ملكي وكفي(الفصل الاول)
حين أقول أحبك، لا أتكلم عن حب عابر، بل عن احتلال كامل لكل كياني… عن روح لا تعرف سواك، وعن قلب لا ينبض إلا باسمك.
فكلما رأيت سعادتي في العيون، فاعلم أنّها خدعة، أنّي كنت أحادثك في السرّ، أُهذب جنوني بكلماتك الصامتة، وأقتات على فكرة قربك.
لقد اكتفيت بك… لكن الاكتفاء هذا ليس هدوءًا، بل نار تكوي قلبي حين يغيب عنّي حضورك، حين يجرؤ أي شيء في الدنيا على الاقتراب منك، حين يلمح قلبي سواك… فكل شيء عليك محرم، وكل نبض خارجك حرام.
ما أجمل صمتي؟… صمتٌ يصرخ باسمك، صمت يشتاق إليك كالمجنون، وصمت يلعن قلبي الذي يبيت منك وهو ممتلئ بك.
فكيف لقلبٍ أن يتحمّل أن يكون شاغرًا عنك ولو لحظة؟… فكل شعور آخر، كل فكرة أخرى، كل نفس آخر… صاروا غرباء في وطني الذي هو أنت
في فيلا عابدين الشيخ
ساد صمت ثقيل…ذاك الصمت الذي لا يحمل سكينة،
بل ينذر بعاصفة تقتلع كل ما يظنه المرء ثابتًا.
داخل ذلك البيت الفخم،
حيث يعيش عابدين الشيخ وزوجته الحسناء نجوى مرزوق،كان كل شيء يبدو من الخارج كامل…
عائلة على أعتاب مولود جديد، وحياة يفترض بها أن تزدهر.
لكن الحقيقة
كانت تتعفن خلف الأبواب المغلقة….في غرفة النوم،
لم يكن هناك دفء… بل خيانة تتسلل في الهواء،
تفسد كل نفس يؤخذ.
انفجرت نجوى بضحكة عالية، ضحكة خالية من أي حياء،
وقالت باستخفاف: لا ده مسافر.
ثم انطفأت ابتسامتها سريعًا،واحتل الغضب ملامحها،
وتمتمت بحدة: وأنا إيه اللي كان حوجني ليك أصلًا؟
ارتفع حاجب أنور بدهشة مشوبة بغيظ حاول إخفاءه،
ورسم ابتسامة مستفزة على شفتيه قبل أن يقول:
تتحوجيلي ليه؟ هو أنا استبن في حياتك ولا إيه؟
اندفعت نحوه،كنار كامنة انفجرت دفعة واحدة،
وصرخت:.إنت عارف إنت إيه من أول يوم! أنا مضحكتش عليك!
وضعت يدها على بطنها المنتفخ، كأنها تستمد منه قوة أو تذكير ،وقالت ببرود قاسي :.قلتلك أللي أنا عايزة منك خلاص خته … بس إنت اللي لازقتلي!
تعلقت عينا أنور ببطنها،وفي نظرته شيء مظلم…
شيء أقرب للحقد منه لأي شعور آخر.
قال بصوت منخفض، مشدود: عشان مصلحتك يا نجوى… عشان مصلحتك.
ثم اقترب….خطوة… ثم أخرى… حتى صار الخطر بينهما مسافة نفس…نظر إليها بعينين تشتعلان، لكن خلف النار… خبث بارد..وغمغم بصوت حاد مكتوم : اللي مكنتش عامل حسابه… إني أحبك… وتبقي إنتي أفيونتي… ولا واحدة فيهم عملت فيا كده.
اهتز شيء داخلها، لكنها تماسكت، وعيناها لمعتا بطبقة دموع لم تسقط. وقالت بصوت خافت مبحوح: لو بتحبني بجد… سيبني في حالي… أربي العيل ده مع عابدين.
سقط الصمت بينهما…ثقيل، خانق، كأنه يضغط على الصدور حتى يكسرها…كان ينظر إليها… نظرة لا تفهم.
هل هي كراهية؟ حب؟ أم بقايا حقد قديم لم يمت؟
ثم قال ببطء: طول عمرك أنانية يا نجوى…
توقف لحظة، واستقرت ابتسامة باردة على شفتيه، وتمتمت بخبث : بس أنا هبقى أحسن منك.
ارتجف شيء خفي بداخلها، لكن ابتسامتها تلاشت قبل أن تكتمل، وكأنها شعرت بما سيأتي…
وقبل أن تنطق.. كان قد جذبها بعنف، قبضة قاسية أطبقت على المسافة بينهما، ليسقطها معه في هاوية سحيقة… هاوية لا قاع لها،
حيث لا شيء يبقى…إلا الخيانة،
وما يتبعها من هلاك.
وفجأة
انفجر باب الغرفة….لم يفتح…بل اقتلع،
كأن إعصار ناري قرر أن يقتحم المكان دون استئذان.
ارتجفت الجدران قبل الأجساد،
وتكسر ذلك الهدوء المريض في لحظة واحدة.
صوت دوى…صوت لم يكن صراخ فقط،
بل حكما بالهلاك: خــــــــاينـــــة يا بنت الـ****!”
كان صوته كالساطور، يشق الهواء… ويغرسه في الصدور.وصرخ : يا مومس… يا ساقطة!
اندفع أنور مبتعد بعنف، كأن النار قد مست جلده،
بينما انطلقت صرخة نجوى، مرتجفة، ممزقة: عاااابدين!
الاسم خرج منها لا كنداء… بل كاعتراف متأخر.
تراجع أنور خطوة… ثم أخرى، والعرق ينحدر على جبينه،
وقلبه يخبط في صدره كأنه يحاول الهرب وحده.
أما عابدين… فلم يكن رجل في تلك اللحظة.كان غضب متجسد..
اقترب…خطواته بطيئة،
لكن كل خطوة كانت كفيلة بأن تسقط ما تبقى من ثباتهم.
عيناه تشتعلان، لا بنار عادية… بل بقهر عميق،
قهر رجل دهس شرفه أمام عينيه…هدر من بين فكيه المشدودين،خرج صوت كفحيح مسموم: هشرب من دمك…وهدوس على رقبتك… زي ما دوست على شرفي يا ابن الحرام!
لم ينتظر أنور أكثر….استدار فجأة، وانطلق كالهارب من الموت ….لأنه كان كذلك فعلًا.
ركض… وقلبه يكاد يمزق صدره من شدة الخوف،
بينما اندفع عابدين خلفه، غضبه يدفعه كإعصار لا يتوقف….
خطوة واحدة…وكان سيمسك به لكن أنور لم يتردد.
وقفز من الشرفة….سقوط حاد، ارتطام عنيف بالأرض،
ثم صمت قصير… قبل أن يختفي.
وقف عابدين عند السور، أنفاسه ثقيلة، وصدره يعلو ويهبط كوحش جريح.
قبضته ارتفعت ، وهبطت على الحديد بعنف كاد يحطمه،
ثم دوى صوته، خشن، ممزق: مش هسيبك!
هجيبك ولو من تحت الأرض يا نجس… يا ابن الكلب!
وكان في صوته…وعد…ليس تهديد… بل وعد لا يعرف النسيان.
تكورت نجوى حول نفسها، أصابعها تغوص في الملاءة كأنها تتشبث بشيء يتلاشى، وجسدها يرتجف ارتجاف لا يسيطر عليه.
لفت القماش حولها بارتباك، وحاولت أن تنهض…
لكنها لم تكن تقف على قدميها، بل على بقاياها.
ثقل غريب سكن أطرافها، ودق قلبها بعنف…
كطبول حرب لا تبقي ولا تذر.
خطوة…ثم أخرى… وقبل أن تبلغ باب الغرفة
انغرست يد في شعرها….قبضة حديدية
لم تعرف الرحمة،
سحبتها للخلف بعنف جعل صرختها تنفلت دون إرادة.
دوى صوته،صوت يهز العظام قبل الآذان : على فين يا زبالة؟! رايحة فين يا بنت الـ****؟ يا بتاعة كل واحد؟!
صرخت،وحاولت أن تنتزع نفسها من قبضته،
لكن أصابعه كانت كماشة لا تفتح : سيبني! سيبني!
خرج صوتها مكسور، مشحون بسنوات لم تقال : فاكر إن ليك عندي حاجة؟! إنت سيبتني سنين… بكلم الحيطان!
سيبني يا مفتري!
لكن الكلمات …لم تصل إليه… أو ربما وصلت…
وزادت النار اشتعال.
دفعها….دفعة واحدة … أسقطتها أرضًا كأنها لم تكن شيئًا.
وقبل أن تستوعب … كانت قدمه فوق عنقها.
ثقل ساحق، ضغط بلا رحمة،
كأن الأرض نفسها قررت أن تطبق عليها وصرخ صوت مظلم : عشان أعيشك في مستوى ما كنتيش تحلمي بيه!
هدره خرج مسموم ،محمل بكل ما تبقى داخله من قهر :
إنتي وأهلك يا بنت الـ****!
تلوت تحته، جسدها يقاوم… أنفاسها تتكسر داخل صدرها…. الهواء لم يعد هواء،
بل أشواك تمزق رئتيها مع كل محاولة شهيق.
يدها ارتفعت، تحاول أن تدفع ساقه، أن تزيح الموت عن عنقها
لكن لا شيء تحرك….لم يكن يراها….لم يكن يرى سوى صورةٍ واحدة
صورتها…بين ذراعي رجل آخر، فوق سريره،
داخل عالمه هو….تلك الصورة كانت كفيلة أن تعميه.
اسودت عيناه، واختلط الغضب بالألم،
حتى لم يعد أي منهما يميز الآخر….شيء مفترس
نهش صدره من الداخل، ودفعه ليضغط أكثر… أكثر…
حتى بدأت مقاومتها تضعف. سقطت يدها ، ثم الأخرى.
جسدها الذي كان يقاوم… صار ساكن.
هدأ… ببطء مخيف….كأن الحياة انسحبت منه
دون صوت…وظل هو واقف ، قدمه ما زالت فوقها،
وعيناه غارقتان في ظلام كثيف.
ينظر… لكن لا يرى … حتى شق الصمت صوت ضعيف.
واهٍ…مرتجف…صوت صغير يعلن وجوده في هذا العالم
في أكثر لحظة لا تليق ببداية حياة.
تجمد كل شيء…وانكسر شيء آخر… لكن بعد فوات الأوان.
تراجع عابدين خطوة… ثم أخرى… كأن ما يراه لا ينتمي للعالم، ولا يمكن لعينيه أن تحتمله….ذهول مشوب برعب خام….
امتد في ملامحه، وهو يحدق… في ذلك الجسد الصغير،
المنفصل… والموصول في آن واحد، بين ساقي نجوى المرتخيتين…
تراجع أكثر، حتى اصطدم ظهره بالأباجورة،
فاهتزت… ثم سقطت أرضا، وانطفأ الضوء.
كأن النور نفسه لم يحتمل المشهد….لكن قبل أن يغيب تمامًا مر انعكاسه الأخير…على ذلك الجسد الصغير،
الذي لم يعرف من الدنيا شيئًا بعد…
إلا القسوة…. وساد ظلام كثيف….
ثواني…
ثم شق الصمت صوت حاد….بكاء…صرخة حياة أولى،
خرجت مرتجفة، كأنها تستجدي الرحمة…
لكن الرحمة لم تكن حاضرة….
اقترب عابدين ببطء، أنفاسه صارت مسموعة،
ثقيلة، متقطعة، كأن صدره لم يعد قادر على حملها.
الصوت يدوي في أذنيه يتضخم…
حتى كاد يصمه.
مد يده … يد لم تعرف التردد يومًا، ترتجف الآن…
اقترب بها من الطفل، ببطء موجع، كأن كل بوصة تقطعها
تنتزع شيئًا منه.
حاول أن يسحبه .. لكن الطفل لكنه لم يكن وحده.
كان هناك خيط واهي ما زال يربطه بها،
حبل حياة لم ينقطع بعد، رغم أن الحياة نفسها
انتهت تحت قدميه منذ لحظات.
تجمد….تراجع فجأة، وكأن شيئًا لاذع اخترق حلقه،
امتد كشوكة حادة حتى سار صدره يحترق مع كل نفس.
استدار…وخرج.
خرج كمن يهرب من جحيم أشعله بيده….وصوته انكسر وهو يصرخ: فاطمة! إنتي يا فاطمة! تعالي هنا!
في الأسفل،
ارتبكت الخطوات، وخرجت فاطمة من المطبخ مسرعة،
قلبها يسبقها وهتفت بصوت مرتجف: أيوه يا بيه… أنا أهو!
لم ينظر إليها، أشار للأعلى بيد مرتجفة، وصاح:
تعالي معايا بسرعة!
صعد السلم كالإعصار، خطواته سريعة، غاضبة،
تضرب الأرض كأنها تعاقبها….وخلفه فاطمة،
أنفاسها متقطعة، وقلبها يرتجف، وتمتمت وهي تصعد:
الستر من عندك يا رب…
اندفع إلى الغرفة، توقفت فاطمة عند العتبة ..ثم…
رأتها …شهقة مكتومة انفجرت من صدرها،
وارتفعت يدها لتصك صدرها، واتسعت عيناها برعب لا يحتمل
كانت نجوى… جسد ممدد بلا حراك…وبين ساقيها
طفل يتلوى، يبكي، يرتجف… لا يعرف إن كان من البرد…
أم من الظلم الذي ولد فيه : يا ساتر…
همست بها، لكن صوتها مات قبل أن يكتمل.
التفت إليها عابدين، وعيناه تشتعلان كجمر حي،
وصاح بعنف: هو أنا جايبك عشان تتسمري كده؟!
اتصرفي يا فاطمة!
نظرت له، ذهولها لم ينكسر بعد، ارتعشت شفتيها ،
وكأن الكلمات ترفض الخروج : أنا… أنا…
لكن صوته قطعها، أقسى، أعنف: بقولك اتصرفي في العيل ده! مش تقفي تبحلقي فيا كده يا ولية!
انتفضت كمن أفاق من صدمة، وهزت رأسها بسرعة،
خرج وصوتها مبحوح : حاضر… حاضر يا بيه… بس… بس أعمل إيه؟! هي… هي مالها يا بيه؟!
دفعها بعنف، فسقطت بجوار الجسد وصرخ : ملكيش دعوة! اتصرفي وبس!
انهارت على ركبتيها، يدها ترتجف، وعيناها امتلأت بالدموع التي انهمرت دون توقف.
نظرت إلى الطفل…ثم إلى نجوى…
وهمست بصوت مكسور: حاضر… حاضر…
لكن صوتها…لم يكن يحمل طاعة…بل كان يحمل
انكسار إنسان رأى ما لا يحتمل.
عادت فاطمه بنظراتها إلى الطفل… نظرة امتزج فيها الرعب بالشفقة، كأن قلبها انقسم نصفين في لحظة.
اقتربت ببطء، خطواتها مترددة، ويدها ترتجف وهي تمتد نحوه، ثم رفعته بحذر، كأنها تخشى أن ينكسر بين أصابعها، وهمست بصوت مبلل بالدموع: عايزة مقص… ومشبك غسيل يا بيه…
تحرك عابدين كمن يفعل شيئًا لا يشعر به، فتح أحد الأدراج بعنف، وسحب مقص، وألقاه نحوها دون أن ينظر،
وغمغم بصوت شبه ميت : المشبك أجيبه منين؟!
ارتبكت، نظرت حولها كمن يبحث عن النجاة، ثم أعادت الطفل إلى الأرض برفق مرتجف، وهمست: أنا… أنا هجيبه…
واندفعت للخارج،تتعثر خطواتها، كأن الأرض لم تعد ثابتة تحت قدميها….
عاد الصمت.
صمت ثقيل، خانق، لا يسمع فيه سوى أنفاس مضطربة…
وبكاء ضعيف.
اقترب عابدين…ببطء… وجثا على الأرض.
نظر إلى وجه الطفل في الظلام ، كان وجه صغير،
أحمر، مرتجف… يحمل ملامح لا ذنب لها في شيء.
لكن عينيه عابدين ، لم تريا البراءة. رأت الخيانة.
رأت الإهانة. رأت كل ما انكسر داخله منذ لحظات.
اشتعل شيء في صدره، بركان لم يجد طريق للخروج…
فبحث عن أضعف ما يمكن أن يحطمه….ودون وعي
امتدت يده….غطت فم الطفل…وأنفه.
خفت بكاؤه ، تقطع… ثم بدأ يختنق. ثواني
كانت كفيلة بأن تنهي كل شيء.
لكن
فجاه اندفعت فاطمة، ودفعته بعنف أسقطته للخلف،
وخرج صوتها مذعور ممزق : لاااااا! لا يا بيه! حرام عليك!
ذنبه إيه؟! ده حتة لحمة حمرا… ما يعرفش السما من العما!
سقط عابدين، ونظر إليها نظرة مظلمة، ممتلئة بالغضب والكراهية، وصاح: ده ابن حرام! ولازم يموت! ده مش ابني!
لم ترد…لم تستطع….انحنت بسرعة، سحبت قطعة قماش،
لفت الطفل بها، وقطعت ذلك الخيط الضعيف الذي كان يربطها بالماضي… ثم حملته إلى صدرها، تضمه كأنها تحتمي بها، أو تحميه من العالم كله.
دموعها انهمرت بلا توقف، همست بصوت مرتجف:
حرام عليك يا بيه… هو مالهوش ذنب
لوح بيده بعنف، كأنه يطرد شيئًا مقزز من أمامه،
وصاح بنفاد صبر حارق: بقولك إيه! بلا ذنبه بلا زفت!غوريه في أي داهية… قبل ما أقتله بإيدي!
تراجعت خطوة… ثم أخرى… تضم الطفل أكثر،
كأنها تخشى أن ينتزع منها..وخرج صوتها مكسور ،
حاضر… حاضر يا بيه…
لكنها تحركت…كادت تخرج ،صوته أوقفها مكانها :
استني!
التفتت ببطء، وقلبها يرتجف. نظر إليها بعينين قاسيتين،
وقال ببرود مخيف: لو حد سأل… قولي ماتت وهي بتولد… هي والمولود.
أومأت برأسها، دموعها تنساب على وجهها دون توقف،
ونظرت نظرة أخيرة إلى جسد نجوى المسجى على الأرض، ثم تمتمت بصوت خافت، كأنه يخرج من روحها:
اللي بيمشي في طريقه… بيوصله يا بيه…
ثم خرجت…وأغلقت الباب….ليظل هو… وحيدًا،
في غرفة امتلأت برائحة الموت،
يفكر … لا في ما فعل… بل في كيف يخفيه،
كأنها…
لم تكن يوم على قيد الحياة.
….
بعد ثمانيه عشر عامًا…
تبدلت الوجوه، وتغيرت الأزمنة، لكن بعض الحكايات…
لا تموت، بل تنتظر لحظة عودتها.
في حي السيدة زينب العريق، حيث تختلط ذاكرة الزمن برائحة المكان، كل شارع يهمس بحكاية، وكل زاوية تحمل اسم لا ينسى، كأنها صفحات مطوية من دفتر المدينة القديم….
الأزقة الضيقة تتلوى بين البيوت العتيقة، والجدران تصنع من صدأه وشيبه قصص تتوارثها الريح، والحجارة تحت الأقدام تحفظ صدى خطوات الأجيال.
هناك، حيث تختلط أصوات الباعة بصدى المآذن، والضحكات الطفولية ترتطم بجدران الزمن، يقف المارة بين الأمس واليوم، يلمسون الماضي في كل لمحة، ويتنفسون عبق التاريخ في كل نسمة…
الروائح، المزيج بين خبز الطابون والتوابل والبخور، تخبرك أن المكان ليس مجرد حي، بل قلب نابض لكل من عاش فيه، شاهد على الأفراح والأحزان، ومرآة لكل سر خفي في زواياه…
حي السيدة زينب ليس مجرد حي، بل روح المدينة التي تختزن كل تفاصيلها الصغيرة والكبيرة، حيث الماضي والحاضر يلتقيان، وكل لحظة تمر هنا تصبح ذكرى لا تمحى.
كانت الحياة تمضي بإيقاع خاص، صاخب أحيانا،
ودافئ حد الطمأنينة في أحيان أخرى.
حي اشتهر برجاله،
بجزارينه الذين توارثوا المهنة كأنها إرث دم لا ينقطع،
وبمحلات تتقن تفاصيل اللحم كما لو كانت طقس مقدس،
وبمطاعم تفوح منها روائح .. تجذب العابر قبل المقيم.
وهناك
وسط هذا الامتداد الشعبي العريق… امتدت سلاسل محلات … تحمل اسم واحد…اسمًا يقال بثقة،
ويحسب له حساب
المهدي.
شاهين المهدي وإخوته، لم يكونوا مجرد أصحاب تجارة،
بل أصحاب حضور…اسمهم يسبقهم، وكلمتهم لا تراجع،
وخطوتهم تفسح لها الطرق.
وفي ذلك المساء…كان شهر رمضان المبارك…
قد بسط روحه على الحي…فوانيس تتدلى كنجوم قريبة،
أضواء دافئة….تغمر الشرفات والحارات،
أصوات الباعة تختلط بضحكات الأطفال، ورائحة الطعام تتسلل في الهواء ، كأنها دعوة مفتوحة للحياة.
حتى الهواء ….كان مختلف…يحمل في طياته حب بسيط، وروحانية هادئة، تشبه حضن واسع…
يضم الجميع دون استثناء.
وقف شاهين،
كتلة من الصمت المتماسك، عيناه تجولان في المشهد أمامه ، لا بنظرة مشارك… بل بنظرة من يملك.
إلى جواره،.كان أحمد بثباته المعتاد، ملامحه لا تعطي الكثير، لكن حضوره يفرض نظام لا يرى.
أما زكريا، فكانت عيناه أكثر لين، تتوقفان عند التفاصيل الصغيرة، عند التعب المختبئ في الوجوه،
وعند الامتنان الذي لا يقال.
ويونس…كالعادة، يحاول أن يسرق من المشهد ابتسامة،
أو يزرع خفة وسط هذا الزحام، حتى وإن لم ينتبه له أحد.
أمامهم….امتدت موائد الإفطار، طويلة، ممتدة كأذرع مفتوحة ، تستقبل كل من أرهقه الجوع.
الأيدي تتزاحم، وجوه متعبة لكنها مضيئة بلحظة انتظار،
أصوات خافتة، دعوات تهمس قبل اللقمة الأولى،
وأنفاسٌ تهدأ تدريجيًا…
مع أول طعم يصل إلى الأفواه….كان المشهد حيا…
ينبض…
لكن شاهين
لم يكن يرى الجوع فقط، ولا الامتنان، ولا حتى الزحام.
كان يرى السيطرة…كل هذا… تحت اسمه…كل هذه الأيادي الممتدة، تأكل مما يملكه، وتحيا ولو للحظة
بما قرر هو أن يمنحه…
اقترب يونس قليلًا، مال برأسه ناحيته،
وقال بنبرة خفيفة: الدنيا زحمة أوي السنة دي… بهوقت منك جامد يا معلم …
لم يلتفت شاهين، ظلت عيناه ثابتتين أمامه،
وقال بصوت منخفض، هادئ… لكنه قاطع: ولا بهوقت ، ولا حاجه ، أنا ظبطها.
تدخل أحمد، بصوته العملي: الأكل هيكفي لآخر نفر ؟
رد زكريا وهو يتابع بعينه سيدة تجلس طفلها: هيكفي أن شاء الله … بس الناس أكتر من كل سنه ..
صمت قصير مر بينهم، ثم قال يونس بابتسامة جانبية:
كتر خيرك يا معلم …
هنا فقط حرك شاهين عينه نحوه، نظرة سريعة،
حادة، وقال بهدوء لا يجادل: مش خيري …ده خير ربك…
ثم عاد ينظر أمامه، بينما الأجواء تمتلئ بالدعوات،
والأصوات، والدفء كان هو… يقف كما هو،
لا يلين، ولا يذوب في المشهد، كأن كل هذا الدفء
صنع للناس…لا له.
أشار شاهين بيده ، إشارة واحدة، لكنها كانت كفيلة أن تحرك المكان بأكمله… خرج صوته حاد، قاطع،
لا يحتمل تأخير ولا تردد: حط لحمة هنا يالا! خلي الناس كلها تشبع!
فورًا… تحركت الأيدي، واندفعت الأقدام، كأن الأمر لم يكن طلب… بل قانون.
اندفع أحد الصبيان بالطعام، ينفذ بلا نقاش،
وهتف بطاعة سريعة: عينيه يا معلم شاهين!
امتدت الموائد أكثر، وامتلأت الأطباق، والجوع بدأ ينكسر
تحت وطأة الكرم… أو السيطرة.
تحرك أحمد بين الناس، يحمل إبريق الماء، يسكب في الأكواب بيد ثابتة، وصوته الأجش يعلو بدفء خشن:
كلوا يا رجالة… الأكل كتير، وخير ربنا أكتر!
كان صوته مختلف،ليس لين…
لكنه يحمل صدق يشعر الجائع أنه مرحب به،
لا مثقل على أحد.
وفي زاويةٍ قريبة… ظهر يونس، بخطوات سريعة،
كأن روحه تسبقه، وهتف بنبرة متلهفة ممزوجة بالمزاح:
عنك يا أبو حميد! هو كله الثواب ده هتاخده لوحدك؟! هات شوية!
ضحك أحمد، ضحكة خرجت من صدر تعود على الكتمان،
وقال وهو يدفعه بخفة: إنت هتبصلي في الكام حسنة يا جدع؟! اوعى كده!
ابتسم يونس، ضحكة خفيفة لم تفارقه، ورد وهو يمد يده يساعد:طب وأنا كمان عايز أتعلق في كام حسنة… حرام عليك!
هز أحمد رأسه، لكن عينيه لمعتا بشيء من الرضا،
ثم أشار بطرف ذقنه إلى أحد الجالسين، وقال بجدية عادت سريعًا: شوف الراجل ده… طبقه ناقص.
حطله كام حتة لحمة.
أومأ يونس فورًا، واختفت خفته للحظة،
وهو يتحرك نحو الرجل، يحمل الطبق بيد،
والنية في الأخرى.
أما شاهين فكان لا يزال يقف ، يراقب. كل حركة محسوبة، كل يد تمتد، كل لقمة تؤخذ تمر أمام عينيه
كأنها جزء من نظام أكبر.. لا يسمح له أن يختل.
وفي قلب هذا الزحام، وهذا الدفء، وهذا العطاء
كان هناك رجل… لا يعطي فقط، بل يحكم قبضته
على كل ما يعطى.
عند أول الطاولة، حيث يبدأ الزحام قبل أن يمتد،
وحيث تختلط الأصوات كأنها موج لا يهدأ
اقترب زكريا، يحمل بيده إناء فارغ، لكن وجهه لم يكن كذلك.
كان ممتلئ…بشيء يشبه الرضا. رفع صوته قليلًا،
ليعلو فوق ضجيج الناس، وقال وهو يلتقط أنفاسه:
كل الناس كلت… ولسانهم مش مبطل دعا يا شاهين…
بس هانت… كلها تلات أيام.
التفت إليه شاهين، ونظرته لانت للحظة قصيرة،
كأن التعب سمح بشق صغير يدخل منه الدفء.
رفع يده، وربت على كتف أخيه، وخرج صوته متهدج على غير عادته : الحمد لله يا زيكو… هانت ،
وهيخلص الشهر الكريم…
ونتحرم من صوت الدعاوي الحلوة دي… ومن البركة.
ابتسم زكريا، ابتسامة صافية، وأومأ برأسه وهو يتحرك مبتعد : إحنا كنا فين وبقينا فين يا عم شاهين…
قول الحمد لله.
ربنا قدرنا وما قصرناش ولا يوم في المائدة.
ظل شاهين واقف مكانه، وهز رأسه ببطء…
لكن عينيه لم تعد ترى الحاضر.
نظرت إلى الأمام…وكأنها تخترق الزحام،
تعبر السنين، وتقف عند شيء أبعد…ثم قال بصوت أخفض،أثقل، كأن الكلمات تخرج من عمق قديم:
أبوك… الله يرحمه… دعالنا الدنيا ما تخطفناش.
وإن شاء الله… الدعوة دي هتتشال لينا…
سكنت ملامح زكريا، وتحول ذلك الرضا إلى حزن هادئ،
أومأ برأسه،وخرج صوته خافت : الله يرحمه برحمته…
مرت لحظة صمت، قصيرة… لكنها كانت كفيلة
أن تعيد كل واحد منهما إلى شيء لا يقال.
ثم عادت الأصوات ترتفع، وعاد الزحام كما كان
لكن ما مر بينهما، بقي.
في منزل عبد التواب المهدي،
حيث ترتفع العمارة شامخة في قلب الحارة
كأنها تعلن عن نفسها دون حاجة لكلمات…
في الطابق الثاني،
داخل شقة واسعة تنبض بالفخامة، كان الدفء يملأ المكان… دفء لا تصنعه الجدران، بل الوجوه التي تسكنها.
جلست فوزية إلى المائدة، هيئتها مستقيمة، وعيناها لا تفوتان تفصيلة،
تراقب فقط ….تراقب تلك الجالسة أمامها…
حور.
التي وضعت وجنتيها فوق كفها، غارقة في صمت أثقل مما ينبغي لعمرها، وعيناها تحملان حزن أكبر من مجرد دلع عابر.
مصت فوزية شفتيها، بحنقٍ بدا مصطنع أكثر منه حقيقي،
ثم قالت بنبرة تحمل عتاب مغلف بالدلال: يا بت افطري…
هو الفطار ينفع عليه القمص ده؟
هزت حور رأسها نفي، وعيناها لا ترتفعان عن مكانهما،
وتمتمت بصوت خافت : أنا مش مقموصة…
انسل ضحك هادئ من شهد، ضحكة تشبهها تمامًا،
لينة، دافئة، وقالت وهي تنظر إليها بمحبة و أمال إيه يا حبيبتي؟
وشك مرسوم عليه اتنين بيتخانقوا… ومش مقموصة؟
وفي الجهة الأخرى…كان ياسين في عالم آخر.
يأكل بشهية مفتوحة، كأن المائدة خلقت لأجله وحده،
ثم رفع رأسه فجأة،وقال بمرح صاخب: يا بت كلي!
دي المسقعة باللحمة المفرومة… حاجة عظمة!
زفرت حور، زفرة خرجت محملة بحنق حقيقي،
ورفعت عينيها أخيرًا…لكن ليس نحوهم، بل نحو باب الشقة المفتوح.
نظرة انتظار،تسبقها لهفة…وتلحقها خيبة…وهمست،
وصوتها انكسر دون أن تقصد: مش عارفة آكل من غيره…
هو اتأخر كده ليه؟
مدت شهد يدها، وربتت على يدها برفق صادق،
وقالت بصوت يضمد القلق:يا قلبي…
دلوقتي يطلع بس يطمن على الناس تفطر… وهييجي على طول.
لكن حور لم تقتنع…نهضت فجأة، باندفاع طفولي لا يخلو من العناد،وقالت بحدة خفيفة:خلاص!
خليه يطمن على الناس تفطر… وأنا مفطرش!
وقبل أن تبتعد امتدت يد ياسين، يمد لها قطعة لحم،
وخرج صوته مرح كعادته: طب خدي بس الحتة دي…
افصلي بين معدتك وقلبك، بلاش تخلطيهم في بعض… هتتعبي!
نظرت له بغيظ، ودفعت يده بعيدًا، وقالت بحدة طفولية:
إنت كلك معدة بس يا ياسين! اوعى!
رفع حاجبه بدهشة مفتعلة، ووضع يده على صدره،
وقال بنبرة درامية:لا يا أختي… ليا قلب!
ثم التقط إصبع من ورق العنب، رفعه أمامها باستفزاز لطيف، وقال وهو يبتسم:حتى ورق العنب… بينزل في قلبي، مش في معدتي!
نظرت له حور، نظرة ممتلئة بالحنق… لكنها لم تخل من خفة، ثم زفرت بيأس، وتمتمت بكلمة واحدة: مفجوع…
اندفعت حور نحو الشرفة، خطواتها سريعة، مشدودة،
كأنها تهرب من المائدة… أو من نفسها.
رفعت حجابها عن شعرها بحركة حادة، كأنها تنزع قيد لا تسميه، وانفلتت خصلاتها في الهواء، تتنفس كما لو أنها كانت محتجزة معها.
ومن خلفها تعالت الضحكات….ضحكة ياسين أولًا،
صاخبة، لا تعرف التهذيب، تبعته شهد بنعومتها المعتادة،
حتى فوزية…لم تستطع أن تخفي ابتسامتها.
ثم هتفت من بين ضحكتها،بنبرة تجمع بين العتاب والدلال:والله شاهين ده هو اللي دلعك الدلع المرق ده!
ولازم يشوف له حل فيكي يا حور!
وقفت…وصدرها يعلو ويهبط ببطء،كأنها تحاول أن تهدأ…
ولا تنجح..وعيناها تسبقها إلى الشارع…
وفي عينيها..لم يكن حنق فقط، بل انتظار…
أعمق بكثير مما يبدو.
نظرت إلى الأسفل، تبحث عنه بين الوجوه،
بين الزحام، بين الأجساد المتلاصقة التي لا تشبهه.
كانت تعرفه…حتى قبل أن تراه.
ولم يخذلها حدسها…هناك ..وفي اللحظة نفسها
رفع رأسه.
نظر إلى الشرفة، نحوها مباشرة، كأنه لم يرها…
بل شعر بها.
تعلقت عيناها بعينيه، وانفرجت شفتاها بابتسامة صغيرة،
ورفعت يدها له بحماس طفولي…
لكن
تجمدت…يدها بقيت معلقة في الهواء، وأنفاسها انحبست فجأة،
حين مال برأسه قليلًا، نحو الجانب الأيمن، ورفع حاجبه.
حركة بسيطة…لكنها لم تكن عادية…كانت تحذير.
حاد … صامت… ومبطن بما يكفي لتفهم دون كلمة.
وفي لحظة…انطفأت….تراجعت خطوة، ثم أخرى،
ودلفت إلى الداخل، كأنها لم تكن هناك أصلًا.
كأن الشرفة لم تعرفها منذ لحظات.
في الأسفل
لاحظ أحمد ما حدث، ورفع عينيه نحو الشرفة،
ثم التفت إلى شاهين،فرأى ما لا يراه غيره.
وجه اسود فجأة، بغيرة حادة لم تخفها تلك الملامح الجامدة…غمغم بصوت منخفض، لكن حدته واضحة:
ربت لها الرعب يا تور…
التفت إليه شاهين، لنظرة صارمة، يتخللها خبث بارد،
وقال بهدوء لا يصدق : وأنا؟ عملت إيه؟ ولا حتى فتحت بوقي يا أبو حميد؟
ربت أحمد على كتفه،ابتسامة خبيثة تظهر بطرف فمه، وقال بخبث : ولا هتفتحه يا ابن أخويا…
ارتفع جانب فم شاهين، ابتسامة باردة كحد السكين،
وقال بنبرة منخفضة: لا… هفتحه…بس إنت اطلع منها.
ضحك أحمد،ضحكة صاخبة مليئة بالسخرية،
وهو يتحرك مبتعد : غلبان أوي…
قبض شاهين على كفه خلف ظهره، خطواته كانت أهدأ…
لكن أثقل…ثم تحرك خلفه، وخرج صوته منخفض،
يحمل وعد لا يخطئه أحد: هنشوف الغلب ده لمين يا عمي…يا اللي شايل همي.
وكان في صوته شيء لا يطمئن.
…….
داخل الشقة
لم يكد صدى خطواتها تهدأ حتى التقطه ياسين،
ضحك، ضحكةً خفيفة يملؤها عبثه المعتاد،
وقال وهو يرفع حاجبه بتقليد ساخر:
دخلتي بسرعة كده ليه بقى؟
مطت حور شفتيها،حنق طفولي يطل من ملامحها،
وردت وهي ترمي بالكلمات كأنها تبرر لنفسها قبلهم:
رفعلي حاجبه يا خويا!
انفجرت الضحكات…ضحكت شهد بهدوئها الناعم،
وياسين زادها صخب، حتى فوزية
هزت رأسها وهي تضحك، ثم قالت بنبرة تجمع بين المزاح والغيظ:والله نفسي أعرف سر الحاجب ده!
أنا حسي بيتنبح وانا أدي وأدي… والبت ولا هنا!
رفعت حور عينيها نحوها، ضيق خفيف يمر في نظرتها،
وغمغمت بصوت مبحوح:إيه يا ماما… كلكم عليا ولا إيه؟
وقبل أن ترد فوزية….دخل صوت أجش،
مألوف،يحمل دفئ خاص: لا يا حورية بابا … أنا معاكي.
التفتت فورًا، وابتسامتها سبقتها…وضحكت بمرح،
واندفعت نحوه دون تردد، كأن المسافة بينهما لم تكن موجودة أصلًا.
تلقاها أحمد بين ذراعيه، احتواها بقوة هادئة،
وضمها إلى صدره بحنان صادق، وقال وهو يربت عليها:
مين مزعل بنوتي؟
لفت ذراعيها حوله، اختبأت فيه كما لو كانت تعود لمكانها الطبيعي، وهمست بصوت خافت: شاهين…
توقفت لحظة،ثم أضافت، بنبرةٍ تحمل شيئًا من العتاب:
مطلعش ليه؟
ابتسم أحمد، ابتسامة خفيفة، وربت على ظهرها بحنان،
وقال بصوت منخفض:أحسن… عشان أحضنك لوحدي.
ضحكته كانت هادئة لكن عينيه،كانت تعرف…
أن الأمر أكبر من مجرد مزاح.
وفجأة انقطعت اللحظة…بيد قوية امتدت، سحبت حور من بين ذراعي أحمد، لتصطدم بصدر صلب تعرفه…
قبل أن تراه..وانطلق صوته ، حاد ، متملك: وبعدين بقى في ديك أبو الأحضان دي؟
رفعت رأسها إليه بابتسامة خالصة انفرجت على شفتيها،
تذوب فيها كل ما كان قبل لحظة، وهمست بصوت رقيق،
كأنها لا ترى سواه: شاهين…
أما أحمد… فلم يبتسم. نظر إليه بنظرة مثقلة بالحنق،
وقال بحدة واضحة: ديك أمك… دي بنتي يالا ! في إيه؟
وقبل أن يتصاعد التوتر….تدخل ياسين، كالعادة،
يطفئ النار بطريقته الخاصة، وضحكته الصاخبه، وقال:
لا النهارده طابخين لحمة ومسقعة… مش ديوك!
تعالوا بقى وكفاية نقار!
ضحكة خفيفة تسللت إلى الجو،وتبعتها فوزية،
وهي تنهض قائلة بنبرة فيها دعابة: هما اللي ديوك طول النهار، ينقاروا في بعض عشان المفعوصة دي!
وفجأة
جاء الرد واحد ..حاد…متزامن من فم شاهين وأحمد معا : متقوليش مفعوصة!
سكتت لحظة…ثم انفجرت الضحكات…لكن شاهين…
لم يضحك كالبقية…نظر إلى حور،
نظرة لانت فيها ملامحه بطريقة لا تشبهه،وقال بصوت منخفض، دافئ: تعالي يا دلوعه… نفطر.
سارت معه، وهي تضحك بخفة،وسحب لها الكرسي بجانبه، كأن ذلك مكانها الطبيعي، ثم جلس إلى جوارها.
ابتسامته تلك التي لا تظهر إلا معها كانت واضحة،
تملأ عينيه قبل شفتيه…بدأ يملأ طبقها بنفسه،
وقال بهدوء حازم: يلا يا ست البنات… كلي.
لكن الهدوء لم يدم….ضربة قوية على الطاولة،
وخرج صوت أحمد كحد الحجر: خف محن أحسنلك!
تجمدت اللحظة…نظر شاهين إليه ، حنق واضح في عينيه،
أما حور فنظرت لأحمد بدهشة وقالت : في حاجة يا بابا؟
فتح فمه ليرد…لكن يد شهد امتدت، قبضت على ذراعه برفق،وهمست:جرا إيه يا أحمد؟
ما طول عمرهم كده من وهي صغيرة… مالك اليومين دول؟
نظر إليها، وعيناه اشتعلتا بشيء لم يكن مجرد غضب،
وقال بحدة : المحن زاد أوي اليومين دول…
ودي بنتي يا شهد!
وهنا…
انفجر صوت شاهين، من بين فكيه المشدودين: هي بنتك لوحدك؟ ما هي بنتي… وكل دنيتي أنا كمان!
ساد صمت ثقيل لكن فوزية قطعته، وهي تدخل بالصينية، وصوتها يحمل حزم الأم التي لا تقبل الفوضى:
جرا إيه؟! استعيذوا بالله من الشيطان وافطروا!
مش كل يوم خناقة على حور بنت مين فيكم!
يلا… مدوا إيديكم!
وأول من مد يده … كان ياسين…كعادته.قال وهو يبدأ الأكل بمرح:سيبوهم يتخانقوا… لحد ما أخلص أنا!
أول ما يبدوا ياكلوا مش بلحق عليهم!
انفجرت الضحكات، لكن أحمد لكزه بضيق،
وتمتم: اطفح وانت ساكت…
ضحكت شهد بهدوء، ووضعت الطعام في طبقه بحنان،وقالت برقه تذيب الغضب : كل يا أحمد… إنت صايم وواقف على رجلك طول النهار.
هدأ قليلًا، أومأ برأسه، ثم أمسك يدها، وقبل كفها بحب صادق،وقال بنبرة أهدأ : تسلم إيدك يا قمر.
وعادت المائدة تنبض من جديد
ضحك، مزاح، وأصوات حياة…
لكن تحت كل ذلك…كان هناك شيء آخر…
بدأ يكبر…
مدت حور يدها، واستقرت على ذراع شاهين،
لمسة خفيفة… لكنها كفيلة أن تغير اتجاهه كله نحوها.
مال قليلًا، عيناه انغلقتا على ملامحها وحدها،
كأن ما حوله اختفى، وهمست بصوت خافت:
شينو… ممكن أطلب حاجة؟
نظر إليها، ذلك الاهتمام الكامل الذي لا يمنحه لأحد،
كأن طلبها وحده كفيل بإيقاف العالم أو استمراره،
وقال بصوت حاني، منخفض: شاوري يا دلوعه…
بس اقطعي شينو دي قدام الناس… قلتلك ميت مره!
أومأت برأسها بسرعة،وأخذت نفس عميق ،
كأنها تجمع شجاعتها لشيء بسيط، وتمتمت : فاضل تلات أيام على العيد…وفي حاجات ناقصة في لبس العيد.
هز رأسه،بنبرة تحمل يقين سابق وحنو خام : ناقصك إيه يا بابا؟
أشارت بيدها، وصوتها انخفض أكثر: الشوز… والشنطة… والطرحة.
أومأ مرة أخرى، مد يده بلا تفكير، وأدخل خصلة من شعرها خلف أذنها، ثم عدل طرحتها برفق، وقال بصوت خافت: أنا هنزل أجيبلك كل اللي إنتي عايزاه…
بس اليومين دول زحمة… والخلق فوق بعض.
تغيرت ملامحها فورا، الرضا انقلب إلى ضيق،
وتمتمت بامتعاض طفولي:إزاي يعني؟
إنت مش هتعرف تجيبلي حاجات تليق على الطقم اللي جبته؟
زفر شاهين، زفرة خرجت محملة بضيق حقيقي،
ومرر يده على وجهه، ثم قال بنبرة مشدودة:
أنا مش عايز أقتل حد قبل العيد يا بت… خلينا نعيد زي الناس.
توتر الجو في لحظة…فتدخلت شهد سريعًا،
تحاول أن تسبق الانفجار: طيب أنا هاخدها وأنزل أنا يا شاهين… أجيبلها اللي عايزاه.
لكن صوت أحمد قطعها، وهو يمضغ الطعام بعصبيةٍ واضحة:ليه؟ عدمتوا رجالتكم لما تخرجوا نسوان كده لوحدكم؟!
شهقت شهد، الغضب ظهر صريح في عينيها،
وقالت بحدة:أخص عليك يا أحمد!
تف من بوقك!
تدخلت فوزية، بنبرة ضيق أمومي:جرا إيه يا ولاد؟!
هما هيروحوا فين يعني لكل ده؟
أومأت حور بسرعة، كأنها تتشبث بأي فرصة،
وقالت بلهفة صادقة: أه والله… مش هخرج من منطقتنا!
لكن شاهين…هز رأسه.بحسم.لا نقاش فيه.وهتف بصوت خشن : لا يا حور.اليومين دول لبش…ومش ناقصين نحكها بحد.
سقط الصمت لحظة…
ثم انسحبت حور من المائدة…بهدوء ظاهري،
لكن خطواتها كانت مشدودة محملة بغيظ مكتوم.
تحركت نحو المطبخ،وعيناها امتلأت بدموع ثقيلة،
تنزل ببطء رغم عنها،وتمتمت بصوت مختنق:
آآف بقى…
أما شاهين…فلم يتحرك.فقط تابعها بعينيه…المحتقنه بشيء يتجاوز الغضب، شغف مشدود، مختلط بغيرة حادة، تحرق أوردته بصمت.
كأنها لم تبتعد عنه خطوات
بل انتُزعت منه…
ولو للحظة.
نهض أحمد بغضب مشحون بالاستياء، خطواته الثقيلة تصدح فوق أرضية الشقه ،وهديره يملأ المكان بصوت كالرعد: يعني لازم النكد ده كل يوم والتاني يا تور!
نظر له شاهين بعينين ملتهبتين، ثم قفز بغضب، كالسهم الموجه،وهدر بصوت حاد: رايح فين؟ استنا!
أشار أحمد برأسه، مزيج من السخط والتحدي: هنسيبها تعيط كده… كفاية!
رغم ذلك، أومأ شاهين برأسه بحنق، خطا بخطوات سريعة نحو الداخل، وصاح بصوت مختلط بالعجلة والغضب: أنا هشوفها… كل انت!!
دخل شاهين إلى الداخل، وقف أحمد خلفه، ناظراً له بنظرة صارمة، ممتزجة بالغضب… بشيء آخر،
شيء لم يفهمه بعد،
شعور يختلط بالقلق والخوف من ما سيأتي.
…………….
في المطبخ ..
دلف شاهين إلى المطبخ بخطوات سريعة، كأن الأرض نفسها تتراجع تحت وطأة غضبه الخفي، صوته أجش لكنه دافئ، يغمغم بين كلماته: يعني… عشان عارفه إني مقدرش أزعلك… بتتكي عليا أووي يا دلوعة.
هزت حور رأسها، ودموعها تتساقط بغضب وحزن متشابكين: أنا اللي بتك عليك ولا أنت… أنت فضلك شوية وتتحكم في الهواء اللي حواليا… كأنك عايز تمنع عني حتى أنفاسي.
جثا أمامها حتى أصبح في مستواها، عينيه تحترقان، وصوته يكسوه الحنان: أنا خايف عليكي يا حور… الناس بره سعرانة زي الديابه… وانتي لسه غزالة صغيرة… حتى عضمك لين يا حبيبي…
ارتجفت حور، ودموعها انزلقت على وجنتيها، تعبير عن ثقل ما تحمله من خوف وغمغمت بدموع : كل الناس عارفين أنا مين… ومن عيلة مين… وبنت مين… وأخص مين… محدش يقدر يبص لي، حتى نظرة بسيطة… لأنهم عارفين هيتحط عليها جامد… والناس… زي ما بتقولوا، سعرانة… بس جبانة قدامك…
هز رأسه بحنق، وشعوره بكل شيء حولها يثقل قلبه، ومع ذلك مد يده مسح دموعها، الحنو في لمسته يكاد يضيء الغرفة: ماشي يا حور… خدي شهد، وهبعت معاكم واحد من الصبيان… وروحي هاتي اللي عايزاها.
اتسعت ضحكتها، صافية ومرتفعة، كأنها تهز كل زاوية مظلمة في قلبه، وقفزت فوق صدره بكل قوتها، حاوطت عنقه وضمته كما لو كانت تحاول أن توقف الزمن، أن تمحو كل خوفه وكل فكرة عن العالم الخارج من بين ذراعيها، وهتفت بفرحة متوهجة: الله عليك يا شنيو… أيوه كده… تبقي أحلي شينو!
ضمها شاهين بذراعه، وكل جزء فيه يشتعل، قوة وحنان يتصارعان داخله، تراجع مع قوة اندفاعها ، لكنه حافظ على توازنه بكفه على الأرض،
كأنه يريد أن يكون صخرة لكل ما يخصها، بينما كل عقله وقلبه يغرق في حضنها الساحر…
أغمض عينيه، يستنشق دفئاها ، كأن كل وجوده يسحب معها، كل نبضة قلبه تدق على إيقاعها، وكل فكر يصبح مجرد صدى لصوتها.
زفر ببطء، صوته المبحوح يقطر وجع وحنين مختلطين، صراع بين الحب والرغبة في حمايتها من كل شيء:
خلاص يا حور… بس ساعة وتراجعوا…
أومات برأسها بسعادة، ونهضت بسرعة، تركض نحو الخارج، كأنها تحاول فرار من ضغط العالم: قبل الساعة… متخفش!
ثم أشارت إلى شهد، وهتفت بحماس: يلا يا ماما… بسرعة، خدي ساعة بحالها… افراج!
ضحكت شهد بهدوء ونهضت: هلم السفره وأطلع ألبس حاضر.
أشارت لها فوزية بيدها، وقالت : اطلعي انتي… وأنا هلم السفره… هي بتقوللك ساعة هضيعيها في لم السفره… يلا بسرعة اطلعي…
أومات شهد برأسها، وتحركت إلى الخارج مع حور، خطواتهما تتردد في أذنه كنبضات قلبه، بينما خرج احمد ، ينظر خلفهن، قلبه يضج بمزيج من الحماية والخوف والحنان… كل شعور فيه يحاول أن يقاوم العالم الذي لا يرحم.
خرج شاهين من المطبخ بعد أن تمالك نفسه، بعد حضنها الذي فعل به ما لم يكن يتوقعه، خطواته متوترة، قلبه لا يزال يتأرجح بين الغضب والرغبة.
نظر له ياسين بخبث، حاجبه مرتفع، وغمغم بسخرية لاذعة: أخرك خمس دقايق في أي ركن ، تغتصب فيهم الموافقة منك على أي طلب تعوزه… عفريته البت حور يا شنبو!
أجفلت كلمات ياسين شاهين، لكنه رد بنظرة حادة مشحونة بالغضب والحسم، ثم التقط أحد الأطباق المملوءة بالأرز وقذفه باتجاهه: عفريت… لما يبقى يركبك لم نفسك يا علـ*… انت عارف شنبو ده فين!
ضحك ياسين بمرح، ينفض حبات الأرز عن ملابسه وكأنها مجرد مطر خفيف ، وقال : عارف… بس انت عارف حور عامله فيك إيه!
ضرب شاهين السفره بحنق، صوت الخشب يتصدع تحت قبضته، وهتف: ملكش فيها يا حشري!
ثم انصرف بخطوات سريعة، متقدة بالغضب، بينما صوت ضحكات ياسين المرح تجلجل في المكان، يملأ الفراغ بروح ساخرة، كأنه يتحدى كل شيء… ويعلم أن شاهين لن يترك الأمر دون حساب.
……..
بعد مرور ساعة،
خرجت حور مع والدتها شهد بخطوات سريعة، كأن كل ثانية تأخير قد تغير مصيرهم. عيونها مشتعلة بالقلق، وصاحت: يلا يا ماما… اتأخرنا أوي! شاهين هيغير رأيه!
أوما شهد وهي تغلق حقيبتها بسرعة، تتحسس كل شيء:
أهو يا بنتي… التلفون معاكي ولا لا؟ أحمد هيتربقها على دماغنا لو نسينا.
اقتربت حور من أحد المحلات التابعة لشاهين، نظرت إليه بعينين لا تخفي الخوف ولا الحماس، وقالت:
أنا رايحة أهو…
ترك شاهين ما في يده، صوته الحاد يقطع الهواء كالسيف:ولا يا سيكه!
ركض سيكه نحوه، خطواته تتماشى مع سرعة نبضات قلبه ، وقال : أوامرك يا معلم!
أشار له شاهين بيده بحسم، كل حركة تشبه ضربة سيف، وهدر بصوت يغص بالغضب والقلق: معهم… يالا… وعينك متغفلش عنهم لحظة!
أومأ سيكه برأسه بثبات، صوته كالحديد: تحت النظر يا معلم.
نظرة شاهين لحور كانت كالسيف بين الحنان والخوف، كأن قلبه يريد أن يقفز إليها ويأخذها من بين يدي العالم كله وغمغم : خلي بالك من نفسك…
ثم التفت إلى شهد، صوته يملؤه الحذر والاحترام في الوقت نفسه: خلي بالك منها يا شهد..
أومأت برأسها، بينما يتحرك شاهين بخطوات متوترة وراء حور، كأنه يتركها تتحرك بحرية لكن عينيه لم تفارقها ثانية: متقلقيش… إحنا جوه المنطقة يا شاهين.
لكن خرج صوته خشن، مشحون بالسيطرة والرعاية، يخرج من بين أسنانه: معاهم… يا لا.
تحرك سيكه خلفهم بصمت، والشارع كله وكأن قلبه ينبض معهم، التوتر يغلف المكان، والعاطفة المكبوتة لشاهين تتوهج في كل حركة، كل نفس، وكل نظرة حارسة تجاه حور، كما لو أن العالم كله قد اختزل بين خطواتهم…
مر تقريبًا نصف ساعة،
وحور تقلب في كل شيء، كل شيء يبدو بلا روح، لا يعجبها أي شيء…
أشارت لها شهد بصوت هادئ، محاولة طمأنتها:
تعالي… نعدي الناحيه التانيه… شكل المحل ده، عنده حاجات حلوة.
أوما حور برأسها، وتحركت مع شهد، وسيكه خلفهم، خطواتهم تتمايل بين الإلحاح والرتابة، غير مدركين أن لحظة الخطر تقترب بلا إنذار…
وفجأة، كأن السماء نفسها انشقت، مرت سيارة مسرعة في منتصف الطريق…
انفتح الباب فجأة، وظهر شخص ضخم كظل أسود، دفع شهد بيد غليظة، وسحب حور بعنف. صرخت حور، صرخة ممزوجة بالرعب والاستغاثة، ارتجف معها كل الهواء من حولهم، وكأن الزمن توقف لحظة لتلتقط كل نبضة خوف في قلبها…
وفي اللحظة نفسها، انطلقت رصاصة… تعرف طريقها بدقة قاتلة، صدى صوتها يخترق أذانهم، يعلو ويرتد بين المباني،
وقلب حور يكاد يتوقف، عينيها تتسعان، كل شيء حولها أصبح فجأة مشوش ومضطرب، العالم كله يقف أمامها في ثانية واحدة، قاتم، مفزع، لا يرحم
ووووووووووووو
رايكم وتوقعتكم ياسكاكرررررررر
ساحره القلم ساره احمد

روعة تسلم ايدك ❤️
تسلم الايادي