ملكي وكفي ( الفصل السابع)
هي بنتُ قلبه…
لا تشبه شيئًا مما تعلّمه في وصف النساء، وكأن اللغة حين تصل إليها تتلعثم، وتنسحب خائبة من عجزها.
هي شمسٌ لا تكتفي بالإشراق، بل تقتحم روحه كل صباح دون استئذان، وتترك فيه دفئًا لا يعرف الانطفاء.
هي ملكةٌ—
لكنها لا تجلس على عرشٍ من ذهب، بل على مساحةٍ خفية في صدره، لا ينازعها عليها أحد، ولا يجرؤ قلبٌ سواها أن يقترب.
كلما حاول أن يكتبها، خانته الكلمات…
كأنها أكبر من الحروف، وأوسع من المعاني، وأعقد من أن تُختصر في سطر.
هي أنثى لا تُقاس بالوصف، بل تُحَسّ كارتباكٍ جميلٍ يسكنه كلما مرّ طيفها داخله.
سيدة روحه…
تعزف داخله لحنًا لا يعرف بدايته من نهايته، لكنه يظل عالقًا فيه كأملٍ لا يموت.
وإذا ضحكت…
تسقط كل قوانين العالم من حساباته، وتصبح ضحكتها وحدها وطنًا مؤقتًا يهرب إليه من كل فوضاه.
هي زهرةٌ لا تعرف الذبول، كأنها خُلقت لتبقى رغم كل شيء، وقمرٌ لا يعترف بالأفول، حتى في أشد لياليه ظلمة.
فماذا يقول عنها؟
وأي وصفٍ يكفيها، وهي التي تعيد تشكيله كل مرة ينظر فيها إليها؟
كل ما يملكه أن يهمس داخله، كاعترافٍ عاجزٍ أمام جمالٍ أكبر من احتماله:
كوني كما أنتِ دائمًا…
صعبة الكسر، مختلفة، مذهلة…
وعظيمة كما خُلقتِ أن تكوني.
انتصب جسد يونس قليلًا، وأمال رأسه محاول اختراق الظلال بعينيه، بينما تدلت السيجارة بين أصابعه دون أن يشعر، كأن وعيه كله انتصب على تلك الحركة الغامضة في الأسفل.
همس لنفسه، بنبرة مشدودة: إيه ده…؟
الظل تحرك مرة أخرى…
أقرب هذه المرة… أوضح… أكثر جرأة.
وكأن الليل…يرفض أن ينتهي….
في لحظة خاطفة، تبدل كل شيء.
اتسعت عينا يونس، لكن هذه المرة لم يكن فيها دهشة… بل غضب حارق، اندفع في عروقه كالنار….
سحب سلاحه بقبضة مشدودة، عصبها بارز، وتحرك نحو الباب بخطوات سريعة، متوترة، كأن الأرض نفسها تضيق به.
فتح الباب بعنف…واندفع للخارج…لكن..
في اللحظة التالية مباشرة….اصطدم بجسد لين، دافئ.
شهقت شموع بفزع، واختل توازنها، وكاد جسدها يهوى على الدرج، كريشة فقدت اتجاهها..
لكن يونس تحرك بغريزة أسرع من التفكير.
قبض على خصرها، وسحبها نحوه بعنف مفاجئ، فاصطدمت بصدره العاري في اللحظة الأخيرة، قبل أن تسقط.
تجمد الزمن…
شهقة خرجت منها، مرتجفة، بينما ارتجفت يدها..
واستقرت للحظة فوق صدره، تشعر بحرارته… بسرعة نبضه… بقرب لم يكن مقصود.
لكنها انتبهت فجأة..كأنها أُحرقت.
دفعته بعنف، وتراجعت خطوة، وعيناها تشتعلان، وهتفت بحدة تخفي خلفها ارتباك واضح: اوعي! مالك هترمح كده في الدار كيف التور الهايچ؟!
شد فكه بقوة، وعض شفته، يحاول أن يكبح ما اندفع داخله…غضب؟ توتر؟
أم شيء آخر لا يريد الاعتراف به؟
هدر بصوت خشن، متوتر : طب غوري! اخفي من خلقتي… ومش عايز أشوف طرفك!
ارتجفت شموع…تلك المرة لم يكن فيها تحدي.
تراجعت للخلف، وعيناها تهتزان بشيء أقرب للخوف، وهمست بصوت خافت: حاضر…
لكن الكلمة خرجت ضعيفة… كأنها لم تكن لها.
نظر إليها لحظة..
دهشة عابرة مرت في عينيه، امتزجت ببقايا غضب لم يهدأ، ثم استدار فجأة، واندفع نحو الدرج، يهبط بسرعة، كأن شيئًا في الأسفل يستدعيه… أو يطارده.
بقيت هي مكانها…واقفة…
وضعت يدها على صدرها، تضغط عليه، كأنها تحاول تهدئة قلب فقد إيقاعه…
أنفاسها متسارعة، وابتلعت لعابها بصعوبة، وعيناها تراقبان الفراغ أمامها دون أن تراه.
وفي داخلها..لم يكن الخوف وحده ما ارتجف.
اندفع يونس نحو الباب كالإعصار، لم يعد في خطواته أي تردد، فقط اندفاع أعمى يقوده ذلك الشعور الغامض الذي اشتعل في صدره منذ لمح الظل.
دفع الباب بقوة، فانفتح على سكون الفجر الثقيل، ثم دوى صوته في أرجاء المنزل، خشن، حاد، كطلقة مزقت الصمت: سيــــد! يااا خال! في حركة في الزريبة!
لم يحتج النداء إلى تكرار.
في اللحظة التالية، انفتح باب غرفة سيد بعنف، واندفع إلى الخارج، والسلاح في قبضته، وعيناه مشتعلة بحدة فطرية، كأن الخطر ليس جديد عليه.
هدر بصوت أجش، مليء بالاستعداد: حوش ولاد الحرام يا ولد!
وفي الخلف…
ظهر جارحي بخطوات متعجلة، غير ثابتة تمامًا، لكن القلق دفعه رغم ذلك. ملامحه مشدودة، وعيناه تبحثان في الظلام عن أي إشارة.
صاح بصوت متوتر: حوش يا ولد!
اندفع الثلاثة إلى الخارج، والهواء البارد يلفح وجوههم، بينما الفجر لا يزال متردد بين الحضور والغياب.
هناك…
عند أطراف الزريبة…كانت الظلال تتحرك.
لكن هذه المرة…لم تكن وحدها.
انفجر السكون دفعة واحدة.
اندفع يونس راكض، أنفاسه مشتعلة، وذراعه ترتفع للأعلى في حركة حاسمة، ثم دوى صوت الرصاص في الهواء، يخترق سكون الفجر كصرخة غاضبة : وقف مكانك يا ابن المره!
تردد صوته في الفضاء المفتوح، قاسي، حاد، يحمل وعيد لا يحتمل المزاح.
لم تمر لحظة…..حتى بدأت الخطوات تتجمع.
الخفر اندفعوا نحوه من كل اتجاه، وجوههم متحفزة، وأقدامهم تضرب الأرض بقوة، ثم انطلقوا جميعًا نحو الزريبة، ككتلة واحدة من الغضب.
في الداخل…
كانت الفوضى قد سبقتهم.
أيد مرتعشة تلقي بزجاجات صغيرة، تلمع في الضوء الخافت، قبل أن ترتطم بالأرض وتصدر رنين خافت، لكنه كافي ليكشف النية.
هدر أحد الرجال بصوت متوتر: يلا يا رجالة! اطلعوا من ورا بسرعة!
تحركوا في ارتباك واضح، خطواتهم متعثرة، وقلقهم يسبقهم، حتى بلغوا الحائط الخلفي للزريبة…
بدأوا يتسلقونه بعجلة، بعضهم ينجح في القفز، وبعضهم يتعثر، كأن الظلام نفسه يحاول أن يمسك بهم.
لكن..الوقت لم يسعفهم…
في اللحظة ذاتها..
اقتحم يونس المكان، يتبعه سيد وعدد من الخفر، اندفاعهم عنيف، كأنهم كسروا حاجز لا باب.
لم يتردد يونس.
وجه سلاحه إلى الأسفل..وأطلق.
رصاصات حادة أصابت الأرض قرب الأقدام، تجبر الهاربين على التوقف أو السقوط، بينما صوته دوى كأمر لا يناقش: اثبت يا واد!
تعثر أحدهم، وسقط، بينما تجمد آخر في مكانه، وقد أدرك أن الهرب لم يعد خيار.
أما البقية..
فقد كانوا على الحافة…بين النجاة…والوقوع.
اندفع يونس مع سيد وباقي الرجال إلى قلب الزريبة، حيث لم يعد هناك مجال للصوت سوى للاصطدام.
تشابكت الأجساد، وارتفعت الأيدي، واشتعل القتال شرس ، كأن الأرض نفسها تهتز تحت وقع الضربات.
تعالت أصوات العجول في فزع هيستيري، وامتلأ المكان بالغبار، حتى صار الهواء ثقيل، خانق، لا يرى فيه سوى ظلال تتصارع.
في قلب الفوضى..
كان يونس.
قبض على عنق أحد الرجال، أصابعه تنغرس ككماشة
لا تعرف الرحمة، ودفعه بعنف إلى الحائط حتى ارتطم جسده بخشونة، واهتزت الجدران من حوله.
برزت عروق عنقه بشدة، وعيناه تشتعلان بشر مكبوت، وهدر بصوت خشن، مقطع من الغضب: فاكر نفسك هتدخل وتطلع عادي كده؟! ده إنت دخلت جهنم برجلك يا ابن الو***!
الرجل حاول الفكاك، دفعه بكل ما أوتي من قوة، لكن قبضة يونس كانت أثقل من أن تكسر….
دار بينهما عراك طاحن، أكتاف تصطدم، أنفاس تتلاحق، وأرض تئن تحتهم…
وفجأة..انشق الألم.
غرز الرجل سكين حاد في فخذ يونس بعنف مباغت.
تجمد جسده لجزء من الثانية، وارتفع الألم كوميض أبيض يشق وعيه، لكنه…لم يصرخ.
كتم صرخة خشنة في حلقه، وعيناه ازدادت ظلام، كأن الألم لم يضعفه… بل أطلق شيئًا أكثر قسوة.
سحب السكين من فخذه بيده، الدم يتفجر مع الحركة، ثم
في ومضة غاضبة. ..وغرسها في صدر الرجل.
مباشرة… في القلب.
ظل ينظر في عينيه، نظرة حارقة، باردة في آن واحد، وهمس بنبرة منخفضة، قاتلة: سلملي على اللي سبقوك… نص سوه…
اختنق صوت الرجل، واندفع الدم من فمه، ثم سقط أرضًا بلا حراك.
وفي الجهة الأخرى
كان سيد قد حسم أمره أيضًا.
بقبضة محكمة، لف ذراع أحدهم حول عنقه، وضغط بقوة حاسمة
حتى دوّى صوت طقطقة جافة، ككسر غصن يابس.
سقط الجسد فورًا.
الصمت… لم يأتي…
لكن القتال..توقف.
الباقون جثوا على ركبهم، وجوههم شاحبة، وأنفاسهم متقطعة، وأصواتهم خرجت مرتجفة: ادينا الأمان يا معلم يونس…
رفع يونس رأسه ببطء…عيناه… لم تهدأ.
كانت تشتعلان كجمر حي، لا يعرف الخمود… استقام رغم الدم الذي يسيل من فخذه، جسده متصلب، كأن الألم لا يعنيه.
اقترب منه سيد بسرعة، وعيناه تمتلئان بالقلق، وقال بفزع: رچلك هتشلب دم يا يونس! تعال معايا!
لوح يونس بيده بإشارة حادة، دون أن ينظر إليه، وصوته خرج قاطع ، مشوب ببقايا الغضب: متخافش… بسيطة.
ثم أضاف، وعيناه لا تزالان على الرجال الجاثين: شوف أبوك بس… مسك الباقي ولا لأ.
وفي تلك اللحظة.. لم يكن الدم هو الأخطر…
بل الهدوء الذي بدأ يتسلل بعد العاصفة.
في الخارج…
لم يعد للفجر ملامح رحمة.
التف الخفر حول الرجال، ومعهم جارحي …
وارتفعت الأسلحة فوق الرؤوس في حركة واحدة، كأنها حكم لا يستأنف….
دوى صوت الرصاص في الهواء، لا ليصيب… بل ليرهب، ليكسر ما تبقى من مقاومة.
وهدر صوت جارحي، قاسي كالسوط: بجى چاين لحد دارنا؟! دانتوا ليلتكم طين يا ولد المحروج!
ارتجفت الأجساد، وانهارت آخر محاولات التماسك…
جثوا على ركبهم بخضوع كامل، رؤوسهم منكسرة، وأنفاسهم متقطعة كأنها تسحب منهم انتزاع…
أشار جارحي بيده إشارة حاسمة، وقال: كتفوهم يا رچالة… وهتوهم في الزريبة.
تحرك الرجال فورا، أياد خشنة تقبض وتشد، وأجساد تسحب على الأرض بلا مقاومة تذكر…
كان المشهد كله صاخب… لكن بلا صوت حقيقي..
فالصمت هذه المرة كان خوف…
مر وقت قصير…والعاصفة بدأت تهدأ.
في الداخل، ساعد سيد ، يونس، على الاستلقاء فوق الأريكة…
كان جسده مثقل، والدم لا يزال ينزف من فخذه، يترك أثرا داكن على القماش.
انحنى سيد نحوه، وصوته خرج أكثر هدوء ، لكن القلق فيه واضح: ريح چتتك… والدكتور چاي مسافة السكة يا أخوي.
أومأ يونس برأسه بصعوبة، أنفاسه خشنة، وصوته خرج متحشرج من بين الألم: خلي بالك كويس… أكيد الضب هيبعت كلاب يحاولوا يهربوا ولاد الحرام اللي هنا…
هز سيد رأسه بثبات، ووضع يده على كتفه، يربت عليه بقوة مطمئنة: متخافش… الرچالة كيف الدبابير في كل شبر. اللي هيخطي برجله ناحيتنا… هيدفن فيها.
أومأ يونس مرة أخرى، أضعف هذه المرة… عينه بدأت تثقل، والوعي يتراجع كمد بطيء.
همس، بالكاد يسمع: كلم شاهين… بلغ شاهين… وعمي أحمد…
ثبتت عينا سيد عليه، وقلق حقيقي مر في ملامحه، لكنه أومأ بسرعة: هستعچل الدكتور الأول…
اعتدل، ثم اندفع إلى الخارج بخطوات سريعة، يخرج هاتفه في حركة متوترة، كأن كل ثانية الآن… تحسب.
وفي الداخل…كان الصمت يعود…
لكن هذه المرة
محمل برائحة الدم… وانتظار ثقيل.
مسح يونس على وجهه بثقل واضح، كأن يده تحمل ما تبقى من وعيه، ثم…انفلت منه…غاب عن الوعي…
استسلم جسده دفعة واحدة، ومال رأسه جانبا، بينما الدم ينساب من فخذه، ساخن، كثيف، يتدفق بلا رحمة، يرسم على الأرض لون قاني كأن الفجر تأخر… ليترك له هذه المهمة.
في تلك اللحظة…تقدمت شموع.
خطوة… ثم أخرى.
توقفت على مقربة منه، ويدها ارتفعت إلى فمها تلقائي، تكتم شهقة كادت تفضح رعبها….
اتسعت عيناها وهي تحدق في الدم… في الجرح المفتوح… في ساق غارقة في الأحمر كأنها لم تعد جزء من جسده، بل من ساحة معركة.
همست بصوت مرتجف، يكاد ينكسر: يا لهوي…
ترددت لحظة…لكنها لم تهرب.
رفعت عينيها دون وعي إلى جذعه العاري، فارتبك شيء داخلها، خجل حاد لسعها فجأة، فأبعدت نظرها بسرعة، وكأنها أُمسكت متلبسة بشيء لا يقال.
تحركت بعجلة.
نزعت حجابها بيد مرتجفة، ثم انحنت نحوه، تحاول رفع ساقه بصعوبة، أنفاسها تتلاحق، ويديها ترتعشان، لكنها تماسكت بما تبقى من قوة.
لفت الحجاب حول الجرح، ضغطت عليه بقوة، وربطته بإحكام، كأنها تحاول أن تمنع الحياة نفسها من الانسحاب.
والدموع…لم تنتظر إذن.
انزلقت على وجنتيها وهي تتمتم بحرقة: يا لهوي يا أما… رچله مشجوجة شج…
رفعت وجهها ببطء….ونظرت إليه.
لأول مرة…ترى ملامحه… لا كخصم يثير غيظها… ولا كرجل تستفزه……بل كرجل فقط.
وسيم… بشكل صادم.
ملامحه حادة، متناسقة، كأنها نحتت بعناية قاسية، تحمل في هدوئها الآن شيئًا هش… إنساني… لم تره فيه من قبل.
تعلقت عيناها به، للحظة أطول مما ينبغي.
شعور غريب تسلل إليها… غير مألوف… غير مفهوم.
لكن…
ــــ اتفضل يا دكتور!
صوت سيد شق اللحظة كسكين.
انتفضت شموع.
تراجعت بسرعة، كأنها أُعيدت إلى وعيها دفعة واحدة، ثم ركضت إلى الداخل، تختبئ خلف الباب، ظهرها ملتصق به، وأنفاسها مضطربة.
وضعت يدها على صدرها…لكن قلبها…. لم يهدأ.
وقفت تراقب من خلف الباب، بعينين دامعتين، لا تدري متى بدأت الدموع تنزل… ولا لماذا.
في الخارج..
كانوا يحاولون إنقاذه.
وفي الداخل…
كان شيء آخر… قد بدأ.
…..
في منزل المهدي…
كان الليل قد فرش عباءته فوق السطح، لكن هذا السطح لم يعد كما كان… لم يعد مجرد مساحة مهملة تحت السماء، بل صار حلم معلق بين النجوم.
دلف شاهين بخطوات هادئة، ويده تستقر برفق فوق عيني حور، يحجب عنها المفاجأة كما يحجب الضوء عن عين لم تألف الدهشة بعد. كان يقودها بحذر، خطوة خطوة، كمن يمسك شيئًا أثمن من أن يترك للصدف.
كادت تتعثر…
فانفلت منها همس خافت، يحمل ارتباك محبب: شينو…
في اللحظة نفسها، أحاط خصرها بذراع حامية، شدها إليه قبل أن تميل، حتى استقرت بين ضلوعه، دافئة، قريبة… أكثر مما ينبغي.
مال برأسه، ودفن وجهه في عنقها، يستنشق رائحتها ببطء كأنها سكر خالص، وهمس بصوت منخفض، يلامس روحها قبل أذنها: متخفيش يا روح شينو… عمري ما أسيبك تقعي أبدًا.
ارتجفت ابتسامتها، وارتسم الخجل على ملامحها كضوء ناعم، وهمست: وصلنا يا شنيو؟
أومأ برأسه، ورفع يده عن عينيها ببطء… كأن اللحظة تستحق التمهل : إيه رأيك؟
فتحت عينيها… وتجمدت.
السطح… لم يعد سطح.
تحول إلى عالم آخر.
شاشة كبيرة تحتل الجدار، كنافذة لقصص لا تنتهي، أمامها أريكة منخفضة، واسعة، مريحة، تفيض بالوسائد ذات الألوان المتداخلة، كلوحة حية.
وعلى طاولة صغيرة، تناثرت أطباق خفيفة ومشروبات، مرتبة بعناية تحمل لمسة اهتمام واضحة.
أما الأرض..
فكانت مرصعة بشموع على هيئة ورود، تنبض بضوء أصفر خافت، ينساب في المكان كدفء حنون، لا يكتفي بإضاءة السطح… بل يضيء القلب.
رفعت يدها ببطء، كأنها تخشى أن تلمس الحلم فيتبخر، وعيناها تلمعان بذهول صادق: إزاي… السطح بقى كده؟
نظر إليها شاهين، ولم ينظر إلى المكان.
كان يرى دهشتها فقط.
ابتسم بمرح خفيف، رفع كفيه أمام عينيها، وطرقع أصابعه بحركة سريعة، ثم قال بعبث يحمل حب صريح: شبيك لبيك… شِنيو هيجبلك أحلامك بين إيديك.
لكن الحقيقة…
أن ما صنعه لم يكن مجرد ترتيب جميل…
بل محاولة…
ليضع قلبه أمامها… دون أن يقول.
لم تستوعب تلك الجملة…
كأنها سقطت داخلها ولم تجد طريق للخروج، بل تحولت إلى اندفاع كامل نحو قلبه.
لم تفكر…
لم تتردد…
ألقت نفسها بين أحضانه، بذات الفوضى التي اجتاحتها، وأحاطت عنقه بكل قوتها، كأنها لا تعانقه… بل تتشبث به من العالم كله، وكأن ضلوعه هي المكان الوحيد الذي يستحق أن تختبئ داخله.
وانفجرت الكلمات من صدرها، ممزقة الهواء حولهم: بحــــــــــــــــــبك يا شينو!
توقف الزمن عند تلك اللحظة.
قبض شاهين على شعرها، قبضة مشدودة، فيها عنف يولد من شدة الشعور… لا من القسوة….
شد رأسها للخلف قليلًا، ليجبرها على مواجهته… ليغرق في عينيها، في صدقها العاري.
كان ينظر إليها…
كمن وجد أخيرًا ما لم يكن يجرؤ على البحث عنه.
ثم انحنى عليها…
لم تكن قبلة…
كانت انكسار سد كامل داخله.
كأن كل ما يحاول كبته، اندفع دفعة واحدة، دون رحمة أو تدرج…..
لم يقترب منها ببطء عاشق هادئ، بل احتاجها، كريح عاتية وجدت أخيرًا ما تصطدم به.
التقت شفتيه بشفتيها…لكن اللقاء لم يكن ناعم.
كان حارق…
مشحون…
ممتلئ بذلك الشوق الذي لا يحتمل.
كأنه لا يقبلها… بل يسترد منها شيئًا كان له، أو يضع فيها كل ما عجز عن قوله. ضغطها إليه بقوة، حتى اختفى الفراغ بينهما، حتى صار وجودها ملتصق به، لا يفصل.
أنفاسه كانت ساخنة، متقطعة، تضرب شفتيها قبل أن تمتزج بها، ونبضه كان واضح… عنيف… كطبول حرب تقرع في صدره.
يده في شعرها شدتها أكثر، يقربها، كأنه يخشى أن تفلت، وكأن قربها لم يعد كافي مهما ازداد.
لم يترك لها فرصة للتفكير… ولا لنفس كامل… كانت اللحظة أكبر من السيطرة، أكبر من التمهيد.
ثم….رفعها.
بلا جهد يذكر، كأن جسدها خفيف عليه لأنه أصبح جزء منه….
التفت ساقيها حول خصره دون وعي، حركة تلقائية، فطرية، كأن جسدها استجاب قبل عقلها، كأنها خلقت لتستقر هكذا بين ذراعيه.
التصقت به أكثر…وأكثر…
كأن المسافة صارت جريمة.
ومع كل لحظة…كانت القبلة تتغير…
لم تعد مجرد اندفاع عنيف، بل اختلطت بشيء أعمق، أبطأ، لكنه أشد… كأن الشوق نفسه بدأ يتذوق شفتيها ، لا يندفع فقط… بل ببطء شديد مؤلم …
تحرك بها بخطوات بطيئة…
لكن داخلها…
كان كل شيء يركض.
جلس على الأريكة، وهي لا تزال معلقة به، قريبة حد الذوبان، ولم يبتعد عنها، لم يمنحها مسافة واحدة… كأن المسافة خيانة.
لكن شيئًا تغير…
لم تعد اللحظة مجرد اندفاع أعمى.
أنفاسه الساخنة تكسرت على بشرتها، وارتجافها الشديد تحت يديه لم يكن خوف… بل استسلام مشحون بشعور جديد عليها.
يداه انزلقتا على ظهرها، يتحسس جلد ظهرها الدافئ ببطء هذه المرة… إحساسه بها لم يعد فقط رغبة مشتعلة ، بل إشتهاء عميق، مرعب ، كأنه يحاول أن يلتهمها… أن يحفظها داخله…
شيء بينهما…لم يعد مجرد عبث…
ولا مجرد شوق.
بل كان خطر…لأنه صادق.
اللحظة انكسرت فجأة علي ارتجاف جسدها بعنف ،
وشهقت حور، وسحبت شفتيها من بين شفتيه بسرعة، وكأنها استعادت وعيها دفعة واحدة، ثم تمتمت بصوت مرتجف، ما زال فيه أثر الدهشة: شنيو… إيديك ساقعة!
كان شاهين يلهث بصعوبة، صدره يعلو ويهبط كمن خرج من عاصفة، ثم اقترب منها مرة أخرى، يحاول أن يقلص المسافة التي خلقَت بينهما للتو،
ميل رأسه نحوها بإصرار لا يخلو من جنون دافئ، يحاول الوصول إلي شفتيها بإستماته ، وغمغم بصوت أجش مثير : يابت يخربيتك… ده أنا كل حتة فيا بتطلع صهد!
ارتدت للخلف بخفة، ووضعت يدها على فمه بسرعة، كأنها توقف اندفاع لا تريد أن يكمل طريقه، ثم غمغمت بصوت مبحوح، مرتجف: كفاية يا شينو… عشان خاطري.
ساد لحظة صمت قصيرة، لكنها كانت مشحونة أكثر من أي كلام.
بلع لعابه بصعوبة، وكأن حلقه أصبح أثقل مما يحتمل، ثم فتح أول أزرار قميصه بعصبية خفيفة، يطرد بها لهيبه…
بينما حبات العرق تنحدر من جبينه في خطوط متقطعة. رفعها من فوق ساقه، وأجلسها على الأريكة بحذر، ثم التقط وسادة وضعها على ساقه يخفي ما يفضح رغبته المنقاده ، كأنه يعيد ترتيب الفوضى التي حدثت منذ لحظات.
مسح جبينه بكم قميصه، وأنفاسه لا تزال ساخنة، تخرج من صدره بصوت خشن متقطع.
نظرت إليه حور بدهشة، لم تختفي بالكامل بعد، وقالت بخفوت: أجبلك ميه؟ مالك… إنت تعبان؟
أومأ برأسه ببطء، كأنه يوافق على شيء أبسط مما يشعر به فعلًا، وغمغم بصوت خشن: هاتي ازازة الميه دي يا حور.
نهضت بسرعة، وتحركت نحو الطاولة، وانحنت لتجلب الزجاجة…
وفي تلك اللحظة، تحرك نظره تلقائي نحوها واتسعت عيناه برغبه لم يستطع كبحها، نظرة فاحصه خانته أعصابه وهو يلتهم منحنياتها خطيره الانوثه، رفع ذراعه ومسح حبات العرق بكم قميصه وكأنه يعيد ضبط نفسه بالقوة…
وهز رأسه محاولًا استعادة توازنه الداخلي، ثم تمتم بصوت خافت متقطع: يا ليل ملبن… البت تهبل …
عادت حور بعد لحظات، ومدت له الزجاجة بعد أن فتحتها، وسألته بصوت منخفض: أجيبلك حاجة تانية مع الميه؟
التقط الزجاجة، وارتشف منها دفعة واحدة، كأنه يطفي شيئًا داخله لا علاقة له بالعطش، ثم ألقاها جانبًا على الأرض، وصدره يعلو ويهبط بصعوبة.
غمغم بصوت خشن، ما زال يحمل بقايا رغبه ثقيل: لا… اقعدي.
لكن بين كلمته ونظراته…
كان واضح أن ما هدأ لم يكن كل شيء.
أومات حور برأسها، وجلست بجانبه على الأريكة، وملامحها ما زالت دافئة بما تبقى من فرحة المفاجأة. نظرت إليه بخفوت، وقالت بصوت هادئ: أنا مبسوطة أوي بالمفاجأة الحلوة دي يا شينو… إنت مبسوط؟
أومأ شاهين برأسه، وتنهد بحرارة كأن الصدر لم يعد يتسع لكل ما فيه، ثم همس بصوت خافت يحمل امتنان أكثر من الكلمات: أنا هفرقع من الانبساط يا حور.
ضحكت، ضحكة خفيفة فيها دلال وارتياح، واقتربت منه دون تردد، وأسندت رأسها على صدره، وكأنها وجدت مكانها أخيرًا. تمتمت بصوت ناعم فيه دفء طفولي: أنا هنام على صدرك كده…
وحاوطت خصره بذراعيها، تثبت وجودها فيه أكثر، ثم أضافت بهدوء: وأحضنك كده…
رفعت عينيها نحو الشاشة المضيئة، وأكملت وهي ترفع كتفها بخفة: ونتفرج على الفيلم كده.
حاوط شاهين منكبها بذراعيه، وكأنه يثبتها أكثر داخله، وغمغم بصوت متحشرج فيه ابتسامة مرهقة: أحيه كده! أنا اللي هتفحم يا بت كده!
رفعت رأسها سريعًا ونظرت إليه بدهشة ممزوجة بالمرح: إحنا هنتفرج على فيلم إيه؟
رفع حاجبه بحنق مصطنع، وانحنى ليطبع قبلة خفيفة على طرف شفتها، ثم قال بنبرة فيها عبث ودفء: فيلم… احاسيس. يمكن تحسي بيا بقى… منك لله يا أبو حميد….إلهي اشوفك مفحم زي كده … ومتلاقي اللي يطفيك يارب!
ثم شدها إليه أكثر، وهو يضغط زر تشغيل الشاشة، بينما يهمس في داخله بامتزاج غريب من الضحك والارتباك، كأن اللحظة نفسها لا تعرف هل هي هدوء… أم بداية فوضى جميلة.
…..
في فيلا عابدين الشيخ…
لم يكن الظلام قد اكتمل، لكن الغضب كان قد سبق الضوء إلى الداخل.
ارتجت الجدران مع صوت تحطم الهاتف حين ارتطم بالمرآة، فتكسرت الصورة قبل الزجاج، وتبعثر انعكاس الغرفة في شظايا حادة كأنها تشارك صاحبها الهياج. صدى الكسر لم يكن مجرد صوت… بل كان إعلان انفجار داخلي.
وقف سميح في منتصف الغرفة كوحش حشر في قفصه، يدور حول نفسه بعصبية، أنفاسه متقطعة، وملامحه مشدودة كأنها على وشك الانفلات.
زمجر بصوت هادر، يقطع الصمت: يا ولاد ميتين الكلب يا عـ***!
تبعثرت كلمات السباب بين أنفاسه الغاضبة، بينما الزجاج المتناثر على الأرض يعكسه في صور مشوهة، كأن المكان كله صار نسخة من فوضاه الداخلية.
توقف لحظة، ثم عاد يضرب الهواء بيده وهتف بانفعال أكبر: أعمل فيهم إيه؟ ألقيها من شاهين ولا يونس ولا عمهم ابن المره؟! وكمان قريبهم الصعايده؟!
وفي تلك اللحظة…
اندفع عابدين إلى الداخل بخطوات سريعة، ثقيلة، تحمل غضب بارد على غير عادة سميح المشتعلة…
توقف عند العتبة، ومسح المشهد بعينيه: الزجاج، الفوضى، الهاتف المحطّدم، والتوتر المعلق في الهواء.
ثم هدر بصوت حاد، يقطع الغرفة نصفين: إيه ده؟! إنت اتجننت؟ ليه كده؟!
اقترب سميح منه على الفور، وكأن وجوده نفسه يطلب تفريغ ما بداخله، وقال بانفجار: قلت لك عشرين راجل ما يكفوش ابن المـ* ده!
توقف للحظة، لكن غضبه أكمل المعنى بدلًا عنه: نابه أزرق زيه زي أخوه وعمه! اهي الرجالة اتمسكت!
رفع عابدين حاجبه ببطء، ونظر إليه ببرود حاد، لا يقل خطورة عن غضبه: وأنت عرفت إزاي؟
مسح سميح على وجهه بعصبية، كأنه يحاول تنظيف الفكرة لا العرق، ثم قال بسخط مكتوم: أنا كنت باعت راجل يراقب من بعيد… ولسه حالًا ضربني الخبر في وشي.
اقترب خطوة، وصوته انخفض لكن حدته ازدادت: بيقولي الليل قلب نهار من ضرب النار اللي نور السما… والرجالة محدش منهم طلع من تحت ناب ابن المهدي وقريبه الصعايدة…
ساد صمت ثقيل للحظة…
صمت لا يشبه الهدوء، بل يشبه ما قبل قرار كبير.
لم يعد الغضب حالة عابرة، بل تحول إلى طقس مظلم يدار في صمت الغرفة.
وضع عابدين يده على رأسه بعنف، كأن الضغط الداخلي يكاد يدفع عينيه إلى الانفجار من مكانهما…
لحظة صمت قصيرة سبقت انفلاته، ثم تحرك إلى أحد الأركان بخطوات حادة، وفتح خزنة صغيرة مثبتة في الجدار.
أخرج علبة صغيرة، ووضعها على الطاولة.
المحتوى الأبيض انتشر على السطح كظل كثيف، كأنه لا ينتمي إلى هذا العالم الاسود …
سواه بحركة سريعة بكارت صغير، ثم انحنى عليه باندفاع قاسي، كأنما يلتقط من داخله شيئًا يغذي ظلامه.
ثم ارتفع رأسه بعدها، وعيناه قد تغير لونهما، احتقان غريب يكسوهما، كأن الدم نفسه صار أقرب إلى السطح من الهدوء.
خرج صوته منخفض… لكنه كان أخطر من الصراخ: ابعت خمسين راجل… واللي هناك لازم يطلعوا أو يموتوا…. فاهم؟
أومأ سميح برأسه بسرعة، ثم شد على قراره وكأنه يحسم طريق لا عودة منه: ماشي… بس المرة دي أنا هروح بنفسي… وهجيبلك راس ابن المهدي في شوال.
ساد صمت قصير، لكنه كان مشحون بما يكفي ليشعل حرب كاملة.
رفع عابدين رأسه ببطء، ونظر إلى المرآة المحطمة أمامه. انعكاسه لم يكن واضح، لكن عينيه كانتا مشتعلة كجمر غارق في دم غاضب.
تمتم بصوت منخفض، أقرب إلى وعد منه إلى كلام: وأنا… عليا الحورية الصغيرة… مش هتفرج من بعيد أكتر من كده.
في تلك اللحظة…
لم يعد الأمر مجرد صراع رجال.
بل أصبح شيئًا آخر تمامًا…
بدايته كانت قد بدأت بالفعل.
في منزل المهدي…
كان الليل يوشك أن يسلم آخر أنفاسه للفجر، بينما البيت غارق في هدوء ثقيل، لا يقطعه سوى وقع بخطوات صاعدة على الدرج.
صعد أحمد أولًا، وخلفه سعد، بينما صوت أحمد خرج متعب قليلًا، فيه اعتذار خفيف: متاخدنيش يا سعد، بس الوقت متأخر وشهد نايمة… هنقعد على السطح.
تمسك سعد بحافة الدرابزين وهو يصعد، وضحك بصوت رخيمٍ كسول: ولا يهمك يا معلم أحمد… أنا كنت هروح للبت حلاوتهم أرمي المسا وأروح.
انفجر أحمد ضاحكا بمرح صاخب: إنت هتجنن أمي يا جدع! مضيع عمرك وفلوسك على النسوان وخلاص!
هز سعد رأسه بالنفي، لكن ابتسامته كانت باهتة هذه المرة، وغمغم بصوت متحشرج: أعمل إيه يا عمهم… دي حسرة اللي حب ومطالشظ.. والبت حلاوتهم بقت أفيونتي خلاص… بنفس فيها بدل ما أفرقع من جنابي.
خفت ضحكة أحمد تدريجيًا، ونظر إليه بدهشة حقيقية: إيه ده؟ بجد إنت حبيت ومطلتش يا سعد؟ ودي مين بقى؟
وصلا إلى باب السطح.
فتحاه…وانسابت نسمة فجر باردة إلى وجهيهما.
دخل سعد أولًا، ثم توقفت خطواته فجأة.
تجمد صوته في حلقه للحظة، قبل أن يخرج مشدود كوتر على وشك الانقطاع: حور !!
التفت أحمد نحوه فورًا، وعيناه اتسعت بذهول ممتزج بغضبٍ فوري: أحااا… مين؟!
لكن سعد تدارك الأمر بسرعة، وأشار بيده إلى الأمام: حور وشاهين… أهم.
استدار أحمد ناحية الإشارة….ثم
توقف كل شيء داخله.
هناك…
على الأريكة المريحه تحت ضوء الشاشة الخافت…
كانت حور نائمة، رأسها مستقر فوق صدر شاهين، بينما ذراع شاهين ملتفة حولها بحماية غريزية، كأن حتى النوم لم يسمح له أن يتركها.
كانا غارقين في نوم عميق…
هادئ…
مطمئن بشكل استفز شيئًا بدائي داخل أحمد.
تجمد الهواء في صدره.
غضب حارق اندفع داخله دفعة واحدة، ممزوج بغيرة شرسة لا تعرف المنطق، ولا تبحث عن تبرير.
اندفع نحوهما بخطوات غاضبة، حتى وقف فوق رأسيهما مباشرة، ينظر إلى المشهد كأنه يراه للمرة الأولى… أو كأنه لا يصدقه.
ثم انفجر صوته في السطح كالرعد: أحاااااا! شااااهيييين!
اهتز شاهين في نومه، بينما أكمل أحمد هادر بغضب يكاد يشعل المكان: إنت يااالا! قوم! قامت قيامتك! إنت بتقرطسني عيني عينك؟!
رفع شاهين عينيه بنصف انفتاح، ملامحه غارقة في آثار النوم، وغمغم بصوت متحشرج: إنت اللي غاوي قرطسة يا أبو حميد… حد يصحي حد كده؟
ثم أخفض عينيه ببطء نحو حور النائمة فوق صدره، وظهرت على وجهه حسرة عبثية خافتة وتمتم: أنا كنت مستني صوت تاني اللي يصحيني… ألقاك نطيت جوه دماغي.
في اللحظة التالية….
لكزه أحمد بقدمه بقوة في ساقه، وهدر من بين أسنانه المطبقة: دانا هنط في كرشك يا لا! إنت مش هتبطل سفالتك مع بنتي غير لما أسيح دمك!
رفع سعد يده بإشارة حادة، وقال بصوت متوتر: في إيه يا عم شاهين؟ الراجل داخل لقى بنته نايمة في حضنك… عايزه يقف يتفرج عليكم يعني ولا يغطيكم؟!
أشار شاهين بيده بحنق مصطنع، بينما تحت ملامحه كان هناك غضب حقيقي بدأ يشتعل، وهتف: لمنوا نتسافل في الحلال وغطونا في الحلال!
اقترب أحمد من حور بسرعة، ولكز منكبها برفق مشوب بالعصبية: حوررر! بت قومي يا بت!
انتفضت حور بفزع.
شهقت، ودقات قلبها ارتجفت داخل صدرها بنغزة حادة، حتى وضعت يدها فوق قلبها فورًا، وهمست بصوت لاهث: في إيه؟! حصل إيه؟
وفي ثانية…
اختفى العبث تمامًا من وجه شاهين….كأن أحدهم انتزعه بعنف.
اعتدل بسرعة، والقلق ضرب ملامحه بشكلٍ مرعب، ثم وضع يده فوق يدها المتمسكة بقلبها، وهتف بصوتٍ حاد خرج مذعورًا أكثر مما أراد: إيه يا قلبي؟ في إيه؟ مالك؟
رفعت حور عينيها، تنظر حولها بتيه وارتباك، ودموع شفافة بدأت تتجمع دون وعي: في إيه…؟ حاسة بنغزة في قلبي…
هز شاهين رأسه بعنف، كأن الكلام نفسه أخافه، بينما اقترب أحمد بسرعة يحاول إبعاد يده عنها، وهدر بغضب: شيل إيدك يا لا! إنت اتهبلت؟!
لكن…تمسكت حور بكف شاهين بقوةٍ مفاجئة.
رفعت أصابعها المرتجفة يده أكثر نحو صدرها، وكأن وجوده وحده يهدئ الفزع الذي ضربها.
رفع شاهين وجهه نحو أحمد ببطء…وفي عينيه… لم يكن هناك مزاح هذه المرة….كان غضب مكبوت، وخوف أشد منه.
وهتف بصوت خشن: جري إيه يا عمي؟ إنت فاكرنا لسه بنهزر؟ ما كفاية بقى.
تجمد أحمد مكانه….
كأن أحدًا صفعه على وجهه… لا بيده، بل بالحقيقة نفسها.
لأول مرة..
لم يري شاب يعبث مع ابنته…
بل رجل ارتعب عليها.
انحنى شاهين بسرعة، وذراعيه انزلقتا حول حور يحملها بين أحضانه في حركة غريزية خرجت منه قبل التفكير. ضمها إلى صدره بقوة، كأن قربها وحده يطمئنه أنها ما زالت بخير.
مال برأسه نحوها، وخرج صوته متحشرج، موجوع بشكل فضحه رغم محاولته التماسك: حور… ردي عليا يا حبيبتي… إنتي خدتي علاجك النهارده؟
أومات برأسها بوهن، وأنفاسها تتكسر داخل صدرها بصعوبة، كأن كل نفس يحتاج منها جهد كامل.
في اللحظة التالية…تحرك شاهين.
كاد يهبط الدرج بخطوات سريعة، غاضبة، يكاد يدهس الأرض تحت قدميه، بينما ذراعيه مشدودتان حولها بحماية شرسة، كأن العالم كله خطر يقترب منها.
لكن قبل أن يكمل طريقه..
وقف سعد أمامه فجأة.
كان الغضب في وجهه أكبر من مجرد انفعال عابر، وأصابعه انغلقت حول ذراع شاهين بقوة هتف بحدة: في إيه؟ متكبر للناس يا معلم شاهين؟ إنت رايح بيها فين؟
توقف شاهين لحظة….ثم أدار وجهه نحوه ببطء.
وفي عينيه…
كان هناك شيء خطير.
نفض ذراعه بعنف حاد، وهو لا يزال يحمل حور ملتصقة بصدره، وضمها إليه أكثر، بعنف امتزج بتملك حارق، ثم هدر: نزل إيدك.
صمت ثقيل مر للحظة، قبل أن يكمل بغضب مكبوت: هو في إيه؟ ماعدش إلا إنت كمان تدخل؟! هو الحوار بقى قطاع عام ولا إيه؟ اركن يا أسطى… عشان متتعورش.
تصلب فك سعد، لكن شاهين لم ينتظر رد…
اندفع إلى الأسفل بخطوات سريعة، وفتح باب الشقة بعصبية، ثم دلف إلى غرفته مباشرة.
اقترب من السرير، وانحنى يضع حور فوقه بحذر شديد يناقض كل عنفه قبل لحظات، كأنها شيء هش يخشى أن يؤلمه حتى لمسه.
مرر يده على شعرها المرتبك، وهمس بصوت أكثر هدوء: خليكي يا قلبي هنا… متتحركيش.
أومات برأسها بوهن يشوبه التعب، وهمست: حاضر…
ظل ينظر إليها ثانية طويلة…كأنه يتأكد أنها تتنفس.
ثم انتصب بجسده المتصلب، والغضب يعود تدريجيًا إلى ملامحه، وتحرك نحو الباب.
خرج إلى الخارج…وأغلق الباب خلفه.
لكنه لم يبتعد.
وقف أمامه مباشرة، بجسد متحفز، وفك مشدود، كأنه صار حارس على بابها… وعلى كل ما يخصها.
دلف أحمد إلى الممر بخطوات سريعة تدك الأرض بعنف، وخلفه سعد، بينما التوتر يسبقهم كريح ساخنة تضرب جدران المنزل.
هدر أحمد بصوت مكتوم بالغضب: حور فين؟
وقف شاهين أمام باب غرفته، كتفاه مشدودتان، وعيناه لا تهدآن، ثم أشار برأسه ناحية الباب وقال بصوت حاد يقطع الحجر: في أوضتي… وعلى سريري.
ساد صمت ثقيل.
ثم اقترب أحمد خطوة، وصدره يعلو ويهبط بعنف، وهدر: يعني إيه في أوضتك؟! هو خلاص… سفيت لجامك ومحدش مالي عينك؟!
في تلك اللحظة بدأت الحركة تعلو داخل المنزل.
تجمع الجميع حولهم بدهشة وقلق، وخرجت فوزيه تنظر بينهم بتوتر: سمعتوا بينا الناس! في إيه؟
لكن شاهين…
كان قد وصل لآخر احتماله.
أومأ برأسه بحدة، وقبض على مقبض الباب بعنف حتى برزت عروق كفه، ثم انفجر صوته أخيرًا: في إن أنا تعبت يا جدعان!
اهتز المكان بصوته.
وأكمل، وعيناه ممتلئتان بقهر قديم: لي سنين بحايل فيه… وهو عارف، والدنيا كلها عارفة، إني بعشق حور! وروحي فيها! وعايزها في حلال ربنا من وهي بضفاير!
احتد صوته أكثر، وكأن الكلمات تخرج من جرح مفتوح: وهو عمال يماطل ويمطوح فيا! أنا عايز أفهم دماغه مودياها فين؟!
رفع أحمد يده بإشاة حادة، يهدر بغضب: إنت اللي مستعجل يا شاهين! دإنت عايز تتجوزها من وهي في إعدادي! قلتلك إنت تور وهي عصفورة جنبك!
اشتعل شيء مظلم داخل شاهين عند الجملة، لكن قبل أن ينفجر أكثر…
اقتربت شهد وربتت على منكب أحمد، تحاول تهدئته: يا أخويا… البت كبرت…ماعادتش صغيرة. وكل بنت مصيرها للجواز… انت اللي قافش فيها يا احمد!
لكن الكلمات لم تهدئ شيئًا.
لأن المشكلة لم تكن زواج فقط…
بل رجل عشق حتى الإنهاك،
وأب يحب حتى الاختناق.
اعترض شاهين بصوت حاد شق الهواء كالسيف: أخخخخ! قلت لسه صغيرة وأنا استنيتها تكبر! ودلوقتي هي لسه صغيرة برضه؟! وزكريا بنفسه قالك ينفع تتجوز!
كان الغضب يخرج منه دفعة واحدة، متراكم من سنوات الانتظار، حتى بدا وكأنه يقاتل الزمن نفسه لا أحمد فقط.
أشار بيده بعنف، وأكمل بصوت مختنق بالقهر: أستنى إيه تاني؟! وتزعل لما تلاقيني سوه؟! ما إنت لما تصعب الحلال… هنعمل إيه يعني؟!
ارتفع التوتر في المكان أكثر، كأن الجدران نفسها بدأت تضيق بأنفاسهم.
تدخل ياسين أخيرًا، بصوت محايد، هادئ على غير عادته، يحاول إخماد الشرارة قبل أن تتحول إلى حريق: استهدوا بالله يا جماعة… هي مالها ولعت بينكم المرة دي كده ليه؟ المهم مصلحة حور.
لكن الهدوء لم يجد مكان وسط النار.
هتف سعد بصوت خشن حاد: يا عم هو الجواز بالعافية؟! هو أبوها… وهو حر يديها للي هو عايزه.
ببطء خطير…رفع شاهين رأسه نحوه.
ضيق عينيه، وشد فكه حتى برز العصب بجانب عنقه، ثم هدر: عيبك إنك شايب وأنا متعودتش أقل بالشيبة…
اقترب خطوة، وصوته ازداد حدة: إنت مالك؟ وإيه اللي دخلك بينا؟! وصوتك بيرن بين حيطان بيتي ليه يا سعد؟
توتر الجو دفعة واحدة.
رفع أحمد إصبعه في وجهه بحدة، وقال بغضب لا يقل اشتعال: سعد بيتكلم صح! حور بنتي وأنا حر فيها! خارجها من أوضتك بدل ما نزعل من بعض يا شاهين!
وهنا…
انفجر شيء داخل شاهين.
اندفع نحوه بخطوات غاضبة، كأن الأرض نفسها تدفعه دفع، وهدر بصوت رج أرجاء المكان: أحاااا!
توقف أمامه مباشرة، وصدره يعلو بعنف، ثم أشار ناحية الباب خلفه وكأن قلبه هناك: هي بنتك لوحدك؟!
ضرب صدره بيده بقوة، وخرج صوته مشروخ من شدة ما يشعر به : دي بنتي أنا قبل منك! دي مش بس بنتي… دي كل دنيتي!
تكسرت الكلمات على أنفاسه، لكنه أكمل بعينين تحترقان: الوردة اللي ربيتها يوم بعد يوم… ويا ويل اللي يفكر يحرمني منها.
وفي تلك اللحظة…
لم يكن يبدو كرجل يريد الزواج فقط…
بل كرجل يقف على حافة فقدان روحه نفسها.
قطع اندفاع الكلمات فجأة…صوت رنين الهاتف.
اهتز الصمت المشحون داخل المنزل مع ظهور اسم سيد الجارحي على شاشة هاتف أحمد.
قطب أحمد حاجبيه بدهشة امتزجت بقلق فوري، ثم رفع الهاتف إلى أذنه بسرعة، وخرج صوته حاد : خير يا سيد؟
ساد صمت قصير…
لكن ملامح أحمد تبدلت خلاله بالكامل.
تصلب وجهه، واتسعت عيناه تدريجيًا، حتى بدا الغضب وكأنه انفجر دفعة واحدة في عروقه، ثم هدر بصوت أرعب الواقفين: إحنا جين حالا!
أنزل الهاتف بعنف، فاقترب منه شاهين بحنق واضح، وغمغم: في إيه؟
أشار أحمد بيده بعصبية، وهتف: رجالة الضب كانوا عايزين يسمموا العجول… ولازم ننزل المنيا دلوقتي!
في اللحظة نفسها..
شهقت فوزيه، ثم صكت صدرها بكفيها وهي تصرخ بفزع: يا لهوي! ويونس ابني يا أحمد!
ولطمت شهد وجنتيها برعب، وصاحت بدموع متحجرة في عينيها: يا مراري… مفيش يوم يعدي بسلام علينا يا ربي!
ارتفع التوتر داخل البيت دفعة واحدة، وكأن الخبر سحب الهواء من المكان.
لكن أحمد أشار إليهما بغضب حاسم، يحاول السيطرة على الفوضى قبل أن تنفلت: بس! اكتموا! مفيش حاجة!
ثم أكمل بسرعة: الجارحي ويونس مسكوهم… ومحصلش حاجة.
ورغم كلماته…لم يكن القلق قد هدأ.
لأن الجميع أدرك شيئًا واحد…
الحرب بدأت تخرج من الظل.
دلف شاهين إلى غرفته، وأغلق الباب خلفه بعنف مكتوم، كأن العالم بالخارج لم يعد يحتمل دقيقة إضافية من أعصابه المشدودة.
اتجه نحو الفراش بخطوات سريعة، فوجد حور جالسة كما تركها، عيناها ممتلئتان بقلق لم تستطع إخفاءه.
اقترب منها، وانحنى قليلًا وغمغم بصوت متحشرج من الضغط والغضب: حور… أنا مسافر أجيب العجول.
توقف لحظة، ثم أكمل بنبرةٍ حاسمة: أوعي تطلعي من الأوضة دي….تاكلي وتشربي هنا لحد ما أرجع… فاهمة؟
ما إن أنهى كلماته حتى تمسكت به فجأة، أصابعها انغلقت على قميصه وكأنها تخشى أن يختفي من بين يديها، ثم همست بدموع مرتجفة: أنا خايفة يا شاهين…
انكسرت ملامحه فورًا.
رفع يده ومسح دموعها برفق شديد، كأن كل دمعة تسقط منها تصيبه هو، ثم جذبها إلى حضنه، يضمها بقوة هادئة، ويحاوط رأسها بذراعه.
مال برأسه نحوها، وهمس قرب شعرها: مفيش حاجة تخوف يا قلبي…
لكن صوته نفسه كان يحمل تعب ثقيل.
أغمض عينيه لحظة، ثم أكمل بخفوت صادق: بس خليكي هنا لحد ما أرجع… عشان لازم أخلص حوارنا مع أبوكي. أنا جبت آخري.
رفعت وجهها إليه ببطء.
عيناها كانتا ممتلئتين بذلك الخوف الذي لا تمنعه الكلمات، ثم أومأت برأسها أخيرًا، ولفت ذراعيها حول عنقه، كأنها تحفظه داخلها قبل أن يرحل.
همست بصوت مبحوح، مرتجف، بينما دموعها تنزل ببطء على وجنتيها: خلي بالك من نفسك… عشان خاطري يا حبيبي.
توقف قلبه عند الكلمة.
أومأ برأسه ببطء، ثم انحنى يقبل رأسها عدة قبلات حنونة متفرقة، طويلة… كأنها محاولة صامتة ليترك جزء منه معها.
وهمس قرب جبينها: حاضر يا عمري.
لكن حين ابتعد عنها..
كان في عينيه شيء ثقيل…
كأن الرحيل هذه المرة لا يشبه أي مرة سابقة.
………………..
صباحا…
على الطريق المؤدي إلى مدخل قرية البرجاية…
كانت الشمس لم ترتفع كاملًا بعد، والهواء لا يزال يحمل برودة الفجر الأخيرة، بينما الطريق الطويل الممتد وسط الأراضي الزراعية بدا هادئ بشكل خادع… هدوء يسبق الكارثة.
اندفعت سيارة شاهين تشق الطريق بسرعة ثابتة، وخلف المقود كانت عيناه جامدتين كالحجر، بينما يجلس بجواره ياسين، وخلفهما زكريا، الوجوه متحفزة، والصمت داخل السيارة ثقيل كالرصاص.
وخلفهم مباشرة…
كانت سيارة أحمد، وإلى جواره سعد، وخلف السيارتين تحركت عربتان أخريان محملتان بالرجال… رجال بوجوه قاسية، وأيدي لا ترتجف، أشبه بوحوش ضارية خرجت للحرب لا للاسترجاع.
الطريق كان هادئ…هادئ أكثر مما ينبغي.
حتى…في لحظة خاطفة…
مرت ثلاث سيارات ضخمة بجوارهم بسرعة مرعبة، كأنها خرجت من قلب الطريق نفسه.
ثم…انفجر الرصاص.
شق الهواء دفعة واحدة، وارتطم بهياكل السيارات بزئير معدني حاد، بينما تناثرت شظايا الزجاج، واهتزت المركبات بعنف على الأسفلت.
تحولت السيارات فوق الطريق إلى أفاعي سامة تتلوى يمين ويسار، تحاول النجاة وسط وابل الرصاص.
ودوى صوت أحمد من الخلف، حاد كطلقة: خلي بالك يا شاهين!
اندفعت سيارة شاهين تشق الغبار بجنون، والإطارات تصرخ فوق الأسفلت بينما الطريق يهتز تحت المطاردة العنيفة.
في لحظة خاطفة..
أخرج شاهين ذراعه من النافذة، قابض على سلاحه بقبضة مشدودة حتى برزت عروق يده، ثم أطلق الرصاص نحو السيارة المندفعة بجواره.
دوى صوت الطلقات بعنف.
اخترقت الرصاصات الإطارات مباشرة، فانحرفت السيارة بعشوائية مرعبة، قبل أن تنقلب بعنف على جانب الطريق، تتدحرج وسط سحابة هائلة من التراب والشرر المعدني.
لكن المطاردة… لم تتوقف.
زئير المحركات ازداد شراسة، والرصاص صار يمزق الهواء من كل اتجاه، حتى بدا الطريق كله كأنه ساحة حرب مفتوحة.
وفجأة…
خرج ياسين بنصف جسده العلوي من نافذة السيارة، وجلس فوق حافتها بثبات مرعب، والسلاح بين يديه كامتداد لغضبه، ثم بدأ يطلق النار بشكل عشوائي مخيف، طلقات متلاحقة لا تعرف الرحمة.
كان وجهه جامد…
وعيناه تشتعلان بعنف دموي، بينما الهواء يصفع وجهه بقوة مع سرعة السيارة الجنونية.
وفي الجهة الأخرى
تحرك شاهين بنفس الحركة، خرج من النافذة المقابلة وهو يحمل رشاش آليا، وأطلق وابل كثيف من الرصاص بعنف أعمى، حتى ارتجت السيارات من صوت الطلقات المتتابعة.
تناثرت الشرارات، وتحطم زجاج إحدى السيارات المهاجمة، بينما انحرفت الأخرى بقوة وهي تحاول الإفلات من الجحيم الذي انفتح حولها.
أما زكريا…
فقد تولى القيادة.
كانت يداه مشدودتين على المقود بعصب حاد، وفكه مطبق بعنف، بينما يناور بين السيارات بسرعة قاتلة، يتفادى الرصاص بصعوبة، ويشق الطريق كمن يقود وسط عاصفة من الموت.
وفي الخلف..
كانت سيارات الرجال تندفع خلفهم كالذئاب، بينما الرصاص لا يزال يمطر الطريق بلا توقف…
والصباح…
يتحول تدريجيًا إلى ساحة دم.
في سيارة أحمد،
كان المشهد قد خرج تمامًا عن السيطرة، والغضب صار هو القائد الحقيقي بدل المقود.
صاح أحمد بعنف مكتوم، يشير بيده إليهم : ادخلوا جوه العربية! خدوا ساتر! يا ابن الكلب إنت وهو!
كان صوته يختلط بزئير المحرك وصرير الإطارات فوق الطريق الممزق.
إلى جواره، اندفع سعد وهو يسحب سلاح ناري ضخم، ورفع رأسه نحو الخارج، ثم هدر بصوت حاد: اطلع على الشمال يا معلم شاهين… وسيبها على الله!
في لحظة خاطفة…
انحرفت سيارة أحمد إلى الجهة اليسرى بعنف محسوب، وكأنها تنفذ أمر في قلب العاصفة.
وانطلقت الطلقات من سلاح سعد كالمطر…
لكن مطر لا يسقط على الأرض، بل يمزق الهواء والأجساد في طريقه، يصطدم بكل ما يقابله بعنف حيواني شرس.
في الجهة الأخرى…
داخل سيارة شاهين، كان كل شيء يتحرك بسرعة جنونية، والرصاص يحيط بهم من كل اتجاه.
وفجأة..
انفجرت لحظة الصمت القصير بطلقة واحدة.
رصاصة شقت الهواء… ثم دخلت.
لم تصب الزجاج فقط… بل اخترقت جسد ياسين بعنف صادم، كأنها كانت تعرف طريقها إليه وحده وسط هذا الجحيم.
انفجر الألم في جسد ياسين، وخرجت منه صرخة مكتومة، مقطوعة من شدة الصدمة.
تجمد الزمن لجزء من الثانية.
ثم تحرك شاهين بعنف غريزي، قبض على ذراع أخيه قبل أن ينهار، وجذبه نحوه بقوة مرتجفة، وعيناه تتسعان بصدمة لم يشبهها شيء.
وخرج صوته مشروخ، مكسور لأول مرة وسط هذا القتال: ياااااااسين!
لكن الطريق لم يمنحهم وقت للحزن…
فالمطاردة كانت لا تزال مستمرة، والرصاص لم يتوقف… وكأن الموت نفسه قرر ألا يمنحهم هدنة.
ووووووووووووو
جروب الفيس
https://www.facebook.com/share/g/19VZ7arEvC/
بيدچ ساحره القلم والقلوب ساره احمد
https://www.facebook.com/share/1CjiPtegcT/
بيدچ ساحره قلم الحكايات
https://www.facebook.com/share/18Bf1TqPSi/
مستنيانكم تنوروانا ي سكاكررررر
ساحره القلم ساره احمد

❤️❤️❤️🔥
♥️♥️♥️♥️😉
تسلم الايادي طبعا بجنن ❤️❤️
تسلمي ي حبيبتي ♥️
خطير تسلم ايدك 🥰🥰🥰🥰
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تحفههه
عيونك ي حبيبتي ♥️
تسلم ايدك ياقمراية
تسلمي ي حبيبت قلبي ♥️
روعةةة❤️
عيونك ي حبيبتي ♥️
جميل
جمال عيونك ي حبيبتي ♥️
تحفة
تسلمي ي حبيبتي ♥️
عظمة
حبيبتي تسلمي ♥️
ايه الابداع ده
تسلمي ي حبيبتي ♥️
اخيرا نزل
لقد هرمنا 😂💞
متوقفيش تنزيل يا سارة في انتظار البارت الي بعده
بإذن الله ي حبيبتي بس يظبطو التفاعل ♥️
انا عمالة اكتب كومنتات كتير عشان التفاعل عشان خاطرك طالما الناس مش بتقدر
تسلم ايدك ي حبيبتي ♥️
يسلم قلمك
تسلمي ي حبيبتي ♥️
بليز متتاخريش علينا
بإذن الله ي حبيبتي
حددي شروط التفاعل يمكن الناس تلتزم
كاتبات كتير بتعمل كده تحدد العدد
حبيبتي عاوزين البارت يعدي الالف ذي ما كان في نار و هدنة
تحفة بجد
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تحفه
تسلمي ي حبيبتي ♥️
خطير يا قلبي
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تسلم ايدك يا أجمل ساحرة😍😍
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تحفه يا سوسو 🥰🥰🥰
عيونك ي حبيبتي ♥️
تحفه بجد تسلم ايدك ♥️😘
تسلمي ي قلبي ♥️
المعلم شينووو و وصل ي بشررررر💋💋💋♥️
💃💃
ليه كدا ي معلم احمد جوز العيال بقي الراجل هيفرقع 😂😂🤭انتي قاسي اوووي
اوي أوي يعني😂😂
تسلم ايدك ي احلي ساره البارت جناااان منتظرين الي جاي علي نااار 🔥🔥🔥😍
تسلمي ي حبيبت قلبي ♥️
يتفاعلو بس وسارة هدلعهم♥️
.ايه الجمال دا بجد شابوه ياساره انتي مبدعه
جمال عيونك ي حبيبتي ♥️
تسلم الأيادي ❤️
تسلمي ي حبيبت قلبي ♥️
عظمة علي عظمة يا ست مفيش بعد كدا البارت روعة هو احمد مش راضي يجوز حور عشان خايف عليها ولا غيران بس اظن الاتنين هو خايف عليه وف نفس الوقت واخد مرضها حجة عشان تفضل جنبه بس حرام والله صعبان عليا اووي شاهين نيجي لسعد عندي احتمال أنه بيحب حور عشان شبه حبيبته مثلا اللي كان بيتكلم عنها وبحبه حور عشان كدا اصلا بالعقل كدا لو بيحب حور كدا يبقا عبيط عشان اولا هو اكبر منها ثانيا شاهين هيعمل منه شورما ف الاحتمال الأكبر أن سعد ابو حور والست اللي كان بيتكلم عنها تبقى ام حور
تسلمي ي حبيبتي ♥️
هنشوف الأحداث بق مع بعض ♥️
فصل تحفة
روعة تسلم ايدك
البارت روعه يا جدعان ايه الحلاوه ديه
حلاوة عيونك ي حبيبتي ♥️
ناااار ودماااار
💞💞💞
ايوة بقى وأخيراً شينو ودلوعته رجعوا من تاني 💃💃💃💃
لقد هرمنا 😂💞
تسلم ايدك يا حبيبتي مقدما من قبل ما أقرأ متأكدة توووحفة 💗💗💗
تسلمي ي قلبي ♥️
تحفة كالعادة تسلم ايدك ياسارة
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تحفة ❤️
عيونك ي حبيبتي ♥️
تحفهه
عيونك ي حبيبتي ♥️
بووووووم 💣🔥 اى الروعه دي ❤️🔥❤️🔥🥰
حبيبتي تسلمي ♥️
تحفه تسلم ايدك ي مبدعه 😍
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تسلم ايدك ياسوو روعه
تسلمي ي حبيبتي ♥️
البارت رووووووووعة ياسارة تسلم ايديكم وعنيكم ياقلبي❤❤❤
تسلمي ي قلبي ♥️
تحفه ياحبيبتي❤❤❤
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تسلم ايدك تحففه
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تحفة بجد تسلم ايدك يا سوو ❤️
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تحفة اوى اوى 🥰
تسلمي ي حبيبتي ♥️
تسلم ايدك يا قمر
تسلمي ي حبيبتي ♥️
سارة براحة علينا 🤯😭
لا راحه ولا براحه😂♥️
نورتي من تاني بأمداعك ياساحرة
تسلمي ي قلبي ♥️
تسلم ايدك ياقلبي 💗💗💗
تسلمي ي حبيبتي ♥️
وحشتينا ولما رجعتي لبارت جديد وشديد
الرجعة فجعة😂😂♥️
ايه الجمال والعظمه دي يا ساره تسلم ايدك
جمال عيونك ي حبيبت قلبي
تسلم الأيادي ياساره الدلوعه وشينو
تسلمي ي حبيبتي ♥️