ييبب
ملكي وكفي

ملكي وكفي( الفصل الثالث)

ملكي وكفي( الفصل الثالث)

تقف هناك…
في ذلك الظل البعيد، متواريًا خلف المسافات،
تراقبني بصمتٍ يشبه البرود… وكأن بيننا عمرٌ لا يُقطع.

اقترب…
فربما—دون أن تدري—كنتُ أقف هنا منذ زمنٍ طويل،
أقاوم كبريائي، وأكابر على اشتياقي،
وأنتظرك… أنت وحدك…

لا تظن أن قلبي قد ضلّ طريقه إليك يومًا،
ولا تتوهم أن أحدًا استطاع أن يملأ الفراغ الذي تركته في روحي،
فكل الوجوه من بعدك… عابرة،
وكل الطرق… تنتهي عندك، مهما حاولت الهروب.

أنا لم أتعافَ منك كما ظننت،
ولم أنجُ كما ادّعيت،
بل تعلّقت بك أكثر…
بصمتٍ موجع، لا يُرى… لكنه يقتلني كلما حاولت تجاهله.

أنا تلك التي تبدو قوية أمامك،
لكنها في غيابك…
تتبع أثرك كطفلةٍ ضائعة،
تبحث عن شيءٍ تعرف يقينًا أنه لن يعود…

مربوطة بك…
بخيطٍ خفي، لا يُرى ولا يُقطع،
كلما حاولتُ أن أفلت…
شدّني إليك أكثر،
كأنك قدري الذي لا يُقاوَم…
أو سجني الذي لا أريد النجاة منه.

طرق شاهين الباب طرق عنيف، كأنما لم يكن باب من خشب، بل جدار من عناد يتحداه… خبطاته كانت ثقيلة، متلاحقة، تحمل في صداها فزع مكبوت، وكأنه على وشك أن ينتزعه من موضعه اقتلاع.

في تلك اللحظة، وصل أحمد مسرع، اخرج المفتاح بيد ترتجف، وصوته انشق من القلق:أوعى يا شاهين!

تنحى شاهين نصف خطوة، لكن أنفاسه كانت مشتعلة، تكاد تحرق صدره من فرط التوتر… وقبل أن يستقر المفتاح في موضعه، انفتح الباب فجأة.

ظهرت شهد… ووجهها شاحب كأن الدم قد هجره، تحمل حور بين ذراعيها، جسدها الصغير مستسلم بلا حراك، رأسها متدل كزهرة ذاب عودها…صرخت شهد بصوت مزق السكون: الحقوني! البت نفسها مقطوع!

تجمد الزمن للحظة.
اتسعت عينا شاهين، وارتد قلبه داخل صدره بعنف موجع، بينما اندفع أحمد كمن فقد وعيه، وانتزع حور من بين ذراعي شهد، يهزها برفق مرتعش، وخرج صوته متكسر: حور… يا بنتي… اصحي يا بابا…

لكنها لم تجب…لم تتحرك…
كأنها انسحبت من هذا العالم تاركة خلفها جسد صامت.

قبض شاهين على ذراع أحمد بقوة، صوته حاد، متقطع من شدة الرعب:يلا… يلا على المستشفى يا عمي!

لم ينتظر رد، انطلق أحمد يركض إلى الأسفل، يحملها بين ذراعيه كأنها روحه التي توشك أن تفلت، وشاهين خلفه كظل مشتعل.

في تلك الفوضى، فتح باب الشقة المقابلة، وخرجت فوزيه، عيناها تتسعان بفزع ، وصاحت :: في إيه يا ولاد؟ مالها البت؟! الله أكبر… دي كانت زي الفل امبارح!

أغلقت شهد الباب خلفها بيد مرتجفة، وأشارت لها أن تتبعها، ودموعها تنساب بلا توقف، صوتها مبحوح من الاختناق: البت قاطعة النفس يا أختي… تعالي معايا نلحقهم على المستشفى…

لم تسأل فوزيه أكثر…خطت سريعًا إلى الداخل، التقطت حجابها في عجلة، أغلقت الباب، ثم اندفعت خلف شهد،
تهبطان الدرج بخطوات متلاحقة، وقلوبهما ترتجف بعنف،
كأن كل درجة تنزلقان عليها كانت تقودهما نحو مصير لا يعرف…إلا أنه… مخيف.

في الأسفل…

اندفعت السيارة كوحش هائج، تمزق الطريق تحت عجلاتها، وصوت المحرك يصرخ كما يصرخ ما في صدورهم…

قبض شاهين على المقود بكل ما أوتي من قوة، حتى شحبت مفاصل يديه، وبدت كأنها على وشك أن تتكسر… عيناه معلقتان بها، بذلك الجسد الصغير المستسلم بين ذراعي أحمد، كأن روحه انفصلت عنه وذهبت لتنام هناك.

خرج صوته مبحوح، مكسور، وكأنه يرفض تصديق ما يراه: معقول… كل ده مغمي عليها؟!

لم يجبه أحد…
فقط أحمد، الذي كان يضمها كأنها آخر ما تبقى له من الدنيا، مرر يده على شعرها بحنان يائس، كأن أصابعه تستجدي الحياة أن تعود إليها، وخرج صوته واهن، مهزوم : مش عارف يا شاهين… مش بتفوق ليه…

مد شاهين يده…
يده التي لم ترتجف يومًا في وجه خطر، ارتجفت الآن…
لامست وجنتها برفق موجع، وكأنه يخشى أن تكون باردة، أن تكون قد سبقتهم إلى مكان لا عودة منه.

همس… لا، لم يكن همس… كان وجع خرج في هيئة صوت:حور… حوووور… فوقي يا بابا…

لكنها… لم تجب…لم ترتعش رموشها…لم تتحرك شفتيها…
حتى أنفاسها بدت كأنها خيط واهي… على وشك أن ينقطع.

توقفت السيارة بعنف أمام المستشفى، كأنها لفظت ما بداخلها من فزع.

اندفعوا إلى الداخل…
خطواتهم لم تكن خطوات بشر، بل ارتطامات قلب مذعور بالأرض.

هدر شاهين بصوت مزق المكان:دكتور! يا جدعان… دكتور!

ركض أحمد، يحملها كما لو كان يحمل روحه بين ذراعيه،
جسدها يتهادى بلا مقاومة…
ذراعيها تتدليان كغصن كسر، ولم يعد يقوى على التمسك بالحياة.

صرخ، وصوته انشطر من الخوف: مين هنا؟! عايزين دكتور… البت هتروح مني!

اقترب ممرض مسرع، لكن صوته بدا بعيدًا… بعيدًا جدًا عنهم: هاتها هنا… بسرعة.

دخلوا الغرفة،وضعوا حور على السرير، وكأنهم وضعوا قلوبهم خارج صدورهم…

اقترب الطبيب، بدأ يفحصها…ملامحه جامدة، باردة…
لكن الصمت الذي ملأ المكان كان أشد قسوة من أي كلمة.

ثم قال، دون أن يرفع عينيه: أول مرة يغمى عليها كده؟

أومأ شاهين بسرعة، كأن الإجابة ستنقذها: أول مرة يا دكتور… هي مالها؟

رفع الطبيب عينيه أخيرًا، وقال بجفاف مهني، كأنه لا يدرك أنه يطعنهم:  لازم نعمل فحوصات… ورسم قلب.

كلمة قلب…
سقطت على صدر شاهين كضربة قاتلة.

انكمش صدره، وارتد أنفاسه إلى داخله، وكأن الهواء نفسه صار عدو: رسم قلب… ليه؟

بلع أحمد غصته، لكن الغصة لم تنزل… استقرت في حلقه كشوكة لا تنتزع، وخرج صوته مكسور:  ماله قلبها يا دكتور؟… طيب فوقها… إحنا عايزينها تصحى…

لكن الطبيب هز رأسه، ببرود قاتل: خلونا نعمل رسم القلب الأول… وبعدين نفوقها.

تغيرت ملامحهما…لم يعد في وجهيهما لون…
كأن الخوف سحب الدم من عروقهما وتركهما واقفين بلا حياة.

أشار الطبيب إلى الممرضة ،وقال بصوت هادئ اكتر مما ينبغي :  خديها على أوضة الإيكو.

حملتها الممرضة…
وبمجرد أن ابتعدت بها خطوة، شعر شاهين أن شيئًا ينتزع من صدره بالقوة…

تحرك خلفها دون وعي،وأحمد كذلك…
كأنهما خيطان مشدودان بها، لا يملكان الانفصال.

دخلت الغرفة…وأُغلق الباب…وصوت الإغلاق…
كان كأنه إعلانٌد صامت عن بداية كابوس.

وقفا في الممر…
لا، لم يقفا…بل تاه كل منهما في دوائر ضيقة من الرعب،
يدوران…يتوقفان…ينظران إلى الباب…
ثم يعودان للدوران كأن الأرض ضاقت بهما.

الصمت كان خانق…والانتظار كان أشبه بذبح بطيء…

وفي صدورهم…الخوف يتمدد داخلهما كظل أسود…
صامت…ثقيل…ومرعب.

دلفت شهد وفوزيه إلى الممر كأنهما تطاردان بأنفاسهما، يركضن على آخر ما تبقى من قوة في صدورهن، ووجوههما مشدودة بالخوف، كأن الفاجعة تقف أمامهما ولم تتشكل بعد.

هتفت شهد بصوت مبحوح، يتكسر بين شهقاتها: خير يا أحمد… فين البت؟!

أشار أحمد إلى الباب المغلق، وخرج صوته مثقل، متحشرج كأن الكلمات تؤلمه: اهدي يا شهد… حور جوه… بيعملوا لها رسم قلب.

سقطت الكلمات على صدرها كصاعقة.
اتسعت عيناها برعب خالص، كأنها رأت النهاية تتجسد أمامها، بينما شهقت فوزيه شهقة حادة، ورفعت يدها تلطم وجنتها بنحيب موجع: ليه يا ابني؟! رسم قلب ليه؟!

قبض شاهين على يدها بسرعة، يمنعها من أن تؤذي نفسها، وجذبها إلى صدره، صوته مبحوح، متشقق من الألم:أستهدي بالله يا أمي… إن شاء الله خير… ادعيلها بس…

لكن القلق كان قد استوطنهم…
لم يعد هناك مكان للصبر، ولا مساحة للطمأنينة.

تمسكت شهد بيد أحمد، كأنها تغرق وتتشبث به كآخر طوق نجاة، ودموعها تنساب بلا توقف، وخرج صوتها  محمل بقهر قديم وجديد: هي الدنيا دي ما فيهاش غيرنا يا أحمد؟! لما ربنا من علينا بحتة عيلة… يخطفها المرض من بين إيدينا؟!

ضمها أحمد إلى صدره، ويده تمر على رأسها بحنان صادق، لكن قلبه كان يحترق بصمت لا يحتمل، وهمس بصوت مثقل: وحدي الله يا شهد… واستغفري ربك… ربنا كريم…

رفعت شهد عينيها، ودموعها تلمع بقهر عاجز، وهمست كأنها تناجي السماء بكل ما تبقى فيها:  يا رب… متحرمنيش منها يا رب…

مر الوقت…لا، لم يمر… بل تمدد فوق صدورهم كحمل ثقيل،

كل دقيقة كانت نصل حاد ينغرس في أرواحهم،
كل ثانية كانت اختبار قاسي لقلوب لم تعد تحتمل.

أنظارهم معلقة بذلك الباب…
الباب الذي يفصلهم عن مصير لا يعرفونه،
والخوف يكبر… يكبر… حتى صار أثقل من أن يحمل.

وفجأة…انفتح الباب…وخرج الطبيب…وجهه جامد… لا يقرأ، ملامحه لا تحمل بشرى… ولا تحمل كارثة…
وهذا كان أشد رعب…

اندفعوا نحوه دفعة واحدة، لهفة ممزوجة بذعر يخنق الأنفاس. 
خرج صوت أحمد أولًا، مبحوح، مرتجف، كأنه يخشى الإجابة قبل أن تقال: خير يا دكتور…؟

أدخل الطبيب يده في جيب معطفه، نظر إليهم لحظة…
لحظة بدت أطول من العمر كله…

ثم قال بصوت أجش، ثقيل،كأن كلماته تسقط حجر فوق قلوبهم: البنت… عندها روماتيزم في القلب.

كأن الهواء انقطع.
كأن المكان ضاق فجأة، ولم يعد يتسع لصدمة كهذه.

شهقت شهد، وارتفعت يدها إلى فمها، تمنع صرخة كادت تمزق صدرها: روماتيزم… في القلب؟!

أما فوزيه، فلطمت وجنتها بذهول موجع، وصاحت بنبرة مختنقة:يا نهار أسود… قلبها يا دكتور؟! البت قلبها فيها إيه؟!

ظل شاهين صامت…صامت بشكل مخيف،
كأن الكلمات خانته، أو كأن ما سمعه أكبر من أن ينطق.
لكن عينيه… كانت تحترق.

تقدم أحمد مرة أخرى، يحاول أن يتماسك، لكن صوته فضحه: يعني إيه الكلام ده يا دكتور؟… حصل إزاي؟… دي لسه طفلة…

تنهد الطبيب ببطء، كأنه يعرف أن ما سيقوله لن يكون سهلًا، ثم قال بهدوء ثقيل:  روماتيزم القلب ما بيجيش فجأة…ده بيكون نتيجة التهاب بكتيري شديد غالبًا في الحلق وما اتعالجش.

تجمدت ملامحهم أكثر…الصدمة بدأت تتضح ملامحها.
أكمل الطبيب، وعيناه تنتقل بين وجوههم: واضح ان البنت عايشه في ظروف صعبة… برد… رطوبة… إهمال…
الحاجات دي بتضعف الجسم جدًا، خصوصا عند الأطفال…

بلعت شهد لعابها بصعوبة، ودموعها تنهمر دون توقف: يعني… اللي كانت فيه… هو السبب؟

أومأ الطبيب ببطء ، وقال: مش الرطوبة لوحدها…
لكن مع البرد وسوء الحالة… جسمها ضعف، وجالها التهاب قوي واتساب من غير علاج…
والتهاب زي ده ممكن يتحول لحمى روماتيزمية…

صمت لحظة… ثم أكمل، كأن الكلمة الأخيرة تحمل ثقل خاص: ومع الوقت… وصل للقلب.

شهقت فوزيه بصوت موجوع، وكأنها تلقت الضربة بنفسها: يا ضنايا… كل ده حصل فيها لوحدها؟!

قبض شاهين يده بقوة، حتى برزت عروقه، وصدره يعلو ويهبط بعنف، ثم خرج صوته أخيرًا…
مبحوح… مخنوق… كأنه يخرج من بين أنقاض قلبه:
يعني… كل اللي عاشت فيه… لسه هتحاسب عليه؟

لم يجب الطبيب…لكن صمته كان إجابة كافية.

اقترب أحمد خطوة، وعيناه تلمعان برجاء يكاد يبكي:
طيب هتخف يا دكتور؟… قولنا بس إنها هتبقى كويسة…

نظر الطبيب إليهم نظرة ثابتة، ثم قال بهدوء محسوب:
حالتها محتاجة علاج منتظم ومتابعة دقيقة جدًا…
ولو التزمنا… إن شاء الله تقدر تعيش وتبقى كويسة.

لكن كلمة… لو … علقت في الهواء،
كشرط ثقيل يخنق الأمل.

تراجعت شهد خطوة، ودموعها تنساب في صمت،
بينما فوزيه تمتمت بأدعية متقطعة،

وأما شاهين…

فوقف مكانه، عيناه معلقتان بباب الغرفة،
وكأن قلبه…أُغلق هناك معها.

أفاق شاهين من غياهب تلك الذكريات…
كأن أحدهم انتزعه منها انتزاع، وأعاده قسر إلى واقع لا يقل وجع.

تسلل صوت الطرق الخافت على الباب،خفيف… لكنه أزعج سكون اللحظة،
كأن العالم يصر على اقتحام حزنه مهما أغلق الأبواب.

أدار رأسه نحوها…نحو تلك الصغيرة النائمه بسلام هش،
سلام لا يشبه ما عاشت، ولا ما يسكن قلبها.

تأملها طويلًا…بعينين يغمرهما وجع صامت،
ثم مال قليلًا، وهمس بصوت منخفض، كأن الكلام اعتراف لا يقال:آه يا بت سنيني…
يا ريت كان ينفع آخد قلبك… وأحط قلبي مكانه…
مكنتش هتأخر… ولا لحظة…

تكرر الطرق…أكثر إلحاح هذه المرة…تنهد شاهين ببطء،
ومد يده يسحب الغطاء على جسدها برفق بالغ،
كأن لمسة زائدة قد توقظها من ذلك الأمان المؤقت.

نهض أخيرًا…وتحرك نحو الباب بخطوات هادئة،
تليق بمن يمر على جرح مفتوح لا يريد إيقاظه.

فتح الباب…
فوجد زكريا أمامه…قطب حاجبيه بدهشة خفيفة، وقال بصوت خافت: في إيه يا زيكو؟

أشار زكريا إلى ذراعه، ونظر إليه بحدة ممزوجة بقلق واضح: تعال يا ابني أغير لك على الجرح اللي في دراعك…إنت إيه؟ جبله؟!

تبع شاهين نظرة زكريا إلى ذراعه،
وكأنه يراه لأول مرة…وكأن الألم لم يعد يلفت انتباهه بعد كل ما حدث.

مط شفتيه بحنق خافت، وقال بلامبالاة : هو شكله اتجلط وقفل يا زيكو… خلاص.

رفع زكريا حاجبه، ونفخ بضيق، وهتف بصوت مكتوم لكنه حاد :  اتجلط وقفل إيه يا شاهين؟!
إنت عايز تجلطني أنا كمان ولا إيه؟!

أشار له شاهين بيده بسرعة، وعيناه تنزلقان نحو الداخل، وهمس بحدة منخفضة:  أشش!… حور نايمة يا جدع…

خفض زكريا صوته فورًا، لكنه لم يخف انزعاجه، وأشار برأسه قائلاً:
— طيب تعال يا خويا… قبل ما أطب من طولي بسببك.

أومأ شاهين بصمت…ثم ألقى نظرة أخيرة نحو الداخل…
نظرة طويلة، عميقة، كأنها وعد صامت… أو حراسة لا تنتهي.

ثم خرج…
وأغلق الباب خلفه بهدوء شديد، كأن خلف ذلك الباب…
قلبه كله.

……
في شقة أحمد المهدي…

دلفت شهد إلى الغرفة بخطوات هادئة، تحمل صينية الطعام بين يديها، كأنها تحمل شيئًا أثقل من مجرد طعام… تحمل قلقً لا يهدأ، وخوفًا استوطن قلبها من قبل تلك الليلة.

توقفت قرب الطاولة، وعيناها استقرتا على أحمد…
كان يحاول ارتداء قميصه بصعوبة، حركته بطيئة، كأن الألم لم يعد في جرحه فقط… بل في صدره كله.

اقتربت منه على الفور، ومدت يدها برفق، وقالت بصوت دافئ رغم ما فيه من ارتجاف: استنى يا حبيبي… أساعدك.

رفع عينيه إليها…
وفي عمقهما بقايا نار لم تنطفئ بعد، وغضب مكبوت، ووجع يحاول أن يتماسك…تمتم بصوت خافت، لكنه صادق حتى الألم: ربنا يخليكي ليا يا شهد…

ساعدته في ارتداء القميص، أناملها تتحرك بحذر شديد، كأنها تخشى أن تلمسه فينكسر… أو تنكسر هي.

لكن السؤال كان أثقل من أن يحبس…خرج منها أخيرًا، مبلل بالدموع:أحمد… هما مين اللي كانوا عايزين يخطفوا حور؟… وليه؟

تصلب جسده فجأة…وكأن الكلمات أصابت موضع مكشوف فيه.

زفر بعنف، وخىج صوته حاد، مشحون بغضب يكاد يحرق ما حوله: مش هيغمضلي جفن… غير لما أعرفهم… وأطبق في رقابهم واحد واحد.

ارتجفت شهد…لكنها لم تتراجع.
رفعت عينيها إليه، وقد امتلأت بدموع مكبوتة، وقالت بصوت يرتعش بين الخوف والرجاء: يعني هنفضل في الرعب ده لحد إمتى يا أحمد؟…
كل ما بنتي تخرج… هفضل حاطة إيدي على قلبي؟!

لم يحتمل نظرتها…
تلك النظرة التي تحمله خوفها، وتطالبه بما لا يملكه الآن.

تحرك مبتعد عنها، وكأنه يفر من عجزها، وقال بنبرة حاول أن يجعلها حاسمة: مفيش رعب ولا حاجة يا شهد…بعد اللي حصل… محدش هيقدر يقرب منها…
ولا حتى يوزه عقله ويفكر يقرب من بنتي.

لكن صوته…
رغم شدته، لم يخفي تلك الشقوق التي ملأها القلق.

اقتربت من الصينية، حملتها من جديد، ثم قدمتها له، وصوتها أصبح أكثر خفوت، كأنها تخشى أن تضغط عليه أكثر: طيب يلا اتعشى… عشان تاخد العلاج اللي جابه زيكو.

هز رأسه نافيًا…
وعيناه تهربان من الطعام، من الواقع، من كل شيء.
تمتم بصوت متحشرج: مليش نفس يا شهد…

سكت لحظة…ثم رفع عينيه إليها ببطء، وكان في نظرته شيء آخر…حزن أعمق…وخوف اكبر  لا يعترف به.

قال بصوت خافت، كأنه يطلب النجاة عبرها: ما تروحي تبصي على البت…
يمكن تكون صحيت… اطمني عليها… وخليها تاكل.

تعلقت عينا شهد به لحظة…ثم أومأت بصمت،وقلبها…
يدق بعنف ، معلقا بين رجل يحارب العالم…
وطفلة تحارب الحياة.

اقترب شهد وجعلت أحمد يجلس على السرير، جسده منهك، كأنه يحمل كل أوجاع الأيام على كتفيه، بينما شهد
جلست شهد بجانبه، وكل جسدها يئن حنان، يديها ترتعشان لكنها ثابتة على منكبه، كأنها تحاول أن تنقل له جزء من كل دفء الأرض…

همست له بصوت مبحوح لكنه يغمره كالمطر على صحراء قاحلة: يا حبيبي… زيكو طمني… الحقنة هتنيمهت لحد الصبح… متقلقش…

أغمضت عينيها للحظة، تتنفس ببطء، ثم أشارت إلى الصينيه: بس قوم… كل لقمة… خد العلاج… عشان الجرح… عشان خاطري…

تراجع أحمد قليلاً، جسده مثقل بالوهن، عيناه مشتعلة بإرهاق لا يطاق، صوته مبحوح لكنه مشحون بكل ما اختزنه من تعب وفقدان: لا… مش قادر… تعالي… بس خديني… حضنك… خلينا ننام…

أومأت شهد برأسها، كأنها تمنحه أمان الكون كله في لمسة واحدة، همست بصوت خافت: هودي الأكل على المطبخ… وأجيلك… حاضر.

اوما في صمت الغرفة، وعيونه المرهقة تتلألأ بالقلق، وبقايا نار لم تخمد بعد تلمع فيها… غيم السواد على وجهه، وخرج منه همس أجش، مشحون بالغضب والتهديد المكتوم:.لو ما سلخت لحمك عن عضمك يا ابن المرة النـ ****…مبقاش احمد المهدي…

ثم توقف فجأة، وكأن الكلمات ذهبت منه أمام ثقل الألم والوجع الذي ينهش قلبه…

لم يكن أحمد المهدي الذي يعرفه أحد، لم يبقي سوى رجل محطم، منهك، يختنق بين حنان وغياب الأمان.

عادت شهد، أغلقت الباب بخفة، اقتربت منه، وتمددت بجانبه، ضامة جسده كله بين ذراعيها، كأنها تحاول أن تحميه من العالم، من كل شيء مؤلم.

وضع أحمد رأسه على صدرها، أغمض عينيه، لكنه لم يستطع النوم، قلبه يصرخ، عقله يرفض السلام، وكل نبضة في صدره تتذكر ألم ما فقد، وخوف ما بقي، وطمأنينة حضنها التي كادت تمحوه من كل وحشية العالم.
في حضنها، أصبح الألم أجمل، والخوف أصبح قابل للتحمل، وكل ما في قلبه من دموع ومواجع يجد لها مكان لتتلاشى، مع كل تنفس، مع كل نبضة، مع كل لمسة حانية.

………….

جاء الصبح ببطء خانق…
كأن الليل يرفض أن يترك الغرفة بسهولة، وكأن الضوء نفسه يتسلل بحذر، لا يجرؤ أن يوقظ ما حدث.

تسللت خيوط الشمس من خلف الستار، زاحفة على الجدران… حتى وصلت إلى وجه حور، لامست جفونها برفق.لا يتناسب مع العاصفة التي سكنت داخلها.

فتحت عينيها ببطء…نظرة تائهة، فارغة، كأنها لا ترى… أو لا تريد أن ترى.

ثواني… فقط ثواني…
ثم انفجرت الذكريات دفعة واحدة.

صرخه حاده خرجت منها ، مؤلمة، كأنها تسحب من أعماق صدرها، والتفتت نحوه بعينين اتسعتا برعب لم ينطفئ بعد:شااااهين!

لم تكن تناديه… كانت تتشبث به.

هب شاهين من مكانه بعنف، حتى اختل توازنه، لكنه لم يهتم… خطوة واحدة كانت كفيلة أن تلقيه أمامها، كأنه كان ينتظر تلك الصرخة ليعود للحياة.

أمسك وجهها بين كفيه بسرعة، لكن لمسته رغم استعجالها كانت مرتجفة… خائفة عليها، منها، من كل شيء.

عيناه التهمتا ملامحها بقلق حاد، يتفحص كل تفصيلة، كل ارتعاشة، كأنه يبحث عن أثر لما مرت به… أو دليل أنها ما زالت هنا.

خرج صوته متكسر، كأن الكلمات تؤلمه: عاملة إيه يا حبيبي…؟

يده انزلقت على ذراعيها ببطء… هذه المرة لم يكن يتحسسها فقط، بل يهدئها… أو يهدئ نفسه من خلالها : حقك عليا يا حور…
همسها بصوت مبحوح، منخفض، لكنه ثقيل…
أنا اللي سمحت للخطر يقرب… أنا اللي..

انقطع صوته، كأن الكلمات خانته، أو كأن الذنب أثقل من أن يقال.

رفعت يدها بارتباك، لمست ذراعه، لمسة خفيفة… لكنها كانت مليئة بشيء أشد من الكلام : إنت اتعورت…
قالتها وكأنها تتأكد من كابوس، لا من واقع. أنا شوفتك… الدم…

هز رأسه بسرعة، بنفي حاد، كأنه يرفض أن يكون ضعيف أمامها… أو أن يزيد خوفها.

أمسك يدها، ورفعها ببطء، ثم ضغط شفتيه عليها… قبلة طويلة، ثابتة، تحمل رجاء صامت… واعتذار لا يعرف كيف يقوله : أنا كويس…
همس بها، ثم أضاف بصوت أخفض، منكسر: بس مش هكون كويس غير لما تسامحيني.

عيناها امتلأت بالدموع… لكن هذه المرة لم تكن فقط خوف… بل شيء أعمق، أشد…خرج صوتها مختنق، متعب : أسامحك على إيه…؟ أنا اللي زنيت… أنا اللي خرجت… أنا اللي..

لم يدعها تكمل.
شدها إليه فجأة… بقوة لم تكن عنيفة، لكنها كانت يائسة.
ذراعه التفت حول خصرها بإحكام، كأنه يخشى أن تنكسر إن تركها، أو أن تختفي إن تراخى…ودفن وجهه في عنقها.

تنفسها بعمق… مرة… ومرات…
كأن صدره لم يعرف الامتلاء إلا بها، وكأن رائحتها هي الدليل الوحيد أن كل شيء لم ينتهي.

أغمض عينيه… وتنهد بحرارة خرجت محملة بكل ما كتمه… خوف، غضب، رغبة، واحتياج.

همس عند عنقها، صوته أجش، منخفض، يلامسها أكثر مما يصلها:أنا مش هحبسك… مش هخلي الخوف ده ياكلك…

توقف لحظة، وكأنه يثبت نفسه… ثم أكمل، بنبرة أقسى، أصدق:اعملي اللي يريحك… بس وأنا معاكي… دايمًا معاكي… واللي يقربلك…

لم يكمل….لم يحتاج…اشتدت ذراعه حولها أكثر، كأن الجملة انتهت بالفعل… بالفعل لا بالكلام.

أغمضت عينيها ببطء…
وجسدها، الذي كان متصلب منذ أن استيقظت، بدأ يلين تدريجيًا بين ذراعيه.

رأسها استقر على كتفه… وأنفاسها، التي كانت متقطعة، بدأت تهدأ… ببطء، ببطء شديد.

كأنها تعود من مكان بعيد…
كأنها تخرج من ظلام طويل…
وكل ما يقودها… هو دفء حضنه.
حضن لا يشبه الأمان…
بل يصنعه.

همست بصوت خافت، مبحوح، لكنه كان مليئ بيقين يهزه من الداخل :.وأنا مش بخاف… عشان عارفة إنك مش ممكن تسيب حد يمسني…

تجمد للحظة….ثم… تغير… احمرت عينيه فجأة، كجمر مدفون تحت رماد ثقيل، اشتعل دفعة واحدة…
غضب؟
لا… كان أعمق من الغضب… كان شيء يمس كبرياءه، وجوده نفسه.

هدر بصوت حاد، قاطع، كحد السيف: يمسك يعني إيه…؟

قبضته اشتدت حول وجنتيها، لكن دون أن يؤلمها… كانت سيطرة مشتعلة، لا قسوة  : يبقى أنا إيه؟
قالها بحدة أخفض… أخطر…: أنا عايش ليه أصلًا لو حد غيري يقربلك؟

اقترب منها أكثر… أكثر لدرجة أن أنفاسه اختلطت بأنفاسها، ساخنة، متسارعة، كأن صدره لم يعد يحتمل.

عينيه هبطتا ببطء على شفتيها…نظرة طويلة، جائعة، فيها شوق حاد يمزقه من الداخل، كأنه يقف على حافة صبره الأخيرة.

همس بصوت أجش، منخفض، مهتز بشيء أقوى من السيطرة: حور… أنا…

توقفت الكلمات….وكأن الاعتراف أكبر من أن يقال وغمغم بصوت متحشرج:  مش قادر أكتر…

قالها كأنها هزيمة… أو كأنها آخر تحذير.
ثم اقترب.

لم تكن خطوة… كانت انجذاب كامل، كأن المسافة بينهما خطيئة يجب أن تمحى فورًا.
أنفاسه ضربت وجهها بحرارة فوضوية، متلاحقة، تحمل اضطراب رجل صبر طويلا… أكثر مما ينبغي.

يداه ما زالتا تحيطان وجهها، لكنه شدها إليه أكثر، كأنها ستفلت إن لم يفعل…وقبل أن تفكر… أو تحاول… أو حتى تهمس….كان قد وصل إليها…والتقط شفتها…

قبلة هذه المرة لم تبدأ بهدوء…بدأت وكأنها اندلاع.
شوق متكدس انفجر دفعة واحدة، بلا تمهيد، بلا رحمة، كأنه ينتزع المسافة من جذورها.
شفتيه ضغطت عليها بقوة تحمل احتياجه، خوفه، وشيئًا أقرب للهوس بها.

وضعت يديها علي صدره ، محاولة ضعيفة…لكنها لم تكتمل…توقفت على صدره… تشبثت به.
وهنا فقط… فقدت مقاومتها معناها.

هو شعر بها… بكل ذرة استسلام خرجت منها…
فازداد قرب، أكثر امتلاك، أكثر اندفاع كأنه يثبت لها ولنفسه أنها له… بكل هذا اليقين الذي تنطقه دون أن تدري.

وحين ابتعد لحظة… فقط لحظة…لم يتركها.

جبينه التصق بجبينها، أنفاسه ما زالت تحرق المسافة بينهما، وهمس بصوت منخفض، مبحوح، لكنه حاسم بشكل.مخيف: أنا مش بس مش هسيب حد يمسك…
أنا مش هسيبك إنتي نفسك تبعدي عني.

تراجعت خطوة… واحدة فقط… محاولة واهنة، كأنها تؤدي واجب المقاومة لا أكثر. عيناها ارتبكتا، وقلبها خانها بوضوح، ينبض باسمه لا ضده.

همست بصوت متقطع: شـ شاهين…

لكن اسمه خرج منها كاستسلام، لا تحذير.
لم يمنحها فرصة أخرى…
يده انزلقت خلف عنقها، ثابتة، حاسمة، كأنه يعلن أن الهروب لم يعد خيار…

جذبها إليه دفعة واحدة، فاصطدمت بأنفاسه، بصدره، بكل ذلك الشوق المتراكم الذي لم يعد يحتمل التأجيل.

وقبل أن تلتقط حتى شهيق… كان قد التهم المسافة بقبلة مشتعلة.

قبلة لم تكن رقيقة… بل جائعة، متكدسة بكل ما كتمه، بكل ما أجله، بكل مرة نظر إليها وصمت.

ابتلع شفتيها بين شفتيه بعمق جعل مقاومتها تتلاشى، لا لأنه كسرها… بل لأنه قرأ ضعفها قبل أن تعترف به.

حاولت أن تدفعه… يدها ارتفعت بينهما، لكنها لم تجد القوة لتبعده، بل توقفت على صدره، متشبثة به دون وعي، كأنها تغرق فيه لا تهرب منه.

تكسرت أنفاسها بينه، وذاب صوتها في القبلة، بينما هو لم يبطئ… لم يهدأ… كأنه يعاقب هذا البعد الطويل، وكأنه يخشى أن تفلت منه لو تراجع لحظة.

وحين ابتعد أخيرًا… لم يبتعد حقًا، ظل جبينه ملاصق لها، وأنفاسه مختلطة بأنفاسها، وهمس بصوت خشن مثقل:
متقاوميش حاجة قلبك عايزها… عشان المرة الجاية… مش هسيبلك حتى فرصة تحاولي.

وكانت الحقيقة الأقسى… أنها لم تعد تريد أن تحاول أصلاً.

حاولت دفعه بضعف واهن…
لم يكن رفض حقيقي، بقدر ما كان حياء متعثرا يتخفى خلف دلال مرتجف.

همست بصوت متقطع، أنفاسها تتعثر بينهما: شاهين… ابعد شوية… مش عارفة أتنفس…

توقف لوهلة…ليس لأنه استجاب، بل لأنه ازداد وعي بقربها المربك، بهذا التداخل الخانق بين أنفاسهما.

ظلت عيناه معلقتين بشفتيها، كأنهما سؤال لم يجد إجابته بعد.

ابتلع لعابه بصعوبة، وخرج صوته منخفض، أجش، كأنه يخرج من عمق اشتعال مكتوم: اتنفسي مني… خدي نفسي يا بت…. بقولك يا حور.

ارتجف شيء خفي على شفتيها…ومالت برأسها قليلًا، لا لتبتعد… بل لتختبئ.

دفنت وجهها في عنقه، وكأنها احتمت به منه…
وهمست بصوت خفيض، يكاد يسمع: نعم…يا شينو!

زفر ببطء… زفرة ثقيلة، محملة بما يفوق الكلمات.
وانزلقت يده على ظهرها بتمهل مقصود، لمسة لم تكن بريئة… بل جوع يتخفى في هيئة احتواء.

قربها أكثر، حتى لم يعد بينهما فراغ يذكر، وهمس عند أذنها بنبرة خافتة، لكنها مشبعة بدهاء واضح : تيجي نحط أبو حميد قدام الأمر الواقع؟

رفعت وجهها إليه فجأة، وقد اتسعت عيناها بدهشة صافية:يعني إيه يا حبيبي؟

عض شفته السفلى بخفة، وعيناه لم تفارقا ملامحها…
تلك النظرة العابثة التي تخفي خلفها شيئًا أعمق.

شهقت وحاولت دفعه مرة أخرى..كان دفعها أضعف من أن يسمى مقاومة…وضعت كفها على صدره… كأنها تستند إليه لا تدفعه.

ابتسم…أمسك يدها برفق، ضغط عليها بحنو واضح، كأنه
كأنه يحتفي بهذا التناقض فيها.
ثم قال بصوت دافئ، يفيض بعاطفة غير متوقعة وسط ذلك التوتر:نخليه جدو… ده هيفرح أوي.

شهقت…وتراجعت سريعًا، كأن كلماته لامست وتر لم تكن مستعدة له : شـ… شاهين! إنت اتجننت ولا إيه؟ من إمتى بتفكر كده؟!

نظر إليها طويلًا…نظرة لم تكن عابثة هذه المرة…كان في عينيه شيء متأجج… غيرة؟ أم تملك؟
أم ذلك المزيج الخطر الذي لا يسمى؟

لكن فجأة انفرجت شفتاه عن ضحكة خافتة، كسرت حدة اللحظة وغمغم بخبث محبب : بحب الخضة دي… تجنن… عجباني موت الربكه دي!

اقترب منها مجددا… هذه المرة أهدأ، لكن أشد عمق.
وصوته انخفض، صار أثقل، أكثر صدق: وبعدين… أنا مش بفكر غير كده يا حور عيني… طول الوقت.

توقف…لكن صمته لم يكن فراغ… بل كان اعتراف كامل، لا يحتاج إلى كلمات.

اقترب منها ببطء هذه المرة… ببطء أخطر، كأنه يستمتع برؤيتها وهي تتراجع أمامه، لا خوف… بل ارتباك من شيء تعرفه جيدًا وتحاول إنكاره.

أنفاسه لامست شفتيها قبل أن يلمسها… فارتعشت، ارتعاشة خفيفة فضحتها أكثر مما قالت…همست، محاولة أن تبدو ثابتة: شاهين… بلاش…

لكن صوتها خرج واهن، مكسور، كأنها تستجديه أن يفهم ما لم تقله… أو ربما ألا يفهمه.

ابتسم ابتسامة خافتة، خطرة… وهمس قريب جدا منها:
بتقولي بلاش… وقلبك بيقول حاجة تانية خالص.

ولم يمهلها لحظة.

يده احتوت وجهها، بحزم لم يكن عنيف… لكنه لم يترك لها خيار… شدها نحوه، حتى اختفت المسافة تمامًا، وحتى شعرت بنبضه يضربها قبل أن يفعل.

وقبلها…لكن هذه المرة… لم تكن قبلة واحدة.
كانت سلسلة قبلات ملتهبه من الشوق المكبوت، كأنه يتنفسها لا يقبلها… كأنه وجد أخيرًا ما كان ينقصه…

شفتيه تحركت بلهفة واضحة، يمتص شفتيها بلا تردد، بلا رحمة، وكأنه يسترد حقا مؤجلا.

أنفاسها تاهت بينه…اختلط الالسانه بشكل دائري وهو يرتشف منها كأنها ينبوع الشهد المحرم …

رفعت يدها لتدفعه، لكنها توقفت مرة أخرى على صدره، هذه المرة لم تكن مقاومة… كانت تمسك به.

ضعفت… بوضوح…وصوتها انكسر بين أنفاسه، محاولة أخيرة لا تقنع حتى نفسها : شينو ….

وهو… لم يتوقف…قربها أكثر، كأنها جزء منه، كأن تركها صار مستحيلًا…امتص شفتيها حتي تردد الصوت حولهم ،  وكل لحظة تمر، كانت تذيب ما تبقى من مقاومتها، حتى لم يعد هناك فرق بين من يقاوم… ومن يستسلم.

وحين ابتعد أخيرًا… كانت عيناها نصف مغلقتين، أنفاسها مضطربة، وكأنها خرجت للتو من شيء لا تريد النجاة منه.

اقترب أكثر، شفتيه كادت تلامسها مرة أخرى، وهمس بصوت منخفض، خشن:قولتلك… متلعبيش معايا اللعبة دي… أنا مش بعرف أخسرها.

وهذه المرة… لم تعترض …تجمدت لثانية قصيرة، كأنها تقف على حافة شيء لا تعرف إن كانت تريده أم تخشاه…
ثم ابتلعت لعابها بتوتر واضح، وارتسم الخجل على ملامحها كحمرة دافئة فضحت اضطرابها.

استجمعت ما تبقى من تماسكها…
ودفعته بأطراف أصابعها دفع خفيف، بالكاد يذكر، كأنه اعتذار أكثر منه رفض.

ثم نهضت فجأة…بسرعة أربكته… أو ربما أربكت نفسها قبل أي أحد،
واتجهت نحو المرحاض بخطوات متعجلة، تكاد تكون هروب صريح من تلك اللحظة الثقيلة.

أغلقت الباب خلفها بسرعة…
واستندت إليه من الداخل، أنفاسها تتصاعد، وقلبها يضرب صدرها بعنف لا يهدأ.

في الخارج…ظل شاهين يجلس مكانه لثواني..

يراقب الباب المغلق، وكأنها ما زالت أمامه، لم تختفي بعد.
وعلى شفتيه ارتسمت ابتسامة بطيئة… ابتسامة يختلط فيها العبث بشيء أعمق، أهدأ… أقرب إلى الرضا.

مرر يده على وجهه بخفة، وكأنه يحاول استعادة أنفاسه هو الآخر،ثم نهض أخيرًا.

تقدم نحو باب الغرفة، فتحه بهدوء،
وقبل أن يخرج… ألقى نظرة أخيرة على الباب الذي اختبأت خلفه.

نظرة طويلة… تحمل وعد لم يقال.

ثم خرج،
وأغلق الباب خلفه بصمت.

اقترب شاهين من السفرة، وصوته اجش، مشحون بشيء من صمت الليل الطويل الذي ما انفك يضغط على صدره:
صباح الخير…

التفتت فوزية نحوه، عيناهما تتشابكان بلهفة ممزوجة بالقلق، كأن كل ثانية صمت قبل هذا اللقاء كانت تنتظر هذا الصوت:يسعد صباحك يا ضنايا… حور صحيت؟

أومأ برأسه، وجلس على الطاولة، يفرك عينيه براحته، كأن النوم لا يزال يلتصق به، لكن صوته كان ثقيل بالمعنى، مليئ بما لم يقله بعد:آه… صحيت… الحمد لله… كويسة.

رفع يونس يده وهو يرتشف من كوب الشاي، صوته منخفض، ممتزج بالفضول والحذر: هتعمل إيه يا شاهين؟

نظر شاهين إليه ببطء، ونظرة واحدة كانت كافية لتزرع الخوف في قلب أي شخص: ربنا ينجيك من المهالك… لما البني آدم يبقى عدو نفسه… ويحرق نفسه بإيده.

ابتلعت فوزية لعابه ، كأنها تبتلع مرارة كلماته، وقالت بصوت متردد: ربنا ينجيكم منهم يا ابني… ويكفيكم شر الغدر.

التفت شاهين إليها، مائلا رأسه قليلا، وصوته منخفض لكنه كالسيف يقطع الهواء: كيد الرجالة أشر… وألعن يا أمه… الكيد بيغلب الغدر.

تدخل ياسين، بعينين فيها العبث، وقال مبتسمًا: كيدك إنت يغلب كيد النسوان اللي مفيش حاجة تغلبها.

رفع شاهين حاجبه، وغضبه يختلط بالبرود: ليه؟ غلبتك في إيه يا أخويا؟

ضحك ياسين ضحكة خفيفة، مشوبة بالخبث وقال : موقف حالي عن الجواز يا شنبو.

أشار له شاهين بإصبعه بحدة ، وهدر : ليه؟ ما يونس اتجوز وطلق… أنا مالي يا علـ*

قاطعه يونس بحنق، صوته صار حار : قصر يا حبيبي… وبلاش السيرة الهباب دي.

رفعت فوزية حاجبها، وعينيها تتقدان غضب ، وهتفت بنزق : يعني إيه؟ هتترهبن على كده؟ مش هتتجوز تاني؟ مش كفاية شاهين البكري المتعلق بين السما والأرض؟

رفع شاهين حاجبه ببرود، لكن قبل أن يرد تدخل يونس بصوت حاد: جرا إيه يا فوزية؟ هو مفيش غيري الحيطة المايلة كل شوية عايزه تنطيها؟ أنا اتجوزت مرة… مش هتنيها تاني!

ضحك ياسين، ضحكة عالية، مستفزة، لكزته فوزية وشاهين في نفس اللحظة ،وهتف : لم لسانك الزفر ده يا ابن المهدي!

هتفت فوزية بغضب، وعيونها تشتعل: والله ما لقيت حد يربيك ربع ساعة!

أشار ياسين بإصبعه بمزح ، وهتف : انتي غلطانة يا أمه… سنة حامل وسنة تولدي… هتربي إمتى بس؟

شهقت فوزية، وعينيها تتسع بالغيظ وخرج صوتها مشوب بالغضب : وأنت أولهم يا ابن الجذمة!

وفجأة… انفجروا جميعًا ضاحكين، ضحكة عالية، حرة، تخترق ثقل الجو، لكنها لم تمحو تمامًا الخطر الصامت، أو الترقب الكامن بين الكلمات.

خرجت حور بخطوات بطيئة، ناعمة، كأنها تسير على حافة حلم هش قد ينكسر تحت أصغر حركة.
همست بصوت خافت، يرتجف بين صدرها: صباح الخير…

رفع شاهين عينيه،  يتأملها بصمت ثقيل، كأن كل ثانية تمر تلتهم جزء من صبره.

أشعلت النار في عينيه، ومرر لسانه على شفته بعفوية، يسترجع طعم شفتيها بين شفتيه، وهمس بصوت أجش، مرتعش بالاحتواء والرغبة: صباح الجمال الطري…

زاغت عيناها بخجل، وجلست ببطء، بينما شعور غريب يقتحم قلبها، يقيم فيها حرب بين الرهبة والانصهار تحت نظره الثاقب.

ربتت فوزية على ظهرها بحنان، وهمست بصوت خافت يختلط بالحب والقلق: يصعد صباحك …عاملة إيه يا بنتي؟

أومات حور برأسها، وغمغمت بخجل مرتجف:
الحمد لله يا ماما… كويسة.

أشار لها شاهين بيده وهو يضع لها الطعام في طبقها، صوته عميق وثقيل، لكنه حنون: خدتي علاجك يا حبيبي؟

أومات برأسها وهمست دون أن تلتفت إليه:
آه… خته.

أومأ برأسه، وأشار إلى الطعام، لكن عينيه لم تفارقها لحظة واحدة: طيب… افطري يا حور.

بدأت تأخذ لقمة ببطء، كل حركة منها وكأنها رسالة صامتة من جسدها لعينيه، والارتباك يزيدها جمالًا في نظره، ويزرع فيه رغبة خامدة لكنها مشتعلة.

لكزه يونس بحنق، وهمس في أذنه بصوت خافت لكنه مشحون بالتحذير: يا عم… ارفع عينك عنها… خلي اللقمة تتبلع… البت هتختفي… هتاكلها بعينك.

مسح شاهين على لحيته الكثيفة، وصوته ارتجف بين الغضب واللعب: دانا اللي هختفي… بنقط زي الحنفية… اللي عايزه جلده.

كتم ياسين ويونس ضحكتهما بصعوبة، وغمغم بنبرة مستفزة:السباك أبو حميد هيحطلك عشر جلد… اصبر على رزقك.

نظر له شاهين بحنق، وصوته منخفض، كأنه يقطع الهواء كالسيوف:أبوك على أبوه… السكة أولها وآخرها تحت يدي… اخرس… واطفح.

ضحك ياسين ويونس بصعوبة، لكن الجو كان ما يزال مشحون…
تردد الرغبة، الغيرة، السيطرة، والحنان المختبئ تحت كل حركة وكل نظرة من شاهين لحور.

كل شيء في هذه اللحظة… كان متأرجح بين هدوء كاذب وعاصفة محتملة، كأن اللحظة نفسها تنبض بالحياة، وبالرهبة، وبرغبه لم يجرؤ على تسميتها بعد.

…………

مساءا في عيادة الدكتور زكريا المهدي،

كان الصمت معلق في الهواء كخيط واهن بين جدارين، لا يقطعه سوى صوت ارتطام ملعقة رفيعة بحافة كوب الشاي، ونفس يخرج مثقل من صدر اعتاد الوحدة أكثر مما ينبغي.

مد زكريا إصبعه وضغط زر الجرس، كمن يستدعي الحياة عنوة، ثم ارتشف جرعة بطيئة، كأنما يمهد بها لشيء لا يعرفه.

لم تمض لحظات، حتى انفرج الباب…

ودلفت…صوت خافت، لكنه اخترق سكون المكان كهمسة لها وقع العاصفة: مساء الخير يا دكتور…

رفع رأسه…ثم توقف الزمن…لم تكن مجرد امرأة…

كانت حضور طاغي، وجه ملائكي التكوين، ملامح دقيقة كأنها رسمت بعناية مفرطة، وعينان واسعتان، تشعان بوميض حي، كأن فيهما سر لا يقال.

ظل ناظر… لا يجيب، ولا يتحرك.

اقتربت بخطوات خفيفة، مترددة قليلًا، ثم لوحت بكفها أمام وجهه، وقالت بنبرة فيها مزيج من الدهشة والحياء:
هو حضرتك كويس يا دكتور؟ أنا بقول مساء الخير…

انتفض كمن عاد من غيبوبة، وهز رأسه سريعًا، وقال بصوت خرج خشن على غير عادته:  أنا… أنا آسف… مساء النور طبعًا…

مد يده دون وعي، كأنه يتشبث بلحظة يريد تثبيتها، وقال بنبرة أجش تحمل ارتباك واضح: ده… ده كده خير أوي…

نظرت إليه بدهشة صافية، ثم إلى يده الممدودة، وقالت ببساطة عفوية: أسلم يعني؟

أومأ برأسه سريعًا، وقد ازداد ارتباكه: لو عايزة… يعني…

مدت يدها وصافحته برقة لافتة، وقالت: غزل أبو المجد.

ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة، وهو يشير إلى المقعد أمامه: اتفضلي.

جلست بهدوء، ورفعت يدها تعيد خصلة شاردة من شعرها خلف أذنها، بحركة ناعمة لا تخلو من توتر خفي، ثم قالت: أنا حاسة بألم كده في آخر بطني… روحت لدكتور باطنة، بس قالي أجي لدكتور نسا.

أومأ زكريا برأسه، محاولًا استعادة مهنيته التي بدأت تتفلت منه، وأشار نحو سرير الكشف:  تمام… اتفضلي على سرير الكشف، و…

توقف لحظة، ثم أكمل: اقلعي.

اتسعت عيناها فجأة، كأن الكلمة سقطت عليها بلا تمهيد:
إيه؟ أقلع إزاي؟

كتم ضحكة كادت تفضحه، ومسح على ذقنه سريعًا، وقال موضح بنبرة أخف: لا لا… القميص بس… عشان نكشف يا فندم.

أومأت برأسها بتردد، وتركت حقيبتها جانبًا، ثم نهضت ببطء…
خطواتها كانت حذرة، مشدودة بخيط من القلق، كأنها تدخل مساحة لا تعرفها،
أو ربما…لا تثق بها بعد.

دلفت إلى غرفة الكشف،
وأغلقت الباب خلفها برفق، كأنها تغلق معه شيئًا من ارتباكها.

وقفت لحظة في منتصف الغرفة، تتلفت بعينين حذرتين، ثم رفعت يدها إلى أزرار قميصها، تفكها ببطء… لكنها لم تنزعه.
اكتفت بأن تتمدد فوق السرير، وسحبت الملاءة على جسدها، كدرع هش بين حيائها وما يفرض عليها.

بعد لحظات، فتح زكريا الباب ودخل، وأغلقه خلفه بإحكام.
اقترب بخطوات محسوبة، وجلس على الكرسي المتحرك، محاولًا أن يخلع عن نفسه ارتباكه السابق، ويرتدي ملامح الطبيب الصارم.

مد يده إلى عبوة الجل، ضغطها قليلًا، ثم سحب الملاءة عن موضع الكشف فقط، متجنب النظر إلا بما تفرضه المهنة…

وضع الجل على بطنها بحذر، ثم أمسك جهاز السونار، ومرره بخبرة ثابتة، وعيناه معلقتان بالشاشة.

غمغم بصوت منخفض، خشن لكنه هادئ:  آخر مرة جاتلك الدورة كانت من أسبوع… صح؟

أومأت برأسها، وهمست بخجل واضح: أيوه…

حرّك الجهاز بتركيز، وأصابعه تنساب بثقة على موضع الألم، ثم قال: طب لو هنقيم الألم من عشرة… يبقى كام؟

ترددت لحظة، ثم رفعت يدها قليلًا، وقالت بصوت خافت:
قبل الجواز كان عشرة من عشرة… بس بعد الجواز بقى أهدى شوية.

توقف لثانية، وزفر بضيق مكتوم، كأن إجابة ما لم تعجبه، ثم قال بلهجة حاسمة: تمام… اتفضلي.

نهض سريعًا، نزع القفازات، وخرج من الغرفة قبل أن يطيل البقاء أكثر مما ينبغي.

مسحت غزل بقايا الجل عن بطنها بمنديل ورقي، بحركات هادئة، كأنها تعيد ترتيب نفسها من جديد، ثم عدلت قميصها، ونهضت.

خرجت إليه، واقتربت من المكتب، وجلست، وقالت بنبرة متوجسة: خير يا دكتور؟

كان قد انتهى من كتابة الروشتة، فمدها إليها، وقال بنبرة مهنية مستقرة: بسيطة… شوية التهابات، بس واضح إنك كنتي مكبرة دماغك، لحد ما الألم زاد… خدي الأدوية دي، وهتبقي كويسة… وياريت توقفي العلاقة كام يوم.

هزت رأسها بالنفي، وقالت بصوت خفيض، لكنه واضح:
لا… مفيش علاقة… أنا مطلقة.

رفع عينيه إليها فجأة، بدهشة اختلطت بشيء آخر… شيء لم يخفه تمامًا، وقال دون تفكير:  طيب أحسن برضه.

قطبت حاجبيها، ونظرت له باستغراب: نعم؟

تجمد لثانية، كأن الكلمات خانته، ثم تدارك نفسه بسرعة، وقال مرتبك: أقصد… عشان تخفي أسرع… يعني مفيش حاجة تأثر على العلاج.

أومأت برأسها، وقد مر الشك بعينيها مرور خفيف، ثم نهضت وهي تقول: ميرسي أوي.

نهض هو أيضًا، ومد يده يصافحها، وقال بنبرة أكثر تماسك: العفو يا فندم… نتقابل بعد أسبوع.

أومأت، ثم استدارت وغادرت.
أما هو… فظل واقف مكانه، يتابعها بعينيه حتى اختفت تمامًا خلف الباب.

وحين خلا المكان من أثرها…
تنفس ببطء، وتمتم بصوت خافت، كأنه يسرق اعتراف من نفسه: غزل… بس مسكر أوي…

………….    
بعد منتصف الليل…

حين ينسحب الضوء من العالم، وتترك الطرق الصحراوية لليل أن يبسط سلطانه عليها بلا منازع.

هناك…
حيث لا شاهد إلا الصمت، ولا قانون إلا القوة.

توقفت ثلاث سيارات دفعة واحدة، كأنها خرجت من جوف الظلام ذاته،

وترجل منها رجال تكدست على أجسادهم الأسلحة، كأنهم لا يحملونها… بل ولدوا بها.

خطواتهم لم تكن مجرد وقع على الرمال،
بل كانت أشبه بإنذار مكتوم، يشق سكون الصحراء شق..

اصطفوا في عرض الطريق، جدار بشري لا يكسر… ولا يسأل.

وبعد لحظات…
ظهرت من بعيد أضواء تهتز في العتمة، تقترب ببطء ثقيل،
حتى توقفت أمامهم سيارتا نقل ضخمتان، محملتان بعجول هائجة، أصواتها تختلط بأنفاس الليل، كأنها تشعر بما ينتظرها… أو بما ينتظر من يقودها.

داخل الكابينة،
شد السائق على المقود، وعيناه تتسعان وهو يتأمل المشهد أمامه،
وتمتم بصوت مبحوح، خرج كدعاء مرتجف: استرها يا رب… شكلها ليلة سودة ومش هتعدي على خير…

اقترب أحد الرجال،
بخطوات بطيئة، واثقة، كأن الأرض نفسها تفسح له الطريق.

صعد بجانب باب السيارة،
وضرب بقبضته على الزجاج طرقات ثقيلة، ثم أشار بإصبعه أن ينزله.

ابتلع السائق لعابه بصعوبة،وأطاع… أصابعه ترتجف وهو ينزل الزجاج ببطء، كأنه يؤخر مصيره قدر ما يستطيع.

قال بصوت متقطع، يحاول أن يبدو صلب: إنتو مين؟! إنت متعرفش العربيات دي تبع مين… والعجول دي رايحة فين؟!

ابتسم الرجل…
ابتسامة باردة، لا حياة فيها، كأنها ولدت على وجه ميت.

وفجأة …
لكمته انفجرت  في وجه السائق، لكمة عنيفة جعلت رأسه يرتد للخلف، وصوته يختنق في حلقه.

مال عليه، وصوته ينخفض، لكنه كان أشد رعب من أي صراخ: لا… عارف كويس يا حيلتها…
بس إنت اللي متعرفش إحنا مين؟!
ولا جايين ليه؟
ووووووووووو

توقعاتكم ياسكاكرررر

ساحره القلم ساره احمد

5 3 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
2 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
Mero❤️
Mero❤️
4 أيام

روعة تسلم ايدك ❤️

Nedaa
Nedaa
4 أيام

تحفة تسلم الايادي ❤️❤️