عشق ملعون بالدم (الفصل التاسع و عشرون)
لو كان الأمر بيدي، لاقتطعتُ من صدرك وطنًا، وأسكنتُ قلبي فيه إلى الأبد، بلا تأشيرة رحيل، ولا خوف من منفى قادم.
كنتُ سأختار حضنك لا مأوى، بل قدرًا نهائيًا، أرضًا لا تُقاس بالمسافات، بل بعدد المرّات التي يهدأ فيها قلبي حين أسمع نبضك.
لو كان لي أن أختار اسمي من جديد، لسمّيتُ نفسي بك، ولحملتُ ملامحك هويةً لا تُسحب، ولا يُشكّك فيها أحد.
بين ذراعيك، كان قلبي يتعلّم كيف ينجو دون أن يقاتل، كيف يستريح دون أن يخاف الغدر، كيف يصدّق أن الطمأنينة ليست كذبة مؤجلة.
هناك، حيث تتشابك أنفاسنا، كان العالم ينكمش حتى يصير بحجم صدرٍ واحد، وتختفي الحروب، وتسقط الأوجاع تباعًا كجنودٍ مهزومين.
كنتُ أظن أن الوطن هو المكان، فاكتشفت متأخرة أنه الشخص… الشخص الذي إن غاب، صار العالم كلّه منفًى.
في سرايا الأنصاري.
تجمد الجميع في أماكنهم، كأن الصدمة تحولت إلى قيود شلت أطرافهم…
الزمن نفسه تعثر، ثم انشق بصوت أدهم وهو يندفع خلفها، صرخة ممزقة خرجت من صدر مذعور:لااااااا! نغم! لا لاااا!
اندفع أدهم، ومن خلفه الجميع، صعود على الدرج بعنف أعمى، خطوات متلاحقة تضرب الحجر كأنها تهرب من قدر يلهث خلفها…
كان أدهم أول من وصل…تجمد…توقف الهواء في رئتيه.
كانت نغم تقف عند السور، جسدها النحيل على حافة الفراغ، تنظر إلى الأسفل، والدموع تنهمر كالسيل، كأنها تفرغ روحها قطرة قطرة قبل السقوط…
ابتلع غصته بصعوبة، وصوته خرج محاولًا الهدوء، لكنه كان يرتجف برعب مكشوف:نغم… بلاش يا روحي.. مش انتي بدك تموتي حالك عشان خايفه علي الغالي وعليا؟!
اقترب خطوة… ثم أخرى….بحذر كمن يقترب من زجاج متشقق…صوته انكسر وهمس: انتي كده هتجتليني يا نغم!
وصل الجميع خلفه، الرعب يفتك بملامحهم، شهقات مكتومة، أياد ترتجف، وقلوب معلقة على الحافة معها…
استدار أدهم إليهم فجأة، وعيناه تقدحان نار، وهمس من بين فكيه بغضب قاتل:عاودو… محدش له صالح.
مد سند ذراعيه بتوسل مرتجف:عاودو… عاودو.
تراجعوا ببطء، أجسادهم ترتعش، والدموع تنحدر دون وعي، كأنهم يشهدون جنازة قبل وقوع الموت…
اقترب أدهم خطوة أخرى، صوته خرج مبحوح، مكسور:
نغم… انتي بدك اموت؟!
نظرت إليه، عيناها غارقتان في دموع لا تنتهي، جسدها يرتجف بانفعال يهدد بالانهيار، وهمست:أنا مهجدرش علي العيشه ديه يا ادهم.
هز رأسه بعنف، وكأن الرفض ذاته يطعنه، واقترب ببطء موجوع: محدش هيغصبك علي عيشه يا جلب ادهم… اجولك تعالي، أنا وأنت ونمشي ونتچوز.
هما هيجولوا اللعنه رفضنا نكون في سرير واحد، أنا مبديش غير تكوني جدامي وبس….حبيبتي… وبتي… وحته مني…يلا يا نغم أندلي يا جلبي.
هزت رأسها بالنفي، دموعها ازدادت، واليأس يكسو ملامحها ككفن بطيء:محدش هيهملنا نعيش كده، وانا مجدرش اهرب واچيب العار لخواتي… هملني يا ادهم… ارتاح…كفايه عذاب.
مال جسدها إلى الأمام…لحظة واحدة فقط…
اندفع أدهم نحو السور بجنون، قبض عليه بكل ما أوتي من قوة، وصوته انفجر كصرخة ممزقة:لااااا! استني!
أنا هرمي حالي معاكي…طالما محدش هيهملني نعيش سوا، نموت سوا!
أشارت له بيد مرتجفة، نحيبها خرج حاد كالسكاكين:
لا يا ادهم…مجدرش اتحمل…اوعك… بتموت…استني اموت انا الاول!
في لمح البصر، انقض أدهم عليها، قبض على يدها بقوة يائسة، وسحبها إليه بعنف كمن ينتزع روح من حافة الموت…
اختل توازنها وسقطت بين ذراعيه، فضمها إلى صدره بعنف مذعور، وصوته انفجر حاد، ممزق:يعني أنا اللي هتحمل يا نغم؟ حرام عليكي نشفتي دمي!!
تشبثت به، شعرت وكأنها دفنت داخل صدره، بين أضلاعه، حيث الخوف لا يجد مخرج…
شد ذراعيه حولها بقوة مفرطة، حتى أن عظامها أنت تحت وطأة احتضانه، احتضان لا يشبه الحب بقدر ما يشبه التشبث بالحياة…
اندفع الجميع دفعة واحدة، أنفاسهم محبوسة، وارتياح مرتجف ينساب في الأجساد….
تقدم سند بسرعة، وانتزع نغم من بين ذراعي أدهم، غضبه ممزوج برعب أبوي خالص، وضمها إلى صدره بقوة وهدر :الله يچزيكي يا نغم… روحي وصلت لحلجي..
ارتمت وهيبة عليها فورًا، قلبها يكاد يتوقف من الفزع، ودموعها تنهمر وهي تضمها : إكده يا بتي… بدك تحرجي جلبي عليكي.. دانا اطب ساكته… لو ضافر واحد فيكم يتخدش… الله يسامحك يا بتي! دانا ربيتكم بسنين عمري كلاته يا نغم!
دفنت نغم وجهها في صدر والدتها، وانفجرت باكية، صوتها خرج مكسور، ممزق:غصب عني يما!! حاسه حالي بتمزع بيناتهم…
ربت سند على ظهرها بحنان ثقيل، حنان رجل يخفي خوفه خلف الصبر، وقال:متشليش هم يا خيتي.. وخليها ع الله!
انحنى سند وحملها بين ذراعيه، وكأنها عادت طفلة هشة، ثم تحرك بها إلى الأسفل، والجميع خلفه بصمت ثقيل، كأنهم يشيعون لحظة موت نجت بأعجوبة.
بقي أدهم وحده….تراجع بخطوات متعثرة، وأسند جسده إلى السور، الرعب الذي عاشه في تلك اللحظات كان كافيا لينهك روحه….
ارتجف جسده بعنف، تنفس بأنفاسه غير منتظمة، وكأن الحياة تعود إليه ببطء مؤلم…
وضع يده على رأسه، وأغمض عينيه، وخرج صوته متحشرج، موجوع، مكسور بالشكر: يا ابوي… الحمد لله.
….
عودة إلى المستشفى…
جلس عماد على الكرسي المجاور للسرير، كتفاه مثقلتان بالانتظار، وعيناه لا تفارقان جسد فارس الساكن كأن الألم هده حتى الصمت…
كان الوقت يمر ببطء خانق، كل دقيقة كأنها اختبار صبر جديد.
ثم جاء الأنين…
خرج من صدر فارس مكسور، متقطع، كأن الجرح يتنفس بدلا عنه : حـ… حبيبه…
انتفض عماد من مكانه، واقترب على الفور، انحنى فوقه وغمغم بصوت متحشرج يحمل رجاء وخوف:فارس!! فتح عنيك يا صاحبي…
حاول فارس رفع جفنيه بصعوبة بالغة، الرمش يثقل كأنه حجر، أغمض وفتح أكثر من مرة حتى بدأت الرؤية تستقر، مشوشة، ضبابية…
دار بعينيه في الغرفة، ثم فجأة اشتعل الغضب في ملامحه، واندفع صوته مبحوح : حبيبه وين؟
أمسكه عماد سريعًا وأعاده إلى السرير بالقوة، خوف من أن يمزق نفسه قبل الجرح، وهتف:اهدي… وخليك نايم… الچرح انفتح ،ودخلت عمليات تاني…
دفعه فارس بعنف، الألم والغضب متشابكان في صوته:
ملكش صالح…. هتخاف عليا اياك؟! انت ايه اللي چابك اصلا؟
أومأ عماد برأسه بحزن ثقيل، وقال بصوت منخفض:
كنت برن عليك.. كيف ما برن كل يوم عشان تسمعني… ردت عليا حبيبه ، وجالتلي اللي حصل…
حاول فارس النهوض من جديد، جسده يخونه، وخرج صوته متحشرج موجوع:هي وين؟ راحت وين؟
أشار عماد بيده نحو الخارج وقال:مشيت!
هب فارس كمن لدغته النار، الغضب يجره رغم الألم:
مشيت كيف؟ لازمن الحجها!
تشبث به عماد بقوة، يحاول إعادته إلى السرير، وصوته اشتد:فارس.. اهدي دي مشيت من ساعه.. يعني زمانها وصلت بيتهم!
قبض فارس على ياقة عماد بعنف مرتعش، عيناه تقدحان قلق أكثر من الغضب، وهدر:انت مخوت! كيف تهملها تروح لحالها ، والدنيا ليل؟ يا غبي!
أمسكه عماد بإصرار، صوته خرج دفاعي متألم:أنا مجدرتش اهملك تفوج تلاجي حالك وحدك…
دفعه فارس جانبًا، وتحرك نحو الخارج بخطوات سريعة غاضبة، لكنها مثقلة بالألم، جسده يقاومه مع كل خطوة. لحقه عماد فورًا وهتف بعصبية تخفي خوف حقيقي:
طب اصبر هجبلك حاچه تحطها علي چتتك يا چدع..
توقف فارس فجأة، كأن شيئًا غير مرئي جذبه من صدره. خفض بصره إلى جسده، إلى جزعه العاري تحت الرداء الطبي الخفيف، وإلى الضمادة العريضة التي تعانق صدره كقيد أبيض فوق جرح لم يهدأ بعد..
رفع رأسه إلى عماد وقال بحدة مقتضبة:اجلع الجميص…
تجمد عماد لحظة، حاجباه يرتفعان بدهشة حقيقية، وتمتم:كيف يعني؟
مد فارس يده دون انتظار، وفك أزرار الرداء الطبي بعصبية مكتومة، وقال:ما انت لابس تيشيرت اهو كفياك.
تنهد عماد، نزع قميصه وهتف بنبرة استسلام:خد… الله يجيدك..
ارتدى فارس القميص بسرعة، وكأن القماش يرد له شيئًا من كرامته المسلوبة… تحرك بعدها بخطوات ثابتة على غير ما يشي به الألم الذي ينهش صدره، حتى خرج من
باب المستشفى.
وفجأة…تجمد.
توقف أمام البوابة الخارجية، قدماه غرستا في الأرض كأن المكان أمسك به…
دار بعينيه في الفراغ، يتفحص الهواء، الوجوه، الظلال العابرة، كمن يبحث عن طيف يعرفه قلبه قبل عينيه.
نظر إليه عماد بدهشة وقال:مالك؟ وجفت ليه؟ بتدور علي ايه؟
دارت عينا فارس في الأرجاء بقلق خفي، ثم قال بصوت خافت كأن الإحساس يسبقه:معرفش! بس حاسس احساس غريب…
التفت إلى عماد فجأة وهتف:انت هتجول حبيبه روحت من ساعه؟!
أومأ عماد برأسه بصمت، لا يزال يراقبه بدهشة.
عاد فارس ينظر حوله مرة أخرى، هذه المرة ببطء أكثر، وهمس كمن يناقش وهم: امال ليه حاسس كنها هنه؟ وبصه عليا!
نظر عماد حوله بخفة، ثم قال:طب وين يعني؟!
ثم ربت على منكب فارس بهدوء محسوب، وقال: ديه عشان عجلك كان مستعد أنك اول ما تفوج هتلاجيها… واتصدم لما لجيتها مشيت…
دفع فارس يده بعنف، وانفجر غضبه كدرع دفاع أخير:
وفر شغل الدكاتره النفسيين ديه للمرضه بتوعك.. اوع!
لكن عماد تمسك به هذه المرة، نظر في عينيه بجدية لا تقبل المزاح، وقال:استني يا فارس… اسمع الكلمتين دول… وبعدها اعمل اللي بدك… أنا بدي اساعدك… كيف ما كت سبب في اللي حصل…
نظر إليه فارس بعينين مشتعلة، وهدر:مبديش منك مساعده… محدش يعرف حبيبه كدي.. ولا حد بيحس بيها.. كيف ما بحس بيها… أنا هعرف ادويها…
أومأ عماد برأسه، صوته خرج أهدأ، أثقل، كأنه يزن كل كلمة قبل أن ينطقها:بس ما تضغطش عليها.
لا تكلمها كتير، ولا تسألها متي ترچع كيف زمان، ولا تستنى منها تطمين…اللي اتكسر چواها مش هيتصلح بالزن.
بلع فارس غصته بصعوبة، كأن الألم صعد من صدره ليستقر في حلقه حجر صامت…
ثبت نظره على عماد دون أن ينطق، وعيناه تحملان ثقل ما لم يقل أكثر مما يحتمل….
أوما عماد برأسه ببطء، كأنه التقط ذلك الصمت وفهمه، ثم أكمل بصوت هادئ، متماسك، كمن يضع قواعد النجاة وسط حطام عاطفي:خليك ثابت… ولا تتعصب، ولا تجلب، ولا غرجان في الندم قدامها طول الوجت… الهدوء دلوق مش برود… ديه مساحه أمان.
غمغم فارس بدهشة خرجت مكسورة:معرفش اهدي ، وهي بعيد كده..
ابتسم عماد نصف ابتسامة باهتة، لا هي مواساة كاملة ولا سخرية، وقال:هتعرف… عشان اللي بيحب بچد، بيتعلم يمسك حاله… انت شرحت اللي حصل وكل حاچه واضحه جدامها، اديها فرصه تراچع حالها…الوچع مش محتاچ محامي… محتاج حد يسمعه.
ساد الصمت…صمتزثقيل، خانق…دمعة ثقيلة علقت بطرف عين فارس، لم تسقط، كأنها مترددة بين الكرامة والانهيار….
اقترب عماد منه، وربت على منكبه بحنان محسوب، وقال بصوت منخفض لكنه حازم:لو كلمتك… اسمع… ما تجاطعش، ما دافعش، وما تردش بسرعة… سيب الكلام يطلع كله، حتى لو وچعك.
هز فارس رأسه ببطء، كمن يوقع على وصية لا يعرف إن كان قادر على تنفيذها…
تنهد عماد بعمق، ثم أضاف:وأهم حاچة… لو شفتها بتبعد، ما تمسكش فيها بجوة… الجرب اللي ييجي بالعافية بيخنج.
رفع فارس عينيه إليه، وصوته خرج مكسور ، هش على غير عادته:وأنا أستنى لحد متى؟
رد عماد بهدوء حاسم، لا يقبل الالتفاف: لحد ما تعاد هي بإرادتها… عشان تعاود حبيبه اللي انت عرفتها وحبيتها، مش لحد ما تعاود غصب… يعني خليك حوليها بصبر… مش حصار.
ظل فارس صامت لحظة، ثم قال أخيرًا بصوت أقرب للهمس، كأن الخوف يتسلل منه دون إذن: أنا خايف أخسرها.
ربت عماد على منكبه برفق صادق، وقال:الخوف مش عيب… العيب إنك تخليه يتحكم فيك…
لو عملت اللي جولتلك عليه… حتى لو ما رجعتش دلوق، هترچع وهي واجفه، مش مكسوره.
أومأ فارس، ثم فجأة زاح كف عماد عن منكبيه بعنف متوتر، وانفجر صوته غاضب كمن يهرب من ضعفه:
خلاص اوع انت هتصحبني!!
تحرك بخطوات سريعة وهو يشير إلى سيارة أجرة متوقفة..
نظر إليه عماد بدهشة امتزجت بالاستنكار، وهتف خلفه:
وربنا انت مخوت رسمي… مش مريض نفسي بس!
في ركن بعيد،
وقفت حبيبه، جسدها مشدود، وعيناها لا تفارقان فارس وهو يصعد إلى السيارة…
المسافة بينهما كانت مليئة بصمت ثقيل، يحمل كل ما مضى من خوف، ألم، وارتباك مختلط بالارتياح.
مسحت دموعها بظهر يدها، وغمغمت بصوت خافت، لا يكاد يسمعه أحد إلا هو:الحمد لله…
تلك الكلمات خرجت كتنهد أخير من قلب مشحون بالقلق، وكأنها ترسله معها، مع كل نظرة، لتطمئنه دون أن تقال المزيد من الكلمات…
ثم التفتت ببطء، كأنها تودع المكان الذي شهد ما بينهما، وأشارت إلى سيارة الأجرة الواقفة في الظل البعيد. ارتقت السيارة برفق، وفتحت لها الطريق إلى الخارج، وانطلقت بهدوء، حاملة معها ثقل اللحظات، وهمس الهدوء الذي بدأ يتسلل إلى قلبها.
………
أمام شركة الأنصاري،
توقفت سيارة الأجرة فجأة، وترجلت حبيبه من المقعد الخلفي، خطت خطوة، ثم تجمدت…
ملامحها صارت مشوشة، وعيناها تلمعان بخوف ودهشة، عندما وجدت أمير واقف أمام السيارة، ينظر إليها بعينين تحملان الغضب المكبوت والذهول الصامت.
اقترب منها، صوته يحاول أن يخرج بهدوء، لكنه يرتجف:
ليه كده يا حبيبه…؟
بلعت غصتها بصعوبة، وهمست بخوف متهدج: فارس بده يچوز نغم… لي ولد عمها غصب.
سقطت دمعة ثقيلة على وجنتها، همست بها بصوت خافت كأنها تودع جزءًا من نفسها:مجتدرتش اتحمل الظلم ده يحصل لواحدة تانية… يا اخوي.
قطب أمير حاجبه بدهشة، همس بصوت منخفض لكنه متحشرج بالغضب:مستحيل… فارس يعمل كده في أخته!
نظرت له حبيبه بعيون مليئة بالرهبة والارتباك، همست بصوت خافت:الفرح بكره… يا أمير.
ربت على وجنتها بحنان، حاوط كتفها بحذر، وهمس:
تعالي… اروحك…جبل أبوكي يحس وچدتك… وجعت من طولها من الخوف.
شهقت حبيبه برعب، وهتفت:چدتي… كيف مالها؟
فتح أمير باب السيارة، وأشار لها بيده بهدوء صارم:
متخفيش… الدكتور طمني… يلا اركبي.
أومأت برأسها، صعدت، وأغلقت الباب… صعد أمير خلفها، وانطلقت السيارة بسرعة، وحبيبه لا تفارقها نظراتها إلى الطريق خلفها، ثم همست بمرارة:عربية طه…
أومأ أمير برأسه، صوته صار أكثر حزماً: أنا هعاد تاني… أشوف فارس وأجيبه.
امتلأت عيناها بالقهر والدموع، وهمست: فارس في المستشفى…
توقف أمير فجأة، نظراته تمتلئ بالدهشة، صوته صار حاد :ليه؟ مالو؟
مسحت دموعها بقهر، وقالت بصوت متهدج:يوم الفرح… كان بده يچتل موسى… شد مع أخوه وبدر… وطلع عيار بالغلط في صدر فارس.
وقف أمير بالسيارة بعنف،وخرج صوته محمل بالغضب:
كيف…؟
أومأت حبيبه برأسها، والدموع تنساب، همست بنحيب:
دي اللي حصل…
ربت أمير على وجنتها بحنان، صوته يملؤه الألم والاحتواء:اهدي… يا حبيبه… اهدي… كل حاجة بتبين إنك عمرك ما هتلاجي حد يحبك كي فارس… أنا اللي غلطان… ياريتني ما طلبت منه يبعد عنك… ويكرهك فيه… بس الحادثة بتاعت العربية… برچلت عجلي… مجدرتش أتحمل… اتفرج عليكم بتموت وأنا واجف.
نظرت له حبيبه، عيناها محجرتان بالدموع، وهمست بصوت خافت:روحني… يا أمير.
أومأ برأسه، أدار المحرك، وانطلقت السيارة بسرعة، تاركة خلفها كل الفوضى، كل الألم، وكل خوف، متجهة نحو شيء من الأمان المؤقت…
…….
في العالم السفلي…غرفة ناريسا
لم تكن الغرفة تضاء… بل كانت تتنفس وهج خافت، كأن النار نفسها قررت أن تصمت احترام لما يحدث داخلها.
الجدران ملساء سوداء، محفورة بعروق حمراء باهتة، تنبض ببطء يشبه نبض جسد يحتضر…
الهواء ثقيل، محمل برائحة الرماد العتيق والدم المحترق، رائحة لا تزول… فقط تعتادها الأرواح.
ساعدت فينوار وناريسا قرماس على الاستلقاء على بطنه.
كان جسده صلب، لكن الألم فضح هشاشته؛ عضلاته مشدودة، وفكاه مطبقان كأن الصراخ عار في هذا المكان.
غمغمت ناريسا بصوت ثابت لا يعرف الشفقة: خليك كده… هچبلك مرهم العضام السوده…
أومأ قرماس بصمت، بينما ارتجفت أنفاسه، وضغط على فكيه بقسوة، كأن الألم عدو يجب كسره لا الاستسلام له.
نهضت فينوار، وتحركت خلف ناريسا بخطوات مترددة، الظلال تلتف حول قدميها… قالت بصوت خافت لكنه حاد: اسمعيني… مرهم العضام السوده هياخد وجت… لو استخدمتي دمي، هيخف أسرع.
هزت ناريسا رأسها بالنفي، دون أن تلتفت: ديه علاچ سفلي جديم….ميطفيش أثر النار…بس يعيد تشكيل الچسم…
توقفت لحظة، ثم أضافت بنبرة أثقل: أنا بدي أعيد چسمه…مش بس أشفي الحرج…اللي دخل عليه قرماس…مش جليل.
أومأت فينوار برأسها بحزن، وعيناها لا تفارقان جسده الممدد، ظهره المحترق يبدو كخريطة لعذاب لم يكتب بعد.
بدأت ناريسا تحضير المرهم…سحقت رماد عظم أسود… عظم مخلوق عاش بين عالمين، لم يقبل في أي منهما.
أضافت زيت الظل، سائل داكن يبتلع الضوء.
قالت وهي تخلط ببطء: زيت الظل تجيل… بس بارد.
وبيمتص حرارة الذكريات.
اقتربت من قرماس، وبريشة سوداء التقطت نقاط دم من جرحه، وأسقطتها داخل المرهم.
اختلط الدم بالرماد والزيت، فارتج الإناء كأن الخليط يعترض.
قالت بصوت قاطع: الچسم مش هيچبل علاچ…
معلهوش بصمة صاحبه.
أنهت التحضير، ووضعت الإناء بين يدي فينوار وقال بحسم : غطي كامل الحرچ.
أومأت فينوار برأسها بهدوء حذر ، وقالت : حاضر.
انسحبت ناريسا، وتركت الغرفة للظلال والنار المكتومة.
جلست فينوار بجوار قرماس، وبدأت تدهن المرهم ببطء شديد، كأنها تخشى أن توقظ الألم من سباته…
كانت يدها ترتجف… تحاول السيطرة، تفشل، ثم تعاود.
رفع قرماس رأسه قليلًا، صرير الألم خرج مع طحن فكه، وغمغم: روحك النص بشرية… تسيطر عليكي أكتر، مولاتي.
أومأت برأسها بحزن وهمست : ديه حاچه تكدرك؟!
هز رأسه بالنفي، والتفت إليها… عينيه رغم الألم كانتا ثابتتين، دافئتين، كأن النار فشلت في الوصول إليهما.
قال بهدوء موجِع: ديه أكتر حاچه حلوه فيكي.
ممكن حد تاني يجول إن نصك البشري
يخلي دمك مش من سلالة نقيه…بس المهم عندي
إنك طاهرة، ودمك نضيف… حتى لو كان دم مختوم.
نظرت إليه، والحزن في عينيها كان أعمق من أي جرح وتمتمت : دم مختوم بالخطيئة واللعنة يا قرماس.
هز رأسه بالنفي، واقترب منها، حتى صار صوته يلامس شفتيها، أجش، دافئ، حنون، رغم النار: خطيئة مش خطيئتك…ولا لعنة كنتي إنتي السبب فيها…إنتي…
بتحاولي تفكيها.
رفع قرماس يده ببطء، لا كجني ناري اعتاد القتل والاشتعال، بل ككائن يتعلم للمرة الأولى معنى اللمسة حين تكون اختيار لا غريزة…
أعاد خصلة شاردة من شعرها خلف أذنها بحركة حذرة، حنانها يناقض كل ما صور عنه في أساطير العالم السفلي.
كانت أصابعه ترتجف ارتجافة خفيفة، كأن النار داخله تخشى أن تحرق ما اقتربت منه.
همس، لا بصوت الوحش، بل بصوت عاشق يخطو نحو الهاوية بعينين مفتوحتين، وقال بصوت منخفض، ممزوج بالمزاح المر: انتي متخيلة لو حصل بينا التحام محظور هيحصل ايه؟
رفعت عينيها إليه، والنار الخفيفة تتحرك في بؤبؤيها، لا كتهديد، بل كاعتراف صامت:يعني ايه؟ حصل إيه؟
ابتسم ابتسامة جانبية، لا ساخرة ولا مطمئنة، كأن الفكرة نفسها تزلزل يقينه:جصدي… لو الدم لمس الدم… مش كطقس… كحب.
سكت لحظة، والصمت بينهما أثقل من أي تعويذة، ثم تابع:هيطلع كائن إيه؟
مال ناحيتها قليلًا، وصوته ازداد انخفاض، كأنه يخشى أن تسمعه النار ذاتها وهمس : جني كامل؟ ولا بشري اتحرج وبجي رماد؟ولا حاچة تالتة…
توقف فجأة، وحدق في اللهيب الملتف حول يده، كأن النار تهمس له بالإجابة وقال : كائن ما يعرفش يخضع،
ولا يتملك، ولا يتحكم فيه حد.
رفعت فينوار رأسها، ونبرتها خرجت هادئة على نحو مخيف، كأنها نابعة من عمق أقدم من النار: يمكن ما يطلعش كائن أصلًا.
نظر إليها، وارتفع حاجبه دهشة وقال :كيف يعني؟
ابتلعت لعابها بصعوبة، وكأن الكلمات تنتزع من صدرها:
يمكن يطلع عهد…حاچة تعيش بينا… مش تمشي على الأرض، لكن تمشي في الدم.
ارتسمت على شفتي قرماس ابتسامة بطيئة، مزيج من الفهم والخطر، وقال: يبجى اسمه إيه؟
أجابته دون تردد، كأن الاسم كان محفور في قدرهما منذ البدء:الملتحم.
سكن العالم لحظة… توقفت الظلال عن الارتعاش، وانحسر اللهيب كأنه ينصت..حتى النار، التي لا تعرف السكون، هدأت…
قال قرماس أخيرًا، بنبرة تمازج فيها الوعد بالتهديد:
لو ده حصل…أنا مستعد أحرج السما السفلية كلها،
بس ما حدش يلمسه.
مرر يده على وجنتها ببطء، حنان يحمل في طياته نذر الخراب، ثم اقترب… وقبلها ، لم تكن قبلة مسروقة، بل افتراس مشحون بالرغبة والخطر…
التهم شفتيها بعنف مفاجئ، حتى سال الدم من بينهما. تذوقه قرماس بلا وعي، فاشتعلت عيناه، وزمجر من أعماقه، وانقض عليها بلهفة أشد…
دفعته بقوة في اللحظة التي انفتح فيها الباب، ودلفت ناريسا، وصوتها شق الغرفة:قرماس!
زفر بحنق، والنار تعصف بصدره، وهدر: رجيبة الدم المختوم.. بتكرهي جوي.
ابتسمت فينوار برقة متعبة، رغم اللهيب الذي لم يخمد بعد، وهمست: بعد ما نكسر اللعنة قرماس… اهدي.
نظر إليها بعينين امتلأت صدق، وقال بصوت خفيض:
مستعد استناكي عمر فوج العمر مولاتي… لحد ما نكسر الختم.
أشارت ناريسا بيدها بحدة، وقالت: طب هاتوا التراب والرماد .. عشان ابدأ التعويذه.
نهضت فينوار، وقد عاد الثقل إلى جسدها، وقدمت الأكياس، وقالت: باجي دم فارس.. هچيبه ، وحاولي بكل طاجتك ناريسا.
أومأت ناريسا برأسها وقالت : هبدا لحد ما تعاودي بالدم النقي.
وانصرفت.
بقيت فينوار واقفة، والنار تعود إلى همسها الأول، لكن شيئًا جديد استقر في صدرها… أمل حذر، هش… لكنه حي…
وقالت بصوت أقرب إلى الرجاء:باجي حبيبه…
ودماغها اللي كيف الحچر.
…
في سرايا العزيزي،
دلف فوزي إلى غرفة جملات، وكانت قدماه ترتجفان تحت وطأة الرعب الذي يشد صدره، يضغط على قلبه كما لو كان يريد أن ينقض عليه…
الهواء في الغرفة ثقل، كل شيء فيها مشحون بالصمت الذي يسبق العاصفة، كأن الجدران نفسها تترقب ما سيأتي…
هتف بصوت يختنق بالغضب والخوف:خير يما! مالك بس؟
رفعت جملات عينيها إليه، تلك العيون المحملة بالحزن العتيق والعتاب الذي عمره سنوات، هزت رأسها بالنفي بصمت، كما لو أن الكلام صار عبئ لا يطيق حمله.
اقترب فوزي وجلس بجانبها، أمسك يدها بقوة ووقار، وقبلها كما لو كان يعتذر عن سنوات الألم كلها، وقال بصوت خفيض متأجج بالعاطفة: وبعدهلك يما… مش كفاية عليا حبيبه؟ وانتي خابره زين، انتي وهي الأغلى على جلبي.
انزلقت دمعة ثقيلة على خدها، ونظرت إليه بعينين غاضبتين وممتلئتين بصبر نفد… غمغمت بصوت يختنق بالقهر: لحد متى يا ولدي؟دانا خرست صوتي طول عمري عشان أريحك.
نهض فوزي فجأة، كأن الحنين المختلط بالغضب واللوم قد أخرج منه نار، وهدر بصوت مشحون بالقهر: بسبب أنا؟ ولا بسببها؟أنا اللي غلطان دلوق؟
أومأت جملات برأسها بحزم، صوتها صار أكثر ثبات ووزن:
صح… مش انت السبب زمان، بس دلوق انت السبب في كل اللي چري لبتك .. بدك حبيبه تحصلها… ويتحرج جلبنا تاني.
رفع فوزي يده بإشارة حادة كالسيف المصبوغ بالنار، وهدر من جديد:لا بتي!مستحيل تغلط، تربيت يدي، وأنا خابرها زين.
نهضت جملات ووقفت أمامه، قامتتها الرقيقة مشتعلة بالغضب، وهتفت بصوت يقطر الحسم: أنا مجولتش حبيبه هتغلط!بس هتتهد… هتتدبل…خسارة البنية يا ولدي!
هز رأسه بالنفي بعناد، وصرخ: يعني ايه يما؟ أرميها وسط لعنة الدم؟ أنتي خابره يعني ايه!
اقترب أكثر، صوته صار حاد كالخناجر، ممتزج باليأس:
يما… يما افهميني…حبيبه دمها مورث، وانتي خابره!
هزت جملات رأسها بالنفي، بصوت أخف لكنه صلب:
متخافش…حبيبه مش وحدها، فينوار معها.
اشتعلت عينا فوزي بغضب ،وهدر: متچبيش سيرتها جدامي!
أومأت جملات برأسها بحزم، ثم رفعت يدها بتحذير صارم، صوتها صار أشبه بالإنذار: بجولك أنا لحد دلوج حاطة لساني في خشمي وخرست…حتى مع نفسي.
بس مش هسكت أكتر…لحد البت ما تروح من يدينا.
لو موفجتش على ولد الأنصاري…
هتحدت، وهجول كل حاچة، واللي يحصل يحصل.
نظر إليها بذهول امتزج بالغضب، وصرخ كالعاصفة:
بدك تچرصينا على آخر الزمن؟ مكفكيش شالت عارها سنين على كتافي؟ انتي مش هتنطجي يما…
مش هتفضحيني أنا وولدي اللي بجو رچالة وسط أهل البلد، وبيتعمل لهم ألف حساب!
أومأت جملات برأسها بحزم قاطع، وقالت بصوت يفيض بالغضب والمقاومة:واجف على چواز حبيبه من فارس…
وأنا أكمل خرسة لآخر يوم في عمري!
هدر فوزي بغضب، كأن الصراع كله انفجر في صدره:
أصلًا حبيبه كرهته وخلاص…مبدهاش تتچوزه!
ربعت جملات ذراعيها بنزق، وهتفت بصوت مليء بالتحدي:ملكش صالح! اللي يحب ما يكرهش…
هي بس واخده على خاطرها منية!
ضرب فوزي كفيه في ذهول، ثم ضرب على ساقيه بغضب شديد، واستدار وخرج من الغرفة بخطوات سريعة، النار في صدره تتقد.
جلست جملات على السرير، كأن القوة الواهية التي تشبثت بها قد انهارت تمامًا، وانحنت قليلاً، همست بصوت يملؤه الحزن والخوف:سامحيني…غصب عني.
مبديش أوع للنصيبة…هتتعاد تاني جدام عيني.
في أسفل سرايا العزيزي،
توقفت سيارة الأجرة، وصدي المحرك تتلاشى بين جدران البهو العالي…
ترجل أمير من السيارة، ممسك بيد حبيبه، ودلفا معًا إلى الداخل، حيث ارتجف الهواء بصدى خطواتهم،
وفجأة انبثق الفرح من الزوايا أنعام وريم وهند وعساف، كل واحد منهم يفيض بمزيج من الخوف والارتياح، كأن لحظة لقاء طال انتظارها تحققت بعد صراع طويل من القلق والرعب…
شهقت أنعام بفرحة عارمة، دموعها تهبط بسرعة مع كل خطوة نحو حبيبه، واندفعت بكل جسدها إليه، احتضنتها بقوة، وغمغمت بنحيب متقطع: أخص عليكي يا حبيبه… هانت عليكي أمك.. كده تدرعيني عليكي يا ضنايا؟!
أغمضت حبيبه عينيها، تنحني في حضنها، يدفئها دفء جسد الأمومة والحنان، وهمست بصوت مرتجف، ثقيل من المشاعر:حجك عليا يما.
كادت أنعام أن تتراجع لتقرأ ملامح وجهها، لكن حبيبه تمسكت بها، جسدها الصغير يحتاج للأمان، وهمست بهدوء:خليني يما… في حضنك أنا كده مرتاحة جوي.
ضمتها أنعام بقوة، كأنها تريد أن تحفظها من كل ألم، وغمغمت بدموع متدفقة:كله هيعدي يا ضنايا…
انتي جويه وجادرة تعدي…وأنا في ضهرك، ومش ههملك تجعي… واصل.
ربتت ريم على ظهر حبيبه برقة وحنان، وقالت: كلنا في ضهرك يا حب… وانا عارفة إنك بطلة.
ابتسمت حبيبه ابتسامة خافتة، تكاد لا ترى، وأنفاسها لا تزال متقطعة، وتنهدت بثقل، حين مسح عساف على حجابها، وغمغم بصوت أجش، محشو بالارتياح بعد الخوف:بس ماعمليش كده تاني… وجعتي جلوبنا يا خيتي.
أومأت حبيبه برأسها برقة، وهمست:حجك عليا يا اخوي.
ابتسمت هند ابتسامة مكسورة، وأصابعها ترتعش قليلاً، وغمغمت:مش هتطلعي تطمني على چدتك يا حب.
نظرت لها حبيبه بحزن، لكنها ردت بخفوت، محاولة أن تخفف من وطأة القلق على قلبها:حاضر… هيطلع يا هند.
ابتسمت هند بسعادة، ودموعها تتساقط ببطء، مزيج من الفرح والارتياح، وغمغمت:سامحيني يا خيتي… حجك عليا أنا.
ربتت حبيبه على منكب هند برقة، همست لها بصفاء قلب:انتي ملكيش ذنب يا هند.
ربتت هند على كف حبيبه، وابتسمت ريم بخفوت، صوته كأنها تقول لكل العالم:مش بجولك… بطلة.
في تلك اللحظة، كان البهو كله ينبض بالحب والطمأنينة، وكأن كل لحظة قلق مرت بهم ذابت في دفء العائلة، وعم الهدوء الصامت، الذي يحمل في ثناياه كل ألم مضى وكل أمل قادم.
رفع أمير صوته بمرح مشوب بالجوع الحقيقي والمزيف معاً: طب يلا يا بطل، إنتي! أنا جعان!
تدفقة ضحكاتهم كالنهر الجاري بعد جفاف طويل، نادرة في بيت طالما سكنه الصمت والانتظار
نظرت إليه ريم بخجل يغمر وجنتيها بلون الورد المتفتح، فهتفت إنعام بصوت أم دافئ:اسملله يا ضنايا، همي يا ريم مع جوزك، هاتيله ياكل!
أومأت ريم برأسها في خجل عميق، وانسلت نحو المطبخ بخطوات مترددة…
لكن أمير لم يمهلها؛ تبعها كالظل الملتصق، قبض على ذراعها بلطف ماكر، جذبها إليه حتى التصق جسداهما، وهمس بعبث يقطر رغبة : تعالي فوج.. عشان بدي أتعشى حاچة خفيفة ، وأنام!!
ابتلعت ريم ريقها بصعوبة، وتوتر يجري في عروقها كالكهرباء، هزت رأسها بسرعة وقالت بصوت خافت:
ماشي.
صعد الدرج خلفها، عيناه مشتعلتان بنار لا تخمد، تتتبعان انحناءات جسدها من الخلف كأنها لوحة يشتهيها الرسام واللص معا….
عض شفته السفلى بعنف خفي، وهمس لنفسه بصوتٍ
يكاد يسمع:أموت في الملبس..
التفتت إليه بدهشة طفولية وتمتمت :بتجول إيه؟
هز رأسه بنفي سريع، وكأنه يطرد الشيطان وغمغم :
ولا حاچة، اطلعي… اطلعي!
فتحت الباب، دلفت إلى الداخل، وخلفها أمير أغلق الباب بهدوء ينذر بالعاصفة. توجهت ريم نحو المطبخ وقالت بصوت حاولت التماسك:بدك تأكل إيه؟
في لحظة، نزع سترته الجينز بلا تردد، ثم تبعها بخطوات سريعة كالذئب الذي شم الفريسة، وقال بصوت يقطر عبث وجوع:بدي آكلك والله.
التفتت إليه، فرأته ينزع التيشيرت ببطء متعمد، يقف أمامها بجذعه العاري، عضلاته مشدودة تحت ضوء المطبخ الخافت… اتسعت عيناها ذهول و خجل، دارت بسرعة أعطته ظهرها وهتفت بتوتر:مالك اتخوت؟ البس الجوا برد!
اقترب منها حتى التصق ظهرها بصدره الملتهب، أحاط خصرها بذراعيه القويتين، ضمها إليه بقوة لا تقاوم، وهمس في أذنها بصوت مبحوح يقطر خبث :
خايفة عليا من البرد… ولا خايفة تضعفي انتي؟
ابتلعت لعابها بصعوبة، حاولت فك ذراعيه بيدين مرتجفتين، وغمغمت:أمير بالله عليك… كده غلط.
زاد من ضمها حتى كأنها ضلع عاد إلى مكانه بعد غياب طويل، وغمغم بصوت أجش مثير:يلا نغلط.. عشان أصلح غلطتي.
شهقت بفزع وخجل عميق، همست وهي تحاول التملص:
كـ… كيف تصلح غلطتك؟
انحنى عليها، ضمها بقوة أكبر، رفعها بين ذراعيه كأنها لا تزن شيئاً، وحملها خارج المطبخ… رفعت ريم ساقيها في الهواء بحركة فزعة وهتفت:لا! نزلني يا أمير! بطل يا مخوت!
دلف بها إلى غرفة النوم، اقترب من السرير بخطوات سريعة كالصياد الواثق، ألقاها عليه برفق محسوب، ثم انحنى فوقها وغمغم بصوت أجش دافئ يلفها كالدخان:
مخوت أها… والبط بيخوتنا جوا.
وقفت على ركبتيها فوق الفراش، جسدها يرتجف من التوتر والرهبه، وغمغمت بصوت مرتعش:بجلك إيه! إنت مخوت؟ وأنا مش عاجلة يعني… إنت…
لم تكملها؛ قبض على وجنتيها بكفيه الدافئتين، مال عليها ببطء يعذب، أنفاسه الساخنة تسبق شفتيه، تهب على بشرتها كريح صيفية محملة برائحة خفيفة من عطره الممزوج برائحه التبغ ..
ثم هبطت شفتاه على شفتيها….لم تكن قبلة عابرة، بل اندفاع جائع مكبوت منذ أيام…
ضغط شفتيه الأولى عليها برفق في البداية، كأنه يتذوقها، يتأكد من أنها حقيقية، ثم زاد الضغط تدريجياً حتى التصقت شفاههما بقوة…
فتح فمه قليلاً، أمسك بشفتها السفلى بين أسنانه بلطف ماكر، عضها عضة خفيفة جعلتها تئن في حلقها صوت مكتوماً، ثم مر لسانه على المكان الذي عضه، يلعقه برفق يشبه الاعتذار والتحدي معاً.
في تلك اللحظة التي انفجر فيها الشوق كالبركان، مال أمير بثقله كاملاً، فأسقط ريم على السرير في حركة واحدة حاسمة، جسده الثقيل يطبع نفسه على جسدها النحيل بلهفة جامحة وعنف محبب يمزج بين الرغبة والتملك….
كانت أنفاسه الساخنة تحرق بشرتها، وقلبه يدق كالمطرقة على صدرها، ينقل إليها نبضه المتوحش.
حاولت ريم دفعه بخجل متردد، يداها ترتجفان على صدره العريض، ورأسها يتحرك بحركة سريعة يائسة تحاول نزع شفتيها من أسر فمه الذي يبتلعها…
غمغمت من بين شفتيه المحترقتين بصوت مكتوم:
أأأمير مينفعش… اااصبر هـ هفهمك ..أنا…
لم يتركها تكمل… قطع كلامها بعنف، والتهم شفتيها مرة أخرى بشراسة حتى أدماهما، دمهما يختلط في قبلة تذوب الحدود بين الألم واللذة…
قبض على يدها اليمنى بقوة حديدية، ثبتها بجانب رأسها فوق الوسادة، وجسده يضغط أكثر، يحتك بها ، يسحقها تحت ثقله حتى شعرت ريم أنها تذوب وتختنق في آن واحد…
ارتجفت تحت وطأته، وغمغمت بصعوبة، صوتها يتفتت بين أنفاسها المتقطعة:أميررر… لا يا مخوت… بعد… مينفعش…
مرر يده على صدرها بعنف يشبه التمزيق، شق عبائتها بأصابعه الغاضبة حتى انشق القماش وانكشف جلدها الأبيض الذي يرتعش تحت لمسته…
غمغم بصوت أجش، مشبع بالشهوه : مينفعش ليه يا ريم؟ انتي مرتي… وديه حجي.
صرخت ريم بفزع حقيقي، حاولت دفعه بكل قوتها، وصاحت وهي تكاد تبكي:يا مخوت.. اديني فرصة أفهمك!
لكنه لم يسمع…انغرز بشفتيه في عنقها، يلتهم بشرتها كجائع يفترس آخر لقمة،
ثم نزل إلى نهديها المتوردين اللذين يرتجفان تحت شفتيه وأسنانه، يعض ويمص بجنون يحرق جسده كله. كانت الرغبة تشتعل فيه نار لا تطفأ، تجعله يفقد السيطرة تماماً.
بصعوبة بالغة، انزلقت ريم من تحت جسده الثقيل، تدحرجت جانباً وانزلقت من على السرير، وقفت وهي تلهث، صدرها يعلو ويهبط بعنف، وصاحت بأنفاس متقطعة:انت مخوت… اصبر… أفهمك!
نهض أمير بعنف، وقف أمامها كالوحش المستفز، عيناه تلمعان بنار سوداء ممزوجة بحب يحرقه من الداخل، وهتف بصوت مرتفع يرتجف من الغضب والشوق:
إي حاچة هتجوليها؟ مش هتغير إني بحبك وإنك مرتي! لازمن ننسى كل اللي فات ونبدأ حياتنا مع بعض… ديه مش عيشة يا ريم!
كان يقترب منها خطوة خطوة، جسده لا يزال يرتجف من الرغبة المكبوتة، وعيناه لا تفارقانها، كأنه يراها للمرة الأولى والأخيرة في آن واحد،
بينما هي تقف هناك، نصف عارية، قلبها يدق بعنف، مشتتة بين الخوف والشوق الذي بدأ يتسلل إليها رغماً عنها.
تراجعت ريم بصعوبة، جسدها لا يزال يرتجف من لمساته السابقة، وأشارت بيدها المرتعشة نحوه، وخرج صوتها مرتجف مشوب بالتحدي والضعف والرغبة المكبوتة:
انت بدك تفرض عليا أمر واجع يعني؟ أنا من حجي اختار!
اقترب أمير منها بخطوات ثقيلة، عيناه تحترقان بغيرة عمياء وشوق يفتك به، قبض على ذراعها بعنف رقيق يحمل في طياته التملك الكامل، وهدر بصوت خشن يرتجف من شدة الإحساس:تختاري إيه؟ بدك تختاري راچل غيري؟ مستحيل يا ريم… انتي بتاعتي وبس، فاهمة؟ جسمك ديه، قلبك ديه، كل نفس فيكي… ملكي.
دفعته بقوة، وصرخت بصوت حاد يقطع الصمت: انت مخوت! اختار غيرك كيف وأنا علي ذمتك؟
ضغط على فكيه، اقترب حتى التصق بها تماماً، سحبها بقوة إلى صدره العاري المشتعل، شعرها يلامس جلده، حرارة جسده تنتقل إليها كالكهرباء، وهتف بغيرة تكاد تذيبه:طب بترفضيني ليه؟ جولتلك أنا بحبك… مش جادر أتحمل العيشة دي من غيرك… وبدك مرتي كيف الخلج؟ أنا عايز أحس بيكي كل لحظة، يا ريم… عايز أدوب چواكي.
دفعته مرة أخرى، دموعها تنزل ببطء على وجنتيها ،وصاحت: أنا بجولك استني أفهمك وانت مدتنيش فرصة… أنا عندي…
قطعت كلماتها، عضت شفتها السفلى بعمق، خجل يغمر وجهها، استدارت وكادت تركض، لكنه أمسك بها من خصرها بحركة سريعة، جذبها إليه حتى التصق ظهرها بصدره، ذراعيه يحيطان بها كأنهما قفص من نار وحنان، وقرب فمه من أذنها حتى شعرت بنفسه الساخن يلامس شحمة أذنها، وهمس بحنان يذيب القلب:عندك إيه يا روحي؟ انتي تعبانة؟ جوليلي… خوفتيني عليكي.
حاولت التملص بخفة، لكن جسدها خانها واستسلم لدفء حضنه، غمغمت بصوت خافت جداً، خجل يجعل صوتها يرتجف:لا… عندي البريود.
طحن فكيه لحظة، لكنه سيطر على نفسه، مال أكثر وقبل جانب عنقها بلمسة رقيقة، وغمغم بصوت أجش دافئ:
أنا عارف حظي… بس مش مشكلة أبداً… هي بتاخد كام يوم يا بطتي؟
جحظت عيناها، وهمست وهي تنظر إلى الأرض، وجهها يحمر حتى أذنيها:كيف كام يوم؟! وانت مالك…
رفعها بين ذراعيه بسهولة، كأنها لا تزن شيئاً، حملها إلى السرير، جلس ووضعها على فخذيه بحيث يصبح وجهها قريباً من وجهه، أنفاسهما تختلط، وغمغم بصوت منخفض مشبع بالرغبة والحنان:كيف وأنا مالي؟ أي حاچة فيكي مالي… دمك، أنفاسك، حتى اللي بيوجعك ده مالي… انتي دلوق كل حياتي يا بطة… رأس مالي اللي مش ههمله أبداً.
عضت شفتها بخجل عميق، ولكزته بخفة على صدره العاري، وهمست وهي تبتسم رغم عنها: أول مرة حد يسألني السؤال ديه!!
ابتسم هو ابتسامة شقية، كاد يسألها عن طه، لكنه تراجع، مال وقبل جبينها بلمسة طويلة، ثم همس بهدوء:
انسي أي حاچة جبلي… أنا معاكي دلوق… جدامها كام يوم يا حبيبتي؟
عضت شفتها مرة أخرى، وهمست بخجل يجعل صوتها يرتعش:يومين.
مال إلى أذنها، قبل شحمة أذنها بلطف، وهمس بحنو وعبث يشعل النار فيها:يبجى دخلتنا بعد يومين يا بطتي… حضري حالك، عشان لما يچي اليوم ديه… مش هسيبك تنامي ولا ثانية من غير ما أكون چواكي.
أخفت وجهها في عنقه، أنفاسها الساخنة تلامس جلده، وضحك أمير ضحكة خفيفة مليئة بالشوق، انحنى بها على السرير ببطء، ضمها إليه حتى التصق جسداهما تماماً، وغمغم وهو يدفن أنفه في شعرها:تعالي العشية دي تنامي في حضني… خليني أحس بدفء جسمك، نشيل الكسوف ده شوية… أنا عايز أشم ريحتك وأنا نايم.
كتمت أنفاسها داخل صدره، يدها تتسلل تلقائياً حول خصره، وضمها هو بحضن يحيط بها باكملها، قبل رأسها بحنان يشبه الصلاة، وهمس بصوت منخفض جداً:
تصبحي على خير يا بطتي…
همست هي، صوتها مرتعش يقترب من البكاء من شدة الحميمية:وانت بخير… يا أمير.
وأغمض عينيه، شفتاه تلامسان جبينها في قبلة طويلة، وعلى وجهه ابتسامة شقية مطمئنة، وهو يشعر بجسدها يسترخي أخيراً في حضنه، والليل يغلفهما في صمت مشحون بالوعود الحميمة والشوق الذي لم يعد يطاق.
……..
في اليوم التالي
سرايا الأنصاري
وقف فارس أمام المرآة، يضبط قميصه بعناية رجل يعرف قيمته ويعتز بوقاره، ثم ارتدى سترته على مهل، كأن اللحظة تستحق التمهل لا العجلة…
انعكس وجهه في المرآة، فابتسم تلك الابتسامة التي لا تولد إلا حين يكون القلب ممتلئ، وقال بنبرة دافئة مشبعة بالحب:حلو كده يا حبة جلبي؟
جاءه صوت حبيبة من خلفه، رقيق هاديء ، كنسمة فجر تتسلل إلى الروح:كيف البدر يا غالي.
استدار إليها، وتلاقت عيناه بعينيها، فانسكب العشق من نظرته انسكاب لم يعرفه بشر، عشق صاف لا تشوبه رغبة ولا تفسده مخاوف…
قال وهو يبتسم بثقة عاشق يعرف مكانه في قلبها:
أنا اللي كيف البدر… أمال انتي؟ دانتي لو تحسي كده إيه عشجي ليكي، تحسدي حالك يا حبيبة… أنا بعشجك عشج لسه ما اتخلج يا حته النور …
اقتربت منه، ومررت يدها على صدره بحنان يشبه النجاة بعد غرق طويل، لمسة تحمل طمأنينة أكثر مما تحمل شوق، وقالت بصوت صادق:أنا بحسد حالي… إنك حبيبي.
تجمدت إيمان عند باب الغرفة، صامتة، ودموعها تتساقط كأنها مطر ثقيل يخترق صمت المكان، بلا وعي، وهي ترى فارس يقف أمام المرآة، يتحدث مع نفسه، كمن يتجادل مع العالم كله بصمت…
اقتربت بخطوات متثاقلة، قلبها ينهشها الخوف والارتباك، ووقفت خلفه، صوتها المتهدج يخرج كهمس يفتك بها من الداخل:فارس… انت هتحدت مين؟
دار لها فارس، عيناه تشتعلان بالغضب والارتباك، كجمر يحترق في قلبه، وهدر بصوت مشحون بالغضب:وانت مالك.. يعني هكون هحدتت مين؟
التفت إلى الجهة الأخرى، يملأه الغضب، وصرخ في فراغ صامت، كأن صوته لا يصل إلا لنفسه:هحدت حبيـ
لكن كلماته تقطعت فجأة، حين لم يجد حبيبه، ودار حول نفسه بجنون يكاد يلامس الهستيريا، صوته انفجر في الهواء:حبــــيبه!
ثم عاد إلى إيمان، التي ارتجف جسدها بعنف، كأن الريح تصفعها، وهدر بصوت يختلط فيه الغضب بالدهشة والوجع:عچبك كده! اهي مشيت! إيه الا دخلك دلوق؟
كتمت إيمان شهقتها بيدها، تتراجع بخطوات متعثرة، كل خطوة تثقل قلبها، حتى خرجت من الباب، وهمست بمرارة تتسرب من قلبها:يا خسارتك يا واد عمي.. خساره… يا حب عمري.
نظر فارسفي آثارها بعينين مشحونتين بالغضب، بالدهشة، بالخيبة، وكأن كل اللحظات التي فقد فيها السيطرة تتراكم على صدره، وضرب كفه على الجانب الآخر من صدره وغمغم:البت ادبت وعميت… جال هتحدت مين؟
ثم دار بنظره حول الغرفة، الغضب يزداد اشتعال في صوته المكتوم، كألسنة نار تحرق الأعصاب: طفشتيها… الله يچيدك.
وقفت الغرفة في صمت مثقل، الهواء يختنق بين أنفاسهما، والرعب من فقدان السيطرة يختلط بالخوف من القادم، وكل قلب فيه يترقب الحدث التالي، كما لو أن العالم كله تجمد عند هذا الصراع الداخلي المشتعل.
…….
في الأسفل،
امتدت الحديقة كأنها عروس تتزين بأبهى حللها، وأزهارها تتمايل كأنها تهمس بأسرار لم تقال بعد ، بينما الأرضية المفروشة والسلالم المزدانة بالزينة كانت تلمع تحت نور المصابيح، كأنها بحر من الذهب ينساب بين الأرجل…
كل شيء كان يشي بعظمة الفرح، فرح يليق بآل الانصاري، يفرض حضوره على كل من وطأت قدماه المكان…
وقف فارس، شامخ القامة، عيناه تلمعان بمزيج من الحذر والتوتر، وبجانبه سند، ورماح، ودياب، وفهمي، يتقدمون بخطوات واثقة لاستقبال المعازيم،
كل منهم كرمز من رموز القوة والهيبة التي تسكن في هذا البيت العريق…
تردد صدى أصوات المعازيم وهم يقتربون، تتخللها ضحكات خافتة همست بها نسائم المساء، بينما فارس يرفع رأسه كلما اقترب أحد، يبتسم تحية مختصرة، لكنه يحتفظ بعينه على كل حركة حوله، كمن يحرس شيئًا أغلى من حياته.
جال فهمي ببصره في أرجاء الحديقة، وعيناه تقدحان غضب مكتوم ، حتى استقرت على بدر الجالس في أقصى المكان، منعزلًا كأن ما يحدث لا يعنيه من قريب أو بعيد، كأن الفرح عابر لا يخصه، ولا الدم الذي يجري في عروقه.
اشتد صوته وهتف، والحنق يسبق كلماته:بدر اتخوت إياك؟! ليه هيعمل كده؟ وحتي أدهم مچاش واصل!
ضرب دياب كف بكف، وقد نفد صبره، وانفلت غضبه بلا مواربة:شجايج آخر زمن يا أخوي… الولد مستكتر الفرحة على أخوه!
هز فهمي رأسه بعنف، كمن يطرد افكار سوداء لا تفارقه، وقال بنبرة حادة مثقلة بالخيبة:كلاتهم چيل مهيب، لازمن يتچوز اللي عشجها… دانت بس تطفي النور تلاجيهم كلاتهم صنف واحد! ما كلاتنا اتچوزنا بنات أصول وخلفنا وعمرنا ومدينا النسل؟!
أومأ دياب برأسه، وصوته هذه المرة خرج أثقل، كأنه يحمل نبوءة لا ترد:صح يا أخوي… أنا حاسس علي حالهم ديه… إنهم آخر چيل في ولاد الأنصاري.
في تلك اللحظة، كان فارس صامت ، واقف بينهم كجبل يتآكله الصدع من الداخل….
رفع عينيه إليهم، وفي نظرته غضب يمتزج بألم وقهر لا يقال، وغمغم بصوت خافت لكنه موجوع حتى النخاع:
يارب نكون آخر چيل… كفاية نسل ملعون.
ساد صمت ثقيل، قبل أن يقترب سند بخطوات محسوبة، وصوته يحمل جدية الموقف:تعال يا أخوي… الجاضي مستني.
أومأ فارس برأسه ببطء، كمن يحسم معركة لا رجعة فيها، ثم التفت إلى رماح وأشار له بيده: يلا يا رماح، خلينا نكتب ونخلصوا.
أومأ رماح بابتسامة خبيثة يغلفها حماس ظاهر، وهتف وهو يتحرك معه:يلا يا أخوي… جبل ما أدهم يجل عجلة.
تحركوا جميعًا، بينما ظل خلفهم الفرح واقف على حافة الهاوية، يبتسم للناس، ويخفي في جوفه شقوق لو انفتحت، لابتلعت الجميع.
تحركوا معًا بخطوات مثقلة بالرهبة نحو طاولة المأذون، وجلس فهمي على مقعده، بينما جلس رماح أمامه، يراقب المشهد بعينين متوترة…
وضع المأذون المنديل الأبيض على يديهما، وقال بصوت ثابت وجاف:جول وراي يا حچ فهمي، زوچتك موكلتي.
في اللحظة نفسها، جاءت يد، صلبة كالفولاذ، تمددت بسرعة، وأمسكت بيد فهمي ويد رماح بإحكام لا يرحم، كما لو أن القوة نفسها التي تسلحت بها الأجيال،
توقف الجميع لوهلة، والهواء من حولهم مشحون بثقل الترقب، كأن الأرض نفسها تخاف أن تتنفس، بينما كان قلب فهمي يخفق بعنف، ورماح يشعر بيد تمسكه من الداخل، تحمل في قبضتها وعد وغضب دفين
وووووووووووو
توقعتكم ي سكاكرررر للبارت الجاي اتمني بجد التفاعل
ساحره القلم ساره احمد

تسلم ايدك يا جميل
تسلمي يا قمر
تسلم ايدك اكيد تحفة ❤️
تسلمي يا قمر ♥️
تسلم ايدك تحفة قبل ماقرا 😘
تسلمي يا قمر ♥️
تسلم الايادي مشاءالله بارت شكلو طويل جدا اكيد من قبل ما اقرا خطير من الاخر❤️❤️❤️
تسلمي يا قمر ♥️
واخيرااا انا قربت انام ونا منتظرة البارت 😘 مرسي يسو يمدلعانا
تسلمي يا قمر ♥️
جميل جدا جدا ♥️❤️❤️
تسلمي يا قمر ♥️
تسلم الايادي ي سو اللي مدلعانا و مروقة علينا 🤍🤍🤍🤍🤍
تسلمي يا قمر ♥️
تسلم ايديكي يا سارة مقدما من قبل ما أقرأ
تسلمي يا سكره ♥️
يلا أروح اطمن على حبايبي 💗💗💗
قرأ ممتعه ♥️
تحفه اوييي تسلم ايدك ♥️ ♥️ ♥️
تسلمي يا قمر ♥️
تسلم ايدك تحفه ♥️
تسلمي يا قمر ♥️
تحفة تسلم ايدك يا قمر ❤️
تسلمي يا قمر ♥️
ي جماالوو🔥🔥🔥
تسلمي يا قمر ويسلم ذوقك ♥️
خيااااااليييي🔥🔥🔥🔥
حبيبتي تسلمي ♥️
جميله اوووى تسلم ايداكى
حبيبتي تسلمي يا قمر ♥️
تحفه كالعاده تسلم ايدك يا قمر
تسلمي يا قمر ♥️
ايوة بقي عايزين نعرف اللعنة دي اصلها اية
هنشوف الأحداث الجايه ي قمر ♥️
روعه روعه تسلم ايدك واخيرا سر اللعنه هيبان
تسلمي يا قمر ♥️
كالعاده البارت تحفه♥️♥️♥️
تسلمي يا قمر ♥️
❤️❤️
الواد امير ده ملهوش حل الصراحة وعجبني اوووي القرب اللي حصل بين قرماس وفينوار واما حبيبة وفااارس ياعيني عليهم بجد وكله كوم وادهم ونغم كوم تاااني ربنا يكون في عونهم بجد
يسلم تحليلك ي روحي ♥️
حلو
تسلمي يا قمر ♥️
البارت تحفة كالعادة تسلم ايدك ياقمر ❤️♥️ بالتوفيق دائما
تسلمي يا قمر ويسلم ذوقك ♥️
اكيد مش هيتم الفرح او تتجوز ادهم
ابدعتى جدا
تسلمي يا حبيبتي ♥️
تسلم ايدك
تسلمي يا حبيبتي ♥️
تسلم ايدك يا اجمل ساره😘
تسلمي يا حبيبتي ♥️
تسلم ايدك يا ساره البارت جامد اوي
تسلمي يا حبيبتي ♥️
بارت روووووعه وفوق الخياااال تسلم ايدك يا احلي ساره في الدنيا
تسلمي يا قمر ❤️
بجد مفيش كلام يوصفك مبدعه كالعاده تسلم ايدك وقلبك واحساسك العالي
تسلمي يا حبيبتي ♥️
بجد ايه الحلاوة ديه حده الحقيقه انكشفت فوزي وجمالات مستنيه الحقيقه
تسلمي يا حبيبتي ♥️
القفله صعب جدا متشوفين نعرف الاسرار المذهلة دي نفسي اعرف السر
هنشوف الأحداث مع بعض ♥️
بدوس على النجمه مش عايزه تشتغل ليه
وسي مرتين
جامد
تسلمي يا حبيبتي ♥️
ابداع والله العظيم أحسنتي أحسنتي وكفي
تسلمي يا قمر
تسلم ايدك ياقلبي
تسلمي يا حبيبتي ♥️
رووعة
تسلمي يا حبيبتي ♥️
تسلم ايديكي البارت جميل جدا جدا جدا ♥️❤️❤️
تسلمي يا حبيبتي ♥️
تسلم ايدك يا قمر ❤️❤️
تسلمي يا حبيبتي ♥️
روعة تسلم ايدك مبدعة
تسلمي يا حبيبتي ♥️
روعة جميل بجد
تسلمي ي حبيبتي ♥️
معقول فارس هانت عليه نغم 💔
تسلمي يا حبيبتي ♥️
ما شاء الله 🌷🌷🌷🌷🌷🌷
تسلمي يا قمر ❤️
تحفه تسلم ايدك يا ساره ابهرتيني
تسلمي يا قمر ❤️
تسلم ايدك ياقمريا ديما مبدعة ومتميزة ❤️❤️❤️
تسلمي يا حبيبتي ♥️
الفصل حلو اوي
تسلم ايدك ياحبيبتي 🥰
تسلمي يا حبيبتي ♥️
ايوة بقي يا سوووو طلعت نانا جملات هي اللي مخبيه السر سوسه اوي وابو حبيبه ده نفسي اضربه بجد
تسلمي يا حبيبتي ♥️
تحفه
تسلمي يا حبيبتي ♥️
روعه تسلم ايدك
تسلمي يا حبيبتي ♥️
تحفه 👏❤️🔥
تسلمي يا حبيبتي ♥️
تسلم ايديك يا ساره انتي فنانه مبدعه
تسلمي يا حبيبتي ♥️