عشق ملعون بالدم(الفصل الواحد ثلاثوان)
في أغوار الحب اللامتناهية نصبح جميعنا أطفالا عريانين نرقص على حافة الهاوية بين النشوة والانهيار نلهث خلف لمسة واحدة تشعل شرارة الوجود. تقتلنا الغيرة سكينا حادة تغرز في صدر القلب تذيب الروح في لهيب التملك الجامح بينما يسعدنا الاهتمام كقطرة عسل تروي صحراء الروح الظمأى توقظ فيها أناشيد الغرام الخالد. ويبكينا الإهمال دموع الأطفال المتيامين يغرقنا في بحر من الوحدة المرة وتحزننا الردود المتأخرة كصفعة باردة تطفئ نار الشوق المتلألئ.أما الغيرة فليست شكا زائفا يفسد العصمة بل هي دفاع شديد عن ممتلكات القلب الأثمن حصن من نار وحداد يحمي الحب من أي دفء غاصب. والغيرة والشوق وكثرة العتاب تلك هي أصدق صفات الحب وطقوسه المقدسة رقصة محمومة بين الألم واللذة تعلن الانتساب الأبدي في كل نظرة وكلمة.
فتح الباب دون انتظار… وتجمد.
تسمرت قدماه في مكانهما، وكأن الأرض شدت جذورهما، واتسعت عيناه بذعر حقيقي، وخرج صوته مبحوح، حاد، مرتجف : ليــــلة؟!
كانت ليلة جالسة على طرف السرير، جسدها نحيل كأنه فقد نصفه، وجهها شاحب، وعيناها غارقتان في سواد عميق…
لكن ما شل سلام حقا…
أن يدها كانت تمسك بعلبة دواء مفتوحة،
والأقراص متناثرة على الغطاء الأبيض كحبات ذنب.
رفعت ليلة عينيها إليه ببطء، ابتسامة واهنة ارتسمت على شفتيها، ابتسامة شخص تعب من المقاومة، وقالت بصوت خافت، مكسور: چيت بدري يا بوي…
اندفع سلام نحوها بخطوتين، قلبه يكاد يقفز من صدره، وصاح بذعر لم يعرفه من قبل:إيه ديه؟ إيه اللي في إيدك دبه؟ ليلة! انطجي!
أنزلت نظرها إلى الأقراص، ثم أعادت رفعه إليه، ودمعة وحيدة انزلقت بلا مقاومة، وهمست: تعبت… تعبت جوي، ومعدش فيّ حيل أكمل.
ارتجفت شهية عند الباب، وصلت في تلك اللحظة، وضربت صدرها وهي تصرخ: يا ساتر يا رب! يا ليلة… لا يا بتي! حرام عليكي!
سقط سلام على ركبتيه أمامها فجأة، لأول مرة ينكسر ظهره، لأول مرة ينهزم صوته، ومد يده يرتعش وهو يبعد العلبة عنها، وهتف بنحيب خالص: لا…لا يا بتي، كيف هان عليكي روحك؟! كيف! كيف هان عليكي تحرجي جلوبنا عليكي؟!
نظرت إليه ليلة طويلاً…
نظرة لم تكن عتاب، ولا رجاء، بل وداع مؤجل، كأنها تمنح الزمن فرصة أخيرة ليكذب قسوته…
عينان ذابلتان، أثقلهما السهر والجوع والانكسار، تحاولان أن تتذكرا ملامحه كما كان يومًا… لا كما صار الآن.
ثم أغمضت عينيها… لا احتجاج، لا مقاومة….
انكسر جسدها على السرير ببطء موجع، كغصن أنهكه الريح حتى قرر الاستسلام، وكأنها سلمت روحها للتعب، ووقعت هدنة أخيرة مع الألم.
لحظة صمت ثقيل خيم على الغرفة…
ثم انفجر….صرخت شهية بأعلى صوتها المبحوح، صرخة خرجت من صدر مشقوق، لا من حنجرة: بتــــــــــــي! يا حرقة جلبي عليكي… يا مرار الطافح!
وضربت صدرها بيد مرتعشة، والدمع يغرق ملامحها: البت ضاعت يا سلام… ضاعت!
تسمرت قدما سلام في مكانهما…
جحظت عيناه، وكأن الرعب صفعه فجأة بلا إنذار، وخرج صوته مكسور، حاد، يائس: الحجني يا صهيب! يا صابر! الحجني يا ولد!
اندفع صهيب وصابر كمن يفر من حريق داخل صدره.
الرعب سبق خطاهما، وسرى في عروقهما مجرى الدم.
هتف صهيب بصوت مبحوح، وهو يحدق في الجسد الساكن : ليلة! عملت إيه في حالك يا بت أبوي؟!
صرخ صابر بغضب مذعور، لا يشبه الغضب بقدر ما يشبه الفزع: شيل يا صهيب… هم! لازم نلحجوها!
أومأ صهيب برأسه، والدموع تنهمر دون إذن، وحمل ليلة بين ذراعيه….كانت خفيفة… أخف مما ينبغي…
تدلت ذراعيها كدمية مكسورة، بلا حياة، بلا اعتراض، وكأنها قررت أخيرًا ألا تقاوم أحدًا بعد الآن.
ركض بها إلى الأسفل، والجميع خلفه، أقدامهم مكبلة بالرعب، وأنفاسهم متعثرة بالدعاء.
وفي الغرفة…
لم يبق سوى صدى بكاء مكتوم،
وسريرٍ فارغ يشهد على انسحاب روح،
وقلب أب أدرك متأخرًا…
أن العناد، حين يتخفى في ثوب الحماية،
قد يقتل أكثر مما تحميه القرارات.
………
في المستشفى..
فتح فواز عينيه ببطء، كأن الجفون تزاح عن روح لا عن بصر…
لحظات حتى استقامت الرؤية، فداهمته كلمات أمير كصفعة لا ترى:والله مش عارف أجولك إيه يا حاچ فواز… بس ولدك جتل أخوه.
ارتج قلبه، وضربه الصوت في مقتل. تردد الصدى في رأسه، أثقل من الجدران البيضاء حوله:اسأل الشجيج اللي هان عليه يدفن أخوه وهو حي…
البقاء لله يا عمي… سلمان كان طيب وابن حلال… الله يرحمه، ادعيله.
انفجر البكاء في صدره مكتوم، وجسده يرتعش كغصن يابس كسرت الريح ظهره، وهمس بصوت مخنوق:
سامحني يا ولدي… أنا السبب… أنا اللي چنيت عليك.
اقتربت هند بخطوات مثقلة بالحزن، تمسح دموعها بطرف حجابها، وغمغمت بصوت يرتجف: كفاك يا أبوي… الدكتور جال الزعل عفش عليك… استهدي بالله، وادعيله.
شهق فواز شهقات متقطعة، مرارة الفقد تملأ فمه كالصدأ، وسأل بصوت مبحوح: شيعوا چنازة خيك ولا لسه يا بتي؟
هزت هند رأسها نفيا، وقالت بصوت يقطر وجع: لسه يا أبوي… عساف وأمير هيخلصوا الإچراءات والتصريح.
انزلقت دمعة ثقيلة على جانب رأسه، وتمتم بصوت متحشرج:بدي عمك دلوق… هاتيه من تحت الأرض يا بت… خايف يكون مفيش وجت.
هزت رأسها نفيا، واقتربت أكثر، صوتها يرتعش: لا يا أبوي… أنا مليش غيرك دلوق… إنت اللي باجي لي.
ربت على يده بضعف، فتمسك بها كمن يتشبث بآخر ما تبقى من الدنيا، وهمس: چوزك، وعمك، ومرت عمك… هما أهلك دلوق…حطيهم في عنيكي يا بتي… ديه وصيتي.
أومأت هند، ودموعها تنهمر بصمت وغمغمت : كفاك يا أبوي… الدكتور جال متتعبش حالك.
أغمض عينيه نصف إغماضة، أنفاسه ثقيلة، وهمس بإصرار واهن:بدي عمك… يا بتي…بسرعة.
أومأت، واندفعت خارج الغرفة، صوتها يعلو بنحيب ممزق: عمي… عمي فوزي!
هب فوزي مفزوع ،واقترب منها بخطوات ثقيلة، وخرج صوته مرتعش : خير يا بتي؟
أشارت إلى الداخل، ودموعها تنهمر كالمطر، وهمست بصوت مبحوح: أبوي… بده يحدتك.
أومأ فوزي برأسه، وكأن الخبر هبط عليه فجأة، واندفع إلى الداخل…
اقترب من السرير، حاول أن يحكم قبضته على دموعه، فانحنى وقبل رأس فواز، وقال بصوت مكسور: البقاء لله يا خوي… خابر النصيبة چات كيف الصاعجة… شد حيلك… سلمان ما كانش ولدك لحالك…ربنا العالم جلبي اتحرج عليه.
قبض فواز على كف فوزي بقوة، وكأنه يتشبث بآخر خيط يربطه بالحياة، وغمغم بأنفاس ثقيلة وصوت متحشرج:
سامحني يا خوي… كنت بسرجك… أنا وموسى… وسلمان، الله يرحمه، ياما حذرني.
انهار باكي، وخرج صوته مختنق بالبكاء: كان يجولي حرام يابا… الحرام يخرب البيوت… واللي جاله… وهو كان…
نظر إليه فوزي بغضب لحظة، لكن الغضب ذاب أمام الفقد، وقال بصوت خافت: مسامحك يا خوي… كل شيء مخلص… حتى البني آدم بيروح في لحظة.
هز فواز رأسه بحزن غائر، وقال : عنديك حج… راح سلمان، اللي ما كانش له ذنب غير إنه ولدي، وأخو موسى الچاحد… عاش يشيل شيلة مش شيلته… ومات بذنب مش ذنبه…
اقترب فوزي أكثر، ووضع يده على كتف أخيه، وهمس: استهدي بالله، وادعيله بالرحمة.
انهار فواز تمامًا، وشهقاته تمزق صدره وهو يردد: لا إله إلا الله… ربنا يرحمك يا ولدي…سامحني يا سلمان… سامحني يا ولدي.
……..
على بوابة المستشفى..
توقفت سيارة صهيب بعنف مفاجئ، صرخت عجلاتها وهي تحتك بالأرض، كأن الحديد نفسه يفزع مما يحمله.
انفتحت الأبواب دفعة واحدة، وترجل صابر حاملاً ليلة بين ذراعيه، جسدها مستسلم، خفيف على غير طبيعته… كأن الحياة انسحبت منه دفعة واحدة.
صرخ صابر بصوت حارق مزق الهواء: دكتور! الحقونا… الله لا يسيئكم!
ركض صهيب، جذب سرير متحرك بعنف، وهدر: حطها هنه يا صابر!
وضعت ليلة على السرير، واندفع صابر وصهيب يدفعانه بأقصى ما في صدريهما من قوة، بينما جاء صوت سلام متحشرج، مكسور: الحجونا… يا خلج البت بتموت!
لحقت شهية بهم، أنفاسها تتقطع، صدرها يعلو ويهبط بعجز موجع، ودموعها تنهمر وهي تهتف برجاء يائس:
ارمح يا ولدي… انجدوها، احب علي يدكم!
استقبلتهم الممرضات بسرعة، التقطن السرير، ودفعنه نحو غرفة العمليات. سألت إحداهن بلهفة: مالها؟ چرالها إيه؟
هتف صهيب وهو يلهث: خدت حبوب… غلط!
أومأن دون أسئلة أخرى، واختفت ليلة خلف باب غرفة العمليات، الذي انغلق بصفعة قاسية، وكأنه أغلق معه كل الأمل.
تجمدوا في أماكنهم… والرعب ينهش صدورهم بلا رحمة.
كادت شهية تسقط لولا يد صابر التي أمسكتها في اللحظة الأخيرة، وقال بصوت مرتجف: اهدي يا يمه… سليمة إن شاء الله.
جلست شهية على الكرسي، كأن العظام لم تعد تحملها، وتمتمت بصوت مبحوح يقطر ندم : ودرنا البت… وشنعنا بيها يا ولدي…يا ريتنا سمعنا ليها… يا ريتنا هملناها مع بدر… بس كلمة ياريت عمرها ما عمرت بيت، يا ولدي.
انهار سلام على الأرض، جلس واضع كفيه على رأسه، جسده يرتجف برعب مكشوف على ابنته الوحيدة، والندم ينهش قلبه بلا هوادة.
نظرت إليه شهية بغضب موجوع، وهتفت: الله لا يسامحك يا سلام! ضيعتلي بتي بيدك….وأنا الغلطانة… سمعت حديتك، وأنا أكتر واحدة خابرة إن روحها متشعلجة في چوزها.. وممكن تفارجها مع فرجته.
لم يرفع سلام رأسه…كان لسانه ثقيلًا، كأن الكلمات ماتت داخله..
مسحت شهية دموعها بقهر صامت، وعيناها معلقتان على باب غرفة العمليات…تعد الثواني، وتنتظر رحمة قد تأتي… أو فاجعة تكمل ما بدأه العناد.
أخرج صهيب هاتفه بيد مرتعشة، عبث به ثواني كأن أصابعه لا تطيعه، ثم رفعه إلى أذنه…
مرت لحظات ثقيلة كأنها دهر كامل، قبل أن يخرج صوته مكسور، محطم، لا يشبهه: بدر… تعالي دلوق على المستشفى… بسرعة..
هب بدر من فوق كرسي المكتب كأن نار اشتعلت تحته، نخر الرعب قلبه لا لحمه فقط، بل حتى عظامه…
اندفع خارج الغرفة دون أن يلتقط أنفاسه، وصوته يلهث وهتف:ليه يا صهيب؟ مالها ليلة؟
جاءه صوت صهيب من الطرف الآخر، غاضب مكبوت، حزين حد الاختناق: حاولت تنتحر… تعالي يا بدر، بالله
عليك، تعالي بسرعة.
توقف الزمن….لم يسمع بدر بعدها شيئًا.
ركض على الدرج بخطوات لا تمس الأرض، كأن قدميه لم تعودا تحملانه بل يقذفه الخوف قذف….
قفز داخل سيارته، وأدار المحرك بعنف، وانطلق كأن الطريق عدوه…
كانت السرعة جنونًا، والهواء يصفعه، وقلبه يغلي كالمرجل المنفجر….
ضرب المقود بقبضته وهدر بصوت مبحوح محروق:
لو ليلة چرالها حاچة… هموتك يا سلام بدل الموتة ألف… هخلي روحك ما تطايجش الوچع، ولا تعرف الراحة، ولا تتهنى بخطوة وحدة.
كانت السيارة تشق الطريق كبرق أعمى، تتمايل، تكاد تنقلب أكثر من مرة، لكنه لم ير، لم يشعر… كان يرى وجهها فقط، شاحب، مكسور، يستغيث ولا أحد يسمع.
توقف فجأة أمام المستشفى.
ترجل من السيارة دون أن يغلق الباب، وركض كالمجنون، صدره يعلو ويهبط، ودموعه تنحدر دون إذن، بقلب يرتجف، مكلوم، كأن أحدًا يعصره بيد قاسية.
دلف وهو يدور بعينيه في المكان، يبحث عنها، عن خبر، عن أي شيء…حتى اخترق أذنه صوت صهيب المتحشرج:بدررر…
استدار بعنف، واندفع نحوه، لكنه توقف فجأة حين وقعت عيناه على سلام.
تبدل وجهه في لحظة، وانفجر الغضب من صدره كوحش أفلت من قيده، وهدر: يارب تكون ارتحت دلوق!
اندفع صهيب وصابر وأمسكوا به، أذرعهم تحاول كبحه، وأصواتهم تتشابك… صاح صهيب بقهر: اهدي يا أخوي… نطمنوا على ليلة الأول… وبعدها خدها وروح، ومحدش هيجدر يفتح خشمه!
نهض سلام ببطء، وكأن التعب عمر كامل لا لحظة،وخرج صوته مبحوح لكنه حاد، جارح: يا أخي منك لله… طالما جابر حالك، مينفعكش چواز… چيت عليها ليه؟ خليتهم تحبك وتتعلج بيك ليه؟ ليه ميلت بختها؟
ضحكة قصيرة، سوداء، خرجت من صدر بدر.
وبدون تفكير مد يده إلى خلف ظهره، وانتزع سلاحه بحركة سريعة، ورفعه بعينين تحترقان، وهدر : أنا اللي ميلت بختها؟ ولا عندك ، وچبروتك؟
صرخة شهية شقت المكان…انقض صهيب ورفع ذراع بدر بعنف، وانفجر صوته بغضب ورجاء معًا: بدر! فوج يا أخوي! فكرك لو چتلت أبوي، ليلة هتبص في وشك؟! حتى لو كانت هتعشجك!
اهتز بدر، لكن الغضب لم يهدأ، بل ازداد توحش…صاح بصوت يحترق: أفوج كيف؟! هو أبوك… خلي في عجل يفوج!
كان صدره يعلو ويهبط، والسلاح يرتجف في يده، وبين الغضب والخوف، كان هناك شيء واحد فقط ثابت…
رعبه من أن تكون ليلة قد قررت الرحيل، وهو لم يصل بعد.
اندفع صابر وهو يحاول انتزاع السلاح من قبضة بدر، صوته متفجر كبركان مكبوت: خلاص! ربنا ينچي ليله، وخدها وبينا وبينك حد الله يا صاحبي!
لكن سلام كان قد احترق تمامًا، فصرخ بحرقة جارحة، كأنها سكين في الهواء: هترفع فـ وشي الطبنچة يا ولد الأنصاري؟! أخس… أخس على تربيتك! أخس كـ—
انقطعت كلماته فجأة، كأن القدر نفسه أمر بالصمت، حين انفتح باب غرفة العمليات وخرج الطبيب.
رفع الطبيب يده في إشارة حازمة، وقال بنبرة صارمة حاول أن يخفي بها توتر الموقف: ميصحش كده يا چماعة… دي مستشفى، مش ساحة.
اندفعوا جميعًا نحوه، التفوا حوله كدائرة مغلقة من القلق، كأن الخوف قرر أن يسكن بينهم جسد واحد.
لكن بدر كان الأسرع، تقدم خطوة، وصوته خرج حاد قاسي، يقطع الحجر قبل السكون: كيفها؟! مرتي كيفها يا دكتور؟ طمني… بالله عليك.
توقف الطبيب لحظة، نظر في الوجوه المتلهفة، ثم قال بنبرة مهنية ثابتة، لكنها لم تحمل الطمأنينة الكاملة:
إحنا لحجنا الموجف في الوجت المناسب، وعملنا غسيل معدة…
توقف ثانية، وكأن الصمت أبلغ من الكلام، ثم أكمل:
بس المشكلة إن الحبوب كانت جويه… والمعدة كانت فاضية.
تبادلت العيون نظرات مرعوبة، وكأن الكلمات سقطت عليهم كحكم مؤجل.
تمتم بدر بصوت متحشرج، خرج من صدره لا من حنجرته: يعني إيه؟ طمني… معدتها اتأثرت؟
أومأ الطبيب برأسه ببطء، وفي عينيه شيء من الأسف، وقال: ديه خلى تأثير الدوا مباشر على جدار المعدة… حصل تآكل في البطانة، والنتيجة… قرحة معدة.
شهقت شهية شهقة حادة، انكسرت فيها، وكأن الألم وجد طريقه إليها أيضا.
تراجع بدر خطوة إلى الخلف، لا لأنه خائف… بل لأن الغضب ثقل فجأة على جسده.
أما سلام، فهتف بصوت مبحوح مرتجف: يعني القرحة ديه خطر يا دكتور؟
صمت الطبيب لحظة، كأنه يزن كلماته بميزان الرحمة، ثم قال:مش خطر فوري على حياتها… لكن مش هينة.
واستطرد، كأن كل كلمة مسمار جديد في الصدور: هتعمل ألم مستمر، أو نوبات وجع حاد… يزيد مع التوتر أو الچوع…حرجان شديد في المعدة، غثيان متكرر، وقيء…
وممكن يحصل تهيج يوصل لآثار دم.
تنفس، ثم أكمل بصوت أخفض : ضعف عام وإرهاق، لأن جسمها أصلًا كان منهك.
فقدان شهية… ومش هتجدر تاكل بشكل طبيعي فترة.
رفع عينيه إليهم وقال الجملة الأخيرة ببطء قاتل: ومع أي ضغط نفسي… الألم هيرچع أجوى، كأن الچسم بيرد على اللي حصل.
سقط الصمت عليهم دفعة واحدة.
لم يتكلم بدر … فقط شد قبضته، وكأن الذنب انغرس فيها،
وفهم أخيرًا أن ليله لم تحاول أن تموت فقط…
بل تركت الألم حي بداخلها، ليذكّرهم جميعًا بما فعلوه بها.
قبض بدر على يده بعنف حتى ابيضت مفاصله، كأن الغضب يحاول الخروج من جلده قبل صوته…
رفع عينيه إلى سلام، وفي نظرته شيء انكسر ولم يعد يعرف طريق الرجوع…
اندفع نحوه كإعصار أعمى، قبض على ياقة جلبابه بعنف كاد يخنقه، وخرج صوته مبحوح، متشقق، كأن الوجع يسبق الكلمات: عاچبك كده؟!
شده نحوه حتى تلامست أنفاسهما، وأكمل بصراخ موجوع:خدتها مني… وياريت جدرت تحميها! لا من الوچع ولا من الموت!
ترنح سلام تحت قبضته، ليس خوف بقدر ما هو ثقل الحقيقة التي صفعت صدره فجأة…
اندفع صهيب وصابر في اللحظة ذاتها، تشابكت الأيدي، تعالت الأنفاس، وتحول المكان إلى كتلة فوضى ووجع.
هتف صهيب وهو يحاول نزع بدر عنه، صوته يرتجف بين الغضب والتوسل: بدر! ميصحش كده! همله!
ثم خفض صوته، كأنه يكلمه من قلب لقلب : أنا عارف إنك محروج ومكسور… بس همله، هيموت في يدك! عشان خاطري يا أخوي.
تمسك سلام بقبضة بدر بيد مرتعشة، هدر صوته مختنق، لا يحمل قوة الآباء بل عجزهم : نزل يدك يا ولد الأنصاري…
ابتلع لعابه بصعوبة، وأكمل بصوت منكسر: أنا خايف على بتي… ولولا عيبك، أنا مكتش هفتح خشمي معاكم ولا هدخل في عشيتكم.
دوى صوت الطبيب حاد، كأنه صفعة على الوجوه جميعًا: ميصحش كده يا چماعة! دي مستشفى!
وأشار بيده بقلق: وحالة ليله مش هتتحمل أي مشاكل ولا توتر.
اندفعت شهيه، تشبثت بذراع بدر بكل ما بقي فيها من قوة، دموعها تنهمر بلا توقف، ووهتفو بصوت مكسور:
كفايك يا ولدي…
شهقت، وكأن صدرها يضيق بالحقيقة: إحنا غلطنا… وانت واد أصول… همله ديه مهما كان أبو ليله، لأجل خاطرها يا ولدي.
لكن بدر دفع يدها بعنف، لا بقسوة مقصودة، بل لأن الوجع كان أكبر من الجميع…
هدر وهو يشير بيده إشارة قاطعة، كأنها حكم لا رجعة فيه: من دلوق… ليله تخصني وحدي.
توقف لحظة، وصوته خفت لكنه صار أوجع: كانت معايا كيف الوردة المفتحة…
ثم عاد الغضب يشعل كلماته:خدتوها، ودهستوها تحت ظلمكم!
فتح سلام فمه ليتكلم، لكن الكلمات خانته، سبقه صهيب وهو يقول بثقل وصدق:حجك يا خويا…
أومأت شهيه، نظرت إلى سلام بنظرة تحمل عتاب العمر كله، ثم قالت بحسم موجوع: خدها يا ولدي… المهم تبجى زينه.
أومأ بدر برأسه دون أن ينطق، كأن الكلام صار عبئ لا يحتمله. ..
تحرك بخطوات ثقيلة، كل خطوة كأنها تنتزع من صدره انتزاع، يبحث عن غرفة ليله…
وخلفه، سقط الصمت على الجميع، صمت ثقيل، لا يشبه الهدوء، بل يشبه جنازة لم ترفع بعد.
………
مساء ثقيل خيم على سرايا العزيزي، كأن الليل جاء قبل أوانه، وقرر ألا يرحل…
في قلب الحديقة الواسعة، تمدد صوان العزاء كظل أسود، يبتلع الضوء والأنفاس معًا…
انتهى المقرئ من تلاوة آخر الآيات القرآنية، وانسحب صوته بهدوء موجع، تارك خلفه فراغ أكبر من الكلمات.
بدأ المعزون بالانصراف واحد تلو الآخر، وجوه مطأطئة، خطوات متثاقلة، كأن كل منهم يحمل شيئًا من الحزن ويمضي…
وقف فوزي، وعساف، وأمير، وفارس، وسند في صف واحد، يصافحون الخارجين، أيد تمتد، وأخرى تقبض، لكن العيون وحدها كانت تتكلم… وكلها تقول الشيء ذاته: الخسارة أفدح مما يقال…
اقترب فارس من أمير، ربت على منكبِه بحنو ثقيل، وقال بصوت خافت يحمل وجع الأخ قبل كلمات العزاء: البقاء لله يا أخوي.
لم يتمالك أمير نفسه، جذبه إلى صدره في عناق طويل كأنه يتعلق بآخر خيط يمنعه من الانهيار. خرج صوته متحشرج، مكسور: تشكر يا أخوي…
وتوقف لحظة، ابتلع غصته، ثم أكمل:معرفش أشكرك كيف… لولاك كان حج سلمان ضاع، وولد الحرام موسى فلت بعملته…
ربّت فارس على ظهره، لا ليهون المصاب، بل ليقول: أنا هنا. وقال بإخاء صادق: وانت كت في كتفي يا أمير…
ثم شد على منكبه قليلًا وقال : في كل اللي جدرنا نوصله… هدي حالك.
أومأ أمير برأسه ببطء، وكأن كل حركة منه تحتاج جهدًا مضاعف، وهمس: حاضر يا أخوي… ربنا يعدلها.
تحرك فارس بعدها، صافح عساف بصمت مشحون، ثم توقف أمام فوزي…
تلاقت العيون… وفي عين فارس اشتعل غضب مكتوم، لا يصرخ، لكنه يحرق….
مد يده، وتردد فوزي لثانية قصيرة، قبل أن يمد يده هو الآخر. كانت مصافحته باردة، مرتجفة.
قال فوزي بصوت متحشرج، كأن الكلمات تنتزع من صدره: تشكر يا ولدي… جميلك دين في رجبتي ليوم الدين.
هز فارس رأسه نافيا، وصوته خرج حاسم، لا يقبل المجاملة ولا يطلب الثمن: الحج حج يا عمي…
ثم نظر إليه بثبات موجع: وديه حج سلمان.
توقف لحظة، وأضاف بنبرة لا تخلو من تحذير: بس حجي عندك… وأنا هاخده.
ارتبك فوزي، تحركت عيناه، ثم هز رأسه باستسلام ثقيل، وتمتم وكأنه يحدث نفسه قبل أن يحدثه: اللي مكتوب على الچبين… هتنضرو العين يا ولدي.
أومأ فارس برأسه دون تعليق، استدار، وانصرف بخطوات ثابتة، وسند يسير إلى جواره.
وخلفهما… بقي الصوان، وبقي الحزن، وبقي اسم سلمان معلق في الهواء، لا يودع، ولا ينسى.
انتهى العزاء، وانسحب الضجيج مع آخر المعزين، وبقي الصمت وحده سيد المكان…
دلف فوزي إلى الداخل بخطوات مثقلة، كأن الأرض تشده إلى الأسفل، وعقله يدور في دوامة لا مخرج لها؛ أفكار متشابكة، وندم يتكاثر، وذنب لا يعرف كيف يضعه عن كتفيه…
تبعه أمير، صامت، يحمل على وجهه إرهاق لا علاقة له بالسهر وحده.
نهضت إنعام من مقعدها، واقتربت من فوزي بخطوات هادئة، وقالت بصوت مكسور تحاول أن تمسك فيه بالعزاء: البقاء لله يا واد عمي… في واد أخوك.
جلس فوزي ببطء، كأن الجلوس اعتراف بالعجز، وقال بصوت غارق في الحزن: الدوام لله يا أم عساف… الدوام لله وحده.
اقتربت ريم وجلست إلى جواره، قريبة بما يكفي لتشعر بثقل أنفاسه، وقالت بهدوء مهذب يخفي ارتباكها:
البقاء لله يا عمي.
نظر إليها فوزي طويلًا… نظرة لم تكن مجرد حزن، بل خليط خانق من الذنب والندم، كأنها تشبه شخص يراه ولا يستطيع إنقاذه…قال بصوت واهن : الدوام لله يا بتي.
رفع فوزي رأسه ببطء، وحدق في أمير… كانت الحسرة عالقة في حلقه كغصة لا تنزل ولا تخرج…وغمغم بحسره : سامحني يا ولدي.
ثم حول نظره إلى ريم، وعيناه تتهربان من عينيها:
وسامحيني يا بتي.
تبادلوا النظرات بدهشة مشوبة بالقلق… قالت ريم بصوت متردد: ليه يا أبوي؟
أومأ فوزي برأسه، وكأن كل كلمة ستنزف جزء منه، وقال بحزن ثقيل:أنا غصبت عليكم…وچوزتكم بالعافية.
تنفس بعمق، كمن يسلم أمره: بس خلاص… انتو حرين. لو بدك يا بتي الطلاج، أنا مش هفتح خشمي.
تجمدت ريم في مكانها…لم تتحرك، لم تتكلم.
رفعت عينيها ببطء نحو أمير… تبحث عن كلمة، عن رفض، عن جملة واحدة تنقذها من هذا المنعطف القاسي.
ونظر إليها أمير، ينتظر… ينتظر أن تقول: لا أريد الطلاق.
لكن الصمت طال.
وصمتها كان كسكين بارد، انغرس مباشرة في قلبه.
وقبل أن يتنفس الصمت أكثر، رفع فوزي رأسه مرة أخرى، ونظر إلى أمير نظرة حاسمة موجوعة، وقال بقرار يشبه الطعنة: وانت يا ولدي… لو بدك تتچوز تاني، واحدة على كيفك، اتچوز.
توقف لحظة، وصوته انكسر وهو يكمل: العمر مش مضمون يا ولدي… وكفاية علي ذنب حبيبة.
نزلت الكلمات على أمير كضربة مباشرة في صدره.
لم يكن كلام… كان تصريح بالهزيمة، وتخليا رسميا عن آخر خيط كان يتشبث به.
نظرت ريم إلى أمير، وانتظرت النفي.
ونظر أمير إليها، ينتظر منها الرفض.
لكن الصمت تمدد بينهما، ثقيل، جارح، قاتل.
رمشت ريم بعينيها، والدموع تتجمع رغماً عنها، وحين لم تسمع شيئًا، انزلقت دموعها بقهر.
نهضت فجأة، وكأن المكان يلفظها، وركضت إلى الأعلى، تتكسر خطواتها على الدرج، ومع كل درجة كان قلبها ينهار أكثر.
بقي أمير واقف، يحدق في الفراغ الذي تركته.
في عينيه حزن أعمق من الغضب… حزن رجل فهم متأخر أن بعض القرارات، حين تقال بنبرة أب، تدمر أكثر مما تصلح…
اقتربت حبيبة وهي تنظر إليهما بدهشة حائرة، وقالت بصوت خافت: مالها ريم يا أمير؟
نظر إليها أمير، والحزن يقطر من عينيه وجع، وقال بصوت مبحوح:محبتنيش… ولما أبوي چال لو بدك الطلاق، سكتت.
هزت حبيبة رأسها بالنفي بسرعة، وغمغمت بعدم تصديق: مش معجول… ريم بتحبك.
التقط أمير الكلمات كالغريق، ونظر لها بلهفة: هي جالتلك؟
هزت رأسها نفيا، ثم قالت بيقين هادئ: ما جالتش… بس عيونها بتجول… عيونها مليانة حب وخوف.
اقتربت منه خطوة وأضافت بإلحاح: اطلع وراها، افهم منها وفهمها، متخليش سوء فهم يدمر عمر كامل.
نظر إليها أمير طويلًا، ثم جذبها إلى صدره وضمها بحنان أخوي، وهمس في أذنها بصوت خافت: ياريت تجولي الكلام ده لحالك يا حب… فارس مظلوم، وكلنا ظلمناه. بلاش إنتي تكوني ناره… خليكي أحسن مني… وإدي لحالك فرصة.
توقف لحظة ثم أضاف: افتحي جلبِك، واسمعيه… واسمعي لجلبِك.
أومأت برأسها ببطء، وعيناها تلمعان بارتعاش موجوع، وهمست:المشكلة دلوق مش في فارس… المشكلة في أنا.
تنهدت وأضافت بصوت مكسور: مش عارفة هقدر أعيش، وأعاود أحلم وأفكر، ولا لا؟! حاسة كن دماغي واجفة.
ربت أمير على وجنتها بحنان، وقال بثقة دافئة:هتجدري… انتي أجوى من الصدمة دي…هتعدي، وبكرة تفتكري كلامي…
أومأت برأسها، وارتسمت على شفتيها ابتسامة باهتة بالكاد ترى، وقالت: روح الحج ريم.
ابتسم أمير لها بحنو، ثم استدار وتحرك مسرع إلى الأعلى، وقلبه يسبقه بخطوات.
أخرج المفتاح بيد مرتجفة، فتح باب الشقة ودلف، ثم أغلقه خلفه بقوة مكتومة…
تحرك بخطوات سريعة نحو غرفة النوم، لكنه تجمد عند عتبتها…
كانت ريم هناك…تنحني فوق الحقيبة، تدس ملابسها بعشوائية، وكتفاها يهتزان بنحيب مقهور كأن صدرها ينهار قطعة قطعة.
اشتعلت عيناه بلهيب الغضب والغيرة، اندفع نحوها وقبض على يدها بعنف كاد يسحق عظامها، وهدر بصوت غليظ: إيه؟ صدجتي ما جالك طلاج لدرچة دي طابج على نفسك؟
حاولت انتزاع يدها، وصاحت من بين دموعها:
هملني! ملكش صالح! مش خلاص هتتچوز اللي كنت بدك تتچوزها؟ ابعد عني وروح لها!
نظر إليها كوحش أُطلق من قيده، وصاح بعنف أعمى:
بدك أروح لها؟ بدك تخلصي مني؟
اقترب أكثر، صوته يقطر تهديدًا: دي بعدك…انتي مرتي! وهتفضلي مرتي غصب عنك! حتى لو اتچوزت، هتفضلي تحت طوعي… في بيتي، ورچلك فوج رجبتك!
دفعت صدره بكل ما تبقى فيها من قوة، صاحت وهي تنفجر بالبكاء: ده المستحيل! سامع؟
شهقت وأضافت بحرقة: كيف ما إنت من حجك تختار، أنا كمان هختار! هختار الراچل اللي يجدرني ويعرف جيمتي!
ثم انكسر صوتها غضبًا:بس أنا الغلطانة… من الأول. كان لازمن أعرف إنك مش بالرچولة الكفاية، من ساعة ما أهلك فرضوا رأيهم عليك واتچوزتني غصب عنك!
لم تكمل.
صفعة حادة شقت الهواء، واستقرت على وجنتها بقسوة أسقطتها على السرير.
هدر وهو يلهث غضب مكتوم وعينيه تشتعل بشرر حارق: اخرسي! لو واحد غيري كان وراكي… كان وراك الرچولة كيف!
استدار وانصرف بخطوات غاضبة سريعة، أغلق الباب خلفه بعنف رج الجدران، كأنه يغلق العالم كله عليها.
وبقيت ريم وحدها…
تعض شفتها قهر حتى سال الدم، دموعها تنهمر بلا توقف، شهقاتها تمزق صدرها، والصمت من حولها أثقل من الضرب…
صمت يشبه الحكم الأخير.
……..
في المستشفى – غرفة ليلة
جلسوا جميعًا حول سريرها، دائرة من الوجوه الشاحبة، تتدلى أعينهم فوق جسدها الهش كأنها معلقة بخيط واهي بين الحياة والغياب.
الوقت لا يمر… يتعثر في صدورهم، ثقيل، خانق، كأن كل دقيقة حجر يمر في الحلق فلا يبتلع ولا يلفظ.
كان بدر أقربهم إليها…يقبض على كف ليلة بقوة موجوعة، كأنها ستتلاشى إن أفلتها طرفة عين…
انحنى، قبل يدها ببطء مرتجف، قبلة عاشق عاجز، تتكدس في صدره مشاعر الذنب، وقلة الحيلة، والخوف الذي شاخ قلبه قبل أوانه.
وأخيرًا…تحركت رموشها.
انفرج جفنها بصعوبة، أنفاسها ثقيلة، متكسرة، كأن الألم يسكن رئتيها ولا يسمح لهما بالامتلاء.
اندفع بدر نحوها بلهفة كادت تسقطه، صوته خرج مبحوح، مشبع بالدموع: ليلة… سمعاني يا عمري؟ ردي عليا… أنا بدر، حبيبك.
ابتلع غصته وأضاف بانكسار: طمني جلبي… جلبي شاب من الخوف عليكي…
اقتربوا جميعًا، قلوبهم تسحق داخل صدورهم.
انحنت شهية، صوتها يفيض حزن عتيق: ليلة… ردي علينا يا بتي….بصي يا ليلة، بدر أهو… بدر چالك… يانضري حجك علينا يا بتي.
قبل سلام يدها، قبلة أب مكسور، يحمل حب ابنته الوحيدة وذنبه معًا، وهمس: حجك عليا يا بتي… أنا كت خايف عليكي، وبدي تعيشي حياتك كيف الخلج.
ربت صهيب على كتفها برفق خائف: حرجتي جلوبنا يا ليلة.
وقال صابر بصوت مبحوح كأن الكلمات تنتزع من صدره: كيف هان عليكي روحك يا خيتي؟ وأنا اللي بجول ليلة هاجلة…
انسابت دمعة ثقيلة من عينها، شقت خدها بصمت.
تمتمت بصوت مكسور، كأنها تعترف: ليه لحجتوني؟ كتو هملتوني… ارتاح… أنا معيزاش الدنيا الضلمة دي من غير بدر.
سقطت دمعة بدر، واحدة، ثقيلة، صادقة…اقترب منها وهمس بجوار أذنها: بعد الشر… أوعاكي تجولي كده تاني. دانا روحي طلعت من الخوف عليكي.
رفعت يدها ببطء، وضعتها على صدره، كأنها تتحقق أنه ما زال هنا، وهمست بصوت خافت مبحوح:مجدراش أعيش من غيرك يا بدر… لتخدني، لتهملني… أموت.
هز رأسه بعنف رافض، مسح دموعها بطرف يده المرتجف، وضع يده خلف عنقها، جذبها إليه بحذر شديد، ثم شدها إلى صدره بقوة مرتعشة….اختفت ليلة بين ضلوعه…
لم تعد تشعر بحدود جسدها، كأنها ذابت فيه، كأن حضنه صار آخر مكان آمن في هذا العالم.
مرر بدر يده تحت ساقيها، حملها بين ذراعيه، ونهض.
تحرك نحو الخارج بخطوات ثابتة رغم الارتجاف، كمن ينتزع حقه من بين أنياب الموت…كمن يهرب بروحه قبل أن يبتلعها الفقد.
رفع سلام يده فجأة، كأنه يحاول الإمساك باللحظة قبل أن تفلت، وهتف بصوت مخنوق: طب استنى… خلي الدكتور يطمنا عليها.
التفت إليه بدر بعينين يشتعلان غضب، نظرة واحدة كانت كافية لتحرق الهواء، ثم واصل طريقه دون أن ينطق بحرف، كأن الكلمات لم تعد تسع ما في صدره.
زفر صهيب بحنق مكتوم، وغمغم وهو يهز رأسه: همله يا أبوي… أكيد هيچبلها دكتور وعشرة في البيت.
أومأ صابر بتعب عميق، صوته خرج واهن لكنه صادق: هملهم عاد يا أبوي… ليلة روحها في بدر… وحتى لو فاتت سنين، لا هتسيبه ولا ليها عيشة بلاه.
ربتت شهية على منكب سلام، دموعها تلمع في عينيها، وهمست: هو نصيبها، وهي راضية بيه…ويمكن ربك يخلف الظن ويصلح الحال… ادعيلهم.
انخفض رأس سلام قليلًا، وكأن العمر كله هبط دفعة واحدة على كتفيه، وقال بحزن ثقيل: هو أنا هعيش كد ما عشت؟ أنا كان بدي أُنضر عيال بتي الوحيدة، وأطمن عليها جبل ما أموت.
اقترب صابر خطوة، حاول أن يخفف عنه بابتسامة باهتة، وقال بنبرة واثقة:قسما بالله يا أبوي، تحط في بطنك شادر بطيخ… طول ما هي مع بدر، واللي ريده ربك هو اللي هيكون.
حاوط صهيب ذراع والده، وسار به نحو الخارج، وشهية وصابر خلفهما…ثم قال صهيب فجأة، كمن يفتح جرح ليغلقه: طب يا أبوي… لو كانت اتچوزت راچل تاني غير بدر، وخلفت منه وكل حاچة تمام، وبعدين طلع ولد مرة ناجص رباية واصل، وطلع عينها هي وعيالها، وشنع بيها… كت هتبجى مرتاح؟
توقف سلام، نظر إليه بغضب انفجر دفعة واحدة، وهدر:
وأنا كت ههمله؟ دانا كت أجطع شلجه!
ابتسم صهيب ابتسامة خفيفة، وقال بهدوء يعرف طريقه إلى القلب: يا بوي… انت لسه هتجول أنا مش هعيش العمر كله… چوزها هو اللي باچي ليها… وكفاية إنه ولد حلال، أصله زين، وعارفينه… والأهم إنه عشجها، يعني عمرها ما تهون عليه…
انخفض صوت سلام، وكأنه سلم الأمر أخيرًا، وهمس:
ربنا يهدي سرهم.
ضحك صهيب وصابر معًا، ضحكة ارتياح بعد شد طويل، وهتفوا:حمد الله على السلامة يا أبوي… أخيرًا!
أشارت لهم شهية بيدها، وقالت بحزم لطيف: طب يلا… خلينا نروح.
أومأ صهيب، فتح باب السيارة، صعدت شهية وأغلق الباب، ثم صعدوا جميعًا.
انطلقت السيارة بسرعة متوسطة، تبتعد عن المستشفى…
وتحمل معها قلوب ما زالت موجوعة، لكنها أخيرا سلمت أمرها للقدر.
……..
في بيت الجبل
توقفت سيارة أمير بعنف، صرير الإطارات شق سكون الليل كصرخة مكتومة…
ترجل منها وهو يغلي، أغلق الباب بقسوة كأنما يغلق صدره على وجعه، واتجه نحو البيت بخطوات ثقيلة، كل خطوة تحمل ثقل خيبة.
أدار المفتاح، دلف، وما إن رفع رأسه حتى عقد حاجبيه بدهشة مشوبة بالإنهاك، وغمغم بصوت أجش:إنت بتعمل إيه هنه لوحدك؟
رفع فارس رأسه، دهشته كانت أكبر، وقال بسخرية لا تخلو من التعب: بدر مع مرته، وادهم عامل فيها عريس ولازج چنب نغم، وأنا أختك منشفة ريجي… وإنت إيه اللي چابك يا حزين؟
أغلق أمير الباب خلفه بعنف، كأن الضربة موجهة لقلبه لا للخشب، وهتف: إنت جولتها أهو… حزين… هغور وين يعني؟
رفع فارس حاجبه بنزق، وقال وهو يزفر:مش إنت جولت إنك خلاص هتكمل مع أم كيان..چاي ليه؟! روحها افحت الحزن ديه في حضنها؟
ضحك أمير ضحكة قصيرة، باردة، فيها سخرية جارحة، وقال: أم كيان بدها تطلج.
اتسعت عينا فارس، وأطلق صوت معترض من أنفه، وهو يمرر يده في شعره بعصبية: خخخخخ… احا يا عم! هي الحريم مالها؟ أنا چبت آخري.
انفجر أمير أخيرًا، صوته خرج محمل بالقهر والغضب المكبوت: أبوي ديه… لا هيورد على چنة ولا نار! هيفضل كده، بين البنين تايه… توه ما افتكر إنه ظلمني لما غصب عليا في چوزتي من ريم! لما حبيتها… واتعلجت بيها! دإحنا كنا خلاص… داخلتنا الليلة دي يا چدع!
شد فارس شفته بحنق، وقال بمرارة: أبوك ده جريب أبو لهب… طب وإنت؟ ليه مجولتش إنك خلاص بتحب مرتك والدنيا تمام؟
هز أمير رأسه ببطء، عيناه اغرورقتا بقهر لم يعد قادرًا على ستره، وخرج صوته منخفض، موجوع: لا يا غالي… أنا جولت لها إني بحبها، وبدها تكون مرتي… كشفت مشاعري ليها، على بلاطة….
هي اللي كان المفروض تختار… وتجول أنا مبديش طلاج.
سكت لحظة، ثم أكمل بصوت متكسر:انا لحد دلوق… معرفش هي بتحبني ولا لا؟!
نهض فارس، اقترب منه، وجلس بجانبه، ربت على منكبه بحنو أخ يعرف وجع أخيه وقال : كيف يا أمير متعرفش؟ عمرك ما أخدتها في حضنك؟
أومأ أمير برأسه، وقال بهدوء موجوع: لا… خدتها طبعًا.
ابتسم فارس ابتسامة خفيفة من جانب فمه، وقال بثقة:
يبجى أكيد حسيت إنها ريداك، مش نافرة منك. وبعدين… هي كانت مرت أخوك… في حرچ عليها…مش سهل تجف جدام أبوك وتجول لا، أنا بدي أمير ومبديش الطلاج…
شرد أمير، عادت صورة ريم في حضنه، خجلها، ارتعاشة أنفاسها، وكيف كانت تتشبث به كأنها تخاف السقوط. تمتم بصوت واهن:عندك حج…
ثم انخفض صوته أكثر، وخرج الاعتراف الذي كان يخنقه: بس الغيرة عمتني… لما حسيت إنها بدها راچل غيري… جلبي اسود، وعجلي غاب.
وضع فارس يده على عينه بحنق مكبوت، كأن ما سمعه صفعة نزلت عليه هو، وتمتم بصوت متحشرج: هببت إيه… الله يجيدك.
ابتلع أمير غصته بصعوبة، شعر بها عالقة في حلقه كشوكة لا تنزع، وقال بصوت مبحوح، كأنه يعترف بجريمة لا غفران لها: مديت يدي عليها.
لم ينتظر فارس ثانية…رفع قدمه وهو يحاول نزع حذائه بعصبية، واندفع نحوه هادرًا: إنت عايز ضربك بالچذمة يا ولد الكلب؟
قفز أمير واقف، كأن الكلمة لسعته، وصاح بانفعال منفلت:
خلاص! أنا فيا اللي مكفيني يا غالي!
ثم انفجر، صوته محمل بالغضب والجرح معًا: هي عصبتني! هتجولي مش بالرچولة الكافية بت المرة!
هب فارس في وجهه، الغضب في عينيه نار، والحنق يكاد يخنقه: طب ما كنت وريتها الرچولة الكافية يا روح أمك! تخليها تحلف بيك! أنت غبي كده كيف؟
زفر أمير بعمق، صدره يعلو ويهبط كمن خرج لتوه من معركة خاسرة، وقال بصوت أثقل من الغضب، صوت رجل مكسور: دي أسهل حاچة…
سكت لحظة، ثم أكمل بنبرة موجوعة، صادقة حد القسوة:
ولو بدي أجسمها تنين كنت عملت.
رفع عينيه إلى فارس، وفيهما انكسار فاضح: بس أنا بدي أول مرة تكون برضاها… تكون ذكرى حلوة بينا… تفتكرها بعدين… تفتكرني وأنا بحبها، مش وأنا باغتصبها.
تجمد فارس لحظة…الحنق في وجهه تراجع، حل محله غضب أعمق… غضب يعرف الحق لكنه يوجعه…
نظر إليه أمير وقال بحدةٍ أقل، لكنها أوجع: أنا اللي غبي بردك… طب غور، غور.
ساد صمت ثقيل. صمت من النوع اللي يفضح كل حاجة.
مرت ثواني، ثم تنفس فارس ببطء، وقال بصوت أخفض، كأنه يقر بحقيقة رغم أنفه: وچهة نظر… بردك… أول مرة لازمن تكون مميزة.
مسح أمير وجهه بعنف، كأنه يحاول محو صور تطارده، وهدر بانكسار واضح: وأنا مش هجدر أروح أصالحها بعد ما مديت إيدي عليها.
ابتلع لعابه، وأضاف بصراحة جارحة: مليش عين… الصراحة.
أومأ فارس برأسه، كأنه حسم أمرًا داخله، سحب هاتفه من جيبه وقال بهدوء حازم: اترزع هنه… وهچبهالك لحد عندك.
رفع أمير رأسه فجأة، الحنق والدهشة يتصارعان في عينيه: كيف دي؟
لوح فارس بيده إشارة قاطعة، ونطق بأمر لا يقبل النقاش: غور… اترزع.
وبقي أمير واقف في مكانه، لا يعرف هل يخاف من القادم… أم يخاف أكثر من أن تأتي، فيرى في عينيها كل ما كسره بيده.
خرج فارس وصعد سيارته، أغلق الباب بعنف خفيف، ثم انطلق بها، أصابعه تعبث بالهاتف بقلق لا يريد الاعتراف به…
طلب رقم حبيبة وضغط الاتصال، ثم رفع الهاتف إلى أذنه…
في غرفة حبيبة
دلفت إلى الغرفة وأغلقت الباب خلفها بإحكام، نظرتها معلقة بالشاشة كأنها تنتظر مصير لا مكالمة…
بلعت لعابها بصعوبة، ثم رفعت الهاتف إلى أذنها وتمتمت بتوتر متصنع: في إيه يا فارس؟
على الجانب الآخر، أغمض فارس عينيه، وله واشتياق يخنق صوته، لثواني لم يستطع النطق.
قطبت حبيبة حاجبيها بدهشة، وقالت بحدة خفيفة: ألووو؟ فارس؟
تنحنح فارس، يحاول جمع صوته المبعثر، ثم قال بنبرة رخيمة تسللت رغماً عنه: ألو يا حبيبة… كيفك يا عمري؟
زفرت بضيق، وقالت ببرود مصطنع يخفي ارتباكها: ملكش صالح.
كتم ضحكته، ثم تظاهر بالجدية وهو يقول: ماشي… بس أنا بدي أكلم أم كيان.
اشتعلت عيناها بنار الغيرة فورًا، وهتفت من بين فكيها: ليه إن شاء الله؟! وانت مالك ومالها؟
تجمد فارس لحظة، قلبه يخفق بجنون، الغيرة في صوتها أربكته وأسعدته في آن واحد، وقال بخبث واضح:
بدي أجولها كلمة سر.
شهقت حبيبة بغضب حارق، وكادت تقفز من مكانها:
نعــــــــم يا خووويه؟!
رفع فارس حاجبه بنزق، وصاح مستفز: احااا! أخوكي مين يا بت؟! طب اديني أم كيان بدل ما أچيلك أطلع عين أبوكي! ولا إيه؟ انتي غيرانة؟
جحظت عيناها، وانفجر الغضب دفعة واحدة: وأنا أغير عليك بتاع إيه؟!
ضحكت بسخرية موجوعة، وأكملت بسرعة كأنها تطلق رصاص: انت مين أصلًا؟ فاكر نفسك مهم جوي؟ والبنات هتموت حالها عليك؟!
ارتفع صوتها أكثر: روح للحيوانة اللي اتچوزتها! هي تغير عليك!
ثم صرخت بحدة: أنا آخر واحدة ممكن تغير عليك! أغير ليه؟! آه؟ أغير ليه؟ جولي!
سكتت لحظة، ثم قالت بنبرة متحدية لاذعة: وعشان تصدّق… استنى! هدي التلفون لريم، اشبع حديت معاها!
رمش فارس بعينه بذهول، أنزل الهاتف قليلًا عن أذنه، وغمغم لنفسه وهو يهز رأسه: يا ساتر… البت دماغها فوتت على الآخر.
اعاده الهاتف الي أذنه ، وأطلق ضحكة قصيرة يملأه تحدي، وصوته أصبح أقوى، أكثر حرارة، وكأن كل حبه سينفجر: حبيبة…لم لسانك! بدل ما المك بمعرفتي!
ارتجفت حبيبة من قوة كلماته، وخرجت من غرفتها كالعاصفة، قدماها تدهسان الأرض دهس ، والغضب يشتعل في عينيها. .
اندفعت نحو شقة أمير، وطرقت الباب بعنف كاد يخلعه من مكانه…
فتح ريم الباب على مصراعيه، بلهفة مرتجفة، آثار الدموع لا تزال ساخنة على وجنتيها، لكنها عقدت حاجبيها بدهشة فور أن رأت حبيبة وهتفت بصوت مبحوح : في إيه يا حب؟ مالك؟
لم تجبها حبيبه … ألقت الهاتف في صدرها بغضب أعمى. تلقته ريم في اللحظة الأخيرة قبل أن يهوي أرضا، وقالت بقلق: إيه ديه؟ مالك؟ مين كدرك بالشكل ديه؟
استدارت حبيبة بعنف، وأشارت بيدها كمن يقطع الهواء:
محدش! محدش يجدر يكدرني!
ثم صاحت دون أن تلتفت: خلصي المكالمة دي، وهاتيلي التليفون أوضتي!
وانصرفت بخطوات سريعة، غاضبة، كأنها تحارب الدنيا كلها وحدها…
دلفت غرفتها وأغلقت الباب بعنف دوى في أرجاء الطابق
وقفت ريم في مكانها لحظة، وقلبها يخفق بريبة غير مريحة…
رفعت الهاتف بيد مرتجفة، ووضعته على أذنها وغمغمت : ألو؟
جاءها صوت فارس جاد لا يقبل نقاش: كيفك يا أم كيان… أنا مبديش أدرعك، بس
بلعت ريم غصتها بصعوبة، وشعرت بقلبها يهبط إلى قدميها وهتفت : في إيه يا فارس؟ أمير زين؟ اتكلم!
ابتسم فارس ابتسامة جانبية ماكرة لا ترى، وقال بنبرة محسوبة: هو زين… بس كنا في الچبل، واتخانجنا شوية، وضربنا كام عيار كده تسالي… وأمير اتصاب إصابة
لم يكمل.
صرخت ريم، وجحظت عيناها برعب حقيقي: كيف يعني؟! إيه اللي حصل؟ اتصاب وين؟ وليه تضربوا نار أصلًا؟ رد عليا بالله عليك!
كتم فارس ضحكته بصعوبة، وتنحنح سريعًا ليضبط صوته: لا لا، اهدي… هو زين، والله زين… إصابة خفيفة. أنا هاجيلك دلوق، وآخدك تروحي له…بس متجوليش لحد… اللي فيهم مكفيهم، ومش ناجصين يدرعوا علي امير..
انهارت ريم دموع كالسيل ، وهزت رأسها سريعًا وكأنها تخشى أن يغير رأيه: حاضر… حاضر، والله ما هكلم حد.
أغلقت الهاتف، ويدها ترتجف ، وقلبها يخفق بين خوف عارم وشوق موجع… بينما خلف الباب المغلق، كانت حبيبة تمشي ذهاب وإياب، تشتعل غيرة، ولا تدري أن العاصفة الحقيقية لم تبدأ بعد.
أغلقت ريم الهاتف بسرعة، وركضت نحو الداخل، قلبها يخفق بعنف… بدلت ملابسها في لحظات، حملت كيان بين ذراعيها الصغيرتين، واندفعت خارج الشقة، وأغلقت الباب خلفها بعنف. كل خطوة كانت كصوت صاعقة في هدوء الليل.
دخلت غرفة حبيبة بخطوات متسارعة، وصرخت: حبيبه! خلي كيان معاكي على ما اعاود!
نظرت لها حبيبة بغضب ودهشة، عيناها تلمعان من الغضب: ليه؟ رايحة وين دلوق في النص الليل ديه؟
وضعت ريم كيان بين ذراعي حبيبة بسرعة، قبل أن تدفعها نحو الخارج: رايحة لأمير… لما أعاود هفهمك كل حاچة!
وقفت حبيبة في الشرفة، تحمل كيان بين ذراعيها، والعقل يغلي بالذهول والغضب، سحبت الغطاء على جسد الطفل، وعيناها تتبعان ريم وهي تصعد السيارة مع فارس. قبضت على حافة الشرفة بعنف، وغمغمت بصوت مبحوح: ماشي يا فارس!
في السيارة، أغلقت ريم الباب، ويدها ترتعش وهي تفركهما معًا، وشفتيها ترتجف بدعاء صامت: أمير… زين… هو وين؟
نظر فارس إلى حبيبة في الشرفة، وغمغم بنبرة مطمئنة رغم صوته المتحشرج: زين… متدرعيش.
ثم انطلقت السيارة بسرعة، والليل يمر كالخطر، وريم قلبها يخفق بين التوتر والخوف. كل حركة فارس تشد أعصابها أكثر، ودموعها تتجمع في عينيها.
توقفت السيارة أخيرًا أمام بيت الجبل، وأشار لها فارس بيده: هو هنه… ادخلي… متخفيش.
أومات ريم برأسها بتوتر، وغمغمت: وانت رايح وين؟
تردد فارس قليلاً، ثم قال: هروح أچيب العلاچ من الصيدلية.
رفعت ريم رأسها، ودموعها تتجمع على وجنتيها، وغمغمت بحذر: طيب… متعوجش.
ابتسم فارس بخفة، وأومأ برأسه: حاضر.
ترجلت ريم وتحركت إلى الباب، يدها مرتجفة من شدة القلق والخوف، طرقت الباب بخفة وثقل مختلطين.
فتح أمير الباب فجأة، وتجمد بعنف كما لو أن الزمن توقف للحظة واحدة، عندما اندفعت ريم إلى أحضانه دون تفكير.
غمغمت بصوت متقطع، مزيج من القلق والارتباك: ايه حصل… اتعورت؟! كيف؟
بلل شفتيها بعبث، وهمس في أذنها بصوت محمل بالحب والغيرة: في جلبي…
شهقت ريم بفزع، وكادت تتراجع، وغمغمت بصوت خافت: جلبك كيـ…
لم يسمح لها أمير بإكمال الكلام، فقد انغمس في اللحظة، وقطع جملتها، التهم شفتيها بعنف وحزم، وسحبها إلى الداخل، واغلق الباب خلفهما بصوت صدى يرن في
المكان، كأنه يحاصر كل العالم خارج تلك الغرفة.
ابتسم فارس بجانب فمه، قبل أن ينطلق بالسيارة بسرعة، تاركاً وراءه صدى القلوب المتشابكة، وأشواك المشاعر المتفجرة في الصمت الذي تلاه.
في أعماق الغرفة
اندفع أمير نحو ريم كالإعصار، يلتهم شفتيها بعنف جارف لا يرحم…
دفعها بقوة حتى التصق ظهرها بالحائط البارد، وحاصرها بجسده المتوهج كأنه يريد أن يذيبها فيه…
ضغط عليها بكل ثقله، وشفتاه الملتهبتان تضغطان على شفتيها في قبلة نارية تكاد تحرق الروح…
أدخل لسانه بعنف إلى فمها، يستكشف ويغزو ويستولي، بينما يداه الجائعتان تعرفان طريقهما إلى ملابسها؛ تمزقانها بسرعة محمومة حتى تناثرت الأقمشة كأنها أوراق ذابلة تحت أصابعه المتلهفة.
شهقت ريم، تحاول دفعه بعيداً لتلتقط أنفاسها المقطوعة، وغمغمت بصوت مبحوح مرتجف:أميييرر.. دجـ
قطع كلامها صوت شقٍ عنيف لعباءتها، ثم رفعها فجأة على منكبه كما يحمل الصياد غنيمته الثمينة…
حملها إلى الأريكة، وألقى بها عليها بقوة تكاد تفقدها الوعي، ثم انحنى أمامها على ركبتيه…
نزع قميصه بسرعة واحدة، وغمغم بصوت أجش مشتعل بالرغبة:سبيلي نفسك يا بطتي.. أنا هفصصك النهاردة.
شهقت ريم شهقة عميقة، كأنها النجاة الأخيرة قبل الغرق. التهمها أمير بعينيه أولاً، ثم بانغماس كليا في جسدها.
قبلها بعنف أشد، حاولت دفعه بوهن على منكبيه…
قبض هو على معصميها بيد واحدة قوية، رفعها فوق رأسها، وسحب بيده الأخرى حمالة صدرها فانسلت وطارت إلى الأرض…
مرر أصابعه على نهديها المتورمين، وهمس بصوت أجش مثير يقطر شهوة:أموت في الـ**** الكبيرة دي.. ملبن.
أغمضت ريم عينيها بخجل عميق، وارتعش جسدها كله تحت لمسته… ثم التقم ثديها بفمه، يمتصه بجنون ممزوج بالوله والجوع الذي لا يشبع….
عضت ريم شفتها السفلى بقوة، تشعر بجسدها يرتجف ويذوب في آن واحد تحت وطأة اللهيب المنبعث من جسد أمير… همست بصوت مرتعش كأنها تتوسل:آآه.. بشويش يا أمير..
هز رأسه بالنفي بعناد، وانزلق شفتاه إلى بطنها الناعم، يمتص بشرتها بنهم جعلها ترتجف بعنف تحت لسانه…
مرر يده الساخنة وسحب آخر قطعة ترتديها، ألقاها جانباً كأنها لا شيء، ثم مرر أصابعه بلطف ثم بعنف على أنوثتها المكشوفة.
صرخت ريم بخجل وارتباك، وغمغمت بصوت مبحوح:
لا يا أمير.. لا.. بتعمل إيه يا مخوت؟
قطب حاجبه بدهشة لحظية، ثم غمغم بصوت مبحوح من لذة لا تطاق:هدلعك يا جلبي.. سبيلي نفسك.. متخفيش.
تجمدت ريم، وعيناها جحظتا بدهشة وخوف ممزوج بالإثارة، حين اقترب أمير أكثر، ولعق أنوثتها بلمسة أولى جعلت جسدها يقفز…فتحت فمها على وسعه، تشعر أن أنفاسها على وشك الانقطاع، وهمست بصوت مكسور:
أمير.. إيه ديه؟
رفع حاجبه بدهشة مرحة، لكنه لم يجب؛ بل انغمس فيها أكثر، يلعق ويمتص ويستكشف كل تفصيل منها بجنون شهواني…
شهقات ريم وصراخاتها المكتومة كانت تشعل النار في جسده المتصلب أكثر فأكثر…
استمر في الانغماس العميق، يدفعها إلى حافة الجنون، حتى تصلب جسدها فجأة، ارتجف بعنف شديد،
وانفجرت صرخاتها تملأ أرجاء البيت، ثم جاءت بلذتها السائلة كالسيل الجارف، تغرق في فمه وتذيب ما بقي من مقاومة في روحها.
ظل أمير ينظر إليها ، عيناه تلمعان بنار لم تنطفئ بعد، وابتسامة جائعة ترتسم على شفتيه المبللتين.
في تلك اللحظة، نهض أمير كأنما يحمل في صدره عاصفة من العواطف المكبوتة، اقترب منها بخطى ثقيلة مليئة بالشوق والخوف من فقدانها في اللحظة ذاتها…
نزع بنطاله بيد مرتجفة قليلاً، ثم انحنى فوقها كمن يخشى أن يؤذيها ويحتاجها في آن واحد…
رفع ساقيها الناعمتين على منكبيه بلطف أولي، لكنه ما لبث أن اخترقها بعنف جامح كأنه يخشى أن تهرب من بين يديه إلى الأبد.
صرخت ريم صرخة عميقة ممزوجة بالألم والحب، قبضت على ذراعيه بكل ما أوتيت من قوة، أظافرها تغوص في لحمه بدون وعي….
دفع داخلها بسرعة محمومة، جسدها يرتجف ويهتز تحته بعنف يشبه الزلزال،كأنه يريد أن تترك فيها علامة لا تمحى، علامة تقول أنت ملكي وأنا ملكك
ارتجفت أنفاسها الاهثه وصوتها يعلو مع كل نبضة:براحة يا أمير.. أنت صعب جوب.. براحة.. أنا بحبك جوي بس براحه
بأنفاس متقطعة ملتهبة، زمجر أمير بصوت خشن يحمل في طياته الوجع والوله:صعب كيف يا جلبي؟ أنا مش جادر أشيل إيدي من عليكي.. خايف أبعد لحظة واحدة وتروحي مني… أنا بعشجك يا بطتي.. انتي بتاعتي وبس!
سحب نفسه منها فجأة، لكنه جذبها نحوه بحنان عنيف، أوقفها أمامه كأنه يريد أن يرى عينيها قبل أن يستمر.
أدارها بلطف، جعلها تسند ذراعيها على حافة الأريكة، ثم التصق بظهرها، يداه تحتضنان نهديها، يعتصرهما بحبٍ جائع كأنه يريد أن يحفظهما في كفيه إلى الأبد…
ارتجف جسدها بين ذراعيه، وهمست بصوت متهدج يقطر دموعاً:آآآه.. كفاية يا أمير.. جلبي مش جادر يستحمل أكتر من كده.
غرز شفتيه في عنقها، ينهش بشرتها بنهم ممزوج بشغف يشبه البكاء، وهمس بصوت أجش مكسور:كفاية ليه يا روحي؟ أنا مبديش أخلص.. أنا بدي ابجي جواكي للأبد.. براحة اهو يا حبيبي.. بحبك جوي!
ضغط عليها بحنان يخفي تحته رغبة لا تنتهي، ثم اخترق أنوثتها من الخلف بعمق يجعل الروح تلامس الروح.
صرخت ريم بألم يذوب في حب عميق، أصابعها تقبض على الأريكة كأنها تتشبث بالحياة نفسها…
قبض أمير على شعرها بلطف، سحب رأسها نحوه، والتهم شفتيها بنهم ممزوج بدموع خفية، وهو يدفع داخلها بعنف يحمل كل ما يشعر به الحب، الخوف، التملك، الضعف.
مرت الدقائق كأنها سنوات، وهو يدفع ويدفع، حتى استنزفت قواها تماماً…انهار جسدها تحته، وغمغمت بدموع ساخنة تنزلق على خديها:كفاية.. يا أمير.. هديت حيلي.. جلبي خلاص مش جادر.
أومأ برأسه ببطء، عيناه تلمعان بالدموع المكبوتة، وهمس بأنفاس لاهثة:مش جادر أشبع منك يا بت.. انتي كل اللي عندي.. أنا خايف اوجف!
حاولت التملص بضعف، وهمست بصوت خافت مبحوح يقطر حباً:كفاية.. مش جادرة.. أنا بحبك أكتر من أي حاچة.
ضغط على خصرها بقوة أخيرة مليئة بالعشق، انحشر داخلها بكل ما أوتي من قوه، وأطلق ناره بداخلها في انفجارٍ يشبه البكاء المكتوم….
سقط فوقها بثقله، وضمها إلى صدره بحضن يرتجف، وهمس بصوت متهدج كأنه يعترف بسر دفين: يا أبوي.. هو فيه نـ**؛كده؟ دوختيني يا بت الناس.. أنتي جلبي كله.
انكمشت ريم داخل أحضانه، تكافح لالتقاط أنفاسها، دموعها تسيل على صدره، وجسدها يرتعش من شدة العاطفة التي اجتاحتهما معاً، كأن العالم توقف عند هذه اللحظة، ولم يبق سوى هما.. وحبهما الذي يحرق ويشفي في آن واحد.
……
في العالم السفلي،
الغرفة كانت مظلمة وكأن الظل نفسه يختبئ بين زواياها.
دلفت ناريسا إلى غرفة فينوار، صوت خطواتها يرتجف مع كل خطوة، وكأن قلبها يحاول الهروب قبل جسدها.
هتفت بصوت متقطع، محمل بالخوف والعزم في آن واحد: فينوار… احنا في نصيبه!
هبت فينوار من مكانها، عينيها تتقدان بالغضب، ويدها ترتجف وصرخت بصوت حاد يشق الصمت: اوعي تجولي… التعويذة مش هتنفع!
نظرت ناريسا إليه بحزن عميق، شفتيها ترتجف، وهزت رأسها بالنفي، وكأنها تتوسل للقدر نفسه أن يخفف عنهم وطأة المصير الذي يلاحقهم…
ووقفت لحظة، صمت ثقيل يملأ المكان، يضغط على صدورهم، وتجلت على وجوههم علامات الصراع بين الخوف والعزم، بين الحقيقة والخيال، وبين القوة والضعف
ووووووووووووووو
توقعتكم ي سكاكرررررر
ساحره القلم ساره احمد

تسلم ايدك مقدما اكيد روعة ❤️
تسلمي يا حبيبتي ♥️
تسلم ايديكي يا سو من قبل ما أقرأ متأكدة هيبقى توووووحفة ♥️♥️♥️
تسلمي يا حبيبتي ♥️
يسلم ابداعك مقدما 😍
تسلمي يا حبيبتي ♥️
فوت وكومنت من قبل القراءة
تسلم ايدك ي حبيبتي ♥️
تسلم ايدك تحفة❤️❤️
تسلمي يا حبيبتي ♥️
تسلم الايادي
تسلمي يا حبيبتي ♥️
جميل جداً تسلم ايدك ياقمر
تسلمي يا قمر ❤️
تسلم ايدك ي سووو🤍🤍🫶🏻🫶🏻
تسلمي يا حبيبتي ♥️
تحفة
تسلمي يا حبيبتي ♥️
روعههه
تسلمي يا عسل ♥️
تحفه تسلم ايدك
تسلمي يا قمر ❤️
تسقيف حار جدااا جداااا 👏👏👏👏👏👏😍😍🤩😍😍👏👏👏
تسلمي يا قمر ❤️
مبدعه دايما
تسلمي يا حبيبتي ♥️
❤️❤️❤️❤️
♥️♥️
تسلم ايدك روعه
جميل اوي
تسلمي يا عسل ♥️
البارت يهبل اقسم بالله
تسلمي يا حبيبتي ♥️
روعههه
تسلمي يا قمر ♥️
تسلم ايديكي يا قلبي متاكده انو تحفه من قبل ما اقرأ
تسلمي يا قمر ❤️
رووووووعة
تسلمي يا قمر ❤️
جميل اوي ي سووو
تسلمي يا حبيبتي ♥️
اخيرا أمير فرح شويه أنا عيط بسبب ليله ياريت تفرح بقا هي وبدر وفارس وبيبو
ياريت بجد هنشوف الأحداث 🥹♥️
ابداع
تسلمي يا قمر ♥️
تحفه اووي اووي بجد
تسلمي يا حبيبتي ♥️
تسلم ايدك مبدعه
تسلمي يا قمر ❤️
🔥🔥
اوعي يا سارة ايه البارت القمر ده بس ربنا يستر من اللي جاي
تسلمي يا حبيبتي ♥️
يارب
رووعه ياقمر ❤️❤️
تسلمي يا حبيبتي ♥️
بارت جماله خيييييال
تسلمي يا عسل ♥️
تُحفههه
تسلمي يا حبيبتي ♥️
خطير ❤️❤️❤️
تسلمي يا حبيبتي ♥️
لسه هبدأ اقرئه بس متأڪده انه خيال😍😍😍
تسلمي يا حبيبتي ♥️
ابداع تسلم ايدك ياسوو
تسلمي يا حبيبتي ♥️
♥️♥️♥️
ياقلبي ايه الجمال دا ❤️
جمال عيونك تسلمي ♥️♥️
عقبال لما تحنى على الباقي
يارب😂❤️
تسلم ايدك ❤️ واخيرا البارت نزل
تسلمي يا حبيبتي ♥️
روعه
تسلمي يا حبيبتي ♥️
بارت دمااار😘😘😘😘♥️❤️
تسلمي يا حبيبتي ♥️
❤️❤️❤️❤️❤️
يبوي
♥️♥️
تسلم ايدك بجد البارت تحفه
تسلمي يا قمر ❤️
حلو اوووي تسلم ايدك❤️❤️
تسلمي يا حبيبتي ♥️
يجنن ومشوق ❤️
تسلمي يا حبيبتي ♥️
تحفه
تسلمي يا قمر ❤️
تسلم ايدك با سو تحفة
تسلمي يا حبيبتي ♥️
وااااو تحفااااه🥰🤩🤍🤍🤍🤍
تسلمي يا حبيبتي ♥️
اوبا ينفع القفله دي عايزة اعرف ايه المصيبه
وانا والله🥹
روعة
تسلمي يا حبيبتي ♥️
يااااه حمدا لله على السلامة تووووووووحفة
تسلمي يا قمر ❤️
تسلم ايدك رووووووعه بجد 💖 💕 💖
تسلمي يا حبيبتي ♥️