عشق ملعون بالدم

عشق ملعن بالدم (الفصل الرابع وعشرون)

عشق ملعن بالدم (الفصل الرابع وعشرون)

وماذا عن ذلك المسكين
الذي أحبَّ بلا لقاء؟
ألم تكفّه الليالي؟
ألم يقتلُه البُعد بما فيه من وحشة؟
لكن الاشتياق لا يكتفي،
يطرق باب قلبه مرارًا…
يفتح الجرح على جرح…
ويبكيه بلا صوت، بلا رحمة، بلا شفقة،
حتى صارت روحه صحراءً من صمتٍ قاتل.
أنا لا أملك القرار في حبك…
اختارك الله لقلبٍ غارقٍ في العذاب،
فصار قلبي حقلًا للجراح،
تُزرع فيه بذور الاشتياق،
وتُنبت أشجار الألم…
كل ليلةٍ تنهار روحي،
وتسقطُ دموعي بلا جنازة،
حتى صار كل نفسٍ أتنفسه… موتًا بطيئًا.
كوني بخير…
لا من أجلي،
فقد تركتُ العالم كله خلفي،
لكِ وحدك…
يا ابنة القلب،
يا وطنًا لم يُبقِ لي شيئًا سوى الحنين،
يا حضنًا صار قبرًا، وملاذًا صار سجنًا…

البارت ٢٤
لم يعد هناك مهرب، ولا كرامة، ولا حياة. 
فقط عار أسود يغطي الجميع، وعار أكبر يحرقها هي وحدها، في قعر الجحيم الذي صنعه لها من يفترض أنه زوجها.

اندفع أمير ينزع سترته في اللحظة نفسها التي اندفع فيها عساف وفوزي،
أيديهم تتحرك بعنف غريزي، ينزعون ستراتهم وعباءاتهم،
ويلقونها فوق جسد حبيبة المرتجف،
كأنهم يحاولون ستر روح عارية قبل جسد ممزق.

التقوا فوقها كشبكة نجاة متأخرة،
لكن العيون الجائعة كانت قد نهشت ما يكفي،
والفستان الممزق كان يفضح أكثر مما يحتمل البشر.

ضمها فوزي إلى صدره بعنف مرتجف، غضب يحترق في عينيه،وقبض على ذراعيها بقسوة، حتى انغرست أظافره في لحمها،
وثبت عينيه في عينيها المذعورتين،
وهدر بصوت يهتز من الداخل: جولي الحجيجة يا حبيبة! متخفيش؟

اتسعت عيناها، ذهول مخلوط بقهر يكسر العظام،
وتشبثت بياقة جلبابه كغريق يتعلق بخشبة،
وهمست بصوت مجروح، مبحوح: كداب يا أبوي…
والله العظيم، ورحمة طه، موطية راسك ولا عملت حاچة غلط.

أغمض فوزي عينيه، كأن الحقيقة ضربته في الصدر،
ثم شدها إليه، ضمة قاسية، حنونة، موجوعة،
وهتف بصوت مبحوح: الغلط مش عليكي يا بتي…
الغلط مش عليكي.

انفجر صوت موسى،بغضب أعمى، جاهل، متوحش:
إنت هتحضنها؟! هتستر إيه ولا إيه؟ دي بدها جبر يلم عارها!

انتفض فوزي،وصوته خرج كالنار: سد خشمك يا ولد المحروج! بتي أشرف بت في البلد!

في لحظة واحدة، سحب أمير سلاحه من خلف ظهره،
واندفع،وعساف خلفه، عيونهم تلمع بدم صافي.

صرخ أمير بصوت خشن، مشروخ، وهو يضع فوهة السلاح في صدر موسى:اتكتم يا ولد الحرام!
أنا أختي أشرف من صنفك كله!
إنت مين عشان تعيب في ستك وتاج راسك يا خـ**؟!

حاول موسى دفعه،وصرخ بجنون: أنا اللي خو*؟!
ولا إنت؟ روح دور على اللي فشخ أختك ولبسكم جرون!

اندفع عساف، ودفع موسى بعنف، وسدد له ضربة قاسية أسفل الحزام، وهدر : جطع لسانك يا عر! روح دور على حالك! تلجبك ما جدرتش، وجولت تلبسها في بتني؟ إحنا بتني كيف النار، اللي يجرب منها يتحرج، يا ولد المـ***!

انحنى موسى من الألم، لكن الشر في عينيه لم ينطفئ،
وصاح وهو يضغط على موضع الضربة:آه… لا جرب ومتحرجش!أختك مرة مش بت، يا سيد الرچال!
أنا اللي دخلت عليها، ومنزلتش ولا نجطة دم!

في ثانية، اندفع فواز، ولطم موسى لطمة دوت كالرصاص، وغضبه يكاد يقطر دما: سد بوزك يا عايب!
يا جليل الأصل!

لكن موسى ضحك ضحكة سوداء،
وصاح: أنا اللي عايب؟ ولا بتكم الخاطية
اللي حطت راسنا في الوحل كلنا؟!

شد أمير أجزاء سلاحه، وصدره يعلو ويهبط كمن يختنق، وهدر بصوت خرج محمل بالدم: أنا هصفي دمك… يغسل لسانك وعقلك الزفر يا ناقص!

رفع السلاح، وفي لحظة كان الغضب أسرع من التفكير،
لكن يد عساف انقضت، رفعت ذراع أمير بعنف حاسم،
وانطلقت الرصاصة تشق الهواء،

صرخة معدنية اخترقت المكان،
وتردد صداها في القلوب قبل الجدران.

هدر عساف، وصوته صخر: استنى يا أخوي! ينضر براءة خيتك الأول، ويعرف إن العيب فيه، وبعدها… ادهاله بين عينيه!

ساد اضطراب لحظة،
ثم نهض أحد المدعوين، مأمور مركز الشرطة،
وجهه متصلب، وصوته حاد كالسيف: عداك العيب يا عساف! وإنت يا أمير اهدا…حجك وحج أختك مش هيضيع.

حاول أمير نزع السلاح من قبضة عساف،
وعيناه تقدحان شررًا: أنا مش هستنى يا فؤاد باشا!
أنا هصفيه دلوق!

نهض فوزي ببطء، لكن الغضب فيه كان إعصار،
وصوته خرج قاطع ، لا يقبل رد: لا… أنا اللي هثبت طهارة بتي تربية يدي، وبعدها… أدفنك حي يا ولد أخوي.

في تلك اللحظة،شدت حبيبة على جلباب أبيها،
أصابعها ترتعش، وصوتها خرج مبحوح، منكسر ، لكنه واضح: خدوني الطب الشرعي يا أبوي…

انحنى فوزي فورًا، سحبها برفق يشوبه الحنو،
ضمها إلى صدره كمن يحتمي بها لا هي به،
ثم رفع عينيه إلى فؤاد بحسم لا يلين: بدنا الطب الشرعي يجول كلمته، ويظهر الحج، يا باشا.

أشار فؤاد بيده إشارة قاطعة: يلا بينا… على المستشفى، يا حج فوزي.

تحرك فوزي، يحتضن حبيبة، وهي تجر قدميها بصعوبة،
كأن الأرض تثقل تحتها وحدها.

فتح عساف باب السيارة، جلست حبيبة في الداخل،
وأغلق الباب بعنف مكتوم، كأنه يغلق العالم على وجعها.

تحرك موسى بغضب أعمى، ودخل السيارة مع فواز،
والحقد يسبق خطواته.

رفع فوزي يده، وصوته دوى كأمر لا يرد: محدش يروح!
كل اللي كانوا في الفرح ييجوا على المستشفى،
علشان تشهدوا على طهارة بت العزازي!

مال فوزي على عساف، وغمغم بصوت خفيض حاسم: هات أمك… وتعالوا ورانا.

أومأ عساف برأسه، وتحرك إلى الداخل، وأومأ الجميع،
ثم انطلقت السيارات تباعًا…

لم تكن زفة، ولا موكب فرح، بل جنازة تسير بلا ميت،
إلى حيث سيشرح العار، وتنتزع الحقيقة من بين أنياب الجهل

…….
في المستشفى،
أمام باب غرفة العمليات،

وقف الجميع كأنهم أُلقوا في مواجهة قدر أعمى.
مر ساعتان … لا خبر، لا صوت، لا باب يفتح.
الانتظار كان سكين بطيئ… ينحر القلوب دون دم،
والزمن يزحف مثقلاً، كأنه يتعمد التعذيب.

كانت الوجوه شاحبة، الأنفاس متقطعة، والعيون معلقة بالباب الأبيض، كأن خلفه لا ترقد حياة إنسان،
بل مصير عائلة كاملة.

ضربت وهيبة كفها برأسها، وانهار صوتها بنحيب مكتوم،
كأن صدرها لم يعد يتسع للألم: سند يا ضنايا…
أخوك عوِج جوي ليه إكده؟

كان سؤالها بلا إجابة،
صرخة أم تشعر أن العمر كله يسحب من بين يديها دفعة واحدة…

اقترب سند منها بخطوات متعثرة، يجر قدميه كمن يحمل ثقل أكبر من جسده،
وخرج صوته مكسور ، متحشرج، كأن البكاء يسبقه: دلوق يطلع يما… ادعيله… والله جلبي مخلوع عليه… اهدي بالله عليكي.

لكن كيف تهدأ أم ترى أبناءها يتساقطون واحدًا تلو الآخر
ولا تملك سوى الدعاء؟
انزلقت دموع وهيبة بحرقة،
ورفعت عينيها للسماء وهمست برجاء مبحوح: يا رب…
يا رب متحرج جلبي عليه… يارب… دانا انكسرت عليهم العمر كله، ومعيزاش غيرهم من الدنيا.

كانت كلماتها تخرج كوصايا أخيرة، كأنها تدعو الله بما تبقى من عمرها…

وعلى باب غرفة العمليات، وقفت إيمان….لم تجلس.
لم تتحرك….عينها معلقة بالزجاج الفاصل،

كأنها تحاول اختراقه بنظرتها، كأنها تريد أن ترى القلب وهو يقاتل، والروح وهي تتشبث بالحياة.
كانت دموعها تنهمر بلا توقف، لا تمسحها، لا تشعر بها.
وهمست، كأن الهمس أضعف الإيمان: يا رب…
يا رب طلعه ليه… يا رب رجعهولي…
يا رب.

وكان الصمت من حولها أثقل من أي صراخ.
كل واحد منهم كان ينتظر شيئًا واحدًا فقط:
أن يفتح الباب…وألا يكون الفتح إعلان خسارة.

على جانب الطرقة ..

كان بدر يقف كأن صدره لم يعد يتسع للرئتين.
شهقاته المتقطعة كانت تمزق الهواء من حولهم،
تخرج حادة، طفولية، عارية من أي محاولة للتماسك.

رفع أدهم عينيه المحتقنتين بالدموع نحو باب غرفة العمليات،
نظر إليه بقهر لا يعرف له حد ولا اسم ،

قهر يشبه الوقوف أمام باب قد يفتح على حياة…
أو يغلق إلى الأبد… ثم انزلقت عيناه إلى نغم.

كانت منهارة على الأرض، جسدها منكمش بجوار الباب كطفلة سرقت منها الدنيا دفعة واحدة،

كأنها فقدت والديها في لحظة واحدة، وتذوقت طعم اليتم قبل أن تفهم معناه.

عاد بنظره إلى بدر،
الذي كان يشهق كالأطفال حين يفاجئهم الفقد،
وهمس أدهم بصوت ميت،
صوت رجل استنزف حتى العظم: امسك حالك يا بدر…
مش كده.

هز بدر رأسه بالنفي، وانزلقت دموعه بلا خجل،
بلا مواربة، كأن الحزن لم يترك له شيئًا يخسره.
وغمغم بصوت مرتجف يقطر تهديد وألم : جسما بالله…
لو الغالي چراله حاچه، مهيكفيني فيها عيلة العزيزي كلهم… وأولهم أمير وفوزي.

ربت أدهم على منكبه، وكانت دموعه تحرق عينيه هو الآخر،
لكنه حاول أن يكون السند الوحيد المتبقي، وقال بصوت مبحوح: اهدي يا اخوي… إن شاء الله الغالي هيجوم منها،
جول يارب.

تحرك أدهم نحو نغم، وانحنى عليها، وقبض على ذراعيها بحنو موجوع، حنو رجل يعرف أن الانهيار لو اكتمل
لن يبقى شيء واقف…

سحبها إليه وهمس بصوت مكسور: كفياكي يا جلبي…
تعالي.

تمسكت به نغم كغريق وجد قشة وسط بحر هائج،
تشبثت بسترته وكأنها تتشبث بالحياة نفسها،
وغمغمت بصوت مبحوح، صوت يقطر وجع خالص :
الغالي يا أدهم… مجدراش… جلبي هيجف.

ربت أدهم على يدها بحنو موجوع، وأجلسها على أقرب مقعد، ثم جثا أمامها، أمسك يدها بين كفيه كأنهما درع أخير، وهمس بصوت متحشرج: هيجوم والله يا جلبي…
الغالي شديد جوي… ادعيلي دعوة من جلبك الأخضر يا نغم.

رفعت نغم رأسها إلى الأعلى، وعيناها تفيضان بالدموع،
وخرج الدعاء منها كما يخرج النفس الأخير: يا رب…
يا رب.

وكان الدعاء هو الشيء الوحيد ، الذي لم ينكسر بعد.

فجأة،
انفتح باب غرفة العمليات…خرج الطبيب يتقدمه عماد،
وكان مجرد صرير الباب كافي ليفجر القلوب دفعة واحدة.

التف الجميع حوله في لحظة واحدة، وجوه شاحبة،
أعين متعلقة بشفتيه كأنها آخر خيط بالحياة،

وتداخلت الأصوات المتوسلة، المتكسرة، المرتجفة: كيف ولدي يا دكتور؟ طمن جلبي… الله يسترك…

اندفع سند، وتمسك بمعطف الطبيب كأنما يستجديه،
كأن الرجاء صار جسد يمسك باليد: أحب على يدك يا دكتور… طمني على اخوي.

رفع الطبيب كفه إشارة للهدوء، وصوته خرج ثابت، مطمئن، كأن الله أرسله في تلك اللحظة تحديدًا:الحمد لله يا چماعة… الحمد لله… اتكتبله عمر چديد.

حبست الأنفاس…وتابع الطبيب، كلماته تهبط على القلوب كالماء بعد الاحتراق: الرصاصة مصابتش أي عضو حيوي، وبعيدة عن الجلب… جصدي… عن جلبينه.

تجمدت العيون عليه بذهول، وهتفت وهيبة بصوت مرتعش: كيف يعني؟

أومأ الطبيب برأسه، وفي صوته دهشة لا تقل عن دهشتهم: سبحان الله… الجلب التاني شغال…
بينبض بردك.

نزلت الصدمة عليهم كالصاعقة، لكنها صاعقة نجاة.
اختنق صوت بدر وهو يسأل، كأن الكلمات تخرج من صدر منهك: نجدر نطمن عليه يا دكتور؟

أومأ الطبيب بالإيجاب وقال: هننجله العناية…
وأول ما يفوج، تجدروا تطمنوا عليه.

لم تتحمل وهيبة أكثر، سقطت على الكرسي وكأن قدميها خانتاها، وجلست نغم إلى جوارها، وخرج صوتها هامس باكي : الحمد لله يا رب…

قبلت وهيبة كفيها من الجهتين، وعيناها مغمورتان بالدموع : فضل ونعمة يا رب… فضل ونعمة.

قبضت نغم على كف والدتها، وضغطت عليه برجاء موجوع، وقالت بصوت مكسور: سيبي الغالي ياخد اللي بيحبها يما… كفاية اللي حصل.

هزت وهيبة رأسها بدموع حارة، وصوتها خرج منهك ، مستسلم : مليش صالح تاني… يعمل اللي يعمله،
مليش صالح يا بت… بس يجوم بالسلامة.

وفي تلك اللحظة، لم يكن هناك نصر، ولا انتقام، ولا حسابات… كان هناك فقط قلب نجا، وأم تتعلق بالحمد
كمن تعلق بالحياة من جديد.
…….
خارج المستشفى

وصلت السيارة بخرير خافت، كجنازة تسير على عجلات،
وتوقفت أمام أبواب المستشفى كأنها تلقي بحملها الأخير.

ارتجف قلب حبيبة تحت صدر فوزي، وهي ترفع وجهها بصعوبة، عينان متورمتان من بكاء صامت طال،
وجسد فقد القدرة على المقاومة.

فتح فوزي باب السيارة بحذر، لكن ذراعيه ظلتا مطبقتين حولها، كأنه يخشى إن أفلتها أن تفلت روحها قبل قدميها.

اقترب أمير، وعيناه مشدودتان بحزم قاسي،
مد يده، ورفع ذراع حبيبة برفق يناقض النار المشتعلة في صدره، ليسندها في النزول.

هبطت على الرصيف، وقدماها بالكاد تحملانها،
وعيناها تتوسلان أي مفر، أي باب آخر غير هذا المصير.

كل شيء حولها بدا فادح في قسوته:
أصوات صراخ بعيدة تتسرب كأنين مكتوم،

خطوات المارة الثقيلة، اللمعان البارد لأضواء المستشفى،
وتلك البوابة المعدنية التي لم تبد باب نجاة ،بل قيد من حديد.

في الخلف،
تراجع موسى وفواز بخطوات متوترة، نظراته مشحونة بغضب أعمى، وبجهل صلد لا يفهم سوى نفسه.

تحرك الثلاثة فوزي، حبيبة، وأمير .. نحو الداخل بخطوات متثاقلة، كل خطوة كانت تصنع صدى داخل صدرها، كأن الجدران نفسها تهمس بالتهديد.

وخلفهم، كان فواز يجر موسى بعنف، كأنه يسحب جريمة تمشي على قدمين.

عند دخولهم بهو الاستقبال، شعرت حبيبة وكأنها دفعت إلى قفص ضيق، ممر طويل يمتد أمامهم، مصابيح بيضاء ساطعة بلا رحمة، وصدى أجهزة الطوارئ
يدق في أذنيها كإنذار لا يتوقف.

هنا،
لم يعد المكان مستشفى، بل ساحة اعتراف…
وهي وحدها .. من تدفع لدفع ثمن ذنب لم ترتكبه.

نظرت حبيبة إلى موسى، نظرة كراهية مقيتة، سوداء،
كأنها تلقي عليه كل ما كسر داخلها دفعة واحدة.

بادلها هو النظر، لكن بعينين ممتلئتين بالغضب والاشمئزاز، نظرة رجل لم ير فيها زوجة،
بل متهم يتمنى رؤيته يدان.

ارتجف جسد حبيبة غضب، رجفة لم تكن خوف هذه المرة، بل نار مكبوتة تبحث عن منفذ.

لاحظ أمير، قبض على يدها بقوة حامية، نظر في عينيها أولًا، ثم حول بصره إلى موسى، وفي عينيه اشتعل كره مكتوم، غضب طال كبحه.

اندفع فجأة، ولكم موسى لكمة عنيفة أسقطته أرضًا،
وهدر صوته كالرعد: اكسر عينك يا علـ*… بتزغرلها كده ليه؟ فاكر هتكسر عينيها؟ دي مستحيل… يا دكر، عينك إنت اللي هتتكسر!

وضع موسى يده على فكه، وتكلم بصوت حاد، مسموم:
دلوق يبان… عين مين اللي هتتخزي بالعار.

كاد أمير يندفع عليه من جديد،
وركله بغضب أعمى، لكن يد قوية أمسكت بذراعه.

وهدر مأمور المركز، بصوت حاد: اهدى يا أمير، تعالى!

ثم التفت إلى موسى، وعيناه تقدحان شررًا،
وصاح بنبرة تهديدية: وإنت… متبصش چِهتها، بدل ما أحبسك يا ولد المرة المـ*!

أومأ موسى بصمت، بلع لعابه برعب ظاهر، وانسحب إلى الخلف دون كلمة.

تراجع أمير مع المأمور، لكن عينيه ظلتا معلقتين بموسى،
نظرات نارية كالرصاص، توعد صامت لا يحتاج كلمات.

اقترب المأمور من فوزي، وتحدث بصوت منخفض حازم:
هنفتح محضر… واللي له حج هياخده.

هز فوزي رأسه بصمت، ثم جذب حبيبة إلى صدره،
ضمها بقوة أب يريد أن يسند قلب على وشك الانهيار،
كأنه يحاول أن ينقل إليها بعض من صلابته،
من قوته،
ليواجها معًا هذا الرعب الذي بدأ يوم الفرح ولم ينته.

أشار المأمور إلى إحدى الغرف وقال: اتفضلوا… استنوا هنه .

تحرك فوزي وحبيبة، وخلفهما أمير،
دخلوا غرفة الانتظار المخصصة للكشف الشرعي.

بابها مغلق بإحكام، ومن خلفه ضوء أبيض صارم،
لا رحمة فيه ولا دفء.

شعرت حبيبة بوخز حاد في صدرها، كأن الجدران تقترب،
تضغط على قلبها وأنفاسها، لكنها ولأول مرة منذ ساعات
شعرت أنها ليست وحدها.

جلس فوزي وأمير إلى جوارها، كل منهما يمسك يدها،
ينظران إليها بعينين تمتزج فيهما الحنان .. بالغضب الموجوع.

وكان ذلك كافيًا… ليمنعها من السقوط.

دلفت إنعام مع عساف، وكان صوت شهقاتها يسبق خطواتها، كأن الفاجعة تركض قبلها.

صرخت بصوت مخنوق مبحوح، مشروخ من كثرة البكاء:
بتي!

نهضت حبيبة بصعوبة، جسدها يئن قبل أن يتحرك،
واندفعت نحو والدتها بعينين غارقتين بالدموع،
وهمست كطفلة ضائعة وجدت صدر أمها أخيرًا: أما…

تلقتها إنعام بين ذراعيها، ضمة أم لا تحتضن جسدًا، بل تحاول أن تعيده إلى رحمها، إلى مكان لا يصل إليه الأذى،
ولا يعرف الحزن طريقه.

غمغمت إنعام بصوت مرتجف مبحوح، وهي تضمها كمن يخشى أن تنتزع منها مرة أخرى: جلب أمك يا أختي…جطع لسانه الي يعيب في بتي … متخفيش يا ضنايا طهارتك كيف الشمس.. يوعالها الاعمى.. سامحيني يا بتي ..

رفعت إنعام وجه حبيبة بين يديها، تأملت تورم وجنتيها،
آثار اللطم ما زالت طازجة،
وغضب أسود اجتاح قلبها حتى كاد يفتك بها.

مررت يدها على خد ابنتها برفق موجوع،
وصاحت بحرقة ودعاء يقطر نقمة: الله يتنجم منك يا موسى… روح، اللهي دراعك ما يندفن معاك، عشان تمد إيدك على بتي! ودين النبي لهفضحك في البلد كلماتها..

انهارت حبيبة بين ذراعيها أكثر، تشبثت بها وكأنها آخر نجاة،وخرج صوتها مكسور، مبحوح،
كأنه يذبح مع كل كلمة: آه يا يما… دبحوني يا يما…

اقترب فوزي، انحنى عليهما، وسحب حبيبة إلى صدره برفق أب خائف على فلذة كبده، كأنها زهرة خرجت للتو من عاصفة عاتية…القها بها بيده بجهل ..وشعور الذنب يكاد يذهق روحه قطعه قطعه..

رفع رأسه ونظر إلى مأمور الشرطة بعين ثابتة لا تعرف التراجع،
وقال بحزم لا يقبل مساومة : بدنا الطب الشرعي يثبت الحج… ويظهر الحج. كل اللي حصل لازمن يبان.

ابتسم المأمور ابتسامة هادئة، رسمية،
وأومأ برأسه مطمئنًا: تمام… كل حاچة هتمشي مظبوط. الحجيجة هتبان.

جلسوا جميعًا في صمت ثقيل، انتظار ينهش الأعصاب،
وكل نفس تتنفسه حبيبة كان مزيج خانق من الخوف،
والغضب، وأمل ضعيف يتشبث بالحياة، وألم عميق لا اسم له.

انفتح الباب أخيرًا، ودلفت الطبيبة الشرعية، هتفت بنبرة مهنية هادئة: مساء الخير.

نهض الجميع وردوا التحية بجمود مشدود، بينما تقدمت إنعام بخطوة واهنة، وصوتها يخرج نحيب مستجدي:
طمنيني على بتي… ربنا يرضى عليكي يا دكتورة.

أومأت الطبيبة بهدوء، ونظرت إلى حبيبة بعينين ممتلئتين بالعطف الإنساني، وقالت بلطف محسوب:
ما تجلجيش… تعالي يا بنتي.

تمسكت حبيبة بثوب والدتها، أصابعها ترتجف،
وهمست بدموع ساخنة: تعالي معايا يا يما…

كادت إنعام تتحرك، لكن صوت الطبيبة أوقفها بنبرة مهنية لا قسوة فيها: لا، ممنوع يا حچة… تعالي يا بنتي، ما تخافيش.

ربتت إنعام على كف حبيبة المرتعش، وعيناها تودعانها بخوف وأمومة دامعة،وغمغمت بصوت مكسور: ما تخافيش يا ضنايا… أنا مستنياكي هنه.

وتركتها تمضي…إلى أكثر اللحظات قسوة، حيث ستجرد الحقيقة من الصمت، ولو كان الثمن… وجع جديد.

أومأت حبيبة على مضض، كأن رأسها لم يعد يطيعها،
ودلفت إلى الغرفة.

أُغلق باب غرفة الكشف خلفها بصوت معدني جاف،
فارتجف قلبها، لا لأن الباب أُغلق… بل لأنه أغلق على روحها أيضًا.

للمرة الأولى منذ بدأ كل شيء…
كانت وحدها.

لا أب يظللها بصدره، لا أخ يرفع صوته ليصد عنها الذل،
لا عباءة، لا جلباب، لا صدر ام تستند إليه.

فقط هي…وجسد خذل، وروح تساق إلى محاكمة أخيرة،
لا شهود فيها إلا الوجع.

وقفت الطبيبة، وأشارت بيدها بإيماءة مهنية هادئة:
اتفضلي… نامي هنه يا بنتي.

تمددت حبيبة على السرير الأبيض، الضوء فوق رأسها فاضح، بارد، كأنه كاشف اعتراف لا يرحم.

تسللت البرودة إلى عظامها، وتشابكت يداها في حجرها،
كأنها تمسك ما تبقى منها حتى لا يتساقط على الأرض.

اقتربت الممرضة، وتمتمت بصوت منخفض دافئ: ما تخافيش… إحنا هنه عشان نثبت حجك، مش عشان نوچعك.

ابتلعت حبيبة لعابها بصعوبة… لم تستطع الرد.
الكلمات كانت أثقل من أن تمر من حلق مكسور.

بدأت الطبيبة تسأل، أسئلة جافة، مباشرة، بلا مواربة:
متى حصل؟ كان في عنف؟ في إصابات؟

كل سؤال…لم يكن يوجه إلى جسدها… بل إلى ذاكرتها.

سكين لا يجرح اللحم، بل يعيد فتح المشهد، ثانية بثانية.

أغمضت حبيبة عينيها، وخرج صوتها هامس، مبحوح ..
كأنه اعتراف روح لا ذنب لها: ما عملتش حاچة…
والله ما عملتش…

لم تقاطعها الطبيبة، لم تشكك، لم تبدي شفقة.
وكان هذا…مؤلم على نحو غريب.

بدأ الكشف.

لمسة القفاز الباردة بداخلها …جعلت جسدها ينتفض، لا من الألم… بل من تراكم الإهانة.

حدقت حبيبه في سقف الغرفة، عدت الشقوق،
الأنوار، أي شيء… إلا جسدها.

كانت تقاوم رغبة عارمة في الصراخ، وتذكر نفسها:
انتي هنه عشان تثبتي إنك بريئة…

وكأن البراءة صارت شيئًا يفحص، ويقاس، ويمنح بورقة.

انزلقت دمعة صامتة على جانب وجهها،
لم تمسحها… لم تملك طاقة لذلك.

وضعت الممرضة يدها على كتفها برفق،
وهمست:خلاص… جربنا نخلص.

انتهى الكشف.

تراجعت الطبيبة خطوة، خلعت القفاز، نظرت في الأوراق،
ثم رفعت رأسها بصرامة مهنية لا تقبل الجدل، وقالت:
مفيش أي دليل على إن البت عملت علاجة جبل كده.
البنت سليمة…وغشاء البكارة موجود.

لم تفهم حبيبة الكلمات فورًا.

كأن الجملة اصطدمت بجدار داخلها…ثم ارتدت.

ثواني…ثواني ثقيلة… ثم انهارت.

لم تصرخ، لم تعوي، لم تضرب صدرها.

انفجرت بالبكاء بلا صوت، بكاء يفرغ كل لحظات الخوف، والعار المفروض،والذل، دفعة واحدة.

انكمشت على نفسها،
كأنها تعود إلى حجمها الحقيقي بعد أن سحقت طويلًا.

جلست الطبيبة قربها، وصوتها خرج هادئ، إنساني،
لا طبي هذه المرة: اللي حصل لكي چريمة…
مش ذنبك…وإحنا كتبنا الحجيجة… اوعي تچلدي حالك انتي الضحيه وهو الخسيس .. هو المفروض چوزك ستر وغطا عليكي ..بس هو مش بالرچوله الكافيه اصلا ..

وفي تلك اللحظة، لم تشعر حبيبة بالنصر،
ولا بالفرح… شعرت .. فقط أنها ما زالت حية.

في الخارج،
كان فوزي واقف لا يتحرك….عيناه معلقتان بباب غرفة الكشف،
كأن ذلك الباب لا يفصل بين غرفة وطرقه،
بل بين حياته قبل هذه اللحظة ..وما سيتبقى بعدها.

يداه متيبستان إلى جواره، وظهره مشدود كوتر على وشك الانقطاع.

دار أمير في المكان ذهاب وإياب ، غضبه مكبوت،
خطواته ثقيلة، كوحش محبوس ينتظر لحظة الإفلات.

وعساف…كان صامت، لكن الصمت في عينيه أشرس من الصراخ.

أما إنعام، فجلست على الأرض بمحاذاة الباب،
تفرك يديها ببعض بعصبية مفرطة، شفتيها تتحركان بالدعاء بلا صوت، والدمع معلق في عينيها
كأنه يخشى السقوط قبل الحكم.

وفجأة…انفتح الباب.

خرجت الطبيبة…التفوا حولها في لحظة واحدة،
حلقة مشدودة من أنفاس محبوسة،
نار تنتظر كلمة.

نظرت إليهم الطبيبة بثبات،وصوتها خرج حاسم، قاطع،
لا يقبل التأويل: النتيچة چاهزة….البنت بريئة.
وغشاء البكارة زي ما هو مطاط… يعني بنت بنوت، ولسه بنت بنوت… التور ديه اتعامل بغباء .. لكن مكنش بقوه الانتصاب المطلوب عشان يفض الغشاء .. أو هو مش فاهم اصلا !!

لحظة صمت.
…ثم انفجار.

أطلقت إنعام زغرودة، ثم ثانية، ثم ثالثة،
زغاريد مشبعة بالدموع، رجت المكان
كأنها تصرخ في وجه الذبح…

فوزي…لم يصرخ… لم يتكلم….أغمض عينيه فقط.
وسقط الحمل عن كتفيه كجبل انكسر دفعة واحدة.
شهقة خرجت من صدره واهي… لكنها كانت حياة.

أما أمير، فانفجر…. اندفع نحو موسى، عيناه نار،
وصوته كالرصاص: سمعت يا ولد الحرام؟
أختي أشرف من صنفك كله! وأنت اللي مش راچل… كفاية يا دكر!

انقض عليه، قبضته تهوي، بغضب أعمى… اندفع عساف،وقبض علي ساق موسي بكل قوته وسحله علي أرض المستشفى البارده وهو يصرخ مقهر ممزوج بالدموع : هسحلك جسما بالله.. لهفضحك في البلد كلها يا نص دكر ..

اندفع المأمور، وأحد الضباط، يسحبونهم بصعوبة من فوق موسي الملقا أرضا ، قبل أن يزهق النفس من صدره

صرخ المأمور بصوت قاطع: خده يا عسكري!

اقترب العسكري، سحب موسى بعنف.

صرخ موسى وهو يجر : هتاخدوني وين؟!

اقترب المأمور، وعيناه لا تعرفان الرحمة،
وهدر: متعدش يا دكر… عندك سحل مراتك، وشروع في جتلها، وادعاء زنا بالباطل، وسب وقذف علني.
يعني مطول معانا.

جحظت عينا موسي ، وصرخ بغضب ساخر يقطر احتقار:
وأنا هعرف منين المطاط ديه؟!

أشار المأمور للعسكري بحدة: خده… چهلك وتخلفك مصيبتك إنت.

سحب موسى إلى الخارج بخطوات سريعة غاضبة،
وصوته اختنق كما اختنق كل شيء داخله.

وفي الخلف،
سقط فواز علي كرسيه بذهول من كل ما يحدث…
وإنعام تبكي وتضحك معًا، وفوزي يقف شامخ لأول مرة منذ ساعات، والحقيقة…قد خرجت أخيرًا إلى النور.

خرجت حبيبة من الغرفة ببطء ثقيل، كأن الأرض لم تعد تعترف بخطواتها.

لم تكن هي ذاتها التي دخلت… دخلت منكسرة الروح،
وخرجت منها… محترقة من الداخل.

الحق انكشف، والباطل انفضح،
لكن في صدرها كان يتشكل شيء آخر،
شيء لا يشبه البكاء، ولا يعرف طريق الرجوع.

كان قرار ..بارد…حاد… يشبه السكين حين يستقر في اليد أخيرًا.

اندفع فوزي نحوها كمن أفلت قلبه من المقصلة،
ضمها إلى صدره بقوة مرتعشة، دموعه تنهمر بلا حساب،
قبل رأسها،وكفيها، وجبينها،
كأنه يعوضها عن كل لحظة تركت فيها وحيدة أمام الذبح.

التف الجميع حولها…أمير….غسان….إنعام.

انحني امير وعساف وحملوها فوق الأكتاف لا كجسد أنهكه الألم، بل كراية رفعت بعد معركة طويلة.

شهقت حبيبة، تشبثت بمنكبي إخوتها، وبكاؤها ينهمر كثقل السنين، لا تعرف هل تبكي نجاتها؟
أم تبكي نفسها التي ماتت هناك… خلف ذلك الباب؟

خرجوا بها من المستشفى ….الوجوه متوهجة،
الصدور منتفخة بالزهو،
والفرح يفيض حتى يكاد يكون فاضحًا.

عند الباب، وقف المأمور، وصوته خرج جهوري كالحكم الأخير: البت بريئة، طاهرة، وبختم ربها… بت الرچالة غالية.

انفجرت الزغاريد، وتهاوت الدموع، وانطلقت الأعيرة النارية تمزق الهواء، تشعل السماء
حتى بدت كأن الليل انكسر على نفسه.

أخرج أمير وعساف سلاحهما، وأطلقا الرصاص فرحًا.

هتف فوزي بصوت صاخب، ممتلئ بالقوة والانتصار:
من بكرة، ولسبع ليالي، الدبايح مش هتوجف،
ولا الطبل ولا الزمارة! فرح سبع ليالي،
والدعوة للخلج كافة!

لكن حبيبة…لم تكن معهم….الأصوات تبتعد،
الفرحة تتشوه، والدور يزحف إلى رأسها كيد خفية.

احتقنت عينيها بقهر.. عندما لمحت موسي يقف بجانب سيارة الشرطه .. قبضت على منكب أمير،وصوتها خرج مبحوح ،مكسور رغم كل شيء: كفاية يا أخوي

أومأ أمير، وأنزلها برفق… رفعت رأسها…وعيناها…
وقعتا على السلاح في يد امير…

وفي لحظة بلا تفكير، بلا خوف، بلا رجوع…
خطفت المسدس ..رفعت ذراعها. ..وأطلقت النار.

رصاصة واحدة..استقرت في ظهر موسى
قبل أن تطأ قدمه السيارة.

صرخ بألم .. شق المكان، تبعها هلع مكتوم.

جحظت عينا أمير، وفي لمح البصر.. انتزع السلاح من يدها.

صرخت حبيبة صرخة خرجت من أعمق قاع فيها،
صرخة لا تشبه الصوت، ثم انهار جسدها
وسقطت فاقدة الوعي بين أيديهم !
صرخ أمير وعساف معًا: حبيبــــــة!!

وقبل أن يمد أمير يده إليها، قبض العساكر على ذراعه…
وسحبوه الي الخلف .. وصاح بغضب: استنوا هملوني اطمن عليك خيتي!!

لكنه سحبه بعنف دون كلام ..وحمل عساف جسد حبيبه المهتر ، واندفع بها إلى الداخل، وإنعام خلفه تصرخ وتبكي،

وفوزي ركض خلف أمير ، كأن الأرض تنسحب من تحته.

وضعت حبيبة على السرير، ودفعت إلى غرفة الكشف.

وعلى السرير المجاور… كان موسى.

مصاب في كتفه من الخلف،
وجهه شاحب، وعيناه تمتلئان برعب لم يعرفه من قبل.

اقتيد إلى غرفة العمليات.

وبين سرير وسرير،
كانت الحقيقة قد انتصرت…

لكن الغضب، ذلك الغضب الأسود،
كان قد كتب فصله الأخير بالدم.

……
في مكان بعيد عن نور العالم، في عالم يختبئ تحت السماء الداكنة،

فوق قمة جبل يختنق بالبرد، كان الثلج يعض الهواء، والجليد يحبس كل نفس…

هناك، في تابوت من صقيع، بقيت فينوار متجمدة، جسدها خذلها، ودموعها تنساب على وجنتيها كخناجر تغرس في قلبها،

تفتك بها من الداخل قبل أن يصلها أي شعور بالراحة أو الأمان..

انشق الهواء فجأة، وظهر قرماس، عينيه مثقلتان بالحزن، صوته خشن، كالصاعقة: جولتلك… خدي بالك يا مولاتي.

حركت فينوار جفنيها بصعوبة، وارتجف صوتها في عقل قرماس، كأن كلماتها تذبح قبل أن تنطق: خدني على خوانه يا قرماس… وحبيبه… حبيبه يا قرماس…

وضع قرماس يده على الثلج، وغمغم بصوت مبحوح يقطر وجع: الوضع هناك… لا يحتمل… لازم تكوني معاهم دلوق، فورًا.

انزلقت دموعها بالقهر، وصدح صوتها داخل عقل قرماس:
كيف… يا قرماس؟

اقترب، حتى كان كأن قلبه يلتصق بالثلج، وهمس برقة قاتلة: نبتة الوهم… يا مولاتي… أنا هچيبها… وبكده هتكوني هناك… وهنه… في نفس اللحظة.

هزت رأسها بوهن، جسدها يكاد ينكسر، كأن كل حركة تقتلها. بس… ديه هتنبت في أرض الچن الأحمر…بس ..
همست، صدى خوفها يتردد بين الجليد

أومأ قرماس بعزم، عيناه مشتعلة بالإصرار: اهلي… وأنا هتصرف… وهرچعلك بسرعة.

أومات برأسها، وسندت على الثلج، راسها على يده الباردة، وهو يضع يده الأخرى مقابل رأسها،

كما لو كانا يحاولان مشاركة نفس الصمت، نفس الألم، ونفس الأمل الخافت.

همست فينوار داخل عقله، بصوت يختنق بين الخوف والغضب: انتبه لحالك…

أومأ هو برأسه، وفي لحظة خاطفة،
ذاب في الهواء…

ترك أثره ليس على الجليد، ولا على الثلج،
بل في قلبها… أثر يشتعل، لا يبرد البرد، ولا تمحوه الدموع.
بقيت فينوار وحيدة، لكن قلبها صار أقوى، كقمة الجبل التي لا تهزها الرياح…
وألمها تحول إلى نار، ونارها إلى قرار.

……
صباح ثقيل هبط على المستشفى كالكفن.
لا شمس تجرأت على اقتحام النوافذ، ولا هواء امتلك شجاعة التخفيف عن الصدور..

كل شيء كان بطيئ… حتى القلوب.
التف الجميع حول سرير فارس بعد نقله إلى غرفة عادية،
وجوه شاحبة، عيون معلقة بجفنيه،

ينتظرون تلك اللحظة الصغيرة… لحظة الفتح،
كأنها ستعيد ترتيب العالم.
تحركت جفناه أخيرًا…
بصعوبة موجعة، كأنهما ينتزعان من الموت انتزاع..

انفلت صوته متحشرج.. عالق بين الوعي واللاوعي:
حبـــيبه… حـ… حبيبه…

اهتز قلب وهيبة قبل جسدها،
اقتربت، ومسحت وجنته بكف أم ذاقت مرار الفقد وهي حية،
وغمغمت بصوت يرتعش: افتح عينيك يا ضنايا… طمن جلبي…

اندفع بدر نحوه، لهفة ممزوجة بالخوف، وصوته يكاد ينكسر: فارس… فارس سمعني يا أخوي…

استقر البصر أخيرًا.
نظر فارس حوله بتيه، ثم وضع يده على صدره كمن يتحسس قلبه ليتأكد أنه ما زال نابض..

وخرج صوته خافت، مبحوح، كسؤال يخشى إجابته:
حبيبه… اتچوزت؟

تجمد الهواء.تلجمت الألسن،
وتبادلت العيون رعب صامت… رعب من القادم.

بلع بدر غصته، وصوته خرج حزين، نادم، مثقل بالعار:
اللي حصل أكبر من كده يا فارس…
إنت لازمن تفوج… عشان نربي ولد الحرام موسى على اللي عمله.

اشتعلت عينا فارس فجأة…تصلبت ملامحه، وحاول أن ينهض بعنف، هدر صوته كمن يستفيق على طعنة:
عمل إيه؟!چاي لمت حبيبه؟!

أومأ بدر برأسه، والدموع تملأ عينيه قهر: الفرح كان عشيه… ومعرفش إيه اللي حصل بالظبط…
بس شكله مجدرش…
وجاب جلة حيلته في حبيبه…
وطلعها بفستان الفرح وسط الفرح…
وجال إنها مش بت بنوت و

لم يكمل…هب فارس فجأة، غضبه سبق جسده المرهق،
وانزلقت يده على الأسلاك الموصولة بصدره،
تعالت صفارة الأجهزة في هلع، وانتزعت الإبرة من ذراعه،
فتقطرت الدماء على الملاءة البيضاء كنقطة حبر سوداء فوق حكم إعدام

صاحت وهيبة بغضب، صوتها يرتعش بين الخوف والقهر:
براحه يا ولدي… أنت لساتك!

لكن فارس لم يسمع…رفع يده فجأة بحسم، كأنه يشهر سيف مسنون في وجوههم جميعًا،

وعيناه تقدحان شررًا، وصوته يهبط كحد الساطور:
من دلوق… اللي هيدخل بيني وبين أي حاچة تخص حبيبه… هيخسرني! ومش هسمي علي حد!!

أشار له فهمي بحدة، محاول استعادته: كيف يعني؟

صرخ فارس، واضع يده على صدره حيث الألم، لكن الغضب كان أسبق من الوجع: كي الناس! محدش ليه صالح!

سحب قميصه بعنف وبدأ يرتديه وهو يتحرك نحو الخارج،
خطواته سريعة، ثقيلة، كأن الأرض نفسها لا تطيق حمل غضبه.

لحق به بدر وأدهم وهتف بدر بلهفة: استني! انت رايح وين؟

لوح فارس بيده في الهواء كمن يطرد ظلًا، وصاح بصوت يحرق السمع:ملكش فيه… خليك ف حالك!

اندفع أدهم، قبض على ذراع فارس بقوة، وهدر:
استني! حبيبه هنه في المستشفى، انهارت!
وابن الكلب موسي هنا بردك… أمير طخه بعيار وهو في الأوضة ديه!

تجمد فارس لحظة…التفت ببطء… نظره اتجه نحو غرفة موسي،
والشرر يتطاير من عينيه ككرات ملتهبة خرجت من الجحيم نفسه،
أنفاسه تعلو وتهبط كوحش أُفلت من قيده.
اندفع فجأة.

تقدم العسكري أمام الباب بسرعة وهتف: ممنوع يا بيه!

لكن قبل أن يكمل كلمته،
كان بدر وأدهم قد جذباه بعيدًا عن الباب، وهدر بدر بنبرة حاسمة: هنطمنوا على صاحبنا… اهدي يا دفعة!

لم ينتظر فارس.
دلف إلى الغرفة بخطوة واحدة ..ثم أغلق الباب خلفه بعنف… إغلاق لم يشبه باب يغلق،
بل كأنه قبر أُقفل على حسابٍ لم يصف بعد

وووووووووووووووووووووو

توقعتكم ي سكاكررررر للبارت الجاي

ساحره القلم ساره احمد

4 317 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
440 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
Nedaa
Nedaa
23 أيام

تسلم الايادي ياحب اكيد تحفة تحفة من قبل ما اقرا اطير اشوف حبيبة والغالي❤️❤️❤️

Yomna
Yomna
23 أيام
ردّ على  Nedaa

تسلمي يا قمر ❤️

Mariam
Mariam
23 أيام
ردّ على  Nedaa

الله يسلمك حبيبتى

Samar
Samar
23 أيام

تسلم ايدك يا قمر اكيد هيبقي روعه 😘

Yomna
Yomna
23 أيام
ردّ على  Samar

تسلمي يا قمر ❤️

Mariam
Mariam
23 أيام
ردّ على  Samar

دى عيونك الحلوه حبيبتى

Imen kraoua
Imen kraoua
23 أيام

تسلم ايديكي مقدما يا سارة ♥️ أكيد توووحفة من قبل ما أقرأ

Yomna
Yomna
23 أيام
ردّ على  Imen kraoua

تسلمي يا قمر ❤️

Imen kraoua
Imen kraoua
23 أيام

أروح اطمن ع الغالي و حبة الجلب 🥹♥️

Yomna
Yomna
23 أيام
ردّ على  Imen kraoua

يلا ❤️🥹

Monaضيف
Monaضيف
23 أيام

❤️❤️❤️❤️❤️❤️

Yomna
Yomna
23 أيام
ردّ على  Monaضيف

❤️

ضيف
ضيف
23 أيام

روعة

Yomna
Yomna
23 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ❤️

ضيف
ضيف
23 أيام

تسلم الأيدي

Yomna
Yomna
23 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ❤️

Salma said
Salma said
23 أيام

تحفه تسلم ايدك ❤️❤️🌹

Yomna
Yomna
23 أيام
ردّ على  Salma said

تسلمي يا حبيبتي ♥️

Salma said
Salma said
23 أيام

🥹🥹❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️

Yomna
Yomna
23 أيام
ردّ على  Salma said

♥️♥️

Salma said
Salma said
23 أيام

ىووووووعه🌹🌹🌹🌹🌹🌹

Yomna
Yomna
23 أيام
ردّ على  Salma said

تسلمي يا قمر ❤️

Salma said
Salma said
23 أيام

البارت خطيررررررررررررر ❤️❤️❤️❤️❤️

Yomna
Yomna
23 أيام
ردّ على  Salma said

تسلمي يا قمر ❤️

ضيف
ضيف
23 أيام

بجد شابوه ليكي انا مبسوطة انك ظهرتي الحق

Yomna
Yomna
23 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ❤️

ضيف
ضيف
23 أيام

روووووووعه

Yomna
Yomna
23 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا حبيبتي ♥️

شمس محمد
شمس محمد
23 أيام

رووعه ياقمر تجنن❤️❤️

Yomna
Yomna
23 أيام
ردّ على  شمس محمد

تسلمي يا قمر ❤️

lolo
lolo
23 أيام

تسلم ايدك ياحبيبتي

Yomna
Yomna
23 أيام
ردّ على  lolo

تسلمي يا قمر ❤️

ضيف
ضيف
23 أيام

البارت رووووووووعة ياسارة تسلم ايديكم وعنيكم ياقلبي❤❤❤ فعلا في ناس كتير كده ياسارة

Yomna
Yomna
23 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ❤️

Malak
Malak
23 أيام

البارت خطير بجد 😭🥹💗💗

Yomna
Yomna
23 أيام
ردّ على  Malak

تسلمي يا قمر ❤️

Rabab Elabd
Rabab Elabd
23 أيام

البارت تحفه اكيد من قبل ما اقرأ❤️❤️❤️

Yomna
Yomna
23 أيام
ردّ على  Rabab Elabd

تسلمي يا قمر ❤️

ضيف
ضيف
23 أيام

تحفه تحفه تحفه

Yomna
Yomna
23 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ❤️

Sally Mohamed
Sally Mohamed
23 أيام

اخيرا قلبي هدى شويه😂

Yomna
Yomna
23 أيام
ردّ على  Sally Mohamed

تسلمي ي حبيبتي ♥️

Sally Mohamed
Sally Mohamed
23 أيام

عظمممممه♥️♥️♥️♥️

Yomna
Yomna
23 أيام
ردّ على  Sally Mohamed

تسلمي يا قمر ❤️

hapipa
hapipa
23 أيام

البارت خيال فرحانه في موسي جدا

Yomna
Yomna
23 أيام
ردّ على  hapipa

تسلمي يا قمر ❤️

hapipa
hapipa
23 أيام

🥰🥰🥰🥰🥰

Yomna
Yomna
23 أيام
ردّ على  hapipa

❤️❤️

آدم عوض
آدم عوض
23 أيام

تسلم ايدك ي ساره البارت خطير تحفه تحفه

Yomna
Yomna
23 أيام
ردّ على  آدم عوض

تسلمي يا قمر ❤️

samer yehia
samer yehia
23 أيام

اضرب ياااولد
حقيقى بقالى كتير مدمعتش بسبب رواية وصف احساس حبيبية من اول لحد الطب شرعي خطير خطير يوجع القلب

Yomna
Yomna
23 أيام
ردّ على  samer yehia

تسلمي يا قمر ❤️

Marwa Saber
Marwa Saber
23 أيام

البارت تحفة كالعادة تسلم ايدك

Yomna
Yomna
23 أيام
ردّ على  Marwa Saber

تسلمي يا قمر ❤️

Marwa saber
Marwa saber
23 أيام

جميل جداً تسلم ايدك ياقمر

Yomna
Yomna
23 أيام
ردّ على  Marwa saber

تسلمي يا قمر ❤️

ام عبد الرحمن
ام عبد الرحمن
23 أيام

بارت تحفه بجد ❤️❤️

Yomna
Yomna
23 أيام

تسلمي يا قمر ❤️

ضيف
ضيف
23 أيام

تسلم ايدك يااسوو طمنتينى والله

Yomna
Yomna
23 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ❤️

ضيف
ضيف
23 أيام

جمييييل

Yomna
Yomna
23 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ❤️

ضيف
ضيف
23 أيام

جميل

Yomna
Yomna
23 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ❤️

Om ammar
Om ammar
23 أيام

ايه دا ايه الجمال ده كله تسلم ايدك ❤️❤️❤️❤️

Yomna
Yomna
23 أيام
ردّ على  Om ammar

تسلمي يا قمر ❤️

Farha Ahmed
Farha Ahmed
23 أيام

تحفه اووي

Yomna
Yomna
23 أيام
ردّ على  Farha Ahmed

تسلمي يا قمر ❤️

ضيف
ضيف
23 أيام

جميله جدا جدا جدا جدا جدا

Yomna
Yomna
23 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ❤️

ام محمد
ام محمد
23 أيام

رووووعة

Yomna
Yomna
23 أيام
ردّ على  ام محمد

تسلمي يا قمر ❤️

ام محمد
ام محمد
23 أيام

تسلم ايدك

Yomna
Yomna
23 أيام
ردّ على  ام محمد

تسلمي يا قمر ❤️

Farha Ahmed
Farha Ahmed
23 أيام

روعه

Yomna
Yomna
23 أيام
ردّ على  Farha Ahmed

تسلمي يا قمر ❤️

Semo ahmed
Semo ahmed
23 أيام

تسلم ايدك حبيبتي البارت تحفه ❤️ ايوه كده بردتي ناري 😌

Yomna
Yomna
23 أيام
ردّ على  Semo ahmed

تسلمي يا قمر ❤️

Nabila Ahmad
Nabila Ahmad
23 أيام

تسلم ايدك ياسارة تحفة كالعادة

Yomna
Yomna
23 أيام
ردّ على  Nabila Ahmad

تسلمي يا قمر ❤️

ام محمد
ام محمد
23 أيام

جميله جدا

Yomna
Yomna
23 أيام
ردّ على  ام محمد

تسلمي يا حبيبتي ♥️

ضيف
ضيف
23 أيام

ابداع

Yomna
Yomna
23 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ❤️

Rima mohamed
Rima mohamed
23 أيام

روح قلبي ساره تسلم ايدك نزلتي كل التوتر عملتي كيف المهدي ضماده على قلوبنا ربي يسلم ايدك وابداعك يا سكره انتي

Yomna
Yomna
23 أيام
ردّ على  Rima mohamed

تسلمي يا قمر ❤️

May mahmoud
May mahmoud
23 أيام

اى الحلاوة دى تسلم ايديك

Yomna
Yomna
23 أيام
ردّ على  May mahmoud

تسلمي يا قمر ❤️

ايمان عبده
ايمان عبده
23 أيام

البارت نار

Yomna
Yomna
23 أيام
ردّ على  ايمان عبده

تسلمي يا قمر ❤️

Malak
Malak
23 أيام

ايه الحلاوة دي

Yomna
Yomna
23 أيام
ردّ على  Malak

تسلمي يا قمر ❤️

alaaashraf3812@yahoo.com
alaaashraf3812@yahoo.com
23 أيام

أيوة بقا شفيتى غليلى

Yomna
Yomna
23 أيام

ايوا والله😂😂

مى حسام
مى حسام
23 أيام

تحفه تسلم ايدك حبيتي ❤️♥️♥️♥️

Yomna
Yomna
23 أيام
ردّ على  مى حسام

تسلمي يا قمر ❤️

Malak
Malak
23 أيام

البارت تحفه بجد فظيع وكمية المشاعر جامده اوي

Yomna
Yomna
23 أيام
ردّ على  Malak

تسلمي يا قمر ❤️

Nada Mostafa
Nada Mostafa
23 أيام

تحفه تحفه 😍😍

Yomna
Yomna
23 أيام
ردّ على  Nada Mostafa

تسلمي يا قمر ❤️

Rody galal
Rody galal
23 أيام

تسلم ايدك

Yomna
Yomna
23 أيام
ردّ على  Rody galal

تسلمي يا قمر ❤️