عشق ملعون بالدم(الفصل الواحد وعشرون)
كانا عالقين بين الانكسار والخلاص، بين شغف القلب وندم الروح، بين حنان لا يُحتمل وغضب يكاد يفجر الصمت. كل لمسة بينهما كانت وداعًا مكتومًا، وكل نظرة تتبادلها العيون كانت صرخة صامتة، تحمل في طياتها وجع الفقد المستحيل، وكأن كل لحظة معًا كانت تعد بالأبدية، ثم تنتهي بانفجار صامت يقطع أوتار الروح.
في صمتٍ يكتنفه الخوف، ودموع مكبوتة تسيل بلا صدى، ينبثق أمل هش، يطرق أبواب قلب كل واحد منهما، باحثًا عن سبب للبقاء، عن شعاع يخفف وطأة الانفصال، عن ذرة حياة تتشبث برابط لم يمت بعد. ومع كل كلمة تُهمس بلا صوت، وكل ابتسامة تحاول إخفاء الانكسار، يتجلّى الحزن على شكل صدى يتردد في الأعماق، صدى ذكرياتهم، صدى اللحظات التي صارت جزءًا من العدم.
كان الفراق بينهما كريح عاتية تعصف بالأرواح، تجرفها بعيدًا عن شواطئ الأمان، فتترك قلب كل منهما متهالكًا، يتنفس ألمًا لا يُحتمل، ويبحث في الفراغ عن ظل الآخر، عن وجودٍ يثبت أن الحب لم يمت، رغم أن الجسد غائب، واللمسات قد تبخرت في صمت لا ينتهي.
البارت ٢١
مد يده ليضمها…لكن الحركة ماتت في منتصفها.
صوت فتح الباب شق اللحظة كالساطور…
وفي ومضة خاطفة، كأن الزمن تعثر، ظهرت فينوار من العدم….لم تتكلم.
وضعت يدها على رأس فارس بحسم بارد، وفي اللحظة ذاتها تلاشى من بين ذراعي حبيبه، كأنه لم يكن.
اختفى…
وسقطت الوردة الحمراء الذابلة على السرير مكانه.
صرخة صامتة تجمدت في صدر حبيبه…
جحظت عيناها برعب، راحت تلتفت حولها بجنون، تبحث عن صدر كان يضمها منذ ثانية واحدة فقط…
همست بدموع متكسرة، كمن يتشبث بآخر خيط للعقل: لا… لا… مش هتخيل أنا …كان هنه… والله كان هنه…
انفتح الباب بالكامل.
دلف الطبيب تتبعه الممرضة، وصوته بدا بعيدًا، غريب: الحمد لله… فوقتي.
نظرت إليه حبيبه كما لو كانت تراه للمرة الأولى.
نظرة من خرج توه من كابوس… ليصطدم بواقع أشد رعب ..
توقف الطبيب، دهشته واضحة وهو يرى اتساع عينيها الغير الطبيعي، نظرة مفزوعة، كأنها ترى وحش يهم بابتلاعها…
مال بجذعه، أشار لها بيده وهتف : حبيبه… انتي معايا؟
لكنها لم تسمعه….كانت تلتفت حولها بعصبية، غضب وذهول ممزوجان بالخوف وصاحت : كان هنه!
كان هنه والله!
قطب الطبيب حاجبيه بدهشة ، وغمغم : مين اللي كان هنه يا حبيبه؟
نهضت فجأة، ساقاها ترتجفان بعنف، دارت حول نفسها كمن يبحث عن شيء سقط منه العقل…
انحنت، ونظرت أسفل السرير، وصوتها خرج مبحوح : فارس… وينك؟ كان هنه … أنا متخوتش!!
تقدم الطبيب ومعه الممرضة، صوته يحمل حذر : جومي يا حبيبه…إيه اللي هيجيب فارس تحت السرير؟
حاولت الممرضة مساعدتها على النهوض.
نهضت بصعوبة، جسدها لا يطيعها، كأن الأرض تتحول تحت قدميها إلى جمر… رفعت قدما…
ووقفت بالأخرى… أنفاسها متقطعة، شهقاتها حارقة.
نظر الطبيب إليها بقلق صريح وقال : مالك؟ إيه اللي مانعك توجفي على رجليك؟
هزت رأسها بالنفي، دموعها تنهمر بلا سيطرة وغمغمت بدموع : مقدراش اجف … حاسة إني واجفة على نار…
نار بتلسعني في الأرض …
اقترب الطبيب منها بحزن ظاهر، أمسك بذراعها بحذر، وساعدها على الجلوس فوق السرير، صوته حاول يكون ثابت: اهدي… اهدي يا حبيبه.
ثم التفت سريعًا، أشار إلى الممرضة بحدة مهنية: إبرة مهدئ… بسرعة.
اتسعت عينا حبيبه فجأة، الرعب انفجر فيهما كزجاج مكسور.
هزت رأسها بعنف، حاولت دفعه، التملص من يديه، وصوتها خرج صارخ، يشق القلوب: لااااا! لا! مبديش أنام تاني! فارس هيچيلي في الحلم! وأنا مبديش أوعاله!
لاااا… لااا!
في اللحظة ذاتها، اندفع أمير وعساف إلى الغرفة.
صوت أمير دوى غاضبًا: إوعى! إنت ماسكها كده ليه؟!
تراجع الطبيب خطوة، نظر إليهما بحنق مكتوم وهتف : في إيه؟ أنا بحاول أهديها!
لكن حبيبه كانت قد أفلتت، اندفعت بجسد مرتعش نحو شقيقيها، تشبثت بهما كالغريقة، وصوتها خرج مبحوح ، متوسل: حشوه عني أمانة…مخلوش يديني حجن تاني…
أمانة يا إخوي…
أمسكها أمير وعساف، كل من جهة، كأنهما يحيطانها من عالم يريد ابتلاعها…
ربت أمير على وجنتيها، دموعه تقطر دون خجل، صوته خرج متحشرج ، موجوع: متخفيش يا جلب أخوكي…
محدش هيجي جارِك تاني…والله محدش.
لكن جسدها ظل يرتعش بين أذرعهما،
وبينما الجميع حولها يحاول إعادتها إلى الواقع،
كانت عيناها لا تزالان تبحثان عن رجل اختفى…
وترفضان تصديق أن ما عاشته كان وهما.
لأن قلبها…ما زال يشعر بآثار حضنه.
دلف فوزي وإنعام إلى الغرفة بلهفة امتزجت بالقلق، ملامحهما شاحبة، واعينهم تبحث عن تفسير قبل أن تبحثا عن ابنة.
هتف فوزي بصوت مضطرب: خير يا ولدي؟
لم تنتظر حبيبه إجابة….اندفعت نحوه كأنها تلقى من حافة، تعلقت بعنقه بقوة، ذراعاها تحيطان به كمن وجد طوق النجاة، وصوتها خرج صارخ، مختنق : روحني يا أبوي…مبديش أجعد هنه…الأوضة ديه هتخنقني!
ضمها فوزي بلهفة ممزوجة بالعجز، كأن صدره يحاول أن يكون جدار بينها وبين العالم.
اقتربت إنعام، قبلت منكبها بحنان يشبه الوجع، وبكت: الحمد لله يا بتي…فوجتي… فوجتي.
أومأت حبيبه برأسها، دموعها تنهمر بلا توقف: أيوه…
وأنا بدي أروح.
اقترب الطبيب، صوته هذه المرة حاد، قاطع: اللي بيحصل ديه غلط….حالة حبيبه مش مستقرة، ولازم تكمل علاچها.
هزت رأسها بالنفي بعنف، وكأن الكلمة نفسها تجرحها، ثم انهارت بصراخ حاد مزق الغرفة: لااااا! أنا مش هنام أبدًا!
مبديش أوعاله في الحلم! لااااا!
اقترب عساف بخطوات سريعة، ضمها إلى صدره، يده تمر على شعرها بحنان ثقيل: بس… بس يا حبيبه…
ثم انحنى فجأة، حملها بين ذراعيه.
جسدها كان خفيف على غير المتوقع، كأنها تذوب من الخوف.
تحرك بها نحو الخارج، وصوت شهقاتها يقطع الهواء من حولهم، أنفاس متكسرة، كأنها تخرج من تحت الماء.
تبعه فوزي وإنعام، وجوههما مثقلة بالقلق،
ولحق بهم موسى، الذي كان جالس في الخارج، نهض فورًا، وعيناه تتعلقان بالمشهد كمن يرى خراب يمشي على قدمين.
اقترب أمير من الطبيب بخطوات مترددة، كأن الأرض تسحبه للخلف، وصوته خرج متحشرج: هنروحها البيت…
يمكن تهدى…وممكن حضرتك تيچي البيت؟
أومأ الطبيب ببطء، وفي عينيه يأس ثقيل، ثم غمغم بصوت خافت لكنه كان كالسهم: أختك حالتها حرِچة يا أمير…راعوها زين…
دي خسارة كبيرة لو حصلها حاچة.
تجمد أمير في مكانه….
نظر إليه بدهشة لم تكتمل، كأن عقله يرفض المعنى، وسأل بصوت مرتجف، مبحوح: ممكن يحصل إيه يا دكتور؟
هز الطبيب رأسه بأسف، الكلمات خرجت باردة… قاتلة: ممكن تفكر في الانتحار.
توقفت أنفاس أمير في صدره…كأن أحدهم أغلق الهواء فجأة.
لم يسمع شيئًا بعدها سوى دقات قلبه، عنيفة، مختنقة، تضرب ضلوعه بلا رحمة.
استدار ببطء، نظر إلى ظهر شقيقه وهو يحمل حبيبه بين ذراعيه، جسدها المرتخي، رأسها المسنود علي صدر عساف، وكأنها نصف موجودة… نصف غائبة.
اندفع أمير يركض خلفهم، قلبه يغلي بالقلق،
والخوف ينهش صدره، وفكرة واحدة فقط تلتهمه من الداخل: لا!! مستحيل حبيبه… لا …
وخلفهم…
بقيت الغرفة صامتة،فارغة،
ووردة ذابلة تركت وراءها نار لا تنطفئ.
…
في مكان خارج المستشفى،
انبثق ضوء ساطع فجأة، كأن السماء انشقت عن جرح أبيض، ومن قلبه ظهر فارس وفينوار.
توقف فارس في مكانه، نظر حوله بذهول موجوع، صدره يعلو ويهبط بعنف، ثم هدر بغضب مكبوت: ليه كده؟
أكون بتحدتت معاها… وأختفي من جدامها؟
بدك تخوتيها؟!
أشارت فينوار بيدها بهدوء غريب، كأن الأمر لعبة ظلال: متخافش…أنا بتواصل مع حبيبه، وهي فاكراني صوت ضميرها.
حدق فيها فارس بذهول أعمق وقال : انتي الصوت اللي هيكلم حبيبه فچأة؟وتخليها تتلفت؟
أومأت برأسها بهدوء وقالت : أيوه… أنا.
مرر فارس يده في شعره بعنف، شده حتى كاد يقتلعه من جذوره، وصاح بغليان : الله يجطع اللي دخل ديه!
أكيد دخلوا من صوت صراخ حبيبه!
هزت فينوار رأسها بالنفي، ردت ببرود قاطع: لا…
أنا أصلًا مخلتش صوتها يطلع من الأوضة.
لو صوتها طلع، كانوا دخلوا من أول صرخة…
دي صوتها عالي جوي.
نظر إليها فارس بحنق، الألم في عينيه كان أشد من الغضب وهدر : متجوليش عليها كده…
ابتسمت فينوار بخفوت، ابتسامة دفئ وقالت : أنا همشي…ولما أوصل لحاچة… هچيلك.
وقبل أن يتحرك فارس أو يرد ، انفتح باب المستشفى.
خرج عساف يحمل حبيبه بين ذراعيه.
جسدها ساكن، رأسها مستند إلى صدره، كأنها قطعة من روحه المنهكة….تحرك بها سريعًا نحو السيارة.
تجمد فارس في مكانه…عيناه تعلقتا بها،
والعجز انغرس في صدره كخنجر.
وبدون تفكير ، اندفع نحوهم فجأة، ينزع قميصه بعجلة، كأن صدره يختنق بالهواء…
توقفت فينوار لحظة، نظرت إليه بذهول خاطف، قبل أن يسبقها المشهد نفسه.
اقترب فارس من عساف، الذي كان قد وصل إلى جانب السيارة، فهتف بحدة: بكفاية يا فارس!
أومأ فارس برأسه دون نقاش، خطوة واحدة فقط، ثم رفع القميص ووضعه فوق رأس حبيبه، يحاول أن يحجبها عن العيون… عن العالم.
ارتجفت حبيبه فورًا.
جسدها انتفض، كأن رائحة فارس اخترقت صدرها دفعة واحدة، نار قديمة اشتعلت من جديد.
رفعت رأسها، نظرت إليه بغضب مرتجف.
هتف فارس بصوت حاد، قاطع، يقطع الحجر: كيف هطلعها كده…وشعرها مكشوف؟
رفعت حبيبه يدها بعنف، سحبت القميص من فوق رأسها، وألقته على الأرض.
صوتها خرج منخفض… لكنه كان يقطر وجعًا: ريحتك زي السم…هتخنجني.
تلقى فارس الكلمات بصدر مفتوح.
الحزن انغرس فيه، يحفر حتى العظم، حتى الأشياء التي ظنها ماتت داخله.
أشار عساف برأسه بحزم وقال : اوعى يا فارس…
بدي أحطها في العربية.
تراجع فارس خطوة….لم يعترض.
عيناه ظلتا معلقتين بها فقط، كأنها روحه التي يحاولون نزعها منه بالقوة.
وضع عساف حبيبه داخل السيارة بحذر،
صعدت إنعام بجانبها،
وانطلقت السيارة بسرعة، تاركة خلفها صمت أثقل من الصراخ.
اقترب أمير، انحنى، التقط قميص فارس من الأرض.
تقدم نحوه، مد له القميص، وعيناه ممتلئتان بحزن يفتت القلب وغمغم : البس يا أخوي.
سحب فارس القميص دون أن ينظر إليه، وبدأ يتحرك بخطوات ثقيلة، كأن الأرض أصبحت عبئ عليه.
نظر إليه أمير بغصة مدببة في حلقه وقال : فارس…
أنا مكنش جصدي…أنا كنت خايف عليكم يا أخوي.
توقف فارس… وهو يرتدي قميصه ببطء.
طحن فكه حتى صدر صوت مكتوم، ثم غمغم ببرود جارح: جولتلك…بطل كلمة أخوي….إنت مش كده.
ثم انصرف….عاد بخطوات ثابتة نحو فينوار، بينما خلفه…كان شيء ما قد انكسر،وربما لم يعد هناك طريق لإصلاحه.
أشارت له فينوار بدهشة واضحة، وقالت بنبرة جادة، ثقيلة كأنها وزن قرار مصيري: فارس… لازمن تراضي حبيبه.
أومأ فارس برأسه بحدة، صوته خرج كالحجر المكسور، محمل بالغضب والقهر والوجع:أكيد… أنا مجدرش أعيش وهي متكدرة مني كده…
رفعت فينوار عينيها نحو السماء، كأنها تطلب من القدر نفسه أن يسمعها، او تراقب الفراغ كأنها تقرأ مصيرًا مكتوبًا هناك وهمست بصوت يثقل المكان: باجي يومين…
والنچوم توصل أماكنها اللي أنا مستنياها…ساعتها هروح…وادي الصدي الأسود… وهچيب كل الحاچات
وناريسا هتبدأ التعويذة.
اقترب منها فارس بخوف ممزوج بالعزم، صوته منخفض لكنه يحمل حرارة الخطر: الوادي ديه… في خطر.
أومأت فينوار، عيناها كالشهب المشتعلة في الظلام، وقالت بصوت خافت لكنه يقشعر له البدن: الوادي ده مش تبع أرضنا… إحنا أعداء معاهم… يعني دخولي فيه ممنوع…بس لازمن أروح.
هو المكان الوحيد اللي أرضه هشة…وسماه قريبة…
وفيه نار… ما بتطفيش…
نظر إليها فارس بدهشة ممزوجة بالخوف الحقيقي، صوته يشق الهواء: انتي الأمل الوحيد اللي باجي لينا.
اقتربت منه فينوار، ربتت على وجنته بحنان يذيب الحجر، همست بابتسامة كأنها شعاع وسط ليل دامس:
متخافش حتي لو مت … سايبه وصيتي لي ناريسا هتساعدك بعدي ..المهم…إنت لازمن تراضي حبيبه،
عشان تتچوزها…جبل ما نخلص التعويذة…
زفر فارس بضيق، كأن نار محبوسة تتفجر في صدره، صوته هدر يقطر من حديد قلبه: حبيبه عمرها ما هتسامحني… طول ما أنا متچوز… ومجدرش أطلج إيمان دلوق…. دي بت عمي…
أطلجها كيف بعد يوم واحد من چوازها؟
الناس مش هترحمنا!
أومأت فينوار برصانة، سارت أمامه بخطوات واثقة، صوته يرافق خطواتها كصدى الخطر: لما التعويذة تچهز…
هيكون عدى وجت على چوازك من إيمان… وساعتها ممكن تطلجها… بس حاول مع حبيبه… هي بتحبك…
واحدة واحدة… هتلين… وأنا معاك… چوه عجلها.
أومأ فارس برأسه، تتسرب الدهشة والرهبة في صوته:
براحة عليها يا فينوار … اوعي تخوتيها…
ضحكت فينوار ضحكة صافية، لكنها مشحونة بالقوة واليقين، وقالت: حاضر يا حنين … وبعدين حبيبه مخوتها لوحدها يا فارس…أنا شوفت معاها العچب.
ابتسم فارس ابتسامة ثقيلة، كأن اسم حبيبه وحده قادر على انتشاله من كل هذا الظلام، كأن الروح كلها ارتجفت باسمها.
كأن الاسم هو الشيء الوحيد الذي ما زال حيا داخله.
اختفت فينوار فجأة، وبقي صوتها يهمس في أذنه كنسمة قاتلة في صمت الليل:هروح…وهعاود…أنا چنبك.
نظر فارس حوله، مسح وجهه بعنف، كأنه يحاول طرد كل الظلال والقلق، ثم انصرف… خطواته ثقيلة، قلبه يلهث، ودمه يغلي بالقلق… في انتظار ما لا يعرف نهايته.
……
في سرايا العزيزي،
وصلت سيارة عساف، متوقفة بجانب سيارة فارس التي تركها في الصباح، وكأنها شاهدة صامتة على قلب ممزق وعالم انهار.
نظرت حبيبه إلى السيارة، وقلبها يكاد ينخلع من صدرها، ينبض بقوة الألم والحنين، كل نفس ثقيل كالصخور على صدرها…
اقتربت انعام وربتت على منكبها برفق، صوتها مملوء بالقلق والحب: مالك يا ضنايا؟
رفعت حبيبه عينيها، ممتلئة بالدموع، وحدقت في السيارة كما لو أن الألم مختزن هناك، همست بصوت مبحوح:عربية فارس هنه…
أومأت انعام بحزن ثقيل، صوتها يقطر وجعاً:
ايوه يا بتي…
لما سفيتي ورمحنا بيكي…هو شالك… ورمح بيكي… في عربية عساف…
ترجل عساف من السيارة، تحرك بثقل الخطوات لكن عزم لا ينكسر، حمل حبيبه بين ذراعيه وكأنه يحمل كنزاً هشا يحتاج لكل قوته ليحميه، وتحرك نحو الداخل…
وعينين حبيبه لا تفارق سيارة فارس، نظرة تغشاها الحسرة، الحزن، والشوق المحترق، كأن كل جزء من قلبها بقي هناك، على مقعده في الصباح…
استقبلتها ريم وهند، وجملات ، بفرحة مختلطة بالقلق والدموع، فصاحت هند وهتفت بحيوية مشوبة بالارتعاش: الحمد الله.. دخلتي علينا فايجه يا خيتي!
أشارت جملات بيدها إلى عساف، ليقرب حبيبه إليها، ودموعها تتساقط على وجنتيها كما لو أنها تغسل ألم الأيام الماضية…
اقترب عساف ووضع حبيبه على أقرب أريكة، وجلست جملات بجانبها، وضمتها بحنان يفوق الوصف، دفنت حبيبه وجهها في صدر جدتها، وجسدها كله يرتجف بنحيب حاد، كأن كل الألم المكبوت في صدرها خرج دفعة واحدة…
مسحت جملات على شعرها برقة، همست وهي تتلو آيات قرآنية بقلبها، كلماتها مثل السكينة في بحر عاصف، تحاول أن تبقي شيئاً من العالم سليماً حول حبيبه، وسط كل الفوضى والدموع والخوف.
اقتربت هند من عساف، عينها تموج بالقلق والحيرة، وقالت بصوت متعجل:أمال وين امير وعمي؟
أشار لها عساف وهو جالس، كتفه مثقل بالمسؤولية:
چين ورانا…
جلست انعام بتعب على الأريكة، تضغط يده على رأسها، كما لو كانت تبحث عن شيء يثبت وجودها في هذا العالم المضطرب.
جلست ريم بجانبها، ربتت على منكبها برفق، صوتها خافت، حنون: وحدي الله يما… والله حبيبه هتيجي زي الفل… وبكره تجولي… ريم جالت..
غمغمت انعام بصوت مبحوح، يقطر وجعاً:لا اله الا الله يا بتي… يارب يا بتي … يسمع من خشمك ربنا.. الله يچازي اللي كل السبب…
رفعت حبيبه عينيها بصعوبة، همست بصوت خافت مبحوح، كأنه يخرج من عمق الجرح: متدعيش عليه يما… مش مسامحه… أي حد يدعي عليه…
نظرت لها انعام بغضب مشوب بالحزن، هتفت بصوت ممزق:بعد كل ديه يا بتي…
أشارت جملات إلى انعام بإشارة قاطعة، صمت ثقيل خيم على الغرفة، نظرت انعام إليها بغضب وامتثلت، ملتزمة الصمت، كما لو أن كل كلمة إضافية ستدمر شيء ما.
ثم دلف امير وفوزي وموسي، الهواء مليء بالتوتر والوجع، وكأن كل خطوة تهز أعماق القلب.
جلس فوزي بجانب حبيبه، ربت على ساقها بحنان ممزوج بالوجع، وغمغم بصوت متحشرج، موجوع:
كيف دلوق يا بتي…
أومات حبيبه برأسها على صدر جدتها، همست بصوت مبحوح:الحمد لله يا ابوي…
نظر لها امير، الحزن والذنب يعصر قلبه، تحرك للأعلى بخطوات سريعة، غاضب وثقيل، كأن كل شيء حوله ينهار.
نظرت له ريم بحزن، تتبعه بخطوات خافتة، تحاول أن تكون عوناً وسط كل هذا الفوضى والوجع، صعدت خلفه بصمت، والجو مشحون بكل الصمت الممزق والقلق المكبوت.
دلف أمير إلى الشقة، وجلس على الأريكة كأنه يدفن نفسه بين أحشاء الحزن، يعض على أصابعه بعنف، كل ضرس ينكسر تحت وطأة الندم، وكل نفس كأنه يخنقه أكثر…
اقتربت ريم بخطوات هادئة، عينها غارقة بالحزن، وجلست بجانبه، ربتت على منكبه برقة تذيب الحجر، وقالت بصوت خافت، محاط بالحنان:متعملش كده في حالك… حب زينه وطيبه والله.
هز أمير رأسه، صوته يخرج خافت ومختنق بدموع حبيسة: أنا السبب في كل ديه… ياريت كان لساني اتحش ولا نطجت كلمة خليها تكرهك…
انزلقت دمعة ثقيلة على وجنته ،وغمغم بصوت متحشرج، كأنها وصمة على قلبه:مكتش اعرف إنها عشجته كده…
مدت ريم يدها، مسحت دموعه برقة، وصوتها يحمل حزن وحكمة:كفايك يا أمير… انت مكنش جصدتك، وكت خايف عليهم… واحد غيرك مكنش وافج من الأول.
رفع عينيه إليها، والحزن يقطر مع دموعه وغمغم بصوت متقطع : لـ لولا المرار ديه كـ كان الغالي… أحسن وأنضف رراچل أسلمه أختي وأنا مـ مطمن… أنا متأكد إنه هيشيلها چوه عينيه.
أومات ريم برأسها، وقالت بصوت هادئ، لكنه مشحون بالعاطفة: أنا عارفه… بس انت بردك مرفتش عيب في فارس… انت معذور يا أمير.
أشار أمير إلى صدره، صوته ينهش قلبه، مليء بالألم:
جلبي وچعني جوي… كل ما فارس يولي مني ومش راضي يحدتني، ومش جابل مني كلمة أخوي… بحس خنجر مسموم مزروع في جلبي.
انزلقت دموع ريم، وربتت على منكبه بصوت متهدج:
روح ليه تاني… متهملهوش غير لما يسامحك.
ثم نظرت إليه، الدموع تنساب، وهمست:أجولك سر؟
نظر لها بدهشة وحزن:جولي!
نكست رأسها وهمست بصوت خافت، كل كلمة مشحونة بصدق:ساعات لما نتكدر من حد بنحبه جوي… بنكون مستنيين منه يحاول كد إيه، وغلاوتنا عنده تساوي كام مرة وكام محاولة… معرفش أنا … معرفش الإحساس ديه… ماحدش حاول يصالحني أكتر من مرة… معرفش إذا أنا بسامح بسرعة… ولا عمري ماتكدرت للدرچة ديه.
أغمض أمير عينيه، كلماتها اخترقت قلبه مثل سهم، وغمغم بصوت خافت: عندك حج… أنا هحاول تاني وتالت… لحد ما يسامحني.
أومات برأسها وابتسمت بخفوت، وكأن قلبها يخفف الحمل عنه:هو كده هيعرف معزته في جلبك.
نهض أمير بخطوات ثقيلة، كل خطوة كأنها تثقل قلبه أكثر، يتكسر داخليا تحت وطأة الندم والحنين،
ثم توقف فجأة كأن شيئًا داخله أراده أن يعود لها، أن يزن كل شعور يعتصره.
عاد إليها بعيون حارقة بالحب والندم، وقال بصوت يغمره صدق وحزن:انتي نعمة من ربي… والله يا ريم ..
انحنى نحوها، وقبل وجنتها برقة لا يعرفها إلا من قلب مكسور، نظر إلى عينيها المتسعتين بدهشة، كأن الزمن توقف لحظة، وهمس بصوت مختنق بالحب: ربنا يخليكي ليا على طول.
ابتسم بخبث خفيف، من ذهولها ، ابتسامة تحاول كسر الحزن الذي يثقل المكان، ثم ابتعد بخطوات مترددة، كل خطوة كأنها تجر خلفها جزء من روحه.
شهقت ريم بدهشة، كأنها لم تصدق ما رأته، وضعت يدها على وجنتها المرتعشة، وهمست بصوت يرتجف، مزيج من الدهشة والحزن والارتباك: ديه اتخوت… والله اتخوت…
…..
في بيت الجبل،
توقفت سيارة ادهم أمام الباب ، وترجل منها بثبات، خلفه عماد، وأخيرًا فارس، جسده منهك وروحه معذبة، كأن العالم كله تركه خلفه.
فتح ادهم الباب، ودلفوا إلى الداخل بصمت ثقيل، جلست أعينهم تراقب فارس الذي مال بجسده المتصلب إلى الخلف، نظر إلى السقف بذهول لا يصدق ما حدث أمام بعينيه.
جلس ادهم أمامه وقال بدهشة ممزوجة بالقلق:
طب مش تفهمني يا غالي… انت كت وين طول النهار؟
لكن فارس كان في عالم آخر، لم يجيب ولم يرف له جفن، عينيه تتلمس فراغ غير مرئي.
نظر ادهم إلى عماد بدهشة مشوبة بالخوف وقال:
انت فاهم حاچة يا عماد؟
هز عماد رأسه بالنفي، ثم نظر إلى فارس ولكزه في ساقه بحدة، هتف بصوت حاد:فاااارس!
اعتدل فارس في جلسته، عيناه لا تزالان تغوصان في فراغه، وقال بصوت مبحوح:في ايه… مالكم؟
نظروا له بدهشة متبادلة، وقال ادهم:احنا… ولا انت؟
اقترب ادهم وجلس بجانبه، وربت على منكبه بحنان:
انت فيك ايه يا ولد عمي… وشك مخطوف كده ليه؟
نظر له فارس بعينين مغلقتين بالنار والوجع، وغمغم:
حصل حاجة غريبة جوي… ظهرت لي واحدة… معرفش چنيه… ولا ملاك… ولا ايه چنسها… بس أكيد مع إنسيه.
انتبه ادهم بكل جوارحه، صوته ارتفع بالحذر:
جلتلك ايه؟! في حل يا غالي؟
بلع فارس غصته بصعوبة، وصوته يخرج مبحوح ومشحون بالرعب: في حل… بس غريب… جالت لي هتروح مكان… تجيب حاچات غريبة… وهتعمل تعويذة… وأنا لازمن أشربها… هترتبط روحي بروحها… وروح چني أحمر… وهنجدر نكسر اللعنة.
انصب الذهول على ملامح ادهم، وعماد صبت صمت يقطع الأنفاس، كأن لسانهما تصلب من الصدمة، والجو المحيط بهم امتلأ بثقل الأسرار القادمة…
مرت لحظات ثقيلة، كأن الزمن نفسه يتردد قبل أن يتحرك، ثم كسر عماد الصمت وهتف بذهول صريح:
لا… ديه أكيد حلم يا معلم!
التفت إليه فارس بعينين محمومتين، شرر الغضب يطل من بين جفونه، وهتف بنزق:جوم من چاري!
ضحك عماد ضحكة قصيرة متوترة، وقال بدهشة ممزوجة بالإنكار:يا خوي… يعني انت مصدج حالك اللي هتحكيه ديه؟ ديه خارق للطبيعة!
رفع ادهم حاجبه بحدة، صوته خرج كالسوط: واللي بيجرلنا طبيعي؟ انت مخوت يا عماد؟
ساد صمت مشحون، ثم هز فارس رأسه بالنفي، صوته خرج ثابت رغم العاصفة التي تمزقه من الداخل:مفيش حاچة من كل ديه طبيعي… بس ديه فرصة… وأنا مهضيعهاش.
نظر إليه ادهم لحظة، ثم أومأ برأسه بحماس صادق، وقال دون تردد:طبعًا… وأنا معاك… حتى لو فيها موت.
ابتسم ابتسامة موجوعة، وأكمل بصوت ثقيل كأنه اعتراف:ماهو العيشة اللي عايشينها متفرجش كتير.
وفي تلك اللحظة، لم يعد بيت الجبل مجرد جدران…
صار شاهد على قرار، قرار قد يفتح باب الخلاص…
أو يجرهم جميعًا إلى ظلام لا عودة منه.
دقّ الباب بخبطات متتالية، عنيفة كأنها تطرق على صدر البيت لا على خشبه.
نهض عماد وفتح، فوجد أمير واقف عند العتبة، ملامحه مشدودة، عيناه محملتان بما لا يقال.
مد نظره إلى الداخل، ثم غمغم بصوت متحشرج كأن الكلمات خرجت مكسورة: أنا چبتلك العربية يا غالي.
اشتعل الغضب في عيني فارس، نظر إليه لحظة ثم أدار وجهه إلى الجهة الأخرى، كأن النظر إليه صار وجعًا لا يحتمل.
اقترب أدهم بنزق، وهدر بصوت قاسي: چرى إيه يا چدع؟ احنا امتى كنا كده؟
بلع فارس غصته، الألم يضغط حنجرته حتى كاد يخنقه، وهمس:مكناش… بس بجينا.
سحب عماد أمير إلى الداخل وأغلق الباب بقوة، وقال بصوت حاد لا يقبل الجدل: ولا بجينا يا غالي… طول عمرنا إخوات وصحبة… من واحنا عيال.
التفت فارس بعينين حادتين، وصاح: إخوات فالصة! أنا مكنتش طالب غير إنه يصبر عليا بس!
اقترب أمير وجلس أمامه، وخرج صوته ثابت رغم ارتجاف صدره: مين اللي المفروض يتكدر؟
انت وعدتني إنك مش هتشغلها لحد ما تحل مشكلتك، وأنا وعدتك أخليهالك وأرفض أي حد يچي عليها.
مين فينا الي غدار بالتاني؟
أغمض فارس عينيه بقهر، كأن الظلام أرحم من الحقيقة، وتمتم بصوت مكسور:عارف… أنا غلطان من أول يوم.
أنا اللي غلطان….كان المفروض أبعد.
أنا عارف إني مش هجدر أسعد أي واحدة… وحبيبة مكنتش تستاهل واحد ملعون، واحد اتحرم عليه الفرح والحب.
هز أمير رأسه بالنفي، الدموع تلمع في عينيه، وقال بوجع صادق:لا يا صاحبي… انت ملكش ذنب….كفاية إنك شايل ذنب غيرك….الله يچازي اللي كان السبب.
انفجر أدهم بضيق مكبوت، صوته كالسهم:الله يحرچه… عايش ولا ميت.
ساد صمت ثقيل، صمت رجال انكسرت في صدورهم أشياء لا ترمم،
وفي عيون فارس اشتعل قرار صامت…
إما الخلاص،
أو أن يحترق الجميع معه حتى آخر الرماد.
هتف عماد بتعب، صوته خرج من أعماق صدره:
خلاص يا چدعان… اللي فيكم مكفيكم، مش ناجص كمان تشيلوا من بعض!
لكز عماد أمير بهدوء وقال:خد أخوك في حضنك يا أمير… جوم.
لكز بعدها أمير فارس في صدره ، ونهض مد يده له…
نظر فارس إلى كفه الممدودة، رفع رأسه، عينيه تشتعلان بالحنق ممزوج بالألم، شقت ابتسامة حزينة على وجه أمير، وغمغم بصوت مبحوح: خلاص يا چدع… ورحمة طه… ندمت… ومكنش جصدي أوچعكم… ورحمة طه وحمزة… سامحني.
قبض فارس على يده بقوة، نهض، وضمه إلى صدره بقوة، وغمغم بصوت متحشرج، مليء بالوجع: سامحني… انت يا اخوي…
تنفس أمير كأنها آخر أنفاسه، وأغمض فارس عينيه بارتياح، اشتاق إليها على صدر صديق طفولته وشبابه، كأن العالم كله توقف للحظة.
ابتسم أدهم بتعب، وقال بصوت خافت لكنه ممتلئ بالمشاعر: الله يحرجكم… أنا دمعتي بعيدة… خلتوها جريبة.
ضحك عماد بمرح، نظر إلى فارس وأمير بدهشة، وهم يتشبثون ببعض كأنه آخر حضن لهم، وقال: ما كفياكم يا چدعان… أنا هشك فيكم كده!
ابتعدوا قليلاً عن بعضهم، وشقت الابتسامة وجوههم، ممزوجة بالحزن والراحة في آن، هتف أمير بنبرة تختلط فيها الشوق والعاطفة:اخوي… واتوحشتوا جوي… محدش يعرف فارس ديه ايه في جلبي.
نظر إلى فارس بعينين مليئتين بالثقة والحماية، وقال:
فارس… ديه ضهري.
ابتسم فارس على جانبه من الفم، صوته يملأ المكان بحب وصدق:وانت… أخوي وصاحبي… وأبونسب غصب عنك انت… وأختك… وناسك.
ضحك أمير بخفوت، صوته يرتعش من المرح والحزن في آن:شكلك هتلبس وهتبجي چوز التنين… يا حزين.
ضحكوا جميعًا، ضحكة صاخبه يعلوه نبرة حزينة، كأنها خلاص من ألم
امتد طويلاً، وبدت جدران المكان شاهدة على صداقة لا تنكسر، وروح أخوة أقوى من كل ما ألم بهم.
……
صباحًا، في منزل سلام الكاتب،
في غرفة ليلة، استيقظت على خيوط الشمس تتسلل ببطء من شقوق الستار الثقيل، تتراقص على جدران الغرفة بصمت هادئ، تهمس ببداية يوم جديد.
التفتت نحو بدر، الممدد بجانبها، ووجهه محاط بظل النوم، لكن الحزن والكسر يعلو ملامحه حتى في غفوة عينيه، كأن قلبه لم يهدأ قط.
اقتربت منه برفق، مدت يدها، ولمست خده، ثم قبلته على وجنته بحنان يذيب الحديد ويذوب الصخر، همست بصوت يفيض بالحب والدفء:بحبك جوي يا بدر ليالي…
الجملة وكأنها تنساب بين النبضات، تعانق الصمت، وتملأ الغرفة بدفء لا يعرفه إلا قلبان متشابكان، متجاوزان كل ألم العالم من حولهما.
قبل أن تبتعد تشبث بها بقوه وسحبها اليه ودار بها
انحنى نحوها، وشفتاه تلامسان شفتيها في قبلة عميقة، كأنها غوص في أعماق المحيط حيث لا ضوء ولا هواء، فقط الظلام المشحون بالحميمية….
كانت قبلة لا تشبه القبلات، بل كانت صرخة صامتة، مزيج من الحنان الذي يذيب العظام والحزن الذي يقطع الأوردة..
ضغط بشفتاه علي شفتيها بلطف أولاً، ثم بعمق يشبه الجوع الأبدي، يمتص منها آخر قطرات الحياة يتذوقان ملح الدموع الذي يسيل على وجنتيها ، ويختلطان برائحة جسدها التي كانت له وطنًا…
كانت أنفاسهما تتعانقان في تلك اللحظة، ساخنة ومرتجفة، كأنها تتبادلان الروح قبل أن يفرقها القدر.
في عمق تلك القبلة، شعر بكسره يتعمق، وجعه يتضاعف، رعبه يتحول إلى يأس يغمر كيانه كالموج الذي يغرق السفينة…
كان يخشى أن يرفع شفتيه، يخشى أن تكون هذه النهاية، فكل ذرة في جسده تصرخ: لا تذهبي، فأنتي الدواء لجراحي، الملاذ من رعبي.
لكنها، بكل حنانها المكسور، ردت عليه بقبلة متجاوبة، عميقة كالجرح الذي لا يندمل، مشحونة بحزن يفوق الوصف، حيث اختلطت الدموع بالشفاه، والوداع بالحب الأبدي…
وبعد لحظات تبدو كدهر، انفصلا، عيناهما تتلاقيان في نظرة أخيرة، مليئة بالحميمية التي تذوب في بحر الحزن.
كأنها تشبه قبلة الوداع، قبلة الفراق التي تحمل في طياتها كل ما كان وما لن يكون، تاركة خلفها رجل مكسور أكثر، موجوع إلى الأبد، مرعوب من غد بلا هي….
مدت ليلة يدها برقة، مسحت دموعه بحنان لا يعرفه إلا قلب عاش الألم، وهمست بصوت مرتعش: لا يا بدر… أنا مجدرش أتحمل الكسره اللي في عنيك.
رفع بدر رأسه نحوها، تأمل ملامحها، حب فاق الوصف يعصر قلبه، وغمغم:سامحيني يا ليلة… أنا كت أناني جوي معاكي، وكت خايف تضيعي مني فحبستك چوه الوچع.
هزت رأسها بالنفي، ودموعها تتلألأ وتمتمت بصوت مبحوح :لا يا بدر… ليه هتفكر إن أنا كنت أجدر أعيش مع راچل غيرك… كنه ميفرجش معايا أي راچل والسلام… لا يا بدر، أنا مكتش هجدر أعيش مع غيرك أبدا.
ضمها إلى صدره بقوة، كأنه يريد دفنها بين ضلوعه، وغمغم بصوت متحشرج موجوع:بعشجك يا ليل البدر… وكل حياتي.
ابتسمت برقة وهمست بصوت خافت، كأنها تعطيه وعدًا ودفيء:حضنك وحده بألف سنة چواز يا بدر.
أغمض عينيه بقهر ودموعه تختلط بالحنين، وغمغم:
يارب فكها… وأنا أورِيها الچواز عشان شكلها كده هبله ومش فاهمه حاچه.
ضحكت ليلة بمرح، ولكزته بخفة على صدره وهمست:
طب… اوعي أنا غلطانه.
انفلتت من بين يديه وهو يضحك بعبث، ووقفت ، وهو يراقبها بلهفة ممزوجة بالحسرة….
ارتدت ملابسها بسرعة، ثم أشارت له وقالت: جوم يلا… وانا هروح اساعد أمي في الفطور.
أومأ برأسه بجدية وابتسامة خافتة، وقال: چاي وراكي…
أومأت ليلة برأسها وخرجت من الغرفة، تلف حجابها على عجل، كأنها تهرب من ثقل المشاعر قبل أن يفيض…
نزلت الدرج بخطوات سريعة وخفيفة، لكنها توقفت فجأة عند آخره، حين رأت مروان يخرج من غرفة المكتب.
أشار لها بابتسامة مستفزة وهتف: صباح الورد… بيتي هنه؟!
نظرت إليه بحنق ممزوج بدهشة واشتعال، وهتفت:
وانت مالك؟
رفع حاجبه بدهشة مصطنعة، وقال بسخرية ثقيلة:
ليه كده يا بت خالي؟ هي عيشتك مع ولد الأنصاري خلت لسانك زفر كده؟
اقترب خطوة، وخفض صوته بنبرة خبيثة تزحف على الجلد، وقال:وأنا بجول عيشتك… مش عشرتك… فاهمه الفرج.
اتسعت عيناها بدهشة، ثم انفجر الغضب في صوتها:
لا والله مش فاهمه الفرج… انت بدك ايه يا مروان من الآخر؟
وفي أعلى الدرج، تجمد بدر في مكانه… اشتعل الغضب في عينيه، كأن روحه عالقة بين مطرقة لا ترحم وسندان الفراق..
ابتسم مروان ببرود وقسوة، وقال: انتي متعرفيش إني خطبتك من أبوكي، وهو وافج… لحد ما تطلجي من ولد الأنصاري… وانتي أصلاً ملكيش عدة اصل ولد الانصاري مـ
لم يكمل.
صفعة مدوية شقت الهواء، استقرت على وجهه بقوة جعلت رأسه يلتف للجانب، وصرخت ليلة بصوت ارتج له المكان:اتكتم! واسم چوزي ميچيش على لسانك! أنا مش هطلج من بدر… ويوم ما أبعد عنيه هكون راح جبري، بس انت فاهم!
نظر إليها مروان بجنون، فغر فمه بالكلام، لكن صوت بدر الهادر سقط كالسيف، وجمد الدم في عروقه: ولو مفهمش… خليها عليا.
نزل الدرج في ثلاث خطوات فقط…حاول مروان التراجع، لكن قبضة بدر كانت أسرع من التفكير، أسرع من الخوف نفسه….
قبض على عنقه، جذبه نحوه، ثم هوى بمقدمة رأسه على أنفه… ضربة… ثم أخرى… ثم ثالثة، حتى سحقت عظام أنفه تحت عنف غضبه.
وهدر بصوت خرج من أعماق الوحش المكبوت داخله:
دانا هغرجك في دمك يا ولد المرة!
صرخت ليلة برعب حقيقي حين غرق وجه مروان بالدم، صرخة خرجت من أعماقها، كأنها استنجدت بالعالم كله في لحظة واحدة.
وفي ثواني، تجمع أهل البيت، وانفجر صوت سلام غاضب وهو يندفع للأمام: همله يا ولد! عملك إيه تعمل فيه إكده؟!
تدخل صهيب مسرع، وحاول أن ينتزع مروان من بين قبضة بدر التي كانت كالمخالب الحديدية، لا ترحم ولا تلين، وصاح بجزع:خلاص يا بدر! همله! هيموت في يدك!
تعلقت ليلة بذراع بدر، تبكي بنحيب يمزق القلب، وصاحت برعب يستجدي إنسانيته: بدرررر! احب على يدك! متودرش حالك .. علشان خاطري يا حبيبي!
دفع بدر مروان بعنف أرضا، كأنما يلقي بحمل بلا قيمة، وعيناه تشتعلان بجنون خالص حتى صارتا كالجمر المتقد…
جذب ليلة إلى صدره بقوة كادت تسلبها أنفاسها، وهدر بصوت زلزل المكان: انتي مرتي… مرتي غصب عنكم كلكم! مرتي!
التفت إلى سلام، وصوته مخنوق، متوحش، يفيض بهستيريا العشق والغيرة:وانت لو فكرت بس تبعدها عني… هجتلك، فاهم؟ هجتل اللي يجرب من مرتي… هجتلكم كلكم!
تراجعوا أمامه بذهول ممزوج بالرعب. لم يكن هذا بدر الذي يعرفونه، بل وحش أيقظه الخوف من الفقد، وجنون العشق حين يهدد.
اقترب صهيب بحذر، ورافع يده كمن يحاول إخماد نار هائجة، وهتف بصوت أجش متوسل:اهدى يا بدر… ليلة مرتك، ومحدش هيطلجها منك… اهدي يا اخوي.
رمقه بدر بعينين حمراوين تقدحان شرر ، وهدر بجنون أعمى:محدش يجدر أصلاً! واللي هيجف بيني وبينها، قسما بالله لأعدي على چتته!
انحنى فجأة، وحمل ليلة فوق منكبه بعنف مشوب بالرعب، كأنه يخشى أن تنتزع منه إن أرخى قبضته لحظة…
اندفع خارج المكان بخطوات سريعة، غاضبة، مجنونة…
وترك خلفه بيت غارق في الذهول، وصمت ثقيل، وقلوب ترتجف خوف من الجنون الذي بلغ مداه في عشق بدر لـ ليلة.
…..
في سرايا العزيزي،
جلس فوزي في الحديقة، يسند جبهته على عكازه بكسل وحزن، كأن همومه تثقل ظهره.
دخل موسي وفواز، وجلسا بجانبه، فربت فواز على ساق شقيقه بحنان مختلط بالقلق، وهتف: وحد الله.. هتودر حالك يا اخوي…
غمغم فوزي دون أن يرفع رأسه، صوته يئن بالهم:
لا اله الا الله… اعمل كيف يا اخوي؟! البت اتشنع بيها في المستشفى… والعيه…
نظر فواز إلى موسي بضيق، وأشار له بإشارة صامتة بمعنى اصمت، لكن موسي هز رأسه بالنفي، وقال بحزم:
بالك يا عمي… حاچه واحدة تطلع حبيبه من اللي هي فيه، وتنسيها ولد الانصاري واللي يعرفه…
رفع فوزي رأسه بيأس، صوته متكسر:ايه ديه يا ولدي…؟
رفع موسي منكبيه، ونظر إليه بعزم لا يحتمل الجدل:
چوزهاني… وانا هنسيها اسمها .. مش ولد المركوب ديه…
نظر فوزي إلى موسي بدهشة، ثم التفت إلى فواز، وسأله:
ايه جولك يا اخوي؟
نظر فواز بحيرة صادقة، صوته يختلط بالصدق والحيرة:
والله مخبرش يا اخوي… هو موسي هيحبها… بس البت…
قاطعه موسي بخبث، صوته يقطع الهواء:
البِت لساتها صغيرة يا ابوي…
ثم نظر إلى فوزي، عينه تلمع بالحزم:أنا هعرف ادويها وانسيها… وهي عارفة إن ولد الانصاري اتچوز خلاص… يعني أكيد فجدت الأمل فيه… خلاص… وأكيد هتوافج المرة ديه.
أومأ فوزي برأسه، صوته خافت لكنه حازم: والله أنا معنديش مانع يا ولدي…
مد موسي يده، وعيناه تتألقان بالسعادة، وهتف:نجروا الفاتحة يا عمي…
أومأ فوزي برأسه، ومد يده، وبدأ قراءة الفاتحة، صوت الكلمات يتخلل الحديقة.
قفزت السعادة من عيون موسي، بينما القلق والحيرة ظل يملأ عيني فوزي، كأن قلبه يراوح بين الرجاء والخوف من القادم
ووووووووووووووووووو
توقعتكم ي ساكاكرررررر للبارت الجاي
ساحره القلم ساره احمد

منورين يا أولاد الأنصاري ♥️
♥️♥️
تسلم ايديكي مقدما يا سارة من قبل ما أقرأ متأكدة البارت هيبقى توووووحفة ♥️
تسلمي ي قلبي ♥️
اتفاعلوا يا قمرات البارت متعوب عليه أوي 🥹♥️
ياريت
تسلم ايدك ي ساره اكيد هيبقي تحفه ♥️
تسلمي ي حبيبتي ♥️
البارت روعه
تسلمي ي حبيبتي ♥️
يجمالو ❤️ 😍تحفة قبل ماقرا
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تسلم الايادي 😘 نلتقي بعدين
تسلم ايدك خطيررررررر البارت ❤️🔥😍😍😍
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تحفه ❤️❤️❤️
تسلمي ي قلبي ♥️
😍😍❤️🔥
ايه دا النور يحلوين ولاد الانصاري منورين ❤️❤️❤️❤️❤️🌹🌹🌹😘
♥️♥️♥️
يقروا الفاتحه على قبرك يابعيد 😡
💔💔
تحفه ي سوسو ❤️❤️🔥
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تسلم ايدك ي ست الكل 🥰🥰🥰
تسلمي ي قلبي
هو موسي شكله عايز يودع بدرى أنا عارفة 😂😂
🥹🥹😂
قراء الفاتحة ع روحه حيوحشنا هو ومروان
حصل😂
روعة وابداع
كل مرة بتبهرينا في ابداعاتك
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تحفة تسلم ايدك ياسارة
تسلمي ي حبيبتي ♥️
الفاتحة علي روحك يا موسي الغالي هيموتك بالسلامة انت 🤗🤗
كنت شرير😂😂
تسلم ايدك يا ساره
تسلمي ي حبيبتي ♥️
كده ولعت نار الفاتحه علي روح موسي يابنات
ابن حلال ويستاهل🥹😂
تسلم ايدك و عنيكي ي سوووو 🤍🤍🤍🤍🤍
تسلمي ي حبيبتي ♥️
❤️❤️
♥️
👍👍👍
♥️
توووووحفة تسلمي
تسلمي ي حبيبتي ♥️
ينيلك عيل سقيل يا موسي😠
الي جاي ضرب نااااااار 🔥🔥🔥💥
الجاي مفهوش هزار♥️
يا سلام على الجمال ده تسلم ايدك حبيتي مبدعة ومتميزة دايما ❤️❤️❤️❤️
تسلمي ي حبيبتي ♥️
حد يسبني علي موسي ده أجيبه من شعره قلبي معاك يا غالي انت وحب
🥹😂
احلي سيرو بقي تحفة كالعادة يا اجمل سيرو 😘😘
تسلمي ي حبيبتي ♥️
جمدان يا عيوني ❤
تسلمي ي قلبي ♥️
تحفه تحفه تحفه
تسلمي ي حبيبتي ♥️
💔💔💔💔
💔
مؤثر، ورائع، وجميل ولا يوصف
تسلمي ي حبيبتي ♥️
اكيد امير هيقف مع فارس
ياريت🥹
جمييييل
تسلمي ي حبيبتي ♥️
لااا ياساااارة ماتفقناااش انك تجوزي حبيبة للنطع ده😥😥😥
,🥹💔
💓💓
تسلم ايدك روعه ❤️
تسلمي ي حبيبتي ♥️
لية القفلة دى يا سارة
♥️♥️
البارت نحفة
تسلمي ي حبيبني♥️
تحفه
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تسلم ايديكي يا سو البارات اكتر من رائع
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تحفه 💙
تسلمي ي حبيبتي ♥️
جميل كالعادة
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تسلم ايدك جميل جدا
تسلمي ي حبيبتي ♥️
جامد جمدان روعه تسلم ايديكي يا سارة ♥️♥️♥️
تحفة
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تسلم ايدك يا سو❤️
تسلمي ي حبيبتي ♥️
جميله جميله❤️❤️❤️❤️
تسلمي ي حبيبتي ♥️
جميله جدا تسلم ايدك حبيبتي
تسلمي ي حبيبتي ♥️