدرها في آن واحد، ثم قالت بدموع صادقة:إحنا معشناش مع بعض كتير… بس الكام سنة دول فرقوا في حياتي كلها.
اقترب منها ماهر، ومد يده وربت على رأسها بحنان بالغ، كأنه يحاول أن يسكن روحها لا دموعها، وقال بنبرة هادئة تحمل وجع مكتوم:والدموع… لو كانت بترجع حاجة، كنا فضلنا نعيط طول العمر.
وساد صمت ثقيل…
صمت يعرف أن بعض الخسارات لا تعالج، فقط يتعايش معها… بشق الأنفس.
على الجانب الآخر…
زم أيوب شفتيه بضيق تسلل إليه على حين غرة، دهشة مبهمة من نفسه قبل أي شيء؛ لماذا يشعر بهذا الغليان كلما وقعت عينيه عليها؟
لماذا يشتعل الغضب في صدره كبركان أعمى، بلا سبب واضح ولا مبرر منطقي؟
حاول أن يشيح بنظره، لكن عينيه خانتاه، ظلتا معلقتين بفجر وهي محاطة بمعاذ وماهر، قريبة… أكثر مما ينبغي.
قطع شروده صوت مرتفع، متوتر، يحاول جاهدًا اقتحام عالمه المغلق:أيوب باشا… حضرتك سامعني؟
التفت أيوب إليه بحدة، وكأن الصوت سحبه من قاع مظلم، وهتف بانفعال:بتعلي صوتك ليه؟ إنت مجنون؟
تراجع الشاب خطوة إلى الخلف، كأن الأرض انزلقت من تحت قدميه، وقال بتلعثم واضح:مش قصدي يا فندم، أنا آسف… بس حضرتك سرحان ومش سامعني.
قطب أيوب حاجبيه، وخرج صوته مقتضب، قاطع، لا يحتمل نقاش:اتكلم.
ازداد ارتباك الشاب، وتلعثم أكثر، وكأن الكلمات قررت أن تتمرد عليه في هذه اللحظة تحديدًا:أنا… أنا كنت بقول لحضرتك على دِيزاين المكتب… عايزه إيه؟
ثبت أيوب عينيه عليه بنظرة غاضبة، نظرة كفيلة بأن تسقط طلب استقالة غير معلن، ثم قال ببرود قاتل: إنت جديد عند طارق؟
شعر الشاب بقطرات عرق وهمية تنساب على جبينه، ومسحها لا إراديًا وقال بسرعة: أه يا فندم.
انفرجت شفتا أيوب عن ابتسامة جانبية ساخرة لا تبشر بخير، ثم تحرك بخطوات ثقيلة، غاضبة، تارك الشاب خلفه يحدق في أثره بقلق مشروع.
رفع الشاب حاجبه بتوتر وهمس لنفسه، كأنه يحاول إنقاذ ما تبقى من كرامته المهنية:طب… هو أنا مرفوض كده ولا أستنى لجنة التحكيم؟
وفي الخلف، كان أيوب يسير…
لكن عقله لم يتحرك خطوة واحدة بعيدًا عنها.
على الجانب الآخر…
اقتربت سندس من فجر بخطوات مترددة، الدهشة مرسومة بوضوح على ملامحها، وقالت بنبرة خافتة حانية:إيه يا حبيبتي… عاملة في نفسك كده ليه؟
ابتلعت فجر غصتها بصعوبة، وكأن الكلمات عالقة في صدرها منذ سنوات، ثم قالت بصوت مكسور: لا… بس أنا مش أول مرة أدخل المكان ده.
تجولت عيناها في أرجاء الفندق ببطء موجع، نظرة ممتلئة بالحنين والأسى، ثم همست وكأنها تخاطب الجدران لا البشر:بس لما دخلته قبل كده كان شغال… وكان منور، مليان روح… ماكانش خربان ولا غرقان في الضلمة دي.
مكنتش أعرف إني في يوم هدخله… والدموع بتجري في عيني بالشكل ده.
ربتت سندس على يدها بحنان صادق، محاولة أن تنتشلها من بحر الذكريات، وقالت بلطف:بس انتي دلوقتي عندك فرصة، ترجعيه زي ما كان… تعمريه، ويقف على رجليه تاني.
أومأت فجر برأسها ببطء، وخرج صوتها محمل بالدموع: بس ناسه… مستحيل يرجعوا.
ساد صمت ثقيل، اخترقته نظرة دهشة من سندس، قبل أن تتمتم:أنا أعرف إن إسماعيل الخديوي اتوفى من كام سنة فعلاً.
أومأت فجر برأسها بحزن أعمق، كأن الاسم فتح جرح قديمًا، ثم نهضت وانصرفت بخطوات بطيئة، مثقلة، كأن الأرض تشدها للخلف.
ظلت سندس تتابعها بعينيها في ذهول، ثم همست لنفسها بشك يتسلل إلى قلبها:شكلها كانت تعرفه… بس تعرفه منين؟
وفي مكان ما بين الغبار والذكريات،
كان السر يستيقظ… بهدوء أخطر من أي صراخ.
جلس معاذ بجوار سندس، مال قليلًا ناحيتها وهو يرمقها باستغرابٍ خفيف، وقال بنبرة مازحة: انتي بتكلمي نفسك كمان؟
التفتت إليه بدهشة مصطنعة، ورفعت حاجبها بخفة وردت:هو في حد في الدنيا مش بيكلم نفسه يا معاذ؟
هز رأسه بالنفي، وارتسمت ابتسامة مرِحة على شفتيه وهو يقول:الحقيقة؟ لا… وأنا أولهم… أنا بتكلم مع نفسي أكتر ما بتكلم مع الناس.
ضحكت سندس بعفوية، نظرة خفيفة من السخرية اللطيفة لمعت في عينيها، وقالت:ده واضح… كل ما أتكلم معاك، ألاقي نص كلامك أصلاً مع نفسك.
ابتسم معاذ ابتسامة جانبية، فيها عبث وشيء من الغموض، واقترب بصوته وهمس:ما إنتي لو سمعتي كل كلامي… هتطفشي.
ضحكت بمرح صادق، هزت رأسها وقالت:أهو.
تأمل ضحكتها لحظة، ثم قال بنبرة أهدأ: تشربي قهوة؟
أومأت برأسها برضا، وقالت: آه… ياريت.
أومأ هو الآخر، ونهض وهو يقول: دقيقة وراجعلك.
بقيت سندس في مكانها، أومأت بصمت، لكن عينيها لم تبق معه…
اتجهتا إلى فجر، التي كانت تقف غير بعيدة، تتحدث مع أحد الأشخاص، ملامحها جامدة من الخارج، لكن في عينيها شيء موجع، شيء لم يهدأ بعد.
شدت سندس أنفاسها بهدوء، وهمست لنفسها:
اللي جواها أكبر من المكان… وأكبر من الفندق كله.
عند فجر…
قطبت حاجبيها بدهشة حقيقية هذه المرة، ونظرت إلى الشاب قائلة بنبرة لا تخلو من اعتراض: بس ليه مكتب واحد؟ إحنا شركاء اتنين.
رفع الشاب منكبيه بحيرة صادقة، وكأنه أُقحم في معركة لا تخصه وقال : والله دي تعليمات أيوب باشا.
شق صوت أيوب الحاد الهواء قبل أن تكمل جملتها، وقال ببرود لاذع: وإنتي مش عاجبك ليه يبقى مكتب المدير واحد بس؟
التفتت إليه بحدة، اشتعلت النار في صدرها قبل عينيها، وهتفت:عشان في مدير تاني معاك… مش لوحدك.
دار بعينيه في المكان بنظرة متفحصة باردة، ثم قال بسخرية خفيفة:فين المدير التاني؟ أنا مش شايفه.
فتحت فمها، الشتيمة كانت جاهزة ومصفوفة… لكنها ابتلعتها بصعوبة، أغلقت شفتيها وهمست لنفسها بغيظ مكبوت:مش هفرحك واتعصب… أنا اللي هحرق دمك.
رفعت رأسها، ونظرت له ببرود هادئ مستفز، وقالت بنبرة محسوبة:عندك حق… أنا أصلًا هسافر، وإنت هتشيل شغلي وشغلك.
اشتعل الغضب في عينيه كشرارة على بنزين، وهدر:
مفيش الكلام ده… أنا مش هشيل غير شغلي، إنتي هتيجي تشوفي شغلك يا حلوة.
رفعت حاجبها بدهشة مصطنعة، وقالت ببراءة مسمومة:
طب ما أنا مليش مكتب خاص.
اقترب خطوة، صوته خرج من بين فكيه مكبوت:ولا أنا هقدر أكون هنا طول الوقت… يبقى مكتب واحد كفاية… اللي ييجي فينا يشتغل فيه.
أومأت برأسها ببرود حاد، كأنها تصب الزيت على نار صدره، وقالت:أوكي… المكتب ده هيكون على ذوق مين؟
هز رأسه بثقة متعالية وتمتم: أنا طبعًا.
مطت شفتيها في عدم اكتراث، وقالت: تمام… يبقى أنا هسافر، وإنت تشيل شغلي.
قطب حاجبه بدهشة حقيقية هذه المرة وهتف : ليه إن شاء الله؟
أومأت ببطء، وبرودها يقطر سم ، وقالت:عشان أكيد ذوقك مختلف عن ذوقي… وأنا مش هعرف أشتغل كده.
نظر إليها بحنق مكبوت، وهدر:ده لوِي دراع بقى؟!
هزت رأسها بالنفي، فتحت فمها لترد…
لكن الكلمات تجمدت في حلقها.
تصلبت ملامحها، واتسعت عيناها وهي ترى أمامها آخر شخص كانت تتمنى ألا تراه الآن.
وهتفت بغضب صادم: طارق!
التفت أيوب خلفه بنظرة خاطفة، عيناه كشرر البرق، يغلي فيهما الغضب المكبوت، وغمغم بصوت منخفض، كأنه يحذر من نار كامنة: دي… مفيش راجل متعرفوش باين.
لكن فجر كانت في عالم آخر، بعيدة عن الواقع، تغرق في بحر من الغضب المختلط بالصدمة، لم تتلقى كلماته الوقحة كلسعة السم، تشابكت دقات قلبها مع همسات الغضب المكبوت في صدرها.
اقترب طارق بخطوات سريعه وهتف بعمليه : إيه الأخبار يا…
توقف فجأة، وعينيه تتسعان بدهشة حينما وقع نظره على فجر، كأن الزمن تجمد، وغمغم باسماً، ولكن بعيون تنطق بالدهشة الممزوجة بالحنين:فجــررر…
طريقة نطقه لاسمها كانت كتلك الطعنة الخفية، تثير ألف سؤال في قلب أيوب، الذي رفع حاجبه ببرود، يراقب المشهد بغرابة متحفظة: انتو تعرفوا بعض؟
نظرت له فجر بنظرات مشحونة بالاحتقار والغضب المكبوت، كأنها جدار من نار يقف أمامه، تتحدى العالم بصمتها، وكل نظرة منها كالسيف تشق الأجواء.
تنهد طارق بحزن مكبوت، صوته يرتعش بين كلماته:
فجر…كانت خـ…
وفجأة اندفع ماهر أمامها، كالجدار البشري، قبض على باقة سترته بكل قوة، وصوته يزأر بالغضب المكبوت، يقطع الصمت كالرعد: انت إيه اللي جابك هنا؟! يالا… وليك عين تنطق اسمها يا حيوان!
رفع طارق يده بتأني، محاولاً تهدئة العاصفة، وأشار لها بيده:أنا مش قصدي أكون وراها المرة دي والله يا ماهر.
التفت إليها من خلف ظهر ماهر، صوته يغمره الأسى والصدق: صدقيني يا فجر… والله ما كنت أعرف.
أما أيوب، فقد غص قلبه بالغضب والدهشة، تنفسه يزداد ثقلاً، فتدخل بفعل القوة التي تسيطر عليه، صوته الحاد يملأ المكان ويقطع كل همهمة:هو في إيه بالظبط؟!
وفي هذه اللحظة، كان الهواء مشحون، كأن كل نفس في المكان يشتعل فيه الصراع بين الغضب والدهشة والتوتر المكبوت، والقلوب تنبض بسرعة كأنها على شفا انفجار، وكل شخصية تقف على حافة الانفجار، مستعدة أن تندلع الشرارة في أي لحظة.
دلف معاذ بخطوات سريعة، يده تحمل أكواب القهوة، لكن ما إن وقعت عيناه على المشهد حتى انقلب الهدوء إلى إعصار…
وضع الأكواب بإهمال على أقرب طاولة، وكأنها لا تعنيه، ثم اندفع كوحش أفلت من قيده، وقبض على ذراع طارق بعنف، ولكمه لكمة قاسية ارتدت في المكان كصدى رعد، فأطاحته للخلف أكثر من خطوة، وصوته يهدر كالسيف المسلول:أنا قلتلك… لو شوفتك في حتة تاني جنبها هقتلك!
شهقت فجر بذهول، قلبها يقفز في صدرها رعب، وتمسكت بذراع معاذ بكل قوتها، كأنها تنتشله من هاوية الغضب، وصاحت بنحيب مكسور:لا بس يا معاذ! ده ميستاهلش توسخ إيدك بيه!
اشتعل وجه أيوب غضب ، وصوته خرج حاد، يقطع الهواء كالسوط:هو في إيه؟! انتو اتجننتوا؟! أنا مبحبش الحوارات دي!
اقترب طارق وهو يمسد جانب فكه المتألم، عينيه مضطربتان، وصوته يحاول التماسك: أنا مليش دعوة يا باشا.
لكن أيوب لم يمنحه فرصة أخرى، أشار إليه بيده بحسم، ثم قبض على ذراع فجر وسحبها إليه باندفاع غاضب، هتف:تعالي معايا… أنا عايز أفهم في إيه!
دفعته بقوة، كأنها تدفع العالم كله عنها، وصاحت بانهيار يقطع القلب قبل الأذن: أوع كده! سيبني! ابعدوا عني كلكم! مش عايزه أتكلم ولا أشوف حد… ارحموني!
ثم ركضت، دموعها تسبق خطواتها، غضبها يقودها، وانكسر صوتها في الفراغ…
اندفع ماهر خلفها دون تردد، صوته يلهث خلفها: فجر! استني بس… فجر!
تصلب أيوب في مكانه، نظر إليهما بغيظ يحرق صدره، وغمغم بسخرية مسمومة:وماهر كمان… رضع معاها؟ ولا كانت شراكة!
قبض معاذ على ياقة سترة طارق، قربه من وجهه، وأنفاسه ساخنة، وصوته خرج من بين فكيه كتهديد نهائي:اخفي من وشي… ولو شفتك تاني في مكان فجر فيه، هتطلع جنازتك من نفس المكان.
قبض طارق على معصم معاذ، محاولًا الصمود، وهدر:
أنا ساكت عشان أيوب باشا… بس افهم يا معاذ، أنا جاي أشوف شغلي!
انفجر صوت أيوب بغضب:ده طارق شعبان، المهندس المسؤول عن الشغل هنا!
دفعه معاذ بازدراء، وعيناه تشتعلان:طول ما البني آدم ده هنا، فجر مستحيل تفضل… ومش بعيد تسافر ومترجعش تاني!
أنهى جملته وانصرف بخطوات سريعة، مشتعلة، كأن الأرض لا تسعه..
وقف أيوب مكانه لحظة، ثم تحرك إلى الخارج، توقف عند الباب، تجمد في موضعه ، جسده ثابت، لكن داخله كان ساحة حرب…
عيناه لم تفارقا المشهد البعيد: فجر، كتفاها يهتزان، دموعها تنهمر بصمت موجع، وماهر يقف قريبًا منها أكثر مما ينبغي، يربت على منكبها بحنان لم يطلب منه… ولم يمنع…حب صريح يطل من عينيه بلا مواربة.
انقبض صدر أيوب فجأة، كأن قبضة خفية أُغلقت حول قلبه.
لماذا هذا الضيق؟
ولم يشعر أن ذلك القرب جريمة شخصية ضده؟
ضغط على فكيه بعنف، وأسنانه اصطكت، حاول أن يقنع نفسه ببرود مصطنع:ماليش دعوة… تبقى مين أصلًا؟
لكن عينيه خانتاه، ظلتا معلقتين بها، وكأنهما ترفضان تنفيذ أوامره.
رآها تميل قليلًا نحو ماهر، تستند إلى وجوده، وشيء حارق اندلع في صدره بلا إنذار، غضب أعمى لا يحمل اسم ولا مبرر.
لم تكن ملكه…
ومع ذلك، شعرت روحه أن هناك من يمد يده إلى ما يعتبره دون حق منطقته المحرمة.
قبض أيوب على إطار الباب حتى ابيضت مفاصله، وتنفس بقسوة، كأنه يحاول خنق شعور يزحف داخله بلا استئذان.
هي شريكتي بس… شغل.
رددها في رأسه كتعويذة، لكن التعويذة فشلت.
كيف استطاع ماهر أن يلمسها بتلك البساطة؟
كيف سمحت له أن يقترب هكذا، بينما كانت معه منذ دقائق فقط تتحول إلى شوكة ملتهبة، تجرحه بكلمة وتستفزه بنظرة؟
ازدادت نار الغضب اشتعالًا، ليس لأنها حزينة…
بل لأن حزنها لم يكن له.
استدار أخيرًا بعنف، كأن البقاء ثانية واحدة أخرى سيكشفه أمام نفسه، ودلف إلى الداخل بخطوات ثقيلة، يتمتم بصوت خفيض، مسموم، يحمل إنكار أكثر مما يحمل سخرية:البت عاملة زي المغناطيس… بس تخصص رجالة.
لكنه لم يضحك.
ولم يشعر بالانتصار.
بل شعر فقط بأن شيئًا ما خرج عن سيطرته… وبدأ يطالب بحقه.
…….
مساء ثقيل في شقة فجر الهاشمي..
خرجت فجر من المطبخ وهي تضم بين كفيها كوب الشوكولاتة الساخنة، كأنها تتمسك بدفء مؤقت في عالم بارد…
انزلقت إلى الشرفة بخطوات بطيئة، ولفت وشاحها حول عنقها بإحكام، تستعين به على نسمة الليل الأولى، تلك النسمة التي لا تنعش بقدر ما تذكر…
ارتشفت رشفة صغيرة، والزفير يخرج من صدرها محمل بثقل لا يرى، ثم همست بصوت مكسور، كأنها تخاطب الفراغ:الله يرحمك يا أمي… الدنيا فاضية اوي من بعدك.
رفعت عينيها إلى الشرفة المقابلة، حيث تتكور حياة كاملة في مشهد بسيط: زوج يضحك، زوجة تميل نحوه، طفلان يتنازعان على لعبة.
حياة عادية… لكنها بعيدة عنها كحلم من زمن آخر.
انزلقت دمعة ثقيلة على وجنتها دون مقاومة، وهمست بوجع صادق:هو أنا إمتى هعيش؟
رن جرس الباب فجأة، قاطع خيط أفكارها كحد سكين.
وضعت الكوب على الطاولة بسرعة، ومسحت دموعها بظهر يدها، واتجهت إلى الباب وتمتمت: أكيد موزه.
فتحت الباب وهي تقول بابتسامة لم تكتمل: تعالي يا موز
لكن الكلمات سقطت ميتة في حلقها.
تجمدت ملامحها، وتحولت الدهشة إلى غضب فوري حين رأت أيوب يقف أمامها، بنظرته المستفزة التي تكرهها… تلك النظرة التي تشبه اقتحاما بلا إذن.
صاحت بحدة:انت إيه اللي جابك هنا يا لا؟
رفع حاجبه ببطء، والغضب يطفو في نبرته وهدر: بصي… عشان لم أطول لساني بتزعلي، وانتي لسانك أطول من عمرك أصلًا.
أشارت إلى الساعة بعصبية، وصوتها يرتجف من الغضب لا الخوف:انت عيان والله! انت واخد بالك إننا داخلين على نص الليل يا بجح؟
وقبل أن تكمل، مد ذراعه فجأة أمام صدرها، دافع إياها جانبا دون عنف جسدي… لكن بوقاحة صريحة…
دلف إلى الداخل بخطوات واثقة متعجرفة، وكأن المكان يعرفه، وتمتم ببرود قاتل: لسه بدري… تعالي بس.
شهقت فجر، فزعها ممزوج بالغضب، وتسمرت للحظة.
لم يكن ما شلها قوته… بل جرأته…
جرأة أن يدخل عالمها الخاص دون استئذان، أن يعبر
حدودها كأنها غير موجودة.
نظرت إلى الباب المفتوح خلفها، ثم إليه، بشيء ساخن اشتعل في صدرها.
تركت الباب مفتوح بعصبية، وتحركت خلفه بخطوات مشتعلة، وهي تعلم في قرارة نفسها أن هذه الليلة…
لن تمر بسلام.
كان أيوب جالسًا على الأريكة، واضع قدم فوق الأخرى، بجسده المسترخي وملامحه الواثقة، كأن الشقة امتداد طبيعي لمملكته، لا مكان دخله بلا إذن.
ذلك الاطمئنان المستفز كان أول صفعة على أعصاب فجر.
وقفت أمامه على مسافة محسوبة، مسافة أمان بينها وبين لمساته الوقحة، ورفعت ذقنها بتحدي وهتف: انت فاكر نفسك في بيتكم؟ قوم يا كائن غريب، امشي… أنا بنت لوحدي.
رفع عينيه إليها ببطء، وأطال النظر، نظرة ثقيلة زاحفة، زرعت التوتر في قلبها كشوكة خفية.
لم ينطق… فزاد صمته استفزازها.
هتفت فجر بعصبية: انت سامعني ولا انت.
لم تكمل.
نهض فجأة دفعة واحدة، كأن الأرض قذفته إلى قدميه.
شهقت بفزع وتراجعت خطوة سريعة، وقلبها يدق بعنف، بينما صوته ينفجر:أنا سمعت إنك كنتي مخطوبة لطارق شعبان.
تجمدت لثانية، ثم اشتعل الغضب في ملامحها، وقبضت حاجبيها وهي تصرخ:وانت مالك؟ بتدور ورايا ليه؟
أشار بيده في الهواء، كأنه يكبح نارًا في صدره، وهتف بغضب مكتوم يفضحه أكثر مما يخفيه: انتي بسبب طارق ومشاكل شخصية سيبتي الشغل ومشيتي، وده مش صح لو عايزة تكوني ناجحة…
وكمان معاذ قال إنك ممكن تسيبي القاهرة وتسافري… عشان تهربي.
تقدمت نحوه، المسافة التي كانت تحميها ذابت، والدموع احتبست في عينيها كحريق بلا دخان.
هتفت بصوت متحشرج موجوع:وانت مالك؟ وبعدين أنا مش بهرب… أنا بحب أريح دماغي…
ومش بطيق أشوفه… يومي بيقفل لما بشوفه.
هز أيوب رأسه بالنفي، وصوته خرج هذه المرة جاد، صلب، كأنه يقاوم نفسه:لا يا فجر… انتي بنت ناجحة وشخصيتك قوية.
مش انتي اللي تهربي من بلد كاملة عشان علاقة ما كملتش.
ومش انتي اللي تمشي بمبدأ الباب اللي يجيلك منه الريح … ده مش بتاعك.
نظرت إليه بدهشة صامتة، وكأن كلماته باغتتها من حيث لا تتوقع.
الدموع ارتجفت بين رموشها، حاولت إخفاءها، لكنها خذلتها كعادتها…
اقترب منها بخطوات بطيئة، خطوات رجل يخشى ما يشعر به أكثر مما يخشى رفضها..
وقف أمامها، وانحنى قليلًا برأسه نحوها، وصوته خرج خافت… لأول مرة بلا قسوة: بصي… خديها نصيحة من واحد واقف في نص الوجع من سنين.
وبتخنق أكتر لما يشوف حد واقف برضو في نص وجعه.
واجهي يا فجر… في المواجهة الشفا.
نظرت إليه بذهول صريح، كأنها ترى شخصًا آخر، أو وجه لم تعرفه من قبل…همست بدهشة: طب انت ما واجهتش ليه؟ بدل ما انت عايش في نص الوجع سنين؟
شرد أيوب لحظة.
عينيه فقدتا حدتهما، وامتلأت بحسرة قديمة، وقال بصوت مثقل:عشان حتى المواجهة… ساعات الدنيا بتكون قاسية لدرجة تحرمنا منها.
فجاة شق الهدوء فجأة صوت غاضب اخترق المكان كطعنة: فجــــررررر!
وووووووووووو
انتظروني في الفصل الخامس

وحشتنا ي عم ايوب انت وفجر ♥️
ايوا والله 😂♥️
تسلم الايادي ياحب اكيد تحفة من قبل ما اقرا حاجة❤️❤️❤️
تسلمي ي حبيبتي ♥️
يسلم الأيادي ياساره اكيد تحفه كالعاده
تسلمي ي حبيبتي ♥️
حوت السياحه وبرنسيسه السياحه❤️😘😘
♥️♥️
تسلم ايدك ♥️❤️
البارت رووووعه كالعادة 🌹😍😍😍
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تحفه 🌹🌹🌹🌹
تسلمي ي حبيبتي ♥️
❤️❤️❤️
♥️
يسلام علي جمال البارت
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تحفه جميله اوى روعه يجنن اوى ❤❤❤❤
تسلمي ي حبيبتي ♥️
يا اهلا بالغاليين ♥️
حبيبنا♥️♥️
تسلم الايادي
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تسلم ايديكي مقدما من قبل ما أقرأ أكيد تووووحفة ♥️
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تحفه ياقمر
تسلمي ي حبيبتي ♥️
جميلة اوي متشوقة جدا اعرف هيحصل ايه تسلم ايدك ❤️❤️
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تسلم الايادي
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تحففففففه
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تحغههههه
تسلمي ي حبيبتي ♥️
اكيد تحفة
تسلمي ي حبيبتي ♥️
البارت رووووووووعة ياسارة تسلم ايديكم وعنيكم ياقلبي❤❤❤❤
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تحفففه بجد وحشوني والله❤️❤️
اوووي والله🥹
ابداع ياسارة❤❤❤
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تحفة الرواية
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تسلم ايدك ياسارة تحفة كالعادة
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تحفة
تسلمي ي حبيبتي ♥️
لسه مش عارفين سر ايوب وكمان ذكريات الفندق لكل منهم
هنشوف البارت الجاي ♥️
👌 wow
روعة روعة بجد
جميله
تحفه تسلم ايدك يا قلبي🤎
بجد خطير
تسلم ايدك يا حبيبتي 💓
ايواااا بقي الجمداااان ابتدااا وشكلهااا هتحن ولا ايه
هيبتدوا يتكلموا اهم 🥰🥰🥰
I LOVE YOU SO MUCH 🥰🥰🥰🥰🥰🥰🥰😍😍♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️
تحفه تسلم ايك
ابداع
تووووووووحفه تسلم ايدك ♥♥
ايه الحلاوة والجمال ده
قمة الابداع والتميز
وحشووووووونا اوووووووووووي ♥♥♥♥♥♥
تسلم ايدك ياقلبي 💖💖💖💖
تسلم الايادي يا غالية دايما مبدعة ♥♥
البارت تحفه
تسلمي ي حبيبتي ♥️
الفصل جميل
تسلم ايدك ياحبيبتي 🥰
تسلمي ي حبيبتي ♥️
جميلة
تسلمي ي حبيبتي ♥️
💕😘
♥️♥️
ووحشتونا جميله اووي بارت كمان بقا
تسلمي ي حبيبتي ♥️
رووعة 😍🥰😘
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تحفة بجد يا فنانة تسلم الايادى وشكرا لتعبك
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تسلم ايدك يا قمر
تسلمي ي حبيبتي ♥️
كلامهم بيوجعني والله
🥹🥹