عشق ملعون بالدم

عشق ملعون بالدم (الفصل الخامس والثلاثون)

عشق ملعون بالدم (الفصل الخامس والثلاثون)

حين يلتقي قلبانا بين دورب العشق..
يُقصى العالم جانبًا بلا اعتذار،
وتُغلق الأبواب على ما بيننا،
كأن الوجود خُلق ليشهدنا ثم يُمحى.
تصمت الكلمات لأن الغيرة لا تحب الشهود،
وتتحول الأنفاس إلى اعترافاتٍ محظورة،
لا تُقال إلا همسًا،
خشية أن يسرقها أحد.
أُقيمكِ في صمتي إقامة المالك،
لا العابر،
أغرسكِ في داخلي كحقيقةٍ لا تقبل الشك،
وأغار عليكِ حتى من اللغة
إن حاولت أن تُفصح عنكِ أكثر مما ينبغي.
أنتِ لي كما تكون النار لمن أشعلها،
وكما يكون الجرح لصاحبه
لا حقّ لأحدٍ أن يلمسه سواه.
أُخبئكِ بين الحروف،
لا لأنكِ سرّ،
بل لأنكِ كنز،
والكنوز لا تُعرض على العيون.
أُحيط اسمكِ بأسوارٍ من المعنى،
وأكتم ملامحكِ في النص،
فإن رآكِ أحد
خفتُ أن يطمع،
وإن أحبّكِ غيري
خشيتُ أن أقتله غيرةً
أو أقتل نفسي.
فماذا لو أخبرتكِ
أنكِ لو كنتِ أغنية
لعزفتكِ على جمهورٍ أصم،
لا يسمع… ولا يصفّق… ولا يطالب بالإعادة،
لأنكِ حين تُسمعين
تصبحين مطمعًا،
وأنا لا أحتمل أن تكوني رغبةً
في قلبٍ سواي.
فاعذري غيرتي،
فهي ليست نزوة عاشق،
بل يقين رجلٍ أدرك
أن خسارتكِ ليست احتمالًا،
وأن مشاركتكِ مع العالم
خيانةٌ للقلب
ولو حدثت دون قصد.
شاركوني الحب،
ولا تُقاسموني فيه،
فأنا لا أعرف أن أحبّ بنصف قلب،
ولا أؤمن بعشقٍ يقبل القسمة.
الحب إمّا أن يكون كاملًا
أو لا يكون،
وأنا اخترتكِ كاملة
كما اخترتني… أو هكذا أريد.
وكل نبضةٍ في قلبي
ليست سوى إنذار،
تعلن أنكِ لي،
وأن اقتراب غيري منكِ
يُربكني،
يُوجعني،
ويُخرج الوحش الذي بداخلي
دفاعًا عنكِ…
ودفاعًا عني.
شهقت ناريسا، وتخشبت في موضعها كتمثال نحت من الخوف، اتسعت عيناها حتى كاد البياض يبتلع السواد، وخفق قلبها في صدرها كطبول حرب تقرع إذن بالهلاك. كان الهواء من حولها ثقيلاً، خانق، كأن أنفاس الأشباح القديمة تسللت إليه من أعماق العالم السفلي.

تأملها ظلاك بدهشة مشوبة بشك خبيث، ولمعت عيناه بسواد دامس، كليل بلا قمر، وهمس بصوت زاحف:انتي… مهربتهاش تاني يا رجيبة الدم المختوم، صح؟

بلعت ناريسا لعابها بصعوبة، لكنها تماسكت، شدت ظهرها، ورفعت ذقنها بعناد ممزوج بالغضب، وقالت بحدة: وأهربها كيف؟ الملك منع زيارتي غير وجت الوكل. عمومًا… أنا هچهز الأوضة، وانت انصرف…هتلاجي فينوار في مكانها.

ظل ظلاك يحدق فيها، نظرة من يحاول أن يقرأ ما خلف اللحم والعظم….
أغمضت ناريسا عينيها، وأشعلت سحرها في صمت مشحون، ثم قالت بنبرة قاطعة: مش هسمحلك تخترج عجلي يا ظلاك. أنا رجيبة الدم المختوم… الزم حدك.

ابتسم ببرود حاد، كحد نصل مغروس في الجليد، وقال: أكبر غلطة غلطها الملك أورمانتيس… إنه حچب أفكارك عني يا رجيبة الدم.

ارتسمت على شفتي ناريسا ابتسامة تشف باردة، وقالت: عشان حاولت تسيطر على فينوار من خلالي… ومين اللي معيزش فينوار؟ معچزة الملك أورمانتيس… اللي دمها مختوم.

أومأ ظلاك برأسه، والحقد الأسود ينساب في نبرته: مسيري ألتحم مع فينوار… ومعجزتي معها هتكون أكبر، وأجوى، وأعنف.

ضحكت ناريسا ضحكة قصيرة، مرة، وقالت بتهكم: مش هحرج أحلامك… جصدي كوابيسك.

احتقنت عينا ظلاك، وتفجر الغضب فيه كنار محرمة، وفي لحظة واحدة ذاب جسده في العتمة، كأنه لم يكن.

التقطت ناريسا أنفاسها التي كانت تحبسها قسرًا، وضعت يدها على صدرها المرتجف، وهمست بقلق ثقيل: لازمن أتواصل مع فينوار…

ثم أغلقت الباب بعنف، كأنها تحاول أن تصد به المصير نفسه.
……..
فوق قمة جبل الجليد،

حيث يصمت العالم وتتنفس العتمة وحدها، انبثق ظلاك من صلب الجليد كأن الجبل لفظه عنوة….

تشقق البياض تحته، وانسحب البرد احترام لخطواته. تقدم نحو التابوت الجليدي، وعيناه معلقتان بجسد فينوار المسجى داخله، رأسها منكسر على صدرها كزهرة قطفت قبل أوانها، توحي بالموت أكثر مما توحي بالنوم.

مد يده، ومسح سطح الجليد ببطء متلذذ، فانشق التابوت بأنين مكتوم….

سقط جسد فينوار على الأرض، ومرت لحظات ثقيلة قبل أن تشهق بألم حاد، تتشبث بالهواء كالغريق، تسعل بعنف وكأن الرئتين ترفضان هذا العالم.

انحنى ظلاك فوقها، وخرج صوته من بين ظلال صدره، وعيناه تشتعلان بسواد دامس: أتمنى تكوني عجلتي، مولاتي… ما بديش أعذبك تاني. بتصعبي عليا.

رفعت فينوار رأسها بصعوبة، وشفاهها ترتجف، وقالت بصوت مبحوح: انت… ما عندكش جلب أصلًا يا ظلاك. انت كائن اتخلج من الضلمة.

مرر يده على ظهرها بخبث بارد، وقال: وطبيعي… لما الضلمة تچتمع مع نور فينوار، الضلمة تبلع النور بالكامل.

هزت رأسها نفيًا، وفي عينيها وميض تحدي رغم الوهن: أو نور فينوار يكشف السواد اللي چواك.

ثم رفعت رأسها فجأة، والغضب يشق طريقه في صوتها: عارف ليه بدي أحل اللعنة؟

طحن فكيه، والنار تتأجج في صدره، وقال بحدة: لحظة ضمير من چميلة حكتلك غلطتها، ووصتك تفكي اللعنة.

انتفض واقفا، واستقامت قامته مع الرياح العاتية، وهدر بصوت زلزل الجبل: بس ديه مستحيل يا فينوار! عارفة ليه؟ لأن اللعنة مربوطة بالملك… ومش هتتفك غير بموته.

تجمدت فينوار، وانحبس الهواء في صدرها حتى احمرت عيناها بالقهر….

ضحك ظلاك ضحكة حاقدة، صلبة كالصخر، وقال: هتجتلي أبوكي يا مولاتي… عشان أمك البشرية؟

اقترب منها بسرعة البرق، صار وجهه على بعد أنفاس من وجهها، وهمس من بين فكيه: نصك البشري اللي مليان غرور… مش فاهم ليه الغرور ديه كله… دانتو في الآخر تراب يعني ..

نظرت إليه، وابتسامة تهكم ارتسمت على شفتيها، وقالت بثبات موجع: تراب… بس أكرم منكم… الغرور اللي فيكم هو اللي خلاكم ترفضوا تعترفوا إننا أحسن منكم.

قبض على شعرها بعنف، وجذبها بقسوة حتى صرخت الريح، وهدر: هتلاجيني في كل طريج! مستحيل أسمحلك تهزميني… دمك المختوم مش هينفعك… والعجاب هيتعاد.

ثم جرها بعنف نحو التابوت الجليدي من جديد، والجليد يستعد ليبتلع النور مرة أخرى.

على طرف الجبل، حيث الريح تعوي كوحش جريح، كاد قرماس أن ينفجر…
كان غضبه يسير فيه كالبركان، يتقدم خطوة بعد خطوة، والنار تتكسر تحت جلده….

هم بالاندفاع، لكن ناريسا تشبثت به فجأة، قبضت على ذراعه بكل ما أوتيت من قوة، وصاحت بصوت مشحون بالغضب والخوف:إياك تتحرك! فينوار نجحت تستفزه عشان يعيد العجاب…متخربش كل اللي وصلناله يا قرماس!

التفت إليها بعينين تقدحان شررا، وقبض على يدها بعنف حتى تأوهت، وهدر بصوت مكتوم يكاد يمزق صدره: فينوار مرتي دلوق! كيف بدك أهمله يلمس شعرة منيها؟!

تمسكت به ناريسا باستميتة، كأنها تمنع نهاية العالم، وهتفت: خلاص… اهو حطها في التابوت… تمهل… يغور!

ثم أدارت رأسها، وعيناها تلمعان بسحر محموم، ونظرت إلى فينوار الوهم، وقالت بحزم: يلا… همي يا وهم. جومي.

أومأ الوهم، وذابوا في الهواء كالدخان، ليظهروا من جديد فوق قمة الجبل، حيث الحقيقة وحدها تنتظر.

في اللحظة ذاتها، اندفع قرماس بكل ما يملكه من جنون وقوة…. لم ير شيئًا سوى التابوت…

غرز يديه فيه، لا كمن يفتحه، بل كمن يمزق قدر…. انشق الجليد تحت قبضتيه، وسال الدم الأسود من بين أصابعه، كأن الجبل نفسه ينزف.

سقط التابوت للخلف ، وسقطت فينوار بين ذراعيه.

ضمها إلى صدره بعنف مرتعش، كمن يعثر على روحه بعد ضياع، وهمس بصوت مكسور: مولاتي…

تعلقت به فينوار، ودفنت وجهها في عنقه، وانهمرت دموعها على منكبه كاعتراف موجع، وقالت بصوت مبحوح: اللعنة… مربوطة بحياة الملك أورمانتيس يا قرماس.

تجمد الزمن.

تصلبت ناريسا في مكانها، واتسعت عيناها بصدمة صامتة…

أما قرماس، فاسودت عيناه دفعة واحدة، لا غضب هذه المرة، بل قرار يشبه انتزاع الروح من الجسد.

شدها إليه أكثر، وصوته يخرج خشن، قاتم، لا رجعة فيه: روح بروح يا مولاتي… والبادي أظلم.

………

أمام عمارة سوهاج ،

توقفت سيارة فارس…غلي في عروقه لهيب الغيرة الذي يلتهم كل شيء…

بينما حبيبته تنظر من نافذة السيارة بعيون مشتعلة غضب يشبه عواصف حارقه…

ضغط على يدها بقبضة حارة تنبض نبض قلبه الثائر، رفعها لشفتيه وقبلها بحنان يتسلل كعسل مذاب في ليلة صيفية، وغمغم بصوت أجش يقطر دفئاً يلامس روحها: حتة النور بتاعتي.

ارتجفت أطرافها تحت لمسته الساخنة، سحبت يدها بتوتر يهز جسدها كورقة في ريح سحيقة،
وترجلت من السيارة بعصبية تكشف عن براكين داخلية.

ابتسم ابتسامة عبثية مليئة بشرارة العشق ،  همس بصوت يحمل ريحة الرغبة الجامحة: النور متكدر يا جلبي!

ترجل، فتح صندوق السيارة، أخرج الحقيبة بيد قوية تشع حرارة، وأشار برأسه: يلا يا حبة جلبي.

تحركت حبيبته بخطوات عصبية يترنح فيها  الغضب ، وخلفها فارس بخطى سريعة جائعة، عيناه تتجولان على خصرها النحيل الذي يتمايل كغصن لين في ريح ساخنه،

منحنياتها شديدة اللينة التي تشبه منحوتة من لحم ونار، أنوثة قاتلة تثير فيه عواصف الشهوة…

بلل شفتيه بعبث يخفي انفجار داخلياً، هز رأسه محاولاً طرد الشيطان الذي يهمس له، ومسح على وجهه بيد ترتجف كورقة في عاصفة،

يقبض على قبضته بقوة ليقاوم الرغبة الجامحة في تمرير أصابعه على تلك المنحنيات القاتلة، تلك التي تشعل فيه نار تلتهم كل حاجز.

وصلت لباب الشقة، وخلفها مباشرة؛ مد يده، فتح بالمفتاح بسلاسة، دفع الباب بهدوء يخفي توتره الجامح، وقال: خشي يا جلبي.

مدت عنقها الرقيق، ونظرت داخل الشقة بعيون ترقب الظلال، وقالت: إمال نغم وين؟

قطب حاجبيه بدهشة حادة، اقترب حتى يلامس جسدها جسده، ينبعث منه دفء يذيب مسافات، أنفاسه الملتهبه تلامس وجنتها بريحة الشوق المكبوت،

همس في أذنها بنسيم يحمل عبق الرغبة: مالك بنغم وأنا هنه؟ أكيد مبدناش عزول..

شهقت بفزع يقطع الصمت، وصدرها يرتفع ويهبط بسرعة تثير فيه شوق ملتهب،

تراجعت كغزالة مذعورة، رفعت يدها بلطف يحمل تحذير ناعم ترتجف من لمسته، وغمغمت بصوت يذوب في الهواء: فارس احترم..

قطع جملتها بانحناء سريع كصياد يلتهم غنيمته، حملها بين ذراعيه التي تشتعل بحرارة الجسد،

جسدها المرن يلتصق بصدره ينبعث منه عبير الجلد الذي يخترق عقله،

شهقت بلذة مخيفة تحول الفزع إِلى شوق متراكم،
لفت ذراعيها حول عنقه وأصابعها تغرق في شعره، وهتفت بصوت يرتجف من التوتر : لااا فارس!

دلف بها إِلى الداخل، أغلق الباب بقدمه بقوة حاسمة ترجف الجدران، وغمغم بصوت خشن ينفجر منه العشق: خسيت جوي يا جلبي، ديه كلام.

لكزته على منكبه بحنق يشبه قبلة غاضبة ساخنة،
أَظفارها تخدش جلده بلذة مؤلمة، وغمغمت بنفس ثقيل يحمل ريحة شفاها: ملكش صالح يا رخم..

ضحك بمرح طعمه غريب بعد غياب طويل، أنفاسه تضرب وجنتها كنار تشعل الجلد،

تحرك لأقرب أَريكة، وضعها برفق يتدفق فيه بحنان ممزوج بعنف ، يده تتجول ببطء على ظهرها يشعر بدفء جلدها ، وغمغم بشفتين تمسان أذنها: رخم أَيوه… بس بعشجك عينكي..

أسبلت عينيها للأسفل برفق يظهر جرح روحها، تمتمت بصوت مبحوح يمزج الألم بالشوق: عنيه اللي جدرت تبكيها ، ووعيت لجسوتك ، انا حسيت انك وحش هياكلني!!

ابتسم بعبث يخفي نار عشقه الجامح، اقترب ولمس يدها بأصابع حانية تدفئ جلدها البارد، قال بصوت دافئ يتسلل لقلبها: انا وحش… ومتوحش … بس لما احس انك هتبعدي عني… خلاص يا حبي… انا مجدرش اتخيل انك تبعدي عني تاني.

سحبت يدها بتوتر يهز جسدها الناعم، همست وهي تبتعد قليلاً بنفس ثقيل يثير رغبته: لا! مـ مش هبعد… بس!

اقترب أكثر حتى أحاطها بدفئه، وعيناه تلتهم ملامحها المرتعشة الجميلة برقة تسكن روحه، غمغم بشوق يقطر حباً: اوعديني يا حبه جلبي.. اوعديني!

تراجعت لآخر الأريكة، أظفارها تقبض على ذراعها برعب محمل بشوق خفي، ودموعها تنزلق على وجنتيها ملتهبه تشعل فيه رحمة ورغبة، غمغمت بصوت مرتجف يذوب في الهواء: فـ فارس… كفياك … بجد حاسه جلبي هيجف..

قطب حاجبيه بدهشة تقطع الصمت، أمسك يدها الباردة بكف ساخنة يذوبها برودتها ببطء، عيناه تتسعان بذهول وقلق يعصر قلبه، قال بنفس متقطع: مالك يا جلبي؟! ملك هتتنفضي؟ ويدك كي التلچ ليه كده؟”

سحبت يدها سريعاً، غطت وجهها بنحيب يهز الجدران، غمغمت بوجع يقطر من كل كلمة: مـ مجدرش اتحمل!! الحيوان ديه كان كيف الوحش.. لم.

قطع كلماتها فجأة، شهقت بنحيب يفجر الصدر، ضمها فارس لصدره بغضب وقهر يتحولان لحميمية تغمرهما،

تمتمت بصوت يرتعش بعاطفة جامحة: بس يا حبه جلبي… بس حجك عليا… جسم بالله محشني عنك غير الموت… حتي وانا دمي سايح… اخر كلمه كانت لسند اخوي… انك تسامحيني مكتش راچل معاكي.

قبضت على قميصه بقوة تخدش جلده، دموعها تحرق
وجنتيها وتثير فيه شوقاً أعمى ، وبكت كأنها تفرغ خوفها دفعة واحدة،

غمغمت بنار مكبوتة: كنت كيف المغيبه..محستش بحالي غير وانا في الاوضه …كت هموت من الرعب!

تشنج جسده بغضب يغلي في عروقه، لكنه ابتلعه لأجلها، كي لا يفزعها ،احتقنت عيناه بقهر يحرقه من داخل، مسح رأسها بحنان يتدفق كالعسل الساخن،

أنفاسه تلمس وجنتيها، غمغم بصوت متكسر يقطر ندماً وحباً: احب علي يدك… سامحيني… انا حاسس كني خناچر هتخرط في جلبي… انا اول ما فوجت وعرفت اللي حصل …حسيت كني اتشجيت نصين… نص بده يرمح عليكي اخدك في حضني… واطيب چرحك….
ونص يروح يطلع روح ولد الحرام ديه..بس انا خدت منه اللي اغلي من روحه!!

شدها إلى صدره أكثر، كأنه يحاول أن يبني بجسده حصن يحميها من كل ما مضى، ومن كل ما قد يأتي.

تراجعت قليلاً، نظرت إليه بدموع تنهمر على وجنتيها كنهر من الألم المكبوت، غمغمت بصوت يرتجف برفق يذيب القلوب: بدي انسي يا فارس، بدي اعيش في حضنك من غير وجع، من غير خوف… نفسي انسي كل اللي حصل…

انحنى أمامها وجثي على ركبته اليمنى.. حتى صار وجهه يوازي وجهها، نظر إليها بنظرات عاشق طال انتظاره لتلك اللحظة الحميمة، حاوط وجهها بين يديه الساخنتين المرتجفتين، غمغم بصوت متحشرج موجوع: هنسيكي الدنيا واللي فيها… چوه حضني مش هتفتكري غير انك في حضن حبيبك وچوزك اللي بيعشج كل حاچه فيكي حتى عنادك وغيرتك ولما تتخوتي عليا…

ابتسمت بخفوت ممزوجة بالخجل والدموع، غمغمت بصوت خافت: بس يا رخم… انا بتخوت عليك.

ابتسم بعبث ابتسامه نصفها مكسور ونصفها شقي وقال: ايوه… خصوصا لما تغيري… بس عارفه بتبجي كيف النار! بتجيدي جلبي ، وكل حته فيا… بكون بدي امسكك كده واكل كل حته في وشك… مش شفايفك بس!

لكزته بخفة على صدره الصخري، ثم شهقت بفزع، وغمغمت بعينين تلمعان بالرعب: يلهوي الچرح!

لمعت عيناه بخبث يشعل الهواء بينهما، غمغم بصوت يقطر لعب حار: اااه… كل مره كده يا حتة النور توچعيني!

جحظت عيناها برعب ، مررت يدها وفتحت أول زرين من قميصه بأصابع مرتجفة تكشف صدره المشدود، هتفت بفزع : وريني كده… لسه هيوچعك؟!

أومأ برأسه ببراءة مخلوطة بخبث يخدعها بلطف، مرر يده على باقي الأزرار بسرعة ولهفة تثير الحماس، هتف بمرح شهواني: لا بصي… أجلع الجميص كله عشان تتفرجي بكيفك!

نظرت إليه بدهشة وتحول وجهها أحمرار، شهقت بفزع وحاولت إغلاق الأزرار بسرعة، هتفت بتوتر خجول: لالالاا! انا وعتله… خلاص مفيش حاچه، خف خلاص!

هز رأسه بإصرار وخبث يشعل النظرات بينهما، أنزل القميص عن منكبيه كاشف جلده المشدود، هتف بلعب يقطر إثارة: كيف وعتيلوا؟ انتي لحجتي… اكشفي زين يا دكتوره!

شهقت بفزع أعمى، سحبت القميص على منكبيه مرة أخرى بأصابع مرتجفة تلمس جلده بلمسة حارة، هتفت بضحكة مكبوتة: يا نهار أسود! لالالا… البس! انا كشفت والله… خلاص خف، صدجني!

نظر إليها بحنق مصطنع يخفي الحب، هتف بمزح يحمل شوقه: بجي كده؟ وانا اللي فاكرك هتهتمي بيا وتشيليني في عيونك الحلوة ديه… حتى عشان أخف جبل الفرح!

عضت شفتها بخجل يزهر وجهها، بدأت تغلق أزرار القميص بأصابع مرتجفة تلمس صدره برقة تثيره، غمغمت بحب يقطر من كل كلمة: والله زين… لو في حاچه انا ههملك يعني يا حبيبي”.

نظر إليها بعبث يشعل النظرات، قال بصوت يحمل لعب حار: لا… بس انا حاسس بوچع وانتي بتكشفي!

كتمت ضحكتها بصعوبة، وهزت رأسها بالنفي، غمغمت بعينين تلمعان بالحب: لا… زين والله… انت زين!

وبين مزاح خفيف وقلوب ما زالت ترتجف من أثر الألم، كان حضنه يضيق عليها أكثر، لا كقيد، بل كملاذ أخير من كل خوف عرفته يومًا.

مرر اصبعه على شفتيها بعبث عاشق يشعل نار الشوق في عروقها، غمغم بصوت أجش يقطر شهوة مخفية: يعني أو أنا دكتور كت هكشفك عليكي كده… بالعكس أنا هكشف بضمير مش هتلاجيه عند حد… عشان اطمن زين اشاعة وسونار وأجيس النبض في كل مكان… بينبض واللي مش بينبض…

ضحكت بمرح يفيض دفئ يملأ الصاله، وضعت يدها على وجنتها بتفكير يحمل إغراء خفي، قالت بعينين تلمعان فضول مشحون: والمكان اللي مفهوش نبض هينبض كيف يا غالي؟

ضحك بمرح جامح وسحب يدها بلطف يثير قشعريرة، قبل باطنها بحنان عميق يذيب الجدران بين قلبيهما، قال بصوت ينبض حب وحرقة: لاول متحطيش يدك على خدك… كيف المهمومة كده… عشان طول ما أنا بتنفس هحوش عنك الهم بروحي يا حتة النور…

نظرت إليه بدموع تلمع بعينيها كنيران ليلية محترقة، ربتت على وجنته بحب وحنان يعصر الروح، همست بصوت يرتجف بشوق موجوع: ربنا يخليك ليا يا حبيبي… انا والله مكتش عايشة ،وانت كت بعيد عني ، كت كيف الميتة…

بلع فارس غصته بألم يفجر صدره، وهز رأسه بنفي يهز الهواء، اقترب ولثم شفتيها عدة قبل حارة تتصاعد كالعاصفة، وبين كل قبلة يهمسُ بصوت أَجش متقطع: لا متچبيش سيرة الموت أبداً لأجل خاطري… يا حبه جلبي!!

وضعت يدها على صدره الصلب ودفعته بوهن يشوبه رغبة مكبوتة، كادت تنهض فقبض على وجنتيها بقوة الجوع والتهم شفتيها بنهم شهواني ممزوج بشغف وشوق لا يكبح ولا يريد أن يكبحه، أَنفاسه الساخنة تملأ صدرها.

شهقت حبيبه بخجل يتحول إِلى لذة محررة،
دفعته بوهن يشوبه لمسة رقيقة يلتهمها التوتر الحلو،

فصلت شفتيها بصعوبة ونهضت بسرعة، غمغمت بصوت خافت مرتجف يقطر إثارة: فارس بطل … أنا أصلاً كده هتكدر منيك.. أنا…

لعق شفتيه ببطء يتذوق طعم شهد شفتيها المتبقي، علي شفتيه ، ونهض ونظر إليها بنظرات تفضح الحب والحنان الْممزوجين بصبر يحترق، وقال بحنو يدفئ روحها: ماشي… عارف أصلك وفصلك، اهدي وأنا ماشي..

اقتربت منه بلهفة تفضح قلبها ، وتمسكت بذراعه بقوة ، هتفت بعينين ترتجفان بالقلق : استني… نغم مش هنه وأنا أخاف وحدي!

ابتسم بعبث يخفي قوته، قرص وجنتها بإِصبعين بلطف يثير قلقها أكثر ، وقال بثقة يملأها الامان : متخافيش… ادخلي غيري كده ، وهاتي كتبك ،واجعدي ذاكري، وأنا هنزل أچيب عشي في السريع!

تمسكت به بقوة بقلق يعصر قلبها، وهتفت بصوت يهزه الرحمة: لا بجولك هخاف وحدي… أنا معيزاش عشي، أنا هذاكر!

أوما برأسه بحنو، أخرج هاتفه، وقال بصوت يملأ الفضاء دافئا: كيف معيزاش عشي؟ لازم تأكلي زين عشان تركزي يا حبيبي… أنا هرن على أدهم يچيب نغم وعشي، ومش ههملك.

أَومأت برأسها براحة يشوبه الأمان ، وهتفت: طيب… هغير وأچيب الكتب!

اقترب مِن الحقيبة ،وحملها بقوة الحامي، وتحرك بها إِلى الداخل، وهتف بدفء: تعالي يا جلبي!

أومأَت برأْسها وتحركت خلفه بخطى ترتجف توترا، وضع الحقيبة على السرير، تحرك إِلى الخارج وهو يتحدث عبر الهاتف: وينك يا عم؟

رد أدهم بصوت مرح: في السوبر ماركت… أصلك الشجة فاضية يا غالي!

أوما فارس برأْسه ، وخرج من الغرفه، وقال بثقة: طب تعالي… عشان حبيبه عاودت الشجة!!

ضحك أدهم بمرح يفضح السر: ما أنا عارف إنها هتعاود احنا شوية… وهنعاود!

أَغلقت حبيبه الباب بهدوء يخفي ارتجاف جسدها وتوتر روحها المشتعلة، وبدأت بتغيير ملابسها…. بيدين ترتعشان بين الخجل والشوق…وقلب لا يزال ينبض باسمه وحده.

……
في دار السينما المظلمة،

جلس أمير بجانب ريم يتابعان فيلم مرعب اختاره بخبث محبب يخفي نية لعب عاشق…

قرب حبة فشار إلى فمها وهو يكتم ضحكته بصعوبة أمام هيئتها المرتعدة ، واتساع عينيها اللطيفتين كطفلة مذعورة،

همس بصوت يقطر مرح : ريم كلي فشار يا حبيبتي…

فتحت فمها دون وعي ، والتقطت الحبة بشفاه مرتجفة، عيناها لا تزحزح عن الشاشة بطبقة دموع شفافة تلمع في الظلمة،

حتي ظهر مشهد مرعب صرخت ريم صرخة مكتومة تهز الصدر، اندفعت إلى صدر أمير وخبأت وجهها فيه برعب يتحول إلى لذة حميم،

حاوطها بذراعيه بحنان يحمي ويثير، غمغم بصوت عابث يقطر خبثا: متخفيش… ديه مش بياكلوا حجيجي…

هزت رأسها بنفي مرتعش، غمغمت بدموع تسيل حارة: منظر الدم صعب جوي.

مرر يده على ظهرها بعبث يتسلل كنار تحت الجلد، قال بنظرة تلمح الإثارة: ايوه جوي جوي… خليكي كده لحد ما الفيلم يخلص…

شهقت بخجل يحمر وجنتيها، تراجعت للخلف بجسم يرتجف شوقا ورعبا، وغمغمت بصوت خافت: يخربيتك… احنا وسط ناس!

ضحك بمرح يهز صدره، همس بصوت خافت يحمل إغراء: الدنيا ضلمة… هو حد واعي كف يدي؟

ضحكت بخفو ممزوجة بخجل يزهر وجهها، همست بنظرة تلمح الإثارة: بردك ميصحش..

ابتسم بحب يغمر عينيه، مد يده وقبض على يدها، شابك أصابعه بأصابعها بحنان يربط الأرواح،

همس بصوت يقطر عاطفة: طب امسكي يدك أنا… چوزك مش شاجطك… على فكرة…

أومأت برأسها، ضمت أصابعها على أصابعه بقوة الاعتماد، رفع يدها إلى فمه وقبلها قبلة دافئة تتسرب كالعسل، غمغم بشوق: بحبك!

نظرت إليه بدهشة تحول وجهها إلى لوحة رومانسية، قالت بصوت يرتجف حباً: انت غريب جوي!

قطب حاجبه بدهشة حادة تفضح عمق عاطفته، نظر إليها بعينين تحملان الحب والفضول، غمغم بصوت يقطر حنو: غريب ليه يا بطة؟

ترددت قليلاً بجسد يرتجف خجلا ، وقالت بصوت يحمل تفكير ثقيل: بتعبر عن حبك في أي وقت وجدام أي حد… في راچل ممكن يجولوا إن دي راچل خفيف أو شخصية مش جويه”.

ابتسم بحب يغمر وجهه، التقط حبة فشار ووضعها بين شفتيها بلمسة تثير قلبها، قال بثقة تهز القلب: هو أنا لو كتمت مشاعري أو زيفتها أبجي راچل تجيل أو شخصيتي جويه؟ ولا لو عبرت عنه من غير خوف أو اهتمام بعيون ناس متطفلة؟

نظرت إليه بتفكير مثقل بدهشة تذيب الحدود، قالت بصوت يعتريه الإعجاب: اكيد اللي بيعبر وميخفش شخصيته أجوى وشخص واثق من حاله أكتر…

أومأ برأسه بهدوء يحمل حكمة عميقة: هو الحب محتاچ شهادة من الناس؟هو مش استعراض… بس أنا طلما بحبك ليه أخبي؟ محدش له عندي حاچه!

حك جانب فمه بتفكير يفضح عمق روحه، قال بصوت خافت يقطر حبا : في ناس شايفة السكوت وإني أخبي مشاعري جوة .. وناس شايفاه ضعف… بس الحجيجة دايمة وسط دي كله…

مرر يده على وجنتها بحنان يتسرب كنار حارقة، غمغم بصوت أجش : “الچرأة مش في الكلام، الچرأة إن جلبك يفضل صادج… حتى لو محدش صدجه… وأنا حابب أظهر حبي ليكي جدام أي حد عشان أنا صادج مع حالي كيف ما صادج معاكي”.

اقترب منها حتى أحاط عنقها، وقبل رأسها بحنان يذيب الخجل، قال بشغف: وعشان أنا عاشجي حر يا ريم… وبالنسبة لي العشق الحر يكره الجيود”.

حاوطت ذراعه بذراعيها بلمسة حانيه، غمغمت بصوت خافت عشقا : مكتش عارفة إن الدنيا شيلالي كل دي..

مال رأسه على رأسها بحنان يغمرهما، غمغم بهدوء: كل دي اللي هو إيه؟

سندت رأسها على منكبه باستسلام حميم، ردت بصوت متهدج يفضح العاطفة: راچل شبعني وشبع مشاعر وجلبي حب واهتمام بكل التفاصيل… أنا مش مصدجة حالي إني حد يحبني لحد ما أحب حالي معه”.

مد يده إلى ذقنها ورفع وجهها بحنان يربطهما، همس بشوق: لازم تحبي حالك… انتي أحلى بطة في الدنيا…

سندت جبهتها على منكبه بخجل يغمر روحها، همست بلذة: البطة هتحبك جوي..

قبل رأسها بحنان يغمر العالم، قال بحب لا ينتهي: وانا بدوب فيكي بت بطتي!!
…….
صباحا في سرايا الأنصاري…

لم يكن الصباح هادئ كما اعتادت السرايا؛ كان مشحون منذ اللحظة التي دلف فيها دياب إلى البهو.

دخل بخطوات واسعة تضرب الأرض بعنف، وعيناه تشتعلان بغضب حارق، كأن نار قد أوقدت في صدره ولم تجد لها مخرج سوى الصراخ….هدر صوته في أرجاء المكان: فاااااارس وينك يا ولد عاصم!

هبت وهيبة من مجلسها، وتبعها فاطمة وليلة ومريم، وجوه متجمدة بين الدهشة والقلق.

تقدمت وهيبة خطوة، وقلبها يخفق بخوف لم تعهده، وهتفت: وه خير يا واد عمي مالك؟

ضرب دياب على ساقيه بقبضتيه كمن فقد آخر خيوط صبره، وصاح بصوت مبحوح من فرط الغضب: ولدك طلج بتي يا مرت أخوي! من غير سبب، ولا حتى من غير ما يرجعلي! ولا كنه واخدها من الشارع، مش بت عمه وبت رچاله!

تجمد الجميع في أماكنهم، وكأن الكلمات صفعتهم دفعة واحدة.

شهقت ليلة، واتسعت عينا مريم، بينما انخفض صوت وهيبة مرتجف:كيف يا خوي… ومتي؟

التفت إليها دياب، وخرج صوته حاد كحد السيف، يجرح قبل أن يصل: من أول عشيه! البت مكملتش تلات تشهور! وعي منيها إيه شين ولا عفش علشان يطلجها وهي عروسه؟!

رفعت فاطمة يدها في محاولة يائسة لتهدئة العاصفة، والتوتر يعصف بكل خلية فيها: بالهداوه يا ولد عمي، استهدي بالله… يمكن يكونوا ضبوا مع بعض، وزمكها مش طلجها…. حتي هي مشيت لحالها، محدش وعيلها.

لكن غضب دياب لم يعرف طريق للسكوت……صرخ كالموج الصارخ حين يضرب الصخر بلا رحمة: البت حدانا من أول عشيه! كنت بحسبها چايه زياره وتفسح واتوحشتنا! بس لقيتها ولا واكله ولا شارب، كيف الورده اللي اداست بالمداس! ولما أسألها، تجولي الغالي طلجني واحنا مش متفاهمين! كيف يعني؟! هما لحجوا يتفاهموا ولا يعرفوا بعضهم؟!

انهارت وهيبة من الداخل، وبلعت غصتها بصعوبة، وخرج صوتها مخنوق بنحيب موجوع: بجولك يا ولد عمي… الغالي ملهوش ذنب….أنا اللي غصبت عليا يچي علي إيمان… بس الولد كتر خيره لحد كده… حجك عليا يا ولد عمي. الغلطة ديه في رجبتي، سامحني.

ضحك دياب ضحكة قصيرة، لكنها كانت مرة كالسم، وهدر: لا كتر خيركم والله! احنا ناخد بتكم تتهني، وانتو تعودي بتي بعد تلات تشهور مطلجه، وولدك مشنيع بيها، وتجوليلي غلطتي أنا؟!

اقترب منها بخطوات غاضبة مشتعلة، حتى بدا صوته يخرج من صدره وكأنه حكم لا رجعة فيه: لو ولدك معودش بتي ورد اعتبارها، هعودلكم بتكم جبل، حتي ما تكمل التلات تشهور.

سقط الصمت بعدها ثقيل…صمت يعرف الجميع أنه ليس نهاية الكلام، بل بداية وجع أطول.

ساد الصمت بهو السرايا، صمت تقيل كأنه نذير حرب.
شهقت ليلة، ووضعت مريم يدها على فمها بذهول، بينما انكمشت فاطمة في مكانها وكأن الكلمات نزلت عليها سياط.

هتفت وهيبة وهي تتقدم خطوة ودموعها بتلمع في عينيها: دياب… بالله عليك اهدا، احنا أهل، واللي بينا دم وملح.

لف دياب وشهق لها بحدة، وعينيه حمرا من الغضب: الدم ده اللي وچعني يا وهيبة… الدم اللي خلى فارس يكسر ظهر بتي ويرجعها مكسورة من غير كلمة، من غير سبب.

تجمدت وهيبة وفاطمة بذهول، وجوههما مزيج من الغضب والرهبة، كأن الهواء نفسه صار ثقيلاً فوق صدورهن. فجأة، شق الصمت صوت غاضب صادم يزلزل الجدران:براوه يا ولد الأنصاري! والله وخلفت رچله تهدد بخراب البيوت يا رماح!

التفتت الرؤوس جميعًا نحو الدرج حيث يقف رماح، عيناه تتأجج نار، وابتسامة حادة تكاد تفضح غضبه الكامن. هدر بصوته بحدة: اشمعنا بيت بتي يتخرب يا أبوي؟ هي بتهم زيادة عن بتي؟ في إيه؟

اقترب رماح من دياب بخطوات سريعة، الغضب يلهب جلده، وعكازه يطرق صدره كضربة حزم لا ترد. هدر بصوت مزلزل: هتفها لفوج هتندل على خلقتك! هتفها لتحت في عبك يا حزين… بتك وبت أخوك؟ إيه؟ مش واحد؟ يا واكل ناسك! ياريتها بركت عليك، ولا كت خليفة خلفه مجندلة على راسك ورأس أبوك!

تراجع دياب خطوة إلى الخلف، يداه تدلك صدره من فرط الغضب والارتباك، صوته خرج محمل بالاتهام والمرارة: طول عمرك شايل عاصم في عينك… وأنا
شايلني على راسك وزاعج! ولوق بردك هتفرج بين ولدي وولده ليه؟ هو أنا مش ولدك عاد؟

ارتجف جسد رماح من شدة الغضب، وارتعشت ملامح وجهه حتى بدت تجاعيده شاهدة على سنوات من الحرمان والعذاب….هدر بصوت يخترق الصمت، كل كلمة كالسيف: انت جلبك أكحل… سواده مغطي على خلجتك! يخشوه باللندة… اش جابك انت لعاصم؟ ولا فهمي غور جاك الطين؟ وتهمل بت أخوك وچوزها سرهم هادي؟!

الهدير تلاعب بالهواء، وكأن البهو نفسه يتنفس الخوف، وكل من في السرايا شعر بثقل الصمت بعد انفجار الكلمات، كأن الرعد قد ضرب القلوب قبل الأستماع.

دلف أدهم إلى بهو السرايا بخطوات مشتعلة، كل خطوة كأنها نار تتوهج على الأرض، وعيناه تلمعان بسواد مرعب يغشي القلب… هتف بصوت يقطر تحدي وغضب: إيه الحديث ده يا أبوي؟ صح اللي هتجولوا أمي ديه!

التفت دياب إليه بغضب كالصواعق، صوته يهدر كحد السيف: ايوه صح… لازم تطلج نغم! كيف الغالي ما طلج خيتك؟

أسودت عينا أدهم بسواد مرعب، وصوته خرج مبحوح كغليان الجمر: ديه… لو السماء اتهدت على الأرض حته حته… مش هطلج مرتي… ولو على رجبتي!

غمغمت وهيبة بدموع تنهمر كالسيل على وجنتيها: ربنا ينچيك يا ولدي… ويكملك بعجلك.

صاح دياب بغضب يفجر المكان:انت إيه اللي هيمشي في عروجك ديه؟ سم زعاف ولا سم تعبان غدار؟ لأول غدارت بخيك ودلوق خيتك يا غدار!

ضحك أدهم بغضب يختلط بالحزن، صوته يهدر كالرعد:
أنا مش غدار… رماح كان عارف زين إني هحب نغم… وهي هتحبني… ودخل بناتنا وكان بده يحرج جلبي عليها… وإيمان كان عارفه أن الغالي هيحب بت العزيزي… وبردك… وافجت بعجل شارد ودرت حالها بيدها.

صاح دياب بغضب متصاعد: لو مطلختهش يا ولد المركوب أنت … يبجي ولا أنت ولدي ولا بدي أعرفك… وتهمل البيت وتغور بيها!

فتح أدهم فمه، لكن صوت رماح الغاضب انبعث كالشرر بين الحجارة المتصادمة، مزق الصمت : يبجي تغور انت… أدهم النضيف اللي فيكم… تعالي يا ولدي… خد دور چار خواتك… وهمله ليهم مخضره!

هز أدهم رأسه بالنفي بثقة صاعقة، صوته خافت لكنه حازم: أنا عندي بدل البيت فيلا في أول البلد… يا چدي، مش محتاچ لحد ولا بيوت حد… بس كت هستني ربنا يفكها… وهنجل فيها… ونغم تدخل فيها عروسه.

نظر له دياب بغضب شديد، ثم انصرف بخطوات مشتعلة، كل خطوة كأنها نار تحرق الأرض خلفه.

نظر أدهم خلفه، الغضب يختلط بالحزن، ثم خرج بخطوات سريعة، صوته وصدى خطواته يتركان أثر في بهو السرايا.

سقطت وهيبة على الأريكة، يداها تمسكان رأسها، والهم يثقل قلبها كأنه لا نهاية له، والدموع تتساقط بلا رحمة على ماضي مليء بالصراعات والأسرار.
………….

صباحا، في شقة سوهاج،

استيقظت حبيبه على صوت رنين الباب كجرس يقطع خيوط هدوء الصباح، شعرت بثقل يغمر جسدها وألم حاد يسري في كل عروقها، والدوار يلفح رأسها بعنف كنسيم حارق….

جلست على حافة السرير لبرهة، أنفاسها تختنق تحت وطأة التعب، تحاول استجماع قوتها، حتى هدأ الدوار قليلاً. أغمضت عينيها متألمة، همست بصوت مبحوح:
ااااه… منيها الدوخه الصعبه ديه…

في الغرفة الأخرى،

نهضت نغم بفزع، اتسعت عيونها بدهشة ، وهمست بصوت مرتجف: ايوه حاضر… الصبر!

قفزت من السرير كأن قدماها تحملها على جناحين، ركضت نحو الباب وفتحته بسرعة،

لتجد فارس يقف هناك، عينيه مشتعلة بحنق، وهتف بصوت يقطر اندفاع : في ايه؟ نعسنين على ودناكم يا نغم!

هزت نغم رأسها بالنفي، وصوتها المبحوح يتردد في الصباح: لا يا اخوي… احنا نعسنا الصبح والله من ساعتين زمن…. بس.

أومأ برأسه، عيناه تحملان مزيج من الدهشة والحزم: ليه كل ديه المذاكرة؟ ليه مش بدكم صحتكم؟

هزت نغم رأسها مجدد، بلهفة وحرص على توضيح الأمر: يا اخوي… الترم ضاع، بدأنا نلموا المواد.

في تلك اللحظة خرجت حبيبه، ابتسامة ساحرة تشق وجهها، لكنها سرعان ما ماتت على شفتيها حين وقعت عينيها علي صندوق صغير ولوح تثبيت تعرفه جيدًا، خفق قلبها بسرعة، ولمعت عينيها برعب وحذر.

تجمد المكان، وحمل الهواء ثقل الصدمة والرهبة، كما لو أن كل نفس فيه مشحون بعاصفة من القلق والحذر.

اندفع فارس نحوها، خطواته متلاحقة كنبضات قلب مشتعل، قبض على يدها بحنان غارق في الخوف، وخرج صوته متقطع لكنه مشحون بالعاطفة: مالك يا جلبي؟ وشك اصفر ليه؟

أمعنت حبيبه عينيها على الصندوق ولوح التثبيت، الرعب يلتصق بكل تفاصيل وجهها، وهمست بارتجاف يكاد يسمع صداه: ايه ديه… أوع تكون…

قطب حاجبه فارس بدهشة، رفع الصندوق بين يديه وكأن يديه تحميها من أي شر محتمل، وقال بحزم ممزوج بالدفء: ديه الضفدع يا حبيبه… مش كتي، بدك اساعدك؟

جحظت عيناها من مزيج الرعب والاشمئزاز، وتراجعت نغم برعب، يديها ترتعشان على فمها، همست بصوت كاد يختنق: استني يا خوي… والنبي… مطلعه من العلبة غير لما اندل للكليه… ليفط عليا… والنبي يا غالي.

نظر لها فارس بدهشة، عينيه تتفحصها، صوته يتشبع بالحنو والفضول: انت عندك حاچة مهمة النهاردة؟

أومأت برأسها، كأنها تثقل كاهل القرار على قلبها الصغير، وقالت بصوت مرتجف لكنه حازم:ايوه… لازمن اروح.

ركضت نحو الداخل، تهتف بسرعة، كأن كل لحظة تأخير ستغرس في قلبها مزيد من الخوف: هروح أغير بسرعة!

وقف فارس للحظة، عيناه تتابعها بدهشة، مستعدًا لأي طارئ، كأن قلبه أصبح مرآة لكل شعور يمر بها، وكل نفس منها أصبح له صدى داخل صدره.

تجسد الجو في الغرفة بثقل هادئ مشحون بالحب والحرص، تحرك فارس بخطوات مطمئنة ووضع الصندوق واللوح والحقيبة الصغيرة على طاولة السفرة، وخرج صوته بنبرة حازمة وحنونة معًا: بصي… متفتحيش العلبة لحد ما أعاود

أومأت حبيبه برأسها، صوتها خافت مرتجف كنبض القلب أمام أول وهلة خوف: أنا مش هجرب أبدًا… وانا مستغنية عن روحي، إياك.

ضحك فارس بمرح يغمر الصاله دفئ، وقال: ليه الضفدع هيعملك إيه يا جلبي؟

فركت حبيبه يديها ببعض بتوتر، وعينيها تتسعان من رهبة طفلة صغيرة: هيفط عليا… وانا جلبي يجف من الخوف.

اقترب فارس منها بحنان، عينيه تموج بالدفء، وهمس بصوت رخيم ممتزج بالشغف: لا يا حتة النور… هو بس ينضر الچمال ديه والنور ديه… وهو يتسمر، ولا يفط ولا ينط.

ابتسمت له بحل خالص، وهمست بلهفة: طب روح… وصل نغم، وأنا هحضرلك فطور عشان نركز زين.

أومأ فارس برأسه بسعادة، رفع يدها إلى فمه وقبلها مرار وتكرار بحنان يذوب معه كل شحوب الصباح، وقال بشغف: أخيرًا… هاكل من اليدين اللي كيف الحرير السايح دول… أنا هطير طيرنا.

ابتسمت خجلاً وسحبت يدها، وصوت نغم من الداخل يقطع اللحظة: أنا هندلي اهو.

أشار لها فارس برأسه، وقال بحب ودفء: يلا يا حبيبتي.

أشارت نغم بدهشة مختلطة بالخجل، همست بصوت مرتجف: خليك يا أخوي… أنا هروح مواصلات.

رفع فارس حاجبيه بحدة تحمل الحماية والحرص، وصوته يقطع الهواء كهمس الريح الحنون: قدامي يا بت… بلا مواصلات.

انحنى فارس قليلاً، عينيه تفيض حنان، وصوته يشوبه دفء يذيب أي خوف: بدك حاچه يا حبة جلبي؟!

هزت رأسها بالنفي، وهمست بصوت يرتجف بالحب والوله: سلامتك يا حبيبي… سوج على مهلك… بلاش تطير طيرنا كيف ما هتجول.

ابتسمت له بخجل ممزوج بالعشق، فاقترب منها بعشق يزلزل القلب، وقال بابتسامة دافئة تحمل كل الحنان المخبأ: من عنيه.

ثم انصرف بخطوات سريعة وراء نغم، كأن الريح ترافقه، وترك خلفه في الشقه بخوف عميق، ودفء يشق الصمت، كأن حضوره وحده يملأ كل الزوايا بالطمأنينة والحنان.

دخلت حبييه كنسيم الصباح المتعطر بالحب، بخفه الحوريات ، كل حركة منها تتراقص برقة أنثوية تأسر العين والروح،

وبدأت تحضر الإفطار بعناية تشبه لمسة العاشقة، وكأن كل لقمة تعدها تحمل دفء قلبها المترقب….

مر الوقت بصمت حميم، حتى اكتمل الفطار، فبدأت تخرج الأطباق وتضعها على مائدة السفرة بلطف يفضح شوقها، لكن عينيها لم تفارقا الصندوق المثير للرعب والاشمئزاز،

دفعت الصندوق بأطراف أصابعها بحذر شديد إلى زاوية المائدة، غمغمت بارتعاش يهز جسدها: ياربي… متى أخلص من الهم والجرف دي؟!

دقّ الباب برنة قصيرة كنبض القلب المرتجف، فالتفتت بخفة واندفعت تفتح،

وإذا بفارس واقف أمامها بعيون تحمل مزيج من الحنو والحنان المتعطر بالشو، قال بخفة وحرارة تذيب المسافات: أتاخرت عليكي؟

هزت رأسها بالنفي الرقيق، وهمست بصوت خافت متردد يقطر حباً: لا يا حبيبي… أنا حضرت الفطور…

دخل فارس وأغلق الباب خلفه بحسم حامي، نظرت إليه حبيبته وأشارت بابتسامة صغيرة تفضح السعادة: هچيب آخر طبجين…

أومأ لها وهو يقترب، صوته يحمل حرارة الدعابة العاشقة: اچي أساعدك؟

هزت رأسها بالنفي، هتفت بخفة ترقص القلب: لا… اجعد بس هما طبجين!

ابتسم بخفة، وتحرك خلفها بخطوات سريعة جائعة، هتف مازح بعبث : وماله… انتي طبج ، وأنا طبج.

ضحكت حبيبته بمرح يملأ المكان ضياء، التقطت الطبقين وعادت إليه، فأخذ منها واحداً وهتف بحيوِية: يلا يا جلبي.

أومأت برأسها، وعادا إلى السفرة، جلسا معاً في حميمية تغمرهما،

رفع فارس لقمة وغمزها بطبق الفول، تناولها بلهفة ممزوجة بسعادة تفضح الجوع لها، غمغم بلذة: والنعم… مفيش فول حلو كده…

ابتسمت حبيبته ابتسامة أرق من ضوء الصباح المتسلل بخجل، قالت بصوت خافت يقطر حب: بكاش جوي… هو أنا كت دمسته دي فول علب يا غالي… وأنا يدوب فضيته من العلبة ،وحوچت وسخنته بس!!

أومأ فارس برأسه بحب يغمر عينيه، ومد يده إليها بلقمة غمسها في الفول، قال بابتسامة دافئة تذيب القلب: يعني انتي اللي حطيتي له الطعم… چربي كده فضية من العلبة وكلي طوالي، هتلاچيه ملهوش طعم أبداً..

التقطت اللقمة منه، مضغتها بهدوء رقيق، ردت بابتسامة خجولة تفضح السعادة: ماشي يا بكاش!!

استمر فارس في تناول الطعام بنهم مختلط بسعادة تشبه جوع عاشق طال غيابه،

وكأنه لم يذق طعاماً منذ سنين، وحبيبه تراقبه بحنان يغمر عينيها نار وشوق جامحة،

وبين كل لقمة ولقمة يطعمها لقمة تقطر رغبة صارخة، حتى تلك الزيتونة يتقاسمانها بشفاه تلتقي كل منهما النصف بلهفة تثير الجسد وكذلك البيضة نصف في فم فارس والنصف الآخر يدسه في فم حبيبه ،

بأصابع تدخل بين شفتيها مع نظرة نارية تحرق الهواء، هي تفتحهما برقة مستسلمة وتتناول الطعام من يده فيعتمد أن يلمس أطراف شفتيها بأصابعه ويداعبها بشغف لا حدود له …

يجعل شفتيها ترتجفان تحت يده كأوراق في عاصفة الرغبة المتفجرة….

حتى انزلقت تلك القطرة الحليب العنيدة على زاوية ثغرها الشهي المتمايل،

اسودت عيناه برغبة تحرق أوردته وتشعل كل خلية، نهض وانحنى عليها بجوع شهواني لا يرحم…

تراجعت حبيبه بتوتر يهز جسمها كالبرق، رفعت رأسها بدهشة تفضح الإثارة الجامحة، همست بصوت خافت مرتجف: في إيه؟

لكنه لم يهملها فرصة واحدة، هبط على شفتيها ولعق قطرة الحليب بوله ممزوج بشغف مهووس يأكل الحدود،

همس بصوت أجش يقطر عشق ورغبه : نجطة حليب على شفايفك… فرصة مجدرش أفوتها..

وضعت يدها على صدره الصخري ودفعته بوهن يشوبه خجل ولذة متفجرة،

نهضت بسرعة وجسدها يرتجف إثارة، هتفت بصوت مرتجف يفضح الحرب الداخلية: أوع يلا كفاية… شبعت أيوه يلا نذاكر!

أشار إليها بيده بهدوء يخفي الجوع ، قال بحنو : تمام… تعالي نذاكر…

أومأت برأسها وهي ترفع الأطباق بيدين مرتجفتين، قالت بصوت يرتجف توترا: هشيل الأكل ، وانت ثبت الضفدع…

أومأ برأسه وتحرك إلى الصندوق بخطوات حاسمة، تحركت حبيبه إلى المطبخ وعادت بعد لحظات، كان فارس قد ثبت الضفدع على لوح التثبيت بالدبابيس المخصصة بدقة.

قطبت حاجبيها بِاشمئزاز ورعب يهز جسدها، وقفت خلف فارس، وغمغمت بصوت مرتجف: ثبته زين…والنبي يا حبيبي!

أوما برأسه ونظر إليها بدهشة حادة، وقال بنبرة تحمل غيرة مشتعله : أمال مين اللي كان يثبته ليكي الأول؟

نظرت إليه بتوتر يعصر قلبها، وهمست بصوت خافت: أي حد من زميلي… ومرة الدكتور بتاع المادة…

شبت نار الغيرة في عينيه كجمرة تحرق الأعصاب، وهدر بغضب يهز الهواء: ايوه طبعا… كله ما بيصدج يخدم… كفاية يكلمك ويجف چارك!!

هزت رأسها بنفي قاطع، وردت بنبرة حاولت جعلها هادئة لكنها ترتجف رغما عنها: لا… انا بخاف وبجرف منه… ومكنتش بطلب من حد بس.

قطع جملتها بصوت حاد يقطع النفس يشعل بالغيرة: مش هتحتاچي تطلبي يا أختي… وتعالي ركزي معايا وكفاياكي حرجتي دمي عالصبح.

اقتربت قليلا ووقفت خلفه، قبضت على تيشرته بأَظفار مرْتجفة وهي تنظر إِلى الضفدع باشمئزاز ورعب يجعل جِلدها يقشعر، التقط فارس المشرط ومده لها، وقال بصوت حاد مشحون بالغيرة : يلا يا حبه جلبي… امسكي

نظرت إليه بدموع تلمع بعينيها، وزغت عيناها برعب لذيذ يثير الجنون،

قطب حاجبيه بدهشة حادة، غمغم بصوت يقطر قلقا وذهول: حبيبه… انتي مكتيش تشرحي بردك صح؟

هزت رأسها بيأْس بالإِيجاب ببطء بأَنفاس لاهثة تفضح الرعب المكبوت ، وهمست بصوت مرتجف: بجرف يا حبيبي…

أغمض عينيه بدهشة وغضب يحْرق أَعصابه، هدر بصوت يهز الجدران: كيف يعني… كنتي تعدي كيف في الماده؟

رمشت بعينيها تخشى الإِجابة على هذا السؤال المخيف، تحاول أن تهرب من وقع السؤال،

لكن فارس لم يكن بحاجة إلى إجابة كل شيء وضح أَمامه من يستطيع مقاومة تلك العيون اللامعه بالدموع والرعب اللذيذ المثير ،

الذي يجعله هو أيضا لا يستطيع تحمل تلك الرقة والجمال والقلب الحنون،

قبض على ذراعها بعنف وسحبها إِليه حتي اصطدمت بصدره الصخري ، وهدر من بين فكيه بغضب وغيرة تحْرق الصدر: والنعم يا حبيبه… لو كررتي الحركه دي وخليتي حد يساعدك تاني… ولا حد يوعي النظره ديه في عيونك… لكنه شاجك نصين كيف الضفدع دي!!

شهقت بفزع يهز جسدها، وضعت يدها على صدره، غمغمت بدموع تسيل حارة: لالالاا… مش هكلم حد ابدا… هتعلم منيك واتجل جلبي… اهدي حبيبي…

زفر بحنق يحْرق روحه، وترك ذراعيها بتردد ونظر إليها بغيرة تنزف دما من قلبه،

والتقط المشرط وبدأ يشرح نظريا أَولًا.
اقترب، وأشار إلي بطن الضفدع، قال بصوت منخفض: بصي… التشريح مش جسوة، هو فهم… لو فهمتي مش هتخافي…

ناولها المشرط، والتقطته منه بتوتر، لم يخفي عنها…
أشار باصبعه فقط وقال: ابدئي من هنه… الشج البطني الطولي. خفيف، مبدناش نضر الأعضاء…

أومأت برأسها بتردد وهي تستمع للشرح بانتباه كامل…
مال قليلاً وهو يشرح: ديه التجوِيف البطني… أول ما تفتحيه هتشوفي الكبد؟ والجلب بردك… جلب ثلاثي الحچرات، أذينين وبطن واحد..

ابتلعت ريقها، وصوتها يخرج خافت كهمس نسيم مرتعش بين أغصان الأشجار: خايفه… أوچعه.

ابتسم دون أن ينظر إليها، كأنه يطمئن العالم كله قبل أن يطمئنها: لا… مش هيِتوچع.

أشار إلى الجزء العلوي من الضفدع، صوته ينضح هدوء لكنه محمل بالجدية: وهنه الرئتين… بس خلي بالك، الضفدع بيتنفس بردك عن طريق الچلد… عشان كده جلده دايما رطب.

نظر إليها أخيرًا، وعيناه تختلط فيهما الحزم والحنان، وصوته خافت لكنه واثق: المعدة هنه… بعدها الأمعاء الدقيقة، وبعدين الغليظة…ركزي في الترتيب، التشريح خريطة مش أسماء.

كانت تسمع صوته أكثر من أنها تسمع نفسها، وكل حرف منه ينسخ الرهبة من قلبها، الخوف ينسحب ببطء كما لو لم يكن يوما موجود، تارك وراءه فضاء خافت من الفضول والرهبة المختلطة.

قال وهو يقرب لوح التثبيت قليلًا، صوته يلامس مسامعها برقة مشوبة بالحزم: لو سألك الدكتور، جولي إنك فهمتي الوظيفة، جبل الشكل… دي أجوى إجابة.

مسك يدها، وسحبها قليلًا، وحاول أن يجعل صوته مطمئن، لكنه ما زال يخترقه توتره الخفي: بصيلي… ركزي معايا، عدي المشرط بهدوء… شق بسيط، مفيش حاجة تجلج…

مدت يدها، والمشرط ارتعش بين أصابعها، كأنه يلتقط خوفها ويضاعفه، يردد صدى رعبها في الهواء…

بدأت تمرره ببطء، وفي لحظة خاطفة، قفز سائل فجائي، بارد ولزج، ارتطم بوجهها كصفعة غير متوقعة، توقظ كل إحساس مختبئ في جسدها…

تجمدت اللحظة حولها… شهقت بعنف، اتسعت عيناها، وانقلبت معدتها دفعة واحدة، كأنها اكتشفت فجأة أن العالم قد تغير…

تراجعت خطوة، ثم أخرى، ورفعت يدها إلى فمها بلا وعي، وغمغمت: لا… لا… أنا مجدرش!

خرج صوتها مبحوح، مكسور، يتردد بين الجدران، كأن قلبها يتفتت مع كل همسة.

اندفعت تركض، خطواتها متعثرة، كأن الأرض نفسها قد نسيت ثقلها…

المرحاض صار أقرب ملاذ، وأقسى مواجهة، حيث يمكنها أن تواجه الرعب الذي التهم كل جزء من جسدها وعقلها، والرعب الذي لا يستطيع أي كلام أن يخففه إلا صدى صوته القريب…

صرخ فارس وهو يركض خلفها، والخوف يسبقه كظل أسود يبتلع المسافة بينهما…

كادت تغلق الباب، لكن قدمه كانت أسرع؛ أوقفه بقوة اندفاعه، ودخل معها في اللحظة نفسها، كأن الفاصل بين العالمين لم يعد موجود.

انحنت فوق المرحاض، جسدها كله يرتجف بعنف، وهي تفرغ ما في معدتها، لا طعام فقط، بل رعب مكبوت، وارتعاش ظل حبيس صدرها طويلًا…

كانت تتقيأ وكأنها تتخلص من الخوف دفعة واحدة، من صورة لم تحتملها روحها…

انحنى فارس عليها دون تردد، وضمها، وضع يده على معدتها، وأسند جسدها المرتعش بلا لحظة اشمئزاز، بلا حساب لأي شيء آخر…

أسندها بحذر بالغ، كأنها من زجاج هش، كأنها قد تنكسر إن ارتجفت أكثر..

ضمها إلى صدره غير آبه بتشيرته الذي تلطخت، ولا بالعالم كله… لم يكن يرى إلا حبيبة، موجوعة، ضعيفة، تتداعى بين يديه…

حركها بهدوء نحو الحوض، فتح صنبور الماء، وبدأ يمسح فمها ووجهها بقطرات خفيفة، كأنه يخشى أن يؤلمها حتى بالماء….

وقال بصوت منخفض، مكسور، تتساقط كلماته كأنها اعتراف: خلاص… خلاص يا حبيبة… أنا معاكي يا حبة جلبي، مفيش حاچة… ديه طبيعي… متخفيش…

رفعت رأسها ببطء، ونظرت إليه… كان وجهها شاحب على غير عادته، عيناها تائهتان، وأنفاسها قصيرة، متقطعة، كأن صدرها لم يعد يتسع للهواء…

همست بصوت واهن: ااااه يا فارس… أنا دايخة جوي…
لم تكمل.

تراخى جسدها فجأة، وانسحب منها الثقل كليا، وسقطت بين ذراعيه بلا مقاومة، كأنها قررت أخيرًا أن تثق… وأن تسقط.

اتسعت عيناه في ذهول، وهو يشعر بقلبه يهوي في صدره سقوط حر…

صرخ باسمها بفزع مجنون، صوت رجل يرى حياته كلها تتهاوى أمام عينيه: حبـــــــيبه! لا… لا… فوجب! بصي لي!

التقطها قبل أن تلامس الأرض، شدها إلى صدره بقوة، أسند رأسها على صدره، ويده الأخرى ترتجف وهو يهزها بخفة يائسة… وصاح برعب : لأجل خاطري يا روحي… لأجل خاطري ما تعمليش في كده… أنا ما استحملش…

كان صوته مخنوق، عاري من أي تماسك، لا قوة فيه ولا ادعاء…

قرب وجهه من وجهها، أنفاسه تختلط بأنفاسها، وقلبه يقرع بجانب صدرها كأنه سينتزع من مكانه ويلتصق بها، كأنه يريد أن يوقظها بنبضه…

حملها بين ذراعيه، جسدها ساكن على غير عادته، وخرج بها من المرحاض مسرعا، والعالم من حوله يبهت، وكل ما فيه يتقلص إلى فكرة واحدة لا غير: أن تبقى… فقط تبقى

ووووووووووووووووووو

تواقعتكم ي سكاكررررر

ساحره القلم ساره احمد

4.1 334 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
329 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
Imen kraoua
Imen kraoua
8 أيام

الجمال كله وصل 💙💙💙

Yomna
Yomna
8 أيام
ردّ على  Imen kraoua

تسلمي يا حبيبتي ♥️

Imen kraoua
Imen kraoua
8 أيام

تسلم ايديكي مقدما يا سارة أكيد بارت عظمة 🔥♥️♥️

Yomna
Yomna
8 أيام
ردّ على  Imen kraoua

تسلمي يا قمر ❤️

مروة البحيرى
مروة البحيرى
8 أيام

روووووعة ♥️♥️❤️ تسلم ايدك يا قمر ♥️❤️❤️❤️

Yomna
Yomna
8 أيام

تسلمي يا قمر ❤️

ضيف
ضيف
8 أيام

تسلم الايادي

Yomna
Yomna
8 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا حبيبتي ♥️

Mona Mohamed
Mona Mohamed
8 أيام

تحفه

Yomna
Yomna
8 أيام
ردّ على  Mona Mohamed

تسلمي يا قمر ❤️

nadda
nadda
8 أيام

تووووحفههه❤❤❤

Yomna
Yomna
8 أيام
ردّ على  nadda

تسلمي يا حبيبتي ♥️

Esraa
Esraa
8 أيام

الله يعينك يا حبيبة ضفاااع 😂😂

Yomna
Yomna
8 أيام
ردّ على  Esraa

😂😂😂😂

ضيف
ضيف
8 أيام

وكمان دكتور تشريح

Yomna
Yomna
8 أيام
ردّ على  ضيف

😂😂

نور عبدالعزيز
نور عبدالعزيز
8 أيام

تحفه يا قلبي

Yomna
Yomna
8 أيام

تسلمي يا قمر ❤️

ضيف
ضيف
8 أيام

توووووحفه

Yomna
Yomna
8 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا حبيبتي ♥️

ضيف
ضيف
8 أيام

تحفة

Yomna
Yomna
8 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ❤️

Mona Zaghlol
Mona Zaghlol
8 أيام

❤️❤️❤️❤️

Yomna
Yomna
8 أيام
ردّ على  Mona Zaghlol

♥️

أم عمار
أم عمار
8 أيام

حلويات ❤️❤️❤️❤️

Yomna
Yomna
8 أيام
ردّ على  أم عمار

حلاوة عيونك ♥️

ضيف
ضيف
8 أيام

تسلم ايدك حبيبتى

Yomna
Yomna
8 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ❤️

روان
روان
8 أيام

تحفة تسلم ايدك يا سارة❤️

Yomna
Yomna
8 أيام
ردّ على  روان

تسلمي يا قمر ❤️

ضيف
ضيف
8 أيام

تسلمي يا قمر

Yomna
Yomna
8 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا حبيبتي ♥️

جنة
جنة
8 أيام

البارت تحفه تحفه تحفه ❤❤❤

Yomna
Yomna
8 أيام
ردّ على  جنة

تسلمي يا حبيبتي ♥️

Salma Mohamed
Salma Mohamed
8 أيام

تسلم ايدك روعه ❤️

Yomna
Yomna
8 أيام
ردّ على  Salma Mohamed

تسلمي يا حبيبتي ♥️

ندي
ندي
8 أيام

روعة

Yomna
Yomna
8 أيام
ردّ على  ندي

تسلمي يا قمر ❤️

Doaa
Doaa
8 أيام

خطيره

Yomna
Yomna
8 أيام
ردّ على  Doaa

تسلمي يا حبيبتي ♥️

Doaa
Doaa
8 أيام

To7faaaaaa♥️♥️♥️♥️♥️♥️🥱

Yomna
Yomna
8 أيام
ردّ على  Doaa

تسلمي يا قمر ❤️

ضيف
ضيف
8 أيام

تحفه تسلم الأيادي ♥️♥️💋💋

Yomna
Yomna
8 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا حبيبتي ♥️

ضيف
ضيف
8 أيام

تحفه يا سووووو يالهوي عليا شكلها حامل

Yomna
Yomna
8 أيام
ردّ على  ضيف

هنشوف ي حبيبتي ♥️

ضيف
ضيف
8 أيام

البارت تحفه بجد

Yomna
Yomna
8 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا حبيبتي ♥️

ضيف
ضيف
8 أيام

تحفة تسلم ايدك ❤️

Yomna
Yomna
8 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا حبيبتي ♥️

Aml Mahmoud
Aml Mahmoud
8 أيام

تحفه يا سوو كالعاده 💜💜

Yomna
Yomna
8 أيام
ردّ على  Aml Mahmoud

تسلمي يا قمر ❤️

ضيف
ضيف
8 أيام

جميله جدا مبروك على الكتاب الجديد يا حبيبتي من نجاح لنجاح ان شاء الله ♥️♥️♥️♥️👍👍👍👍

Yomna
Yomna
8 أيام
ردّ على  ضيف

الله يبارك فيكي ي حبيبتي ♥️

ريما محمد
ريما محمد
8 أيام

تسلم ايدك يا ساره رغم التوتر عندك علشان حفل التوقيع بكره لكن قدمتي بارت عظمه

Yomna
Yomna
8 أيام
ردّ على  ريما محمد

تسلمي يقلبي دعواتك بتيسير اليوم يارب♥️♥️♥️

Tota
Tota
8 أيام

تحفه اوي تسلم ايدك ♥️♥️♥️♥️

Yomna
Yomna
8 أيام
ردّ على  Tota

تسلمي يا حبيبتي ♥️

Salma said
Salma said
8 أيام

تسلم ايدك ♥️😘

Yomna
Yomna
8 أيام
ردّ على  Salma said

تسلمي يا قمر ❤️

ضيف
ضيف
8 أيام

رووووعة

Yomna
Yomna
8 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا حبيبتي ♥️

هبه
هبه
8 أيام

تحفه

Yomna
Yomna
8 أيام
ردّ على  هبه

تسلمي يا حبيبتي ♥️

Princess soma
Princess soma
8 أيام

جامد اخر حاجة

Yomna
Yomna
8 أيام
ردّ على  Princess soma

تسلمي يا قمر ❤️

هبه الجبالي
هبه الجبالي
8 أيام

روعة تسلم ايدك يا سو

Yomna
Yomna
8 أيام
ردّ على  هبه الجبالي

تسلمي يا حبيبتي ♥️

Hanan Mahmoud
Hanan Mahmoud
8 أيام

والنبي فصل عسل تسلم ايديكي يا سارة ♥️♥️♥️

Yomna
Yomna
8 أيام
ردّ على  Hanan Mahmoud

تسلمي يا حبيبتي ♥️

ضيف
ضيف
8 أيام

روعه تسلم ايدك يا قمر ❤️🥰

Yomna
Yomna
8 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا حبيبتي ♥️

Salwa Abo el khair
Salwa Abo el khair
8 أيام

حلووووووة اوووووى حبيبتى تسلم ايدك

Yomna
Yomna
8 أيام
ردّ على  Salwa Abo el khair

تسلمي يا قمر ❤️

شيماء
شيماء
8 أيام

تسلم ايدك ياقلبي ❣️❣️❣️

Yomna
Yomna
8 أيام
ردّ على  شيماء

تسلمي يا حبيبتي ♥️

ضيف
ضيف
8 أيام

تحفه

Yomna
Yomna
8 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا حبيبتي ♥️

ضيف
ضيف
8 أيام

تسلم ايدك بجد تحفه

Yomna
Yomna
8 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا حبيبتي ♥️

ضيف
ضيف
8 أيام

🔥🔥🔥🔥🔥🔥🔥🔥

Yomna
Yomna
8 أيام
ردّ على  ضيف

♥️🔥

ضيف
ضيف
8 أيام

تسلمى يا حبيبتى

Yomna
Yomna
8 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا حبيبتي ♥️

ضيف
ضيف
8 أيام

♥️♥️♥️♥️♥️♥️

Yomna
Yomna
8 أيام
ردّ على  ضيف

♥️♥️

ضيف
ضيف
8 أيام

تحفة جميل اوووووووى ♥️♥️♥️

Yomna
Yomna
8 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا حبيبتي ♥️

ضيف
ضيف
7 أيام
ردّ على  Yomna

تحففففففففه بجد عظمه

ضيف
ضيف
8 أيام

روعه روعه بجد تحفه تسلم ايدك

Yomna
Yomna
8 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ❤️

ضيف
ضيف
8 أيام

تسلم ايدك يا حبيبتي 💓

Yomna
Yomna
8 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا حبيبتي ♥️

ضيف
ضيف
8 أيام

تسلم ايدك يا قمر

Yomna
Yomna
8 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا حبيبتي ♥️

ضيف
ضيف
8 أيام

😍😍😍😍😍😍😍

Yomna
Yomna
8 أيام
ردّ على  ضيف

♥️♥️

ضيف
ضيف
8 أيام

👌👌👌👌👌👌👌👌

Yomna
Yomna
8 أيام
ردّ على  ضيف

♥️♥️

ضيف
ضيف
8 أيام

البارت جميل تسلم ايدك

Yomna
Yomna
8 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا حبيبتي ♥️