ييبب
ملكي وكفي

ملكي وكفي(الفصل الثاني)

ملكي وكفي(الفصل الثاني)

قلبي… ذلك الذي ظننته يومًا عصيًّا،
قد حُسم أمره منذ اللحظة الأولى،
خُتم باسمك ختمًا لا يُمحى،
وكأنك لم تمر به مرور العابرين… بل سكنت فيه سكون القدر.
أنا لم أرتشف من الحب يومًا…
إلا من كأسك أنت،
ولم أعرف طعمه إلا بين يديك،
فصار كل ما بعدك باهتًا، منسكبًا،
ككأسٍ فُقدت روحه، ولم يعد يُروى ظمأً ولا يُشعل شوقًا.
ليتك لا تكتفي بأن تسرق قلبي…
فقد فعلتها وانتهى الأمر،
بل تعال… واسرقني أنا أيضًا،
خذني منك إليك،
وانتشلني من هذا العالم الذي لا يشبهني في غيابك.
اسرقني من كل ما يحيطني،
من هذا الضجيج الذي لا يفهمني،
من القلق الذي ينهش صدري كل ليلة،
من الخوف الذي يتربص بي كلما غبت.
اسرقني… حتى مني،
من ضعفي، من ترددي، من هذا القلب الذي لا يعرف كيف يهدأ إلا بك،
واجعلني فيك…
ضائعةً عن العالم،
موجودةً فقط… حين أكون بين يديك.

وفي اللحظة نفسها، انطلقت رصاصة… تعرف طريقها بدقة قاتلة، صدى صوتها يخترق أذانهم، يعلو ويرتد بين المباني،

وقلب حور يكاد يتوقف، عينيها تتسعان، كل شيء حولها أصبح فجأة مشوش ومضطرب، العالم كله يقف أمامها في ثانية واحدة، قاتم، مفزع، لا يرحم.

قبضة قوية انتزعت شهد من مرمى الرصاص في اللحظة الأخيرة، لكن الطلقة اخترقت ذراع أحمد، فتراجع جسده خطوة كأن الألم صاعقة شقت عروقه، وسقطت شهد وهي تصرخ بفزع ممزق: أحمد!

لم تكن الفوضى قد بلغت ذروتها بعد…

ففي اللحظة التي انطلقت فيها السيارة كوحش هارب، ممزقة الطريق تحت عجلاتها،

كان شاهين قد اندفع دون وعي، دون حساب، كأن الأرض لفظته نحوها….

قفز فوق سطح السيارة، أصابعه انغرست في حوافها كأنها مخالب لا تعرف الإفلات، وجسده يتموج فوقها مع اندفاعها المجنون، كأنهما في صراع مفتوح بين إرادة لا تنكسر وسرعة لا ترحم.

صفه الهواء وجهه، والرصاص لا يزال يصرخ في الخلف، لكن عينيه… لم تعرفا سوى هدف واحد.

حور.

لم تكن مجرد فتاة تسحب عنوة… كانت خط أحمر، حد لا يمس، وشرارة حرب إن اشتعلت لن تبقي ولن تذر.

انقبض فكه بقسوة، واشتعلت عروقه بدم يغلي، كأن كل ما فيه قد تحول إلى وعد صامت … لن تؤخذ… ما دام فيه نفس يتردد.

داخل السيارة، كانت الفوضى تضيق عليها كقيد يطبق على أنفاسها.

كانت حور تقاوم، أنفاسها تتكسر، وقلبها يرتطم بجدران صدرها بعنف، لكن شيئًا ما… حدس غريزي، أو ربما يقين لا يفسر همس داخلها… أنه هنا….وأنها… لن تترك.

صرخت حور برعب عندما قبض أحدهم علي ذراعها بعنف، حاولت التملص من قبضته التي أحكمت عليها ككماشة من حديد: ااااااه… اوعوا! إنتو مين؟يا شاااااهين!

اندفع الشخص الآخر نحوها، وضع فوهة السلاح على رأسها وضغط بعنف حتى كاد يكسرها، وهدر بصوت غليظ مشبع بالقسوة: اكتمي يا بت… هقور دماغك!

تجمد جسدها، كأن الدم انسحب من أطرافها دفعة واحدة، إلا دموعها التي انهمرت بلا توقف، تنساب على وجنتيها المرتعشتين…

انكمشت على نفسها، ترتجف، بينما قلبها لم يتوقف عن النداء… نداء واحد فقط، يتردد في أعماقها كرجاء أخير:
شاهين.

وفجأة

دوى صرير حاد، اهتزت له السيارة بعنف، حين اقتحمت سيارة يونس الدفع الرباعي الطريق كإعصار أسود، محملة برجال تتلألأ الأسلحة البيضاء في أيديهم تحت ضوء باهت، كأنهم نذر غضب اندفع ليحصد كل ما أمامه.

داخل السيارة،

صرخ أحد الخاطفين بانفعال مذعور: ارجع! ارجع بسرعة! شوف طلعة تاني! اتحرك يا بجم!

انطلقت السيارة كطلقة هاربة، تنحرف بعنف، وتندفع نحو الشارع المقابل، تفر من المواجهة، تفر من شيء أكبر منها… من غضب لا يقاس.

لكن الهروب لم يكتمل…فجأة، تحطم زجاج النافذة بصوت مدوي، تناثر كالشظايا حولهم، ومعه انزلق جسد شاهين إلى الداخل بخفة قاتلة، كأنه سقط من قلب العاصفة نفسها.

تجمدت الأنفاس….اتسعت الأعين…تباينت الوجوه بين مذهول ومصعوق.

أما هي…
فكانت الوحيدة التي أضاء وجهها وسط هذا الرعب، كأن الحياة عادت إليها دفعة واحدة، وصرخت بدموع انفجرت من عينيها: شااااهين!

قبض أحدهم على عنق شاهين محاولًا خنقه، لكن الأخير التقط قبضته كفخ انغلق بإحكام، عروقه تنتفض بقوة بدائية، وبيده الأخرى رفع السلاح وأطلق رصاصتين اخترقتا باب السيارة، ثم دفعه بقدمه بعنف هائل، فتحطم الباب كصدر هش، واندفع الرجل إلى الخارج، جسده يرتطم بالإسفلت بلا رحمة.

لم يمهله الآخرون…. اندفع رجل آخر كذئب جريح، وغرز السكين في ذراع شاهين.

شهقت حور، وصرختها خرجت ممزقة من أعماقها: شااااهين!

تمايلت السيارة بعنف، انحرفت كأنها تفقد سيطرتها، حتى دوى صرير حاد حين قطعت سيارة ياسين الطريق أمامهم فجأة، فارتبك السائق، تراجعت السيارة، دارت حول نفسها وسط الشارع كدوامة هوجاء، ثم اندفعت من جديد كطلقة هاربة.

داخل الفوضى، قبض شاهين على نصل السكين المغروس في ذراعه، وانتزعه بعنف قاسي، الدم ينفجر من الجرح، لكن عينيه لم تهتز، بل اشتعلتا أكثر…..

رفع السكين، كاد يغرسها في عنق الرجل، لولا أن السيارة اصطدمت بعنف بسيارة أحمد من الخلف، فاختل توازنه، وانزلقت السكين من يده، لتسقط على أرضية السيارة.

وفي لحظة فاصلة… توقفت السيارة….لم يكن توقف عادي… بل حصار…من كل اتجاه.

دفع شاهين الرجل بعنف نحو السائق، أربك حركته، وانتزع السلاح كأنه امتداد ليده، أشهره في وجوههم، وانفجر صوته كالرعد: اثبت يا ابن ميتين الكلب… انت وهو!

وفي الخارج، كانت الأبواب تفتح كطلقات أخرى….

ترجل أحمد، ذراعه ينزف لكنه ثابت، عيناه تقدحان شرر.
ياسين، بابتسامته التي تسبق العاصفة.
ويونس، صامت كالرصاصة قبل انطلاقها.

والرجال من خلفهم…

اندفعوا يحيطون بالسيارة من كل جانب، أسلحتهم النارية مرفوعة، أصابعهم على الزناد، والهواء نفسه صار مشدود كخيط على وشك أن ينقطع.

لم يعد هناك مفر….فما بدأ كخطف خاطف… انتهى بحصار لا نجاة منه.

داخل السيارة،

ارتفعت الأيدي مرتجفة في استسلام كامل، وجوههم شاحبة حتى كادت تسود من وطأة الرعب، أنفاسهم متقطعة، وعيونهم تدور في محاجرها كفرائس أدركت نهايتها.

لم يمنحهم شاهين سوى نظرة واحدة… كانت كافية.

مد يده إلى حور، سحبها الي صدره برفق يناقض العاصفة التي كانت تشتعل داخله، كأن لمسها وحده يعيد إليه اتزانه….

ترجل من السيارة وهو يضمها بقوة، ألصقها بصدره العريض، واحتواها بين ذراعيه كأن العالم كله يتداعى من حوله، وكأنها الشيء الوحيد الذي يجب أن يبقى.

كانت ترتجف…
جسدها الصغير يهتز بين ذراعيه، وأنفاسها تتكسر على صدره، بينما قلبه يضرب كطبول حرب لم تهدأ بعد….

شدد احتضانه، حتى كادت تذوب داخله، وكأنه يطمئن نفسه قبل أن يطمئنها… أنها عادت.

لكن اللحظة لم تدم…اقترب أحمد، ملامحه مشدودة بين الألم والذعر، وبدون تردد جذبها من بين ذراعي شاهين بقوة مفاجئة، وضمها إليه، كأن خوفه عليها يفوق كل شيء، حتى حق غيره فيها.

انغرست حور في صدره، فغمغم بأنفاس لاهثة، صوته مكسور رغم صلابته: انتي كويسة يا بنتي؟

أومأت برأسها، لكن صوت نحيبها واهتزاز شهقاتها كان أصدق من أي إجابة، يتردد في أرجاء الشارع الساكن كصدى خوف لم ينته بعد.

وقف شاهين للحظة…
عينيه معلقتان بها، صدره يعلو ويهبط بعنف، وشيء داخله ينتزع بصمت.

ثم أشار لأحمد إشارة مقتضبة، حادة، تحمل أكثر مما يقال.

فهمها أحمد فورا، أومأ برأسه، وتراجع بها إلى الخلف، يحيطها بذراعيه، بينما بقي شاهين في مكانه…

لا يتحرك….لكن العاصفة لم تهدأ بداخله بعد.

بخطوات بطيئة اقترب شاهين من السيارة… لكنها مثقلة بثقل لا يرى…

كانت عيناه تشتعلان بغضب مجنون، حارق، كأن في داخله جحيم يبحث عن منفذ….

وقف أمامهم، وخرج صوته حاد، قاطع كحد سكين:
كتبتوا نهايتكم بإيديكم… لما سمعتوا لغيركم، وجرأكم عقلكم على اللي يخص شاهين المهدي.

ارتجف أحدهم، جسده كله ينتفض، وأشار بيد مرتعشة وهتف بصوت متكسر: علي النعمه ما كنا نعرف… هو مقلناش رايحين لمين… لو كنا نعرف إنها تخصك يا معلم شاهين…

رمقه شاهين بنظرة ثابتة، باردة على نحو مخيف، ثم اقترب خطوة، صوته انخفض… لكنه كان أشد فتك:
بص… إنت عارف إن الكداب بيروح النار، صح؟

ابتلع الرجل ريقه بصوت مسموع، وتبادلوا نظرات مرتعبة، بينما سكون شاهين كان أشد رعب من أي صراخ… هدوءه نفسه كان يضغط على صدورهم حتى كاد يخنقهم.

وفجأة….رن الهاتف في جيب أحدهم….الصوت كان كإنذار موت.

تحركت عينا شاهين نحوه ببطء، نظرة صارمة ممزوجة بغضب مكبوت، مد يده بهدوء مرعب، وانتزع الهاتف من جيب الرجل….

تجمد الأخير تمامًا، كأن روحه انسحبت منه، عاجز حتى عن الحركة.

نظر شاهين إلى الشاشة… ارتفع جانب فمه بابتسامة باردة، قاسية، تشبه حكم نهائي لا رجعة فيه.

تراجع بضع خطوات…رفع السلاح…وفي لحظة
أطلق الرصاصة.

انطلقت كأنها خرجت من قلب الجحيم، اخترقت خزان الوقود، وفي الثانية التالية… انفجرت السيارة، شظاياها تمزق الهواء، ولهيبها يرتفع كصرخة غضب تجسدت نار.

صرخت حور برعب، الصوت انكسر في حلقها، وارتخى جسدها فجأة بين ذراعي أحمد… كدمية سحبت منها الحياة.

تجمد أحمد لجزء من الثانية، ثم اشتعل فزع، وكأن قلبه يشق من الداخل، احتواها بذراعيه بقوة، يضغطها إليه كأنه يحاول أن يعيد إليها روحها الهاربة.

لم ينتظر…

حملها سريعًا، خطواته متعثرة من هول اللحظة، واتجه بها نحو السيارة، بينما الأرض تحت قدميه بدت وكأنها تتصدع… وكل ما في داخله يصرخ باسمها.

رفع شاهين الهاتف إلى أذنه، أنفاسه لا تزال ساخنة كجمر تحت الرماد، فجاءه صوت سميح الضب، خشن، يقطر سم:. وصلتوا فين؟ جبتوا البت؟

مال شاهين برأسه قليلًا، وكأن صوته يخرج من عمق مظلم، وقال بنبرة منخفضة حادة كحد شفرة: البِت دي أبعد من نجوم الضهر… اللي هتقع على دماغك يا ضب الكلب.

انفجر سميح ضاحك، ضحكة عالية تشبه صليل النار في الهشيم، وقال ببرود قاتل:  خسارة… كنت هخلطها بلحمة العيد عشان تسكرها… وأهو على الأقل ما تبقاش دوقتها لوحدك يا معلم… يبقى الشعب كله داقها معاك يا حلويات.

تصلب فك شاهين، عض شفته بقوة حتى أدماها، وعيناه اشتعلتا بشر صامت، ثم خرج صوته منخفض… لكنه مرعب حد الاختناق: عارف الحلويات دي؟ أنا هعلقك منها يا ابن الـ … ولو على رجالتك، أنا شيعتهم يفتحوا السكة لجهنم… وهما نص سوه على ما تحصلهم على إيدي يا ضب الكلب.

ثم أنهى المكالمة دون أن يمنحه فرصة أخرى للكلام، كأن الحوار كله لم يكن سوى حكم صدر… ونفذ.

تراجع خطوة، قبضته لا تزال مشدودة حول الهاتف، وعينيه ساكنتان بشكل مرعب… سكون يسبق العاصفة.

استدار، واتجه نحو السيارة بخطوات سريعة حاسمة، وصعد إليها دون كلمة، ولحق به إخوته، والشرر يتطاير في العيون قبل الأسلحة.

وانطلقت السيارات، تشق الطريق عائدة إلى حي يعرف جيدًا معنى الغضب حين يستدعى…

إلى السيدة زينب.

……
في منزل المهدي،

كان الهواء نفسه مثقل بالقلق، كأن الجدران تحفظ أنفاس محبوسة على حافة الانفجار.

ضربت فوزية كف بالآخر، تدور حول نفسها في صالة البيت كروح فقدت سكونها، ويدها ترتجف فوق رأسها، وخرج صوتها ممزق بالدموع: يعني إيه يا ناس؟! يعني البِت راحت كده من بين إيدينا؟!

هوت بكفيها على فخذيها بعنف، وهدرت بقسم يكاد يقطر دم :  لا… ورب الكعبة ما يكونوا عيالي ولا ولاد عبدالتواب… لو ما رجعوا بنتي من غير ما تمسها إيد!

رفعت شهد وجهها الغارق في الدموع، ملامحها منهكة، وصوتها مبحوح كأن كل حرف ينتزع من صدرها:
كلهم طلعوا… وإن شاء الله هيرجعوا بيها يا فوزية… اصبري.

وضعت فوزية يدها على صدرها، كأنها تحاول أن تبقي قلبها في مكانه، وهمست بوجع:  يا بنتي… إزاي أصلًا حد يفكر يخطفها… من غير ما يخاف من نص دستة الشنابات دول؟!

وفجأة…انفتح الباب بعنف ارتجت له الجدران.
دلف شاهين، وحور بين ذراعيه…
ساكنة… فاقدة الوعي… وجهها شاحب كأن الرعب مر عليه وترك بصمته.

تجمد الزمن لوهلة…ثم انفجر الصوت…صرخت فوزية وشهد معًا، واندفعتا نحوه كأن الأرواح تسحب من أجسادها، وهتفت فوزية وهي تتفحصها بلهفة تكاد تقتلها:
يلهوي! بنتي مالها يا شاهين؟!

أشار شاهين برأسه، وخرج صوته مبحوح، مثقل بما لا يقال: وسعي يا أمه… متخافيش… محدش مس منها شعرة… كويسة… ورحمة أبويا.

انحنت شهد، أمسكت يد حور، قبلتها بارتجاف، ودموعها تنهمر بحرقة: حور يا بنتي… ردي على ماما… مالها يا أحمد؟!

اقترب أحمد، احتوى شهد بين ذراعيه، صوته يحاول أن يكون ثابت رغم ارتجافه: مفيهاش حاجة والله… دي من الخضة بس.

أمسك يونس بذراع أمه، صوته متحشرج وهو يحاول تهدئتها: استهدي بالله يا أمه… وتعالي بس.

تحركت فوزية على مضض، لكن عينيها لم تفارقا حور، كأنها تخشى أن تختفي مرة أخرى، وهتفت بدموع حارقة: يا ولاد… طمنوا قلبي طيب… دانا قلبي مولع نار!

وكان شاهين…

لا يزال واقف في منتصف المكان، يحملها كأنها كل ما تبقى له من هذا العالم، وصدره يعلو ويهبط بعنف، بينما داخله…لم يهدأ بعد.

اخيرا تحرك شاهين نحو غرفة حور بخطوات سريعة ثابتة، كأن الأرض نفسها تفسح له الطريق، وملامحه منحوتة من توتر لم ينطفئ بعد…وهتف بصوت حاد، لا يحتمل نقاش: اتصل على زكريا يا ياسين.

أومأ ياسين برأسه على الفور، أخرج هاتفه وأجرى الاتصال، رفعه إلى أذنه، وصوته خرج متحشرج من أثر ما حدث: ألو…

جاءه صوت زكريا، هادئ، رزين كعادته: ألو… في إيه يا ياسين؟

خفض ياسين صوته، لكن التوتر كان واضحًا في كل حرف:تعال يا زيكو… ولاد الحرام كانوا هيخطفوا حور.

في الجهة الأخرى، انكسر الهدوء…هتف زكريا بصوت حاد، ارتجف فيه الغضب قبل الصدمة:  بتقول إيه يا ياسين؟! إنت اتجننت؟! مين دول؟!

زفر ياسين بنفاد صبر، وكأن الوقت صار عدو:  إنت لسه هتسأل؟! أنجز وتعال… حور تعبانة.

لحظة صمت… قصيرة… لكنها ثقيلة…ثم انقطع الخط.

في الجهة الأخرى، لم يحتج زكريا لكلمة أخرى
التقط مفاتيحه، واندفع خارج العياده بخطوات سريعة غاضبة، كأن الغضب وحده صار وقود يدفعه، وعيناه لا ترى أمامها إلا طريق واحد…

إليها.
………….
في غرفة حور، كان الصمت كثيف… ثقيل، كأن الزمن نفسه توقف عند حافة أنفاسها.

جلس شاهين إلى جوارها، يمرر يده على شعرها بحنان يذيب أقسى القلوب، أصابعه تتحرك ببطء وكأنه يخشى أن يؤلمها حتى وهي غائبة… ربت على وجنتيها برفق، وهمس بصوت مكسور: فوقي يا حبيبي… فوقي عشان خاطري…

اقترب أكثر، أنفاسه تختنق، ابتلع غصته بصعوبة، وخرج صوته متحشرج، موجوع حد النزيف: فوقي يا حبيبي… حقك عليا… يا بت سنيني وفرحة أيامي… وحور جنتي…

أمسك يدها، رفعها إلى شفتيه، قبلها ببطء ووجع، كأن كل قبلة اعتذار، كأنها وعد بعدم تكرار الخوف، ومرر شفتيه على أصابعها المرتخية، ثم جذبها إلى صدره، احتواها بين ذراعيه، وهزها برفق كأنها طفلة ضاعت منه للحظة وعادت: ورحمة أبويا يا حور جنتي… لادفنهم تحت خطواتك… وهخليكي تدوسيهم بجذمتك… بس فوقي… وريني عنيكي يا بت…

وفي لحظة…انفتح الباب بعنف…دلف زكريا، وخلفه أحمد وشهد وفوزية، والقلق يسبقهم كإعصار، وهتف زكريا بصوت حاد : مالها يا شاهين؟! ويعني إيه تتخطف من تحت عينك؟!

نهض شاهين بسرعة، لهفة حاول كتمها، لكن عينيه فضحتاه، التقت بنظرة زكريا، وقال بحدة مشدودة:
طمني عليها يا زكريا… واللي جاية بتاعي.

أشار أحمد نحو حور، وصوته لم يخل من التوتر:
اخلص… هي مغمي عليها من بدري.

أومأ زكريا برأسه، اقترب من السرير، ملامحه عادت لهدوئها المهني، وبدأ يفحصها بدقة، أنفاس الجميع معلقة على كل حركة منه…ثم قال بصوت واضح:
عندها صدمة عصبية…

سقطت كلماته في الغرفة كحقيقة ثقيلة…
لكن العاصفة الحقيقية… لم تبدأ بعد.

اقترب شاهين أكثر، وضم حور إلى صدره كأنها تنتزع منه إن تركها لحظة، ويده تمر على شعرها بحنان مفرط، ثم رفع عينيه إلى زكريا، وخرج صوته مشدود: يعني إيه صدمة عصبية؟… يعني هتفوق إزاي؟

أشار زكريا إلى ياسين بهدوء الطبيب الذي لا يهتز وقال :  متقلقش يا شاهين… هات الشنطة يا ياسين.

مد ياسين الحقيبة سريعًا ، وغمغم : أهي.

فتحها زكريا، أخرج أنبول وسرنجة، وقال بنبرة حاسمة مطمئنة: هديها حقنة… هتنام لحد الصبح، وتصحي بإذن الله كويسة.

شد شاهين احتضانه لها، ورفع ذراعها بحذر، كأن حتى الألم لا يسمح له بالاقتراب منها، واقترب زكريا وحقنها بهدوء شديد.

غمغمت فوزية بدموع لا تتوقف:  هتفوق يا بني؟

هز زكريا رأسه مطمئن: هتنام لحد الصبح يا أمه… متخافيش.

سحب شاهين الغطاء فوق جسد حور برفق بالغ، كأنها من زجاج، ثم قال بصوت مبحوح، لكنه لا يقبل جدال: اطلعوا بره… خلوها ترتاح.

رفع أحمد حاجبه، الغضب يختلط بشيء آخر أشد حدة، وهدر: أحا! هي هتغيب منك يا شاهين؟ إنت قاعد معاها في السرير ، وتحت الغطا قدامي؟

رفع شاهين حاجبه ببرود غاضب، ورد دون أن ينظر إليه:
قدامك أحسن من وراك… يا عمي.

تصلب فك أحمد، لكن شاهين أكمل، وهو لا يزال يمرر يده على شعر حور، صوته منخفض… خطير:  عجل جوازنا اللي بتماطل فيه يا عمي… هنستنى إيه تاني؟ أصلي مش عايز أغفلك… ورحمة أبوي.

عض أحمد شفته بقوة، وخرج صوته أجش: البت لسه صغيرة ، وجسمها علي ادها… وإنت زي التور… وأنا مش مستغني عن بنتي… عايزها… استناها يا شاهين…

نظر له شاهين بحنق، فابتسم أحمد ببرود مقصود ، وأشار له بيده وهتف بصوت حاد:  وأنا عاجنك وخابزك على إيديا دول… وإنت هتموت بيهم… ولا تمس حور قبل ما تبقى مراتك… سلام.

استدار وغادر بخطوات سريعة، خلفه شهد، بينما ضربت فوزية كف بكف، بذهول ممزوج بالغضب: لا حول ولا قوة إلا بالله… هتجننوني! ربنا يهديكم!

ضحك ياسين بمرح لا يخلو من التهكم، وقال وهو يتراجع: يا عيني عليك يا شنبو… هتموت بلبنك!

في لحظة، قبض شاهين على الأباجورة وألقاها نحوه وهدر: أبو اللي جابك! غور في داهية!

انطلق ياسين هاربًا وهو يضحك، ولحقه زكريا يهز رأسه بيأس حقيقي، مغمغم: بيت… خلل من أوله لآخره.

وأُغلق الباب…وعاد الصمت…

جلس شاهين إلى جوارها من جديد، عينيه معلقتان بملامحها الهادئة، ويده لم تتوقف عن لمس شعرها، كأنها الطمأنينة الوحيدة في عالم بدأ يشتعل… ولم ينته بعد.

سند شاهين رأسه على ظهر السرير، وخرج صوته متحشرج، كأنه يمزق الصمت: آااخ يا حور… إمتى بس تكبري وتمي العشرين؟ دانا مستنيكي من تلاتاشر سنة.

تأمل ملامحها بجنون، كل زاوية من وجهها محفورة في قلبه، ثم نزل جبينه على جبينها، وقبلها بحنو عميق، مزيج من شوق لا ينطفئ ووجع قديم:  ماشي يا أبو حميد… ما أنا وإنت… مش هنلف على بعض… خبيث على خبيث… هنحرق الأرض تحتها وفوقها.

سند شاهين رأسه على رأسها، وغيمت عيناه بالذكريات القديمة، تلاعبت بها صور الماضي، ابتسامات مضت، ضحكات ضاعت، وحنين لا يموت، كأن الزمن كله توقف عند تلك اللحظة، والهواء نفسه مشحون بذكراهما وحدهما.

فلاش باك
قبل تلاته عشر عاما… في محل الجزارة

أغلق أحمد دفتر الحسابات بيده الثقيلة، وصوت طقطقة الدفتر في الهواء يعلن نهاية يوم العمل: كده الحسابات تمام يا شاهين.

جلس شاهين وهو يمسح يده بعنف، كأنه يمسح أثر كل التعب:كده المحل كله بتاعنا… وكل الشركة طلعوا.

أومأ أحمد برأسه، عينيه تتلألأ بفخر وود عميق: عشان كتفي في كتفك… انت مش ابني أخويا… انت ابني أنا… يا لا.

لكن جملته قطعت فجأة بصوت الهاتف، رن في الهواء كما لو كان إنذار مبكر للمصيبة القادمة…

التقط أحمد الهاتف، صوته متهدج من الفضول والقلق:
الووو…

جاء صوت مهني حاد من الطرف الآخر:  حضرتك المعلم أحمد المهدي؟

قطب أحمد حاجبه بدهشة، صوته يخرج متسائلا:
أيوه أنا …مين إنتي؟

أجابت بصوت متوتر، لكنه محمل بالمسؤولية: أنا إحسان، ممرضة في مستشفى القصر العيني… في واحدة هنا اسمها الست فاطمة… ادتني رقمك وطلبت مني أكلمك وأقوللك تعالي… عايزك ضروري.

نهض أحمد بدهشة شديدة، كأن الأرض اهتزت تحت قدميه وهتف بصوت حاد: الست فاطمة في المستشفى؟ ليه؟ مالها؟

ردت إحسان بصوت ثقيل، كل كلمة منه وكأنها سهم يثقب القلب: الست فاطمة… ناس جبوها المستشفى… وهي متصابة برصاصة… بين الحياة والموت… تعال بسرعة… حاول تلحقها.

أومأ أحمد برأسه دون كلام، دون تفكير، وانطلق خارج المحل وهتف:  تعال معايا يا شاهين!

ركضا إلى السيارة، صعدا بسرعة، وانطلقت السيارة كالسهم… وكأن البرق نفسه يلاحقهما.

في المستشفى،

كان الممر الطويل يبدو كأنه لا ينتهي، خطوات أحمد وشاهين تلتهمه التهام، كل خطوة تصدح بإيقاع ثقيل من الخوف والقلق، كأن الأرض نفسها تضيق تحت وطأة ما ينتظرهما.

توقفا أمام غرفة تقف على بابها ممرضة سمراء، متوسطة القامة، عيناها تحملان تعب السنين، وعلى شفتيها أثر صمت اعتاد رؤية الألم حتى صار جزء منه.

اقترب أحمد، وخرج صوته متهدج، مشوب بقلق لم يستطع إخفاءه: هي فين؟

أشارت الممرضة بيدها إلى الداخل، وقالت بهدوء مثقل:
اهي… تعالوا… حالتها صعبة أوي.

دلفا إلى الغرفة، وكأن كل واحد منهما يحمل قلبه بين ضلوعه بيد مرتجفة.

اقترب أحمد من السرير، وانحنى فوق فاطمة، صوته بالكاد يسمع: حجة فاطمة… يا حجة.

فتحت عينيها ببطء، الألم مرسوم في كل ملامحها، لكن حين رأته، ارتسمت على شفتيها راحة باهتة، وهمست بصوت مبحوح: الحمد لله… إنك جيت يا أحمد يا ابني.

وقف شاهين خلفه، عينيه لا تهدأ، تجول في المكان بحدة فطرية، حتى توقفت فجأة…

هناك….في الركن البعيد.

طفلة صغيرة، منكمشة على نفسها، جالسة كظل فقد معناه، جسدها ملتف كأنها تحاول أن تختبئ من العالم داخل نفسها، صامتة… لكن الصمت حولها كان يصرخ.

تحرك شاهين نحوها ببطء، وكأن شيئًا خفي يشده إليها، جلس أمامها، وعيناه تغوصان فيها بدهشة لم يعرفها من قبل.

كانت جميلة…
لا، لم تكن مجرد جمال عابر …كانت براءة صافية حد الوجع، ملامحها ملائكية، لكن عينيها…عيناها لم تكونا لطفلة.

كانتا تحملان خوف قديم، متجذر، كأنهما شهدتا من القسوة ما لا يحتمل.

تجمد شاهين للحظة، كأن الزمن توقف عند تلك النظرة، شيء في داخله انكسر دون صوت، وشيء آخر… استيقظ…

ومع ذلك… لم يكن جمالها هو ما صعقه وحده، بل ذلك التناقض القاتل بين براءة ملامحها… وقدم الخوف الساكن في عينيها…

كانت ساكنة كتمثال من وجع، لا تبكي، لا تصرخ… فقط تنظر، بعينين حفظتا الرعب حتى صار جزء منهما، كأن الطفولة انسحبت منها قبل أن تكتمل.

تردد شاهين لثانية…
شيء بداخله، شيء لم يعرفه من قبل، ارتجف.
تأملها بجنون صامت، وكأن قلبه يحاول أن يفهم… كيف يمكن لبراءة كهذه أن تحاصر بكل هذا الرعب.

مد يده ببطء، كأن المسافة بينه وبينها ليست خطوات… بل هوة من خوف يجب أن يعبرها بحذر، وخرج صوته دافئ على غير عادته، يحمل حنان خشن لا يجيده:
انتي مين… اسمك إيه يا بابا؟

رفعت حور عينيها ببطء، حركة صغيرة… لكنها بدت كأنها معركة كاملة.

عيناها كانتا واسعتين ، صافيتين، لكنهما مشبعتان برعب عميق، رعب لا يشبه لحظة عابرة… بل سنوات عاشت فيها الخوف حتى صار وطنها الوحيد.

تجمد شاهين.

صدم من تلك النظرة، كأن أحدهم طعنه بشيء غير مرئي.
بلع لعابه بصعوبة، وشعر بشيء يضيق في صدره، شيء لم يعرف اسمه، لكنه كان أقرب إلى وجع ثقيل.

همس، وصوته يكاد ينكسر رغم قوته: انتي خايفة أوي… كده ليه؟

مد يده أكثر، لكن بحذر واضح، كأن لمسته قد تجرحها بدل أن تطمئنها، وقال بنبرة أهدأ، أقرب إلى الرجاء:
تعالي… متخفيش.

لكنها… لم تتحرك…ظلت كما هي، متكومة داخل نفسها، كأنها تحاول أن تختفي من العالم، لا يفضحها إلا عيناها…

عيناها فقط.

تتحركان ببطء، تراقبانه، تتشبثان به للحظة… ثم ترتدان بخوف أعمق، كأنها لا تصدق أن الأمان يمكن أن يكون حقيقي.

وفي تلك اللحظة
أدرك شاهين…
أن هذه الطفلة لم تولد خائفة…
بل صنع فيها الخوف… قطعة قطعة.

لم يفهم شاهين لماذا شعر…
أن هذه الطفلة… لم تعد غريبة عنه.

عند أحمد

اتسعت عينا أحمد بذهول، وكأن الكلمات سقطت عليه كصاعقة، وخرج صوته مرتجف :  يقتل بنته…؟

أومأت فاطمة برأسها، وأنفاسها متقطعة، وصوتها مبحوح يخرج من بين الألم: من يوم ما اتولدت… وهو عايز يقتلها… زي ما قتل أمها.

رفعت يدها المرتجفة، وأشارت نحو حور، عيناها تغرقان في خوف لا ينتهي: خمس سنين وأنا بخبيها منه… كان فاكرها ولد… أول ما عرف إنها بنت… اتجنن… كان عايز يضربها بالنار… وأنا بهرب بيها… الطلقة صابتني… خوفت أموت… وأسيبها… يعتر فيها أبوها ويقتلها.

سقطت الكلمات من شفتيها كدم يسيل، بينما هز أحمد رأسه بوجع، وخرج صوته مثقل: طيب… إيه ذنب العيلة دي في اللي عملته الناقصة أمها؟

بلعت فاطمة عليها بصعوبة، ودموعها تنساب على وجهها كأنها تغسل ما تبقى من عمرها: من الليلة المشؤومة… وهو اتجنن…

رفعت يدها، وتمسكت بقميص أحمد كغريق يتمسك بخشبة النجاة، وهمست برجاء ممزق:  أنا عارفة… أصلك طيب… وابن حلال… وربنا حرمك من النعمة… عشان كده عارفة إنك هتصونها… لما تجيلك… خلي بالك منها… حور أمانة في رقبتك يا ابني…

أومأ أحمد برأسه بثبات يشبه القسم، وصوته مبحوح بالصدق: أمانتك في رقبتي ليوم الدين… دانا ما شفتش حنية من حد في الدنيا إلا منك… كنتي أكتر من أمي.

ابتسمت فاطمة أخيرًا… ابتسامة خفيفة، مرتاحة، كأنها وضعت حملها الثقيل، وهمست: الحمد لله…

ثم سكنت….سكون لم يكن نوم… بل نهاية.

انزلقت دموع أحمد في صمت، ومد يده، مررها على عينيها وأغلقهما برفق، وخرج صوته مكسور:لا اله الا الله، الله يرحمك يا حاجة فاطمة… ارتاحي… أمانتك في رقبتي ليوم الدين.

نهض ببطء، كأن جسده صار أثقل، ورفع الغطاء على وجهها، يغطي ملامحها بحزن دامي.

نظر شاهين إليه بدهشة، واقترب، صوته خافت:
ماتت…؟

أومأ أحمد برأسه، وعيناه لم تبتعدا عنها:  ماتت… ورمت في عبي أمانة تقيلة أوي.

تحركت عينا شاهين نحو حور، نظرة عميقة، مثقلة بشيء لم يفهمه بعد وقال :  البت الصغيرة…

أومأ أحمد ببطء، وصوته اختلط فيه الخوف بالحقيقة:
أيوه… بس أنا مقلق… دي مسئولية… وأبوها كمان عايز يقتلها.

ساد صمت ثقيل…لكن في أعماقه…كان قدر يكتب.

جحظت عينا شاهين بذهول مشوب بالغضب، واشتد فكه حتى كاد يطحن كلماته، وهدر من بين أسنانه: يعني إيه يقتلها؟! وليه؟! عملت إيه الطفلة دي عشان يقتلها؟!

هز أحمد رأسه بالنفي، وانحنى قليلًا للأمام، كأن الكلمات أثقل من أن تقال، وخرج صوته متحشرج :  البت دي… بت حرام… وأبوها قتل أمها لما عرف إنها لبسته قرون… ودلوقتي عايز يقتل البت.

ساد صمت ثقيل، كأن الهواء نفسه اختنق…تحركت عينا شاهين ببطء نحو حور…

كانت ما تزال منكمشة حول نفسها، ذراعاها تحيطان بجسدها الصغير، كأنها تبني جدار هش يحميها من عالم لا يرحم… من غضب لا تفهمه… ومن ذنب لم ترتكبه.

تصلبت ملامحه، وارتجفت عيناه بعنف، ألم خفي اشتعل في صدره، ممزوج بغضب أسود لا يهدأ.

ثم التفت إلى أحمد، وخرج صوته منخفض… لكنه مشدود كوتر على وشك الانقطاع: طيب… هنعمل إيه؟ إنت عارف عابدين مش سهل.

أومأ أحمد برأسه، شرد لثواني، كأن عقله يبحث عن أقل الطرق خسارة، ثم قال بنبرة نصفها حزن… ونصفها عقل:
أحسن حاجة… نسلمها للحكومة… عابدين مش هيقدر يوصلها طول ما هي في إيدهم.

سقطت الكلمات كحكم قاسي ….
بلع شاهين غصة حادة، مسننة، استقرت في حلقه وامتدت إلى صدره، تضغط عليه بقسوة…
نظر مرة أخرى إلى حور…ثم أغمض عينيه لثانية، كأنه يدفن شيئًا داخله.

وهز رأسه ببطء، وهمس بصوت خافت: صح… عندك حق… يلا بينا.

لكن خطواته… لم تتحرك فورا…كأن شيئًا ما…
يرفض أن يتركها.

اقترب شاهين من حور، وجثا على ركبتيه أمامها، كأنه ينزل إلى عالمها الصغير ليقترب منها دون أن يفزعها، وهمس بصوت حاني، يحمل دفئ غريب عليه: إيه رأيك تيجي معايا؟ أنا هاخدك مكان حلو أوي…

رفعت حور رأسها ببطء، أنفاسها متقطعة، الخوف يملأ صدرها الصغير حتى كاد يخنقها، وغمغمت بصوت بالكاد يسمع، تغرقه الدموع: أنا… عايزة داده فاطمة…

وفجأة، اندفعت نحو السرير، تمسكت بذراع فاطمة بقوة، كأنها آخر خيط يربطها بالأمان، وصرخت بصوت مبحوح مرتجف: داده فاطمة قومي… أنا خايفة…

توقف الزمن للحظة…اقترب شاهين وأحمد، وانحنى شاهين، يربت على ظهرها بحنان شديد، وهمس بصوت خافت: هي نايمة يا حبيبتي…

أمسك أحمد يدها الصغيرة، رفعها إلى شفتيه وقبلها برفق، ودموعه خانته: متخافيش يا بابا… تعالي معانا…

بلل شاهين شفتيه، وخرج صوته مبحوح، يقطر وجع لم يحاول إخفاءه: داده فاطمة نايمة دلوقتي… تعالي معايا لحد ما تصحى… متخافيش مني… ده إنتي محدش يطاوعه قلبه يمسك يا حبيبتي…

نظرت إليهما حور بعينين مرتعدتين، الخوف لا يزال حاضرًا… لكنه تراجع خطوة، أمام ذلك الحنان الذي لم تعهده.

ببطء… ترددت… ثم مدت يدها…لحظة صغيرة… لكنها كانت فاصلة.

مد شاهين يده بسرعة فيها لهفة ممزوجة بالقلق، وما إن لامست يدها يده…ارتجف قلبه بين ضلوعه.

لم تكن مجرد لمسة…
كانت كشرارة خفية… كصاعقة سرت في عروقهما معًا، شيء لم يفهم… لكنه حدث.

سحبها برفق شديد، بحذر كأنها من نور، ثم ضمها إلى صدره، احتواها بين ذراعيه بحنان خام، يذيب أقسى القلوب، ونهض بها.

أسندت رأسها الصغير على كتفه، وكأنها وجدت ملاذ أخيرًا، وخرج بها من الغرفة…

وأحمد خلفه…بينما خلفهم…
انتهى فصل… وبدأ آخر.

…..

أمام قسم الشرطة

توقفت السيارة ببطء، كأنها هي الأخرى تشعر بثقل اللحظة.

ألقى أحمد نظرة طويلة نحو حور… كانت متكورة على صدر شاهين، أصابعها الصغيرة متشبثة بقميصه بقوة، كأنها وجدت أخيرًا شيئًا يشبه الأمان… شيئًا لا تريد أن تفلته أبدًا.

بلع أحمد غصته بصعوبة، وخرج خرج خافت :  يلا يا شاهين…

أومأ شاهين برأسه، فتح باب السيارة، وترجل وهو يحملها بين ذراعيه، يحتضنها كأنها قطعة من قلبه انتزعت منه ثم عادت.

تحركا خطوات قليلة…ومع كل خطوة تقترب من القسم، كان شيء في صدر شاهين ينكمش، يضيق، يرفض…
تمامًا كما انكمشت حور بين ذراعيه أكثر، كأنها تشعر بالخطر دون أن تفهمه.

وفجأة….توقف.
توقف كأن الأرض تشبثت بقدميه، كأن الطريق نفسه رفض أن يكتمل…التفت أحمد إليه بدهشة ،وقال :وقفت ليه؟

نظر شاهين إليه… ثم عاد بعينيه إلى حور، وتأملها لحظة، نظرة طويلة… موجوعة…وقال بصوت منخفض، مثقل بما لا يقال: قلبي مش مطاوعني… إنت عارف يا عمي هما هيودوها فين… أكيد دار أيتام… وأكيد هتتبهدل فيه.

بلع غصته، وكأن الكلمات تجرحه وهو ينطقها: وكمان الناس مش هترحمها… إنت عارف يعني إيه؟… بنت… والناس شايفنها بت حرام.

أومأ أحمد برأسه ببطء، ودمعة ثقيلة خانته، سقطت رغم عنه، وقال :  هتعيش طول عمرها… تتحاسب على حساب مش بتاعها.

هز شاهين رأسه بسرعة، وكأن فكرة ما اشتعلت بداخله، وخرج صوته مبحوح، مليئ بلهفة حقيقية: طب ليه؟… ما إحنا ممكن نتجنب كل ده… نطلع لها شهادة ميلاد باسمك… ونربيها بينا… حرام يا عمي نرميها للبهدلة دي… دي ملاك!

تردد أحمد….دار حول نفسه، يمرر يده على رأسه، أفكاره تتصادم بعنف، بين عقل يحذره… وقلب يميل.

أما شاهين… فكان يضمها أكثر، كأن أحدهم سيأخذها منه في أي لحظة، وهتف بصوت حاد لكنه موجوع: بص… بيك من غيرك… أنا مش هسيبها تداس بين الرجلين… قولت إيه؟

سكنت اللحظة…نظر أحمد إلى حور…
الطفلة الصغيرة، المنكمشة، التي احتمت بصدر شاهين وكأنها تعرفه منذ عمر…

وتنهد…ثم هز رأسه ببطء، وهمس بصوت خافت، لكنه حاسم: ماشي… يلا بينا.

في لحظة…ارتسمت ابتسامة على وجه شاهين…
ابتسامة لم تكن فرح فقط… كانت استرداد روح كادت تنتزع منه.

استدار فورا، عاد إلى السيارة، وصعد بها بين ذراعيه، وكأن العالم كله عاد إلى مكانه الصحيح.

وانطلقت السيارة…بعيدًا عن القسم…

نحو بيت لم يكن يعلم… أنه على وشك أن يولد من جديد.
……………
في شقة عبد التواب المهدي

نهضت شهد بسرعة، وفتحت الباب… تجمدت في مكانها بدهشة حين رأت أحمد وشاهين، وطفلة صغيرة متكورة بين ذراعي شاهين، كأنها قطعة ثمينة من قلبه لا يفرط فيها.

ارتجفت عيناها، ممتزجتين بالدهشة والقلق، وهتفت:
مين البنوته دي يا أحمد؟

دلف أحمد خلف شاهين، صوته حازم لكنه دافئ:تعالي يا شهد… أنا هفهمك.

رافق أحمد شهد إلى المطبخ، تاركًا المشهد أمام فوزيه.

نهضت فوزيه، نظرت إليهم بدهشة، وعينيها تتسعان:
خير… اللهم اجعله خير… في إيه يا ابني؟

اقترب شاهين، جلس على المقعد القريب، وما زالت حور متمسكة به، وهو ممسك بها كما لو كانا آخر شي في هذا الكون يمنحهما الصمود.

مسح شاهين شعرها برفق وحنان، وهمس:  دي حور… يما يتيمة… وملهاش حد.

نظر لها برجاء، صوته يحمل مسؤولية وثقة:  تربيها وسط إخواتي.

تجمعت دموع فوزيه في عينيها، وصوتها يختنق بين الإيمان والدهشة: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم… وماله يا ابني؟… أربيها… هي الدنيا اتقل خيرها.

اقتربت، مسحت على شعر حور بحنان، وهمست بصوت دافئ: دي… حتى حور… وهي حور.

وكانت حور في حضن شاهين، بين أمان لم تعرفه من قبل، كأن قلبها الصغير بدأ يهمس لأول مرة أن هناك من سيحميها… وأنها لم تعد وحدها…

خرجت شهد من المطبخ، تمسح دموعها بطرف يدها، واقتربت من حور وفوزيه، وعينها تتلألأ بحزن عميق ممزوج بالرحمة:شوفتي يا فوزيه… البنوته الجميلة دي… أهلها كلهم ماتوا، وملهاش حد في الدنيا.

أومأت فوزيه برأسها، صوتها يغلي بالحزن والمرارة:
الدنيا مليانة يا شهد…

اقتربت شهد من حور، جثت أمامها برفق، وغمست يدها الصغيرة في دفء قلبها، وهمست بصوت حنون: تعالي يا ماما… إيه رأيك؟ تعالي أجبلك حاجة حلوة.

هزت حور رأسها بالنفي، متمسكة بقميص شاهين، عيونها الكبيرة تختزل سنوات من الخوف والارتباك، كل خفقة قلبها تصرخ بالأمان الذي لم تعرفه.

نظرت لها شهد بحزن وحنان، وهمست بصوت مبحوح:
طيب… تعالي… أعملك سندوتش حلو أوي… أكيد جعانة صح؟

ارتعشت عيون حور، لكن لم تستطع مقاومة دفء الحنان الذي ينبعث من شاهين. مسح شاهين شعرها ببطء، صوته يقطر حنان وطمأنينة: طيب… تعالي نروح سو…ايه رايك؟!

أومأت حور برأسها ببطء، وارتخت كتفيها قليلاً لأول مرة منذ زمن، فانطلق شاهين مع شهد نحو إحدى الغرف، كأن كل خطوة تزيل جزء من الخوف المتراكم في روحها الصغيرة.

قالت شهد وهي تتفقد الغرفة: مفيش هدوم بنات عندنا عشان حور يا شاهين… اجبلها تيشيرت من هدوم ياسين.

أومأ شاهين برأسه بثبات، صوته هادئ لكنه مليء بالعزم:
ماشي… لحد ما بكرة نجيب لها هدوم.

خرجت شهد من الغرفة، تاركة شاهين وحور في صمت مشبع بالدفء والطمأنينة، كأن الزمن نفسه توقف للحظة، ليتنفس الحنان ويهدهد قلب صغير طالما عاش بين الظلام والخوف.

نهض شاهين بصمت، كأن خطواته تهتز على خيوط الضوء الخافت في المرحاض…

حمل حور بين ذراعيه بحذر، جسدها الصغير يتكور وكأنه يحمل كل ألم العالم، ووضعها في حوض الاستحمام كزهرة تهزها نسمة خفيفة. ..

انحنى فوقها، يمسح على خصلاتها بعناية، كأنه يحاول أن يزيل كل أثر الرعب الذي نقش في روحها الصغيرة. صوته هادئ، ممتلئ بالحنان، يخترق صمت المكان: هدومك متبهدلة يا حبيبتي… إيه رأيك أساعدك تاخدي دش وتلبسي هدوم نضيفة؟

هزت حور رأسها ببطء، عيناها الممتلئتان بالخوف تتسائلان عن الأمان: لا… مش عايزه.

ابتسم شاهين بابتسامة دافئة، صوته يهمس كنسمة في ليلة باردة: متخفيش… أنا مش هضيقك… بصي، نغسل وشك وإيديكي وكمان رجليكي وبس.

أومأت بخجل، وبدأ شاهين يفتح الصنبور، الماء الفاتر ينساب فوق خصلاتها، يغسل معها كل آثار التعب والخوف، كل أثر صدمة… عيناه تتلألأان وهو ينظر إلى وجهها الذي يشبه قطعة من القمر، بريء ونقي، غير مدرك للعالم القاسي من حوله.

ببطء، بدأ جسدها يهدأ، كل خفقة قلبها تتناغم مع دفء يديه، نزع فستانها برفق، وغسل جسدها الصغير كما لو كان يمسح كل ألم سبقه…

كل لمسة كانت وعد بالأمان، كل حركة كانت شعاع من الحنان يعانق روحها الممزقة.

عندما انتهى، سحب الفوطة، لف جسدها بين دفئها، وضمه إلى صدره، وكأن العالم كله توقف عند هذه اللحظة…

نهض بها بهدوء، كل خطوة تحمل عبء الأمان الذي يسكن قلبه، تارك وراءه أثر لا يمحى من الطمأنينة في روحها الصغيرة، شعور لأول مرة بأنها محمية، وأن قلبه سيكون مأواها مهما اشتدت العواصف.

دلفت شهد حاملة بعض ملابس ياسين، عينيها تتسعان بدهشة، نظرت إلى شاهين وقالت إيه ده… حمتها؟

سند شاهين حور على السرير، وغمغم بصوت منخفض مشبع بالدهشة والحنان:جبتي الهدوم…

أومأت شهد برأسها بحزم ودفء: روح انت هات الأكل من المطبخ، وأنا هلبسها.

مسح شاهين على شعرها بخفة، صوته مشوب بتوتر وحذر: أنا مقلعتهاش كل هدومها عشان متتكسفش مني…

ابتسمت شهد ابتسامة دافئة، وكأنها تقول بصمت: تمام… هتكون بأمان.. ثم قالت :  أيوه، أحسن. أنا هخلعها وألبسها الهدوم دي، وانت هات الأكل.

أومأ شاهين، ثم خرج من الغرفة بهدوء، مغلق الباب خلفه برفق، كأنه يترك المكان لمسة من السكينة والخصوصية.

وقفت الغرفة ساكنة للحظة، وكأن الهواء نفسه يراقب المشهد، مشبع برائحة الحنان والطمأنينة التي بدأت تتسلل بين الجدران….

جلست شهد على حافة السرير، تنزع عن حور ما تبقى من ملابسها القديمة بعناية، كل حركة فيها كانت تتحدث بلغة الحنان الصامت، وكأنها تقول: “أنتي بأمان… لا شيء سيؤذيك.

لبست حور ملابس ياسين، وكل قطعة تتلامس مع جسدها الصغير كانت كأنها درع يقيها من رهبة العالم الذي عاشت فيه سنوات …

نظرت لها شهد بعينيها المليئتين بالحب، ومسحت على شعرها بلطف لا يعرف القسوة، وهمست ببطء: انتي جميلة أوي يا حور…

رفعت حور عينيها، براءة مخلوطة بالخوف القديم ما زال يحفر في أعماقها، لكن دفء شهد وحنانها جعل بعض هذا الخوف يذوب، وارتخى جسدها تدريجيًا بين يديها.

دخل شاهين حاملاً صينية الطعام، صوته خافت لكنه مشبع بالعاطفة: ايه الجمال ده يا حور…

رفعت حور رأسها نحوه، نظرتها التقت بعينيه، وشعرت بأن حضوره، صوته، وحنانه الخفي يكفي ليذيب ما تبقى من رهبتها، وكأن قلبها الصغير وجد أخيرًا ملاذه الآمن.

جلس شاهين أمامها، وضع الصينية بين يديها، وبدأ يطعمها لقمة بعد لقمة، صوته مكتوم بالحنان:  كلي يا حبيبتي… كلي لحد ما تشبعي…

كل لقمة كانت بمثابة رسالة أنتي بأمان… أنتي محبوبة… لا شيء سيؤذيك…

عيون حور بدأت تثقل تدريجيًا، وكل نفس فيها صار أكثر هدوء، حتى استسلمت للنوم، مستندة على الوسادة، جسدها الصغير مسترخٍ بين حضن شاهين، وأخيرًا شعرت بما لم تعرفه من قبل الطمأنينة الحقيقية.

أشارت شهد بيده برفق ،وهمست له: كفاية يا شاهين… شكلها هتنام على نفسها.

ابتسم بخفة، أعاد اللقمة إلى الطبق، وسلم الصينية لشهد، ثم سحب جسدها الصغير بحذر، أسند رأسها على الوسادة، وغطت عينيها النائمة بسلام.

نظرت شهد لها بابتسامة دافئة، همست: اخدها شقتي عشان انام  جنبها…
هز شاهين رأسه بهدوء، صوته مبحوح لكنه مطمئن:
لا… أنا هفضل جنبها… انتي نامي.

أومأت شهد برفق، خرجت من الغرفة، وتركته يحدق بوجهها النائم، غير مصدق السلام الذي غمرها. حتى غلبه النوم، جسده مشدود، ويده مغروزة في شعرها بحنان، وكأن قلبه وعد صغير لا ينكسر أنه سيظل حارس لسلامها مهما كانت العواصف.
……………
بعد مرور يومين، في غرفة حور…

دلفت شهد، وابتسامتها تملؤها دفء الحياة، كأنها تشع نور وسط الظلام بعد أيام من الألم والخوف…

اقتربت من الستارة، أزالتها ببطء، ونادت بصوت يشبه الهمس الحنون لكنه يقطع الصمت:  حور… قومي يا قمر… يلا يا روحي…

جلست بجانبها، شعرت بقلبها يتقلص كلما نظرت إلى جسدها الصغير المنكمش على الوسادة، ومسحت على شعرها الطويل بلطف: يلا يا قلبي… حووور…

قطبت حاجبيها بدهشة، إذ أن عيون حور بقيت مغلقة، جسدها صامت كما لو أنه استسلم لعالم آخر. هزتها شهد برفق، صوتها يختنق بين الحزن والخوف: مالك يا ماما… مش بتصحي ليه؟

رفعتها بين ذراعيها بحذر، كأن كل حركة يمكن أن تكسرها، وهمست بصوت متحشرج بالقلق:  يا قلبي… حور يا بنتي… فوقي… مالك بس… إيه اللي حصل؟

مسحت على شعرها مجددًا، وهي تحاول أن تنقل لها دفء الحياة، ودموعها تتساقط بغزارة، تنساب على وجنتيها، وكأنها تحاول غسل كل الخوف والظلام الذي سكن قلب الطفلة: حور… اصحي يا حبيبتي… يارب… في إيه يا حور؟

تركتها على الوسادة، لكنها لم تتحرك، ركضت نحو الهاتف وجسدها يرتجف من الرعب، أصابعها ترتعش وهي تطلب رقم أحمد، ودموعها تتساقط بلا توقف، وخرج صوتها  مكبوت بين الصراخ والهلع: أااااااحمد… الحقني… حور مش بتصحي… تعال بسرعة!

هب أحمد من مكانه، قلبه يختنق، دماؤه تجري بعنف، أسقط الكرسي بقوة، صوته يرتجف من الفزع: في إيه… مالها البت يا شهد؟

تجمد شاهين في مكانه، جسده مشدود، كل أعصابه تصرخ، وكل نفس يلهث خوف على حور…

اندفع خارج المحل، خطواته تثقل الطريق، قلبه يغلي بالقلق والرعب، كل عضلة فيه تشعر بثقل المسؤولية، وكل صورة من صور عينيها المرتجفه تتسلل إلى ذهنه، يزداد خوفه معها، ومع كل خطوة يقترب من مصير الطفلة التي أصبحت جزء من روحه

وووووووو

رايكم ياسكاكررررر

ساحره القلم ساره احمد

4.2 5 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
2 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
Mero❤️
Mero❤️
4 أيام

روعة تسلم ايدك ❤️

Nedaa
Nedaa
4 أيام

تحفة تسلم الايادي ❤️