عشق ملعون بالدم(الفصل الثاني وعشرون)
نحن لا نمنحُ الحبَّ كما تُمنحُ الأشياء،
بل يُنتزعُ منَّا انتزاعًا،
كدمٍ يُسحبُ من الوريدِ في ليلٍ لا يعرفُ الرحمة،
ليلٍ ينزفُ فيه الجسدُ حتى الفراغ.
يأتي من كُتبَ له أن يأخذ،
يضعُ كفَّهُ على صدورنا،
ينصتُ لارتجاف النبض،
ثم يقولُ بثقةِ السارقِ الذي لا يُعاقَب:
هذا لي.
فينتزعُ القلبَ ويمضي،
ويتركُ خلفه فجوةً تتعلَّمُ التنفُّسَ بدلًا عنه.
وفي هذا الجحيمِ الذي نتعبَّدُ فيه باسمِ العشق،
يوجدُ قلبٌ واحد،
قلبٌ إن ضمَّكَ إليه،
انطفأتْ الحروبُ داخلك،
سكتَتْ الأصواتُ التي كانت تقتلك،
وتحوَّلَ الكونُ إلى صدرٍ واحدٍ يتَّسعُ لك وحدك.
هناك، يخجلُ الزمنُ من الحركة،
فيقفُ ساكنًا،
كأنَّه يعترفُ أن بعضَ اللحظاتِ أكبرُ من المرور.
البارت
في صباح ثقيل كأن الغضب سبق الشمس إلى سرايا الأنصاري،
اندفع بدر إلى الداخل بخطوات سريعة مشتعلة، يقبض على كف ليله بقسوة مرتجفة، كأن الخوف من فقدانها يتجسد في قبضته….
كانت ترتجف بعنف، لا تدري أهو من فزعه عليها أم من جنونه الذي انفلت من عقاله…
نهضت فاطمة ونغم في آن واحد، الذهول ممتزج بالرعب، وهتفت فاطمة: مالكم يا ولدي؟ همل بت الناس مسكها إكده ليه؟
لوح بدر بيده بعنف، وعيناه تقدحان شرر غيرة عمياء، وصاح: مفيش، محدش يدخل بيني وبين مرتي!
تراجعت فاطمة خطوة، والقلق يطبق على صدرها وهتفت : في إيه لأجل ما مرتك؟ هتموتها في يدك! هملها يا بدر.
رفعت ليله يدها المرتعشة في محاولة بائسة للطمأنينة، وغمغمت بنحيب: متخفيش يما… بدر مش هيضرني.
لكن بدر لم يسمع… أو لعله سمع ولم يعد قادر على التمييز بين الخوف والحب… جذبها خلفه، وصعد بها السلم كمن يفر بروحه من العالم كله، تارك خلفه نظرات معلقة بين الدعاء والفزع.ظ.
وصل إلى غرفته، فتح الباب بعنف، دلف وسحبها معه، ثم أغلقه بقسوة جعلت الخشب يئن تحت غضبه…
دفعها نحو السرير، وصوته يخرج مكسور مشحون: جالك إيه جبل ما أچي؟
جلست على حافة السرير، جسدها ينتفض، وعيناها تتبعه وهو يدور في الغرفة كوحش حبس طويلا ثم أُطلق فجأة….
وتمتمت بصوت مرتجف: سألني بيتي هنه، وأنا جولت له وانت مالك… وجالي إن لساني زفرا.
فجأة انحنى عليها، زرع كفيه على جانبيها، فارتجفت تحت ثقله، وتململت بفزع وغمغمت : خلاص يا بدر، مش هروح بيت ناسي تاني أبدًا.
أغمض عينيه، الغضب يتصارع مع القهر، وأشار بيده نحو الخارج، وصاح بصوت ارتجت له الجدران: وبردك جالك عيشة ولد الأنصاري مش عشرته، صح؟
سكت لحظة، كأنها لحظة حكم، ثم هدر كالسيف: صح!
صرخت، ورفعت ذراعيها تحمي رأسها بيأس غريزي، والدموع تنهمر: صح… صح، بس والله أنا مسكتلوش!
تراجع بدر خطوة، والحزن يهوي عليه دفعة واحدة. انكسار ثقيل جلس في عينيه، وصوته خرج موجوع: من دلوق، ملكيش بيت أبو ولا ليكي حد غيري، فاهمة؟
هزت رأسها بالايجاب، وشهقاتها تمزق صدرها : مش هجول تاني، وحياتك يا بدر… أنا آسفة… مش هجول تاني. أنا معيزاش غيرك.
في تلك اللحظة، انطفأ الجمر المتقد تحت جلده…ذابت قسوته أمام صدقها المرتجف…جذبها فجأة، ودفنها في صدره كمن يخفي كنزه الوحيد من العالم كله…
تشبثت بقميصه بقبضتيها الصغيرتين، لكنها أمسكت به وكأنها تمسك بالحياة ذاتها…
أما هو، فكان يحتضنها بقوة من يعرف أن فقدانها يعني سقوطه الأخير…
…….
في صباح مثقل بالوجع داخل سرايا الأنصاري،
دلف فارس إلى جناحه كالإعصار، وأغلق الباب خلفه بعنفٍ ارتجت له الجدران، كأنما يحاول أن يعزل العالم كله عن صدره المضطرب…
نزع قميصه بيد مرتعشة، وألقاه على الكرسي بلا اكتراث، ثم اندفع نحو غرفة الملابس، يسحب أول ما تطاله يداه من ثياب أخرى، لا يميز لونها ولا قماشها…
تحرك بعدها إلى المرحاض، أغلق بابه بقسوة أشبه بمحاولة يائسة لإغلاق الضجيج الذي يعصف داخله.
هناك، خلف الباب الموصد، وقف للحظة طويلة، أنفاسه ثقيلة، صدره يعلو ويهبط، وكأن الغضب والحزن يتنازعان روحه في صمت قاتل.
كان وحده…
لكن الفوضى التي تسكنه كانت أعلى من أي صخب في الخارج.
في الأسفل،
خرجت وهيبة من المطبخ تمسح يديها بعجلة، كأن قلبها يسبق خطاها، وصوتها يفيض لهفة وفرح مكبوت: حجة الغالي چي؟
أومأت نغم برأسها بهدوء حذر: ايوه يما، وطلع فوج.
انفرجت ملامح وهيبة عن ابتسامة واسعة، ابتسامة من انتظر طويلًا حتى ظن أن الانتظار صار قدره،
فعادت إلى المطبخ بخطوات سريعة، وانتزعت ما بيد إيمان دون تمهل، وهتفت بلهجة آمرة لا تحتمل نقاشًا: جومي يا بت، همي الغالي چي فوج.
نظرت إيمان إليها بدهشة مشوبة بالحيرة: طب وأنا اعمله ايه يا مرت عمي؟
قبضت وهيبة على ذراعها وسحبتها بقسوة خفيفة، قسوة الخوف لا الغضب، وقالت من بين أسنانها: جومي… مش چوزك إياك؟ أكيد هيسبح، ساعديه.
اتسعت عينا إيمان برهبة خجولة، وهمست بصوت متردد: طب يسبح وأنا مالي؟
توقفت وهيبة فجأة، ونظرت إليها بدهشة حادة، كأن السؤال نفسه جريمة: كيف وانتي مالك؟ مش چوزك إياك؟ اطلعي يا بت، همي.
أومأت إيمان برأسها سريعًا، مسحت يديها، وخرجت من المطبخ شبه راكضة، تصعد الدرج وقلبها يخبط داخل صدرها كطبول حرب، خوف، توتر ، وارتباك لا تعرف له اسم..
توقفت أمام باب الجناح، فتحت الباب بخطوات مترددة، ثم أغلقته خلفها ببطء حذر، وكأنها تخشى أن يصدر الصوت خيانة لها.
استدارت…فتجمد الدم في عروقها.
كان فارس يخرج من المرحاض، لا يرتدي سوى بنطال، يمرر المنشفة فوق شعره بعنف مكتوم، جسده متصلب، وملامحه معقودة كأن الغضب صار جزءًا منه…
شهقت إيمان بخجل حاد، وتراجعت إلى الخلف حتى التصق ظهرها بالباب، كأن الجدار آخر ما يحميها…
ألقى فارس المنشفة جانبا، ونظر إليها بدهشة لم تلبث أن تحولت إلى غضب فوري، وهدر: مالك يا بت؟
رمشت بعينيها في ارتباك، تحاول انتزاع نظرتها من جزعه العاري ،وغمغمت بصوت متوتر: أصل… كت چايه اساعدك.
اشتد صوته، وتصلبت ملامحه: تساعديني ليه؟ وعيلي اكتع ولا مكسح؟
هزت رأسها بالنفي، وبلعت غصتها بصعوبة، وهمست بصوت مرتعش: بس انت چوزي… مش مكفيك غيابك من عشيه.
لم تكمل.
اندفع فارس فجأة، وركل الكرسي بقدمه بعنف هز الغرفة، كأن ما بداخله انفجر أخيرًا، وهدر بصوت مكتوم كالرعد: متجوليش چوزي! أنا مش چوزك فاهمه؟ والغيب ولا حتى اهج ملكيش فيه.
ارتجف جسد إيمان، وأومأت برأسها سريعًا، فتحت الباب بيد مرتعشة، واندفعت إلى الخارج تركض، كأنها تهرب من وحش لا من رجل…
بقي فارس واقف مكانه، صدره يعلو ويهبط، الغضب يلتهمه من الداخل، وغمغم بصوت مظلم مشبع باللعن: الله يلعنكم.
…..
في سرايا العزيزي،
اجتمع الجميع حول مائدة الغداء، لكن المكان كان أفقر من أن يسمى جمعًا، وأبرد من أن يسمى بيت.
جلست حبيبة بينهم كجسد بلا روح، كأن يدًا خفية نزعت منها الحياة دفعةً واحدة، وتركتها قشرة بشرية فقط.
عيناها تائهتان، كعيني طفلة أُخذ منها الأمان قبل أن تفهم معنى الفقد…
لم تكن تنظر إلى الطعام، ولا إلى الوجوه، بل إلى فراغ لا يراه سواها، فراغ يسكن داخلها ويبتلعها ببطء.
نظرت إنعام إليها بحزن يفطر القلوب، حزن أم ترى ابنتها تذبل أمامها ولا تملك سوى الدعاء، وغمغمت بصوت مرتعش: كلي يا بتي، متوچعيش جلبي عليكي.
رفعت حبيبة وجهها الباهت، كأن الدم هجر ملامحها، وعيناها الغائرتان تشهدان على ليالي لم تنم فيها الروح قبل الجسد، وهمست: باكل يما.
ربت أمير على كفها بحنان دافئ، حنان أخ يحاول أن يمسك ما تبقى منها قبل أن تضيع، وغمغم: كلي يا حب، عشان بدي اتحدتت معاكي بعد الغدي.
نظرت إليه بحزن ميت، ممزوج بلامبالاة موجعة، وردت بصوت بلا نبرة: حاضر.
كان فوزي يراقب المشهد بصدر يضيق أكثر مما يحتمل، بعينين تحملان هم القرار وثقله، فرفع رأسه ونظر إلى أمير بحدة، ثم حول نظره إلى حبيبة وقال بصوت قاطع: أنا جريت فاتحة حبيبه على ولد عمها.
سقطت الجملة على المائدة كصاعقة….تجمد الهواء.
التفت الجميع إليه بذهول مخلوط بالغضب، وكأن الأرض اهتزت تحت أقدامهم دفعةً واحدة.
الجميع… إلا حبيبة…لم تصرخ .. لم تبكي… لم تعترض.
رفعت عينيها ببطء، نظرة باردة، مغلفة بتبلد مخيف، كأن مشاعرها انتزعت منها قسرًا، ولم يترك لها سوى جسد يتلقى الصدمات دون أن يشعر…. كانت ساكنة…
ساكنة أكثر مما ينبغي،
وكأنها سلمت نفسها للقدر، لا عن رضا، بل عن تعب انتهى معه كل شيء.
اشتعل المكان فجأة، كأن شرارة صغيرة سقطت فوق كومة بارود.
أشارت إنعام بيدها بعنف، وملامحها تنقلب نار خالصة، وهدرت بصوت خرج من أعماق صدر محروق: كيف يعني انت مش واعي حالها؟ چواز ايه دلوق يا فوزي!
لم يحتمل فوزي أكثر….هوى بكفه على الطاولة، ضربة حارقة دوت في المكان، كأنها إعلان حرب، وهدر: اكتمي يا مره! ملكيش صالح! أنا خابر مصلحة بتي زين!
هبت إنعام واقفة، كأن النار سرت في عروقها دفعة واحدة، نار أم رأت ابنتها تساق إلى الذبح باسم المصلحة، وصاحت بصوت مرتجف من شدة الغضب: ما هي بتي أنا بردك! هي بيتك لحالك؟! أنا بتي مش هتتچوز ولد أخوك!
وقف أمير بدوره، والغضب يشق صدره، صوته خرج حاد كالسيف، مشبع بالقهر: ليه بدك تميل بختها يا ابوي؟!
كفاياك غصبت عليا وچوزتني على كيفك، ودلوق حبيبه؟!
لا يا ابوي… لا!
كانت الكلمات تتطاير في الهواء كالسكاكين.
رفعت ريم عينيها، القهر والحزن يتصارعان داخلهما، نظرت إلى أمير نظرة مرتجفة بالدموع، وكأنها تقول كل ما لم تستطع نطقه…
نهضت بصعوبة، كأن قدميها تحملان ثقلًا يفوق طاقتهما، وانصرفت إلى المطبخ دون كلمة، ووجعها يسبق خطواتها.
لحقت بها هند بخطوات سريعة، كأنها تخشى أن تتركها وحدها مع هذا الانكسار…
ظل أمير واقف مكانه، عيناه معلقتان بظهر ريم وهي تبتعد،
وشعر بدموعها كخنجر غادر، شق صدره ببطء…
وجع صامت، لكنه أقسى من أي صراخ…
نهض فوزي دفعة واحدة، كأن الغضب قذفه من مقعده.
هوى بكلتا يديه على الطاولة ضربة واحدة، فارتج الخشب، واهتز الهواء من حولهم، وهدر بصوت حاد يقطع الأنفاس قبل الآذان: انتو كنكم اتخوتوا ولا عچبكم حالها ديه!
مفيش حاچه هطلع حبيبه غير الچواز، وأنا خابر موسي زين، هيحبها ويشيل مداسها فوج رأسه!
مش أحسن من اللي غدار بيها وراح اتچوز؟!
كانت كلماته كالسياط، تلهب المكان وتترك خلفها صمت مشروخ ..
التفت إلى إنعام، عيناه تشتعلان بنار حارقة، وهدر: موسي هو اللي هينسيها ولد الانصاري واللي عمله!
غيم الحزن عيني إنعام، انكسار ثقيل مر على ملامحها، لكنها التزمت الصمت… صمت الأمهات حين يغلبن بالقهر.
هز أمير رأسه بعنف، واندفع صوته حاد كالسيف: موسي ديه ميستهلش حبيبه!
نهض عساف، الغضب يتفجر في نبرته، وصاح: ليه يا اخوي؟ عملك ايه؟ شايله على راسك وزاعك؟
استدار فوزي بغضب أعمى، وصاح بنبرة جارحة: طبعًا مش ولد المركوب ديه صاحبه!
والله ديه عچوبه يا خلج خيتك، ولا صاحبك يا أمير؟!
انفجر أمير دفعة واحدة، كأن شيئًا انكسر داخله بلا رجعة: خيتي طبعًا! أنا عندي بدل الصاحب عشره، ولو واحد فيهم چي عليها وأنا عارف إنه مينفعهاش هجوله لا!
مش هرمي اختي كيف ما انتوا بدكم ترموها لي موسي الكلب ديه!
ارتفعت حرارة المكان، وأشار عساف بيده بحدة، صوته ثقيل يحاول الإمساك بالعقل قبل أن يضيع: جولي على سبب واحد!
ولا عيب واحد يدخل عجلي وأنا معاك، وبلها موسي خالص!
سند أمير كفيه على الطاولة، انحنى بجسده للأمام، وصوته خرج من بين فكيه محمل بغضب يكاد ينفجر: حبيبه مش جابله! بدك ايه أكتر من كده؟!
وسقطت كلماته الأخيرة في المكان كحكم نهائي…
لا يجادل، ولا ينقض…
وجرحها ظل مفتوح، ينزف أمام الجميع، بلا رحمة.
نظر عساف إلى حبيبة الجالسة كأن الأمر لا يعنيها من قريب ولا بعيد، جسد حاضر وروح غائبة، كأنها وضعت في المشهد مصادفة لا أكثر.
قال بصوت حاول أن يبدو متزن ، لكنه كان مكسور من الداخل: ايه رايك انتي يا خيتي؟ بدك موسي ولا لا؟
رفعت منكبيها بجهل حقيقي، جهل لا يمثل ولا يفتعل، وقالت بصوت باهت كأن الكلمات تخرج من فراغ: معرفش… موسي، حسن، محمود، اي حد… كله محصل بعضه.
سقطت كلماتها كصخرة في صدورهم.
نظروا إليها بذهول مشوب بالفزع، كأنهم يسمعون اعتراف بالموت لا رأيا في زواج.
جلس أمير بجانبها سريعًا، وخرج صوته من بين فكيه مشدود بالغضب: كيف يعني يا حبيبه؟
كيف كله محصل بعضه؟
كيف مش فارج معاكي تتچوزي أي واحد؟!
أومأت برأسها ببطء مريب، ليس هدوء الذي يسبق العاصفة بل هدويء يلي الدمار، وقالت: أيوه يا أمير…
أنا دلوق كل حاچه في الدنيا شبه بعض،
والناس كلهم زي بعض،
والرچاله كلهم واحد في عيني.
حتى الأكل والشرب طعم واحد في لساني،
والألوان لون واحد في عيني.
نظر إليها أمير بحزن عميق، كأنه يرى أمامه اختصار موجع لجثة شبعت موت لكنها ما زالت تتنفس.
قبض على ذراعها وهزها بعنف يائس، عل الحياة تعود إليها، وهدر: لا يا خيتي!
لسه في عيشه مستنياكي، متضيعيش كل حاچه يا حبيبه!
انتي مش واعيه بتعملي ايه في حالك!
رفعت عينيها إليه… عينان باردتان كالأرض بعد دفن طويل، نظرة ميتة لا رجاء فيها، وقالت: معرفاش يا أمير.
هب أمير واقف، وانفجرت دموعه مع صوته: يا ابوي!
البت مش واعيه لحالها! حرام عليكم! انتوا بتنحروها كده وهي مش واعيه! كفياك ظلم!»
وفي لحظة واحدة، انقلب الغضب إلى فعل.
ارتفعت يد فوزي، وهوت لطمة مدوية، دوى صداها في أرجاء الغرفة، والتوى رأس أمير إلى الجهة الأخرى، بينما هدر فوزي: انت ناجص ربايه!
صرخت إنعام بصوت مزق المكان: ولدي!!!
اندفع عساف بينهما سريعًا، وقف كحاجز بشري، وصاح: لا يا ابوي! أمير مش صغير، ميصحش كده!
رفع أمير رأسه ببطء، عيناه تلمعان كالجمر تحت الرماد، نظر إليهم… ثم إلى حبيبة.
كانت ما تزال في مكانها، لم تتحرك، لم ترتعش، كأنها في عالم آخر لا يصل إليه الصوت ولا الألم..
هدر بصوت مكسور: ذنبها في رجبتنا كلنا.
اندفع فوزي خطوة للأمام، وصاح بغضب حاد لا يعرف التراجع: الفرح بعد اسبوعين!
بدكم تحضروا وتوجفوا مع خيتكم يا مرحب، مش بدكم في ألف مصيبة!
أنا هوجف، وهچوزها، وهسلمها لراچل صح!
دفع عساف أمير بقوة نحو الخارج، وصاح: اطلع من وشه يا أمير! اطلع!
انصرف أمير بخطوات سريعة غاضبة، كأن الأرض تتحول تحت قدميه إلى لهب متقد، بينما بقيت حبيبة…
جالسة في المنتصف، صامته ،
كأن الحكم صدر عليها، وهي لم تعد هنا لتسمعه.
تمسكت إنعام بذراع فوزي، أصابعها تغوص في لحمه كأنها تحاول إيقاف سيل جارف، وصاحت بغضب ممزوج بالقهر: خلاص يا فوزي! كفياك، فرچتوا علينا الخلج!
دفعها فوزي بعنف، كأن يدها كانت حجر على صدره، وصاح بصوت انفجر من داخله: أنا ولا عيالك!
ولا أنا خلاص مش جادر أمشي كلمتي في جلب بيتي؟
ولا بتي؟!
أهج واهملهلكم مطربجة على راسكم؟!
اقتربت هند بخطوات مترددة، تمسح دموعها بطرف حجابها المرتعش، وقالت بصوت واهن: استهد بالله يا عمي…
التفت إليها فوزي، وعيناه تحترقان، وصاح بغضب حارق: الله يخدني عشان ترتاحوا يا بت أخوي!
تراجعت هند خطوة للخلف، كأن الكلمات صفعتها، بينما هزت إنعام رأسها بنحيب حاد، وصاحت: لاه!
خلاص، اللي بدك وتجول عليها ماشي يا ولد عمي…
بس اهدي!
هتموت فيها، بكفياك!
رفع فوزي يده إلى قلبه، كأن نار اشتعلت خلف ضلوعه، وصاح بصوت متحشرج متقطع: وانتو يهمكم أموت؟
ولا حتى أتچلط؟ولا أطب ساكت؟ لما ولد… يعني نجطة مني، يوجف ينطحني راس براس، يبجى ايه فاضل تاني؟!
اقتربت إنعام منه بسرعة، ربتت بيد مرتجفة على صدره، وسحبته إلى أقرب أريكة، أجلسته رغم مقاومته، وهتفت بنحيب صادق: خلاص يا أخوي… اللي بدك هيكون،
استهدي بالرحمن…
نكس فوزي رأسه، وأسند كفيه إلى رأسه، الدم يغلي في عروقه كنار حارقة، غضب ثقيل ينهش صدره،
وكبرياء مجروح لا يعرف الانكسار.
وفي الجهة الأخرى… بقيت حبيبة في مكانها.
جسد ساكن، وعينان لا تريان،
وصوت داخلي يدوي في رأسها كإنذار : فوجي يا حبيبه… كل اللي بيحصل ديه غلط.
أغمضت عينيها بألم، صداع شرس يفتك برأسها،
نهضت دون أن يلاحظها أحد، وتحركت نحو الأعلى،
نحو تلك الحبوب… التي تفصلها عن الواقع،
وتسقطها في بئر عميق من النوم، نوم بلا أحلام،
بلا وجع…وبلا حياة.
……
مساءا في سرايا الأنصاري،
خرجت نغم إلى الشرفة بخطوات مترددة، والهواء الليلي يلامس وجهها دون أن يخفف اضطراب صدرها…
توقفت فجأة، وعيناها معلقتان بشاشة الهاتف في ذهول خالص… رقم أدهم.
بعد كل هذا الغياب، وبعد أن دفنت اسمه في زاوية مظلمة من ذاكرتها، قرر أخيرًا أن يتذكرها…
قبضت على الهاتف بغيظ مكبوت، وضغطت زر إنهاء المكالمه، بعنف خافت، وغمغمت: توك ما افتكرت نغم؟ ماشي يا أدهم…
انتهت الرنة…حدقت في الشاشة، وصدرها يعلو ويهبط بأنفاس متلاحقة، كأن قلبها يخوض معركة صامتة…
لم تمضي سوى لحظات حتى صدح الهاتف من جديد.
نظرت إليه بازدراء، وأغلقت المكالمة دون تردد، وهمست بحدة: رن للصبح.
انقطع الاتصال….ثواني ثقيلة مرت… ثم اهتز الهاتف برسالة.
فتحتها، فاتسعت عيناها بدهشة مشوبة بالغيظ وهي تقرأ: يعني مهترديش؟ وكمان طالعة الفرنده بشعرك؟ دانتي ليلتك شبه شعر راسك اللي هتتعيجي بيه ديه يا بت عمي.
تجمد الدم في عروقها…رفعت يدها إلى رأسها برعب فوري، ونظرت حولها بتوتر حاد، وكأن الجدران نفسها تراقبها.
وفجأة… اخترق أذنها صوت صفير…. انحنت قليلًا ونظرت إلى الأسفل.
كان يقف في منتصف الحديقة، جسده مسترخ بوقاحة، رأسه مائل بتهديد صريح، وعيناه مثبتتان عليها كأنها فريسة مكشوفة.
رفع الهاتف إلى أذنه للحظة…
وفي نفس اللحظة، رن هاتف نغم بين يديها.
ارتجفت أصابعها، وأغلقت المكالمة مرة أخرى بعنف، ونظرت إليه بغضب صريح…
هز رأسه نافي، بنفاد صبر وعبث مستفز، ثم حرك أصابعه على الهاتف بحدة… لحظات…
ودق هاتفها برسالة جديدة.
فتحتها، فجحظت عيناها بنزق ممزوج بالرعب: بكيفك… هجيبلك أوضتك بعد الساعة اتناشر.
شعرت بقشعريرة تسري في عمودها الفقري، لكن الغضب سبق الخوف.
عبثت بالهاتف سريعًا، وردت دون تردد: اعملها، وأنا أصرخ وألم عليك البيت كله، وأخليهم يطخوك.
رفعت رأسها إليه بتحدي مرتعش…
نظر لها بابتسامة باردة، خطيرة، ارتسمت على شفتيه من الأسفل،
ابتسامة لا تبشر إلا بأن هذه الليلة…لم تنته بعد.
لحظة…
خفض أدهم بصره إلى الهاتف، وانفرجت شفتاه عن ابتسامة ماكرة يشوبها الحنين، كمن وجد نافذة صغيرة يتنفس منها بعد اختناق طويل…
حرك أصابعه ببطء متعمد، وأرسل رده:واهون عليكي بعد الغيبة ديه كلها؟ ديه بدل ما تخديني بالحضن يا حبيبتي.
دق هاتف نغم….رفعت الجهاز بلهف خانتها قبل أن تلحق بها كبرياؤها، ارتفع حاجبها بنزق خفي، وكتبت سريعًا وكأنها تطعن نفسها قبل أن تطعنه: حضن!! حضنك
توقفت.
تجمدت أصابعها فوق الشاشة، وارتعش صدرها.
رفعت رأسها ببطء ونظرت إليه… كان واقف هناك، قريبًا وبعيدًا في آن واحد….
امتلأت عيناها بالدموع، تلك الدموع التي طالما خبأتها عنه، ثم عادت تنظر إلى الهاتف، ومسحت الكلمات.
تنهدت بوجع، وكتبت من جديد: أنا هنت عليك وخلاص… أنا خدت على غيابك وجسوتك… امشي يا أدهم.
في الأسفل،
رفع أدهم الهاتف وقرأ الرسالة، فانكسرت ابتسامته، ومر ظل حزن كثيف على عينيه….
رفع رأسه إليها، ونظر لها بعشق عاري يشوبه الأسى، كأن قلبه يسحب من بين ضلوعه….
كتب بيد أثقلها الصدق:قسم برب العزة عمري ما عشجت ولا هعشج غيرك، واللي حيشني عنك الشديد جوي، وانتي عارفة… مبديش أظلمك ولا أحرج أحلامك.
أنا …يا بت عمي..
انتي غالية جوي… جووي يا نغم، وربك يعلم بحرج جلبي بإيدي عشان ألمه من ناحيتك لحد ما ربنا يحلها.
سامحيني يا أحلى نغم في العمر.
كانت نغم تقرأ الرسالة،
تلتهم الكلمات بعينيها، وقلبها يرتجف، وهو يقف أسفل الشرفة لا ينتظر سوى حرف واحد… إشارة… أي رد.
لكنها مسحت دموعها بقهر موجع، أغلقت الهاتف دون أن تكتب شيئًا، واستدارت ودلفت إلى الداخل بخطوات مهزومة…
وقف أدهم مكانه لحظات،
كأن الأرض ثبتت قدميه قسرًا… دس الهاتف في جيب بنطاله، وغاصت يداه في جيوب سترته الجلدية، ثم استدار ومضى بخطوات ثقيلة…
ومع كل خطوة،
كان يلتفت إلى الخلف،
كأن قلبه ما زال واقف هناك، تحت الشرفة،
ينتظرها.
حتى التقى بأخيه دياب عند البوابة.
توقف الأخير لحظة، وتأمل ملامح أدهم المشدودة، تلك القسوة التي لم تنجح في إخفاء ما يعتمل خلفها. عقد حاجبيه بدهشة وقال:خير يا اخوي؟
رفع أدهم منكبيه ببرود مصطنع، وكأن السؤال لا يعنيه، وغمغم بصوت خالي من الإحساس: مروح… انت رايح وين؟
رفع دياب الملف أمام وجهه وقال بنبرة عملية لا تخلو من العجلة: الملف ديه لازمن الغالي يمضي عليه، الشغل كله متعطل.
أومأ أدهم برأسه دون تعليق، ثم تحرك من أمامه بخطوات باردة في ظاهرها، ملتهبة في جوفها، وقال وهو يبتعد:ادخله.
وانصرف،
وكان احتراق خطواته أسرع من قدرته على التماسك، كأن الأرض نفسها تضيق به.
دلف دياب إلى الداخل،
وفي تلك اللحظة كانت نغم قد خرجت مرة أخرى إلى الشرفة، تقف ساكنة كتمثال من الحزن، وعيناها معلقتان بظهر أدهم وهو يبتعد، وكأن جزءًا منها ينتزع مع كل خطوة يخطوها.
أشار لها دياب بيده وهتف:كيفك يا بت عمي؟
لكن نغم لم تنتبه له…
لم تسمع صوته، ولم تري إشارته، كانت غارقة في وجعها، مسحوبة خلف أدهم دون أن تتحرك.
لوح دياب بكفه بضيق، ودلف إلى الداخل وغمغم بسخرية خفيفة تخفي انزعاجه:اسرحي فيها براحتك… أنا هطربجها على راسكم.
كأن الكلمات خرجت لتكسر الصمت،
بينما بقيت نغم وحدها على الشرفة،
تحدق في فراغ تركه رجل رحل… وقلب لم يرحل معه.
…..
مساءً في سرايا العزيزي،
حيث يغلف الهدوء الشوارع المرصوفة بالحجارة القديمة، وتتسلل أنوار المصابيح الخافتة من النوافذ العالية كأنها أسرار لا تريد أن تكشف.
دلف أمير إلى شقته بخطوات ثقيلة محملة بالغضب، الباب أغلقه خلفه بعنف مكتوم، فارتج الخشب تحت ضربته..
كان وجهه مشدودًا، عيناه تلمعان بلمعان حاد كالجمر تحت الرماد ، رفع الهاتف إلى أذنه مرةً أخرى، يحاول الاتصال بفارس، لكن الخط يظل مغلق كقلب مقفل بالغيظ…
زفر زفرة عميقة من أعماق صدره، صوتها يشبه هديرًا مكبوت، ثم طلب رقم بدر بإصبع مرتجف من شدة التوتر.
لحظات قليلة، وجاء صوت بدر من الطرف الآخر، متحشرج بالقلق : الو؟
رد أمير بصوت مبحوح يقطر غضب نقي، كأن كل كلمة فيه تحمل سكين:وين فارس يا بدر؟
اعتدل بدر فجأة في مكانه، صوته يتحول إلى همس مشحون بالقلق:في إيه يا أمير؟ ومالك بي فارس دلوق؟
هز أمير رأسه بيأس عميق، كأن اليأس نفسه يضغط على كتفيه، ثم هدر بصوت منخفض لكنه يحمل قوة البركان:
مش وجته أنا بدي فارس دلوق! أبوي جرى فاتحة حبيبته على ولد الكلب موسى، والفرح بعد أسبوعين!
ساد صمت قصير على الخط، ثم انفجر بدر بغضب شديد، صوته يرتفع كالرعد المكبوت: أنا هچيبلك فارس وأچيلك دلوق!
أومأ أمير برأسه في الفراغ، وكأن بدر يراه، قبضته مشدودة حول الهاتف حتى ابيضت مفاصله، وقال بصوت حاسم بارد:مستنيكم.
أغلق الهاتف ببطء يشبه الوداع المؤجل، ونظر حوله إلى الظلام الذي أطبق على الشقة كأنه غطاء ثقيل من الندم.
الظلام لم يكن عادي؛ كان غريب ، مشحون بتوتر يعصر القلب، فدائما ما كانت ريم تترك الأنوار مشتعلة، كأنها تخاف أن يبتلعها العتم إن انطفأ ضوء واحد.
وقف لحظة، يتذكر كلماته التي اندفعت كالسهام دون قصد، تلك الكلمات الحادة التي بالتأكيد جرحتها…
شعر بالندم يغلي في صدره، حرارة تجعل أنفاسه تتقطع، وكأن الهواء نفسه يرفض أن يدخل رئتيه….
تحرك نحو الداخل بخطوات ثقيلة، وهو يشعل الأضواء واحدًا تلو الآخر…
الضوء الأبيض القاسي انفجر في الغرفة، يضرب وجهه فيجعله يضيق عينيه لحظة، لكنه لم يتوقف؛ كان يطارد الظلام عنها قبل أن يطلب السماح.
هتف بصوت خافت، مشوب بنبرة يأس لم يتمكن من إخفائها: ريم… وينك؟
وصل إلى باب غرفة النوم، توقف لحظة، يستمع إلى أنفاسها المتقطعة من الداخل، تلك الشهقات المكتومة التي تخبر عن دموعٍ تسيل في الخفاء…
قلبه دق بعنف، يشعر بضرباته في حلقه كأنها طبول حرب داخلية. دق الباب برفق يخفي توتره: ريم… أنا عارف انك صاحيه؟
لم يأت جواب، فأخرج هاتفه، أصابعه المرتجفة من التوتر البارد تدور على رقمها، طلبها، فسمع الرنين الخفيف ينبعث من داخل الغرفة كأنه نبض بعيد يدعوه…
أغلق الاتصال بسرعة، ودق الباب مرة أخرى، صوته ارتفع قليلاً هذه المرة مشحون بتوتر مكبوتة:ريم… افتحي، حجك عليا… أنا ما كانش جصدي اللي فهمتيه.
انتظر، والزمن يتمدد كالمطاط المشدود، يعصر أعصابه. ثم دق مرة ثالثة، وغمغم بصوت مكسور يتردد فيه الندم: ريم… طب اديني فرصة أفهمك، وبعدها اتكدري على كيفك.
فجأة انفتح الباب بعنف خفيف، واندفع صوتها بنحيب مكسور يمزق القلب: آه يعني أخبط راسي في الحيطة صح؟
رفع عينيه إليها، فتجمدت نظرته في مكانها، مشحونة بتوتر يجمع بين الدهشة والإعجاب العميق…
كانت واقفة في إطار الباب، ترتدي قميص بيتي قطني رقيق جدًا، لونه أبيض ناعم يحتضن جسدها كالضباب الذي يغلف الجبال في الصباح….
الحمالات العريضة تنزلق قليلاً على كتفيها، تكشف عن عظمة الترقوة والمنحنى الناعم تحتها، والقميص يضيق عند الخصر فيرسم خطوط أنوثتها بطريقة تشل العقل، ويصل إلى الركبة لكنه يرتفع قليلاً مع كل حركة، يكشف عن فخذيها الناعمين اللذين يلمعان بلون العسل تحت الضوء الخافت….
تجولت عيناه عليها بشغف لا يخفى، يبتلع كل تفصيلة كمن يرى كنوز محرمة لأول
مرة، وبلع لعابه بصوت مسموع،
جف حلقه من التوتر الذي يعصر حنجرته. لكزته بخفة على صدره، وهي تصيح بدموع متجددة تنزل كالأمطار: أنا هحدتك يا أمير! إنت هتبص علي إيه؟
فاق من ذهوله، وارتسمت على شفتيه ابتسامة خبيثة رقيقة، عيناه تلمعان بشرارة : ببص عليكي… أول مرة عيني تنضر الچمال ده كله.
رمشت بعينيها بسرعة، تحاول استيعاب كلماته التي تهزها من الداخل، ثم نظرت إلى نفسها فجأة، شهقت بفزع ومدت يديها لتغلق الباب مسرعة…
لكن أمير كان أسرع؛ وضع قدمه، فتوقف الباب فجأة، وهتف بصوت هادئ لكنه حازم، مشحون بحميمية تذيب الجليد: استني يا ريم… متخافيش. أنا هصالحك بس.
حاولت دفع الباب بكل قوتها، وجسدها يرتجف من التوتر والخوف، وغمغمت: لا… ميصحش… أنا كنت متكدرة وهبكي، وكلامك زربني أكتر… فتحت من غير ما أحس.
لم يترك لها المجال… دفع الباب بعنف محسوب كفاية لتترنح إلى الوراء،
لكن ذراعه كانت أسرع؛ التفتت حول خصرها كحزام حديدي مغلف بالحرير، سحبها إليه بقوة حتى اصطدم صدرها بصدره،
شعر بتلال صدرها الناعمة تضغط عليه من فوق القماش الرقيق، وحرارة جسدها تنتقل إليه كتيار كهربائي، فشهقت بفزع مكتوم: أمير…
رفع يده الأخرى، أصابعه الباردة لمست خدها الساخن، أزاح بخفة وحنان خصلات الشعر الملتصقة بوجهها من الدموع، ومسح الدمعةالتي انزلقت بلطف يشبه الاعتذار، شعر بملمس بشرتها الحريري تحت أطراف أصابعه، همس وهو يغوص في عينيها: أنا آسف.
هزت رأسها بسرعة، دموعها تزيد كالسيل: أوعى يا أمير… آسف على إيه؟ إنت جولت الحجيجة… هما غصبوك،كيف ما غصبوني.
أومأ برأسه ببطء، اقترب أكثر حتى أصبحت أنفاسه الساخنة تحاكي أذنها، همس بخبث ناعم يشعل النار: هما غصبوني… بس أنا دلوق مش مغصوب.
حاولت دفعه بوهن، يداها على صدره ترتجفان من التوتر: ميهمش… أنا غلطت لما چيتلك من الأول وجولتلك نتچوز و
لم يدعها تكمل…. دفعها برفق حاسم نحو الحائط خلفها، حتى التصق ظهرها به، برد الجدار ينتقل إلى جسدها فيجعلها ترتجف أكثر، مشحونة بحميمية تذوب فيها كل حواجز…
ثم هبط على شفتيها بقبلة كأنها انفجار مشحون بتوتر يعصر الأرواح.
أول لمسة ناعمة جدًا، شفتاه تلتقطان شفتيها المتورمتين من البكاء، شهقت بين شفتيه فتعمق بالقبلة فجأة، بجوع هادئ لا يقاوم…
مر لسانه على شفتها السفلى بلطف، طلب صامت، ثم اندفع إلى الداخل، يلامس لسانها الذي تراجع أولاً بخوف وخجل، لكنه ما لبث أن استجاب، يتبادل معه بحركة بطيئة عميقة، كأنها تذوب في حميمية تجمع بين الغضب والرغبة….
التفت يده حول خصرها يضمها أكثر، يشعر بمنحنيات جسدها تضغط عليه، القميص الرقيق لا يمنع حرارة بشرتها من الوصول إليه،
ويده الأخرى تنتقل إلى مؤخرة عنقها، أصابعه تغوص في شعرها الرطب ، يمسكها ثابتة برفق قوي يجعلها تشعر بالأمان وسط التوتر.
أنفاسه الساخنة تملأ فمها، نبضه السريع يتناغم مع نبضها الذي يشعر به تحت صدرها، وكلما حاولت الابتعاد لتتنفس، يميل برأسه ويعود يجذبها أعمق، لسانه يحاكي لسانها بحركات بطيئة جوعانة،
استمرت القبلة طويلاً، حتى اختلطت الدموع على خديها برطوبة شفتيهما، حتى استسلم جسدها، ويداها اللتان كانتا تدفعانه قبل لحظات، انزلقتا حول عنقه، تضمانه بقوة، أظافرها تغرز في كتفه قليلاً من شدة التوتر والرغبة المشتعلة…
قطع القبلة رنين الهاتف، فانفلتت اللحظة من بين شفتيهما كما لو أُدينت فجأة بالفضيحة…
شهقت ريم، دفعت أمير بعنف مرتبك، وجسدها يرتجف بحرارة لا تعرف كيف تخفيها، وانزلقت دموعها دون استئذان، قبل أن تركض إلى المرحاض وتغلق الباب خلفها.
ابتسم أمير ابتسامة جانبية، لم تكن نادمة بقدر ما كانت واثقة.
لحق بها بخطوات ثابتة، وطرق الباب لا بعنف… بل بامتلاك: ريم… افتحي.
لم يجبه الصمت فقط، بل أنفاسها المتلاحقة خلف الخشب.
اقترب أكثر، وصوته انخفض حتى صار همس خبيث:
بتدسي ليه؟ هو أنا غريب عنك؟طيب يعني… أنا كنت داخل أصالحك، أجوم أكدرك أكتر؟ أنا آسف يا ريم، عشان خاطري سامحيني.
وقفت ريم خلف الباب، كفها المرتجفة تغطي فمها، شفتيها ما زالتا منتفختين من أثر قبلته، وركبتاها بالكاد تحملانها.
بلعت لعابها، والخجل يلسعها من الداخل.
عاد يطرق الباب، وهذه المرة ببطء مقصود:أنا كنت داخل أصالحك… بس واضح إن الصلح عچبك جوي.
شهقت دون وعي.
ضحك بخفوت، وقال بثقة من سمع الاعتراف كاملًا:
أهو… الشهجة دي فضحتك…الشهجة دي معناها إنها عاچباكي..
التصقت ريم بالباب، عيناها تدمعان، وصوتها خرج مكسورًا:أمير… لو سمحت…
قاطعها، وصوته صار أدفأ… وأجرأ: لو سمحت إيه؟ أهملك؟ ولا أكمل؟
سكتت.
فقال وهو يُميل جبينه على الباب: سكوتك ديه أخطر من أي كلام.
اقترب أكثر وهمس:تعرفي؟ لو فتحتي الباب دلوق… أوعدك هكون أهدى…طب لو مش عاچباكي الطريجة دي… في طرج تانية، بس انتي اطلعي بس.
ثم أضاف بخبث صريح:ولو ما فتحتيش… يبجى انتي اللي اخترتي الحرب.
اتسعت عيناها، وشهقت شهقة خجل صريح، سمعها بوضوح.
ابتسم ابتسامة منتصرة وقال: ما تجلجيش… أنا بحفظ الشهجات دي كويس.
رن الهاتف فجأة، كأنه يدق ناقوس النجاة.
تنفست ريم بارتجاف، وكادت تجلس أرضا من شدة الارتباك.
نظر أمير إلى الشاشة، فوجد اسم فارس.
طرق الباب طرقه أخيرة، صوته عاد هادئ لكن محمل بوعد:أنا نازل دلوق… واطلعي يا ريم، وكفاية لوم… البنت نايمة لوحدها على السرير، لتوجع.
رفع الهاتف إلى أذنه وغادر، بينما بقيت ريم خلف الباب،
تضع يدها على قلبها، وتكتشف للمرة الأولى…
أن الخجل أحيانًا يكون رغبة مقنعة.
…..
في الأسفل،
اندفع أمير راكضًا إلى الخارج، أنفاسه تتلاحق، وقلبه يسبق قدميه بخطوة.
لم يكد يلتقط أنفاسه حتى اصطدم ببدر وفارس، وكان الأخير قد سبقه إلى الجنون، فقبض على ياقة قميص أمير بعنف، حتى انكمش القماش تحت قبضته، وهدر بصوت حاد شق الهواء:يعني إيه! كيف أبوك يجرا فتحها؟
تشبث أمير بذراعي فارس محاولًا تهدئته، وصاح بصوت حاد هو الآخر، لكنه كان ممتلئ بالرجاء والهلع: اهدي وبلاش شغل مخويت! أنا حاولت، بس مجدرتش وحدي… والمشكلة إن حبيبه مش في حالتها الطبيعيه، مش في الدنيا يا فارس!
تجمد فارس في مكانه لحظة،
كأن الكلمات ارتطمت بصدره لا بأذنه.
اشتعل الغضب في عينيه، ودفع أمير بعنف حتى تراجع خطوتين، ثم صرخ كمن فقد آخر خيط للعقل: أنا هفوجها صدمه… تطلع صدمه!
في تلك اللحظة،
خرج فوزي وهو يتحدث في الهاتف، صوته مشحون بالغضب والحدة، كأن النار تتكلم على لسانه: ايوه، كيف ما هجولك يا حچ فهمي… ولد أخوك هيتهچم على بيتي، وعلى بتي اللي خلاص اتخطبت لولد عمها.
جاءه صوت فهمي حاد من الطرف الآخر: كيف يا ولد عمي؟! الغالي اتجوز خلاص!»
ازداد صوت فوزي خشونة، وارتفعت حدته حتى كادت الكلمات تجرح الهواء:تعالي يا فهمي، خد ولد أخوك بدل ما أطخه… وملوش عندي ديه!
أنهى المكالمة بعنف، كأن الهاتف نفسه ارتكب جريمة.
ثم تحرك بخطوات سريعة، ويده تمتد إلى سلاحه الناري، يخرجه وهو يزفر بغضب أعمى.
في الأعلى،
استيقظت حبيبة على صوت ينبثق من داخل عقلها، لا تعرف أهو وهم أم صدى روح تحترق:حبيبه… جومي.
انتفضت، واعتدلت في جلستها بتشوش مربك، انعقد حاجباها وهي تلتقط الأصوات المتداخلة والصخب المتصاعد من الأسفل.
كان الضجيج حاد، مشبع بشيء يشبه الكارثة.
نهضت بصعوبة، كأن جسدها أثقل من روحها، وتقدمت نحو الشرفة.
نظرت إلى الأسفل بعينين مشوشتين للحظات…
ثم شهقت بفزع اخترق صدرها كالسهم.
تراجعت خطوة، ثم استدارت واندفعت راكضة إلى الأسفل،
لكن يد إنعام كانت أسرع، تمسكت بها عند أسفل الدرج بقوة اليائس، وصاحت بصوت ممزق بالخوف:على وين؟! بدك أبوكي يجتلك؟!
صرخت حبيبة وهي تنتحب، دموعها تنهمر بلا وعي، وصوتها يرتجف كغصن في مهب العاصفة:
أبوي رافع السلاح على فارس يما! هيجتلوه! همليني… هجوله يمشي بدل ما يموت!
هزت إنعام رأسها بنحيب حاد، وكأن الدنيا تنكسر فوق رأسها، وصاحت بحرقة:على چتتي يا بتي! أهملك تطلعي وأبوكي يتخوت ويطخك؟!
ثم التفتت إلى هند، وصوتها يخرج أمر مرتعش:
تربسي الباب يا هند! تربسي يا بتي!
أومأت هند بنحيب مكتوم، وأغلقت الباب بعجلة،
وفي اللحظة التي أُغلق فيها، سقطت حبيبة أرضًا،
انهارت كطفلة فقدت العالم كله دفعة واحدة.
انحنت على نفسها، تنتحب بجنون،
وصوت بكائها كان أعلى من الصخب في الأسفل،
أكثر صدق من الغضب، وأقسى من الرصاص الذي ينتظر.
في الأسفل،
كان الجو مشحون بالكهرباء والغضب، كل أنفاسهم تتقاذف كشرر اللهب، والقلوب تنبض بعنف كما لو أن كل ثانية ستنفجر فيها الحرب…
خرج فوزي من الظل، وجهه مشدود، عينيه تحرقان كل ما يقف أمامه، وأصابعه تحكم قبضتها على السلاح كأنه امتداد لغضبه المكبوت. هدر صوته كالرعد:عاود يا ولد الانصاري… عاود لمرتك وناسك بدل ما تعاود چتتك!
اندفع فارس كالبركان ، وكل أوصاله تتوهج بالغضب لا يهدأ، وصاح وهو يكاد يبتلع نفسه من الهياج: لا… طخوني… ما أنا دلوق لجاتل لمجتول!
خطوات موسى كانت كالصاعقة على الأرض، كل خطوة تحمل تهديد، كل حركة تفجير ، سلاحه أمامه كأنه يبتلع الهواء بأكمله، وصوته يهلل كالبركان:تبجي مجتول يا ولد الانصاري… انت واعي لحالك؟ بتتهجم على بيت العزايزي؟ فكرها… سيبه! إياك!
اشتعلت عينا فارس كالجمرة، اندفع كالسهم الناري، صوته يخرج محمل بالغضب والتهديد:دانا… هحرج اللي يوجف بين وبينها… انت معندكش ذرة رچوله يا خـ**!
بدك تتچوز واحدة… عارف ومتأكد جلبها مع غيرك!
وقف بدر محاولًا تهدئته، وصاح بغضب : اصبر يا فارس!! لكن الغضب كان كالنار تحت الرماد،
وقف أمير في الوسط، صوته حاد كالسيف: نزل يا ابوي… السلاح ديه… فارس چاي يتفاهم… نزل يا موسي!
دخل عساف بسيارته، خلفه ادهم وفهمي، المكان صار مشحون بالتوتر، كأن كل جدار يتنفس الغضب…
اقترب عساف من موسى وخطف السلاح من يده، صوته يملأ المكان:نزل يا موسي… انت بدك چنازه وتشبع فيها لطم!
صاح موسى بصوت متفجر:وانت مش واعي… أنا جريت فتحتها… وفرحنا بعد أسبوعين… هو چاي ليه!
وقف فهمي أمام فارس، صوته قاطع كالرصاصة: چاي ليه يا فارس هنه… ومهمل مرتك العروسه!
رد فارس بغضب يلهب المكان: أنا مليش حريم غير حبيبه… وهخدها غصب عن الدنيا كلها!!
سحب موسى السلاح من يد عمه، صوته يتفجر في المكان:چبته لنفسك يا واكل ناسك!
دفع فارس عمه من أمامه، سحب سلاحه من خلف ظهره… وانطلقت الرصاصاتان معًا، تصدح في الهواء، كل واحدة منهما تقطع الطريق نحو هدفها، فتتساقط الشرر والدم، والمكان يمتلئ برائحة البارود، والصراخ يعلو كعاصفة لم تهدأ بعد
ووووووووووووووو
توقعتكم ياسكاكررررر حبه اشوف توقعتكم للبارت
ساحره القلم ساره احمد

حبيبتي يا سارة تسلم ايديكي مقدما البارت طويل و أكيد تووووحفة كالعادة 💗💗💗
تسلمي يا قمر ❤️
كده كتير
🥹
امير ولا بدر آلا الرصاصة جت فيهم ولا ادهم الغلبان
هنشوف🥹
💔💔💔💔💔
💔
يابنتى هنفضل في النكد ده كتير عاوزين نفرح شويه باى حد فيهم
وانا عايزة افرح🥹🥹
والله روعه بس حرام بقا القفله دي😭😭😭😭
معلش اتعودوو😔😭
الادرينالين ارتفع عندي صبرني يارب
معلش 🥹🥹
البارت رووووووووعة ياسارة تسلم ايديكم وعنيكم ياقلبي❤❤
تسلمي يا قمر ❤️
ابداع ياحبيبتي🥰🥰🥰
تسلمي يا حبيبتي ♥️
الفصل جميل
تسلم ايدك ياحبيبتي 😍
تسلمي يا حبيبتي ♥️
ابداع يا قلبى فعلا وجع قلبى
تسلمي يا قمر ♥️
تسلم ايدك يا قمر
البارت روعة
تسلمي يا حبيبتي ♥️
البارت روعة
تسلمي يا قمر ❤️
يا بوي عليكي يا سارة دي قفلة تقفليها
إحنا ناجصين حزن
نعمل اي بقا🥹
تحفة بجد تسلم ايدك يا قمر ♥️😘
تسلمي يا قمر ❤️
روعه روعه
تسلمي يا قمر ❤️
روعه ياسو بجد
تسلمي يا قمر ❤️
يالهووووي هو احنا مش هيتكتب علينا نفرح ابدا
ياسلام لو الرصاصه تيجي في فوزي ونخلص منه ياسلام
ياسلام🥹
بارت يجنن ياسارة تسلم ايدك
تسلمي يا قمر ❤️
تحفه اوووووي تسلمي
تسلمي يا حبيبتي ♥️
يالهوووى يارب موسي يموت ونخلص منه أو جوزيه ايمان وطلقيها من فارس
ياريت😂❤️
البارت تحفه يا ساره تسلم ايديكي يقلبي
تسلمي يا قمر ❤️
الله تحفة
تسلمي يا حبيبتي ♥️
تسلم ايديك يا قلبي ♥️♥️♥️ البارت روعه كالعاده ابداع رائع
تسلمي يا قمر ❤️
❤️❤️❤️❤️
♥️
يكش تموت ياموسي وتريحنا من شرك البارت روعه روعه ♥️
تسلمي يا حبيبتي ♥️
عسووول ♥️
حبيبتي انتي♥️
البارت روعه تسلم ايدك يا ساره بس القفله صعبه اووي 🥺🥺
تسلمي ي حبيبتي ♥️
منك لله يافوزي لتحت كدة لما برك الدم هتكون للركب
🥹🥹🥹
تسلم ايدك والله
تسلمي يا حبيبتي ♥️
البارت روعه وتحفه
تسلمي يا قمر ❤️
رائع يسلم ايديكي يا قلبي ❤️
تسلمي يا حبيبتي ♥️
جميل ي قمر
تسلمي يا حبيبتي ♥️
اهي كملت ..
خليتي بينهم طار كمان 😂💔
🥹🥹
روعه روعه
تسلمي يا حبيبتي ♥️
بقت حرب كدة بارت صعب جدا ❤️
🥹🥹
تحفه بجد منتظرين الجديد ♥️
تسلمي يا قمر ♥️
❤️❤️❤️❤️
❤️
بجد البارت روعة مش لاقية وصف لجماله 🥰🥰♥️♥️
تسلمي يا قمر ❤️
تسلم ايدك يا حبيبتي
تسلمي يا قمر ❤️
كده ولعت اوى ابدعتى
تسلمي يا قمر ❤️
جميييييييل جدا تسلم ايدك 😍
تسلمي يا قمر ❤️
البارت جميل جداً ❤♥
تسلمي يا حبيبتي ♥️
تسلم ايدك ياقلبي تحفه بجد
تسلمي يا حبيبتي ♥️
❤️❤️❤️❤️❤️
♥️
احسنتى الكتابه
تسلمي يا حبيبتي ♥️
روووووعه ايه الجمال ده
تسلمي يا حبيبتي ♥️
راااااااااائع
تسلمي يا قمر ❤️
يجنن ياقمر تسلم ايدك
تسلمي يا قمر ❤️
تحفة يا ساره
تسلمي يا قمر ❤️