عشق ملعون بالدم

عشق ملعون بالدم(الفصل السادس والثلاثون)

عشق ملعون بالدم(الفصل السادس والثلاثون)

اندفع بها كمن يفر بروحه لا بجسد بين ذراعيه.
حملها، وصدره يعلو ويهبط بعنف، كأن الهواء نفسه يضيق عليه، وكأن الزمن توقف عند ثقلها الساكن بين يديه…

لم تكن كما عهدها؛ تلك التي تمتلئ حركة وهمس ونبض… كانت خفيفة على نحو مرعب، خفة من فقدت القدرة على المقاومة.

خرج بها من المرحاض مسرع، والعالم من حوله يبهت، الجدران تتراجع، والأصوات تذوب، وكل ما تبقى في رأسه فكرة واحدة تتكرر كصرخة مكتومة:
أن تبقى… فقط تبقى.

فتح باب الشقة بقدمه، واندفع إلى الخارج، حاملاً إياها كأنها آخر ما يربطه بالحياة…

ذراعاها تتدليان بلا حول ولا قوة، ورأسها يميل على كتفه، ووجهها شاحب على نحو أفزع قلبه…

نزل بها الدرج بخطوات متلاحقة، متعثرة، قلبه يسبق قدميه، وعيناه لا تفارقان ملامحها، كأنه يخشى إن رمش أن تختفي.

عند مدخل العمارة، انفجر صوته غاضب، مرتجف، يحمل أمرًا لا يقبل التأخير: افتح الباب يا بهيم!

هب الحارس من مكانه، ركض مذعور، وفتح باب السيارة على عجل، وهتف بقلق صادق: ألف سلامة يا بيه!

لم يرد فارس…
وضع جسد حبيبه الساكن على المقعد الخلفي برفق يناقض العنف الذي يمزق صدره، عدل وضع رأسها بيد مرتعشة، ثم أغلق الباب بقوة، كأنما يحاول أن يحبس الخوف خارجه.
استدار، صعد إلى السيارة، وأدار المحرك، فانطلقت كالسهم.

احتكت العجلات بالأسفلت، صرخت الطريق تحتها، والمدينة من حوله صارت خطوطًا مشوشة.

عيناه تتأرجحان بين الطريق ووجهها، ويداه تقبضان على المقود بقسوة، بينما دقات قلبه تعلو فوق كل الأصوات، فوق هدير المحرك، فوق ضجيج الشارع.

مال بجسده قليلًا إلى الخلف، وخرج صوته مبحوح، كأنه يناجيها لا يسمع نفسه: اصبري… اصبري يا حبة جلبي… أنا معاكي… مش ههملك لو علي روحي….

مد يده عن المقود للحظة، ليلمس أطراف أصابعها، فوجدها باردة، فانقبض قلبه أكثر، وضغط على دواسة الوقود بلا وعي، وكأن السرعة وحدها قادرة على إنقاذها، وكأن الزمن إن لحقه سيفرح.

وفي المقعد الخلفي، كانت حبيبة ساكنة، أنفاسها خافتة، كأنها خيط رفيع يتحدى الانقطاع…
وفارس، بعينين مشتعلتين بالخوف والحب، يقود لا إلى طريق معلوم، بل إلى أمل واحد: أن تصل…
وأن تفتح عينيها من جديد.

توقفت السيارة أمام مدخل الاستقبال فجأة، كأنها لفظت أنفاسها الأخيرة.

ترجل فارس منها في اللحظة ذاتها، فتح الباب الخلفي بعجلة، وحمل حبيبه بين ذراعيه، جسدها ساكن كجرح مفتوح، واندفع بها إلى الداخل يركض، وصوته يسبق خطواته، حاد مذعور: دكتور! حد يلحجني بسرعة… مرتي مش بتفوج، الحجوني!

اندفعت إحدى الممرضات نحوه، عيناها تلتقطان المشهد بخبرة، وهتفت بحزم لا يخلو من استعجال: هاتها هِنه.

تحرك خلفها بخطوات متلاحقة، وضع حبيبه على السرير المتحرك، وانطلقوا بها نحو غرفة الكشف.

كان يدفع السرير بيدين مرتعشتين، وعيناه لا تبرحان وجهها الشاحب…

مد يده إلى حجابها حين انزلق عن رأسها قليلا، أعاده برفق مشوه بالخوف، ثم استقرت كفه لحظة على رأسها ، وهمس بنبرة متكسرة: بدي دكتورة تكشف عليها..

دلفوا إلى غرفة الكشف، أومأت الممرضة بسرعة، وقالت وهي تشير له بالتوقف: استنى هنه.

تجمد فارس أمام الباب الزجاجي، نظر من خلاله كمن يراقب روحه وهي تسحب منه.

رأى محاولاتهم لإفاقتها، حركات سريعة، أصوات مختصرة، وملامح جادة.

كور قبضته بجنون، أظافره تنغرس في كفه، وغمغم بصوت متحشرج موجوع: فوجي يا حبيبة… إيه الإغماء ديه؟ استر يارب… استر.

مرت الثواني عليه كأنها دهور، حتى…
تحرك جفناها ببطء، كأنهما يحملان ثقل العالم كله، ثم انفتحت عيناها، باهتتين أول الأمر، قبل أن تستعيدا نور الحياة.

تجمد فارس في مكانه.
تباطأت دقات قلبه فجأة، ثم عادت تهدر بقوة، وهو يحاول السيطرة على الحريق الذي يلتهم أعصابه.

حين لمح عينيها تنيران من جديد، كأن الصباح عاد فجأة إلى الكون، انزلقت دمعة ثقيلة على جانب وجهه، ولم يحاول منعها.

غمغم بصوت مرتجف، مبحوح، يفيض شكرًا وألم: الحمد لله…

اقترب من الزجاج، ضغط عليه بأصابعه المرتعشة، وصوته انهار أخيرًا وهتف: الحمد لله… فاجت أخير… الحمد لله.

خرجت الطبيبة بخطوات هادئة، ملامحها ثابتة، بينما كان القلق في صدر فارس يعصف كإعصار…

اقترب منها على الفور، لهفته تسبق صوته، وهتف بنبرة مشدودة: مالها يا دكتورة؟ إيه چرالها؟

أشارت إليه بهدوء مهني، كأنها تطفئ نار اعتادت رؤيتها، وقالت: إحنا فوجناها، وخدنا عينة دم للتحليل… وإن شاء الله خير.

انعقد حاجبا فارس بدهشة لم تلبث أن تحولت إلى ارتياب، وغمغم:  تحليل دم ليه؟ شاكة في إيه يعني؟

رفعت الطبيبة منكبيها قليلًا، ونظرت إليه باستغراب صريح:  الأعراض كلها بتجول إنها حامل… مش إنت چوزها؟

كأن الهواء انسحب فجأة من صدره…
تجمد للحظة، ثم اندفع الغضب في عروقه كالنار، هز رأسه بعنف، وانقض عليها، قابض على ذراعها دون وعي، وهدر بغضب أعمى: لا! أنا خطيبها! هي أكيد مش حامل… أكيد يا دكتورة! مفيش الكلام ديه!

اتسعت عينا الطبيبة برعب حقيقي، وأومأت سريعًا وهي تحاول تهدئته:  ماشي يا أستاذ… اهدي… على العموم أول ما نتيچة التحليل تطلع هنعرف مالها.

دفعها فارس بعيدًا بحدة مشوبة بالقهر، وهدر:  بدي أشوفها!

تراجعت الطبيبة بخوف، تمسكت بطرف الحائط، ثم أشارت بيد مرتجفة:  ادخل.

وانصرفت على عجل… بخطوات سريعه متعثره بالخوف ..

دلف فارس إلى الغرفة بخطوات سريعة، كأن الأرض لا تحتمله…

انحنى فوق السرير وضمها إلى صدره بقوة مشروخة، فتمسكت حبيبة بتشيرته كالغريق، وغمغمت بدموع ترتجف:خايفة جوي يا فارس… الدكتورة بتجول شاكة إني حامل.

هز رأسه بالنفي بعناد موجوع، وخرج صوته متحشرج:  لا لا… مفيش حاچة… متخافيش.

لكن الدموع كانت أسرع منها، انزلقت على جانبي وجهها، وخرج صوتها مكسور : كيف حامل؟ وهو…

توقفت، ونظر إليها فارس بحدة مفاجئة، فاختنقت أنفاسها…

رفعت يدها علي وجهها، وانفجرت بنحيب حاد: أنا مفهماش حاچة يا فارس… بس هموت حالي لو حامل منيه!

وضع إصبعه على شفتيها بحركة قاطعة، وخرج صوته صارم : اشش… بس اسكتي…أنا هروح أچيب دكتورة نسا، الدكتورة دي شكلها مش فاهمة حاچة.

أومأت برأسها سريعًا، والدموع لا تتوقف: أيوه… بسرعة يا حبيبي.

ربت فارس على وجنتها بحنو حزين، ثم استدار متجه إلى الخارج، وعيناه محتقنتان بالغضب والدموع المحبوسة، كأن حرب كاملة اشتعلت داخله، ولا أحد يراها سواه.

وصل فارس إلى الغرفة كأنما يساق إليها قسرًا، لا يمشي بل يجر جر، صدره يعلو ويهبط كوحش محبوس، وكل خطوة تثقلها فكرة واحدة تخنقه ، وصوته الداخلي يتردد داخله : لو طلع الكلام صح… الدنيا كلها هتتجلب جحيم.

اندفع صوته حاد، مشقوق بالغضب: بدي دكتورة نسا!

رفع الطبيب رأسه من خلف المكتب، تفحصه بدهشة خاطفة قبل أن يقول: أنا الدكتور محسن… دكتور نسا.

التفت فارس نحوه بحدة، عيناه تقدحان نار، وهتف:  بجولك بدي دكتورة!

هز الطبيب رأسه بأسف حقيقي وقال : مفيش دلوق.. أنا ممكن أساعدك يا فندم.

تصلبت ملامح فارس، وانحبست الكلمات في صدره، ابتلع غصة حارقة وتمتم: أنا بدي أعرف لو…

تعثرت الجملة، وانكسرت قبل أن تكتمل…استدار نصف استدارة، كأنه يفر من الحقيقة،

لكن الطبيب اقترب خطوة، وجاء صوته ثابت: اهدي يا أستاذ… تعالى بس استهدي بالله… في حالة معاك؟

أومأ فارس ببطء، كأن الرأس أثقل من أن يحرك، وخرج صوته محمل بالقهر:  لا إله إلا الله… أيوه… معايا خطيبتي… تعبانة… ومن شهر ونص چوزوها غصب عنيها.
وسكت لحظة، ثم أكمل بنبرةٍ مشروخة: وأنا خايف تكون حامل… بس هي لسه بت بنوت، هو…

انطفأ صوته فجأة….عيناه اشتعلتا بجنون غيرة حارق، غيرة رجل يشعر أن كل ما يخصه مهدد بالانتهاك.

ربت الطبيب على كتفه، وقال بحذر: يعني هو حاول، بس مكملش؟

انقبض فك فارس، وخرج صوته مبحوح، محمل بغضب مكتوم:  الطب الشرعي جال إنها بت بنوت… وإن الغشاء بتاعها مطاط.

أومأ الطبيب برأسه بتفهم ثقيل:  آه… يبجى عشان كده. هي بت بنوت، بس للأسف ده ميمنعش الحمل لو حصل قذف… حتى لو كانت لسه بكر.

ضربت الكلمات رأس فارس كالصاعقة.
تراجع خطوة، الهواء انسحب من رئتيه، الدنيا دارت من حوله، وكاد يسقط لولا أن قبض الطبيب على ذراعه بقوة وهتف : اهدي يا أستاذ… إن شاء الله سليمة.

رفع فارس عينيه بتيه مخيف، وخرج صوته كأنه صرخة من قلب ممزق: سليمة كيف؟ إحنا ممكن نموت فيها من الجهر!

أشار الطبيب بيده محاولًا تثبيت الموقف: اهدي… إنت بتجول إن اللي حصل ديه من شهر ونص؟

أومأ فارس بحدة:  أيوه.

قال الطبيب بهدوء حاسم: طيب… نعمل تحليل وسونار، ولو في حمل هيبان… وربنا يستر.

أومأ فارس، وتحرك معه، قدماه ثقيلتان كأن الأرض تمسك بهما.
وهمس بصوت مبحوح: هما عملوا تحليل دم…

أومأ الطبيب وهو يدلف للغرفة تمام… يبجى نعمل السونار.

وسار فارس معه، بقلب يحترق، وروح معلقة على خيط رفيع، خيط إن انقطع… انهار كل شيء.

اقترب فارس من السرير بخطوات مترددة، كأن الأرض تحاسبه على كل خطوة،

ومد يده إلى يد حبيبه…كان كفها بارد، مرتجفة، فاحتواها بين راحتيه وربت عليها بحنو يشبه الاعتذار المتأخر، اعتذار رجل خاف عليها أكثر مما خاف من العالم كله.
مال قليلًا وهمس بصوت مكسور: كيفك يا جلبي؟

تعلقت حبيبة بكفه كغريق وجد أخيرًا طوق النجاة، ورفعت إليه عينيها المبللتين: التحليل طلع؟ جالوا ايه؟!

هز فارس رأسه بالنفي، وخرج صوته خافت كأنه يخشى أن يوقظ المصيبة: لسه يا حبيبي… اصبري، هنعمل سونار وإن شاء الله خير.

ازداد ارتجافها، وقبضت على كفه برعب طفولي، بينما جلس الطبيب وأشار بيده محاولًا تهدئة الموقف: اهدي يا أستاذه.

لكن الخوف كان أكبر من الكلمات… أخفت وجهها في منكب فارس وهمست باختناق: مجدرش اهدي… بدي أخلص.

أومأ فارس للطبيب، ومسح على رأسها بحنان ثابت يخالف العاصفة التي تعصف داخله.

بدأ الطبيب في إجراء السونار، بينما عينا فارس معلقتان بالشاشة، دموعه حبيسة، وارتجافه لا يقل عن ارتجاف الجسد الملقى بين يديه.

دقق الطبيب في الشاشة بخبرة هادئة، ثم قال: دورتك منتظمة.

تعلقت حبيبة بذراع فارس بخجل يذيب القلب، وهزت رأسها في منكبه وهمست: أيوه.

أومأ الطبيب وقال : المفروض ميعادها يوم كام في الشهر؟

هزت رأسها بالنفي من خلف منكب فارس:  مكنتش أركز في التاريخ.

تدخل فارس بصوت متحشرج ، حاول أن يكون ثابت:  تجريبًا يوم عشرين في الشهر.

أومأ الطبيب وهو يواصل التدقيق في التفاصيل.
تجمدت حبيبة فجأة، ونظرت إلى فارس بدهشة متوترة، كأن الثانية امتدت دهور…

هز الطبيب رأسه بالنفي أخيرًا، وقال بهدوء حاسم:  التاريخ والأعراض كلها بتجول إن الدورة هتنزل النهارده أو بكره… بس كده.

انفجرت الشهقة من صدرها، محاولة النهوض:  بچد… الحمد الله!

زفر فارس زفرة طويلة، كأنها أول نفس حقيقي منذ دخل المستشفى، وانحنى قبل رأسها، وخرج صوته مبحوح مرتعش: الحمد الله يا جلبي… الحمد الله.

ظل فارس محتضن رأسها لحظات أطول مما يسمح به المنطق، كأنه إن أفلتها ستعود الكارثة من حيث جاءت.
جبهته استقرت فوق راسها، أنفاسه ثقيلة، متقطعة، ورجفة خفيفة فضحته رغم محاولاته الفاشلة للتماسك.

لم يبكي…هو فقط… انهار إلى الداخل.

كانت يداه ثابتتين على ظهرها، لكن صدره كان يعصف، كأن قلبه خاض معركة وخرج منها حيا بأعجوبة.

مر شريط الرعب أمام عينيه: جسدها الساكن، ذراعاها المتدليتان، وجهها الشاحب ، فكرة أنه قد يخسرها…
كل هذا اجتمع في صدره دفعة واحدة… ثم انكسر.

رفعت حبيبة رأسها ببطء، حدقت في وجهه، فرأت ما لم يقله.
عيناه كانتا محمرتين، النظرة أثقل من الدموع.

همست بحذر: انت متكدر؟

لم يجب فورًا…بل شدها إليه أكثر، كأنها تثبت العالم في مكانه.

قال أخيرًا بصوت منخفض مبحوح، يحمل غضب مكبوت وخوف لم يبرأ: خوفتيني يا حبيبة… خوفتيني جوي.

مدت يدها إلى وجنته، لمستها برفق مرتعش:  حجك عليا … بس خلاص، عدت.

هز رأسه نفيًا، وكأنه يرفض فكرة أن الأمر كان بسيطًا أصلًا: لا… مش عدت…أنا شفتك بتروحي مني.

صمت لحظة، ثم أضاف بغيرة مشتعلة لم تخمد بعد: وأي حاچة تجرب منك بالشكل ديه… تكسرني.

ابتسمت ابتسامة ضعيفة، متعبة، وقالت: أنا هنه… ومش رايحة في حتة.

رفع رأسه أخيرًا، نظر في عينيها نظرة رجل عاد من حافة الهاوية، وقال بهدوء خطير: وعد؟

أومأت، وضغطت جبينها على صدره: وعد.

ووقتها فقط…سمح لقلبه أن يهدأ.

ضحك الطبيب ضحكة خفيفة كسرت بقايا التوتر العالق في الهواء، وقال بمرح: انتو فرحكم متى؟

مال فارس قليلًا، ونظر إلى حبيبة بنظرة لم يعرف لها حد، عشق صافي خرج من عينيه دون استئذان، وقال:  حبة جلبي تخلص الامتحانات… يعني بعد شهر.

أومأ الطبيب برأسه وهو يبتسم وقال : تمام… حددوا معاد الفرح بعيد عن يوم عشرين في الشهر.

اختبأت حبيبة في صدر فارس بخجل دافئ، كأن الكلمات لامست سر خاص، فأومأ فارس مؤكدًا، وقال بثقة: لا، هنبعد عنه خالص… مبدناش عطلة يا دكتور.

ضحك الطبيب، وضحك فارس معه، ضحكة خرجت هذه المرة صادقة، متحررة من القبضات التي كانت تطبق على القلب منذ دقائق…

لكزته حبيبة لكزة خفيفة، واهنة، يغلبها الخجل أكثر مما يغلبها الاعتراض.

في تلك اللحظة، دلفت الطبيبة، وعادت الجدية إلى المكان… نظرت في الملف وقالت بنبرة مهنية هادئة:  التحليل كويس… بس الأنيميا تسعة… وده يفسر الإغماء والتعب…. لازم نلحجها جبل ما الرجم ينزل أكتر… محتاچة علاچ منتظم، أكل مظبوط، ومتابعة جريبة… لو نزل عن كده، ساعتها نتكلم بشكل مختلف.

شد فارس على يد حبيبة لا إراديًا، كأن الفكرة وحدها قد تسرقها منه، وأومأ برأسه بحسم لا يقبل النقاش:  تمام… أنا هوكلها غصب عنيها.

وكزته بخجل خفيف، فمال عليها، مرر أصابعه على وجنتها بحنو مطمئن، وهمس:  هناكلو سوا… كيف في الفطار.

ابتسمت حبيبة بخجل خافت، ابتسامة تلاشت سريعًا أمام صمت المستشفى الأبيض وصرامة الأجهزة…

اقتربت الممرضة بحذر، تحمل الحقائب الشفافة التي تلمع بسائل أصفر يموج بالشفافية، تبحث عن الوريد المناسب…

تصلبت حبيبة، كأن كل عضلة في جسدها قد تذكرت الألم مسبقًا، وعضت شفتها بضعف، وهمست بصوت خافت: آه…

ارتجف فارس عند سماعها، رفع يده بسرعة، مررها على وجنتها بحنان لا يقاوم، انخفض صوته كالهمس لكنه مشحون بالوعد: متخفيش يا حته النور!

مدت الممرضة يدها برفق، أمسكت بذراع حبيبة، وفركت الوريد برفق لتسهيل رؤيته…

أخذت الإبرة الصغيرة، برودة المعدن تلمس جلدها، حركتها دقيقة وهادئة، ثم ضغطت بخفة، وأدخلت الإبرة في الوريد، قطرات صغيرة من الدم تلمع قبل أن يثبت الكانيولا البلاستيكي في مكانه…

شعرت حبيبة بوخز حاد يمر في ذراعها، ارتجف جسدها كله، فانحنى فارس نحوها، يضم راسها، وضغط على كفها كأن قلبه يحاول أن يحميه من الألم، عيناه تراقب كل حركة للممرضة وكأن كل ثانية قد تحمل الكارثة.

بدأ المحلول المغذي بالتدفق ببطء، مزيج متقن يسري في عروقها بلطف، كل قطرة كأنها تزيل شيئًا من خوفها،

أنهت الممرضة توصيل المحلول، أزالت الإبرة برفق، وابتسمت قائلة: ألف سلامة.

أومأ فارس شاكرًا، صوته محبوس بين الدموع والراحه: الله يسلمك.

وبين قطرات المحلول التي بدأت تجري في عروق حبيبة، كان قلبه هو الآخر ينبض بالتعافي، يرتجف من الخوف والحب، ويكتشف أن حمايتها أصبحت مهمة حياته كلها.

نظر فارس إلى الطبيب نظرة مثقلة بما لم يقل، وقال بصوت حاول أن يخفي ارتعاشه: ممكن كلمتين يا دكتور؟

أومأ الطبيب بهدوء ونهض، فتقدم إلى الخارج….

انحنى فارس على حبيبة، قبل رأسها قبلة قصيرة كأنها وعد بالعودة، وهمس:  رچعلك يا جلبي.

أومأت برأسها في صمت، وانسحب فارس خلف الطبيب.

دلف الطبيب إلى مكتبه، ولحقه فارس… أُغلق الباب، فانفصل المكان عما خارجه… أشار الطبيب بيده: اتفضل يا فندم.

جلس فارس، وزفر زفرة حارقة، كأنها تخرج ما علق في صدره من غيرة وخوف لا يهدان، وقال: كت بدي أسألك عن الغشاء المطاطي ديه… أنا مبديش أوچعها ولا أكدرها. بدي أفهم اكتر.

ابتسم الطبيب بابتسامة هادئة، عيناه تنظران إلى فارس كأنهما تخترقان قلبه وقال : كويس چدًا إنك تسأل وتفهم… كتير من الرچالة بيحسبوا إن نجصوا في رچولتهم لما يسألوا عشان يريحوا مراتهم.

أومأ فارس برأسه، وقال بصوت مملوء بالقلق والحزم: أنا بس بدي أطمنها… أنا عارف مرتي زين، ومفيش دم يفرج عليّ… هو مش مجياس بالنسبة لي.

صمت لحظة، عيناه تلمعان بغضب مكبوت، ثم قال:
أنا عارف إن في أنواع كتير للغشاء، مطاطي، صلب، وممكن ما يتفضش أصلًا…

رد الطبيب بنبرة واثقة، حازمة: خليني أصحح لك الفكرة من الأول يا فارس… طبيا، غشاء البكارة غشاء واحد، مش تصنيفات خرافية زي ما الناس بتروچ.

قطب فارس حاجبه بدهشة، وغمغم: طب ليه في بنات بيبجى عندهم مشكلة؟ أو مفيش دم مثلًا؟

أشار له الطبيب بحزم ورد : ديه بيرجع غالبًا لدرچة المرونة، مش لنوع غشاء مختلف…. في بنات الغشاء عندهم مرن چدًا، يتمدد أثناء العلاقة ويرچع لطبيعته من غير تمزج واضح… وديه طبيعي.

شد فارس جسده كله، صوته صار أكثر توترًا: يعني مفيش حاچة اسمها غشاء صلب مستحيل يتفض؟

تنحنح الطبيب بهدوء، صوته صار حاسمًا: لا… اللي بيصعب الفض في حالات كتير هو الخوف والتوتر، شد العضلات، والجلج من الألم… مش الغشاء نفسه.

تنفس فارس بعمق، صوته متقطع: والغشاء المطاطي ديه… ممكن يفضل سليم؟

أومأ الطبيب برأسه، مطمئنًا: أيوه… في حالات بيكون مرن لدرچة إنه ما يتمزقش إلا في الولادة الطبيعية أو التدخل الطبي، وأحيانًا مفيش دم خالص، وده مش دليل على أي حاچة أخلاقية أو غيرها.

أخذ فارس نفس عميق، وقال: ولو أنا مبديش تدخل طبي؟

أكمل الطبيب بحزم ووضوح: هتحتاچ أكتر من وضع ورا بعض، والانتصاب يكون مثالي، ومچهود ضخم منك، وتحمل منها… أهم حاچة إنك تفهم ديه كويس، لازم مداعبات وجت طويل، ولو احتچت ممكن أي مرطب يسهل معاك…

أومأ فارس بحسم وهو يقف: تمام يا دكتور، شكرًا.

نهض الطبيب، وقال: العفو… بس ممكن أسألك سؤال؟

أومأ فارس بصمت، ثم نظر الطبيب بدهشة وقال : انت كان ليك علاجات جبل كده؟

هز فارس رأسه وتمتم: للأسف… بس حبيبه غير أي حد.

غمغم الطبيب بحذر:بس في بردك في خبرة يعني…

أومأ فارس برأسه، وتحرك نحو الباب، وهمس بتوتر مختلط بغضب: خبرة مجندلة يا دكتور… استغفر الله العظيم.

وخرج، وقد خف ثقل كبير عن صدره، وبقي آخر… اسمه حبيبة، ولن يتركه حتى يطمئن قلبها تمامًا.
…..
في العالم السفلي،

حيث لا زمن يقاس ولا رحمة تنتظر، ارتفع صرح الملك أورمانتيس كجرح أسود في جسد العدم؛

بناء كالح تتراقص الأرواح المعذبة على جدرانه، تئن وتتصاعد كالدخان، كأن الصرح يتغذى على صرخاتها ويزداد سواد مع كل نفس.

دلف ظلاك بخطوات خفيفة، محسوبة، كمن يسير فوق مقبرة مفتوحة، حتى بلغ قاعة العرش…

توقف أمام العرش الأسود، ذلك الكيان الهائل المنحوت من ظلال الجحيم، وانحنى برأسه في خضوع لا يخلو من مكر، وقال:  اسمحلي مولاي.

أشار أورمانتيس بيده بحسم، صوته يخرج كزئير مكتوم:  هات اللي عندك يا ظلاك.

رفع ظلاك رأسه ببطء، قبض يديه خلف ظهره في هيئة احترام مصطنع، وقال بنبرة تحمل قلق مريب: أنا حاسس إن فينوار ورجيبة الدم المختوم بيحضروا لحاچة… كنهم هيسعوا لفك اللعنة.

ارتسمت على شفتي أورمانتيس ابتسامة خبيثة، ابتسامة تعرف طعم الدم وتشتاق له، وقال بصوت يقطر سخرية:  رجيبة الدم وعت بعينها اللي چرى لي چميلة لما چربت تفك اللعنة… أكيد هي مش بالغباء ديه يا ظلاك.

أومأ ظلاك برأسه، لكن عينيه لمعتا بدهاء سام، وتمتم:  بس فينوار… حساسة زيادة عن اللزوم من ناحية البشر.

ارتفع حاجب أورمانتيس، واشتعل الغضب في نبرته:  بدك تجول إيه يا ظلاك؟ اللي في راسك تشيله من راسك. فينوار مش هتلتحم معاك ولا مع غيرك.

مال ظلاك برأسه نفيًا، وخرج صوته كفحيح أفعى:  عارف… بس الاتحام مع فينوار هينتچ عنه مارد محدش هيجدر يجف في وشه… ومش بعيد ياخد مكانك. واللي فينوار مجدراش توصله لوحدها… هو هيوصلها.

في تلك اللحظة، اسودت عينا أورمانتيس حتى ابتلعهما السواد الكالح، نهض من عرشه فجأة، وكأن الأرض نفسها انتفضت معه، ودوى صوته في القاعة:  بتهددني؟! نسيت إنك خادم عندي؟!

ارتجت الجدران، وارتفعت صرخات الأرواح، انحنى ظلاك برأسه سريعًا، انحناءة حادة لا تخلو من ارتعاش، كمن يتفادى نصل غير مرئي، وصوته خرج خافت متكسر :  العفو سيدي الملك… أنا بحذرك… أنا خادمك، وحتى لو التحمت مع فينوار، هكون تابع ليك… هسيطر عليها وعلى ثمرة الالتحام… مش هسيبها تتمرد علينا.

تقدم أورمانتيس نحوه، خطواته لم تكن مجرد حركة، بل نار تمشي؛ الأرض تحت قدميه تتشقق، تترك آثار متوهجة كأن الجحيم يوقع باسمه…

هدر بصوت يحرق السمع:  وليه أچازف؟ أنا مش هسمح لفينوار بالالتحام معك ولا مع غيرك.

خفض ظلاك عينيه، لكن الخبث تسلل من بين أهدابه، صوته انساب كسم بارد: فينوار مش مضمونة… خصوصًا لو اكتشفت إنك اللي چتلت چميلة، لما ورثت دمها لبنت من نسلها… عشان يكون الدم المطلوب مع الدم المختوم لكسر اللعنة.

في لحظة واحدة، انقض أورمانتيس عليه… قبضته التفت حول عنق ظلاك كقيد من نار، والغضب علق في صوته كالعلقم: محدش يعرف إني چتلت چميلة غيرك… يعني يوم ما فينوار تعرف… أنا مش هجتلك يا ظلاك، لا… أنا هنفيك في الچحيم السابع.

ابتلع ظلاك لعابه بصعوبة، حلقه يضيق كأنه يسحق من الداخل، وصدره يتمزق بشوك خفي، لكنه تماسك، وقال بصوت مبحوح: مستحيل تعرف مني… لكن چميلة ماتت، ولسه صدى روحها في فينوار… أنا عارفها… فينوار مش هتسكت… لازم نسيطر عليها يا مولاي.

دفعه أورمانتيس بعنف أعمى، ارتطم جسده بالحائط، فتشقق الحجر وصرخت الجدران… تماسك ظلاك بصعوبة، وانحنى مرة أخرى، وقال بنبرة أخطر من التهديد: أنا عارف إن الخطر الوحيد عليك هو فينوار… وفي نفس الوجت معچزتك…دمها جوتك… بس لو  استخدمت دمها ضدك… هتجتلك يا مولاي.

رفع أورمانتيس يده بحسم، قبض أصابعه في الهواء كأنه يعصر مصيرًا غير مرئي…

أومأ ظلاك برأسه، وتراجع للخلف، خطوة… ثم أخرى، حتى تلاشى، كأنه لم يكن سوى فكرة سوداء.

بقي أورمانتيس وحده.
وقف ساكنًا، لكنه كان يسمع داخل صدره نقوس كلمات تضرب كالجرس المزدوج الإنذار، لا تهدأ، لا تتوقف… فينوار… الخطر الوحيد في حياته.

معجزته وهلاكه، قوته… وضعفه، كل ذلك يتقافز في عقله كما لو أن الريح الغاضبة نفسها تهب من الداخل، تتلاعب بأنفاسه، تزيح عن وجهه كل وهم.

تراجع قرماس بين النفحات العاتية للريح، لكنه ابتسم ابتسامة متهكمة، باردة كالحديد، تكشف أسنانه الحادة كالنصل.

وقف ثابت، صامد، لا ينحني، كأن بذرة التمرد قد نمت بالفعل في قلب الجحيم، رافضة الخضوع، متشبثة بالرفض بكل جوارحه.

الظلال تتراقص حوله، والهواء يئن من شدته، لكنه بقي، شامخًا في مواجهة العاصفة، وحيدًا مع قوته وضعفه معًا، ينتظر اللحظة التي ستكشف الحقيقة الكاملة.

….
في شقة سوهاج،

كان السكون ممدودًا على الجدران كستار واهن، إلى أن انشق فجأة بصوت الباب…

انتفض قلب نغم قبل جسدها، ونهضت على عجل، خطواتها واسعة كأنها تسبق الخوف ذاته…

فتحت الباب… فتجمد الدم في عروقها.
وقف فارس ، يحمل حبيبة بين ذراعيه… جسدها ساكن أكثر مما يجب، ورأسها مائل على صدره، ووجهه شاحب مشدود كوتر على وشك الانقطاع.

شهقت بفزعٍ صادق وهتفت :  يلهوي مالها يا اخوي؟
لم يطل الوقوف.. أومأ فارس برأسه وتحرك إلى أقرب أريكة، كأن الأرض لا تحتمل الانتظار، أنزلها برفق مبالغ فيه، كما لو كان يخشى أن يوقظ وجعها أو يكسر هشاشتها: متخفيش، حبيبه تعبت بس لما ادرعت من الضفدع.

اقتربت نغم وجلست إلى جوارها فورًا، ملامحها تذوب قلق، يدها امتدت بحنو غريزي:  سلمتك يا حب، كان مالك بس يا جلبي بالهم ديه؟! ديه حاچه مجرفه.

تحركت شفتا حبيبة بابتسامة خافتة، نصفها خجل ونصفها إرهاق، وهمست: عشان بحب الخيل وكل الحيوانات يعني… بس إلا الضفادع.

انفلتت ضحكة قصيرة، مرتعشة، كسرت حدة المشهد. أشار فارس بيده وهو يحاول أن يستعيد صلابته:  أنا هروح اغير ، وهندلي اچيب غداء ، ومش هتاخر عشان تأكلي ، وتنعسي شويه ، وبعدين تذكري، مفيش وجت لدلع يا جلبي.

أومأت حبيبة برأسها، ثم انخفض صوتها بخجل وهي تنظر إلى البقع الداكنة التي لوثت تشيرته، كأنها دليل ذنب:  معلش أنا اسفه، التيشيرت خرب بسببي.

انحنى عليها دون تردد، قبل جبينها قبلة طويلة، ممتلئة بالاطمئنان، وخرج صوته خرج أجش دافئ، كأنه يربط قلبه بقلبها: فداكي التيشيرت.. واللي لابسه يا حتة النور، سيبك انتي.. المهم انك زينه ، وتاخدي بالك من حالك زين عشان

عشان خاطري يا حبيبي.

أومأت بالإيجاب، مشدوده تحت ثقل نظراته التي لا تعرف الهروب، أنفاسه القريبة أربكت نبضها، وهمست باستسلام حميم: حاضر يا حبيبي.

أومأ فارس، وبشق الأنفس انتزع عينيه عنها، نهض بخطوات بطيئة مترددة، كأن جسده يغادر بينما قلبه ظل جالس إلى جوارها.

نهضت نغم أخيرًا وقالت بلطف عملي يخفي قلق:  تعالي يا حب، غيري وخدي دش كده على ما الغالي يعاود.

أومأت حبيبة، وتحركت معها إلى الداخل، بينما ظل دفء فارس عالق في المكان… كأنه لم يغادر بعد.
….
بعد مرور أسبوع…

في العالم السفلي، حيث لا تولد الأفراح إلا محاطة بالظلال، انفتح باب الغرفة فجأة، وانسكبت ناريسا إلى الداخل كشرارة انفلتت من نار مقدسة….

كانت السعادة تسبقها، تكاد قدماها لا تلامسان الأرض من فرط النشوة، وعيناها تلمعان كمن يحمل خلاص طال انتظاره :  فينواررررر!

انتفضت فينوار من موضعها، كأن الاسم وخزها في القلب، ونهضت دفعة واحدة، ملامحها متحفزة:  خير يا رجيبة الدم؟

ابتسمت ناريسا ابتسامة المنتصر، وأخرجت يدها من خلف ظهرها ببطء متعمد، كمن يكشف سر خطير ،
ثم فتحت كفها….

زجاجة صغيرة استقرت في راحة يدها، تحتوي سائل أحمر شفاف، كثيف، ينبض كدم حي.وهتفت :  التعويذة خلصت.

شهقت فينوار، وكأن الهواء اندفع دفعة واحدة إلى صدرها بعد اختناق طويل… امتلأت عيناها بالدموع، وخطفت الزجاجة من فوق كف ناريسا بشغف لا يخفى، كمن يمسك بحياته بعد فناء، ثم اندفعت تحتضنها بقوة: مش مصدجه يا رجيبة الدم… مش مصدجه حالي.

ربتت ناريسا على منكبها برفق يحمل خبرة من ذاق
النجاة مرار، وقالت بصوت أقل اندفاع وأكثر حزم:  دلوق لازمن تروحي لي چملات عشان تبلغيها، وتغصب على فوزي يوافج على فارس بأي تمن.

أومأت فينوار برأسها، لكن القلق تسلل إلى نبرتها:  بس احنا جدامنا أجل من شهر، لحد ما العدة تخلص وفارس يتچوز حبيبه…

أومأت ناريسا بدورها، كأنها كانت تنتظر هذه الجملة:  زين إن التعويذة خلصت جبلها، بس فاضل إن الأربع أرواح يكونوا في أماكنهم…

قبضت فينوار على الزجاجة بقوة، حتى كادت أن تنكسر بين أصابعها، وخرج صوتها حاسم لا يعرف الرجوع:  هنكونوا چاهزين تحت أي ظرف يا ناريسا، مستحيل أسمح إني أعاود خطوة لورا تاني.

ربتت ناريسا على منكبها مرة أخرى، هذه المرة بحزمزلا يقبل النقاش: المهم تروحي لي فارس وتعطيه التعويذة، عشان يشربها في وجتها.

رفعت فينوار رأسها ببطء، الدهشة تشق ملامحها: أيه هو  وجتها؟

أومأت ناريسا برأسها، وصوتها انخفض لكنه ازداد صلابة: وجت الالتحام مع حبيبه… عشان أكيد هيظهر ظلاك أو الملك أورمانتيس… إنتي ناسية إن حبيبه وريثة الدم؟

أومأت فينوار، وحدقت أمامها بعينين تشتعلان تصميمًا:  أكيد بده يعمل المستحيل عشان فارس يغيب عن وعيه ويجتل حبيبه.

تقدمت ناريسا خطوة، ووقفت أمامها مباشرة، كمن يسد طريق التراجع: أوعاكي تهمليهم.. أو تتشتتي في الوجت ديه… عينك على فارس وحبيبه، فاهمة يا فينوار؟

أومأت فينوار برأسها بصلابة الحديد، وخرج صوتها  قاطع لا يقبل الشك: فاهمة… فاهمة زين.

وفي عمق العالم السفلي، ارتجف الهواء قليلًا… كأن اللعنة نفسها سمعت الوعد.
…..

في اليوم التالي، وتحت ضوء صباح خجول لم يحسم أمره بعد، كان مدخل عمارة سوهاج يشهد لحظة عابرة في ظاهرها، فاصلة في إحساسها….

خرج فارس أولًا، يتبعهما بخطوة، وكأن وجودهما خلفه مسؤولية يمشي بها لا أمامها…

قبض على كف حبيبه دون وعي، كمن يستمد من لمسها ثبات، ثم التفت وهتف: يلا اطلعوا.

لم تكد الكلمات تكتمل حتى توقفت سيارة أدهم أمامهم باحتكاك خفيف، كأنه إعلان حضور في اللحظة الأخيرة. ترجل أدهم سريعًا، ونبرته تحمل راحة الوصول: الحمد لله لحجتكم.

التقت عينا نغم بعينيه، وخرج الاشتياق من صدرها قبل الكلمات: حمد الله على السلامة.

اقترب منها أدهم بلهفه دون تردد، ضمها إلى صدره كمن يعوض غياب، وقبل رأسها بحنان صادق: الله يسلمك يا حبيبتي.

ابتعد قليلًا، لكنه لم يترك دفئها، ونظر إليها بعين مشجعة:  إيه؟ چاهزة لأول يوم؟ وأول مادة؟

أومأت نغم برأسها، وهمس القلق يسبق ابتسامتها:  جلجانه شوية… بس أنا ذكرت زين.

ربت أدهم على منكبها، ربتة تحمل يقين يشبه الدعاء:  المهم ذكرتي، وربنا مهيضيش تعبك يا جلبي.

في تلك اللحظة، تحرك فارس، وكأن الزمن يضغط علي رأسه…

شد على كف حبيبه، وفتح باب السيارة بنفاد صبر محب:  اطلعي يا حبة جلبي، الامتحان هيفوت في المحن ديه.

لكزه أدهم بمرح ساخر، وغمغم: بلاش أنت يا غالي، المحن عندك برو ماكس يابا.

انفجرت ضحكة حبيبه، وتبعتها نغم، بينما لوح فارس بيده بحنق مصطنع: مش وجدت الامتحان يا حيلتها!

ضحك أدهم، ثم أحاط منكب نغم بذراعه بحماية هادئة، وفتح لها باب السيارة… صعدت نغم، أغلق الباب، ثم استدار وصعد خلف المقود.

تحركت سيارة فارس أولًا، وخلفها مباشرة سيارة أدهم، وكأن الطريق نفسه قرر أن يجمعهم في خط واحد…
خط يمضي بهم إلى يوم جديد، يحمل في صدره امتحان، وفي قلبه أكثر من خوف، وأكثر من أمل.

في سيارة فارس،

كان الطريق يمتد أمامهما هادئ على غير ما في صدريهما…

أمسك يدها كمن يتمسك بيقين أخير، قربها من شفتيه وقبلها بحنو صامت، ثم غمغم بصوت منخفض يحمل وصية قلب لا نصيحة عقل: بدي منك تركزي زين، وتجري الأسئلة زين ، وتفكيري في الإچابة جبل ما تكتبيها.

أومأت برأسها، وتشابكت أصابعها بأصابعه كأنها تستمد منه الثبات: متخافش، أنا رجعت زين.

نظر إليها طويلًا، تلك النظرة التي تبطئ الزمن. مرر يده على وجنتها برفق بالغ، كأنها قطعة بلور يخشى أن يخدشها الهواء، وقال بنبرة يختلط فيها الأسف بالعجز:  كان بدي أساعدك في كل المواد، بس بين زراعة وطب بيطري مفيش مواد كتير مشتركة، ومكنش فيه وجت طويل أذكر فيه المواد وأعاود أذكرهلك يا حتة النور.

وضعت يدها فوق يده، كأنها تطمئنه قبل نفسها، وهمست بصوت متوتر: كفاية مادة التشريح يا جلبي، كانت عجدت حياتي… وبعدين هتذاكر منهج كامل كتير جوي يا حبيبي.

قبض على يدها فجأة، وسحبها إليه، وقبل رأسها بحنان دافئ وقال: لا مش كتير، ديه كفاية أجعد جدامك أذكرلك وأسافر في المحيط اللي في عنيكي، اللي غرجني من أول نظرة فاكرة؟

ابتسمت بخجلٍ طفولي، وهمست: فاكرة… فاكرة لما كت بدي فرس أخوي طه الله يرحمه، وفاكرة الديب اللي كان هيكولني.

ضحك فارس بمرح، وضمها إلى صدره بقوة، وخرج صوته أجش، مشتعلاً بالغيرة والمزاح: يا بت وأنا أهمله ياكلك بردك؟ أمال أنا أعمل إيه؟ محدش هيكلك غيري.

عضت شفتها بخجل، ولكزته بخفة في صدره، ثم تراجعت في المقعد وهتفت: اتلم يا غالي، أحسن أغير رأيي ومش هتجوزك غير وإنت مؤدب.

انفجر ضاحكًا، ضحكة واسعة كسرت ما تبقى من توتر:  لو أنا مؤدب، إنتي أكتر واحدة هتتكدري… يا بت كلها أسبوعين وهنتچوز، وأنا حاسس بخير كبير.

نكست رأسها، والخجل يثقل أنفاسها، وهمست: بس أنا خايفة.

أوقف فارس السيارة أمام بوابة الجامعة، واستدار إليها، صوته هذه المرة أهدأ، أعمق: خايفة من إيه يا حتة النور؟

نظرت إليه بدهشة ممزوجة بقلق قديم: فارس، إنت بعت عني بسبب اللعنة اللي هتجولوا عليه عشان خوفت عليا، ودلوق هنتچوز… طب اللعنة؟ هيحصل إيه؟

أمسك يدها مرة أخرى، قبلها بحنو ثابت، وقال بثقة رجل قرر أن يكون درعًا: متشليش هم أي حاچة طول ما أنا عايش، ومتخافيش… أنا مش هجرب منيكي غير وأنا متأكد إن كل حاچة تمام، ومش هضرك… أوعي تخافي مني… طول ما انتي في حضني مش هعمل غير اللي يريحك ،ويبسطك ، ويمتعك.

سحبت يدها بسرعة، وفتحت باب السيارة بتوتر، وهي تهتف: اوعى يا جليل الأدب، أنا مجصدش كده!

ضحك فارس بمرح، وهو يتابعها بعينيه، وهي تدخل من بوابة الجامعة برفقة نغم…

ضحكة تخفي خلفها دعاء صامت، أن تمر هذه الأيام بسلام، وأن يظل حضنه كما وعد ملاذها الأخير.

كان فارس لا يزال متسمر خلف عجلة القيادة، عيناه معلقتان ببوابة الجامعة كمن ينتظر جزء من روحه، حين طرق أدهم على زجاج النافذة طرق خفيف لكنه حاسم، وهتف: انت هتبيت هنه؟

التفت إليه فارس بدهشة مشوبة بنفاد صبر: انت رايح وين؟

أشار أدهم بيده كمن حسم أمره من قبل: بدي أعدي على كام محل موبيليا عشان أفرش الفيلا، عشان بعد الامتحانات نغم هتعاود عليها مش على بيت أبوي.

شدد فك فارس، وأومأ ببطء قبل أن يقول: أبوك لسه بده تطلج نغم؟

أومأ أدهم برأسه، وفي عينيه نار مكتومة:  ميهمنيش هو بده إيه، بس أنا بدي أبعد نغم عنيهم.

هز فارس رأسه موافقًا، ثم قال بنبرة عملية: ماشي روح، وأنا هستنى البنات وأعاودهم للشجة… أصلًا النهارده مادة واحدة، يعني ساعة ونص وهيطلعوا، ومش هلحج أروح معاك.

زفر أدهم بحنق، ووضع يده على خصره وغمغم:يا چدع تعالي معايا وابجى عاود تاني… هتجعد ساعة ونص مستني كده.

نظر فارس إلى بوابة الجامعة بغيظ واضح، كأن الزمن يتآمر عليه، ثم هتف: يلا يا زفت… بس هي ساعة ونعاود.

ضرب أدهم كف بكف في حركة انتصار سريعة، وتحرك نحو سيارته، صعدها وانطلق، بينما لحقه فارس بسيارته، يشق الطريق خلفه بسرعة، وقلبه ما زال معلق هناك… عند بوابة الجامعة، حيث ترك خوفه وحنينه معًا.

………
في سرايا العزايزي …غرفة جملات

انشق الهواء على مهل، كجرح صامت في نسيج المكان، وتجلت فينوار من العدم،

حضورها بارد كندى المقابر، وحنينها ثقيل كوصية لم تغفر…

توقفت لحظة، تحدق في جملات الجالسة في هدوء مهيب، سبحتها تنساب بين أصابعها، وشفاهها تتحرك بذكر الله كمن يتشبث بنور أخير في عتمة العمر.

رفعت جملات رأسها ببطء، كأن روحها هي من شعرت بفينوار قبل جسدها، وقالت بصوت متعب مشوب بعتاب قديم: وه من يوم ما جولتلي أمي ماتت يا خاله، منتضرتكيش تاني.

اقتربت فينوار، وجلست قبالتها، نظرتها مثقلة بما لا يقال، وقالت بهدوء موجوع: بس كت چارك طول الوجت، وچار حبيبه… أنا أكتر مكان برتاح فيه هنه، في البيت ديه.

انسابت دموع جملات ببطء، دموع عجوز رأى الحكاية تتكرر بوجوه مختلفة، وقالت بصوت مكسور: أمك كنت هتحبه بردك، ومكنتش تحب تطلع كتير… لحد ما حبت اللي اسمه رماح ديه، وطلعت على جدرها.

تحشرج صوت فينوار، وارتجف الاسم في فمها كسم: رماح ديه أكتر بني آدم بكره.

أومأت جملات برأسها بأسى عميق: ومين سمعك يا بتي…

ثم تابعت، كمن يفتح قبر الذكريات: ياما حذرت أمك من عشجه، بذات إنهم كانوا وجتها أكبر عيلة واحنا غلابة… بس چميلة ادهولت في عشجه… كيف حبيبه بت ولدي دلوق… كنها چميلة عاودت تاني في جلب حبيبه.

هزت فينوار رأسها ببطء، وصوتها صار أصلب:  عاودة في دمها يا خاله، مش في جلبها وبس ..

سكتت لحظة، ثم أكملت:  لما حبيبه اتولدت وأمي فرحت جوي، جالت إني وريثة دمها… اللي هتفك اللعنه بدمها…

تنفّست بعمق واكملت : وجتها مكتش فاهمه أمي تجصد إيه، بس لما فهمت… عرفت إن دم حبيبه المورث، مع دم فارس النقي، مع دمي المختوم… هما اللي هيفكوا اللعنه.

أومأت جملات بقلق ثقيل وقالت :  فوزي منشف راسه من ناحية فارس يا بتي… حتى هددته، ومعرفاش هيوافج ولا لا.

هبت فينوار واقفة، كأن نار اشتعلت في عروقها، وهتفت بغضب لا يعرف التراجع:  لازمن يوافج!

ثم صاحت بصوت مختنق يقطر وجعا : حبيبه وفارس لازم يتچوزوا، واللعنه لازم تتكسر، عشان روح أمي تتحرر يا خاله… كفياها عذاب!

نهضت جملات ووقفت أمامها، محاولة أن تحتوي العاصفة:  بحاول يا بتي، بس فوزي خايف على بته… وديه حجة.

اقتربت فينوار، وتمسكت بذراعي جملات بقوة مرتجفة وهتفت:  ميخافش!

قالتها بحسم قاتل: حبيبه ملهاش صالح تاني… خدنا منها الدم وخلاص…

ثم خفضت صوتها:  اللي في خطر حجيجي هو فارس… مش حبيبه…

وأضافت بمرارة: وحتى أنا… وكمان چوزي… وحتى رماح… مش حبيبه أبدًا.

تجمدت جملات في مكانها، واتسعت عيناها بذهول صريح وغمغمت : جوزك؟!
ثم همست بصدمة:  انتي اتجوزتي؟

أومأت فينوار برأسها ببطء، كأن الإيماءة وحدها تحمل ثقل اعتراف لا فكاك منه، وقالت:  ايوه اتچوزت، وچوزي بيساعدني… بس انتي لازمن تروحي لي رماح.

تقلص وجه جملات دهشة، وتجمدت سبحتها بين أصابعها، وقالت بقلق مشوب بالريبة: رماح ليه؟ بدك ايه منيه؟

تقدمت فينوار خطوة، وتمسكت بذراع جملات بإصرار محموم، كأنها تتعلق بآخر خيط قبل السقوط: رماح لازمن يدفع تمن غدره بأمي…

ثم أردفت، وصوتها صار أكثر حدة: اللعنه بدها أربع أرواح… فارس وقرماس هيتحدوا، وأنا ورماح.

شهقت جملات، شهقة خرجت من أعماق صدرها، خوفًا لم تعرف له اسمًا، وهمست:  ولو چرالكم شين يا بتي؟

ابتلعت فينوار غصتها بصعوبة، كأن الكلمات تخدش حلقها، وقالت بصوت خافت كالنصل:  حد فينا هيموت… بس معرفش مين.

وقبل أن يهدأ الصدى، شق الهواء صوت غاضب، حاد كالسوط: —ياريت تكوني انتي ونرتاحوا منيكي، كيف الخاطية أمك.

التفتت فينوار وجملات في آن واحد، والغضب يشعل الملامح، فصرخت جملات بقهر قديم: فوزي! بكفياك، جلتلك ألف مره ديه خيتي!

أومأ فوزي برأسه بعنف، واقترب بخطوات سريعة، كأن الأرض تضيق تحته، وهتف: خيتك اللي شيلتنا العار، ومكفهاش لا… كمان وشمت بتي بدمها الملعون النجس!

انزلقت دموع فينوار، ثقيلة كاعتراف متأخر، وقالت بصوت مكسور: أمي كانت هتخطط تفك اللعنه… كانت عارفه اللعنه محتاچه ايه عشان تنفك.

أشار فوزي بحدة، وكأن الاتهام سكين مرفوع:  ومين كان السبب من الأول؟!

ثم انفجر:  مش أمك راحت وباعت حالها للچن عشان تنتجم من رماح لما غدر بيها؟ كانت مستنيه ايه؟ يتچوزها بعد ما سلمته حالها كيف أي واحدة رخيصة وساجطة؟!
هزت فينوار رأسها نفيًا، دموعها تنهمر بلا قدرة على التماسك، وقالت بحرقة:  أمي كانت ضعيفة ومچروحة واتغدر بيها…

ثم تابعت، وصوتها يرتجف:  وديه أكتر وجت الشيطان ممكن يدخل فيه…

تنفست بعمق مؤلم واكملت : بس هي ندمت، وحاولت كتير… ووصيتها الأخيرة إني أفك اللعنه…

رفعت رأسها بعناد يائس وهتفت : وأنا مش هرتاح غير لما أفكها.

ضرب فوزي كفه بكف أخرى، فدوى الصوت في الغرفة كطلقة إنذار، وصاح بغضبٍ أعمى:  فكيها ولا متفكهاش بعيد عن بتي أحسنلك! بتي وولد الأنصاري مش هيتجفل عليهم باب طول ما هو ملعون!

اتسعت عينا فينوار، وانفرج فمها عن رد كان يحترق في صدرها، لكن جملات سبقتها، وأشارت إليها برأسها بحزم لا يقبل الجدل، وقالت وهي تواجه فوزي بثبات صلب:  لا يا فوزي، هيتچوزا بدل ما اتحدتت…

وتابعت، ونبرتها قاطعة: واللي هيحصل مش هيبجي على هواك… بتك هتعشج ولد الأنصاري، وانت جولت دمها موشوم بدم چميله، يعني ممكن تغلط كيف ما چميله غلطت.

تراجع فوزي خطوة، كأن الكلمات أصابته في موضع مكشوف، لكن الغضب لم ينطفئ، بل ازداد اشتعالًا، فهدر بصوت أجش:  أنا خابر بتي زين! تربيت يدي!

ثم شد على كلماته: حتى لو دم چميله هيرمح في چسمها…
وأردف بازدراء حاد:  وأصلًا ولد الأنصاري ميجدرش يچي لمتها، اللعنه مجيده!

ابتلعت فينوار غصتها، وكان الحلق يضيق كأن الهواء نفسه صار ثقيلاً، وقالت بصوت خرج بصعوبة: فارس يجدر يچي جمب حبيبه لو بده…

ثم رفعت نظرها بثبات مؤلم: وهو مش چوزها غير وهو چوزها…
وتابعت، وقد تسارعت كلماتها كتحذير أخير: يعني ظلاك هيهمله يغلط… هو كل اللي بده إن فارس يغرق في الغلط أكتر…

سكتت لحظة، ثم قالت بنبرة أخفض، أشد قسوة:  وكمان… عشان دم حبيبه مورث، هيهمله يسحب حبيبه في الغلطة ديه… لو حبيبه وفارس خلفوا في الحرام مكسب ليهم… وهياخدوا العيل اللي هيكون دمه نقي ومورث!

تجمد فوزي في مكانه….لم يعد الغضب وحده في عينيه، بل شيء أثقل… إدراك مفاجئ، كأن باب أُغلقه خلفه بلا رجعة، وكأن اللعنة التي كان يراها بعيدة، بدأت تزحف إلى بيته، إلى ابنته، إلى دمه هو.

وساد الصمت.
صمت كثيف، لا يقطعه سوى أنفاس متوترة، وثقل مصير صار أقرب مما ينبغي.

ووووووووووووووووووو

تواقعتكم ياسكاكرررررررر

ساحره القلم ساره احمد

4.1 393 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
507 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
Mero❤️
Mero❤️
4 أيام

اكيد روعة من قبل مااقرأ❤️

Yomna
Yomna
4 أيام
ردّ على  Mero❤️

تسلمي يا قمر ❤️

May
May
4 أيام

تسلم أيديك يا حبيبتي

Yomna
Yomna
4 أيام
ردّ على  May

تسلمي يا قمر ❤️

Nedaa
Nedaa
4 أيام

تسلم الايادي بدون ما اقرا اكيد بجنن❤️❤️

Yomna
Yomna
4 أيام
ردّ على  Nedaa

تسلمي ي حبيبتي ♥️

Imen kraoua
Imen kraoua
4 أيام

ايوة بقى أخيراً عشان نحسم الجدل 😂😂😂 عبثتوا بحالنا في البوستات

Yomna
Yomna
4 أيام
ردّ على  Imen kraoua

اخيرااا😂😂

ضيف
ضيف
4 أيام

تسلم الايادي تحفه

Yomna
Yomna
4 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ❤️

BN Hafid
BN Hafid
4 أيام

لولولي البارت نزل ♥️

Yomna
Yomna
4 أيام
ردّ على  BN Hafid

لقد هرمنا❤️

Mona Mohamed
Mona Mohamed
4 أيام

تحفه

Yomna
Yomna
4 أيام
ردّ على  Mona Mohamed

تسلمي يا قمر ❤️

Imen kraoua
Imen kraoua
4 أيام

أكيد فصل عظمة زي العادة 🥰 تسلم ايديكي مقدما يا سارة ♥️🥰🥰♥️

Yomna
Yomna
4 أيام
ردّ على  Imen kraoua

تسلمي يا حبيبتي ♥️

Samar
Samar
4 أيام

تسلمي يا مبدعه

Yomna
Yomna
4 أيام
ردّ على  Samar

تسلمي يا قمر ❤️

ضيف
ضيف
4 أيام

تسلم ايدك ❤️❤️❤️❤️😍😍😍

Yomna
Yomna
4 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا حبيبتي ♥️

ضيف
ضيف
4 أيام

يالهوي إيه دا دماااااار 😍😍😍😍😍😍😍😍

Yomna
Yomna
4 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا حبيبتي ♥️

ضيف
ضيف
4 أيام

روعه❤️❤️❤️❤️

Yomna
Yomna
4 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ❤️

ضيف
ضيف
4 أيام

تسلم الايادي روعه

Yomna
Yomna
4 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ❤️

يارا السيد
يارا السيد
4 أيام

جمممممميل

Yomna
Yomna
4 أيام
ردّ على  يارا السيد

تسلمي يا حبيبتي ♥️

ضيف
ضيف
4 أيام

اي العظمة دي😍😍😍❤❤❤❤

Yomna
Yomna
4 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ❤️

noran
noran
4 أيام

اي الحلاوة دي بجد البارت تحفة تسلم ايدك يا سارة ❤️

Yomna
Yomna
4 أيام
ردّ على  noran

تسلمي يا قمر ❤️

samer yehia
samer yehia
4 أيام

ورث الدم
ابدعتى

Yomna
Yomna
4 أيام
ردّ على  samer yehia

تسلمي يا قمر ❤️

ايمان عبده
ايمان عبده
4 أيام

تحفه الحمد لله

Yomna
Yomna
4 أيام
ردّ على  ايمان عبده

تسلمي يا حبيبتي ♥️

ايمان عبده
ايمان عبده
4 أيام

تسلم ايدك بجد البارت تحفه

Yomna
Yomna
4 أيام
ردّ على  ايمان عبده

تسلمي يا قمر ❤️

Salma Mohamed
Salma Mohamed
4 أيام

تسلم ايدك ❤️

Yomna
Yomna
4 أيام
ردّ على  Salma Mohamed

تسلمي يا قمر ❤️

ضيف
ضيف
4 أيام

تحفه

Yomna
Yomna
4 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ❤️

Esraa
Esraa
4 أيام

تحفففة 🔥♥️

Yomna
Yomna
4 أيام
ردّ على  Esraa

تسلمي يا قمر ❤️

Hanaa
Hanaa
4 أيام

الواد فارس طلع صايع حافظ تاريخ الدوره بتاعتها

Yomna
Yomna
4 أيام
ردّ على  Hanaa

هموت😂😂😂

Omar mohamed
Omar mohamed
4 أيام

بارت روعه واخيرا اطمنا ان حبيبه مش حامل وبعدين فوزى ده لسه ما اتهدش

Yomna
Yomna
4 أيام
ردّ على  Omar mohamed

ولا هيتهد😂😂

ضيف
ضيف
4 أيام

تحفة 🥰

Yomna
Yomna
4 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ❤️

ضيف
ضيف
4 أيام

البارت تحفهههه اووووووووي♥

Yomna
Yomna
4 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ❤️

ضيف
ضيف
4 أيام

تسلم ايدك ع الجمال💗🦋

Yomna
Yomna
4 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ❤️

ضيف
ضيف
4 أيام

يعني دلوقتي اللعنه هتتفك بموت الملك نفسه ولا بموت حد من الاربعه

Yomna
Yomna
4 أيام
ردّ على  ضيف

هنشوف ي قلبي الأحداث هتوضح اكتر لقدام❤️

Zahra
Zahra
4 أيام

اي الروعه دا ♥️

Yomna
Yomna
4 أيام
ردّ على  Zahra

تسلمي يا حبيبتي ♥️

سوسو
سوسو
4 أيام

البارت روعه روعه روعه

Yomna
Yomna
4 أيام
ردّ على  سوسو

تسلمي يا قمر ❤️

Om Walid
Om Walid
4 أيام

♥️♥️♥️👏👏👏

Yomna
Yomna
4 أيام
ردّ على  Om Walid

❤️❤️

نور عبدالعزيز
نور عبدالعزيز
4 أيام

تسلم ايدك جميل جدا

Yomna
Yomna
4 أيام

تسلمي يا قمر ❤️

Arwa Ahmad
Arwa Ahmad
4 أيام

❤️❤️❤️❤️تحفة

Yomna
Yomna
4 أيام
ردّ على  Arwa Ahmad

تسلمي يا حبيبتي ♥️

ضيف
ضيف
4 أيام

اي التحفه دي والعظمه دي

Yomna
Yomna
4 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا حبيبتي ♥️

نور الليالي
نور الليالي
4 أيام

تسلم ايدك ياساره بجد حاجه تحفه

Yomna
Yomna
4 أيام
ردّ على  نور الليالي

تسلمي يا قمر ❤️

Tota
Tota
4 أيام

تحفه اوي ♥️♥️♥️♥️

Yomna
Yomna
4 أيام
ردّ على  Tota

تسلمي يا قمر ❤️

Lobna Hedaia
Lobna Hedaia
4 أيام

البارت وجماله رووووعه وبجد تسلم ايديك يا ساحرة القلم ابدعتي منتظرين الجديد وجماله

Yomna
Yomna
4 أيام
ردّ على  Lobna Hedaia

تسلمي يا قمر ❤️

ضيف
ضيف
4 أيام

مبروك ياقلبي الكتاب الجديد

Yomna
Yomna
4 أيام
ردّ على  ضيف

الله يبارك فيكي ي حبيبتي تسلمي♥️♥️

Lily Ahmed
Lily Ahmed
4 أيام

تسلم ايدك يا قلبي 😍

Yomna
Yomna
4 أيام
ردّ على  Lily Ahmed

تسلمي يا قمر ❤️

Lily Ahmed
Lily Ahmed
4 أيام

الفصل تحفه كالعاده 😘

Yomna
Yomna
4 أيام
ردّ على  Lily Ahmed

تسلمي يا حبيبتي ♥️

Lily Ahmed
Lily Ahmed
4 أيام

احلي سوسو في الدنيا 🥰

Yomna
Yomna
4 أيام
ردّ على  Lily Ahmed

تسلمي يا قمر ❤️

ضيف
ضيف
4 أيام

جامد 👏👏👏🤩

Yomna
Yomna
4 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ❤️

ضيف
ضيف
4 أيام

تحفة يا سارة كل مادي الاحداث بتبقا مشوقة اكتر

Yomna
Yomna
4 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا حبيبتي ♥️
ولسههه الأحداث لقدام احلي ♥️♥️

ضيف
ضيف
4 أيام

البارت روعه بمعنى الكلمه ياسو

Yomna
Yomna
4 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ❤️

Aya Sayed
Aya Sayed
4 أيام

جامد اوي

Yomna
Yomna
4 أيام
ردّ على  Aya Sayed

تسلمي يا قمر ❤️

sooma
sooma
4 أيام

ايه الجمال دا الحمد لله طلعت مش حامل

Yomna
Yomna
4 أيام
ردّ على  sooma

الحمد لله 😂😂

Malak
Malak
4 أيام

تسلم ايدك

Yomna
Yomna
4 أيام
ردّ على  Malak

تسلمي يا قمر ❤️

Fatenmansour
Fatenmansour
4 أيام

تسلم ايدك تحفففه 💜

Yomna
Yomna
4 أيام
ردّ على  Fatenmansour

تسلمي يا قمر ❤️

ضيف
ضيف
4 أيام

بارت فوق الخيال 🔥🔥🔥 جامد بس تسلم ايدك يا قمر 🌹🌹🌹

Yomna
Yomna
4 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي ي حبيبتي ♥️

دودو
دودو
4 أيام

تسلم ايدك

Yomna
Yomna
4 أيام
ردّ على  دودو

تسلمي يا قمر ❤️