ملكي كفي (الفصل الثامن)
لا تبحثوا عن الحب كما لو أنه غنيمة تُلتقط على عجل، فالحب وحده قد يلمع ثم يخبو، يقترب ثم يتراجع، يَعِد كثيرًا ولا يضمن البقاء.
ابحثوا عن ذلك الذي يُشبه الأرض حين تثبت تحت أقدامكم، وعن قلبٍ لا تقتلعُه عواصف الدنيا مهما اشتدّت، ولا تُغيّره تقلبات الأيام، ولا تُسقطه أول رياح شكّ.
ابحثوا عن ثقةٍ إن قامت بين اثنين صارت وطنًا، وإن تكلمت صارت أمانًا، وإن صمتت كانت حضورًا لا يُكسر… ثقة لا تُقاس بكثرة الكلام، بل بثبات الفعل حين يختفي الكلام كله.
فليس الطريق لمن سبقكم إليه أحد، ولا لمن قال كلماتٍ جميلة في البداية ثم انصرف عند أول اختبار…
إنما الطريق الحقيقي لمن صدق حين كان الكذب أسهل، وثبت حين كان الرحيل أهون، وبقي حين صار البقاء قرارًا صعبًا لا يقدر عليه إلا القليل.
فالحب قد يبدأ صدفة…
لكن الثقة لا تولد إلا من صدقٍ طويل، وامتحانات لا ينجو منها إلا من كان قلبه ثابتًا كالجبل لا يتغير مهما تبدّل الزمن.
وخرج صوت شاهين مشروخ، مكسور لأول مرة وسط هذا الجحيم: ياااااااسين!
لكن الطريق لم يمنحهم وقت للحزن…
فالمطاردة كانت لا تزال مستمرة، والرصاص ينهش الهواء بلا رحمة، وكأن الموت نفسه قرر أن يطاردهم حتى آخر نفس.
اندفع شاهين نحو أخيه بعنف حامي، وسحبه إلى داخل السيارة قبل أن يفقد توازنه، ثم قبض على وجنته بأصابع مرتجفة على غير عادته، وصاح بصوت احترق بين الغضب والرعب: ياسين! ياسين رد عليا… متخفش!
عض ياسين شفته بقوة، يحاول كتم الألم المشتعل في ذراعه، ثم غمغم بصوت متحشرج موجوع: أنا… مش خايف من الرصاصة.
قطب شاهين حاجبيه بدهشة سريعة، بينما كان ينزع قميصه بعصبية ليضغطه فوق الجرح، وقال: أمال خايف من إيه؟
ما إن شد القماش بقوة فوق ذراعه حتى صرخ ياسين بالألم: آآآه!
ثم هتف وهو يلهث: خايف نعمل حادثة من سواقة زكريا!
ساد صمت خاطف داخل السيارة…
قبل أن يلتفت ياسين ناحية شاهين، غمغم بصوت متقطع رغم ألمه: سواقته حريمي أوي يا جدع.
في المقعد الأمامي، التفت زكريا بحدة شرسة، وعيناه تقدحان غضب وهدر: والله لأنزل بيكم بالعربية في الترعة… يمكن لسانك ينضف!
ورغم الرصاص الذي لا يزال يمزق الطريق، ورائحة الدم والبارود التي ملأت السيارة…
مسح شاهين على وجهه بحنق، ثم زفر بقوة وغمغم: الله يحرقك… خضتني.
في سيارة أحمد…
كان الغضب قد ابتلع كل شيء، ولم يبقي داخل عينيه سوى ذلك البريق القاسي الذي يسبق الخراب.
أشار إلى أحد الرجال الجالسين بجواره، وهدر بصوت حاد يقطع الحجر: امسك الطارة يا لا!
تحرك الرجل فورا، وانكب على المقود بسرعة، بينما سحب أحمد جسده بعنف، قابض على سلاحه الثقيل بيد لا تعرف التردد.
وفي حركة خاطفة..
خرج نصف جسده من نافذة السيارة.
الهواء العنيف ضرب وجهه، والرصاص لا يزال يشق الطريق حولهم، لكنه لم يهتز.
رفع سلاحه…
ثم أطلق عدة طلقات متتابعة، حادة، خرجت كأنها غضبه نفسه.
أصابت الرصاصات الضبع مباشرة.
طلقة مزقت فخذه، وأخرى استقرت في بطنه بعنف وحشي.
انفجرت صرخته وسط الطريق، واندفع الدم من جسده بغزارة، بينما ترنح داخل السيارة، والرجال حوله يحاولون الإمساك به وهو يتلوى بالألم بينهم كذبيحة مذعورة.
لكن أحمد…لم يكتفي…
ضاقت عيناه أكثر، ثم وجه سلاحه نحو الإطار الأمامي للسيارة المهاجمة.
دوى الرصاص..وانفجر الإطار.
اختل توازن السيارة فجأة، وانحرفت بعنف جنوني عن الطريق، قبل أن تندفع نحو الأرض الزراعية باصطدام حاد هز المكان كله، بينما تصاعد التراب والزجاج المحطم في الهواء كأن الأرض نفسها انفجرت تحتها.
وانطلقت السيارات تشق الطريق بسرعة جنونية نحو منزل جارحي السعدني، بينما الغبار يطاردها كذيل عاصفة، وأصوات المحركات ما تزال تهدر كأن المعركة لم تنتهي بعد.
وحين وصلت السيارات أمام البوابة الحديدية الضخمة..
اندفع الخفر يفتحونها بسرعة، فتدفقت السيارات إلى الداخل واحدة تلو الأخرى، في مشهد مهيب يشبه دخول أسطول عائد من حرب دامية.
توقفت المركبات بعنف، وتصاعد الغبار الكثيف حولها حتى حجب الرؤية للحظات.
ترجل أحمد أولًا بخطوات سريعة غاضبة تدك الأرض، بينما في السيارة الأخرى كان شاهين وزكريا يحاولان سحب ياسين الذي فقد وعيه تمامًا من شدة النزيف.
كان رأسه متدلي، والدم يلطخ ذراعه وثيابه، وأنفاسه بالكاد تسمع.
اقترب أحمد منهم بسرعة، وانحنى يفتش جسد ياسين بيدين مرتجفتين على غير عادته، ثم هتف بصوت مذعور: الرصاصة في مقتل يا شاهين؟!
هز شاهين رأسه بعنف فورًا، وصاح بصوت حاد: لا! في دراعه يا عمي!
توقف أحمد لحظة…
ثم خرجت منه زفرة ثقيلة ممتلئة براحة مرتعشة، وكأن قلبه كان على وشك التوقف بالفعل.
مسح على منكب ياسين بحركة سريعة، وغمغم: شيلوا معايا… ويلا على جوه.
وفي الخلف…
كان رجال الدار يتحركون كخلية نحل مضطربة، بينما القلق بدأ ينتشر داخل البيت أسرع من صوت الرصاص نفسه.
خرج جارحي السعدني من داخل المنزل بخطوات سريعة متعثرة من فرط العجلة، وخلفه سيد، وكأن القلق دفعهما دفع إلى الخارج قبل أن يفهما ما يحدث.
ما إن وقعت عيناهما على ياسين الغارق في دمه حتى تبدلت ملامحهما دفعة واحدة.
هتف جارحي بصوت متحشرج، حاد من شدة الفزع: خير يا ولاد؟! إيه اللي حصل؟!
ثم اندفع نحو ياسين بسرعة، وتمسك بذراعه المرتخية كأن لمسه وحده سيوقظه، وهتف برعب صادق: إيه اللي صابك يا ياسين يا ولدي؟!
كان الدم يغطي كفه، والذعر ينهش ملامحه رغم محاولته التماسك.
أشار شاهين بيده بسرعة، وخرج صوته حاد لكنه متماسك بصعوبة: ندخله بس يا خالي… بسيطة إن شاء الله.
لكن عينيه…كانتا تقولان شيئًا آخر تمامًا.
في الأعلى…
كانت شموع تقف عند الشرفة، تستند بكفيها إلى السور الحجري، وعيناها تراقبان الفوضى المشتعلة في الأسفل؛ الرجال يركضون، الأصوات تتعالى، والقلق يملأ ساحة الدار كدخان كثيف.
لكن على عكس الجميع…
كان الحنق ظاهرًا على وجهها بوضوح، كأنها غاضبة من شيء أكبر من مجرد ما يحدث.
علي أرضيه الشرفه، كانت أنين تجلس أرضا تعبث بطرف ثوبها، قبل أن ترفع رأسها وتلكز شقيقتها بفضول: في إيه يا شموع؟ إيه الدربكة دي؟
نفضت شموع يدها بحنق، وعيناها ما تزالان معلقتين بالمشهد في الأسفل، ثم غمغمت بسخرية لاذعة: لا… دي بس جتيل جديد.
شهقت أنين بفزع، وهبت واقفة دفعة واحدة: يخربيتك! جتيل؟! جتيل كيف؟!
التفتت شموع إليها أخيرًا…
ثم ضحكت ضحكة قصيرة يملؤها التهكم، وهتفت: لا… شكله لسه بيفرفر….أصل أبوكي فاتحها الجصر العين هنه.
ورغم سخريتها…
كانت عيناها تتحركان دون وعي نحو الرجال الذين يحملون ياسين إلى الداخل، وكأن قلبها، على عكس لسانها، لم يكن ساخر بالقدر نفسه.
في الأسفل…
وضع جسد ياسين فوق أقرب أريكة بحذر شديد، بينما الدم ما يزال يلطخ ذراعه وثيابه، وأنفاسه الخارجة بصعوبة تزيد التوتر الثقيل المعلق في أرجاء المنزل.
على الجانب الآخر، كان يونس يحاول الاعتدال رغم الألم الذي ينهش ساقه، وتحامل على نفسه بصعوبة قبل أن يغمغم بصوت متعب: ماله ياسين يا شاهين؟ إيه اللي حصل؟
اقترب شاهين منه سريعًا، وربت على منكبه بهدوء يناقض العاصفة المشتعلة داخله، ثم قال: بسيطة… متخافش….إنت عامل إيه؟
أومأ يونس برأسه، وعيناه ما تزالان مشتعلة بالغضب رغم الإرهاق: أنا كويس… بس الضبع ابن المرة كان عايز يسمم العجول… لحقناهم على آخر لحظة.
اشتد فك شاهين بعنف.
نظر إلى ياسين الملقى أمامه، ثم ربت على منكبه بخفة حذرة، قبل أن يهدر بصوت حاد: لو كان لسه عايش… هصفي دمه نقطة نقطة…
اقترب أحمد من يونس، وانحنى يتفحص ساقه بعينين ممتلئتين بالقلق، ثم قال بصوت متحشرج: الجرح غويط يا يونس.
هز يونس رأسه بالنفي بعناد، وغمغم: سليمة يا أبو حميد… بس الضبع ده لازم دمه يسيل زي دمي… ودم ياسين.
أومأ أحمد برأسه ببطء، وعيناه قاسيتان كالصخر، ثم قال بتأكيد حاد: ده لو كان لسه عايش… أنا خرمت بطنه.
ساد الصمت لحظة…
صمت ثقيل، ممتلئ برائحة الدم والغضب والوعود السوداء.
ثم رفع شاهين رأسه أخيرًا، وأومأ بحدة، وهتف بصوت منخفض… لكنه أشد من الصراخ: إحنا وهو خلاص… الدنيا ماعادتش تسعنا مع بعض.
وفي تلك اللحظة…
لم يكن الكلام مجرد تهديد.
بل بدا وكأنه حكم صدر بالفعل.
بدأ زكريا ينزع قميص ياسين بسرعة، وأصابعه تتحرك بعصبية واضحة حول الذراع الغارقة بالدم، ثم هتف بصوت حاد: كلموا دكتور بسرعة!
رفع شاهين حاجبه بحنق، ورغم القلق المشتعل داخل عينيه لم يفقد طريقته الساخرة، فغمغم:أمال إنت إيه يا أخويا؟ فراش؟
رمقه زكريا بنظرة حادة وهو يحاول سحب القماش الملتصق بالجرح، ثم هدر بضيق: عشان المعدات يا أذكى إخواتك! حد قالك إني معلقها في رقبتي؟!
خرجت منه الكلمات ممزوجة بالتوتر، بينما الدم يزداد فوق كفيه.
وفي الخلف، أومأ سيد برأسه سريعًا، وأخرج هاتفه وهو يقول: هكلم الدكتور ييچي بسرعة.
لكن رغم الحركة والكلام…
كان القلق الحقيقي واضح في العيون جميعها.
لأن لون الدم فوق ذراع ياسين…
كان أكثر مما ينبغي.
……
في منزل المهدي…
كان الصباح قد تمدد أخيرًا داخل البيت، حاملاً معه رائحة الشاي الساخن وصوت الملاعق الخافتة، لكن خلف هذا الهدوء ظل القلق معلق في الأجواء منذ خروج الرجال.
خرجت حور من غرفتها وهي ترتدي ملابسها، تمسك حقيبتها بيد وتحاول أن تبدو طبيعية قدر الإمكان، ثم قالت وهي تتجه نحو الباب: ماما… أنا نازلة الجامعة عشان عندي محاضرة مهمة.
رفعت فوزيه رأسها إليها فورًا، واتسعت عيناها بحنق ممزوج بالفزع، ثم صكت صدرها بكفها وهتفت: أكيد اتجننتي يا بت! محاضرة إيه والرجالة غايبين كلهم؟ مين هيوديكي يا روح أمك؟!
توقفت حور لحظة، ثم زفرت بخفة وجلست على الأريكة، والحقيبة ما تزال فوق ساقيها، وغمغمت بصوت خافت فيه ضيق طفولي: يا ماما… إجازة العيد خلصت من أسبوع، وأنا فاتني كتير.
في تلك اللحظة خرجت شهد من المطبخ تحمل أكواب الشاي، وقالت بمرح ممتزج بالاستنكار: ولما شاهين ولا أبوكي يعرفوا إنك خرجتي من الحارة… هيعملوا إيه؟
رفعت حور رأسها ببطء.
مجرد تخيل رد فعل شاهين أو والدها جعل التوتر يمر في ملامحها فورًا.
بلعت لعابها، ثم قالت بسرعة وهي تتراجع عن فكرتها كلها: لا خلاص… أقعد أشرب شاي معاكم وآكل سندوتشات شاورما أحسن…بلا علام بلا وجع قلب… يعني اللي اتعلموا خدوا إيه؟
انفجرت فوزيه وشهد بالضحك، ومالت فوزيه نحوها وهي تقول بمرح: أصلًا الرجالة تحت ماكنوش هيسبوكي تعتبي بره البيت يا عين أمك.
عقدت حور حاجبيها بضيق، ونظرت إليهما بتذمر طفولي: يعني كلكم عليا يعني؟
ضحكت شهد وهي تضع أكواب الشاي على الطاولة، ثم اقتربت تربت على رأسها بحنان: لا يا قلب ماما… لما شاهين يرجع هخليه يوديكي، وتجيبي كل المحاضرات اللي فاتتك من أي حد من أصحابك.
ورغم ضحكاتهن الخفيفة…
ظل اسم شاهين وحده كافي ليجعل قلب حور يهدأ قليلًا، وكأنها، مهما حاولت التذمر، كانت تعرف جيدًا أنها لن تشعر بالأمان الكامل إلا حين يعود.
أطلقت حور زفرة طويلة على مضض، ثم وضعت حقيبتها جانب وكأنها تعلن استسلامها أخيرًا، وهتفت: خلاص… هروح أطلب شاورما أحسن… حد عايز؟
أومأت شهد بسرعة وهي ترفع يدها بحماس: أنا… هاتي اتنين معاكي.
ضحكت حور بخفة، ثم التفتت نحو فوزيه وسألت: وانتي يا ماما؟
هزت فوزيه رأسها برفضٍ قاطع، وغمغمت بحنق أصيل: أنا أسيب الملوخية بتاعتي اللي ريحتها جايبة آخر الشارع… وآكل سندوتشات هوهو بتاعتكم دي؟!
انفجرت حور وشهد بالضحك.
وقالت حور بسخرية عابثة وهي تميل برأسها: إلا هوهو ده… كلب لسه مدبوح طازة.
شهقت شهد من الضحك، بينما كرمشت فوزيه وجهها باشمئزاز حقيقي، وهتفت: أُخص! الله يقرفكم!
تعالت الضحكات داخل الشقة، خفيفة ودافئة، كأن البيت يحاول أن ينسى لساعات قليلة رائحة الدم والخوف التي علقت بالرجال منذ الليل.
ثم تحركت حور نحو الهاتف لتطلب الطعام، بينما ظل صوت ضحكاتها يتردد في أرجاء الشقة…
صوت ناعم، حي، مليء بالحياة…
دون أن تدري أن الرجال في الجهة الأخرى من الدنيا كانوا يقاتلون بكل ما فيهم فقط كي يبقى هذا الصوت آمن…
في منزل جارحي السعدني…
فاق يونس على ألم نابض ينهش ساقه كأن الجرح استيقظ قبله، فقطب حاجبيه بعنف، وزفر من بين أسنانه وهو يفتح عينيه ببطء…
كانت رائحة الدواء تعبق في الغرفة، وضوء العصر الخافت ينساب عبر النافذة…
وعلى مقربة منه جلست شموع عند ساقه، وقد انتهت للتو من تغيير الضمادة…
هدر بصوت متألم حانق: بتنيلي إيه يا بت؟! رجلي وجعاني أوي.
التفتت إلى الجهة الأخرى برأسها، ورفعت حاجبها بنزق، ثم غمغمت بصوت خافت ساخر: رچالة إيه الخرعة ديه…
ثم التفتت إليه مجددا، ولطمت فخذه بحنق متعمد جعل الألم يشتعل أكثر، ونهضت أمامه وهي تقول ببرود مستفز: زي بعضه… حجك عليا، كنت بغير على چرحك يا نونس.
رفع شفته بحنق فورًا، وهدر: نونس مين يا بت؟! أنا اسمي يونس يا أختي!
لوت شفتيها بحنق طفولي، وتمتمت: يارب تتخوت أكتر ما إنت مخوت لحالك…
ثم زفرت وأضافت ببرود: أنا بقول يونس… إنت سمعتها إيه؟
نظر إليها بنظرة ضيقة، ورفع حاجبه ببطء وهو يقول: يا شيخة… هتطلعيني أطرش كمان؟ زي ما كنتي عايزة تجننيني! أنا سمعتك قولتي نونس.
كتمت شموع ضحكتها بصعوبة، وارتجفت زاوية فمها قبل أن تهمس: ده أجل واچب…
ثم هتفت ببراءة مصطنعة: إنت شكلك البنج أثر على دماغك… أو عملك لطف، اللهم احفظنا… وبعدين إنت أدرى بحالك…
واقتربت منه أكثر…
مدت يدها نحو جبينه، ولمست حرارته بخبث ناعم، وهمست: يا لهوي… إنت سخن جوي… عشان كده بتهوي وتسمع حاچات مش موچود.
رفع عينيه إليها أخيرًا…وتوقفت أنفاسه لوهلة.
كانت قريبة أكثر مما ينبغي، وملامحها تحت الضوء الباهت بدت مربكة على نحو خطير؛ عيناها الواسعتان، وأنفاسها الدافئة، وخصلات شعرها الهاربة من تحت الحجاب حول وجهها…
كل شيء فيها كان يستفز أعصابه بطريقة لا تشبه الغضب وحده….
نظرت إليه شموع بضيق متعمد، تحاول أن تهرب من تلك النظرة العالقة بها كأنها تمسكها من الداخل، ثم همست وهي تعقد حاجبيها: هي ليه عينيك سحبها عالي كده؟
لم يجب فورًا…
فقط ارتفعت زاوية فمه بابتسامة بطيئة، صغيرة، لكنها كانت أخطر من الكلام نفسه؛ ابتسامة رجل بدأ يستمتع بارتباكها أكثر مما ينبغي.
وفي لحظة خاطفة—
قبض يونس على يدها وسحبها نحوه بعنف غير مؤذي، لكنه كان كافي ليخطف أنفاسها.
شهقت شموع وهي تسقط فوق صدره مباشرة، فاصطدم جبينها بصدره الصلب، وخرج منها تأوه خافت متفاجئ، بينما التف ذراعه حولها تلقائيًا، يمنعها من الابتعاد للحظة بدت أطول مما ينبغي.
تجمدت…
لا من الخوف، بل من قربه.
من حرارة جسده التي تسربت إليها رغم القماش، ومن رائحة الدواء والدخان الخافتة العالقة به، ومن دقات قلبه الثقيلة التي شعرت بها أسفل وجنتها بوضوح أربكها أكثر.
رفعت عينيها إليه ببطء…
فوجدته ينظر إليها بطريقة مختلفة هذه المرة.
لم تكن نظرة غضب، ولا حتى عبث خالص…
بل شيء أكثر هدوء ، وأكثر خطورة، كأن عينيه تذوقتا ملامحها لأول مرة عن قرب.
ومال نحو أذنها ببطء…
حتى شعرت بأنفاسه الدافئة تلامس بشرتها المرتجفة.
ثم خرج صوته الأجش منخفض، دافئ، يحمل عبث يختبئ خلفه شيء أشد: طيب حاسبي… لا النوة تبلعك وتغرقي يا بت الخال.
ارتعشت أنفاسها دون إرادة…وللحظة..
نسيت كيف كانت تتشاجر معه قبل دقائق فقط، ونسيت حتى سخريتها المعتادة…
لأن قلبها، الغبي على نحو مفاجئ، بدأ يدق بعنف لا يشبه أي شيء تعرفه.
بلعت شموع لعابها بتوتر خانها للحظة، وتشابكت أصابعها دون وعي بياقة قميص يونس قبل أن تدفعه بعنف مرتبك، وكأنها تحاول إبعاد تأثير قربه عنها أكثر من إبعاده هو نفسه.
نهضت شموع بسرعة، وخصلات شعرها ارتجفت حول وجهها المضطرب، وفي غمرة ارتباكها انزلق حجابها عن رأسها وسقط فوق ساق يونس دون أن تنتبه.
لكنها لم تتوقف…
ابتسمت بخبث متعمد، تحاول دفن ارتجاف قلبها خلف عنادها المعتاد، وقالت: متخفش عليا… خاف على نفسك. أنا عويمة، واللي زيك عادي بالنسبالي.
ارتفع حاجبه ببطء، واشتعلت نظرة حادة داخل عينيه فورًا، ثم قال بصوتٍ خشن: عادي بالنسبالك؟
واعتدل بجسده رغم الألم الذي مزق ساقه، وعيناه لا تفارقانها لحظة: طيب اخفي من وشي يا شموع… بدل ما أقوم أقسمك نصين…
أومأت برأسها ببرودٍ مستفز، وكأن تهديده لم يفعل سوى زيادة عنادها، ثم غمغمت: أنا غلطانة عشان غيرتلك على الچرح… كان المفروض أسيبه يتلوث، زي لسانك الملوث ديه.
رمقته بنظرةٍ أخيرة مليئة بالمشاكسة والتحدي…
ثم استدارت سريعًا وخرجت من الغرفة بخطوات متعجلة، قبل أن يمنعها… أو قبل أن ترى بنفسها كم بعثرت قربه داخلها.
ظل يونس يحدق في أثرها للحظات طويلة…
في الباب الذي أغلقته خلفها، وفي الهواء الذي بقيت رائحتها عالقة به كأنها لم تغادر أصلًا.
ثم عض شفته بقوة، ومد يده ببطء نحو الحجاب الساقط فوق ساقه.
رفعه…وتأمله للحظة صامتة.
قبل أن يلفه حول عنقه بلا وعي، وكأن شيئًا داخله احتاج قربها حتى بعد رحيلها.
زفر بحنق مشتعل، وغمغم: لساني أنا؟! أمال لسانك إنتي اللي عايز يتغسل بميه نار ده…
ثم ألقى رأسه للخلف بضيق، وتمتم بحنق يحمل ابتسامة خفية رغم عنه: ماشي يا بت الجذمة…
لكن بعد لحظات…تسللت رائحتها إليه.
ناعمة… دافئة… تحمل شيئًا يشبهها بشكل موجع.
تغلغلت داخل أنفاسه ببطء حتى استقرت في عمق صدره، وكأن قطعة القماش الصغيرة امتلكت قدرة غريبة على إرباكه أكثر من وجودها نفسه.
اشتدت عضلات فكه، وعض شفته بقوة، ثم سحب الحجاب من حول عنقه ببطء، ورفعه نحو أنفه.
استنشق رائحتها بعمق…
وأغمض عينيه للحظة، بينما خرجت منه تنهيدة ساخنة أثقل مما ينبغي.
ثم فتح عينيه أخيرًا، ووضع الحجاب أسفل رأسه بحركة بطيئة، وغمغم بصوت منخفض خشن: بلاش حوالين رقبتي… لتشنقني حتى وهي مش موجودة.
وسكت لحظة…
قبل أن يهز رأسه بحنق عاجز وتمتم: ماهي مش مضمونة… بت الجذمة.
……
في الغرفة الخارجية…
فتح ياسين عينيه أخيرًا بثقل شديد، وكأن الوعي يسحبه من قاع بعيد مؤلم، ثم خرج منه تأوه خافت ممزق بالألم: آآه…
كانت أنين تجلس على المقعد القريب تراقب تنفسه بقلق صامت، وما إن سمعت صوته حتى انتفضت نحوه بسرعة.
اقتربت منه وربتت على منكبه برفق، ثم قالت بصوت خافت ناعم: سلمتك يا ولد عمتي.
تحرك رأس ياسين بثقل، وقطّب حاجبيه من الألم، بينما وقفت أنين أمامه تتأمله ببطء حذر، كأنها تتأكد أنه عاد فعلًا إلى وعيه.
لحظات…
حتى بدأت الرؤية تستقر داخل عينيه أخيرًا.
ورآها.
توقفت أنفاسه للحظة.
ظل يحدق بها بصمت مشوش، وكأن عقله المتعب لم يستوعب ما يراه، ثم خرج صوته متحشرج: أحا… إيه الجمال ده؟
شهقت أنين بذهول امتزج بتوتر حقيقي، واتسعت عيناها وهمست: يلهوي! هتچول إيه يا چدع إنت؟!
ضيق عينيه قليلًا كأنه يحاول التركيز أكثر، ثم قال بصوت مبحوح خافت: هو أنا عارف أقول حاجة؟… هم الحوريات من الصعيد؟ ولا أنا حسناتي كتير كده؟
نظرت إليه بدهشة، وعجزت للحظة عن الرد.
كان يتحدث إليها ببساطة صادمة، كأن الإعجاب خرج منه دون تفكير، ودون محاولة لإخفائه حتى.
حاول ياسين الاعتدال، فتأوه بألم حاد، ثم غمغم: أنا موت طيب ولا إيه؟… وإنتي مش بتردي ليه؟
هزت أنين رأسها سريعًا بالنفي، واقتربت منه أكثر، ثم همست برقة دافئة تذيب القسوة: “بعد الشر اسملله عليك… إنت لسه عايش، وحي ترزج كمان يا ولد عمتي.
تجمد للحظة…
ثم رفع حاجبه بذهول، وبلع لعابه بصعوبة وهو ينظر إليها كأنها كارثة ناعمة هبطت فوق رأسه فجأة.
وهمس بصوت خافت مذهول: يخربيت رقتك يا شيخة… هو في كده؟
ظل يتأملها بعينين نصف مرهقتين ونصف مفتونتين، ثم تمتم بضعف عابث: انتي إيه بجد؟… أنا دماغي بدأت تسيح. قوليلي والنبي… انتي مين يا أوزة بطعم الجنة؟
اتسعت عينا أنين بدهشةٍ صافية، وارتعشت رموشها عدة مرات وهي تحاول استيعاب طريقته الغريبة في الحديث… تلك الطريقة التي تجمع بين الوجع والعبث وكأنه يسخر حتى من ألمه.
ثم قالت ببساطة بريئة: أنا بت خالك الصغيرة.
قطب ياسين حاجبه بدهشة، وظل يحدق بها لثواني طويلة، كأن عقله توقف عند شكلها أكثر من كلامها.
كانت تقف أمامه بهدوء ناعم لا يشبه ضجيج العالم الذي خرج منه منذ ساعات…
وجه هادئ، وعينان صافيتان، وصوت لو انسكب فوق حجر لتشقق من فرط رقته.
ثم غمغم أخيرًا: ده اسمك في شهادة الميلاد؟
ورغم الألم الذي يسري في ذراعه، ورغم الإرهاق الذي يسحب روحه، إلا أن العبث خرج منه تلقائيًا: يعني انتي أي حد يسألك تقوليله: أنا بت خالك الصغيرة؟
هزّت رأسها بالنفي بخفة، واقتربت منه بالطعام بحذر بسيط، كأنها تخشى أن تؤلمه دون قصد، ثم قالت برقتها الهادئة: لا… اسمي في الشهادة أنين.
توقفت عيناه عند اسمها للحظة.
أنين…
الاسم نفسه خرج منها ناعمًا بشكل مستفز، وكأنه لا يقال… بل يهمس داخل القلب مباشرة.
ردده داخله مرة دون صوت.
أنين.
وشيء غريب انزلق في صدره فجأة، شيء دافئ وخطير في الوقت نفسه.
ثم ابتسم ببطء، ابتسامة مرهقة لكنها حقيقية، وهمس: أنين؟… أحيه، وأنا قلبي وحيد وحزين.
اتسعت ابتسامتها الصغيرة أكثر، تلك الابتسامة التي لا تعرف الإغراء أصلًا لكنها تفعل ما هو أخطر…
تربك.
وقالت وهي تحاول دفع الطبق نحوه: أنا مش فاهمة منك حاچة… چوم كل لجمة ترم عضمك.
اعتدل ياسين قليلًا رغم الألم الذي شد أعصابه بعنف، ثم غمز لها بعينه بوقاحة مرحة: طيب… أنا عايز حاجة ترم قلبي.. عندك؟!
هزّت رأسها بالنفي بهدوء…
لكن المصيبة لم تكن في كلامها.
كانت في طريقتها…
في الرقة التي تتحرك بها بلا وعي، وفي ذلك الصوت الناعم الذي يخرج منها وكأنه خلق ليهدئ شيئًا متعب داخل أي رجل يسمعه.
شعر ياسين فجأة أن صدره المرهق يلين بطريقة غريبة.
لكن تلك الرقة الهادئة التي تخرج منها بلا مجهود أشعلت شيئًا فوضوي داخل صدره..
وظل يحدق بها للحظات…
قبل أن يهمس دون وعي، وكأنه يحدث نفسه: ورحمة أبويا… شكلك هتطلعي تهيؤات وأنا بتكلم مع نفسي.
ابتسمت أنين برقة، وأشارت نحو الطعام بصمت.
نظر ياسين أخيرًا إلى الطبق، ومد يده بتكاسل وأخذ الملعقة، ثم غمسها في القليل من الشوربة وهو يقول: ناكل… وبعدها أشوفك تهيؤات ولا حقيقة…عشان انا جعان الصراحة.
انحنى قليلًا، وأدخل ملعقة الشوربة إلى فمه…
ثم رفع وجهه فجأة وهو يقول: الشوربة..
لكن الكلمة ماتت فوق شفتيه.
اتسعت عيناه بذهول كامل، وتوقف عقله للحظة حقيقية، قبل أن يبصق ما في فمه ويسعل بقوة.
كانت شموع تقف بجوار أنين تمامًا…
نسخة مطابقة لها بصورة مرعبة.
نفس العينين… نفس الملامح… حتى الملابس نفسها.
تجمد ياسين مكانه.
وبدأ ينظر بينهما بعينين متسعتين كأن روحه خرجت من جسده للحظة.
ثم غمغم بصوت مختنق: أنا كده موت أكيد…
وأشار نحوهما بإصبع مرتجف: وبتحاسب ولا إيه؟
ظل يحدق فيهما بعدم تصديق، قبل أن يهمس أخيرًا وكأنه فقد صلته بالواقع: هي التهيؤات… انقسمت اتنين؟!
وفي تلك اللحظة..
انخفض رأس أنين وهي تكتم ضحكتها بصعوبة، بينما عضت شموع شفتها بقوة حتى لا تنفجر ضاحكة.
أما ياسين…
فكان ينظر إليهما بملامح رجل مستعد فعلًا لتصديق أنه فارق الحياة، وأن الجنة قررت استقباله بنسختين متطابقتين من الفتنة نفسها.
دلف شاهين وزكريا إلى الغرفة، ومع أول نظرة سقطت على وجه ياسين، توقف شاهين لحظة.
كانت ملامحه كفيلة بإشعال الضحك…
عينان متسعتان بصدمة حقيقية، وفم نصف مفتوح، ونظرة رجل بدأ يشك فعلًا أن الرصاصة لم تصبه في ذراعه… بل اخترقت عقله مباشرة.
اقترب شاهين ببطء، وارتسم فوق فمه ذلك العبث المستفز الذي يسبق الكوارث دائمًا، ثم قال: مالك يا ياسو… مبرق كده ليه يا لا؟
رفع ياسين عينيه إليه فورًا، وكأن النجدة وصلت أخيرًا، ثم أشار نحو أنين وشموع وقال بذهولٍ حقيقي: ليه؟ إنت مش شايف اللي أنا شايفه ولا إيه؟ مين دول؟!
قطب شاهين حاجبيه ببطء، بتلك البراءة الكاذبة التي لا تبشر بخير أبدًا، ثم التفت نحو الفتاتين وكأنه يبحث فعلًا عمّا يتحدث عنه ياسين.
قبل أن يعود بنظره إليه قائلًا بدهشة مصطنعة: دول؟
ثم هز رأسه ببطء: دول مين؟ هو في غير بنت خالك اللي واقفة؟ إنت لسه تعبان يا ابني.
تجمد ياسين للحظة…
ثم بلع لعابه بصعوبة، وبدأ يفرك عينيه بعنف كأن المشكلة فعلًا في بصره هو : يا شاهين متتهزرش… دول اتنين! اتنين شبه بعض أوي وكمان لابسين زي بعض!
في الخلف…
عضت شموع شفتها بقوة حتى لا تنفجر ضاحكة، بينما أنين كانت تخفض وجهها وتحاول التنفس طبيعيًا، لكن كتفيها كانا يهتزان بوضوح.
أما زكريا…
فأدار وجهه للناحية الأخرى وهو يكتم ضحكته بصعوبة قاتلة.
لكن شاهين…استلذ اللعبة أكثر.
اقترب من ياسين بجدية باردة وقال: لابسين زي بعض كمان؟
ثم عقد ذراعيه فوق صدره: طيب… لابسين إيه؟
أشار ياسين نحوهما بعصبية، وكأنه رجل يحاول إثبات أنه لم يفقد عقله بعد: لابسة طرحة سودة…
أكمل شاهين فورًا: وعباية زرقا صح؟
هنا اتسعت عينا ياسين بانتصار مفاجئ، وأومأ بسرعة شديدة حتى تأوه جرحه: أيوه! الله ينور عليك ولديك، أيوه بالظبط كده!
لكن شاهين هز رأسه ببساطة قاتلة وقال: أيوه ماهي واحدة اللي لابسة كده يا لا… إنت جبت التانية منين؟
ساد الصمت لثانية…
ثانية كاملة جعلت ياسين ينظر بينهما وبين شاهين وبين زكريا، بعينين بدأت الحيرة تتحول فيهما إلى رعب حقيقي.
ثم التفت نحو زكريا بسرعة، وهو يفرك عينيه بحنق متوتر: قول حاجة يا جدع إنت… أنا عقلي هيشت! هو أخوك عمي؟ ولا أنا اللي عندي حول؟
ضحك زكريا أخيرًا، تلك الضحكة القصيرة التي فضحته، ثم قال: لا كده إنت اللي عندك حول… هي واحدة يا ياسو.
في تلك اللحظة تحديدًا
انفجرت شموع ضاحكة، وانحنت أنين وهي تكتم ضحكتها بكفها، بينما ظل ياسين ينظر إليهم بصدمة رجل فقد ثقته في الواقع نفسه.
ثم أشار إليهما بإصبع مرتجف وهتف: لا ورب الكعبة في اتنين! أنا لو بموت دلوقتي فقولولي بموت بصراحة… إنما متخلونيش أموت وأنا عندي حول!
لم تتمالك أنين نفسها أكثر…
ارتجفت كتفاها من فرط الضحك المكبوت، وسرعان ما استدارت تتحرك باتجاه الباب بخطوات سريعة، بينما ترفع يدها إلى فمها محاولة عبث السيطرة على ضحكتها التي كادت تفضحها.
وفي اللحظة التي تحركت فيها..
شهق ياسين كأن أحدهم أكد له أخيرًا أنه ليس مجنون…
وانتصب نصف انتصابة فوق الأريكة رغم الألم، وأشار نحوها بعينين متسعتين وهو يهتف بذهول ممزوج بالغضب: أهي اتحركت! أهي على الشمال! ورحمة أبوي أهي! بصوا يا أخوالنا!
انفجرت ملامح شاهين بالعبث، وعض شفته بقوة يحاول السيطرة على ضحكته التي بدأت تخونه، ثم قال بجدية قاتلة: لا إنت اتجننت رسمي… شمال فين؟ ماهي البت واقفة في مكانها متحركتش.
نظر ياسين إليه بصدمة حقيقية…
تلك الصدمة التي تصيب الإنسان حين يبدأ يشك فعلًا في عقله هو.
أما زكريا فاقترب منه ببطء، ومد يده يتحسس جبينه كأن الأمر طبي فعلًا، ثم قال بقلق مصطنع: مالك بس يا ياسين؟ سلامتك يا حبيبي… هو البنج كتر وآثار على عقلك ولا إيه؟
هنا انفجر ياسين أخيرًا.
دفع يد زكريا عنه بعنف حانق، وهدر: إنتوا اللي عايزين تجننوا أمي!
ثم أشار نحو الباب بعصبية، وصوته يرتفع أكثر: ورحمة أبوي أنا شايفهم اتنين! اتنين يا عالم!
وفي الخلف…
كانت شموع قد انحنت على نفسها تكتم ضحكتها بصعوبة، بينما أنين التصقت بالحائط قرب الباب وعيناها تلمعان بدموع الضحك.
أما شاهين…
فبدأ صدره يهتز فعلًا من شدة محاولته الفاشلة للتماسك.
لكن ياسين لم يعد يحتمل.
نظر إليهم جميعًا بنظرة رجل ترك وحيدًا وسط مجموعة قررت العبث بعقله حتى النهاية، ثم دفع زكريا من كتفه بحنق، ونهض فجأة.
ترنح للحظة بسبب ضعفه…
لكنه أكمل طريقه بعناد غاضب، وركض إلى الخارج حافي القدمين، وصوته يصدح في أرجاء المنزل: “أنا همشي من هنا… البيت ده مسكون! ورحمة أبوي مسكون!
وفي اللحظة التي اختفى فيها خارج الغرفة…
انفجرت الضحكات أخيرًا.
ضحكات عالية، فوضوية، ملأت المكان بالكامل…
بينما كان ياسين في الخارج يقسم للمرة الألف أن ما رآه حقيقي، وأن الجميع تآمروا عليه فقط لأنه مصاب ولا يستطيع الدفاع عن عقله المسكين.
وأثناء ما كان يركض ، ارتطم ياسين فجأة بجسدين عند باب الخارج…
جسدين ثابتين كأنهما كانا ينتظرانه تحديدًا.
رفع رأسه بسرعة، وعيناه ما تزالان تحملان آثار الذهول، فوجد أحمد وجارحي يمسكان به قبل أن يفقد توازنه.
شهق أحمد وهو يثبته من كتفه، وقال بصوت متهدج بين القلق والدهشة: إنت لحقت تفوق وكمان طالع تجري؟ رايح فين يالا؟
أشار ياسين بسرعة نحو الداخل، وكأن الكارثة خلفه مباشرة، وقال بعصبية ممزوجة بالرعب: في استنساخ بشري جوه! أو عفريتة! البيت مش طبيعي! أنا ماشي يا عم قبل ما يمسكوني ينسخوا عليا!
انفجر أحمد ضاحكًا رغم الموقف، وربت على كتفه: ننسخ منك إنت؟ هو إحنا قادرين عليك نسخة واحدة أصلاً عشان ننسخ منك؟
أما جارحي فهز رأسه ضاحكًا، ثم قال بصوت يحمل ملامة ممزوجة بالمزاح: هم عملوها فيك إنت كمان؟ أدي أخرة اللي ميصلش رحمه… لو كنت بتيچي تزور خالك كنت عرفت إنهم تنين تؤام يا ولد اختي.
تجمد ياسين للحظة…
ثم اتسعت عيناه بصدمة جديدة أخطر من السابقة، وتمتم: أحيه… تؤام؟ يعني إيه تؤام؟
ثم رفع يديه وكأنه يحاول ترتيب الكون داخل رأسه: يعني لو اتجوزت واحدة فيهم هيبقى عندي راجل تاني نسخة مراتي؟!
توقف للحظة، ثم صرخ بذهول: يا نهار أسود… ونفس الحاجات كمان؟!
ضحك أحمد وهو يهز رأسه: نفس الذات… نفس .. هو هو … معاك ومع حد تاني يا ياسين!!
هنا تراجع ياسين خطوة للخلف وكأنه فقد أي قدرة على الاستيعاب، وهز رأسه بعنف: لا… لا أنا مش لاعب في الفيلم ده. أنا كده هنسحب.
وفي تلك اللحظة خرج شاهين وزكريا من الداخل، يضحكان بخفة كأنهما لم يتسببا في انهيار عقل رجل قبل دقائق.
قال شاهين بمرح وهو يلتقط أنفاسه: أنا وسعد هنروح بالعجول… وانت يا عمي لما يونس وياسين يتحسنوا هاتهم وارجع.
أومأ أحمد برأسه ، وقال بصوت حاد مشوب القلق العارم : خد بالك وخد نص الرجالة معاك.
اوما شاهين برأسه بتأكيد ثم تحرك وهو ما زال يبتسم، تاركًا خلفه فوضى من الضحك والذهول.
أما ياسين…
فبقي واقفًا في المنتصف، ينظر نحو الداخل ثم نحو الخارج، ثم نحو الجميع، بعينين ممتلئتين بالشك والرعب.
وهمس لنفسه أخيرًا: أنا لازم أنام… أو أهرب… أو أغير الكوكب.
….
في فيلا عابدين الشيخ…
انفجر رنين الهاتف في الصمت كأنه إنذار حرب، قبل أن يلتقطه عابدين بسرعة ويضعه على أذنه، وعيناه تضيقان بحدة قاتلة.
جاءه صوت الرجل من الطرف الآخر متوتر، منخفض كأنه يخشى أن يسمع: المعلم سميح فاق… ولحقناه بس…
ساد صمت ثقيل للحظة، كأن الهواء نفسه توقف عن الحركة.
ثم انفجر عابدين فجأة بصوت غاضب يجلد الصمت: بس إيه؟! هتنجطني؟! اتكلم!
ارتجف الصوت في الجهة الأخرى: الرصاصتين اللي في رجله… عملوا أثر… الدكتور قال ممكن يسيبوا عاهة.
تجمدت ملامح عابدين لحظة… ثم اشتعلت أكثر.
قبض على الهاتف حتى أصدرت يده صوت خافت، وعروقه برزت كأنها على وشك الانفجار، ثم خرج صوته منخفض… خطير بشكل مرعب: وولاد المهدي… حد حصله حاجة؟… والعجول؟
جاء الرد مسرع، مرتبك: لا… يونس وياسين اتصابوا بس إصابات خفيفة.
وهنا انتهى الصمت.
أغلق عابدين الخط بعنف دون كلمة إضافية، ثم قذف الهاتف بكل ما فيه من غضب نحو الجدار.
ارتطم الهاتف بالحائط وتهشم، بينما دوى صوته في المكان كالرعد: كفاية بقى! إنتوا إيه؟ أبالسة بسبع أرواح؟! محدش بيموت فيكم ليه؟!
وفي اللحظة نفسها…
انفجر صوته مرة أخرى، أشد قسوة: عزيز!
دخل عزيز مسرع بخطوات متوترة: أوامرك يا باشا.
كان صدر عابدين يعلو ويهبط بعنف، كوحش حبس داخل قفصه طويلًا ثم فتح له الباب فجأة، وعيناه تلمعان بغضب لا يحتوى.
زمجر بصوت يقطع الهواء: جهز الرجالة… رجالة كتير… طلعة كاملة.
اقترب خطوة، وخفض صوته لكن جعله أكثر رعب: هحرق حارتهم… بيتهم… محلاتهم… وحتى البني ادمين… كله هيبقى تراب قبل ما يجوا من الصعيد.
تراجع عزيز قليلًا وهو يبتلع ريقه بصعوبة، بينما بقي عابدين واقف في مكانه…
كأن الغضب نفسه صار واقف على قدمين داخل تلك الفيلا.
ووووووو
توقعتكم ي سكاكرررر
ساحره القلم ساره احمد

تحفه تسلم ايدك
روعة تسلم ايدك ❤️
البارت رووووووووعة ياحبيبتي تسلم ايدك وعنيكي
تحفه ياسارة تسلم ايدك وعنيكي❤❤❤❤❤❤
توحفة
تسلم الايادي
ياسين 😂😂😂😂😂😂😂
تسلم ايدك ياسوا ❤️
البارت عظمه❤️❤️❤️
البارت كله ضحك 😆
روعه روعه روعه
حلوياتك يا سوا
تحفه كالعاده
تسلم ايدك ❤️
تحفهههه 😍
ياجمالوااا❤️
روعه روعه روعه
يا حلوياتك يا قلبي ❤️
البارت كله عظمه
كالعاده تحفه تسلم ايدك ❤️
ما اجمل ابداعتك ي سو ♥️
روعه
تحففغغغغغغغغه
تحفه بجد ،🥰🥰
ياسين ده مسخره 😂😂😂😂
عظمةةةةة تسلم ايدك ي سوووو 😘😘
البارت الجمر 😂😂😂😂😂😂
راااااائع 😍😍
حلو اووي بجد تسلم الايادي❤️❤️
والله انا ضحكت ضحك عمري ما ضحكته في حياتي 😂😂😂😂😂😂😂😂😂😂😂😂😂😂😂
تحفه تسلم الايادي ❤️
تحفه تسلم ايدك روووعه🌹🌹🌹
يلهوي
تحفهههه😍🩷🩷💜
تحفه تسلم ايدك
تسلم الأيادي يا قمراتي أنا متشكرة جداً إنكم نزلتوه بسرعة علي المدونة أنا مكنتش عارفة أقرأه علي الواتس وكنت بتجنن من التعليقات بس حقيقي يستاهل البارت تحفة، خفة دم ياسين ودت البارت في حتة تانية خالص بجد ضحكت كتير تسلم ايديكي يا سارة بجد افكارك جديدة ومتعددة بطريقة جميلة بجد تفوق كل التوقعات، والقافلة اللي توقف القلب برغم أننا اتعودنا عليها خلاص بس كل مرة قلبي بيوجعني من القافلة اكتر من وجع احداث البارت وأفضل أتخيل يا تري ايه إللى جاى وايه ممكن يحصل ، ربنا يستر وميحصلش حاجة لحور تنكد علينا بعد ضحك البارت ده مع ياسين
تحفه تسلم ايدك
تحفه يا سوو كالعاده
البارت ❤️ جميل جدااا تسلم ايدك ❤️
البارت تحفة♥️
راائع
البارت تحفه تحفه بجد وتسلم الأيادي
تسلم ايدك منتظرين جديدك يا حبيبتي
روعة ياقلبي ساحرة الكلمات في كل جزء في البارت
تسلم ايدك حبيبتي البارت تحفه تحفه
اكيد البارت خطير تسلم ايدك بجد تحفه
تسلم ايدك بجد تحفه
♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️
😍😍😍😍😍😍😍
من نجاح لنجاح إن شاء الله