عشق ملعون بالدم

عشق ملعون بالدم(الفصل العشرون)

عشق ملعون بالدم(الفصل العشرون)

يقف هو على حافة الجنون، وكل نبضة في صدره تذكره بأنها كانت له قبل أن يصبح لها العالم كله، وكل صورة يراها في خياله تصعقه بوحشية، كأن الزمن سرق عمره قبل أن يسرقها منه، والوجع الذي يجوب عروقه أشد من أي موت، لأنه موت حب لم يكتمل، حب اختار أن يعيش في صمت مؤلم داخل قلبه وحده.
وفي كل لحظة يغمض عينيه ليتخيلها أمامه، يسمع صدى ضحكتها وهمساتها وكأنها تُوبّخه بصدقها، وكل دمعة تخيلها تنزف في قلبه وتترك فيه ندوبًا لا تلتئم، وكأن الحياة تحترق بين يديه ببطء، وهو عاجز عن إنقاذ قلبه أو قلبها، عاجز عن لمسها رغم كل ما يشتعل فيه من رغبة وحنين.
الفراق ليس غيابًا، بل هو سجن مؤلم لعاطفة صامتة، كل يوم يمر عليه بلاها هو موت صغير، وكل لحظة يراها في ذهنه تنفجر بجمر في داخله، وكل ذكرى لها كخنجر يغرز في قلبه بلا رحمة، حبٌّ محكوم عليه باللعنة، ووجوده بلاها كجحيم لا يطاق، لكنه يعرف أن حبها هو ما يجعل روحه لا تموت رغم كل الانكسارات.
كل همسة تخيلها، كل ابتسامة مرت أمامه في مخيلته، تحرقه من الداخل، ويشعر بأن قلبه ينبض فقط حين يتذكرها، وأن كل ثانية بدونها هي حياة ميتة، وكل لحظة مع ذكراها هي نارٌ تحرق روحه، حبٌّ يفوق كل ألم، وجراح لا تلتئم، وحنين يقطع نفسه ويشعل قلبه في كل لحظة، كأنها كانت الهواء الذي يتنفسه والدم الذي يسري فيه، وفقدها جعله يعيش في فراغ قاتل لا يزول.
هو عاشق حتى حد الانهيار، وكل ثانية بلا لمسة منها كجريمة يرتكبها الزمن بحقه، وكل ذكرى لكل كلمة لم يُوفَّ بها لكل وعد لم يُقدَّر له، تكسر شيءً منه، ويبقى في داخله وجع لا يوصف، حبٌّ يلهب الروح ويكسر القلب، لكنه وحده يعرف أن حبه لها أعظم من أي ألم، وأصعب من أي فراق، وأشد من كل حزنٍ سبق أن عرفه قلب بشر.


في اللحظة التي شعرت فيها فينوار أن الباب على وشك الانفتاح، اندفع الخوف في صدرها كطرق عنيف، فتشبثت بالسك بيد مرتعشة…

رفعت كفها الأخرى ببطء، وأنغرست أسنانها في شفتها، ثم بدون تفكير مررت حد ظفرها الحاد على جلدها بقسوة، فانبثق الجرح فورًا، وانشقت البشرة عن دم داكن، ساخن، كأنه خرج من عمق أقدم من الجسد نفسه…

تكونت القطرة بسرعه، ثقيلة، مترددة، قبل أن تنفلت وتسقط على سطح السك البارد…

ما إن لامس الدم المعدن، حتى صرخ السك صرخة صامتة، وارتعش بين يديها، ثم بدأ يتحرك…

لم يكن التفافه التفاف معدن، بل زحف كائن حي؛ التف حول معصمها، شد عليها، ثم اندفع داخل جلدها كأن الجسد انفتح له طوعًا…

شعرت بوخز حارق، وكأن عروقها تقلب من الداخل، وكأن السك يشرب دمها لا يلامسه فقط…

انتشر الألم سريعًا، تسلل إلى ساعدها، ثم إلى صدرها، حتى شعرت أن قلبها نفسه أصبح رهينة لهذا الرباط…

نبض السك مع نبضها، لا فوق الجلد بل تحته، ودوى صوته داخل رأسها، أجش ، مظلم: أنا لكي… وأنتي لي…لا فكاك، ولا رجوع.

ارتجف جسدها، واشتعلت حرارة خانقة في كفها، ألم ممزوج بقوة موحشة، قوة لا تشبه الشجاعة ولا الطمأنينة، بل قوة تعرف أنها ستطالب بثمنها لاحقًا…

ومع كل نفس ثقيل، أدركت فينوار أن ما فعلته لم يكن استعانة بسك… بل عقد وعهد حي لا ينقض إلا بالموت.

وفجأة، انفتح الباب بالكامل… وظهر أمامها والدها ،
الملك أورمانتيس ملك قوم الناراسين،

واقفًا كجبل من الظل، كأن العتمة خلقت لتقف خلفه. عيناه مشتعلة بغضب لا يرى بل يشعر به،

وجسده يلفه ثقل مهيب حتى إن الهواء نفسه ارتج ، وانكمشت الأنفاس في الصدور، وكأن الممر كله صار محراب للخوف.

سادت لحظة صمت خانق، لا يسمع فيها سوى أنفاس فينوار المتقطعة، وصوت الحجر وهو يئن تحت وطأة حضوره…

تقدم خطوة واحدة، فاهتزت الجدران، وانخفض صوته، لكنه كان أثقل من الصراخ: دخلتي هنه ليه؟!
لم يكن سؤال… كان حكم معلق ..

رفعت فينوار رأسها ببطء، عيناها ثابتتان رغم الارتعاش الذي ينهش جسدها من الداخل، وصوتها خرج مبحوحًا لكنه صادق: بدور… على اللي يريح روح أمي.

تغير الهواء.
كأن كلمة أمي سقطت على المكان كحجر في ماء راكد منذ قرون.

ضاقت عيناه المعتمه، وصار صوته أعمق، أكثر قسوة، كأنه يخرج من باطن الأرض: أمك… ملهاش روح هنه!
خرجت الكلمات باردة، قاطعة، كالسيف.

تصلبت فينوار مكانها، ثم ابتلعت ألمها وقالت، بصوت خافت لكنه لا يخلو من إصرار: بس أنا سمعت حسها… هنه كانت هتناديني.

ساد صمت مرعب….حتى الجدران كفت عن الهمس.

اقترب أورمانتيس خطوة أخرى، والظل الذي خلفه تمدد، والتف حولها كقيد غير مرئي، وقال بنبرة تحمل تهديدًا أزليا: سمعتها غلط يا فينوار… المكان لا يعترف بالبشر…
ولا بأرواحهم.

توقف لحظة، ثم أضاف ببطء قاتل: ولو عاود صوتها لي ودنك .. ديه لعنه مش رحمه!

ارتجفت شفتاها، لكنها لم تتراجع، رفعت ذقنها قليلًا وقالت، بعناد هادئ يخيف: لو كانت لعنة…
أنا مستعدة أسمعها.

انفجرت نبرة غضبه، لكنها لم تكن صراخ، بل شيئًا أشد رعب : كفياكي!!

اهتز المكان.
وصار الهواء أثقل، والظلال انكمشت ثم اندفعت كأنها تطيع أمره : اطلعي من المحراب… وأياكي تعاوني!

ثم قالها كقانون لا يقبل النقاش: ديه آخر تحذير.

وقفت فينوار لحظة، قلبها يخفق بعنف، ثم قالت بهدوء قاتل، كأنها تخاطب قدرها لا أباها: لو سمعت صوتها تاني…هعاود!

لم تنتظر ردا.
استدارت ببطء، وخطت خارج المحراب، خطواتها ثقيلة، لكنها ثابتة، كأن كل خطوة تعلن بداية عصيان صامت.

وخلفها وقف الملك أورمانتيس وحده، ثابت كقدر لا يناقش، غير أن الهواء حوله اضطرب للحظة، كأن شيئًا انكسر في نسيج المكان ثم التحم على عجل.

شعر بها…
لا كفكرة، بل كطعنة خفية في حدسه الذي لم يخذله يومًا.
ضاقت عيناه، واستدار ببطء، يتأمل الفراغ الذي عبرته.
لم يكن في الغرفة ما يدل على عبث، ولا أثر يرى، ومع ذلك…كان هناك نقص.

همس، بصوت منخفض لكنه محمل بالغضب: المحراب المحرم مش هيكدب!

مد يده، فتراجع الظل قيد خطوة، كأن المحراب نفسه يتردد في الطاعة.
وصل إليه الإحساس أخيرًا، واضح، بارد ، لا يخطئه ملك وغمغم :دم…ومش سايل..ديه دم ..اختار الضلمه!

اعتدل واقفًا، والهالة من حوله ازدادت كثافة، لا صاخبة، بل خانقة.

لم يكن غضبه انفجار … بل تركيز قاتل ..
قال أخيرًا، يخاطب الفراغ، لا الجدران: لو كان دمك سال هنه، يا فينوار،فالتمن مدفعش لسه!

ثم استدار وغادر، تارك خلفه محراب يعرف أنه كسر دون أن يكسر،
وسرا لم ير…
لكنه أصبح حيا.
……
في الممر البارد للمستشفى،

حيث تمتد الأضواء البيضاء الشاحبة كأنها سكاكين مسلّطة على الأرواح، كان الخوف يضغط على الصدور حتى يكاد يسمع له صوت.

الهواء نفسه بدا ثقيلاً، خانق، كأن المكان لا يتسع لكل هذا الوجع دفعة واحدة…

أسرعت أصابع فوزي فوق مسبحته، تدور الحبات بعصبية رجل يشعر أن قلبه على وشك الانفجار…

إلى جواره، كانت إنعام تفرك كفيها ببعضهما، لا طلب للدفء، بل كمن يحاول إطفاء نار اشتعلت فجأة في صدرها..

كل خطوة تقربهم من الغرفة كانت تشعل تلك النار أكثر… نار أم تشم رائحة الخطر قبل وقوعه.

أمير وغسان يشقان الممر بخطوات سريعة، غاضبة، القلق يدفعهما دفعًا إلى حافة الهاوية، حيث لا يقف الإنسان إلا على ساقين من رعب.

موسي وقف جانبًا، بعينين محتقنتين، يتابع فارس…
ذاك الذي لم يتحرك..

كان يقف في الزاوية، جسده حاضر، لكن روحه معلقة على باب الغرفة المغلقة.
عيناه مثبتتان هناك، كأن قلبه بالداخل يئن، يسحق، ويذبح ببطء.

وأخيرًا…
خرج الطبيب.
اندفع الجميع نحوه بفزع، دائرة من الذعر أطبقت عليه، حتى فارس اقترب، بلهفة ممزوجة برعب لم يعرفه في حياته من قبل…

تمسكت إنعام بذراع الطبيب، كأنها تتعلق بالحياة ذاتها، وخرج صوتها مبحوح، مكسور : طمن جلبي يا ولدي،
بتي كيفها؟!

هز الطبيب رأسه بأسف، وقال بصوت حاول أن يكون هادئ، لكنه لم يفلح: يا چماعه.. أنا كنت لسه بجول..بلاش اي خبر.. او حجيجه تكدرها… للاسف!!

قبض فوزي على ذراع الطبيب، رعبه انكشف بلا مواربة: بتي ايه چرلها يا دكتور؟!

اقترب فارس، صوته خرج متحشرج، كأن الكلمات تمزق حلقه:يعني افتكرت ولا ايه يا دكتور؟!

أومأ الطبيب برأسه، والكلمات سقطت كالسكاكين:دخلت في انهيار عصبي.. صدمه كبيره ، وللاسف هي في شبة غيبوبه.. عجلها بيحاول يحمي نفسه من الوچع، ورافض يفوج

وقعت الكلمات كصاعقة.
صرخت إنعام بجنون، صرخة أم انكسر ظهرها: يا بتي! يا مررك يا انعام!

تمسك بها فوزي بقوة، وخرج صوته غاضب مرتعش:
اصبري يا وليه خلينا نفهموا

أما فارس…
فقد توقف كل شيء داخله.
انحبست أنفاسه ، كأن قبضة فولاذية اعتصرت قلبه حتى أوشك على التفتت..

انزلقت دموعه بلا خجل، بلا مقاومة، كأنها روح تسيل من عينيه.

أمسك أمير بذراع الطبيب، صوته بالكاد يسمع: يعني هتفوج متي؟! ولا كيف ممكن تفوج؟!

نظر الطبيب إليهم بحزن ثقيل وقال :هي حاسه.. وممكن تكون سامعه كل كلمه حوليها.. بس عجلها رافض يطلع من الغيبوبه ديه.. وبيصورلها أنها كده آمان.. في منطجة آمنه من الوچع!!

عندها…
لم يتحمل فارس أكثر.
تراجع خطوة، ثم أخرى، كأن الأرض تهتز وتشققت تحت قدميه.

اندفع فارس خارج المستشفى كمن يُطارده شبح، ركض حتى احترقت رئتاه، حتى لم يعد يميز الأرض من السماء.
ركض بكل ما تبقى فيه، لا هارب من الموت… بل راكض إليه.
وعندما توقف أخيرًا، لم يكن لأنه أراد… بل لأن جسده خانه.

وقف يتنفس بصعوبة، الهواء يدخل صدره كسكاكين صدئة، وعيناه معلقتان في الفراغ.

وفجأة…
لم يعد الفراغ فارغ .. رآها… واقفة أمامه.

حبيبة… كما كانت دائمًا، بثوبها الابيض، شعرها منسدل، عيناها تلمعان… لكن لا بابتسامة.

بل بدموع ثقيلة، عتابها صامت، أقسى من أي صراخ.
مد يده نحوها بلهفة وهمس : حبيبه…

لكنها لم تقترب.
ابتعدت خطوة، وصوتها جاء من كل اتجاه، لا من فمها:
ليه؟
ليه دخلت حياتي؟

اهتز رأسه بعنف، كمن يحاول طرد الصورة وغمغم : مش حقيقي… مش حقيقي…

لكن الهلوسة لم ترحمه.
رآها فجأة في المكتب، كما كانت يوم كسرها.
رآها تبكي، تسمع صوته وهو يقول: ملناش نصيب في بعض…

سمع كلماته تعود إليه كرصاص مرتد، تصيبه هو هذه المرة.
صرخ، واضع كفيه على رأسه وصاح : أنا مكنتش أجصد! والله ما جصدت!

ضحكت…
ضحكة مكسورة، موجوعة، خرجت من كل ذكرياته معها.
ثم تغيرت الصورة.

رآها على سرير المستشفى.
شاحبة، ساكنة، أنابيب تحيط بها.
رآها تفتح عينيها فجأة وتنظر إليه، وتهمس بصوت بارد قاتل: سيبتني أموت…يا فارس !

انكمش جسده، وسقط على ركبتيه بعنف وغمغم : لااااا! أنا هنه! أنا أهو!

لكنها اختفت…وعاد وجهها مرة أخرى…
قريب جدًا هذه المرة.
حتى شعر بأنفاسها على وجهه.
قالت، وهي تضع يدها على صدره:
أنت خدت جلبي وكسرته… بس انا سيبت لك جلب ينبض مكانه.

قبض على صدره كأن قلبه ينتزع حيا وصرخ : انتي اللي خدتي جلبي العايش وصحيتي الميت! أنا كنت ميت جبلك!

بدأ يهز رأسه بجنون، خطواته تتخبط في الأرض، صوته يعلو، يتشقق، ينكسر: أنا ملعون! سامعاني؟ ملعون! اللي يجرب مني يتحرج!

ثم سمع صوتها…ضعيف، واهن: طب ليه خليتني أحبك؟

كأن السؤال طعنه في عموده الفقري.
صرخ بكل ما فيه: عشان كت أناني! عشان كت مفكرك جدري ومفكرتش إن الجدر بيغدر!

رأى نفسه فجأة عريس ، يلبس الأسود بدل الأبيض.
رأى إيمان… بلا ملامح.
ثم رأى حبيبة مكانها، تبكي، تلبس كفن أبيض.

صرخ حتى بح صوته: لالا مبديش غيرها! مش شايف غيرها!

ثم .. انهار تمامًا.
سقط على الأرض، جسده يرتجف، قبضتاه تضربان التراب، كأن الأرض مسؤولة عن لعنة عمره…

وبين شهقاته، خرج صوته مكسور، طفل، ضائع: يا رب… خدني ولا توچعها… خد عمري كله واديها نفس واحد بس.

ثم شهق شهقة حادة…وتوقف.
سكن جسده فجأة، عيناه مفتوحتان على الفراغ، والدموع ما زالت تنزل…كأن عقله انطفأ أخيرًا…
بعد أن احترق بالكامل.
…….
في الممر السفلي،
حيث الجدران تتنفس ظلال، خرجت فينوار مترنحة، خطواتها غير متزنة، وكأن الأرض صارت أضيق من أن تحملها.

كان جسدها بارد، ودمها يقرع عروقها بنبض غريب لا يشبهها… نبض ليس لها وحدها…

قبل أن تسقط، انشق الجدار خلفها بلا صوت، وتكون منه قرماس.

لم يخرج… بل خلق من الظل…ما إن وقعت عيناه عليها حتى تصلب….لم يحتج أن يرى… لقد شعر.

اندفعت فينوار إلى الأمام، خانها الجسد، ومالت…
فسبقها بخطوة، أمسكها قبل أن تلامس الأرض، وسحبها إليه بقوة، ثم هبط معها جالسا، وسندا ظهره إلى الجدار، وضمها إلى صدره…ارتجف جسدها بين ذراعيه.

قال بصوت أجش، منخفض، وفيه رعب مكتوم: جولي إني غلطان… جولي إن السك مش چواكي.

لم ترفع رأسها… تقطعت أنفاسها ، وكأن الهواء يرفض الدخول…وهمست: مكنش فيه حل تاني.

شد ذراعيه حولها دون وعي، وكأن الحقيقة أصابته في صدره وهدر : إنتي عارفة عملتي إيه؟

انكسر صوته عند الكلمة الأخيرة: إنتي كده… ربطتي أرواحنا ببعض للأبد.

سكت لحظة، ثم قالها كحكم لا رجعة فيه: أنا مبجتش حر… أنا بجيت ضلك…

رفعت رأسها بصعوبة، عيناها دامعتان لكن ثابتتان.وغمغمت : تكون ضلي… ولا تكون عبد للملك؟

سكت…الظل من حولهما ازداد كثافة…تابعت، بصوت مبحوح لكنه صادق: أنا عارفة إني ورطتك معايا…
بس لو أبويا شاف السك، كان هيجتلني…

وتوقفت لحظة، ثم أكملت بهدوء موجع: وكان هيجتلك جبلي…

أغمض قرماس عينيه، وكأن ألف سنة سقطت فوق روحه دفعة واحدة.
عندما فتحهما، لم يعد فيهما غضب… بل قرار.
قال: العبد بيتكسر…

ثم نظر إليها، نظرة ظل وجد صاحبه أخيرًا : بس الضل… بيختار.

شدها إليه أكثر، وهمس: من اللحظة دي، خطوتك خطوتي، وچعك وچعي، وموتك… موتي.

سكنت فينوار في حضنه، وهي تعي أن اللعنة لم تفك بعد…
لكنها خلقت لعنة أخرى،
أعمق… وأخطر… وربما أقسى من كل ما سيأتي.

في صمت أشبه بالحداد، نهض قرماس وهو يحمل فينوار بين ذراعيه، لا كمن ينقذ جسد واهي ، بل كمن يحرس سر لو سقط انهار العالم من تحته…

خطواته لم تسمع، كأن الأرض نفسها خففت وطأتها احترام لما يحمله…

دخل بها إلى عمق الغرفة المحجوبه، حيث الظلال لا تنسحب بل تتراجع، ووضعها ببطء عند الجدار، مسند ظهرها، متأكد أنها ثابتة قبل أن يبتعد عنها…

امتد ظله على الأرض وحده، انفصل عنه كما لو كان كيان مستقل، زحف صامت حتى بلغ موضع الكتاب.

هناك، حيث الحجر مشقوق كجرح قديم، كان الكتاب مغروس في الجدار، مغطى بجلد داكن متصلب، لا يشبه جلد مخلوق حي… بل جلد مخلوق لم يسمح له أن يموت…

سحبه قرماس ببطء، وكأن الجدار يتنفس اعتراض، وحمله بكلتا يديه.

ما إن فتح حتى انبعثت من صفحاته رائحة عتيقة، مزيج من الرماد، والدم، ولعنة لم يفك قيدها قط…

قلب الصفحات دون تردد، عيناه تتحركان بثبات قاتل، تتجاوزان الكلمات، حتى توقفتا فجأة.
تجمد.

ثبت إصبعه على صفحة واحدة، وكأنها اختارته.
قال بصوت منخفض، لكنه حاسم: ديه…

رفعت فينوار رأسها بصعوبة، الألم يسري في عروقها بنبض غير منتظم…

تابع، ونبرته ازدادت ثقل: التعويذة ديه…

سكت لحظة، كأن الكلمة نفسها تحتاج شجاعة…وقال
صعبة…جوي!! وهتاخد وجت طويل لحد ما تچهز.

ثم نظر إليها مباشرة وقال : والبشري اللي هيستحملها، لازم جوته تكون مضاعفة… مش چسمه بس… وحتي روحه .. غير كده… هيتكسر.

قالت دون تردد، رغم وهنها: ناريسا… رجيبة الدم المختوم… هتحاول هتعملها… والبشري اللي ممكن يستحملها.. وجوته مضاعفه في چسمه فارس .. بس مش في روحه ..

مال برأسه قليلًا، كأنه يعيد حساباته وقال : وأنا هكون مع ناريسا…

أدار الكتاب نحوها، وأشار إلى الرموز المحفورة بعمق، لا مكتوبة بل محفورة: هنحتاج حاچات مش بتتچاب…
دي بتتنتزع…. دم مأخوذ من حد بين عالمين…
ورماد نار ما بتنطفيش… ومكان الأرض فيه هشة، والسما قريبة.

انقبض صدرها.واتسعت عينيها وهمست : جصدك المكان؟

أغلق الكتاب ببطء، الصوت وحده كان كافي ليربك الظل وقال بحده : وادي الصدى الأسود.

قال الاسم كأنه نذير….او اسم مقبرة.. ثم أكمل : المكان اللي العوالم كلها بتعدي جاره… ومحدش بيدخله.

تنفست فينوار بعمق، الألم لم يختفي، لكنها ثبتت.وتمتمت بصوت حاسم : هروح أجيبهم…

استدار إليها فجأة، صوته صار أكثر حدة، لا غضب بل خوف مكبوت: مش سهل. المرة ديه… لازمن أكون معاكي.

نظرت إليه طويلًا، عيناها غارقتان في قرار لا رجعة فيه وقالت : ماشي!

ثم أكملت بهدوء لا يقبل نقاش: أنا اللي هختار الوجت.

توقفت لحظة، ثم أضافت: وهچيلك.

لم يعترض.
عاد الظل فاندمج بجسده، كأن القرار ثبت في العظام.
في تلك اللحظة، لم تعد اللعنة تخص العشاق وحدهم،
بل بدأت تكتب فصل جديد…
فصل يدفع فيه الثمن حيا.

في سرايا الأنصاري،

علت الزغاريد مع دخول هنيه، تحمل الفرح والدهشة في قلبها، والخادمة خلفها تحمل صواني الطعام والفواكه التي تفوح منها روائح الفرح والبهجة…

استقبلتها وهيبه وفاطمة ومريم وليله، والتوتر مرسوم على وجوههن كخطوط لا تمحى.

احتضنتها وهيبه، وقلبها يطرق كطبول الحرب في صدرها، وقالت: يا مرحب يا خيتي… البيت فج نوره..

نظرت هنيه لها ،وعيناها تلمعان بالفرحة المشوبة بالقلق، وهتفت: دي نوركم… ونور العرسان يا خيتي..

اقتربت هنيه من وهيبه، وهمست بصوت خافت مملوء بالدهشة والفرحة: أنا مصدجتش عيني… لما دياب جبلي ستر البت… والأرض مسعتنيش من الفرحة… ربنا يهدي سرهم يا خيتي..

نظرت لها وهيبه بعينين تلمعان بالدموع والقهر، همست: يارب يا خيتي… تعالي… اطلعي لبتك… اطمني عليها..

قطبت هنيه حاجبيها بدهشة، وقالت: البت زينه… مندلتش ليه لحد دلوقتي؟

أشارت لها فاطمة بتوتر وهتفت : عروسه يا خيتي.
تراجعت هنيه عن الدرج وهمست بحياء: اباي… ليكون الغالي لساته نعسان..

تبادلن النظرات بينهن، والقلق يختلط بالعجز ، بينما تراجعت ليلة وتبعتها نغم إلى المطبخ،

وبلعت وهيبه غصة مدبب في حلقها، وهمست: لاه… الغالي طلبوا في المصنع من هبابه… أكده… فيه أشكال ومش خبرين يحلوه..

نظرت لها هنيه بدهشة مشوبة بالاستنكار وهتفت :اباي… حتى وهو عريس… مش مهملونه؟

ربتت فاطمة على منكبها وغمغمت بدموع حبيسه: دلوق… يعاود يا خيتي… اطلعي… اطمني على إيمان لحد ما يعاود الغالي..

أومأت هنيه برأسها، وصعدت الدرج بخطوات متوترة، وهتفت : لو چيه… وأنا فوج… شيعيلي حد عشان اندلي يا بت عمي..

أومأت فاطمة بتوتر وقالت : حاضر.

وصلت وهيبه، وخلفها هنيه، إلى جناح فارس. طرقت وهيبه الباب، وهمست بصوت مبحوح: افتحي يا إيمان… أمك بدها تطمن عليكي..

في الداخل،

أغلقت إيمان الستار بيد مرتجفة، ومسحت دموعها بكف لا يكف عن الارتعاش، كأن الدموع أثقل من أن تمحى.

تحركت نحو الباب، فتحته ببطء، وارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة، مرتجفة، مصطنعة حد الألم، وقالت بصوت مكسور:صباح الخير يا يما.

ردت وهيبة وهنيه معًا: صباح الخير يا عروسة…

لم تحتمل إيمان التمثيل أكثر. انطفأت الابتسامة، وانكسرت عيناها، ونظرت إلى والدتها بعينين خمدت فيهما الحياة، وهمست باكية: أما…

تقدمت هنيه بخطوات مرتجفة، قلبها يكاد يتوقف رعبا، واحتضنت ابنتها بحنان فطري، وقالت بصوت يختنق بالخوف: مالك يا بتي؟ إيه جرالك؟ انتي زينة؟

هزت إيمان رأسها بعنف داخل حضن أمها، وانفجر نحيبها، وهمست بصوت متقطع موجوع:لا يا يما… لا… مجهوره جوي… كنت مفكرة حالي أجدر أستحمل رفضه، حتى لو رفضني مية مرة… بس من أول مرة جلبي اتحرج يا يما…

رفعت هنيه رأسها ونظرت إلى وهيبة بدهشة مشوبة بالذعر وهتفت : كيف يعني يا خيتي؟

نكست وهيبة رأسها، وانهمرت دموعها كالمطر، وهمست بصوت مبحوح مكسور: جهرنا الغالي يا خيتي…

تجمدت هنيه في مكانها، عيناها اتسعتا بذهول غاضب، مدت يدها ورفعت وجه إيمان، ونظرت إليها نظرة اختلط فيها الحنق بالصدمة، وهتفت: كيف رفضك؟ وكيف أبوكي عاود بسترتك؟ ضحكتي على أبوكي يا بت أبوكي؟!

هزت إيمان رأسها بعنف، وصاحت باكية: لا يا يما… أنا ضحكت على حالي!

قبضت هنيه على ذراعيها بعنف، وهزتها وقد انفجر غضبها المكبوت:كيف؟ فهميني! جندلتي إيه في حالك يا بت؟!

أسرعت وهيبة، وسحبت إيمان من بين يدي والدتها، وضمتها إلى صدرها، وقالت بصوت متحشرج موجوع، تفيض منه الدموع: بكفياكي يا خيتي… بتك زينة البنته …والداية هي اللي فضتها..

اتسعت عينا هنيه بذهول ممزوج بالغضب، لطمت وجنتيها بحزن مرير، ثم ضربت رأسها بكفيها كمن أصابه الجنون، وصاحت بحرقة: يا مراري! يا مراري !!
داية كيف؟ وچوزها هملها؟ تخيب أملي فيها وتعمل إكده؟ كيف؟!

وسقط الصمت بعدها ثقيلاً، كأن الجناح كله ينوح، وكأن الفرح الذي دخل السرايا بالأمس قد انقلب مأتم مكتوم، لا يسمعه أحد… سوى القلوب المكسورة.

غمغمت إيمان بصوت مكسور، متصدع من الداخل، وكأن كل حرف يخرج من حلقها يثقل صدرها: أنا كت بدي أحطه في أمر واجع… بس هو هملني… كيف ما بدي… وأنا صممت… والغالي حذرني..

صاحت هنيه بدهشة ممزوجة بالغضب، وحاولت سحب إيمان من بين ذراعي وهيبه:وضيعتي كل حاچة يا بت المدبوبة… رخصتي حالك… كأنك شوية تراب على مداسه… ليه يا بتي؟!

تراجعت إيمان، جسدها يرتجف برعب، وتمسكت وهيبه بذراع هنيه، دموعها تنهمر بلا توقف، وهمست بكفها المرتجف:كفاياكي يا خيتي… البت فيها اللي مكفيها..

صاحت هنيه، وهي تدفع يد وهيبه بغضب يكاد يحرق كل شيء:اللي فيها عملتها… اللي عملتها بيدها! ليه يا وهيبه؟ كيف تهمليها؟ تضيع حالها… أكده لو بتك كنت هملتيها… تخيب حالها!

هزت وهيبه رأسها بالنفي، ودموعها تتساقط كالمطر على وجنتيها،

وهمست إيمان بصوت مكسور، يخرجه الوجع وحده: أنا اللي جولت لي مرت عمي… وأنا اللي فكرت… مرت عمي ملهاش صالح… يا يما..

تجمدت ملامح هنيه، عيناها تتسعان بدهشة وغضب، وهدرت بغضب يكاد يهز الجدران: هجولك كلمة واحدة… الراجل عمره ما هيبص للي هترخص حالها… هيخاف على ولده منك تكون أمهم رخيصة!

نظرت لها وهيبه وإيمان، دموعهن تتدفق بلا توقف، لكن هنيه انصرفت من أمامهم، بخطوات سريعة، غاضبة، وكأن الأرض تحت أقدامها تئن من غضبها، تاركة الغرفة مشحونة بالصمت الممزق والوجع المكبوت.
……
في منزل سلام الكاتب،

دلفت ليلى ومعها بدر، وقلوبها ينبض بسعادة خافتة لكنها حقيقية. استقبلتها والدتها ببهجة تغمرها الدموع: نورتوا الدار يا بتي… نورت يا بدر.

احتضنتها ليلة بسعادة متوهجة، وهمست: اتوحشتكم جوي يا يما..

أومأ بدر برأسه مبتسم ، صوته يحمل دفء : دي نورك يا خاله.

ربتت شهيه على ظهر ليلة بحنان، وابتسامتها تشق وجهها : وأنا اتوحشتك جوي… أخيرًا يا بدر… خليتها تيچي.

ابتسم بدر بتوتر، دم قلبه يغلي بخوف المكبوتة: لو على حج ربنا… أنا ليا فيها… تمنتاشر سنة… كيف ما جعدت عندكم… وبعدها نجسموا..

ضحكوا جميعًا، لحظة فرح صافية، لكن سرعان ما انقطع الفرح حين خرج سلام من إحدى الغرف، صوته الحاد يملأ المكان: بلاش نتحدتوا بحج ربنا… هتطلع خسران يا ولد الأنصاري!

نظر له بدر بعينين مشحونتين بالغضب والحنق وهتف : بعون الله… مش هخسر يا عمي… أنا عشمان في ربنا.

قطعت ليله تلك النظرات النارية، وركضت نحو سلام، احتضنته بحنان ودفء، وقالت بلهفة: كيفك يا أبوي… وحشتني جوي..

ضمها سلام إلى صدره، وانهارت حدته التي كانت في عينيه، وهمس بصوت متحشرج: كيفك يا بتي… مع العالم المعفرت ديه؟

نظرت له ليله بحزن عميق، هامسة: أمانة يا أبوي… متجطمش في بدر… هو فيه اللي يكفيه… لأجل خاطري..

نظر لها سلام بحدة مختلطة بالحنق، وغمغم: هانت يا بتي… كلاتهم أربع خمس شهور ، ونفضوا من بعض!!

ثم انصرف مسرعًا، كأن الدنيا كلها تضغط على صدره.
تجمدت ليله، صدمة تلتهم قدميها، وخنجر ألم مكتوم يغرس في قلبها.

اقتربت شهيه بدهشة، صوتها مشحون بالقلق وقالت : إيه… بناتكم… سر إياك؟! ما تهملها يا راچل… فاكرها لسه بتك صغيرة؟ دلوق ما شاء الله… چوزها يغير..

أشار سلام بيده بلا مبالاة، وغمغم باستفزاز: مش عاچبه… يطلجها…

طحن بدر فكيه بغضب، وصكت شهيه صدرها من صدمتها، ثم هتفت: وه تفها… جبل ما توصل يا راچل… الشر بره وبعيد!

مدت يدها، سحبت ليله من ذراعها برفق، وربتت على ظهرها بحنان، وهمست بصوت دافئ محمل بالحب: ربنا يكفيكم شر العين… ويچعل له ليكي چوز العمر كلاته…
يا بتي..

نظرت ليله إلى بدر نظرة امتلأت بكل ما في قلبها من حب ويقين، وقالت بصوت ثابت رغم ارتجافه:يارب يا يما… والله لو رچالة الدنيا كلهم في كفة، وبدر في كفة… كفة بدر ترچح عندي يا يما..

تأملها بدر طويلًا، بعينين مثقلتين بالحزن، كأن قلبه يعتذر قبل لسانه، ثم قال بهدوء موجوع:خليكي يا جلبي مع ناسك النهرده… وهچيلك في العشية..

هزت ليله رأسها بعناد، وتشبثت بذراعه، كأنها تخشى أن يفلت منها العمر كله.
هتفت شهية بدهشة صادقة: إباي كيف يا ولدي؟ دانا من صبحية ربنا واجفة على الطبيخ، وعملتلك كل الوكل اللي تحبه!

هز بدر رأسه نفيًا، وتمتم بصوت خافت يقطر وجعًا:
ماليش نفس والله يا خاله!

ازدادت قبضة ليله على ذراعه، وهمست بصوت مخنوق كأن الدموع تحته تنتظر الإذن: بدر… لو هتمشي خدني معاك… ما هاجعدش من غيرك ولا دجيجة..

وقبل أن يرد، دلف صهيب وصابر بخطوات سريعة، وصاح صهيب بفرح صادق:والله ما صدجت عيني لما وعيت العربية بره! حبيبي يا أبو الصحاب!

ارتسمت على شفتي بدر ابتسامة حزينة، واحتضنه مرددًا:حبيبي… كيفك؟

شده صهيب بقوة، كأنه يحاول أن يربت على قلبه لا على كتفيه، وقال بحزن: كله تمام يا صاحبي… كله هيبجى تمام..

اقترب صابر واحتضن بدر قائلًا بمزاح: كيفك يا أبو نسب؟

ربت بدر على منكبه مبتسم بتعب: كيفك يا صاحبي..

أومأ صابر ضاحكًا:زي الفل… إنتو كيفكم؟ هو اللي يتچوز يعتزل الخلج كده يا أبو الصحاب؟

ثم اقترب من ليله وضمها بقوة وهتف: دانا نسيت شكل أختي يا چدع!

ضحكت ليله واحتضنته بحب وقالت : كيفك يا أخوي؟
ربت على كتفها بحنان:طيب يا ليلة… انتي كيفك؟

سحبها صهيب فجأة ولفها بين ذراعيه وهتف: لا كيف البدر أهي!

تعالت الضحكات، حاولت أن تخفف ثقل الجو، لكن بدر شد ليلة إليه، فأفلتت نفسها من بينهما وهتف بنزق ممزوج بالغيرة :ما خلاص يابوي ! إنت وهو… هو مال سايب؟!

وضاعت الضحكة في الهواء، بينما القلوب تعرف أن الفرح هنا… مؤقت، كاستراحة قصيرة قبل معركة أطول.

كأن الضحكة محاولة يائسة لطرد شيء ثقيل يخيم فوق الرؤوس.
وفي تلك اللحظة خرجت دلال، وارتفع صوتها بالترحاب، يشق الجو المشحون شق هش: يا مرحبا بالعرسان… يلا الغدي هيبرد..

أشارت شهية بيدها، وقد اعتلت نبرتها حرارة الأم وقلقها:
يلا يا بتي… يلا يا بدر يا ولدي.

تحرك الجميع نحو غرفة الطعام، وجلسوا حول المائدة في مشهد يبدو حميمي من الخارج، لكن تحته نار مكتومة، توشك أن تجد منفذًا.

الوجوه مبتسمة، غير أن العيون وحدها كانت صادقة… متحفزة، مترقبة، متوجسة.

مدت شهية يدها، سحبت طبق بدر، وراحت تضع فيه من كل صنف، وكأنها تحاول أن تغرقه بالطعام، وهتفت بفخر محبب:الصحن ديه بيدي لازمن… تاكله كله يا ولدي.. بالف هنا علي بدنك يا ولدي..

نظر بدر إلى الطبق بدهشة حقيقية، وقال: كفايه يا خالة… كتير جوي..

رفعت شهية حاجبيها في استنكار صادق وهتفت :وينه الكتير؟ دول چوز حمام، وحتتين لحمه صغيرين، وحتة من الديك الرومي.

كتم بدر وصهيب وصابر ضحكاتهم بصعوبة، وقال بدر وهو يهز رأسه:كل ديه ومش كتير؟

ضحك صهيب، مال عليه وهمس بصوت عابث يخفي قلق: هتنفجر من التخزين يا حزين..

لكزه بدر بمرفقه، وغمغم بغيظ مكتوم :مبلاش انت… تاني، مستغني عنيه إياك؟!

أشار له صهيب بالصمت، وهو يكتم ضحكته، لكن التوتر لم يغادر ملامحه.

في تلك اللحظة، بدأت ليله تفصص الحمام، وتطعمه لبدر بيد مفعمة بالحب، كأنها تحاول أن تقيم جدار صغير حولهما، يحميهما من العالم كله…

نظر إليها بدر، وفي عينيه امتنان موجوع، وانحنى هامس في أذنها بحنو ثقيل:سبحان من صبرني على أبوكي!

نظرت إليه برجاء صادق، وهمست:حجك عليا… مش هاجولك آچي تاني أبدًا..

أمسك يدها، وقبل باطنها برفق بالغ، وقال بصوت خافت كالوعد:متكدريش حالك… أنا أتحمل عشانك..

لكن الجملة انكسرت قبل أن تكتمل، حين اخترق صوت سلام المكان، حاد ، جاف، مشبع بالرفض:هو حلي حب الكفوف على الوكل دلوق؟

رفع بدر حاجبه بغضب مكبوت، غضب اعتاد أن يبتلعه، بينما تشبثت ليله بيده، وارتجفت أصابعها كأنها تستجديه الصبر…

انفجرت شهية، وقد طفح كيلها من القسوة المعلنة:
إباي! مالكش صالح بيهم… حجك تفرح الراچل شيلها على راسه! بدك أكتر من كده ايه يا راچل؟

رمقها سلام بنظرة قاطعة، وقال ببرود جارح: مالكيش صالح يا وليه..

تجمد الجو، وكأن الهواء نفسه انحبس في الصدور، قبل أن يقطعه دخول مروان الخولي، ابن أخت سلام، بصوته الهادئ: السلام عليكم يا چماعه..

نهض صابر مرحبًا: يا مرحب يا مروان… تعالي..

وأشار له سلام بترحابٍ مبالغ فيه، يخفي ما تحته: تعالي يا ولدي… لا سلام على طعام. اجعد..

لوح مروان بيده مبتسم وقال: لا يا خال… أنا كلت..

لكن شهية لم تتركه وهتفت : كيف يا ولدي؟ اجعد… اجعد.

جلس مروان، وعيناه تلمعان بنظرة خبيثة، متلصصة، استقرت على ليلة في صمت محسوب.

لم يلحظ أحد… سوى بدر.
رفع بدر عينيه فجأة، فاصطدم عينيه المشتعلة وكأنه وحش حان وقت انقضاضه ، بنظرة مروان، فخفض مروان بصره سريعًا وقلبه يرتجف برعب وقال: كـ كيفك يا بدر؟

ثبت بدر عينيه عليها ، بنظره غاضبه ، حاده ، وصوته خرج يشق الهواء: ملكش صالح ، خليك ف حالك !

نظرت له ليلة بدهشة ، التفت مروان إلى ليلى، وغمغم بصوت مرتجف:كيفك يا بت خالي؟

ردت ليلة، وهي تضم ذراع بدر بكلتا يديها، وكأنها تعلن انتماءها بلا كلمات وقالت : زينة جوي يا ولد عمتي..

ابتسم بدر رغم القهر الذي يعصر صدره، وربت على وجنتها بحنان صامت، حنان رجل يعرف أنه يحارب وحده… ونظر الي مروان بحده قاتله …

راقبهم مروان بنظرة تحمل تهكم مقيت، وهمس لنفسه:
ديه ساحرالها أكيد!

أما سلام، فكان ينظر إليهم جميعًا بعينين تقدحان نارًا، لكنه لزم الصمت…

صمت لم يكن هدوء، بل وعد بعاصفة قادمة.
وظل الجو مشحون…غضب مكبوت، غيرة حارقه،
وتوتر يكبر بصمت،
كوحش ينتظر اللحظة المناسبة لينقض.

……..
أمام المستشفى،
وقف فارس بعد أن أفاق من إغمائه، جسده مستقيم لكن روحه كانت محنية تحت ثقل لا يرى…

لم تتحرك عيناه عن باب المستشفى، يحدق فيه بإصرار موجوع، كأن خلفه شيء عزيز يتألم، شيء لو صرخ لن يحتمله قلبه…

أنفاسه كانت ثقيلة، تخرج بصعوبة، وصدره يعلو ويهبط كأنه يصارع غرق بطيئ…

في عينيه قلق متوحش، وفي قلبه غليان حزن مكتوم، حزن لا يجد طريقه للخروج، فيرتد رجفة في الجسد، وارتعاش في الأطراف.

وفجأة…
تبدل الهواء من حوله.
صار أبرد، قاسي، كأن إبرا دقيقة تنغرز في جلده واحدة تلو الأخرى.

رفع رأسه بدهشة، واستدار حول نفسه، يبحث عن تفسير،
وفي اللحظة التالية… تجمدت عيناه.

كانت تقف أمامه.
تشبه فتاة جميلة، لكن جمالها باهت، منسحب من الحياة، كأنها طيف تشكل من أنفاس معلقة في الفراغ.
لم تكن ثابتة تمامًا، ولا غائبة، شيء بينهما يربك النظر ويخنق العقل…

مالت فينوار رأسها قليلًا، وارتسمت على شفتيها ابتسامة خافتة، ثم همست دون أن تتحرك شفتاها: تعالي يا فارس.

اتسعت عيناه بذهول.
سمع صوتها بوضوح، اخترق رأسه مباشرة، ومع ذلك لم تتحرك شفتاها قط.

تأملها مذهولًا، نظر إلى فستانها الأبيض الطويل، الذي يشبه الريشات المتداخلة، ولاحظ فجأة أنه لا يرى
قدميها….كانت واقفة على الهواء.

تحركت فينوار، وبلا وعي منه، تحرك فارس خلفها.
كأن الحزن الذي يثقله وجد أخيرًا اتجاهًا يسير فيه…

طافت فينوار في الهواء، وفارس يركض خلفها، أنفاسه تتلاحق، وقلبه يدق بعنف، لا خوف فقط… بل من ثقل ما يحمله في صدره منذ ساعات…

كان يركض وكأنه يهرب من وجعه، أو يسير نحوه.
حتى وصلت إلى مكان خالي، مكفهر، كأن الحياة نزعت منه منذ زمن…

توقفت، وهبطت ببطء، وقد لامست قدماها الأرض أخيرًا.
اقترب منها فارس، ووقف أمامها، بلع لعابه بتوتر، ومد يده نحوها بتردد، بحث عن شيء يمسك به… أي شيء.
لكن يده اخترقت الهواء…

شهق بعنف، وسحب يده للخلف، وتراجع خطوة، وصوته خرج متحشرج، منكسر: انتي إيه…؟

وسقط السؤال بينهما، مثقل بحزن لم ينطق…
ومفتوح على ما هو أسوأ.

ابتسمت فينوار ابتسامة رقيقة لا تطمئن، وقالت بصوت هادئ يحمل في طبقاته ظلال لا ترى: أنا فينوار… بنت أورمانتيس، ملك قوم الناراسين..

ما إن نطقت الاسم حتى تغير الهواء حولهما…

قطب فارس حاجبيه، وتراجع خطوة، كأن اللفظ وحده دفع قلبه إلى الخلف.

الرهبة ارتسمت واضحة في عينيه، وخرج صوته متكسر :
ملك… قوم الناراسين؟

هز رأسه بعنف.وغمغم : كيف؟ مش فاهم.

اقتربت فينوار نصف خطوة، فارتد فارس فورًا للخلف ، كأن المسافة بينهما حد لا يجوز تجاوزه.

هزت رأسها بالنفي، وابتسامتها بقيت ثابتة، غامضة.
مش ضروري تفهم يا فارس… الضروري إنك تعرف إني معاك…

وسكتت لحظة، ثم قالت بثقل: وبحاول أساعدك.

تردد، ثم تقدم هذه المرة، لهفة غريق دفعت جسده قبل عقله، وصوته خرج متشبث : هتساعديني كيف؟

رفعت يدها، ودارت بها حركة بطيئة، فانشق الهواء بصوت خافت، وتكونت نافذة معلقة، يتراقص ضوؤها بقلق.

داخلها ظهرت حبيبة، راقدة على سريرها الأبيض، ساكنة أكثر مما ينبغي، كأن النوم ثقل يضغط على روحها.

اتسعت عينا فارس، واندفع خطوة، مد يده بشوق مفجوع…

لكن أصابعه اصطدمت ببرودة قاسية، لا جسد فيها.
رفع رأسه، عيناه اشتعلتا كالجمر، وصوته انفجر من صدره: حبيبة! ليه مينفعش المسها؟ ليه مش جادر أطمن عليها؟!

أومأت فينوار ببطء، وصوتها صار أخفض، كأنها تخشى أن يسمعه المكان نفسه: هخليك تشوفها…وهخليك تدخل عنديها.

ثم شددت بنبرة لا تقبل جدال: بس اسمعني.

زفر بمرارة، وكأن النفس يجرحه، وقال: سامعك.

حركت يدها الأخرى، فانطفأت النافذة، وحلت مكانها هالة داكنة، يظهر داخلها مكان موحش، أرض سوداء، فراغ خانق، وظلال تتحرك بلا مصدر.

قالت وهي تشير: واعي المكان ديه؟!

حدق فارس فيه، قطب ملامحه باشمئزاز ورعب وغمغم : ماله؟
قالها بتحفظ: أول مرة أوعه للمكان ديه.

أومأت فينوار، وعيناها لم تتركا الهالة. إنت بدك تفك اللعنة… صح؟

رفع رأسه بعنف، ولهفته كانت مشوبة بغضب يوشك أن ينفجر: أيوه!

ثم هدر بها: بأي تمن.

نظرت إليه طويلًا، كأنها تقيس مدى تحمله، ثم قالت بهدوء قاتل: حتى لو التمن… ممكن يوصل لحد روحك؟

لم يتردد لحظة.وهتف : لو روحي أنا، ميهمش.
ثم قالها بحد قاطع: بس مش روح حبيبة.

أومأت فينوار، غير أن الظل في عينيها ازداد عمق..وقالت مش روح حبيبة يا فارس… روحك إنت… وأنا…

سكتت لحظة، ثم نطقت الاسم ببطء ثقيل: وچني تاني من الچن الأحمر… اسمه قرماس…. هنتربط ببعض.

تجمد…فارس والدهشة خنقته، وصوته خرج مرتبكًا:
أنا…
بلع لعابه بصعوبه…وقال : مفهمش حاچة.

نظرت إليه نظرة اخترقت اضطرابه، وقالت بصوت منخفض لكنه نافذ: الفهم مش مطلوب دلوق.. المطلوب إنك تختار.

سكتت لحظة، والهواء صار أثقل…واكملت : عشان من اللحظة اللي تجول فيها موافج.. مفيش رچوع.

وساد الصمت…صمت مشحون،
كأن العالم كله توقف ينتظر كلمة واحدة.

شرد فارس وزفرا انفاس معلقه بصدره كالدخان وقال : موافج!!

رفعت فينوار يدها ببطء شديد، كأن الزمن نفسه اضطر أن يتوقف احترام لتلك الإشارة…

كان السك ملتف حول رسغها كأفعى سوداء نائمة، لا تتحرك، لكنها تبث رعب صامت، رعب لا يرى بل يحس، كأن وجوده خطأ في نسيج العالم…وقالت : السك ديه كان سك عبودية قرماس،

قالتها بصوت خفيض، لكنه وقع في صدر فارس كضربة.
وأنا دمچته فيا… وأنا وقرماس أرواحنا ارتبطوا ببعض.

شعر فارس بأن الهواء حوله صار أثقل، أن صدره يضيق، وأن قلبه لم يعد ينبض بإيقاعه المعتاد، بل كأنه يحاول الهرب من جسده…

حدق فيها بذهول مشوب بالفزع، كأن ما أمامه لم يعد امرأة، بل كيان خرج من حدود الفهم.

تابعت فينوار، وهدوؤها كان أكثر رعب من الصراخ:
في تعويذة يا فارس هنحضرها، ولو نچحنا هتجدر تكسر اللعنة لو جدرت تشربها.

فتح فمه، الكلمات تزاحمت، لكنها رفعت يدها، أوقفته، ونظرتها كانت حاسمة… موجوعة… شاهدة على أشياء لا تحكى… وقالت : أنا بعمل كده عشان أنا شاهدة الظلم.

انكمشت ملامحه، واشتد القهر في عينيه، وصوته خرج مبحوح، متكسر : شاهدة الظلم انتي؟

أومأت برأسها ببطء، وكأنها تقر بحكم لا خلاص منه:
هتفهم كل حاجة في وجتها اللي لازم تعرفه، بس إن في حل يا فارس.

هز رأسه بعنف خافت، الدموع اشتعلت في عينيه دون أن تنزل، وكأن جسده لم يعد يملك رفاهية البكاء.
خرج صوته كاستغاثة أخيرة: صح… كفاية إنه في حل، وأنا هعمل أي حاچة بس تتكسر اللعنة.

اقتربت فينوار، وفي تلك اللحظة شعر بأن شيئًا ما تبدل.
لم يعد وحده….لم يعد غارقًا تمامًا.

كانت ملموسة الآن، وجودها ثقيل، حقيقي، كأنها انتزعت نفسها من عالم آخر بالقوة…

مدت يدها وربتت على منكبه، ولمسة خفيفة عبرت جلده، لكنها حملت معها وجع قديم، وحنان غريب لا ينتمي لهذا العالم…وقالت : بدك تروح لحبيبة؟

رفع رأسه فجأة، عينيه اتسعتا، وصوته خرج مكسور، متلهف، كطفل أُعطي وعد بالحياة وغمغم : ياريت يا فينوار، هموت واطمن عليها.

ابتسمت برقة شاحبة، ابتسامة من يعرف أن الطريق مظلم لكن لا بد من السير فيه.
وضعت يدها على رأسه.

وفي اللحظة نفسها…
انفجر الضوء.

نور أبيض عنيف ابتلع المكان، مزق الظلال، شق الهواء، كأن الواقع نفسه صرخ.
اختفى الصوت… اختفى الخوف… اختفى فارس.

اختفوا….كأنهم لم يكونوا هنا يومًا.

لم يبق سوى المكان الخالي، وبرودة غريبة تسكنه،
ووردة ذابلة سقطت عند موضع أقدام فينوار…
وردة ميتة، لكنها تعرف أكثر مما ينبغي،
وتشهد على بداية عهد…
لن يخرج منه أحد كما دخل.

في غرفة حبيبه، انبثق نور ساطع فجأة، كأنه ثقب في الواقع نفسه، مزق الظلال، وملأ المكان بهالة لا ترى إلا بالأرواح المشحونة بالخوف والحزن…

خرج من النور فارس وفينوار، وقد امتلأ الجو برعشة ثقيلة، الهواء يتقلص حولهما كأنه يختنق، والظل يلتصق بالجدران وكأنها تشهد على لحظة لم يكتب لها مثال من قبل…

نظر فارس حوله، ذهول يلتهم عقله، يضغط على قلبه، يربكه أكثر من أي دموع سابقة، حتى وقع بصره على حبيبه.

ارتجفت يده، وصوته خرج متحشرج، مليئ بالوجع الذي يكاد يذيب الحجر: حبيبه…

اقترب منها ببطء، كل خطوة ثقيلة، مغطاة بشبكة من الذنب والقلق والهلع، كأن الأرض نفسها تحاول أن تثنيه.
جلس بجانبها، شعرها ينير نصف وجهه، كأن الضوء يسخر من الظلام داخله.

مد يده، مسح على وجنتها بحنو قاتل، حنو يزرع الألم والراحة في آن واحد، حتى لو كان الحجر يستطيع البكاء كان سيذرف دموعه معه ..

غمغم، صوته ممزوج بالوجع والاعتراف حبيبه… أنا عارف إنك سمعاني… حبيبة.. وحشتني جوي كل حاچه ماتت بعدك يا بعد روحي ..

انحنى عليها، سند جبينه لجبينها، وانهار كل ما تبقى منه.
وغمغم بصوت مكسور: يا حبيبة… يا حبة جلبي ..
حقك عليا… والله حقك عليا…دأنا جلبي دج علي يدك انتي وبس..

انحبس صوته، وكأن صدره ضاق فجأة عن التنفس.
أخرج السوار من جيبه، نفس السوار الذي اشتراه يوم كان يخطط لعمر معها، لا لخرابها…

ألبسه في معصمها بحنان مرتعش.وغمغم :  أنا ما كنش بدي ولا ناوي آخد جلبك عشان أعذبه…أو أحرجه يا حتة النور…  إنتي اللي خدتي جلبي… العايش… وصحيتي الميت اللي چوايه.

ارتجف وهو ينظر لوجهها الساكن.وهمس بصوت مبحوح:
أنا ما اتچوزتش عشان أنساكي…انا اتچوزت وأنا ميت، وأنا مدفون، وأنا ملعون.

لم يحتمل بعدها….مد ذراعيه، رفعها من فوق السرير كأنها طفلته الضائعة، وضمها إلى صدره بقوة، كأن حياته كلها معلقة بتلك اللحظة… دفن وجهها في تجويف عنقها ،  وهمس بدموع ممزوجة بالقهر : وحياتك عندي… ما في جنس مره لمست صدري غيرك… ولا روح سكنت فيا غير روحك… أنا نفسي اجفل عليكي جلبي وعيني وحضني لآخر دجيجه في عمري..

وفجأة…تحركت.
ارتجفت أصابع حبيبة ببطء، كأن الروح تحاول الرجوع من مكان بعيد…

فتحت عينيها نصف فتحة، مشوشة، ضائعة…
وجدت نفسها بين ذراعيه.
رفعت ذراعيها بتلقائية، التفتا حوله، ودفنت وجهها في صدره.

لحظة…ثانية…
شهق فارس، كأن قلبه عاد يدق بعد سكتة طويلة وغمغم بصوت متحشرج موجوع:  حبيبة.. يا حبة جلبي… أنا هنه… ردي عليا احب علي يدك..

لكن الذكريات…انهالت فجأة…..كلماته في المكتب.
ظهره وهو يبتعد. صوته: ملناش نصيب في بعض..

خبر زواجه.
صوت موسى: اتعفيت على عروستك لحد ما جبتلها نزيف … ديه شكله حب جديم..

صرخت فجأة، صرخة خرجت من مكان أعمق من الصوت، كأن صدرها انشق نصفين:إنت چاي ليه؟!
چاي تتفرچ عليا وأنا بتكسر؟

نظرت له ويمتزج البكاء والضحك في نفس اللحظة، ضحكة مخيفة، مكسورة:وعيلي؟ دي النتيچة… دي آخرك معايا.
رفع يده وحاول الاقتراب ودموع تنهمر بقهر يشق القلب، فصرخت….صرخة مزقت الغرفة :لااااااا! بعد عني! بعد!

بدأت تدفعه بجنون، تضرب صدره، كتفيه، وهي تصرخ بانهيار: إنت هملتني! هملتني للموت!  دخلت حياتي ليه؟! حبتني ليه؟! ليه خلتني أحبك وبعدين اتچوزت غيري؟!

شدها فارس بقوة إلى صدره، وحاول تهدئتها وهي تنتفض بين ذراعيه.وهدر :  اسمعيني!  وحياة اللي بينا اسمعيني!

صرخت ،وهي تبكي كطفلة مكسورة ،وضربت صدرها بقبضتها بجنون : هنا كان في جلب… إنت موته! أنا كت معاك! وجفت جصاد الدنيا!جصاد ابوي  وإنت اخترت غيري!

انفجر صوته هو الآخر: أنا ملعون!  فاهمة يعني إيه ملعون؟! أنا وأهلي لعنة ماشية على رچلين!  خفت تمسكك… خفت أدمرك معايا! حياتك كانت فى خطر…

نظرت له بعيون دامية، وصرخت بقهر يذبح: وانت وعيلي زينه وطيبه دلوق انت ليه هملتني أتحرج وحدي!

ارتعش صوته وهو يضم رأسها إلى صدره: كنت مفكر وچعي أهون من وچعك… طلعت غلطان…

بكت، شهقت، ثم صرخت بصوت مكسور وهي تدفعه : بعد! بعد! إنت ريحتك بتوجعني ، انت غدار يافارس،  إنت كسرتني … كسرت حاچة مش هترچع.

أغمض عينيه، وكأن الكلمات حكم إعدام وغمغم  :  لو الزمن يرچع… كنت هختارك حتى لو النار مصيرنا.

شهقت شهقة طويلة، أنفاسها متقطعة كالغريق وصاحت :
ليه صوتك في دماغي… كل يوم!
وأنا نايمة… وأنا صاحيه… حتى وأنا بموت!

مد يده يحاول ضمها لكنه توقف علي صوت فتح الباب

ووووووووووووووووووووووو

توقعتكم ياسكاكرررررر

ساحره القلم ساره احمد

4 290 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
399 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
Salma said
Salma said
29 أيام

❤️❤️❤️

Yomna
Yomna
29 أيام
ردّ على  Salma said

♥️♥️

Aya
Aya
29 أيام
ردّ على  Salma said

❤️❤️❤️❤️❤️❤️

Nedaa
Nedaa
29 أيام

حبيبتي تسلم الايادي اكيد تحفة بدون ما أقرا مشاءالله البارت طويل جدا ❤️❤️

Yomna
Yomna
29 أيام
ردّ على  Nedaa

تسلمي ي قلبي ♥️

Samar
Samar
29 أيام

اخيرا وحشتنا ي عم فارس ♥️

Yomna
Yomna
29 أيام
ردّ على  Samar

حصل وحشنا والله♥️

ام انس
ام انس
29 أيام

تسلم ايدك 😘😘مقدما

Yomna
Yomna
29 أيام
ردّ على  ام انس

تسلمي ي حبيبتي ♥️

Marwa Saber
Marwa Saber
29 أيام

تحفة كالعادة تسلم ايدك ياقمر ❤️

Yomna
Yomna
29 أيام
ردّ على  Marwa Saber

تسلمي ي قلبي ♥️

Monaضيف
Monaضيف
29 أيام

❤️❤️❤️❤️

Yomna
Yomna
29 أيام
ردّ على  Monaضيف

♥️

Zahra
Zahra
29 أيام

تحفه كلمه قليله علي البارت ♥️♥️♥️

Yomna
Yomna
29 أيام
ردّ على  Zahra

تسلمي ي قلبي ♥️

Imen kraoua
Imen kraoua
29 أيام

يا مرحب بالغاليين ♥️
وحشتونا أوي 🥹♥️

Yomna
Yomna
29 أيام
ردّ على  Imen kraoua

اوي والله❤️

Imen kraoua
Imen kraoua
29 أيام

عايزين تفاعل كتيير يليق بالعودة

Yomna
Yomna
29 أيام
ردّ على  Imen kraoua

ياريت❤️❤️❤️

Imen kraoua
Imen kraoua
29 أيام

أروح أقرأ و أرجع 💙
تسلم ايديكي مقدما يا سارة من قبل ما أقرأ 🔥♥️

Yomna
Yomna
29 أيام
ردّ على  Imen kraoua

تسلمي ي قلبي ♥️

شمس محمد
شمس محمد
29 أيام

تجنن ياقمر❤️❤️❤️

Yomna
Yomna
29 أيام
ردّ على  شمس محمد

تسلمي ي قلبي ♥️

Princess soma
Princess soma
29 أيام

الله ع الحلاوة

Yomna
Yomna
29 أيام
ردّ على  Princess soma

تسلمي ي قلبي ♥️

انين
انين
29 أيام

روعه تسلم ايدك ياقلبي

Yomna
Yomna
29 أيام
ردّ على  انين

تسلمي ي قلبي ♥️

Doha
Doha
29 أيام

دماااااااااار 🔥🔥🔥🔥🔥🔥

Yomna
Yomna
29 أيام
ردّ على  Doha

شااامل🔥

Asmaa Ezz
Asmaa Ezz
29 أيام

توقعات أيه انتي فاقتي التوقعات ياساره بجد

Yomna
Yomna
29 أيام
ردّ على  Asmaa Ezz

تسلمي ي قلبي ♥️

لميا
لميا
29 أيام

اخيرااا البارت نزل واخيراااا اللعنه هتتحل كفاية وجع قلب بقي ياسااارة تعبوا اوووي ياعيني

Yomna
Yomna
29 أيام
ردّ على  لميا

حصل والله 🥹

Aya Elsalseily
Aya Elsalseily
29 أيام

ايه الحلاوه دي

Yomna
Yomna
29 أيام
ردّ على  Aya Elsalseily

تسلمي ي قلبي ♥️

Aya Elsalseily
Aya Elsalseily
29 أيام

تسلم ايدك حبيبتي

Yomna
Yomna
29 أيام
ردّ على  Aya Elsalseily

تسلمي ي قلبي ♥️

ام تسنيم
ام تسنيم
29 أيام

عااااا لا توقع معاكي ياساره 🙆‍♀️🙆‍♀️🙆‍♀️

Yomna
Yomna
29 أيام
ردّ على  ام تسنيم

تسلمي ي قلبي ♥️

ام تسنيم
ام تسنيم
29 أيام

البارت رائع وممميز

Yomna
Yomna
29 أيام
ردّ على  ام تسنيم

تسلمي ي قلبي ♥️

ام مريم
ام مريم
29 أيام

تحفه البارت جمداااااان ياحبيبتي تسلم ايدك

Yomna
Yomna
29 أيام
ردّ على  ام مريم

تسلمي ي حبيبتي ♥️

لولي
لولي
29 أيام

خطييييير

Yomna
Yomna
29 أيام
ردّ على  لولي

تسلمي ي قلبي ♥️

Mero❤️
Mero❤️
29 أيام

ايه الجمال دا 🥰

Yomna
Yomna
29 أيام
ردّ على  Mero❤️

تسلمي ي قلبي ♥️

Arwa Ahmad
Arwa Ahmad
29 أيام

❤️❤️❤️

Yomna
Yomna
29 أيام
ردّ على  Arwa Ahmad

♥️

Esraa
Esraa
29 أيام

روعة بجد 🥰🔥

Yomna
Yomna
29 أيام
ردّ على  Esraa

تسلمي ي قلبي ♥️

ضيف
ضيف
29 أيام

اخيراااااا
وحشونا جداااا

Yomna
Yomna
29 أيام
ردّ على  ضيف

لقد هرمنا♥️

ام عمار
ام عمار
29 أيام

رووووووعة ❤️
بس يا تري ايه الي هيحصل لفارس عشان يفك اللعنة وهل هيتحمل الي هيحصل

Yomna
Yomna
29 أيام
ردّ على  ام عمار

هنشوف الأحداث مع بعض ♥️

Eman
Eman
29 أيام

جميلة اوووووووى تسلم ايدك يا ساحرة القلم ابداع ♥️♥️♥️ والبارت تحفة

Yomna
Yomna
29 أيام
ردّ على  Eman

تسلمي ي قلبي ♥️

ضيف
ضيف
29 أيام

جاااامده❤️❤️

Yomna
Yomna
29 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي ي قلبي ♥️

ضيف
ضيف
29 أيام

جميل

Yomna
Yomna
29 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي ي قلبي ♥️

نجلاء الشيخ
نجلاء الشيخ
29 أيام

وحشتينا يقلبى +إن البارت روعة تسلم ايدك

Yomna
Yomna
29 أيام
ردّ على  نجلاء الشيخ

تسلمي ي قلبي ♥️

Rawan Yasser
Rawan Yasser
29 أيام

تسلم ايدك يا سارة ❤️❤️

Yomna
Yomna
29 أيام
ردّ على  Rawan Yasser

تسلمي ي قلبي ♥️

Sama
Sama
29 أيام

تسلم ايدك ي قلبي ♥️♥️♥️

Yomna
Yomna
29 أيام
ردّ على  Sama

تسلمي ي قلبي ♥️

ضيف
ضيف
29 أيام

تحفة تحفة تحفة تحفة تحفة

Yomna
Yomna
29 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي ي قلبي ♥️

sooma
sooma
29 أيام

البارت روعه اقسم بالله

Yomna
Yomna
29 أيام
ردّ على  sooma

تسلمي ي قلبي ♥️

Dida
Dida
29 أيام

روعه يا ساحره

Yomna
Yomna
29 أيام
ردّ على  Dida

تسلمي ي قلبي ♥️

ضيف
ضيف
29 أيام

ايه الاحساس دا انا عشت معاهم في الرواية و الله عظمه بجد تسلمي يا حببتي

Yomna
Yomna
29 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي ي حبيبتي

ضيف
ضيف
29 أيام

بارت روعه خطير ما فيش في جماله

ضيف
ضيف
29 أيام

💓💓

Yomna
Yomna
29 أيام
ردّ على  ضيف

♥️

Hanaa
Hanaa
29 أيام

رووعه

Yomna
Yomna
29 أيام
ردّ على  Hanaa

تسلمي ي حبيبتي ♥️

aseel basam
aseel basam
29 أيام

تسلم ايدك روعة

Yomna
Yomna
29 أيام
ردّ على  aseel basam

تسلمي ي قلبي ♥️

رحاب احمد
رحاب احمد
29 أيام

تحفه تسلم ايدك

Yomna
Yomna
29 أيام
ردّ على  رحاب احمد

تسلمي ي قلبي ♥️

ضيف
ضيف
29 أيام

روعة

Yomna
Yomna
29 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي ي قلبي 💗💗

ضيف
ضيف
29 أيام

الاحساس فاق التوقعات 💖

Yomna
Yomna
29 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي ي قلبي ♥️

Shosha
Shosha
29 أيام

تسلم ايدك ياقمريا انتي

Yomna
Yomna
29 أيام
ردّ على  Shosha

تسلمي ي قمر♥️

ضيف
ضيف
29 أيام

رائع ❤️❤️❤️

Yomna
Yomna
29 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي ي حبيبتي ♥️

Marnona
Marnona
29 أيام

تحفه ايه العظمه دى 😍😍🤍🤍🤍

Yomna
Yomna
29 أيام
ردّ على  Marnona

تسلمي ي حبيبتي ♥️

ضيف
ضيف
29 أيام

ابداع

Yomna
Yomna
29 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي ي حبيبتي ♥️

عائشة احمد
عائشة احمد
29 أيام

واخيرا اللعنه هتتفك

Yomna
Yomna
29 أيام
ردّ على  عائشة احمد

لقد هرمنا♥️😂

Omar mohamed
Omar mohamed
29 أيام

♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️

Yomna
Yomna
29 أيام
ردّ على  Omar mohamed

♥️