عشق ملعون بالدم

عشق معلون بالدم(الفصل الثالث عشرون)

عشق معلون بالدم(الفصل الثالث عشرون)

ليتني أستطيعُ أن أندسَّ داخل جلدكِ،
لا لأواسيكِ…
بل لأتعلَّمَ كيف ينجو الإنسان
وهو يتفتَّت من الداخل دون صوت.
ليتني ألبسُ وجعكِ لحظةً،
لأعرفَ أيَّ نوعٍ من الألم
يُبقي القلبَ نابضًا
وهو يتمنى التوقُّف.
أنا لستُ مكسورًا فحسب،
أنا كتلةُ وجعٍ تمشي،
جسدٌ محشوٌّ بالجروح،
وروحٌ تُخيطُ نفسها كلَّ ليلة
لتنزفَ من جديد مع الصباح.
العهودُ التي لا نحرسها
تتعفَّنُ في الصدور،
وأبوابُ القلوبِ حين تُغلق
لا تُغلقُ لأنَّها قاسية،
بل لأنَّها تعبت من الانتظار.
هناك أبوابٌ لا تفتحها ألفُ يدٍ نادمة،
ولا ألفُ بكاءٍ متأخر.
في هذه الحياة،
لا يتألمُ إلا من أحبَّ بصدقٍ زائد،
من بقي وفيًّا أكثر مما ينبغي،
من سلَّم قلبه كاملًا
لعالمٍ لا يعرفُ إلا الكسر.

هنا،
لا يُكافَأُ الصادقون،
بل يُتركون ينزفون ببطء،
حتى ينسوا كيف كان القلبُ يخفق،
الوفاء هنا …ليس فضيلة، بل لعنة.
سيفٌ مغروسٌ في الصدر
لا يُقتلُ به الإنسان دفعةً واحدة،
بل يُتركُ ينزفُ ببطء،
حتى يعتادَ الألم،
ويُدرك متأخرًا
أنَّ الخيانة كانت أرحم
من هذا الإخلاص المميت.
وكيف كانت الحياة
أكثر من مجرّد عقابٍ طويل بلا نهاية.

البارت ٢٣
دفع فارس عمه بعنف أعمى، كأنما يزيح جسدًا عن حافة الهاوية، وسحب السلاح من خلف ظهره، وكانت الحركة أقرب إلى إعلان حرب لا رجعة عنها.
في اللحظة التالية، انطلقت الرصاصتان معًا.

انشق الهواء بصوت مفزع،
وتكسر الصمت كما يتكسر الزجاج تحت قبضة غاضبة،
وتناثرت شرارات النار، وامتلأ المكان برائحة البارود،
كأن الأرض نفسها أطلقت صرخة مكتومة.

صرخات، هرج، أجساد متيبسة بين الهجوم والذهول…
ثم….لحظة…..لحظة واحدة فقط، توقف فيها الزمن عن الدوران..

برد مفاجئ لسع جلودهم جميعًا، هواء قارس مرَّ كحدِّ السكين، فارتعشت الأجساد بلا سبب،
وتبادلت العيون نظرات فزع لا تفهم ما يحدث.

لكن فارس… وحده فارس كان يرها….ظهرت فينوار أمام صدره.

قريبة حد الاصطدام بالموت، كأنها خرجت من شق في الغيب، عينان ثابتتان، حضور يفرض نفسه على الكون كله.

جحظت عينا فارس، تجمد الدم في عروقه، وتيبست أصابعه على السلاح، يرى ما لا يراه أحد، ويشعر بأن قلبه يسحب من مكانه.

رفعت فينوار يدها….لا صوت…..لا حركة… كأن الهواء نفسه انحنى لإشارتها.

انحرفت الرصاصتان معًا، واحدة مرت خاطفة بجوار رأس فارس وبدر، كأن الموت مر بجانبهم وترك ظله فقط،
والأخرى شقت الفراغ، وخدشت ذراع فوزي،
فانفجر صرخته بألم ..

ووضع يده على ذراعه، والدم يتدفق كاعتراف متأخر.
في اللحظة التي عاد فيها الزمن لينبض،

اندفع عساف وأمير نحو والدهما قبل أن يهوِي.
هدر عساف، بصوت مكسور: ابوي!

أسنده عساف ونزع أمير سترته بيد مرتجفة، ضغط بها على الجرح، وهدر: دكتور! حد يجيب دكتور بسرعه!

وفي الداخل …انفتح الجحيم دفعه واحده ..

خرجت إنعام، وحبيبة، وهند، وريم، صرخاتهن تخترق الفضاء،
واندفع قلب حبيبة قبل قدميها، نظرت إلي فارس بنحيب، وركضت نحو والدها وهي تصرخ بانكسارٍ كامل: ابوي!

اقترب فهمي وفارس والهواء البارد لا يزال يلسع جلده،
صدره يحترق، هدر فارس بغضب يشبه اللهيب: يلا على المستشفى يا أمير!

رفع فوزي رأسه ،رغم الدم والألم، وعيناه تقدحان نار أقدم من الرصاص، وقبض على جرحه وهدر: بدك تجتلني يا ولد الأنصاري؟ بس وحيات دمي اللي ساله من تحت راسك!
لبكره كتب كتاب ودخلة موسى على حبيبه!

سقطت الكلمات كقنبلة ثانية، أبطأ…لكنها أشد فتكًا.

تجمد الجميع.

ارتجفت يد حبيبة وهي تمسك بذراع والدها، أنفاسها انحبست في صدرها، والأرض خانتها تحت قدميها.

أما فارس…
فكان البركان قد انفجر بالفعل… اندفع للأمام،
الغضب يلتهمه حتى العظم،
وهدر بصوت مزق الهواء: على چتتي… ديه يحصل!

انقض فهمي على فارس، وقبض على ذراعه بقسوة كأنما يحاول انتزاعه من جنون مسعور، وصاح بصوت خشن يقطر غضب، وهدر في المكان كالرعد: كفايك يا ولدي! بدك تجلب مچزره؟! انت اصلك راچل متچوز بت عمك ولسه حنتها ما بهتتش، وبدك تتچوز عليها؟!

في تلك اللحظة، رفعت حبيبة وجهها…وجهها مغسول بالدموع ، مشدود بالألم، لكن عينيها… كانتا غضب خالص..

التقط فارس نظرتها، فتلاقى الشرر بالشرر،
وتوهج الغضب في عينيه حتى صار أقرب إلى جنون مقدس،وهدر بصوت خرج من أعماقه لا من فمه: لا يا حبيبة…أنا مش هتچوز غيرك.

اهتز المكان…هب موسى كوحش جريح، وصاح بصوت متفجر: انت بدك تموت!حبيبة هتبچي مرتي بكره!

انفجر عساف، وقد بلغ به الغضب منتهاه، وصاح: بكفايك يا فارس! وامشي! انت بتتحدت على واحدة في حكم المتچوز! فرحهم ودخلتهم بكره!

عندها…رفع فارس سلاحه…الحركة كانت بطيئة،
مخيفة،كأن الموت نفسه ينهض واقف.

وجه السلاح ناحية موسى…وناحية عساف… وعيناه تشتعلان بجنون أعمى، وهدر: لا…ديه هيبچي خرچته دلوق…لو چرب يجرب من حبيبة.

تعالت الصرخات المذعورة، صرخن النساء ،والفوضى ابتلعت المكان.

اندفع بدر، وأدهم، وأمير دفعة واحدة، تشابكت الأيادي،
ارتفع ذراع فارس قسرًا، وانطلقت رصاصة في الهواء،
تشقق معها الصمت مجددًا، كصرخة تحذير من السماء.

صاح فهمي بغضب قاطع: لا! ديه اتخوت خلاص!
شيلوه على العربية يا ولد، جبل ما يلبس حاله چناية!

لكن فارس كان قد تجاوز كل عقل، كل خوف،كل حساب.
هدر بصوتٍ يحرق الهواء: لا! اوع! انت وهو! أنا هشرب من دمه!

قبض أمير على ذراع فارس بكل ما أوتي من قوة، وصاح: امشي دلوق! وأنا هتصرف!

استدار فارس بعنف، دفعه بقسوة كأنما يدفع العالم كله،
وهدر بعينين تشتعلان: لا! مش هتحرك من هنه! اوع يا أمير!

تكاتف بدر وأدهم، وحملا فارس بصعوبة بالغة، جسده يتلوى بين أيديهما كوحش أسير، يحاول دفعهما بعنف أعمى، وعروقه نافرة، وصوته يخرج محمل بالوعيد والجنون: اوع يا بدر! اوع! همزعك بسناني يا ولد الـ* يا موسى… هدفنك بالحية لو جربت منيها!

كانت كلماته طعنات في الهواء، تهديدًا لا يعرف المزاح،
غضب فقد السيطرة على صاحبه.

دفعوه داخل السيارة بشق الأنفاس، أغلقت الأبواب بعنف، وما إن صعدوا حتى انطلقت السيارة كالسهم، تشق الظلام بسرعة البرق،
كأنهم يفرون من فاجعة كانت ستقع لو تأخروا دقيقة أخرى.

في الداخل…
كان الغضب أثقل من الرصاص.

رفع عساف وأمير وإنعام جسد فوزي بأذرع مرتجفة،
أنفاسهم متلاحقة،
وقلوبهم تضرب صدورهم بعنف يكاد يسمع.

غمغمت إنعام بنحيب مكسور، وهي تسنده: اسمالله عليك يا ولد عمي…روحي صاخت وراك يا اخوي.

دلفوا به من الباب،
وكان ثقل جسده كأنما يحمل معهم غضب السنين كله.

قال عساف بصوت مخنوق وهو يحاول تهدئته: تعال يا ابوي…جوم جدر… ولطف.

لكن فوزي كان نار لم تطفأ، هدر من بين فكيه، والغضب ينهش صوته: بده يجتلني ولد المحروج.

ساعده أمير على الجلوس، وانحنى أمامه، صوته حاد، متوتر: يا ابوي فارس مكنش يجصدك، وكلنا كنا وجفين،
والرصاصة طاشت لمك… معرفش كيف.

استقر فوزي على الأريكة، لكن صدره كان ما زال يعلو ويهبط بعنف، وعيناه تقدحان شررًا، وهدر: هو ولد الانصاري ديه سحرلكم يا حزين؟

انتفض أمير بحنق مكتوم، وصاح: وهو عملك ايه؟
هتكره كده ليه؟ شنعت بيه حرام عليك!

حاول فوزي النهوض، الغضب يمده بقوة غير طبيعية،
وهدر وهو يندفع: سد جشمك! هو أنا أرمي بتي لعيله منحوسه ملبوسه ، لأجل ما اعچبك يا ولد الكلب؟

انفجرت إنعام، صاحت بغضب ممزوج بالوجع، وأشارت إلى أمير بيد مرتجفة: بس يا أمير! بكفياك! ابوك عنديه…
حجك!

تجمد أمير لحظة، نظرة واحدة، غضب مكبوت، ثم استدار وانصرف…خرج بخطوات ثقيلة، تدهس الأرض دهسا،
كأنها لا تحتمل ما في صدره من نار.

اقتربت حبيبة بوجه شاحب كالفجر المطفأ، وأطراف ترتجف كغصن في مهب ريح قاسية….

جلست إلى جوار والدها، تحمل علبة الإسعافات بين يديها وكأنها تحمل ثقل العالم كله…
بدأت تطهر الجرح بأصابع مرتعشة، وكل لمسة منها كانت مصحوبة بدمعة تسقط بلا استئذان، دموع لا تنقطع ولا تجد طريقًا للتوقف.

وفي أذنها، كان صوت فهمي يجلد عقلها بلا رحمة، يتردد كحكم نهائي: كفايك يا ولدي… بدك تجلب مچزره وانت اصلك راچل متچوز بت عمك ولسه حنتها ما بهتتش وبدك تتچوز عليها.

كان الصوت يشتعل في رأسها، يمزق صدرها،
ويحول قلبها إلى ساحة حرب.

هدر فوزي بغضب قاطع، كأن الرصاصة ما زالت في صوته: بكره كتب الكتاب والدخلة، واللي هسمع حسه في الموضوع ديه ، هطخه عيارين وارتاح منه.

التفتت إنعام إليه، الغضب في عينيها ممتزج بخوف لا تحسده عليه، وهتفت: كيف؟ واحنا لسه ما چهزنا اي حاچه!

ثم نظرت إلى حبيبة… إلى تلك الجالسة بجواره،
تنتحب في صمت، كأن ما يحدث لا يخصها،
كأن القرار يتخذ فوق جثتها وهي ما زالت تتنفس.

هتفت إنعام بنبرة أعلى: يا بتي! ردي… انتي چاهزه تتچوزي بكره؟

لكن حبيبة لم تسمع…لم يكن الصوت يصلها أصلًا.

داخلها، كان بركان الغضب والغيرة يثور، صور فارس وهو مع زوجته تمزقها، تنهش روحها، تحول صدرها إلى جمر
متقد.

عاد صوت فوزي يجلجل، أشد حدة: أنا جولت…
اللي هيتحدت هطخه!

التفت إلى موسى بعينين لا تعرفان التراجع، وهتف: شجتك چاهزه يا ولد؟

أومأ موسى برأسه، وصوته خرج ثابت، قاسي، وهو ينظر إلى حبيبة: چاهزه يا عمي، مش ناجصه غير العروسه تنورها.

أشار له فوزي بإشارة حادة كالسيف، وهدر: اطلع دلوق انت وعساف، چهزوا كل حاچه، وهاتوا الفستان والشبكة لأختك.

أومأ عساف وموسى معًا: حاضر يا ابوي.

ثم التفت فوزي إلى حبيبة،
وصوته لان فجأة، حنو ثقيل لا يصلح ما كسر: تروحي معاهم تختاري يا بتي.

رفعت حبيبة عينيها إليه… نظرة تائهة، فارغة،
كأنها خرجت لتوها من حرب ولم تعد تعرف من المنتصر.

أنهت تضميد جرحه بيد آلية، نهضت دون كلمة، وصعدت إلى الأعلى بخطوات ثقيلة، كل خطوة تجر خلفها روح تتفتت، كأنها لا تصعد الدرج…
بل تساق إلى قدر لا تريده، ولا تملك الهرب منه.

دلفت إلى غرفتها، وأغلقت الباب خلفها كما يغلق القبر على ساكنه، ثم ألقت بنفسها بين أحضان السرير، كأنها تعود إلى آخر ملاذ تعرفه…

انطلق نحيبها مكتوم أول الأمر، ثم علا، يرتد صداه بين الجدران العارية، كأن الغرفة نفسها تبكي معها.

وفي رأسها، انبعث صوت فينوار، واضح جارح، لا يعرف الرحمة: ليه يا حبيبه؟ كيف هتعيشي مع راچل غير فارس؟ كيف هتتحملي واحد غير فارس؟

تكورت حبيبة على نفسها، وخرج صوتها بين شهقات تقطع صدرها نصفين: هو السبب… أنا مش مسامحه،
وهمني بالحب ، وملك جلبي وروحي بعشجه،
وفي أول مطب غدر بيا…دبحني….أنا حاسة كني اتجسمت نصين، وحياتي انتهت!!

ساد صمت ثقيل، ثم جاء صوت فينوار حزين، كأنه يعتذر عنها: حبيبه…فارس معذور، مش جالك ملعون،
وأنه خايف عليكي… اللعنه اكبر منه صديجيني!

انفجرت دموعها أكثر، وكأن الكلمات زادت الجرح اتساعًا وغمغمت : ايوه…جال ملعون، بس كان ايه اللي هيچري لو بجينا مع بعض؟ اللعنه ديه هتموتنا يعني؟
طيب ما أنا دلوق مدبوحه! أشنع موته!
هو رماني من نار كانت هتكون في حضنه .. لچهنم فراجه، وأنا عمري ما هسامحه… ولو كان بيني وبين الچنه ان اسامحه، خليني في النار أحسن.

همس صوت فينوار، خافت، كأنه يخشى أن ينكسر معها: بس انتي بتحبيه يا حبيبه…متعنديش حالك.

خرجت شهقة حادة من صدرها، نحيبها هذه المرة كان صرخة روح: بحبه! وهحبه لحد الموت! عمري ما حبيت ولا هحب غيره… هو دخل جلبي… ومات جلبي وهو چوه….وخلاص… أنا بس هموت كل ما أفكر .. إنه مع غيري دلوق، واتحرمت من حضنه ومنه….فارس كان كل دنيتي…معرفش ليه الدنيا حرمتني منه.

اشتعل صوت فينوار بغضب: لسه في إيدك الفرصه!
ارفضي الچواز، واصبري… فارس هيرچعلك يا مدبوبه،
هيحاول يحل اللعنه، وهيطلج بت عمه.

أغمضت حبيبة عينيها بقهر كثيف، وكأنها تغلق باب أخيرًا: لا… ديه اتچوز بت عمه وخلاص…خاني… وخدعني.
غرجني في ليل طويل… مش هيطلعه ضي أبدًا.

مدت يدها المرتجفة إلى جوارها، سحبت علبة الحبوب، ابتلعت واحدة دون تفكير، كأنها تبتلع الألم نفسه.

وضعت رأسها على الوسادة، وسادتها التي ارتوت من دموعها وقهرها، وسقطت في نوم ثقيل…
نوم لا يشبه الراحة،
بل هروب مؤقت من عالم لم يعد يحتملها.
……….
في سرايا الأنصاري،

اندفعت سيارة بدر، تتبعها سيارة أدهم، وتوقفتا في الحديقة كأنهما توقفتا على حافة انفجار وشيك.

فتح فارس باب السيارة بعنف كاد يخلع مفاصله، وقفز منها وهو يزأر: انتو اتخوتوا؟! هو أنا عيل معاكم؟!

ترجل بدر وأدهم وفهمي في آن واحد، لكن فهمي كان الأسرع، اندفع نحوه ودفعه إلى الداخل بقسوة، وصوته يقطر غضب واحتقار : ايوه عيل! ما هو ديه مش شغل رچالة! مهمل عروستك اللي لساتها ما سبعت،
وماشي ترمح ورا واحدة ناسها رافضينك،
كنك معندكش كرامة يا ولد أخوي!

اشتعلت عينا فارس، لم تعدا عينين… بل فوهتي جحيم، وصاح بصوت يحرق صدره قبل الهواء: أنا كرامتي في وعدي لحبيبه!يوم ما خليتها تنشغل بيا وتحبني!
رجولتي انداست يوم ما رجعت في وعدي معاها
وحرجت جلبها! وكله بسببكم…وبسبب ذنوبكم زمان،
واحنا اللي شلنا الطين!

انقض بدر وأدهم عليه، تمسكا بذراعيه بقوة، وخرج صوت بدرخشن وهو يحاول كبح البركان: خلاص يا فارس!اهدى… نجعد نفكر!

ضحك فارس ضحكة مشروخة، أقرب للعويل، ودفعهما بعنف كأنه يطلق رصاصه: أفكر في إيه؟! بيجولك الفرح بكره!

ثم…انفجر.
صرخة خرجت من أعماقه، صرخة وحش محبوس طال أسره، وانقض على كل ما حوله ، كسر…حطم…
قذف بالأثاث، وأسقط الزينة، وتهشمت الأشياء تحت يده كما تهشمت روحه.

كان يضرب العالم لأنه لا يستطيع ضرب القدر.

تجمع أهل السرايا على صوته، الرعب يتسلل إلى العيون، والصمت ينهار أمام صراخه الهستيري، والزجاج يتناثر كالأعصاب المقطوعة.

هدر أدهم بغضب وهو يلتفت إلى بدر: كلم عماد!
دلوق! ديه اتجوت!

أومأ بدر بسرعة، وتراجع خطوة وهو يخرج هاتفه بيد مرتجفة، يطلب عماد،
بينما فارس ما زال في الداخل…يحترق.

ليس غضب فقط، بل رجل يرى قلبه يدفن حيا…
ولا يملك سوى أن يصرخ.

وقفت إيمان أعلى الدرج، جسدها متيبس، ودموعها تنساب بلا توقف، تحدق في ذلك الجنون المنفلت الذي استولى على فارس بالكامل…لم يكن رجلًا يثور…
كان روح تنتزع من جسدها قسرًا.

انزلقت دموعها بحرقة، وغمغمت بصوت مكسور: كل ديه عشان حبيبه هتتچوز…

ساد صمت قصير، صمت مخيف، قبل أن يتسلل إلى صدرها خيط أمل بارد، لزج… أمل لا يعرف الرحمة.
إن تزوجت حبيبة، فلن تعود عائق..الطريق سيخلو لها
والقدر كما أقنعت نفسها قد يكون أخيرًا يفتح لها باب كان مغلق.

وضعت يدها على قلبها، تتنفس باضطراب، تشعر وكأن الحياة تعاد كتابتها لها قسرًا… مع فارس.

في الأسفل،

اقترب سند وأدهم محاولين تطويق فارس، كمن يحاول احتضان إعصار.
صاح سند بغضب مبحوح: كفايك يا فارس! اهدي يا أخوي!

لكن فارس صرخ، صرخة وحش حبس طويلًا حتى تعفنت روحه: اوع يا سند! اللي هيجوف في طريجي هدوس عليه! اوعي!

اندفعت وهيبة إليهم، صوت نحيبها يشق القلب: كفايك يا ولدي!ارضا بحكم النصيب يا ضنايا!

التفت فارس بعينين محتقنتين، عروقه بارزة كأنها ستنفجر، وهدر: لا! ده مش حكم النصيب…
ده ظلمكم! حرجتوا جلوبنا من غير ذنب يما!
همليني يا أدهم… لازمن ألحج حبيبه!

تشبث أدهم به بجنون، وصاح: هتلاحجها كيف يا أخوي؟!
هتخطفها يعني؟!

رد فارس بلا تردد، بصوت يقطر دمار : ايوه!
هخطفها! اوعوا! مش هسامح اللي هيجف في طريجي ويمنعني… طول عمري!

تقدم فهمي بخطوات ثقيلة، وصوته انفجر بغضب: انت اتخوت؟! تخطف بت الناس كيف؟! ولما أبوها ولا أخوها يطخك عيارين، نجعد احنا بحسرتنا فيك؟!

وفي تلك اللحظة، اندفع عماد راكضًا مع بدر، وصاح بفزع: في إيه يا غالي؟!

أشار سند بيده بعصبية: تعالى يا عماد! هات حقنة ولا منوم!

دفع فارس سند بعنف أعمى، وصاح: لا! اوعي يا سند!
هنخسروا بعض! مش هسامحكم!

تكاتفت الأيدي؛ سند، بدر، أدهم…
أمسكوا به كمن يمسك رجلًا يغرق ويرفض النجاة.

اقترب عماد بسرعة، وغرس الإبرة في ذراع فارس.
صرخ فارس بكل ما بقي فيه من قوة: لااا! مش هسامحكم يا ولاد الـ! هملوني!

سحب عماد الإبرة، وبدأ جسد فارس يلين تدريجيًا، مقاومته تخبو، بينما نحيب وهيبة وفاطمة ونغم وليلة وإيمان ومريم يعلو، يتردد صداه في أذنه كمرثية جماعية.

سقط فارس أخيرًا فاقد الوعي بين أيديهم، لكن شفتيه ظلتا تتحركان، ولسانه يهمس بجنون موجوع…
حنون واعي أكثر من اللازم: حبيبه… لا… حبيبه سامحيني…يا حبة جلبي…

ثم غاص في دوامة نوم مفروض، نوم لا يشبه الراحة…
بل يشبه الهروب، ويمتزج فيه الألم بالحلم، والحب بالجحيم…

نزل رماح الدرج بصعوبة، كأن جسده أثقلته السنين دفعة واحدة، وخرح صوته خشن يقطر غضب مكتوم: في ايه يا ولد؟ ايه الخوته ديه؟

أشار فهمي بيده بعنف، وكأن النار تشتعل في عروقه، وهدر: تعال يا ابوي، ولد ولدك هيودر حاله مع بيت العزايزي.

رفع رماح رأسه، دهشة ممزوجة بغضب قديم ، وهدر: ليه؟ بيت العزيزي مالك بيهم؟

انفجر فهمي بصوت حاد: بدو بتهم، وفوزي العزيزي مش موافج!

ارتجف جسد رماح ارتجافة عنيفة، كأن الضربة أصابت صدره مباشرة. ..ترنح خطوة، ثم جلس على أقرب كرسي، وأنفاسه تتقطع، وغمغم بصوت متحشرج موجوع: هو اللي مش موافج؟ فوزي العزيزي مش موافج على فارس الانصاري؟ حجيجي الأيام دول يا ولاد…

في الأعلى،
كان فارس محمول بين أذرع بدر وأدهم وعماد.
جسد بلا روح، بلا عقل، بلا قلب…
كأن الجنون انتزع منه كل ما يسمى حياة.

دلفوا به إلى جناحه، وضعوه فوق السرير بحذر يشبه الخوف، ثم انسحبوا إلى الأسفل، يلتفتون إليه بحسرة ثقيلة، كأنهم يتركون خلفهم ميت لم يدفن بعد.

دخلت وهيبة بخطوات بطيئة، وجلست بجواره.
دموعها تحرق عينيها قبل أن تنساب، ونظرت إلى ملامحه الشاحبة، وغمغمت بقهر: كان مستخبلك وين ديه كلاته يا ضنايا…ربنا يچازي اللي كان السبب.

دلفت إيمان خلفها، صوتها يرتعش وهي تقترب: هو زين يا مرت عمي؟ هما عملوا ايه فيه وجع كده مره واحده يا جلبي؟

مدت وهيبة يدها ومسحت جبين فارس بحنو موجوع، وكأنها تحاول تهدئة طفل مكسور، وغمغمت: نوموه…
خلوه ينعس يا حبة عيني.

نهضت وهيبة ببطء، ومسحت دموعها بطرف حجابها، ثم التفتت إلى إيمان وقالت بصوت يحمل أمرًا لا يقبل النقاش: أنا هندلي، وانتي غيريله خلجاته بچلبيه مريحه إكده، وخليكي جاره.

اتسعت عينا إيمان بدهشة ممزوجة بخجل ثقيل، وهمست: أنا… أغيرله حلجاته؟

أومأت وهيبة برأسها بصرامة، وهتفت: ايوه يا إيمان،
أمال أچبلوا واحده من الشارع؟

أومأت إيمان رأسها على الفور، قلبها يخفق بعنف، وانسحبت وهيبة إلى الخارج، وأغلقت الباب خلفها.

وبقي فارس وحده… ممددًا بين الغياب والوعي،
بين الحياة والموت،
وقلب مكسور لا يعلم أن هناك من اقترب أكثر مما ينبغي…في اللحظة الأخطر.

اقتربت إيمان من فارس ببطء، كأنها تخشى أن يفيق إن لامسته، وتأملت ملامحه الغارقة في الغياب…

كان ساكن حد الوجع، وملامحه تحمل من التعب ما يكفي لهدم قلب كامل…

انسابت دموعها، وغمغمت بصوت مكسور:وچعت جلبي عليك يا حبيبي…كل ديه حب لحبيبه؟
لو كانت ساحرالك، ما كنتش تعشجها كده.

دنت منه أكثر، مدت أصابعها المرتجفة تمسح على وجنته بحنان يشبه طلب مغفره، وهمست بصوت خافت مبحوح:  بس لو تديني هبابة من الحب ديه… أنا مش طمعانه في أكتر… بس أعيش معاك تحت سجف واحد، وتتحدت معايا كيف الخلج وبس.

ثم، كمن يقترف جريمة مقدسة، احتضنت وجهه بين كفيها، اقتربت حتى اختلطت أنفاسهما، وقبلته على شفتيه قبلة دافئة حنونة، أغمضت عينيها فيها كأنها تودع العالم كله، وهمست:  بحبك جوي يا غالي… بس لو تديني فرصة، وأنا أجيد ليك صوابعي العشرة شمعة، وأعيش تحت مداسك.

تأملت ملامحه طويلاً؛ وسامه متعبه، حزن مقيم، وكأن القهر نحت وجهه حتى وهو نائم…

مسحت دموعها بقهر، ثم عادت إليه وقبلته مرة أخرى، قبلة أعمق، أطول، أكثر إثم وألم… 

فجأة انفصلت عنه مذهولة من نفسها، وضعت أصابعها على شفتيها المرتعشتين وهمست:  كفاية إنك أول راچل شفايفه مست شفايفي.

نهضت بسرعة، كمن يهرب من ضميره، ذهبت إلى غرفة الملابس، أحضرت جلباب نوم خفيف، عادت إليه. 

بدأت تفك أزرار قميصه واحدًا تلو الآخر، عيناها تتأملان صدره العريض المشدود، الشعرات الخفيفة في منتصفه كأنها خطوط حبر حزين. 

مالت عليه، نزعت القميص ببطء، ثم انزلقت أصابعها على صدره وبطنه المسطح كأنها ترسم خريطة لألمها…

وصلت إلى حزام بنطاله، فكته بيدين ترتجفان من الخوف والرغبة معاً، سحبت البنطال، وعضت شفتها السفلى بخجل مذنب وهي ترى ذلك الشورت الأسود الضيق… الذي يبرز تفاصيل رجولته بوضوح..

مسحت دموعها بقهر مشوب الخجل، ثم نهضت كمن يحسم معركة داخل صدرها.

أخذت الجلباب، واقتربت منه بذلت كل قوتها حتى ألبسته إياه، وهي تلهث كمن يصارع موجة عاتية داخل صدرها.

ثم ابتعدت قليلاً، بدلت ملابسها بقميص نوم رقيق، عادت إلى السرير، سحبت الغطاء عليهما بحركة حامية، واستلقت بجانبه…

وضعت رأسها على ذراعه، طوقت جسده بذراعيها كأنها تخشى أن يتلاشى في اللحظة التالية، أو أن يستيقظ ويدرك حجم الجرم الذي اقترفته.

أغمضت عينيها أخيراً…

راحة غريبة تسربت إلى صدرها الممزق، 
سعادة صغيرة، لكنها مذنبة، 
من تلك السعادات التي لا يعرف طعمها إلا من احترق في صمت طويلاً. 

وبينما هو غارق في نوم ثقيل عميق، 
لا يعلم أن ثمة قلباً اختار أن يحترق بصمت، 
ويظل يحترق…  من أجله وحده…

في الأسفل، كان الهواء ثقيلاً كأن السرايا تحبس أنفاسها.
اقترب فهمي من عماد، وصوته منخفض لكنه مشحون:
جولي يا ولدي…المنوم ديه هينيمه لحد ما فرح بت العزيزي يفض وتروح لحالها؟

هز عماد رأسه ببطء، وعيناه مثقلتان بالحزن:لا يا عمي…
ديه أجصى حاچة تمن ساعات، وبعدها هيصحى.

اشتعل وجه فهمي بغضب، ولوح بيده:يعني يصحى والفرح داير ؟ويروح يجتل العريس ويودر حاله؟

قبل أن يرد عماد، انغرس صوت رماح في المكان كالسيف:جبل ما يصحى… تكونوا محضرين حجنة تاني،
ونيموه تاني لحد اليوم الشؤم ديه ما يغور.

ساد صمت ثقيل، كأن الكلمات سقطت على الأرض وتهشمت.
أومأ عماد برأسه على مضض، وقال بصوت مكسور:
ماشي يا عم الحچ… بس والله لولا خوفي على الغالي،
ما كنت وافجت. ديه لو فاج… هيودر حاله في چناية.

استدار مغادر، وخلفه أدهم وبدر، يسيرون ببطء كأنهم كانوا يحملون جنازة لا رجل حيا.

وبقيت السرايا غارقة في وجع كثيف…
وجع يشبه قبر مفتوح ينتظر الاسم التالي.
……
في اليوم التالي…
في سرايا العزيزي.

تزينت الحديقة على أتم الاستعداد، أضواء معلقة، أقمشة ملونة، ورد يفترض به أن يعلن الفرح…
لكن شيئًا ما كان معطوب في المشهد كله.

الأنوار، مهما اشتعلت، بدت باهتة كعيون أرهقها السهر على وجع قديم،
والزينة، رغم فخامتها، كانت ككفن ملون يغطي جرح مفتوح..

لم يكن فرح…كان مأتم متنكر في هيئة عرس.

الهواء نفسه كان ثقيل، بارد، يلسع الأرواح قبل الأجساد،
كأن الحديقة تشهد على ذبح صامت…
ذبح لا دم فيه، لكن ألمه أعمق من السكاكين.

هنا تذبح الأحلام باسم النصيب،
تكسر القلوب على إيقاع المزمار،
وتزف الأرواح إلى مصائر لم تخترها.

كان كل شيء يقول فرح ، إلا العيون… العيون كانت تعرف الحقيقة.

تعرف أن هناك حب ذبح، لا على الملأ، بل في الخفاء…
وما زال يتنفس،يتلوى، ويشهد على جريمتهم.

فرح العزيزي لم يكن إلا شاهد قبر للحب،
قبر مفتوح… والميت فيه حي، مدبوح، ويجبر على الابتسام.
….
في شقة أمير…

جلس على الأرض بجانب السرير، غارق في ظلام أكثر كثافة من ظلام قلبه، ذاك الظلام الذي يقتله شعور بالذنب…

كل نفس له كان ثقيل، وكل حركة صدى لندم يلتهمه من الداخل.

دخلت ريم، عينيها محملتان بالحزن، ومدت يدها لتضيء الغرفة قليلاً وقالت بصوت مفعم بالقلق: أمير… هتجعد كده لحد متى؟

رفع يده ليغطي عينيه بحنق، وهتف بصوت حاد كأن الألم نفسه يتجسد في كلماته: طفي النور ديه يا ريم… همليني لحالي!

اقتربت منه وجلست أمامه، مدت يدها وربتت على ساقه، محاولة أن تزرع قليل من الطمأنينة: هتجعد كده… وفرح اختك تحت شغال بلاك.

هز رأسه بحزن عميق، صوته خرج كهمس متقطع من قلب مثقل باللوم: ديه مش فرح، خيتي… ديه چنازتها… وأنا مش جادر أشاركهم الچريمه معاهم.

هزت ريم رأسها بالنفي، وغمغمت بصوت حنون: لا متجلش كده… أنا عارفة إنك كنت عايز فارس يتچوز حبيبه… عشان مناسب ليها… وبيحبها… بس انت وعيت علي ايه غلطه من موسي… ما يمكن يكون أحسن.

رفع أمير رأسه بحدة، كأن كلمتها لامست جرح غائر :
لا… مش أحسن… موسي؟! ده تعلب وغدار… أنا من زمان مش بطيجه، ولما لبس لي سلمان السرجه… أنا كنت متأكد إنه هو اللي سرج… مش سلمان… دمه كابس تجيل جوي.

أشارت له ريم بيدها، متسائلة: طب… أنت ما سألتش سلمان ليه؟

أومأ أمير برأسه بتحدي، صوته صار ناري: أنا شيعت ناس هيجلبوا اسكندريه… وهيچيبوا سلمان من مكانه… وهخليه يجول الحج… وحتى لو كان موسي اتچوز حبيبه… هطلجها منه.

هزت ريم رأسها بحزن، وقالت بصوت منخفض: لولا اللي حصل عشيه… كان الفرح هيبجى بعد أسبوعين… وكنا جبنا سلمان.

جذب أمير شعره إلى الخلف بغضب، وهدر بصوت يقطع الهواء: أنا اللي كلمت فارس على أساس يچي يتكلم مع أبوي… ونحاول نجنعه… بس المخوت چاي وخرب الدنيا على رأس الكل!

ربتت ريم على يده بحنو، محاولةً تهدئته: استهدي بالله يا أخوي… وجوم لفرح خيتك… اهو… موسي طلع زين… يبجي.

سحب أمير يده بغضب، وهدر: بطلي أخوي ديه!
أخوكي يعني؟

ارتجفت ريم بدهشة، صوته يملأ الغرفة حدة: في إيه يا أمير؟

نظر لها بحنق، كأن كل غضبه يثور في كل حرف : أخوكي كيف؟! … يعني هو أخوكي هيذنجك في الحيط… ويبوسك… كيف ما بوستك عشيه؟

جحظت عيناها بدهشة ممزوجة بالخجل، ونهضت بسرعة، وهتفت بتلعثم: ايه اللي هتجولوا ديه… اختشي!

توقف الهواء في الغرفة مشحون بالغضب، بالندم، وبشعور مشوب بالخطر…
كأن كل كلمة، كل حركة، تشعل نار خفية داخل قلبهما.

نظر لها بحنق، قبض على يدها وسحبها إليه،
أسقطها بين أحضانه… شهقت بفزع، ةصاحت بغضب: أميرررر… انت اتخوت! سيبني!

هزّ رأسه بنفي قاطع، وقبض على خصلات شعرها بقوةٍ محسوبة، عنيفة بما يكفي ليشعرها بسيطرته، لكن دون أن يجرح…

جذبها نحوه فجأة، وانغمس في شفتيها بجوع وحشي، كأنما يفرغ في تلك القبلة كل الغضب والإحباط والرغبة المكبوتة التي تكومت في صدره ….

كانت قبلة عميقة، مدمرة، تمزق الحدود بين الألم واللذة؛ عض شفتها السفلى حتى سال الدم الدافئ بين أسنانه، وامتصه بنهم، كأنه يتذوق جزء من روحها.

تراجع فجأة، أنفاسه الثقيلة تملأ الفراغ بينهما، وتركها تتأرجح على حافة الانهيار.

شهقت بفزع حقيقي، وصدرها يعلو ويهبط بعنف وكأن الهواء نفسه يرفض دخول رئتيها…

ارتجفت يدها وهي تدفع يده بعيدًا عن وجهها بقوة مفاجئة، ثم نهضت كالسهم، ركضت نحو الباب بخطوات متعثرة، قلبها يدق في حلقها.

لكن صوته الحاد، الممزوج بالأمر والتهديد والشيء الآخر الذي لا تستطيع تسميته، قطع الهواء كالسكين: بت!

نظرت له، ودموعها تلمع في عينيها…ابتسم لها بعبث غريب ومحايد، وقال: لو جولتي اخوي ديه تاني… يبجي انتي بدك أمسحها من على عجلك بطريجتي.

بلعت لعابها بتوتر، انزلقت دموعها، وركضت للخارج وأغلقت الباب بعنف.

مرر أمير لسانه على شفتيه، يلعق بقايا دمائها، وغمغم بصوت متحشرج: دمها… مسكر… بت المرة…

شرد قليلاً، ثم أخرج هاتفه، فتحه على صورة شقيقه الراحل…نظر إليها، وغيم الحزن على عينيه، وغمغم بصوت موجوع متحشرج: سامحني يا اخوي… حبيتها غصب عني… عمري ما حسيت بحنية غير منها… وهي جدامي… بحس الدنيا كلها بخير… سامحني يا طه… بس أوعدك هشيل بتك في عيني… يا اخوي.

وضع هاتفه على طرف السرير، ونهض إلى المرحاض بخطوات ثقيلة، متعبة، وكأن كل جسده يحمل وزر ما حدث.
……..
في غرفه حبيبه ..

جلست حبيبه أمام المرآة، وجهها شاحب كأنه مرآة للظلام الذي يكتنف قلبها، وعينان شاخصتان لا تريان شيئًا سوى صورة فارس تتراقص في ذهنها، كل ذكرى وكل همسة وكأنها عاشتها قرون، لا أشهر معدودة…

شعرت بأن العالم كله قد اختزل في تلك اللحظة، وأن لا قوة في الوجود تستطيع أن تفصلها عن فارس، وهو نفسه، رغم قربه وبعده، أصبح جزء من كيانها الممزق.

فجأة، انقطع صمت الغرفة بصوت صاخب يتسلل إلى أعماق عقلها، صدى له نبرة لهجة حادة: حبيبه… انتي اتخوتي؟ ليه هتعملي في حالك كده؟

قبضت على فستانها الأبيض، الكفن في لونه، ورائحته تفوح من نسيجه كما تفوح رائحة الموت، وغمغمت بدموع متقطعة: أنا… مت… خلاص… بس دي المراسم… مش بيجولوا إكرام الميت دفنه…

انسكبت دموعها على الفستان، فتغلغلت في نسيجه، كأنها دماء قلبها، وقالت بخفوت: ومفيش ميت من غير كفن، ولا من غير جبر…

وفي لحظة خاطفة، كأن الزمن تجمد، انبثق نور ساطع من لا شيء، ملأ أركان الغرفة، وجعل الظلال تتلوى على الجدران….

من وسط ذلك النور، تجلت فينوار، جسدها شفاف كالدخان، لكن عينها المضيئة أشد قتامة من الليل، وصوتها يرن كصدى البرق في صحراء موحشة: مبدهاش! انتي بدك تخوتيني؟

ارتجفت حبيبه، اقترب قلبها من الانفجار، جحظت عينان ، واهتز جسدها كما لو أن الرياح الباردة تجتاح روحها، وغمغمت بصوت متقطع مرتجف:انتي مين…؟ الصوت اللي… چوه راسي…

اومات فينوار برأسها، وابتسامة حنق ترتسم على شفتيها، بينما يحيطها هدوء مشحون بالرعب، ربعت ذراعيها حول صدر كما لو أنها تتقن لعبة الخوف وقالت : أيوه… يا مخوتها… أنا فينوار.

ارتجفت شفاه حبيبه، وارتعش جسدها كله، وكأن الهواء ذاته قد تحول إلى ثلج يلسع جلدها، وغمغمت برعب مكتوم: فينوار كيف… طلعتي… من راسي…كيف؟

اقتربت فينوار بخطوات هادئة لكنها تقطر تهكم وسخرية، صوتها يرن كصدح الرعد في ليلة بلا نجوم: يا مخوته… أنا چنيه… فينوار، بنت ملك الجان أورمانتيس.

تراجعت حبيبه إلى الخلف، وتجمد جسدها ، عينان تملؤهما الذهول والرعب، والصدمة تخنق أنفاسها، وصوتها تائها: يمااا… أمااااا ريممممممم الحجوني…

هزت فينوار رأسها بالنفي، وهتفت بصوت حاد يقطع صمت الغرفة: اسكتي… صوتك عالي… محدش هيسمعك.

تجمد الهواء حول حبيبه وأصبح باردًا، يلسع جلدها ويشعل قلبها، وكل شيء في الغرفة بدا متوقفًا، إلا حضور فينوار الذي كان يثقل المكان برعب كابوسي، جعل حبيبه ترى الموت في عينيها قبل أن ترى أي شيء آخر.

بلعت حبيبه لعابها بصعوبة، جسدها يترنح بين الرهبة والخوف، وغمغمت بصوت متقطع : انتي… بدك ايه مني؟

أشارت لها فينوار بيدها بهدوء، كأنها تحمل سر كوني؛ وقالت بصوت هادئ لكنه مشحون بالقوة: بدي… تفوجي… ومتتچوزيش… وتفهمي أن فارس كان خايف عليكي لما سابك واتچوز…و

لكن قبل أن تكمل، انفتح فجأة لاهيب ناري في أركان الغرفة، شق الظلام واشتعلت اللهيب، وارتفعت حرارة المكان كأن نار جهنم فتحت بواباتها في قلب الغرفة.

تجمدت حبيبه في مكانها، عينان جحظتا من الرعب، وكل خفقة قلبها تهوي كالصاعقة في صدرها، عندما هجم ظلاك، جسد هائل من الظلام، يغطي المكان بثقل مرعب، وهدر بصوت كالرعد: وچب حبسك… مدي الحياة… فينوار… بأمر الملك!

ارتجفت فينوار بعنف، حاولت دفعه، وصرخت بصوت محطم: لا… سيبني… لااااااااا!

لكن اللهيب والنار ابتلعها، ومعها ظلاله، والصراخات امتزجت بالحرارة والرعب، وارتفع صدى صراخ حبيبه إلى أقصى الغرفة، صرخت برعب غير محتمل، حتى انحنى جسدها، وانهارت قواها، وسقطت على الأرض فاقدة الوعي، كأنها استهلكت روحها كلها في لحظة واحدة…

…..

في سرايا الأنصاري،
فاق فارس كمن ينتزع من قاع بئر مظلم…
شق جفونه بصعوبة، وكأن أحدهم كان يضغط عليها من الداخل، والدوار يلفح رأسه بألم حاد يشبه مطرقة تضرب جمجمته بلا رحمة…

مرر يده على رأسه وهو يئن بصوت مبحوح: آه يا أبوي…

تدافعت الصور فجأة، بلا استئذان. الذاكرة هاجمت عقله كإعصار هائج، تحمل معها اسم واحد، وجه واحد، وجع واحد..

هب من مكانه بعنف، وصوته ينفجر كالرصاص: حبيبة!

اندفع إلى المرحاض بخطوات متعثرة، فتح صنبور الماء وأسقط رأسه تحته، كأن الماء البارد آخر ما تبقى ليطفئ النار التي تلتهمه من الداخل…

قطرات الماء انحدرت على وجهه، لكن الغضب لم يبرد، بل اشتعل أكثر..

خرج وهو ينتزع جلبابه بعنف، مزقه كأنه يخلع عن جسده كل ما يقيده، وارتدى بنطاله وقميصه على عجل. عيناه تجوبان الغرفة بجنون، تبحثان عن شيء واحد فقط…

عن الموت المحمول في قبضة يد…هدر بصوت خشن يقطر تهديد: ماشي… يا ولاد الكلب.

اندفع إلى غرفة الملابس، فتح الخزنة بأصابع مرتجفة لا من الخوف، بل من الغضب المكبوت… سحب السلاح الناري، ثم الخزنة، وفتح الدرج الأخير.
بدأ يحشو الرصاص الحي واحد تلو الآخر، كل طلقة كأنها وعد بالدم، أو قسم بالخراب…

دفع الخزنة داخل السلاح، شد أجزاؤه بحركة خبيرة قاسية، وكأن المعدن نفسه يرتجف بين يديه…

ثم استدار، وتحرك إلى الخارج بخطوات شبه راكضة،
خطوات رجل لم يعد يرى أمامه إلا طريق واحد…
ينتهي إما بحبيبة، أو بالجحيم.

نزل فارس الدرج بخطوات نارية، كل خطوة كأنها صاعقة تهز الأرض تحت قدميه، والدماء التي غطت صدره تتلألأ تحت ضوء الشمس الخافت، كأنها تحرق كل ما حوله.

هب بدر وسند أمامه، وجفناهما يتسعان بالدهشة والفزع، وصاح بدر بغضب يقطر حرارة: على وين؟! انت صحيت كيف كده؟

أشار له فارس بالسلاح، والنار تتقد في عينيه، وارتجف صوته كما لو كان يخرج من فوهة بركان: اخفوا من خلجتي… والله ما باجي على حد!

اقترب سند، عيناه تحترقان بالحسم، وهدر بصوت مزلزل يهز الجدران: اوع كيف… واهملك تروح تجتل وتروح في چنايه! أعجل يا واد ابوي، أعجل!

صرخت وهيبه بجنون، دموعها تتساقط كالسيل، وصرخاتها تتداخل مع صرير الأحجار تحت أقدامهم: فارس… لا يا ولدي! ارچع لعجلك… يا حبة عيني!

نظر فارس إلى الخلف بعينين تلمعان بالغضب، وصاح وكأن الأرض تصم آذان الجميع: محدش ليه صالح!

اندفع سند وبدر نحو فارس، وقبضا على يده التي تمسك بالسلاح، وحاولا رفعها، وصرخ بدر بصوت يقطع كالصواعق: فارس… انت إيه اللي چارلك؟ فكر يا اخوي… انت من الأول كنت بدك تبعد!

صاح فارس بغضب يحرق الهواء من حوله، وصدى صوته يضرب الجدران: وانت تجدر تبعد عن ليله… ليه كلكم عميتوا عن وچعي؟

هتف سند بغضب يقطع القلب: ولما نهملوك وتروح فيها، يبجى كده حسين بيك؟ ديه حديت عاجلين بردك!

اشتد الصراع، كل منهم يحاول نزع السلاح من الآخر، حتى انطلقت رصاصة واحدة، تصدى لها الهواء بصوت حاد، وسقط الجميع أرضا…

صرخات وهيبه وفاطمة ومريم وليلة وإيمان تعالت، تتداخل بالنحيب والصراخ، والدماء تتناثر كأنها تحرق الحجر، والهواء يلسع وجوههم بحرارة الذعر…

نهض سند، عيناه تحدقان في فارس الذي يظهر الألم على وجهه، والدماء تتسرب بغزارة من صدره، تسيل على الأرض كأنها نهر يغلي…

جحظت عيون بدر بالذهول، وصوت صراخه اجتاح المكان: فارررررس!

حاول سند أن يرفع فارس بين ذراعيه، يحيط جسده المرتجف بحذر يائس، ويده تضغط على صدره حيث النزف لا يعرف الرحمة…

كان الهواء في البهو ثقيلاً، مشبع برائحة البارود والدم، كأن المكان نفسه ينزف معهم…
انحنى سند عليه، وصوته يرتعش وهدر برجاء مكسور:
أخوي… جوم يا أخوي… متخافش… إنت زين…

تشبث فارس بياقة جلباب سند، قبضته واهنة لكنها مشتعلة بالغضب والألم معًا، وتمتم بصوت مبحوح متقطع، كأن كل كلمة تنتزع من صدره انتزاع: حـ… حبيبه… بدي حبيبه… تـ… تسامحني يا أخوي…

انهار سند فوقه، ضمه بقسوة مشبعة بالقهر، وصاح والدموع تخونه: اسكت! متتحدتش! اسكت… بتنزف أكتر كل ما تتحدت!

اندفع بدر، سحب أحد المفارش بعجلة، وضعه على صدر فارس وضغط بكل ما يملك من قوة، كأن يديه وحدهما تستطيعان إيقاف الموت، وصاح بجنون ممزوج بالرعب: جوم! يلا يا سند… جوم!

لطمت وهيبه وجنتيها بيديها، وصرخت بصوت يمزق القلوب ويفتت الحجر: ولدي… لا يا ولدي! يا نضري… جوم يا ولدي!

تعالت الصرخات والنحيب، فغمرت السرايا كعاصفة سوداء لا تهدأ، وتشابك الدم مع الدموع، وامتزجت رائحة البارود بالوجع،

حمل سند وبدر فارس الغارق في دمائه، رأسه يتدلى بينهما، ولسانه يردد بلا وعي، بصعوبة واحتضار: حبيبه… حـــــبيبه…

وانطلقا به إلى الخارج ركضا، والكل خلفهما يندفع في فزع، كأن الموت يلاحقهم خطوة خطوة، وكأن اسمها وحده هو الخيط الأخير الذي يبقي فارس معلق بالحياة.

وضعوا فارس في السيارة، وصعد سند خلف المقود، وانطلقت السيارة بسرعة البرق، والهواء يصرخ والدماء تتوهج كأنها شعلة تحرق كل شيء حولهم،

وخلفهم سيارة بدر ومعها الجميع، تتبعهم كظل مظلم، والرعب يمتد في كل ثانية مع اهتزاز الطريق تحت عجلاتهم.
في سرايا العزيزي،

كانت الأجواء كأنها ترتدي حلة الفرح، لكن القلب يشعر بأنها خاوية من أي فرح، كأن الموت يراقب من بين الزوايا…

حضر المأذون، وجلس فوزي بجانبه، وموسي أمامه، ومد يده صافحه، لكن السلام بدا كأنه عبء يثقل الأنفاس…

بدأ المأذون بمراسم كتب الكتاب بصوت عالي، الكلمات تتردد في المكان، لكنها كأنها صدى مكسور في أذن أمير،
تصعقه كما لو أن حبال قلبه تشد بعنف، وضع يده على صدره، وشعر بأنفاسه تتقطع، وكأن الهواء نفسه يخنقه…

فاق من شروده على دوي الأصوات الحادة، أعيرة نارية تشق الهواء ، تتسلل إلى روحه كما لو كانت صفعات من الواقع القاسي، حين انتهى المأذون من كتب الكتاب،

اقترب عساف بالدفتر، صوته هادئ لكنه ثقل على قلب أمير وقال : خد… خلي حبيبه تمضي يا أمير.

نظر له أمير بعينين محملتين بالحزن، هز رأسه بالنفي، وكأن الأرض اختفت تحت قدميه: مليش صالح… أنا مش هشارك في الچريمة دي.

توقف عساف بدهشة، رمقه بصمت ثم تحرك من أمامه إلى الداخل، وصدى خطاه كان كصوت ثقيل على القلب.
وهتف من بعيد: أما حبيبه… وينها؟ لسه ما اندلت؟

أشارت له انعام، عيناها غارقتان بالدموع، وصوتها يرتجف: هطلع ليها.

أشارت انعام إلى ريم وهند، والدموع تلمع في عيونهن، وقالت بهدوء مليء بالعزم: تعالوا معايا.

أومأت ريم وهند برؤوسهن، وصعدن خلفها بخطوات متثاقلة، كأن كل خطوة تشد قلوبهن أكثر،

وصلن إلى غرفة حبيبه، وفتحن الباب على وقع أقدام متثاقلة، فجحظت عينان انعام برعب عندما وجدن حبيبه ملقاة على الأرض فاقدة الوعي، جسدها كهيكل بلا روح، وصرخت بصوت حاد يشق الصمت: بتــــــــي!

اندفع جميعهن نحو الغرفة، وحملت انعام جسد حبيبه برفق متردد، وصاحت بنبرة مشوبة بالقلق: الحجوني بأي حاچة!

ركضت ريم نحو طاولة الزينة، بينما توجهت هند لتجلب كوب ماء، وعادت بخطوات مرتجفة، والقلق يعتصر قلبها.

ربتت انعام على وجنتي حبيبه بنعومة، وهمست بمرارة:
فوجي يا بتي… متحرجيش، جلب أمك عليكي.

اقتربت ريم بزجاجة عطر، ونثرت بعض الرذاذ على يدها، وقربتها من أنف حبيبه، ودموعها تسيل على وجنتيها وغمغمت : حبيبه… فوجي يا حبيبتي.

مدت هند كوب الماء إلى حبيبه، وقالت بنحيب: خدي يا خيتي…

أشارت لها ريم بصوت مختنق بالدموع: استني… هتفوجي.

حركت حبيبه رأسها ببطء، وفتحت عينيها بصعوبة، تنظر حولها للحظة، ثم صرخت بفزع، وتمسكت بوالدتها: النار… الچنية… يما!

قطبت انعام حاجبيها بدهشة، وغمغمت:نار إيه يا بتي؟ چنبه إيه؟ بسم الله عليكي … مفيش حاچة.

فتحت حبيبه عينيها على مصراعيها، ونظرت حولها برعب، والدموع تترقرق: والله كانوا هنه… وجلتلي اسمها… فينوار… أنا مش بحلم… أكيد مش بحلم.

هزت ريم رأسها بالنفي، وهمست بقلق: لا يا جلبي… أكيد هتحلمي… أو يمكن الحبوب المنومة عملتلك هلوسة.

هزت حبيبه رأسها بعناد ودموعها تتساقط: مش هاخد تاني… أبدا… مش هاخد.

أومت انعام برأسها، وحاولت رفع حبيبه بمساعدة ريم وهند، وهمست بلهفة:جومي يا بتي… وجعتي جلبي.

دخل عساف الغرفة مسرعًا، وصوته يملؤه الحنق:
كل ديه يما… الجاضي مستعجل!

نظر إلى حبيبه، رغم شحوب وجهها، إلا أن جمالها كان خلاب، يلهب القلب ويشد النظر، اقترب منها وقبل رأسها بحنان وقال : مبروك يا خيتي.

أومأت حبيبه برأسها بصمت، وكأنها مجرد ظل تحت وقع الأحداث، وفتح عساف الدفتر أمامها، ومد لها القلم: امضي هنه.

التقطت حبيبه القلم بأصابع مرتجفة، ونظرت حولها برعب، ثم خطت توقيعها بخط باهت، بلا إدراك كامل لما يحدث. أغلق عساف الدفتر، وهتف بسعادة: وه… مالكم زغرتي يا هند؟

أومت هند برأسها، وأطلقت زغرتها، لتدوي في أرجاء الغرفة كصدى بعيد يخترق ذهن حبيبه، وتشعر وكأن كل شيء من حولها ما زال غارق في الرعب والهلع…

مسك عساف ذراع حبيبه بحذر، وحركها ببطء إلى الأسفل، كأنها جسد بلا روح، ومع كل خطوة كانت حبيبه تتشبث بالهواء كأنها تحاول استجماع نفسها، لكن قلبها ما زال يرتجف بين الرعب والحزن.

في الأسفل،
كان موسي واقف عند آخر الدرج، عيناه تتلألأان بالانتصار الخفي، وصوته يطرق فرح كأن العالم كله له وحده…

بجانبه، وقف فوزي وفواز، وأخيرًا كان أمير في الخلف، صامت يراقب المشهد بعينين مثقلتين بالانتظار.

نزلت حبيبه الدرج كأنها تساق إلى محراب الذبح، جسدها يرتجف، وروحها معلقة بين الصدمة والخوف، بينما قلبها يعرف أن كل خطوة تقربها من مصيرها المجهول…

كانت بالفعل منحورة، لكن السؤال يظل: ماذا سيذبح موسي؟ أم ماذا ستذبحه هي في نفسها؟

وصلت إليه، التقط موسي يدها وقبلها بحب، وهمس بصوت مكتوم: مبروك يا بت عمي…

لم ترد حبيبه، عينها ذاغتين، مشوشة، لا تدرك شيئًا من حولها، كأنها كيان عائم في فراغ.

اقترب فوزي، قبل رأسها وهمس بحنان: مبروك يا بتي…

لكنها لم ترد أيضًا، كأنها غير موجودة بين الأحياء، كأنها شبح محاصر بين الموت والحياة.

اقتربت جملات، احتضنت حبيبه على صدرها المرتعش، ربتت على ظهرها برفق، وصارت الدموع، أخيرًا، تنهمر من عينيها، لؤلؤ يلمع تحت جفونها الباردة…

نظرت لها جملات، مسحت دموعها بطرف إصبعه، وربت على وجنتيها بحنان، كمن يربت على زهرة تاقت إلى الشمس بعد شتاء طويل.

قبض موسي على يدها، لفها حول ذراعه، وتحرك بها إلى الخارج، والجميع خلفهم، وأصوات الزغاريد والطلقات النارية تشق الهواء، لكنها تصل إلى حبيبه كصدى بعيد، بعيد جدًا، لا يلمس قلبها الميت تقريبًا.

وصلوا إلى منزل فواز، وخرجت هند مسبق وهي تحمل كوب الحليب، كما جرت العادة، تقدمه إلى موسي…

ارتشف نصفه، ثم قربه إلى حبيبه، التي نظرت إليه… لكنه لم يكن أبيض ، بل صار في عينيها أحمر كالدم، كأن كل الحياة تلطخت، دفعت الكوب فسقط على الأرض وانكسر، وانسكب الحليب كأنه دم نازف من قلبها.

شهقت هند وانعام برعب، فشأن هذا المنظر كان نذير شؤم، لكن موسي أشار بيده، وصاح بغضب مكتوم:
خلاص… حصل خير… خدت الشر وراحت.

تحرك موسي إلى الدرج، يسحب حبيبه عنوة، هي تلفتت للخلف، عيناها دامعتان، تبحثان عن والدتها، عن أي مرفأ بين هذا الألم والذبح النفسي الذي يمزقها من الداخل.

وصلا إلى باب الشقة كمن يدخلان جحيم خاص بهما،

فتح موسى الباب بعنف يمزق الصمت، ثم انحنى فجأة كوحش جائع، رفعها بين ذراعيه الخشنتين كأنها فريسة طال انتظارها،

شهقت حبيبة شهقة حادة تقطع الأنفاس، نحيبها يرتجف في حلقها ودلف بها إلى الداخل، أغلق الباب خلفهما بركلة عنيفة هزت الجدران كلها، ثم اندفع نحو غرفة النوم كالثور الهائج، أغلق بابها بقوة كمن يختم تابوت على حي.

تملصت حبيبة من قبضته فجأة، انزلقت من بين ذراعيه كظل مذعور يحاول النجاة، وغمغمت بنفور يقطر رعب واشمئزاز:  أوعى هتشليني ليه؟

نظر إليها بدهشة تحولت سريعًا إلى غضب أسود، وهتف بصوت يحمل وعيد: مش عروسة كيف العرسان؟”

هزت رأسها بعنف يائس، دموعها تسيل كدم ساخن: 
أنا مش عروسة… أنا ميتة.

اقترب منها خطوات ثقيلة كالرصاص، عيناه تلتهمان جسدها بنظرات تفيض خبث وشهوة متوحشة لا ترحم، وقال بصوت خشن :  ميتة كيف؟ طب دانتي كيف البدر… هو في ميتة حلوة كده؟ چسمك ديه هيصرخ تحت مني!

دفعته بكلتا يديها بقوة محمومة، تراجعت إلى الجهة الأخرى من السرير، وصاحت بغضب يمزق صدرها: 
بعد عني!

ضحك ضحكة صاخبة مشبعه بالخبث، وهو يمزق جلبابه عن جسده بعنف، عضلاته مشدودة كالأسلاك، ثم هدر بصوت يشبه عواء الذئب الجائع:  أبعد كيف؟ دانا مستني الليلة ديه من سنين… اسمعي الحديت عشان ما تعفاش عليكي، وخلي ليلتك شبك حلوة كده، هفشخك لحد ما تصرخي باسمي.

تراجعت حبيبة بزعر يعصف بها، كأنها تستفيق من كابوس دام عقود ، وصرخت بفرع يشق الروح: لا… بعد… أنا مش هتجوز!

اندفع نحوها كالوحش، كاد يقبض عليها، لكنها رفعت فستانها بسرعة محمومة حتى انكشف ساقيها ، وركضت، صعدت السرير كمن يهرب من مخالب الموت، ثم قفزت من الجهة الأخرى وهي تصرخ: لا… بكرهك… بعد!”

اندفع خلفها، يمزق ما تبقى من ملابسه بعنف متوحش، عضوه المنتصب يرتجف من الشهوة القذرة، وهدر: 
تعالي… وأنا هخليكي تحبيني يا بت… هخليكي تترچيني أدخله تاني!

صرخت حبيبة صرخة شقت حنجرتها، اندفعت نحو الباب، أصابعها ترتجف وهي تحاول فتحه،

لكنه قبض على شعرها بعنف يمزق فروة رأسها، سحبها إليه بقسوة وحشية، أغلق الباب بالمفتاح، ثم ألقاها أرضا كأنها خرقة ممزقة…

اعتلاها بثقله الثقيل، مزق صدر فستانها بمخالبه، كشف عن بدايه نهديها الذي يرتجف رعباً، وهدر بغضب يغلي: 
إنتي اللي چبتيه لحالك يا بت الكلب!”

صرخت حبيبة صرخة كأن روحها تنتزع من جسدها بأظافر حديدية، راحت تخدش لحم وجهه وتعض كتفه بعنف يائس كالوحش المحاصر،

صرخ من الألم ثم قبض على شعرها أكثر قسوة، ضرب رأسها بالأرض مرة بعد أخرى بعنف يفقدها الوعي تدريجياً، يهز دماغها كالزلزال الذي يدمر كل شيء…

دارت الغرفة بها كعجلة من نار، ابتلعها الدوار ببطء قاسي يعذبها قبل أن يقتلها، وحاولت التشبث بالوعي كمن يمسك بطرف حبل يتدلى من الهاوية، لكن الظلام كان أقوى، يبتلعها كالوحش الذي لا يشبع…

ثم تجمدت فجأة، بين الوعي واللاوعي، عندما شعرت بشيء صلب كالرمح الحديدي يخترقها دفعة واحدةً بعنف يمزق كيانها من الداخل، يفتح جراح عميقة في أكثر أماكنها حساسية وحرمة، ألم عنيف يعصف بها كالإعصار يمزق الأعضاء، يرسل موجات من النار تسري في عروقها…

ارتجف جسدها كله من الصدمة، ثم خرج بعنف كما اقتحمها، ثم مرة أخرى، وأخرى، كطعنات متتالية لا تنتهي، يمزقها من الداخل ويتركها تنزف روحاً قبل الدم.

رفع طرف فستانها الممزق أكثر، نظر إلى ما بين فخذيها بترقب مريض كجلاد يفحص ضحيته ،ثم قطب حاجبيه بدهشة ممزوجة بغضب جديد يغلي في عينيه كالسم، وهدر بصوت يقطر تهديداً يقشعر له الجسد: مفيش دم… ليه يا بت الكلب؟ مين فشخك جبلي؟

كانت حبيبة قد غرقت في بحرٍ من الألم والذلّ الأسود، جسدها يرتجف تحت ثقله كالأرض تحت الزلزال، وعيناها مفتوحتان على وسعهما في رعبٍ مطلق، تريان سقف الغرفة يدور كعجلةٍ من الجحيم لا ترحم،

بينما الوحش الذي يعلوها لا يزال يلهث كالكلب المتوحش، ينتظر إجابة لن تأتي أبدًا… إلا من دم لم ينزل، ومن روح مكسورة، وجسد أصبح خراب قبل أن يبدأ العذاب الحقيقي…

فتحت حبيبة عينيها بصعوبة موجعة، كأن جفنيها مثقلان بأثقال الرصاص، رفعت يدها المهترئة في محاولة يائسة لدفعه بعيداً، ودموعها تنهمر كسيل حارق على جانب وجهها المشوه بالألم…

لكنه قبض على رسغها بقبضة حديدية، ثبت يديها فوق رأسها كمن يثبت الضحية على مذبح الذبح،

ثم انحنى عليها بثقله الكابوسي، واخترقها بعنف أشد قسوة، دفعة واحدة كالرمح المسموم يمزق ما تبقى من كرامتها…

صرخت حبيبة صرخة فتاكة تحرق جسدها من الداخل كالنار التي لا ترحم، ألم يعصف بأحشائها، يفتت عظامها الروحية قبل الجسدية…

ثم خرج منها مرة أخرى بعنف يشبه التمزيق، نظر إليها وجحظت عيناه بقهر أسود ممزوج بغضب يغلي كالبركان وصاح بصوت يشق الهواء: إنتي مش بت بنوت يا بت الكلب يا مـ** يا شـ**!”

قبض على شعرها بقوة متوحشة، رفع رأسها بعنف كأنه يرفع جثة من الوحل، ثم لطمها لطمة صاعقة أسقطتها أرضا مرة أخرى، وصرخ بجنون يعصف به: يا بت الـ! أكيد ولد الأنصاري صح؟ عشان كده كان يجول مرتي بجلب چامد!”

صاحت حبيبة بدموع ونحيب يمزق الصدر: 
اخرص يا حيوان يا تور! أنا أشرف منك ومن اللي يعرفك!”

أومأ برأسه بجنون أعمى، سحب بنطاله بسرعة محمومة وارتداه، ثم هدر بصوت يقطر سما:  أنا هفضحك في البلد كلها يا مومس يا بت المرة يا خاطية!”

تراجعت حبيبة بنحيب حاد يشق الروح، وصرخت بصوت يخترق الجدران:  لا… لا… بعد عني!”

اندفع نحوها كالوحش المفترس، سحبها من شعرها بعنف متجبر ، وجرها نحو الباب كجثة تسحل في التراب،

فتح الباب بعنف، وسحبها إلى الخارج وسط صراخها الذي يخترق الجدران كالرصاص، وصوته الجهوري يرج الشقة كالرعد:  تعاااااالي! دانتي هتموتي دلوق وجدام الخلج! أنا هخلي إخواتك اللي عاملين فيها أسياد الناس يوطوا راسهم في الطين العمر كله يا خاطئة يا سهلة!

صرخت حبيبة بفزع مطلق، وضربته بكل قوتها المتبقية، وصاحت بدموع تغرق وجهها:  سيبني يا حيوان ياولد الكلب! أنا معملتش حاچة! سيبني!

فتح باب الشقة الخارجي، سحبها إلى الخارج بعنف يفتت عظامها، سقطت حبيبة أرضاً، وتشبثت بساقه كالغريق يتشبث بقشة، وصاحت بنحيب يقطع نياط القلوب: 
حرام عليك.. والله ما عملت حاچة يا موسى! دانا بت عمك! طب عشان خاطر عمك دي يموت فيها! بلاش جرس! حرام عليك! طب خدني لي الدكتور! والله ما عملت حاچة غلط! والله.. ورحمة طه ما عملت حاچة!”

لطمها موسى لطمة عنيفة كالصاعقة، وهدر بغضب حارق يحرق كل شيء:  اخرصي! اتكتمي! متچيبيش سيرة ربنا على لسانك الوسخ يا زانية! إنتي خاطية! هو في خاطية تتصدج؟!

وجرها بعنف على الدرج، سحلها درجة درجة كجسد ميت يسحب إلى الجحيم، يترك خلفه أثراً من دماء الروح والجسد، حتى وصل إلى الأسفل،

خرج من المنزل وسط صخب الفرح والناس الذين كانوا يحتفلون، ثم هدر بصوت يرج الأرض:  عمي.. أمير.. عساف! تعالوا! لموا عاركم! بتكم مش بت بنوت! مفتوحه! واللي كان كان!”

تجمد الجميع في مكانهم، كأن السماء سقطت عليهم كثفاً ثقيلاً من الرصاص…

ساد صمت موتي، وحبيبة، ملقاة على الأرض كدميه مكسوره، عيناها مفتوحتان على وسعهما في رعبٍ مطلق، جسدها يرتجف من البرد والذل والألم، وروحها تتفتت قطعة قطعة أمام أعين الخلق كلهم. 

لم يعد هناك مهرب، ولا كرامة، ولا حياة. 
فقط عار أسود يغطي الجميع، وعار أكبر يحرقها هي وحدها، في قعر الجحيم الذي صنعه لها من يفترض أنه زوجها.

وووووووووووووووو

توقعتكم ي سكاكرررررررر للبارت الجاي

ساحره القلم ساره احمد

4.1 309 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
417 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
Nedaa
Nedaa
24 أيام

تسلم الايادي اكيد خطير جدا من قبل ما اقرا❤️❤️

Yomna
Yomna
24 أيام
ردّ على  Nedaa

تسلمي يا قمر ❤️

ضيف
ضيف
24 أيام

والله مستنية البارت على نار

Yomna
Yomna
24 أيام
ردّ على  ضيف

اهو يلااا بينا❤️❤️

samer yehia
samer yehia
24 أيام

ويلا بينا على الانفجاارات

Yomna
Yomna
24 أيام
ردّ على  samer yehia

يلا بينااااا❤️

Samar
Samar
24 أيام

تسلم ايدك يا سو ♥️

Yomna
Yomna
24 أيام
ردّ على  Samar

تسلمي يا حبيبتي ♥️

Imen kraoua
Imen kraoua
24 أيام

تسلم ايديكي يا سو من قبل ما أقرأ أكيد البارت جاااامد 💗💗💗💗

Yomna
Yomna
24 أيام
ردّ على  Imen kraoua

تسلمي يا قمر ❤️

Imen kraoua
Imen kraoua
24 أيام

اوعوا تنسوا التفاعل يا قمرات ♥️

Yomna
Yomna
24 أيام
ردّ على  Imen kraoua

ياريت♥️

Mero❤️
Mero❤️
24 أيام

تسلم ايدك مقدما ياقلبي ❤️

Yomna
Yomna
24 أيام
ردّ على  Mero❤️

تسلمي يا قمر ❤️

BN Hafid
BN Hafid
24 أيام

تسلم الايادي 😘

Yomna
Yomna
24 أيام
ردّ على  BN Hafid

تسلمي يا قمر ❤️

BN Hafid
BN Hafid
24 أيام

😘😘😘😘اكيد دمار زي العادة

Yomna
Yomna
24 أيام
ردّ على  BN Hafid

تسلمي يا قمر ❤️

ضيف
ضيف
24 أيام

لي وجع القلب ده بس 💔💔💔💔💔

Yomna
Yomna
24 أيام
ردّ على  ضيف

❤️‍🩹❤️‍🩹❤️‍🩹

Salma said
Salma said
24 أيام

💔💔💔

Yomna
Yomna
24 أيام
ردّ على  Salma said

❤️‍🩹❤️‍🩹

ضيف
ضيف
24 أيام

البارت رووووووووعة ياسارة تسلم ايديكم وعنيكم ياقلبي❤❤❤

Yomna
Yomna
24 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ❤️

ضيف
ضيف
24 أيام

تحفه ياحبيبتي❤❤

Yomna
Yomna
24 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ❤️

Dida
Dida
24 أيام

ابداع
بس صعب اوى اوى

Yomna
Yomna
24 أيام
ردّ على  Dida

اوي🥹

Malak
Malak
24 أيام

البارت خطير بجد وجع قلبي اوي 😭😭

Yomna
Yomna
24 أيام
ردّ على  Malak

اوووي والله 🥹

شمس محمد
شمس محمد
24 أيام

يجننن ياقمر❤️❤️❤️

Yomna
Yomna
24 أيام
ردّ على  شمس محمد

تسلمي ي حبيبتي ♥️

ضيف
ضيف
24 أيام

💔💔💔💔

Yomna
Yomna
24 أيام
ردّ على  ضيف

❤️‍🩹❤️‍🩹

هويدا
هويدا
24 أيام

يالهوى ايه دة

Yomna
Yomna
24 أيام
ردّ على  هويدا

🥹🥹

Nabila Ahmed
Nabila Ahmed
24 أيام

طبعا البارت جميل كالعادة تسلم ايدك ياسارة بس مكنتش اتمنى أن حبيبة يحصل معاها كدة وفارس كمان

Yomna
Yomna
24 أيام
ردّ على  Nabila Ahmed

تسلمي يا قمر ❤️
لسه هنشوف الأحداث لقدام❤️

Esraa
Esraa
24 أيام

بجد البارت فيه كمية وجع رهيبة بجد سارة ازاى بيجيلها قلب تعمل فينا كده بس الأحسن إن حبيبة كده هتطلق منه

Yomna
Yomna
24 أيام
ردّ على  Esraa

تسلمي يا قمر
هنشوف البارت الجاي ♥️

Basma
Basma
24 أيام

تحففففة
متتأخريش علينا ياسارة مش هنقدر نستني

Yomna
Yomna
24 أيام
ردّ على  Basma

تسلمي يا قمر ❤️

ضيف
ضيف
24 أيام

🥺🥺😭😭

Yomna
Yomna
24 أيام
ردّ على  ضيف

🥹🥹

مروة البحيرى
مروة البحيرى
24 أيام

البارت جميل جدا ♥️❤️❤️

Yomna
Yomna
24 أيام

تسلمي يا قمر ❤️

sooma
sooma
24 أيام

وجع وجع

Yomna
Yomna
24 أيام
ردّ على  sooma

🥹🥹

ضيف
ضيف
24 أيام

موسى ده حيوان بجد نفسي اشوف في يوم بجد ابدعتي بس انا هعيط كفايه نكد بالله عليك

Yomna
Yomna
24 أيام
ردّ على  ضيف

وانا هعيط🥹

نشوى
نشوى
24 أيام

تسلم إيدك يا سارة بس حقيقى قلبى واجعنى جدا 😭

Yomna
Yomna
24 أيام
ردّ على  نشوى

تسلمي يا حبيبتي ♥️

Aminah abughaith
Aminah abughaith
24 أيام

يمااا الحزن 😓😓😓 موسى الحقير 😒
بس بارت تحفة جد مع كل الحزن اللي فيه تسلم ايديكي ❤️❤️

Yomna
Yomna
24 أيام
ردّ على  Aminah abughaith

تسلمي ي حبيبتي ♥️

شيماء
شيماء
24 أيام

تسلم ايدك 💕💕💕💕💕

Yomna
Yomna
24 أيام
ردّ على  شيماء

تسلمي ي حبيبتي ♥️

ضيف
ضيف
24 أيام

البارت تحفه يساره بس وجع قلبي اوي ياريت متتأخريش علينا عشان نعرف اي اللي هيحصل

Yomna
Yomna
24 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا حبيبتي بإذن الله ♥️

Baskota
Baskota
24 أيام

البارت صعب بجد حرام عليكى ياسو ♥️♥️♥️

Yomna
Yomna
24 أيام
ردّ على  Baskota

تسلمي يا قمر ❤️

Rasha Abdalla
Rasha Abdalla
24 أيام

الفصل صعب اوي
تسلم ايدك ياحبيبتي

Yomna
Yomna
24 أيام
ردّ على  Rasha Abdalla

تسلمي يا قمر ❤️

نور الحياه
نور الحياه
24 أيام

تسلم ايدك 🩵

Yomna
Yomna
24 أيام
ردّ على  نور الحياه

تسلمي يا قمر ❤️

ضيف
ضيف
24 أيام

يا لهووووووووووووووووووي

Yomna
Yomna
24 أيام
ردّ على  ضيف

😭😭

ايمان عبده
ايمان عبده
24 أيام

قلبي واجعلني من حلاوته

Yomna
Yomna
24 أيام
ردّ على  ايمان عبده

تسلمي يا قمر ❤️

Nada ismail
Nada ismail
24 أيام

ايه البارت الجامد ده

Yomna
Yomna
24 أيام
ردّ على  Nada ismail

تسلمي يا قمر ❤️

ضيف
ضيف
24 أيام

تسلم ايدگ بجد تحفهه💗

Yomna
Yomna
24 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ❤️

Sara Alaa
Sara Alaa
24 أيام

هو ايه دا 😳
اول مره ابقي خايفه اقرأ بارت ومش عاوزه اقراه
البارت صعب جدا فاق اي توقع بصراحه 🤯

Yomna
Yomna
24 أيام
ردّ على  Sara Alaa

😭😭😭

Arwa Ahmad
Arwa Ahmad
24 أيام

💔💔💔😭😭😭

ام تسنيم
ام تسنيم
24 أيام

ااااه ياجلبي 😭😭😭💔💔💔

Omar mohamed
Omar mohamed
24 أيام

بارت روعه روعه تسلم ايدك وعينك يا ساره

Yomna
Yomna
24 أيام
ردّ على  Omar mohamed

تسلمي يا قمر ❤️

Omar mohamed
Omar mohamed
24 أيام

♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️

Yomna
Yomna
24 أيام
ردّ على  Omar mohamed

❤️

ضيف
ضيف
24 أيام

تُحفه ڪالعاده ياسو بس مستنيين العقده تتفك والنڪد يخلص بقى😔

Yomna
Yomna
24 أيام
ردّ على  ضيف

يارب❤️❤️

ريما محمد
ريما محمد
24 أيام

صدمه البارت عملي ايرور غير كل توقعاتي
إيداع كالعاده ساره القمر

Yomna
Yomna
24 أيام
ردّ على  ريما محمد

تسلمي يا قمر ❤️

نور الليالي
نور الليالي
24 أيام

تسلم ايدك ياسا ه بص احه الفصل نحفه فاق كل توقعتي

Yomna
Yomna
24 أيام
ردّ على  نور الليالي

تسلمي يا قمر ❤️

BN Hafid
BN Hafid
24 أيام

النجمة عندي مش بدوس ليه

Yomna
Yomna
24 أيام
ردّ على  BN Hafid

دوسي مرتين ي حبيبتي ♥️

Mera
Mera
24 أيام

ايه القفلة دى يارب يكون حلم بجد 💔🥺

Yomna
Yomna
24 أيام
ردّ على  Mera

هموت لو طلع واقع😭😭

Mera
Mera
24 أيام
ردّ على  Yomna

انا محتاجة دكتور نفسي بعد البارت دا بس تحفففة بجد ♥️🥺

نور الحياة
نور الحياة
24 أيام

بارت جميل تسلم ايدك

Yomna
Yomna
24 أيام
ردّ على  نور الحياة

تسلمي يا قمر ❤️

ضيف
ضيف
24 أيام

الله يحرقك يا موسى الزفت حيوان فعلا

Yomna
Yomna
24 أيام
ردّ على  ضيف

حقير😭😭

جنة
جنة
24 أيام

البارت نارررر بجدا بجننن

Yomna
Yomna
24 أيام
ردّ على  جنة

تسلمي ي حبيبتي ♥️

Malak
Malak
24 أيام

ايه القهر ده الروايه ده تعبت قلبى

Yomna
Yomna
24 أيام
ردّ على  Malak

اوي😭😭😭