عشق ملعون بالدم

عشق ملعون بالدم(الفصل الثامن عشرون)

عشق ملعون بالدم(الفصل الثامن عشرون)

الوفاء في هذه الحياة ظلٌ حزين مُرْتَعِشٌ لا يرحل يتعثر معك تحت ضوء الشمس الباهت ولا يخونك في أعماق العتمة حيث يعصف اليأس. هو أن تمسك الوعود بكفٍ مثقلة بالألم حتى حين ترتجف الأيام وتتساقط كدموع الندم وأن تختار الصدق ولو غدا الدرب قفرًا يئن بالوحدة والغدر.الوفاء قلبٌ مكسور لا يبدل نبضه أمام المصالح الزائلة ولا يساوم على الذكريات الدامية التي تُعَذِّبُ اللَّيْلَ يبقى كما هو نقيًا صامتًا عميقًا كالبحر الذي يغرق فيه الروح. في حياةٍ سريعة التغيُّر مليئة بخيانات الزمان الوفاء الشيء الوحيد الذي لا يشيخ لأنه ولد من روحٍ مجروحة تعرف معنى البقاء وسط الفقدان الأبدي.الوفاء عملةٌ نادرة مغطاة بغبار السنين لا تلمع لأنها غالية بل لأنها صادقة تتحمَّلُ الْأَلَمَ وَالْخِيَانَاتِ. هو أن تبقى حين يرحل الجميع تاركًا وراءه جروحًا تنزف وأن تختار الثبات لا لأن الطريق سهل بل لأن القلب وعدٌ مُثْقَلٌ بِالْحُزْنِ الَّذِي لَا يُشْفَى.الوفاء أن تحفظ الغائب في حضورك المُنْهَكِ مِنَ الْبُكَاءِ وَتَصُونَ الذِّكْرَيَاتِ مِنْ غُبَارِ النِّسْيَانِ وَأَلَّا تُغَيِّرَ مَلَامِحَكَ حِينَ تَتَبَدَّلُ الْفُصُولُ وَتَتَغَيَّرُ الْوُجُوهُ إِلَى غُرْبَةٍ. هو عهدٌ صامت يئن بالألم لا يحتاج ضجيج الكلمات يكفيه قلبٌ نقي يعرف أن البقاء أجمل أشكال الحب المُعَذَّبِ الَّذِي يَمُوتُ كُلَّ لَيْلَةٍ وَيَعِيشُ فِي الْأَلَمِ.


وهنا… تجمدت حبيبه، كأن الزمن انكسر في صدرها وتحول إلى حجر ثقيل يسد نبضها عن الحياة…

علقت الدموع في عينيها، لا تسقط ولا تجف، كأنها تخاف أن تتحرك فتفضح الحقيقة التي بدأت تتكوّن أمامها…

تشنج جسدها بعنف، رعشة ليست من الغضب ولا من الكراهية، بل من شيء أعمق… شيء لم تلمسه القسوة بعد، ولم تطله يد الانتقام… شيء يشبه الحب حين ينهار فجأة على رأس صاحبه…

جحظت عيناها برعب حقيقي اجتاح كيانها، وهي ترى بقع الدم تتسع… تتسع… تزحف على قميصه الأبيض كظل موت يتسلل بلا استئذان…

رفعت رأسها ببطء، نظرت إليه بعينين ترتجفان، بينما شحب وجه فارس تحت وطأة الألم الذي انفجر في صدره، حيث انفتح الجرح تحت ضربتها كفم يصرخ بالحقيقة…

همس بصوت مبحوح، مكسور، يخرج من أعماق رجل يحتضر واقف: حبيبه… أنا عشچتك… العشچ اللي حيى جلبي الميت… وأجسم بالله حاولت كتير ألجم جلبي بس…

صرخت،انفجرت، شهقاتها شقت الهواء من حولهما، صوتها خرج مذبوحا:اسكت… اسكت! إنت مش حاسس… إنت بتنزف!

نظر إليها بدهشة طفل لا يرى الدم، لا يشعر بالألم،
وكأن الألم لا وجود له أمام حقيقة واحدة أنها هنا… بين يديه… ولن يسمح لتلك اللحظة أن تضيع.

لم يشأ أن يضيع الفرصة… تلك اللحظة التي أخيرًا صارت فيها أمامه.

لكن الوخز بدأ يشتعل في صدره، نار حادة تفتح عينيه على الواقع.

خفض نظره إلى قميصه، إلى الدم الذي صار بحر صغير على بياضه، وغمغم بصوت متحشرج موجوع حد الهلاك:
جولتلك… محشنيش عنك غير الموت… كت چاي الحجك ومعايا الطبنچه، وكت هفرغها كلها في جلب ولد المحروج… بس سند وبدر منعوني… وطلع العيار في صدري بالغلط.

شهقت بفزع، وكأن الأرض انشقت تحت قدميها، وكأنها تهوي في بئر بلا قاع، قاعه جمر مشتعل لا رحمة فيه.

سحبت يدها بعنف من يده، وتراجعت بخطوات متعثرة، عيناها معلقتان به بذهول ممزوج بالرعب، وخرج صوتها منكسر كطفلة ضائعة تتمني أن ينقلب الواقع الي وهم : ديه كابوس… صح؟ أكيد كابوس…

هز رأسه بالنفي، واقترب منها بخطوات ثقيلة، صوته متعب موجوع، لكن فيه عناد الحياة حين تتشبث بحبها الأخير: حتى لو كابوس… أنا معاكي فيه… وهنطلع منيه سوا.

وفي تلك اللحظة، لم يكن الدم وحده ما ينزف…
كان القلبان معًا، ينزفان الحقيقة التي حاول الجميع دفنها… وفشلت…

هزت حبيبه رأسها بالنفي بعنف، حتى اصطدم ظهرها بالباب كأنها تحاول الهروب من نفسها قبل أن تهرب منه، وصاحت بغضب انفجر دفعة واحدة: روح… اطلع مع مرتك اللي اتچوزتها! وأنا كت بموت في بعدك!

لم تنتظر ردا، ولم تمنحه فرصة أخرى للجرح.
اندفعت إلى الخارج بخطوات سريعة متعثرة، غضبها يقودها، ووجعها يجرها من الخلف كذيل نار.

ركض فارس خلفها، بخطوات غاضبة يطارد فيها ما تبقى من روحه، يد تضغط على صدره النازف، والأخرى ممدودة كغريق يتشبث بالهواء، وهتف بصوت مبحوح متكسر:حبيبه… استني يا حبيبي!

دلفت إلى المصعد، ضغطت الأزرار بقوة يائسة، كأنها تضرب قلبها لا لوحة التحكم….انغلق باب المصعد في وجهه.

ضرب فارس الباب بيده الملطخة بالدم القاني، وهدر بألم حارق:حبيبه… استني!

لكن الصوت عاد إليه بلا صدى.
ترنح، داهمه الدوار كقبضة على رأسه، فاستدار نحو الدرج.

قبض على الدرابزين بكل ما تبقى له من وعي، وبدأ يهبط.
درجة…ثم أخرى… خمسة طوابق كاملة،

وهو يسند جرحه، ودماؤه تقطر على الدرجات كآثار طريق يقوده إلى الهاوية.

أنفاسه لاهثة، ثقيلة، متقطعة، والعرق يتصبب منه رغم برودة المكان، والألم ينهش صدره بلا رحمة.

في الأسفل…
انفتح باب المصعد.
خرجت حبيبه بخطوة سريعة، لكنها اصطدمت بجسده.

تجمدت….كان أمامها… منهك، شاحب، غارق في دمه، كأن الحياة انسحبت منه على عجل وتركته واقف بالكاد.

قبض فارس على ذراعيها، نظر إليها نظرة تشبه الوداع أكثر مما تشبه الرجاء، وغمغم بصوت خافت مبحوح، كأنه يسلم روحه أمانة:سامحيني… يا حبة جلبي.

ثم انهارت قدماه…سقط أرضا فاقد الوعي.
سقطت حبيبه معه، وكأن الأرض خطفتهما معًا، وانفجرت صرختها مذعورة، صرخة شقت صدرها قبل أن تشق المكان:فاااااارس!
…..
في منزل سلام الكاتب…

جلست ليلة في شرفة غرفتها، جسدها ساكن كمثال نسيه الزمن، والدموع جفت من عينيها لا لأن الألم انتهى، بل لأن الوجع تجاوز مرحلة البكاء…

عيناها مطفأتان، كأن الحياة انسحبت منهما منذ اللحظة التي غادر فيها بدر وتركها خلفه نصف إنسانة… ونصف ذكرى.

كانت شاردة، غارقة في فراغ ثقيل،
حتى اخترق الصمت صفير مميز، صفيرٌ تحفظه روحها قبل أذنها.

شهقت بأنفاس متقطعة، نهضت واقفة كأن قلبها سبقها، اندفعت نحو السور ونظرت إلى الأسفل، وصاحت بصوت اختلط فيه العتاب بالاشتياق:بدر… كل ده أخص عليك!

رفع رأسه إليها، وابتسامة حزينة تلمع في عينيه، نظرة رجل يعرف قدر ما خسر، وهتف بحنان يقطر شوق:
هو ديه الصح يا ليلة… البدر مكانه في السما، وأنا أطلع عليه كده.

هزت رأسها بالنفي، دموعها عادت دون استئذان، وهمست بصوت مرتجف:لا يا بدر… إنت بدر ليلة، يعني مكانكم مع بعض… هو في ليل من غير بدر؟

هز رأسه بالنفي، وانكسر صوته، خرج مبحوح موجوع :
ولا في بدر من غير ليلة.

لم تنتظر أكثر…أومأت برأسها، كأن القرار اتخذته روحها قبل عقلها، وركضت إلى الداخل، ومنه إلى الدرج بخطوات سريعة متعثرة، كأن البيت يضيق بها.

فتحت باب المنزل، واندفعت نحوه…كان يقف في منتصف الحديقة… وحين وصلت إليه، لم تقل شيئًا.
بكل قوتها، انغرست بين أحضانه…

استقبلها بدر، أغلق ذراعيه حولها بقوة كأنما يخشى أن تتبخر، وضغطها إلى صدره، وغمغم بصوت متحشرج وهو يتنفس رائحتها بشوق موجع: أكيد ريحتك ديه من الجنة.

دفنت وجهها في ثنايا عنقه، أغمضت عينيها، ثم أغلقت عقلها كله…لم تعد تريد تفسير، ولا وعود، ولا خوف من الغد….كانت تريد هذه اللحظة فقط… أن تكون بين ذراعيه. أن يعود البدر إلى ليلته.

فجاء الصمت ينكسر على وقع صرخة سلام الغاضب:
إيه جلة الحيه ديه!

ارتفعت عينا بدر بالقهر، مزيج من غضب يحترق ووجع قديم، بينما رفعت ليلة رأسها من عنقه ونظرت خلفها، كأنها تبحث عن مخرج من أعين مشتعلة.

اقترب سلام مع مروان، والغضب يشتعل في عينيه كأن النار تنتظر فرصة للانقضاض، وهتف بصوت مدوي:
إكده من غير خشي ولا لوم، والخلج رايح چايه!

ظل بدر محاط بليله من كل جانب، خصرها بين ذراعيه، يضمها إلى صدره كأن العالم كله لا يستحق أن يلمسها، وغمغم بصوت بارد مستفز، كالجليد: مرتي… وحشتني.

رفع مروان عينيه بنظرة قاطعة كالنصل، وهمس بميل من التهديد:مرتك في بيتك، في جاعتك… مش جادم الخلج كده.

ابتسم بدر بجانب فمه، ببرود حاد يقطر تحدي، وغمغم:
ليلة… مرتي جدام التخين، والي يحشر منخيره بينا، بكسرهاله.

ابتلع مروان لعابه برعب، وتراجع إلى الخلف، بينما هدر سلام بغضب عارم:انت فارد عضلتلك علينا… هتخوفنا إياك!

ثم التفت إلى ليلة بعينين مشتعلتين، صوته يهدر كالرعد:
اطلعي يا بت… وهمليه، هتتشعلكي فيه كده من غير حيه، يا جليلة الربايه!

ارتجف جسد ليلة بالحزن، وكادت تفلت من بين ذراعي بدر، لكن قبضته حمتها من الانزلاق، وسحبها خلف ظهره.
مد يده بعنف، أمسك ياقة جلباب سلام كالمخلب الحديدي، يعتصر عنقه بقوة مرعبة، وهدر: كلمه تاني… وهنسي إنك أبو مرتي!

صرخت ليلة بفزع، قبضت على ذراع بدر بنحيب حاد:
لا يا بدر… لا… ديه أبوي!

لكن مروان وسلام أمسكوا بذراعها، وهتفوا بغضب:
همله يا مخوت!

شق الجنون الصوت على ساحة المنزل، يقطع الصمت كالبرق:بدرررررر!

التفت الجميع نحو الصوت، وهدر سلام بأنفاس لاهثة، كالغضب يندفع من عروقه: تعال يا اللي جولت! بدر الانصاري احسن صاحبي ليك ..

اندفع صهيب، بخطوات سريعه مشتعله ،وسحب بدر بغضب مريع، وهتف: ليه كده يا بدر؟ ديه أبوي!

صرخ بدر بغضب يحرقه من الداخل:مكفهوش… خد مرتي مني، وكمان هيعيب فيها جدامي… كنه وعيلها مع واحد غريب… مش چوزها!

هدر سلام بصوت مبحوح، خشن، يقطر سم الغضب:
أنا خت بتي… منيك جبل ما تجتلها بنحسك!

كاد بدر أن يندفع للانقضاض، لكن صهيب تمسك به بقوة، وهدر بصوت حاد: استني يا بدر!

وقف صهيب أمامه كالسد المنيع، وهدر مجددًا:بدر مش نحس يا أبوي… وليلة مرته، وهتفضل مرته… واللي في راسك مش هيحصل طول ما أنا عايش!

نظر سلام بغضب يشتعل، واندفع يرفع يده،وهدر:
يا ناجص…!

لكن بدر قبض على يده وهدر بحزم، كل غله محروق:
لا… بكفياك! طايح في الكل… أنا لحد آخر لحظه.. عامل حساب صهيب وليلة!

سحب صهيب ليلة المنكمشة خلف بدر، ودموعها تنهمر كأنها مطر لا يتوقف، وهدر: بدك تعاودي مع چوزك؟

أومات ليلة برأسها، متجنبة النظر إلى ولدها، وغمغمت بصوت مبحوح:ايوه…

صرخ سلام بصوت خشن يقطر توعد حارق:ولو عاودتي… يبجي أبوكي مات!

انزلقت دموع ليلة بقهر، وارتجف جسدها كأن قلبها يتفتت، نظر لها بدر وضمها بحضنه، وهمس في أذنها بصوت متقطع: متحيريش حالك يا جلب البدر… خليكي… وهچيلك تاني.

نظر إلى سلام بعينين مشتعلة بالغضب، وهدر: غصب عن أي حد!

تمسكت ليلة بسترة بدر، وغمغمت بدموع تتساقط: متعوجش عليا يا بدر… لازمن أطمن عليك كل يوم.

أومأ بدر برأسه بحزن، وقبل رأسها، وأشار لها بحدة وهدر: إطلعي ومتندليش من أوضتك، فاهمة؟

أومات برأسها وغمغمت بدموع: حاضر…

ركضت إلى الداخل، ودموعها تحرق عينيها بقهر لا يوصف.

نظر بدر إلى صهيب، وربت على منكبه بحنان وحزم في الوقت ذاته، كأنه يثبته وسط عاصفة من الغضب والخوف، وقال: هتتعدل يا صاحبي.

ربت بدر على منكبه مرة أخرى وقال بحدة: عينك على ليلة… فاهم!

أومأ صهيب برأسه بصمت، لكن بعينين تحكي تأكيد صامت، ونظر إلى مروان بغضب، كأن النار تشتعل في صدره دون أن يحتاج لقول كلمة.

…..
في سرايا العزيزي،
دخلت أنعام غرفة حبيبه مسرعة، وقلقها يلهث في كل زاوية من الغرفة:حبيبه… يلا يا بتي الغـ…

لكن فجأة توقفت، كأن الوقت تجمد حولها، وشهقتها تكسرت في حلقها عندما رأت الغرفة خاوية… فارغة إلا من الهواء البارد الذي يعبث بصمتها.

تجمدت أنفاسها، اقتربت من باب المرحاض بخطوات متثاقلة، فتحت الباب بيد ترتجف من الرهبة، وصرخت بنبرة يختنق بها قلبها : بتي… وينك يا حبيبه؟

ابتلعت لعابها بصعوبة، ودموعها تتساقط بلا هوادة:
حبــــبيبه… وينك… متحرجيش… جلبي… يا بتي… وينك؟

على صوتها المتقطع اندفعت هند نحو الغرفة، عيناها مليئتان بالهلع، وصرخت:خير يما… هتزعجي ليه؟

ركضت أنعام نحو الخارج، خطواتها تتلعثم، ودموعها تغسل وجنتيها، صوتها يختلط بالهواء:حبيبه… مش في البيت!

لطمت هند وجنتيها بصدمة، وركضت خلفها، صاحت بلهجة ممزوجة بالرعب والخيبة:يا مراري… راحت… وين؟!

ارتجفت أنفاس أنعام أكثر، والرعب يفتك بها:أمير… يا عساف… الحجوني… الحجوا… حبيبه!

خرج أمير وعساف من المندرة، وجوههم ملتهمة بالهلع، كأن الموت يتربص بهم عند كل زاوية. صرخ أمير بذهول وارتجاف:مالها يما؟!

أشار عساف بيده بحزم وصرامة، وكأن الأرض تهتز تحت قدميه:چري إيه يما… انطجي… الله لا يسئاك!

صرخت أنعام برعب كامل يلتهم جسدها:مش في البيت… خايفة تكون هجت… ولا ودارت حالها!

اجتاحت السرايا موجة من الفزع والارتباك، وركض عساف نحو الخارج وهتف بلا توقف : هتكون وين يعني… ليه كده يا خيتي؟!

أخرج أمير هاتفه بسرعة، يدور حول نفسه كالمجنون، صوته يرتجف من القلق:ردي يا حبيبه!

خرجت ريم من غرفة حبيبه، تحمل الهاتف في يدها المرتجفة، وصرخت:أمير… حبيبه هملت تلفونها هنه!

رفع أمير رأسه بعينين مشتعلة بالغضب والرعب، وصرخت أنعام برعب يلتهم قلبها:يا مرارك… يا أنعام… البت راحت… بتي شنعة بحالها… يا غلبك يا أنعام!

نزلت جملات الدرج بخطوات متعثرة، تتشبث بالدرابزين بكل ما تبقى من قوتها، ودموعها تتدفق كالسيل، والدوار يلفح رأسها، ويدها ترتجف قبل أن يسقط جسدها أرضًا على الدرج.

صدحت صرخت انعام في الفضاء، شاقة كالريح العاصفة، تشق كل شيء:أمااااااا…!

اندفع الجميع نحو الدرج، قلوبهم تتسارع، وعيونهم تلتهم المكان برعب، وحملها أمير بين ذراعيه، صاعدًا بها بسرعة مخيفة، وصرخ بأعلى صوته:شيعوا للدكتور بسرعة!

….

أمام المستشفى العام في سوهاج،

توقفت سيارة الإسعاف فجأة كأنها اصطدمت بالقدر نفسه، وانفتح بابها بعنف، اندفع المسعفون يسحبون السرير المعدني، وعلى متنه جسد فارس الغارق في الدماء، شاحب كأن الحياة تنسحب منه قطرة قطرة.

كانت حبيبه مائلة فوقه، اضغط بكفها على صدره المفتوح، صوتها يمزقه بالبكاء وهي تصرخ برجاء يقطع القلب:براحه… صدره مفتوح!

اندفع المسعفون مسرعين، عجلات السرير تصرخ على الأرض، وحبيبه تركض بمحاذاته، عيناها معلقتان بوجهه، تراقب الشحوب وهو يزحف عليه كلما اشتد النزيف، كأن الموت يتقدم خطوة خطوة بلا استعجال. دموعها تنهمر كالمطر، لا تتوقف، ولا تعرف أين تسقط.

اختفى السرير خلف أبواب غرفة العمليات، وانغلقت الأبواب في وجهها كصفعة قاسية…

توقفت حبيبه أمام الزجاج، تحدق إلى الداخل بعينين متسعتين من الرعب، جسدها يرتجف كغصن في مهب عاصفة.

لم تحتمل…
تراجعت خطوة، ثم أخرى، حتى خانتها قدماها… أسندت ظهرها إلى الحائط البارد، وانزلقت ببطء إلى الأرض، كأن روحها تسقط قبل جسدها.

رفعت يدها المرتجفة، فرأت الدماء تلطخ كفها، داكنة، ثقيلة، حقيقية أكثر مما تحتمل…

ضربتها صاعقة قلبها، واندفعت كلماته من الذاكرة كرصاص لا يرحم:جلتلك محشنيش عنك غير الموت… كت چاي الحجك ومعايا الطبنچه، وكت هفرغها كلها في جلب ولد المحروج… بس سند وبدر منعوني، وطلع العيار في صدري بالغلط.

اتسعت عيناها بفزع، وكأنها تعيش اللحظة من جديد. رفعت كفها المرتجف إلى فمها، كتمت صرخة كانت ستشق المكان، صرخة مليئة بالذنب والرعب والعجز.

كانت تدور داخل دوامة خانقة، لا بداية لها ولا نهاية، تبحث عن مخرج… ولا تجد سوى وجه فارس غارق في الدم، يتلاشى أمام عينيها.

مر الوقت ببطء قاتل، كأن الدقائق تتحول إلى سنين، والهواء يثقل فوق صدرها…

فجأة خرجت إحدى الممرضات من غرفة العمليات، تحمل متعلقات فارس.

نهضت حبيبه بصعوبة، جسدها يرتجف، واندفعت نحو الممرضة وهي تلهث بصوت مبحوح:كيفه! فاج…!

هزت الممرضة رأسها بالنفي، ومدت لها متعلقات فارس حافظه نقوده وهاتفه، وقالت بصوت صارم:الچرح عميج… واضح إنه واخد عيار في صدره من كام يوم، والچرح انفتح… لازم يتخيط تاني… ودي حاچته.

التقطت حبيبه المتعلقات بيديها المرتجفتين، كأن أصابعها من شدة الخوف والصدمة فقدت القدرة على التحكم، والدموع تعتصر عينيها بلا رحمة، تجعلها لا ترى سوى الظلام حولها.

ارتدت الممرضة إلى غرفة العمليات، ووقفت حبيبه في الوسط، وكل شيء حولها يدور كحلقة نار مشتعلة تحيط بعقلها، كل ذكرى، كل كلمة، كل لحظة من الألم، يغرقها الآن بشدة لم تعرفها من قبل، تعود أمامها، حية، حارقة، لا مهرب منها.

فاقت من شرودها على صوت هاتف فارس يهتز في يدها صورت أمير تتردد فيه، قلبها يتوقف لوهلة، ثم يتسارع حتى كاد يخرج من صدرها…

نظرت إلى الشاشة بعيون ملؤها الدموع، شفتيها ترتجف بعنف، وضغطت على كتم الصوت، متراجعة إلى الحائط مرة أخرى، كأنها تريد أن تختبئ من كل شيء، من الحقيقة، من الألم، من قلبها الذي يكاد ينفطر.

……

في سرايا العزيزي،

وقف أمير أمام غرفة جدته، جسده مشدود، أنفاسه تتقطع بين توتره وغضبه، وأصابعه تضغط على الهاتف بلا رحمة وهو يحاول الاتصال بـ فارس. هدر بغضب مكتوم:
رد يا فارس… مش وجتك!

لحظات قليلة، وانفتح الباب، خرج الطبيب خلفه أنعام وريم. اقترب أمير من الطبيب، صوته يختنق بالقلق:
خير يا دكتور…

أشار الطبيب بيده وهو يتنهد، وعيناه تحملان ثقل الخبر:
خير… ضغطها ارتفع، وكمان السكر… الأيام اللي چايه لازم متابعة دجيجة، وتبعد عن أي حاچة تكدرها، وتمشي على العلاچ بالساعه.

أومأ أمير برأسه، التقط الروشتة من يد الطبيب، وهمس بصوت متقطع:حاضر يا دكتور… اتفضل.

انصرف الطبيب، واندفعت أنعام نحو أمير وعينيها تلمع بالدموع:إيه يا ولدي… فارس رد عليك؟

نظر لها أمير بعينين مشحونتين بالتوتر والحزن، هز رأسه وهمس:ايوه… رد… وحبيبه راحت تچيب حاچتها من الشجة… متخفيش عليها… أنا هروح أعاودها… بس متجوليش لي أبوي.

قطبت أنعام حاجبيها بغضب ممزوج بالقلق:طب ليه تطلع كده وتهمل تلفونها… وإزاي تروح الشجة لحالها إكده؟

ربت أمير على منكبها برفق، صوته يحاول أن يوازن بين الحزم والطمأنينة:اهدي يما… حبيبه مش متزنه دلوق… أنا هروح أعاودها.

انصرف أمير بخطوات سريعة، قلبه يلهث بين الرجاء والخوف، يتمنى أن يجد حبيبه مع فارس، وهو يعلم جيدًا أن حبيبه لن تنفجر إلا في وجه فارس، وأن تلك اللحظة لن تتأخر، لكنها ستكون شديدة، مفجعة، كالصاعقة في صدر كل من يشهدها.
……..

في أروقة المستشفى العام بسوهاج،

جلست حبيبه تنتظر كأن قلبها محشور بين جدارين من الرعب والقلق، أنفاسها تتقطع، وكل نبضة في صدرها كأنها تصطدم بالألم…

احترقت أعصابها في الانتظار، وانشق قلبها من الخوف، وهي تشعر بروحها تكاد تذهب من شدة القلق.

دق هاتفها مرة أخرى، رقم عماد ظهر على الشاشة. نظرت إليه بعينين تلمعان بالدموع، وغمغمت بصوت مرتجف:
أرد أخليه يچي وأنا أروح… أنا مش جادر اتحمل وحدي… حاسة روحي هتفارجني.

رفعت الهاتف إلى أذنها بصمت، وأتى صوت عماد مبحوح ومشحون بالقلق:فارس… أخيرًا رديت يا راچل… حرام عليك… انت عارف أنا عملت كده من خوفي عليك… كت هتودي حالك في چنايه.

تجمدت حبيبه في مكانها، ودموعها انزلقت بقهر، والصدمة غطت وجهها، وهي تشعر بأن كل ثقل اللحظات يسحق قلبها.

قطب عماد حاجبيه بدهشة وغصة، وغمغم بصوت متحشرج مليء بالألم:فارس رد عليا… أنا عارف من حجك تزعل مني… أنا آسف… مكنش المفروض أحجنك بالمخدر… سامحني يا صاحبي.

أجابته حبيبه بصوت مبحوح مرتجف:يسامحك… كيف… حرام عليك… حرام عليكم كلكم!

نهض عماد من مكانه بذهول، قلبه يغلي بالخوف، وغمغم:
مين معايا… مش ديه رجم فارس الانصاري؟

أومات حبيبه برأسها، ودموعها تتدفق كالمطر، وكأن الاسم يحفر في قلبها ندبة لا تندمل، وغمغمت بصوت خافت لكنه مشحون بالوجع:ايوه… فارس… في المستشفى العام في سوهاج…

تجمد عماد للحظة، الخوف يفتك به من الداخل، ثم اندفع مسرعًا نحو السيارة، وصرخ: ليه… ليه… ايه حصل تاني… وانتي مين؟!

ردت حبيبه بنحيب حاد، صوتها يختنق بين الانكسار والرعب:أنا… حبيبه… فارس… الجرح انفتح… ودخلوه العمليات من ساعة…

صعد عماد السيارة، أطلق المحرك، وانطلق بسرعة البرق، قلبه يغلي من القلق، وصرخ بلا وعي:أنا چاي… حالًا… سلام!

أغلقت حبيبه الهاتف، عينيها معلقتان على باب العمليات، قلبها كأنه يتوقف من شدة القلق، ثم نهضت ببطء، تجر أقدامها الثقيلة، وقفت أمام الباب، وتركت أنفاسها تتقطع، وغمغمت بصوت خافت يرتجف:يارب…

الجو حولها صار مشحون بالانتظار والخوف، كل ثانية تمر كأنها دهر، وكل حركة داخل غرفة العمليات كانت تتردد في قلبها، وكأنها تسمع صدى كل نبضة من قلب فارس وهي تتألم من جرحه المفتوح.

لحظات، انفتح باب الغرفة وخرج الطبيب ، فانطلقت حبيبه بخطوات متعثرة، تمسكت بذراع الطبيب بلهفة ممزوجة بالرجاء، وغمغمت بصوت مبحوح:كيفه يا دكتور…

نظر لها الطبيب، وربت على منكبها برفق، وصوته صار جاد ومطمئن في آن واحد:خليني أكون واضح… الچرح في الصدر ما ينفعش يتساب من غير غيار، ولا يتعرض لأي ضغط أو خبط… هو محتاچ راحة تامة… واضح إنه مكنش منتظم لا في العلاج ولا ف الاكل، والچرح اتفتح كان ممكن ندخل في التهاب حاد أو تسمم دم.

بلعت حبيبه غصتها، كأنها تحاول ابتلاع قلبها، وغمغمت بارتجاف:يعني… متغيرش على الجرح ابد ولا بياخد العلاج؟!

أومأ الطبيب برأسه مؤكدًا:ديه واضحة من الحالة… للأسف الچرح ما اتغيرش عليه من يوم العملية الأولى، وده خلى المنطجة مهيأة لأي تلوث… الحمد لله لحجناه بدري… إحنا نظفنا الچرح، وعدنا الخياطة، وحطينا درنقة بسيطة عشان نطمن إن مفيش تجمع دم أو صديد. الـ 48 ساعة الچايين مهمين چدًا… أي سخونية، ألم زايد، أو إفرازات، لازم تبلغونا فورًا.

تجمدت حبيبه بذهول، لم تستطع نطق كلمة، ودموعها بدأت تتلألأ في عينيها بلا صوت. ربت الطبيب على منكبها برفق وقال:المريض محتاج اهتمام مستمر… اهتمي انتي يا مدام، هو في أوضة ٣٥٥.

انصرف الطبيب، وخلفه الممرضات، ووقفت حبيبه كأنها انفصلت عن العالم، تتحرك دون وعي، عينها تتبع أرقام الغرف، حتى توقفت أمام غرفة ٣٥٥.

اقتربت من الباب، فتحت ببطء، ونظرت إلى فارس، ملقى على السرير بلا حول ولا قوة، جسده يئن بصمت، انهمرت دموعها على وجنتيها كالمطر…

وقفت أمامه كمن ينتزع قلبها مع كل نفس، مدت يدها، كادت تلمس يده، لكن ارتجفت أصابعها، تراجعت للخلف قبل أن تلمسه، وضعت متعلقات فارس على الكوميدينو، وابتعدت خطوة، تنظر له بعينين مشحونتين بالألم والغضب والقلق.

دارت بعجل، كأنها تريد الخروج من الغرفة، لكنها تجمدت حين جاء صوت فارس خافت مرتجف، مبحوح:حـ… حبيبه…

نظرت إليه، ودموعها جمدت في عينيها، وهي ترى جسده يهتز بين طيات الفراش، ضعفه وحاجته إليها كلها تتكلم بصمت…

اقتربت منه مرة أخرى، كطفلة تائهة تبحث عن ملاذ، وقفت أمامه، عيونها تلمع بالدموع، لكنها لم تنزل، كأنها جفت من شدة الحزن، والخوف، والقلق، وكل ما مرت به الأيام من ألم.

كان الصمت بينهما أثقل من أي كلمات، والصدى المبتور لأنفاسها، كأنه يعلم قلبها أن كل لحظة أمامه هي فرصة للشفاء، وللكلام الذي لا يمكن للبكاء أن ينقله.

شق الصمت صوت هادئ، خرج كأنه يخشى أن يجرح الهواء:حبيبه»

ارتجف جسدها، كأن الاسم لمس جرح مكشوف داخلها، التفتت بسرعة وهمست بارتباك:مين؟

اقترب عماد بخطوات محسوبة، توقف عند مسافة لا تخترق الحدود ، وقال بصوت منخفض:أنا عماد.

أومأت برأسها بلا وعي، وتحركت نحو الباب. لاحظ دهشتها المنكسرة، ارتجاف جسدها، وعينيها الزائغتين كمن يبحث عن مخرج من نفسه. قال بهدوء:إنتي ماشية؟

أومأت مرة أخرى، وهمست بصوت مرتعش :أنا كت مستنيك عشان مهملهوش وحده… ودلوق لازمن أمشي.

أشار بيده برفق، وصوته خرج أعمق: هو إيه اللي حصل تاني؟

انزلقت عيناها دون إرادة نحو فارس علي سريره، وقالت بصوت متهدج:مكتش أعرف إنه مچروح… وضربته على صدره… والچرح انفتح… بس هو اللي غلطان.

نظر إليها عماد طويلًا، لا يحاكم، لا يعاتب، ثم قال بهدوء يشبه تثبيت الأرض تحت القدم:عارفة؟ في ناس بتفتكر إن الجوة إن الواحد يكتم…بس اللي بيكتم على طول، جلبه بيغرج في الغضب.

شدت يدها على مقبض الباب، أخذت نفس مسموع، كأنها تحاول منع نفسها من الانهيار.

بلل عماد شفتيه، وقال بصوت منخفض: إنتي مغلطيش عشان اتعصبتي…ولا ظالمة عشان ضربتيه….الوچع لما يزيد، بيطلع في صورة غضب.

رفعت عينيها إليه، مكسورة بلا دفاع، والدموع تلمع فيها دون أن تسقط.

أومأ برأسه، وصوته صار أكثر طمأنينة واكمل : والغضب ديه…مش بيطلع غير على اللي كان يومًا أمان.

اهتزت شفتاها بنحيب حاد، وهمست: أنا… كنت هموته… نزف كتير.

هز رأسه بتأكيد، وقال:لا… إنتي بردك كنتي بتموتي.

اقترب خطوة إضافية، دون أن يقتحم المسافة الامنه، وقال بصوت خفيض:عارفة الفرج بين اللي يوچع واللي يكسر إيه؟ اللي يوچع يخلي الواحد يصرخ…
إنما اللي يكسر، يخلي الواحد ما يحسش بحاچة غير بعدين.

نظرت إلى الأرض، عيناها تائهتان، وهمست: أنا حاسة إني فاضية.

أومأ برأسه وقال بهدوء:ده طبيعي. اللي اتاخد منك كتير… أكتر من طاجة أي حد.

اقترب نصف خطوة، ثابت عند حدوده، وأضاف:بس خلي بالك… الفراغ ديه مش معناه إنك ضعيفة… ديه معناه إنك لسه عايشة،وإن اللي چواكي محتاچ يتلم واحدة واحدة.

مسحت دموعها بيد مرتعشة، وقالت بإرهاق:وأنا تعبت… لما فارس يفوج جوله يبعد عني!

ابتسم ابتسامة خفيفة، لا فرح فيها ولا حزن، وقال:ما هو اللي بيتعب…بيبجى محتاج يجف، مش يجع.

صمت لحظة ثقيلة، ثم تابع:إنتي مش مطالبة تسامحي،
ولا ترچعي، ولا تاخدي قرار دلوق.

أشار بيده وهو يكمل:إنتي بس مطالبة تعملي حاچة واحدة…ما تعاجبيش حالك على حاچة حصلت وإنتي مچروحة… خليكي مع حالك، خدي نفسك…
واللي چواكي لما يحب يطلع، همليه يطلع.
محدش هيحاسبك.

تحركت حبيبه نحو الخارج، تشعر كأنها بدأت تطفو ببطء بعد غرق طويل… لكنها توقفت على صوته الهادئ خلفها:
إنتي مش لوحدك… حتى لو حاسة إنك كده.

توقفت للحظة، كما لو أن الزمن نفسه احتبس أنفاسه معها، ثم مضت بخطوات تخترق الصمت بثقلها الخفي…
لم تكن دموعها تنهمر، ولا قرار يثقل قلبها، ولا حسم يفرض نفسه على إرادتها…

لكن، في أعماقها، بدأ شيء جديد يلوح، يترسخ كجذر خفي…
هدوء هش، خافت، لكنه كاف ليحفظها من الانهيار، كالسقف الذي يحمي شجرة نضجت في العاصف

في العالم السفلي،

حيث لا ضوء، والهواء كثيف كالرماد، ظهرا قرماس وفينوار وسط أرض مهشمة تتلوى تحت أقدامهم وكأنها على شفير الانهيار، والسماء منخفضة تكاد تلامس رؤوسهم، تتدلى فوقهم مثل قوس مظلم يهدد ببلعهم في أي لحظة.

تحرك الظل حولهما ككائن حي، يهمس بالتهديد، وكل نفس يخرج يهتز مع رنين صدى مجهول، حتى أصواتهم كانت تتردد كهمسات الأشباح في الجدران المشققة.

أشار قرماس بعينيه المتيقظتين، صوته يقطر حذر:
خليكي حذره… انتي عارفه إنهم أعداء.

أومأت فينوار برأسها، وأخرجت زجاجة ماء صغيرة، وغمغمت بخفة، لكنها تحمل تحدي وسط الرعب:
اشرب ماية النبع البارد… وهنختفي عن أنظارهم.

اقترب قرماس منها بدهشة واضحة، ارتشف نصف الزجاجة، صوته يقطع الصمت الثقيل:چبتيه كيف …
ديه تحت عرش الملك أورمانتيس؟

عضت فينوار شفتيها بخجل، ونظرت بعيدًا كأنها تخفي شيئًا عن العالم السفلي بأسره، همست:اللي كان عليها الدور في ليلتها مع الملك… طلبت منها تساعدني وتشغله لحد ما دخلت… مليتها.

ارتسم على وجه قرماس مزيج من الصدمة والدهشة، صوته صار أكثر عبث :دخلتي على الملك وجت الخلوة؟

غمغمت فينوار، والخجل يلون همسها:موعتش حاجة !!

اقترب منها، رفع الزجاجة نحو فمها وهمس بصوت أجش، دافئ يقطع الرعب المحيط:طب اشربي.

ارتشفت فينوار باقي الماء، والهواء حولهما تحرك برقة كأنه يعترف بحضورهما وسط الكوابيس المحيطة،

وأمسك كل بيد الآخر كأنهما حبل نجاة في هذا العالم المهلك.

اقترب قرماس أكثر، صوته صار صارم، يحمل تهديد ملموس: أنا هچيب الرماد من النار… وانتي هات حفنة من أكتر حتة هشة.

الظلال تراقبهما، الصخور المتشققة تحوم حولهما، والهواء يغلي برعب، وكأن العالم السفلي نفسه يتنفس ببطء، متأهب لكل خطوة، وكل حركة، وكل نفس يختلط بالرعب والقلق والموت المحتوم، بينما قرماس وفينوار يتحركان ككائنين وحيدين يتحديان الجحيم.

انحنت فينوار ببطء، عينان مشتعلتان بالخوف، وأخرجت الكيس الصغير ملاءته بالتراب الأسود الهش، ثم عادت إلى النار التي كانت تزداد قتامة وكأنها قلب مظلم ينبض.

لكن النار لم تعد مجرد لهب… بل تحولت إلى كائن حي، يتنفس بعمق، تتدلى من جسده أذرعان طويلتان تتلويان في الهواء كأفعى مشتعلة، عيونهما جمرية تتوهج، وفمه المفتوح يزفر لهيب يلتهم كل ما يقترب، يتحرك وكأنه يختار فريسته بعقل وإرادة خاصة…

فجأة، انقضت النار على قرماس، قبضت عليه بذراعيها المشتعلتين، ورفعت جسده إلى الأعلى، بينما ارتجفت الأرض تحت أقدام فينوار من صدى الصراخ واللهب.

جسده التواء وارتعش، وصرخ قرماس بصوت ممزوج بالألم والرعب، لكن النار استمرت، تتنفس، تزأر وتزمجر، أذرعها المشتعلة تحكم قبضتها بلا هوادة، وكأنها تحرسه من الانزلاق أو النجاة…

صرخت فينوار، دماؤها تتقاطر على يديها المرتجفتين: سبيه! جبل ما أطفيكي!

ردت النار بصوت خشن يملأ الهواء، كأنها كائن حي: انتي
في قلب النار وعلي الأرض هشه …

رفعت فينوار يدها المملوءة بالدم المختوم، وصاحت: هطفيكي بالدم المختوم!»

الشرارة انطلقت من أصابعها، تصطدم بالنار، فتتصاعد ألسنة لهبها في صراعٍ مباشر، وتبدأ بالنفخ على الكائن الناري، فتتلوى أذرع النار بعنف، تحاول مقاومة، لكن قوة الدم المختوم تكسر قبضتها تدريجيًا.وصاحت : انتي هجين دم مختوم بالخطيئة واللعنة!

صرخ قرماس بألم حاد: لا.. يا فينوار.. لا!!
القته النار بعنف، وسقطت النار أذرعها تتراجع، تحت أقدام فينوار، تاركة قرماس يهتز بلا وعي، جسده مرتجف وملوث بالرماد واللهب المتبقي.

انحنت فينوار نحوه، دموعها تتدفق، وغمغمت: انت زين؟!

أومأ قرماس برأسه متألمًا: حرج بسيط في ضهري… بس المهم…
أخرج الكيس المملوء بالرماد المشتعل، وقال: چبت الرماد اللي مهيطفيش…

ابتسمت فينوار بارتياح، وأمسكت بالكيس، وقالت: والتراب الهش… اهو.

ضمها قرماس إلى صدره، وذاب الاثنان في الهواء للحظة خاطفة، وكأن الزمن توقف، والنار التي تحولت إلى كائن حي عادت للهدوء، تاركة أثرها المشحون بالرعب والرهبة، وكأن العالم كله تنفس بصعوبة بعد معركة بين الحياة واللهب.
….
في سرايا الأنصاري،

انشق سكون البهو على وقع خطوات غاضبة، حين دلف أدهم وملامحه مشتعلة كشرارة على وشك الانفجار، وصوته يجلجل في المكان كطلق أُطلق بلا تردد:
فاااااارس وينك!

تجمع الجميع على صدى غضبه، كأن الهواء نفسه ارتد إلى الوراء. تقدم سند بخطوات حذرة، محاولًا احتواء النار قبل أن تمتد، وهتف:في ايه يا ادهم؟! هتزعج ليه؟ اتخوت إياك؟

لكن أدهم لم يتوقف… اندفع نحو الدرج، غضبه يسبق خطاه، وصوته يخرج مبحوح من فرط الاحتقان:
وانتو خليتو في عجل! أخوك عارف ومتأكد إني بحب نغم، وسبج وطلبتها منيه، وبدل ما يجول كده لي رماح ، وافج وجرا معه الفاتحه!

أشار سند بيده بعصبية، وصاح: وانت اهو بتجول بحبها؟ بدك تعيش عيشة بدر؟

في تلك اللحظة، انفتحت إحدى الغرف، وخرجت نغم. كانت ملامحها منهكة، وعيناها غارقتين في دموع لم تجد طريقها بعد….

ارتجفت شفتاها وهي تنظر إلى أدهم بنحيبٍ مكبوت، فاقتربت هند وربتت على منكبها محاولة تهدئتها: اهدي يا اخيتي.

لكن أدهم كان قد تجاوز نقطة التراجع، وصاح بغضب أعمى:ايوه! اعيش كيف ما بدر عايش، ولا اوعي حبيبتي في حضن اخوي!

ارتجف صوت وهيبة، وخرج متحشرج وهي تحاول أن تزرع عقل في أرض احترقت:يا ولدي، الغالي مش هنه أندلي سوهاچ… أنا بردك مبديش رماح لي بتي، روحله يمكن يسمع منك، طول عمركم خوات ولا الشجايج.

هز أدهم رأسه بعنف، وكأن الكلمات لا تصل إليه، وهدر:
ولدك خلاص رفع راية الانتجام والغدر، وأنا عارفه بيعاجبني، وكنت هجبل العجاب بصدر مفتوح، بس بعيد عن نغم.

دار بنظره على الجميع، نظرة إنذار لا تحتمل التأويل، ثم زأر: بعيد عن نغم… ولا بكره الدم هيبجي للركب! اللهم حذرت!

تقدمت نغم بخطوات سريعة، الغضب يسبق دموعها، وخرج صوتها مبحوح لكنه قاطع:ادهم! اوعك الدم… اوع تمس اخوي، انت فاهم؟ لو مسيته، دمه هيبجي صرخه ولعنه بيني وبينك، اكبر من الجهر الخفي، فاهم؟

نظر إليها بذهول ممتزج بالغضب، كأن كلماتها طعنته في موضع مكشوف، وهدر:يعني أموت أنا بالحيه، وأنا عايش معاكي في بيت واحد، وانتي مرت اخوي عادي يا نغم؟

هزت رأسها بالنفي، وانهارت دموعها أخيرًا، تتساقط كالمطر، وهمست بصوت مكسور: لا… أنا هريحكم من العذاب ديه، ولا انت ولا الغالي… أنا اللي هموت حالي.

ثم استدارت فجأة، وركضت إلى الأعلى، خطواتها تتلاحق بجنون نحو سطح السرايا.

تجمد الجميع في أماكنهم، الصدمة شلت أطرافهم، وفي لحظة انفجر صوت أدهم وهو يندفع خلفها، صوته مشقوق بالرعب:لااااااا! نغم! لا لاااا!

ووووووووووووووووووو

توقعتكم ياسكاكررررر

ساحره القلم ساره احمد

4.1 340 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
555 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
Nedaa
Nedaa
18 أيام

تسلم الايادي ياحب اكيد طبعا بدون ما اقرا راح يكون خطير جدا ❤️❤️

Yomna
Yomna
18 أيام
ردّ على  Nedaa

تسلمي يا قمر ❤️

BN Hafid
BN Hafid
18 أيام

تسلم ايدك ❤️

Yomna
Yomna
18 أيام
ردّ على  BN Hafid

تسلمي يا حبيبتي ♥️

BN Hafid
BN Hafid
18 أيام

تحفة قبل ماقرا 😘

Yomna
Yomna
18 أيام
ردّ على  BN Hafid

تسلمي يا حبيبتي ♥️

Roro
Roro
18 أيام

انا واثقة انو من قبل ما اقرأ عسل كده كده 💕

Yomna
Yomna
18 أيام
ردّ على  Roro

تسلمي يا حبيبتي ♥️

Samar
Samar
18 أيام

تسلم ايدك يا ساحرتي الجميله 😘

Yomna
Yomna
18 أيام
ردّ على  Samar

تسلمي يا حبيبتي ♥️

ضيف
ضيف
18 أيام

تحفه💋♥️👏👏👏

Yomna
Yomna
18 أيام
ردّ على  ضيف

♥️

Marwa Saber
Marwa Saber
18 أيام

البارت تحفة كالعادة تسلم ايدك ياقمر

Yomna
Yomna
18 أيام
ردّ على  Marwa Saber

تسلمي يا حبيبتي ♥️

Salma Mohamed
Salma Mohamed
18 أيام

تسلم ايدك ❤️

Yomna
Yomna
18 أيام
ردّ على  Salma Mohamed

تسلمي يا حبيبتي ♥️

ضيف
ضيف
18 أيام

تحفه تسلم الايادي

Yomna
Yomna
18 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا حبيبتي ♥️

الاء
الاء
18 أيام

جميله جميله❤️❤️

Yomna
Yomna
18 أيام
ردّ على  الاء

تسلمي يا حبيبتي ♥️

nadda
nadda
18 أيام

تحفههه

Yomna
Yomna
18 أيام
ردّ على  nadda

تسلمي يا حبيبتي ♥️

nadda
nadda
18 أيام

خطييير 🔥🔥🔥🔥

Yomna
Yomna
18 أيام
ردّ على  nadda

تسلمي يا حبيبتي ♥️

Malak
Malak
18 أيام

تسلم ايدك بس هو النكد ده هيخلص امتى

Yomna
Yomna
18 أيام
ردّ على  Malak

هنشوف ي قلبي 💗

ضيف
ضيف
18 أيام

❤️❤️❤️

Yomna
Yomna
18 أيام
ردّ على  ضيف

♥️♥️

Esraa
Esraa
18 أيام

الله يعينك يا نغم والله ع ضغط الأعصاب ده

Yomna
Yomna
18 أيام
ردّ على  Esraa

ايوا والله🥹

ايمان عبده
ايمان عبده
18 أيام

روعه روعه

Yomna
Yomna
18 أيام
ردّ على  ايمان عبده

تسلمي يا حبيبتي ♥️

ايمان عبده
ايمان عبده
18 أيام

تسلم ايدك

Yomna
Yomna
18 أيام
ردّ على  ايمان عبده

تسلمي يا قمر ❤️

ضيف
ضيف
18 أيام

ليه القفله دى انا كده مش قادره استنى لبكره

Yomna
Yomna
18 أيام
ردّ على  ضيف

اتعودوو خلاص🥹

ضيف
ضيف
18 أيام

كل مابتروح تتعقد ليه

Yomna
Yomna
18 أيام
ردّ على  ضيف

مش عارفة🥹

Sama
Sama
18 أيام

تحفه ي قلبي 🥰🥰

Yomna
Yomna
18 أيام
ردّ على  Sama

تسلمي يا حبيبتي ♥️

Shimooo
Shimooo
18 أيام

تحفففه بس ليه القفله ددي❤️❤️😥

Yomna
Yomna
18 أيام
ردّ على  Shimooo

تسلمي يا حبيبتي ♥️

شمس محمد
شمس محمد
18 أيام

تسلم ايدك وعيونك يا قمر ❤️❤️❤️

Yomna
Yomna
18 أيام
ردّ على  شمس محمد

تسلمي يا حبيبتي ♥️

ضيف
ضيف
18 أيام

اه قلبي

Yomna
Yomna
18 أيام
ردّ على  ضيف

🥹🥹

دودو
دودو
18 أيام

بارت جميل اوي تسلم ايدك ياقلبي 🌹

Yomna
Yomna
18 أيام
ردّ على  دودو

تسلمي يا حبيبتي ♥️

ضيف
ضيف
18 أيام

تحفه من قبل م اقرأ🩷

Yomna
Yomna
18 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا حبيبتي ♥️

ضيف
ضيف
18 أيام

تحفة تسلم ايدك يا قمر ❤️

Yomna
Yomna
18 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا حبيبتي ♥️

يارا السيد
يارا السيد
18 أيام

رررررروعه

Yomna
Yomna
18 أيام
ردّ على  يارا السيد

تسلمي يا حبيبتي ♥️

May mahmoud
May mahmoud
18 أيام

تسلم ايديك يا قمر

Yomna
Yomna
18 أيام
ردّ على  May mahmoud

تسلمي يا حبيبتي ♥️

ضيف
ضيف
18 أيام

بجنننننننننن..حلوووووو كتير🥰

Yomna
Yomna
18 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا حبيبتي ♥️

نغم على
نغم على
18 أيام

تسلم ايديكي يا سرسورة🥰🥰

Yomna
Yomna
18 أيام
ردّ على  نغم على

تسلمي يا حبيبتي ♥️

ضيف
ضيف
18 أيام

🥰🥰🥰🥰🥰
روووووعة

Yomna
Yomna
18 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا حبيبتي ♥️

Nadjet acem
Nadjet acem
18 أيام

تسلم الأيادي البارت تحفة

Yomna
Yomna
18 أيام
ردّ على  Nadjet acem

تسلمي يا حبيبتي ♥️

لميا
لميا
18 أيام

ايه القفلة اللي قفلت علي قلبي دي ياسااارة

Yomna
Yomna
18 أيام
ردّ على  لميا

تسلمي يا حبيبتي ♥️

hapipa
hapipa
18 أيام

❤️❤️❤️❤️❤️

Yomna
Yomna
18 أيام
ردّ على  hapipa

♥️♥️♥️

Amoura Moon
Amoura Moon
18 أيام

بارت جميل

Yomna
Yomna
18 أيام
ردّ على  Amoura Moon

تسلمي يا قمر ❤️

Doha
Doha
18 أيام

دماااااااااار 🔥🔥

Yomna
Yomna
18 أيام
ردّ على  Doha

تسلمي يا حبيبتي ♥️

ضيف
ضيف
18 أيام

تحفهه بس بالله كفاية حزن بقي 😭🩷

Yomna
Yomna
18 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا حبيبتي ♥️
هنشوف لقدام🥹♥️

ضيف
ضيف
18 أيام

اي الجمال دا 😍

Yomna
Yomna
18 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا حبيبتي ♥️

Basma
Basma
18 أيام

الأحداث ولعتت🔥🔥🔥
تسلم ايدك

Yomna
Yomna
18 أيام
ردّ على  Basma

تسلمي يا حبيبتي ♥️

ضيف
ضيف
18 أيام

ديه لعنة سودة بس اه السرد التحفة ده

Yomna
Yomna
18 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا حبيبتي ♥️

Marein medhat
Marein medhat
18 أيام

تسلم الايادى مقدما يا فنانة

Yomna
Yomna
18 أيام
ردّ على  Marein medhat

تسلمي يا حبيبتي ♥️

ضيف
ضيف
18 أيام

جميله

Yomna
Yomna
18 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا حبيبتي ♥️

ام ماجده
ام ماجده
18 أيام

جميله اوى تسلم ايدك حبيبتي ❤️

Yomna
Yomna
18 أيام
ردّ على  ام ماجده

تسلمي يا حبيبتي ♥️

Fatma reda
Fatma reda
18 أيام

تحفه

Yomna
Yomna
18 أيام
ردّ على  Fatma reda

تسلمي يا حبيبتي ♥️

Rawan Yasser
Rawan Yasser
18 أيام

تسلم ايدك

Yomna
Yomna
18 أيام
ردّ على  Rawan Yasser

تسلمي يا قمر ❤️

Tota
Tota
18 أيام

جميله اوي تسلم ايدك ♥️♥️♥️

Yomna
Yomna
18 أيام
ردّ على  Tota

تسلمي يا قمر ❤️

ضيف
ضيف
18 أيام

جميييل

Yomna
Yomna
18 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي ي قلبي ♥️

Shosha
Shosha
18 أيام

تسلم ايدك ياساحرتي

Yomna
Yomna
18 أيام
ردّ على  Shosha

تسلمي يا حبيبتي ♥️

ضيف
ضيف
18 أيام

تسلم ايدك يا سوو

Yomna
Yomna
18 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ❤️

ضيف
ضيف
18 أيام

تسلم ايدك البارت ملحمه

Yomna
Yomna
18 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا حبيبتي ♥️