ييبب
ملكي وكفي

ملكي كفي ( البارت التاسع )

ملكي كفي ( البارت التاسع )

حبيبتي في عينيكِ أراكِ النور كلما انطفأ العالم في داخلي، فتستقيم بي الرؤية بعد عتمة، ويهدأ اضطراب الروح كأنكِ اليقظة الوحيدة فيَّ.
يا من سكنتِ القلب دون استئذان، وتغلغلتِ في الروح حتى صرتِ أنفاسي ذاتها، لا أتنفس إلا بكِ، ولا أهدأ إلا حين أستحضر طيفكِ.

حبيبي ممن تغار وأنا لك وحدك، تسكن في تفاصيل جسدي كما تسكن الروح في الجسد، فلا موضع فيَّ إلا ويحفظ حضوركِ بصمتٍ خفيّ لا يري سواك
أما عيناكِ، فهما لا تغفلان عني، كحارسين يقفان على حدود القلب لا يتركان للغفلة منفذًا، وكأنكِ خلقتِ فيَّ يقينًا لا يعرف التبدل.

يكفيني أن قربكِ حقيقة، لا حلمًا ولا احتمالًا، يكفيني أنكِ هنا، أحتويكِ كقدرٍ اختارني قبل أن أختاره،
فلا يهمني ما حولي من المسافات والوجوه، مادمتِ أنتِ الحضور الذي يختصر العالم كله في اسمٍ واحد: حبيبتي.

تراجع عزيز خطوة إلى الخلف، وابتلع ريقه بصعوبة واضحة، بينما ظل عابدين واقف في مكانه لا يتحرك…

كأن الغضب قد تجسد رجلًا داخل تلك الفيلا الثقيلة بالصمت والتوتر.

كانت عيناه تقدحان بشرر حارق، وأنفاسه تخرج خشنة متقطعة، حتى بدا وكأن الهواء نفسه صار يخشاه. حدق في عزيز لحظات طويلة، ثم هدر بصوت زلزل أركان المكتب:
هتفضل واقف مبحلقلي كده كتير يا ابن المرة؟ نفذ اللي قلتلك عليه حالًا!

تحرك فك عزيز بتوتر، ثم رفع يده قليلًا كمن يحاول تهدئة وحش على وشك الانقضاض، وقال بصوت متهدج يحمل آخر ما تبقى له من تعقل:
يا عابدين باشا… صح ولاد المهدي في الصعيد، بس دي منطقتهم. .. وسيببن وراهم رجالة تملى العين…
وتسُد عين الشمس، وحافظين الأرض دي حتة حتة… لو دخلنالهم هناك، محدش فينا هيخرج على رجليه… هتبقى مجزره يا باشا… مجزره بجد.

دوى صوت قبضة عابدين فوق سطح المكتب بعنف مرعب، حتى ارتج الخشب تحت يده، واهتزت قطع الزجاج الموضوعة عليه، ثم صاح بشراسة:
وإيه يعني؟! سيبن ميت راجل يقعوا عادي! خد انت متين وروح! هو انت شغال عندي ليه أصلًا؟ مش عشان لما أحب أمسح اي حد من على وش الدنيا تنفذ؟! ولا كل ما أقولك اعمل حاجة تقعد تحطلي العقدة في المنشار؟!

اشتعل وجه عزيز بضيق مكتوم، لكنه اقترب من المكتب بثبات حذر، وانحنى قليلًا وهو يقول بنبرة حادة قطعت الصمت كحد السكين:
يا باشا… ربنا ميزنا بالعقل قبل السلاح… وإحنا ماشيين في خطتنا صح، وانت عارف كويس إن طول ما لينا عين جوه بيت المهدي… هنفضل سابقينهم بخطوة… حتى لو اللي ظاهر غير كده.

ثم ضيق عينيه مردف ببطء مقصود:
اصبر تاخدها نضيفة….وبعدين بلاش طريقة الضبع تأثر على دماغك… أنا طول عمري بقول إن دماغك السم دي هي سبب قوتك، وأهو هي نفسها السبب في كل اللي انت فيه دلوقتي… حافظ عليها يا باشا.

ساد الصمت للحظة.

صمت ثقيل… خانق… كأن الجدران نفسها تترقب الانفجار القادم.

ثم جلس عابدين أخيرًا فوق كرسيه الجلدي بعنف، بينما كانت عروق عنقه نافرة وجسده يرتجف من فرط الغضب المكبوت…

مرر يده فوق وجهه بخشونة، قبل أن يغمغم بصوت حاد بارد: كلمها تيجي… عايزها تفهم الخطوة الجاية. خلينا نخلص.

ارتسمت فوق شفتي عزيز ابتسامة ماكرة بالكاد ظهرت، ثم أومأ برأسه قائلًا بنبرة واثقة:
كده صح يا باشا… إحنا بالعقل نكسب… ومفيش حاجة هتكسرهم غير ضربة تيجي على دماغهم وهم مطمنين.

أومأ عابدين ببطء، لكن عينيه تجمدتا بحقد أسود مخيف، قبل أن يهمس بصوت خرج كالفحيح:
معاك حق… لازم أندمهم… لازم أدفعهم تمن الشحنة اللي اتحرقت بإيدي بسببهم… أضعاف.

……

في الصباح الباكر…
كانت الحارة تستيقظ ببطء تحت ضوء شاحب يتسلل بين البيوت القديمة،

فيما اخترق هدير سيارة شاهين السكون كطلقة مشتعلة، تشق الطريق بسرعة حادة حتى توقفت بعنف أمام أحد محلات آل المهدي.

انفتح باب السيارة سريعًا، وترجل شاهين منها بخطوات متوترة متعجلة، وخلفه سعد الذي لحق به على الفور، بينما بدأت الوجوه تلتفت نحوه من كل صوب.

وخلال لحظات، التف حوله رجاله كعادتهم، عيونهم مترقبة، وملامحهم مشدودة بالحذر والانتماء.

هتف أحدهم بصوت خشن وهو يقترب:
خير يا معلم شاهين؟ المعلم أحمد مجاش معاك ليه؟

وقبل أن يجيب، تدخل رجل آخر وهو يشير بيده قائلًا:

هو المعلم يونس تعويرته غويطة ، كفا الله الشر… عشان المعلم أحمد قعد جاره…

هز شاهين رأسه بالنفي سريعًا، ثم رفع يده بإشارة مقتضبة، كأنه يقطع الطريق على القلق الذي بدأ يتسلل إلى الوجوه، وقال بصوت حاد ثابت:
لا… المعلم أحمد ويونس بخير… يومين بالكتير وهيبقوا هنا وسطكم بالسلامة…بس فيه شغل هناك لازم يخلصوه ويرجعوا.

ساد هدوء قصير، قبل أن تتحول ملامحه فجأة إلى الجدية الكاملة، فنظر نحو رجل ضخم يقف على الطرف وسأله بصوت منخفض متوتر:
إيه الأخبار يا حمو؟ في رجل غريبة خطت المنطقة؟

هز حمو رأسه بالنفي القاطع، وقال بصوته الأجش:
كنا دفناه مطرح ما رجله خطت … زي ما وصيت يا كبير.

تحرك شاهين بخطوات سريعة نحو الداخل، لكنه توقف فجأة، ثم التفت إليه ولكزه بخفة في صدره، قبل أن يغمز بعينه قائلًا بنبرة حاسمة تحمل ولاء واضح:
الكبير هنا أحمد المهدي يالا…

تعالت همهمات التأييد بين الرجال، وأومأ الجميع برؤوسهم بتأييد تلقائي يحمل احتراما قديم متجذر… لذلك الاسم الذي كانت الحارة كلها تنحني له دون طلب.

أما شاهين، فاكتفى بهزة رأس سريعة، ثم اندفع نحو المنزل.

صعد الدرج في خطوات متلاحقة تكاد تكون ركض، وكأن قلبه لم يعد يحتمل المسافة الباقية بينها وبينه…

كان الشوق يسحبه إليها بعنف موجع، يشتعل داخل صدره كالنار إذا وجدت هشيمها أخيرًا.

رفع شاهين يده وطرق الباب طرقات حادة متلاحقة، كأن صبره كله نفذ عند تلك العتبة.

وما هي إلا لحظات حتى انفتح الباب سريعًا، لتظهر فوزية أمامه.

شهقت بقوة، ثم اندفعت نحوه دون تفكير، ودموعها تسبق كلماتها، بينما هتفت بصوت مبحوح اختلط فيه الخوف بالراحة:
شاهين! الحمد لله على سلامتك يا حبيبي… قلبي كان قايد نار عليكم يا ضنايا.

لانت ملامح شاهين فور رؤيتها، واحتواها بين ذراعيه بحنان رجل عاد أخيرًا من حرب طويلة إلى حضن يعرفه، حضن يشبه الأمان الذي لا يشترى.

قبل رأسها بحنو، ثم قال بصوت دافئ متعب: الله يسلمك يا فوزية… عاملة إيه يما؟ وحور عاملة إيه؟

ابتعدت عنه قليلًا، وربتت فوق صدره بحنق مصطنع، قبل أن تقول باستنكار تغلفه الغيرة المحببة:
يا واد كمل جميلك للآخر… في سولك عليا وبعدين اسأل على المزغودة بتاعتك! قال على رأي المثل: ربي يا خيبة للغيبة.

انفجر شاهين ضاحكًا، وعادت إليه روحه الخفيفة للحظات، فلكزها بإصبعه في خصرها مردف بمشاكسة:
الله يا فوفه… إنتي بتغيري وبتركبي الهوا كمان!

قفزت فوزية بخفة، وضربته على صدره بكفها وهي تهتف بحدة مرحة:
أنا أغير؟! دانا أغير من تحت باطي ولا أغير منك ولا منها يا أخويا!

تعالت ضحكته أكثر، ثم أشار إليها بإصبعه وهو يهز رأسه:
لا… باين، باين أهو يا فوفه.

ضحكت هي الأخرى أخيرًا، قبل أن تعود تسأله بفضول:
أومال فين إخواتك يا واد؟ لسه تحت؟

تجمد شاهين للحظة خاطفة.

لحظة صغيرة بالكاد ترى… لكنها مرت على قلبه ثقيلة.
ابتلع لعابه سريعًا، ثم تدارك نفسه وأجبر ملامحه على المرح وهو يقول:
لا يا ستي، افرحي بقى… شكلك هتجوزي بالجوز.

رفعت حاجبيها بعدم فهم، بينما أكمل هو ضاحكًا:
يونس وياسين لبدوا عند خالي… بيدوروا على الخمس فروق بين شموع وأنين.
وخالي حلف يمين طلاق إن اللي يجيبهم الأول يفك أسره! غير كده؟ أهم قاعدين هناك ومش ناويين يتحركوا.

رفعت فوزية حاجبيها بدهشة مبالغ فيها، ثم وضعت يدها فوق خصرها وهي تقول بسخرية لاذعة:
أجوز مين بس يا خيب؟ هو أنا عارفه أجوز الكبير اللي عروسته قربت تتحنط قدامه ويودوها المتحف… لما أجوز الصغيرين يا واد؟!

ثم انفجرت ضاحكة، وهزت رأسها بمرح وهي تكمل:
وبعدين أبوهم وأمهم نفسهم ما بيعرفوش يفرقوا بينهم… هما هيعرفوا؟! أيوه الله… بلا خيبة.

ضحك شاهين بصوت عالي ملأ أرجاء البيت بالحياة، ثم أخذ يلف بعينيه في أنحاء المنزل كطفل يبحث عن شيء يخصه، قبل أن يهتف بعبث:
خلاص يما، هو إيه اللوك اللوك ده؟ إنتي خدتي عليا أوي. فين البت؟! أنا جعان وعايز آكل… فين البت؟!

شهقت فوزية بصدمة تمثيلية، ثم انحنت بسرعة والتقطت خفها المنزلي، وقذفته نحوه بمهارة واضحة وهي تصرخ:
والبت هتعملك إيه في جوعك يا فاجر يا أبو عين أراحة؟!

انحنى شاهين بجسده بسرعة ليتفادى الخف، ثم نظر إليه بذهول مصطنع وهتف:
يا نهار إسود! إنتي بتضربيني بالشبشب يا ولية؟!

ثم أشار إليها بإصبعه متابع بشكوى ساخرة:
وبعدين ما انتوا السبب… مخليني آكل حرام! بقالي من زمان بقولكم جوزونا… عدو العيال من النهارده بقي!

لوحت له فوزية بيدها وكأنها ستضربه مجددًا، لكنه كان قد تحرك بالفعل نحو غرفته بخطوات واسعة، ثم أشار لها بيده وهو يقول بعبث مستفز:
وبعدين أنا بقولك أهو… أنا رايح آكل…. شغل الحموات الأرشنة ده، وتيجي بعدين تخبطيلي على الباب وتقرفيني بالمشاكل المتأجلة من يوم ما قالوا: يلا نجوزك لي ابويا…

ثم أضاف وهو يهم بفتح باب غرفته:
انتي حره… أنا عايز آكل بمزاج.

ضحكت فوزية من قلبها، وجلست فوق الأريكة وهي تهتف بمرح صاخب:
حما!! حموك في كنك يا شاهين يا ابن بطني!

توقف شاهين لحظة، ثم التفت إليها بضحكة واسعة، وقال بصوته الوقح المشاكس:
كنكة دي صغيرة أوي يما… طيب قولي يحموك في بانيو إنت وحور! يارب يما… يارب.

ابتسمت فوزية بتمني صادق أضاء ملامحها المتعبة، ثم قالت بحنان دافئ: ربنا يهدي لك عمك أحمد يا بني، ويقرب البعيد… ويفرحني بيك أنت وإخواتك.

ثم ضيقت عينيها بمكر لطيف وأضافت:
وبعدين المزغودة بتاعتك مش جوه.

توقف شاهين فجأة عند باب غرفته، والتفت إليها بعينين اتسعتا بدهشة امتزجت بالغضب، قبل أن يهدر بصوت حاد: أوعي تقولي إنها راحت الكلية!

هزت فوزية رأسها بالنفي وهي تضحك من انفعاله، ثم قالت بمرح:
لا يا سبع الرجالة… خافت تروح، ما انت مربيلها الرعب. كلت شاورما هوهو، وتقلت ونامت… بس في أوضتها.

عض شاهين شفته بحنق واضح، ثم تحرك سريعًا نحو باب الشقة وهو يهتف متذمرا: يا بنت الكلب… سابِت أوضتي!

ضحكت فوزية أكثر، وأشارت نحوه بإصبعها قائلة بعبث:
ما هو طول ما انت بتشتمه ، مش هتشممك ضفرها يا أبو لسان زِفر! وتعالى من عندك اترزع هنا… عشان شهد نزلت من شوية، والبِت جوه لوحدها.

توقف شاهين في منتصف خطوته.

التفت إليها ببطء، وعيناه اتسعت بذهول ممزوج بالاعتراض، ثم أخرج صوت محتقن من أعماق حلقه:
أخخخخخ… ده أحا!

مرر يده في شعره بعصبية، ثم أكمل وهو يحدق فيها وكأنها ارتكبت خيانة عظمى:
يعني هي جوه لوحدها… وأنا أقعد هنا زي خيبتها؟! ده حتى غلط عليا!

ثم أشار إليها باتهام.طفولي ساخط:
إنتي يا ولية معايا ولا عليا؟ طيب لما تيجي شهد، قعديها جنبك وشربيها شاي بالياسمين!

التقطت فوزية خفها الآخر دون تردد، وقذفته نحوه وهي تهتف بنزق حقيقي هذه المرة:
هتشغلني أريِل يا ابن الجزمة؟! طيب يا شاهين… لو إيدك اتمدت على البت، هقطعهالك… ولا انت ابني ولا أعرفك!

انفجر شاهين ضاحكًا، ثم ألقى لها قبلة في الهواء بمشاكسة وقحة، قبل أن يستدير ويتحرك نحو باب شقة أحمد.

أدخل يده في جيبه وأخرج سلسلة المفاتيح، ثم فتح الباب بهدوء حذر، ودلف إلى الداخل بخطوات خفيفة تشبه خطوات لص محترف، قبل أن يغمغم بصوت منخفض ساخر:
ورحمة أبويا… أنا حرامي جدع… لا كسرت كالون، ولا خربشت باب… إيدي تتلف في حرير.

أغلق شاهين الباب خلفه بهدوء، ثم تحرك بخطوات سريعة نحو غرفة حور، مدفوع بذلك الشوق المجنون الذي ظل ينهشه طوال الطريق.

قبض على المقبض وفتح الباب بعنف خفيف…

لكنه تجمد مكانه فجأة.

كأن أحدهم سحب الهواء من صدره دفعة واحدة.

كانت حور نائمة فوق السرير في هدوء كامل، غارقة في نومٍ عميق لا تدري معه أن قلب رجل على بُعد خطوات منها يكاد ينفجر داخل صدره.

ترتدي قميص قطني بسيط بحمالات رفيعة، انسدل فوق جسدها بنعومة مستفزة، بينما انخفضت فتحته عند صدرها يكشف عن نهديها بسخاء حار بشكل أربك أنفاسه،

وانحسر القماش إلى أعلى فخذها دون رحمة، كاشف عن ساقين ناعمتين بلون الحليب، تلمع بشرتهما تحت الضوء الخافت كإغواء متعمد.

وقف شاهين يحدق بها في ذهول صامت.

شعر بحرارةوعنيفة تصعد إلى رأسه، بينما جف حلقه دفعة واحدة، فبلل شفتيه أكثر من مرة محاولًا استعادة أنفاسه المضطربة.

مرر يده فوق وجهه بخشونة، يحاول السيطرة على ذلك الوحش المنفلت داخله… ذاك الجوع العنيف الذي هدده للحظة أن ينسى كل ما حوله ، ويفترسها دون وعي أو رحمه…

لكنه تراجع فجأة.

قبض على الباب وأغلقه بسرعة، كأنه يطرد الشيطان من أمامه لا يغلق غرفة على فتاة نائمة، ثم أسند ظهره للحائط وغمغم بصوت مبحوح متوتر:
يلعن إبليسك… إيه الجسم ده!

مسح العرق المتجمع فوق جبينه بكم قميصه، ثم أخذ يلوح بيده أمام وجهه محاولًا التنفس، وهمس بتحسر ساخر: يا ريتني سمعت كلام فوزية… أهي آخرة اللي ما يسمعش كلام أمه.

ثم عض شفته وهو يهز رأسه بعجز:
البت عاملة زي الموزة البتلو… تخلي الواحد نفسه يعض فيها كده من كتر الحلاوة.

ظل واقف لحظات يحاول استعادة اتزانه، قبل أن يلتفت أخيرًا نحو الباب ويطرقه عدة طرقات متتالية، ثم انتظر قليلًا دون رد.

فعاد يطرق الباب من جديد وهو يتمتم باختناق مضحك:
حور! إنتي يا بت… إنتي نايمة على ودانك وسيبة الناس تتحرق وهي واقفة؟

ثم زفر بحرارة وأردف بتذمر درامي:
قومي… قامت قيامة أحمد عليا زي ما سيبني كل حاجة قامت!

وفجأة انفتح الباب بسرعةٍ أربكته…

واندفعت حور نحوه دون وعي كامل بما ترتديه، أو بما قد تفعله تلك اللحظة برجل كان يقف أصلًا على حافة الاحتراق.

ألقت نفسها بين ذراعيه مباشرة، وتعلقت بعنقه بعفوية ناعمة، بينما هتفت بصوت مبحوح دافئ من أثر النوم:
شينو… إنت هنا بجد؟ وحشتني أوي… أوي.

في اللحظة التي التصقت فيها به، شعر شاهين وكأن عقله توقف تمامًا.

ضمها إليه بعنف غريزي، حتى انضغط جسدها الصغير فوق صدره القاسي، وكادت تختفي بين ضلوعه من شدة احتوائه لها.

أغمض عينيه بقوة، وعض شفته بعنف حتى شعر بطعم الدم في فمه، بينما خرج صوته متحشرج مختنق:
لا يا بت… أنا في النار… وبتشوي حي.

تململت حور بين ذراعيه عندما شعرت بقسوة قبضته، وحاولت دفعه بصعوبة وهمست بأنفاس متقطعة:
شاهين… هتكسر عضمي… بالراحة يا حبيبي.

فتح عينيه فورًا، وكأن صوتها أعاده إلى وعيه بالقوة.

تركها على مضض واضح، ثم ابتعد خطوة للخلف وأشار إليها بحدة، بينما كانت عيناه مشتعلة بشكل أربكها:
بسرعة… اخفي..بسرعه..

ثم هدر بصوت خشن حاد، يحاول به السيطرة على شيء يكاد يفلت منه:
لو شفتك لابسة كده تاني… حتى قدام نفسك… مش هقولك هعمل إيه، بس هزعلك يا حور.

تجمدت حور مكانها.

حدقت به بذهول حقيقي، وكأنها لم تفهم سبب انفجاره المفاجئ، لكن رعبها تضاعف عندما صاح فجأة بصوت أكثر حدة وخشونه : غوري يا بت! استري نفسك!

انتفض جسدها بخوف، ثم تراجعت سريعًا إلى الداخل وأغلقت الباب خلفها، بينما انزلقت دموعها دون إرادة، وخرج صوتها المرتجف من خلف الباب:
أنا نسيت… ماخدتش بالي لابسة إيه لما سمعت صوتك يا شاهين…

ضرب شاهين الباب بقدمه بعنف مكتوم، حتى اهتز الخشب تحت ضربته، ثم هدر بغضب مشتعل وغيرة كادت تخنقه:
دانا اللي هاخد روحك… لو شوفتك بالمنظر ده تاني!

ثم استدار وانصرف بخطوات غاضبة سريعة، تهتز الأرض تحت وقعها، بينما ظل صوت بكاء حور الخافت يتردد في الشقة…

كطعنة ثقيلة تضرب صدره مع كل خطوة يبتعد بها.

…..

في منزل أبو المجد طلعت…

هبطت غزل الدرج بخطوات خفيفة متعجلة، بينما كان صوت آسر يصلها من الصالة، يملأ المكان بخفته المعتادة وضحكاته المستفزة التي لا تهدأ… وهتفت بصوت خافت : ازيك يا آسر ، عامله ايه؟

وما إن لمحها حتى مال برأسه للخلف قليلًا، وابتسامة واسعة ترتسم فوق شفتيه، بينما هتف بصوته الأجش المرح: الله يسلمك يا غزولة… رايحة فين كده متشيكة ومستعجلة؟

ابتسمت غزل بتوتر خفيف، ثم أشارت بيدها وهي تحاول أن تبدو طبيعية:
رايحة مع واحدة صاحبتي للدكتور زكريا… أصلها تعبانة شوية.

أومأ آسر ببطء، لكن عينيه لمعت بمكر واضح جعل قلبها ينقبض، ثم قال بنبرة هادئة تحمل خبث مستفز :
يا قلب أمك… صاحبتك عيانة؟ لا سلامتها.

ثم مال للأمام قليلًا متابع بنفس النبرة:
وعلى كده بقى… حجزتوا؟ ولا هتروحوا والدكتور يدخلكم على طول كده حبا في العيون؟

ارتبكت غزل للحظة، ثم رفعت كتفيها بتوتر واضح وهي تجيب بسرعة: لا… هنروح نحجز هناك ونستنى عادي.

أشارت لها والدتها باستغراب بسيط وقالت:
طيب ما كنتي حجزتي بالتليفون يا غزل بدل القاعدة في العيادة والزحمة؟

فتحت غزل فمها محاولة اختراع أي إجابة…
لكن آسر سبقها.

التفت نحو والدتها بكسلٍ متعمد، ثم قال بخبث قاتل:
حتى لو كانت حجزت… كانت هتعرف إن العيادة اف النهارده أصلًا.

انعقد حاجبا غزل فورًا، والتفتت إليه بصدمة واضحة:
يعني إيه؟

رفع آسر إحدى حاجبيه، واتسعت ابتسامته المستفزة أكثر، ثم قال وهو يرمقها بنظرة مليئة باللعب:
يعني… الدكتور تعبان وعنده حرارة… أجازة النهارده يا غزولة.

تسمرت قدما غزل فوق الدرجة الأخيرة، وكأن الكلمات أصابتها في مقتل.

شعرت بوخزة حادة تضرب صدرها فجأة، فخرج صوتها دون انتباه منها، مفعم بالقلق الحقيقي: يعني… عيان بجد والله؟

رفع آسر حاجبه بخبث، ثم أومأ برأسه بتأثر مصطنع وهو يقول: لا، هو عنده حرارة…. بس هيبقى كويس.

التفتت والدتها نحوها بدهشة، ولاحظت الارتباك الذي مر سريعا فوق ملامحها، فقالت باستغراب:
وانتي اتخضيتي كده ليه يا حبيبتي؟

ابتلعت غزل لعابها بصعوبة، وشعرت بأن التوتر فضحها أكثر مما ينبغي، فقالت بسرعة وهي تتجنب النظر إليهما:
لا… متخضتش… أنا كويسة.

لوح آسر بيده في الهواء كأنه اكتشف السر أخيرًا، ثم قال بمكر مستفز:
تلاقيها زعلت عشان صاحبتها التعبانة مش هتكشف.

ثم مال قليلًا نحو غزل وأكمل بنفس النبرة العابثة:
بس متقلقيش يا غزولة… أنا عندي دكتور أحسن من زكريا.

هزت غزل رأسها بالنفي سريعًا، ثم غمغمت بصوت خافت مرتبك:خلاص… مفيش داعي… نستنى الدكتور زكريا وخلاص… اللي نعرفه أحسن من اللي ما نعرفوش.

أخرج آسر هاتفه وبدأ يعبث به لثواني، ثم رفع رأسه فجأة ونظر إليها، قبل أن يغمز بعينه بعبث واضح:
بعتلك الرقم… أنا متأكد إن الدكتور ده هيعجبك أوي.

انعقد حاجبا غزل بدهشة، بينما لوحت والدتها بيدها باستنكار وهي تقول:
يعجبها إزاي يعني يا قليل الأدب؟

انفجر آسر ضاحكًا، ثم فرد ذراعيه وهو يشرح بحماس تمثيلي:
يعني هيجيب من الآخر يا طنط! إيده تتلف في حرير… ودماغه ألماظ… وجدع جدعونة… وابن بلد وشهم شهمونة… وحلو حلونة… ياااه! وصاحب صاحبه أوي كمان.

شهقت عزة وهي تضرب كف بكف ، وهتفت بنزق مصطنع : جرى إيه يا ابن المجنونة انت؟!

ضحك آسر أكثر، ثم أشار إليها بإصبعه قائلًا بمشاكسة:
بتشتمي الفتك… عشان كده هتطلقي بدري يا مرات عمي!!

أشارت له عزة بيدها بحنق مصطنع، وقالت وهي تحاول كتم ضحكتها:
على إيه يا أخويا؟ دانا لو محكوم عليا بمؤبد…
كان زماني خرجت حسن سير وسلوك.

تعالت ضحكات آسر وغزل معًا، وانكسر التوتر أخيرًا عن وجهها، ثم تحركت صاعدة نحو الدرج من جديد.

لكن قبل أن تختفي، رفع آسر صوته خلفها وهو يقول بخبث ممتع:عشان كده بقى… أنا عملت الواجب ده بنفسي.
…..
في منزل جارحي السعدني…

امتدت السفرة الطويلة في قلب الصالة الكبيرة، تعلوها أصوات الرجال وضجيج الأطباق ورائحة الطعام الساخن التي ملأت المكان بدفءٍ عائلي ثقيل.

جلس جارحي في صدر المائدة بهيبته المعتادة، وعلى يمينه أحمد، وإلى جواره يونس ثم ياسين، بينما جلس سيد على يساره وبجانبه زكريا.

وفي الجهة المقابلة، كانت ثنية وشموع وأنين يتحركن بين المقاعد بخفة سريعة، يضعن الطعام أمام الجميع في صمتٍ معتاد لا يخلو من المراقبة والاهتمام.

اقتربت شموع من يونس بخطوات ثابتة، ثم بدأت تملأ طبقه بالطعام بسخاء مبالغ فيه، حتى كاد الطبق يفيض أمامه.

رفع يونس حاجبه ببطء، ثم رفع رأسه ينظر إليها بنظرات مشتعلة بالاستنكار، لكنها رغم غضبه كانت تحمل شيئًا آخر… شيئًا متفحص لا يهدأ كلما وقفت قريبة منه.

ثم قال بحدة خشنة: في إيه يا بت؟ كل ده؟ حد قالك إني مفجوع؟

هزت شموع رأسها بالنفي ببرودها المعتاد، وكأن سخريته لا تعنيها في شيء، ثم قالت وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها: أنا غلطانة إني عايزاك ترم الكام عضمة اللي باجين في چسمك وتخف بسرعه..

ثم سحبت الطبق الممتلئ من أمامه فجأة، ووضعَت بدلًا منه طبق فارغ وهي تتمتم بابتسامة باردة مستفزة:
إغرف لحالك…. على كيفك يا أخوي.

اشتعلت عينا يونس بضيق حقيقي، وكور قبضته فوق الطاولة، قبل أن يغمغم بسخط مكتوم:
يا بت الكلب…

جلس يونس أمام طبقه بملامح متجهمة، بينما كانت شموع تتحرك أمامه ببرود مستفز، وكأنها لم تلقى للتو حرب صغيرة فوق رأسه وانصرفت.

راقبها بطرف عينه وهي تبتعد، ثم زفر بحنقٍ مكتوم، قبل أن يميل أحمد نحوه قليلًا، مقتربًا من أذنه حتى لا يسمعه أحد، وهمس بصوت خافت يحمل ذلك العبث الثقيل الممزوج بسخرية سوداء: هو انت دوست على ديل قطة وإنت صغير؟ إيه كل ما تقع، تقع في مرة حرنانة؟

اختنقت ضحكة يونس داخل صدره، وهز رأسه بالنفي وهمس بعبث: يا عم دي عبها فاضي.

رفع أحمد عينيه إليه ببطء، ثم حدق فيه لحظة وكأنه يستوعب ما قاله، قبل أن يرفع شفته بحنق حقيقي ويهمس بحدة:أحا… وانت إيه اللي دخلك عبها يا علـ*…؟!

عض يونس شفته سريعًا وهو يكتم ضحكته بصعوبة، ثم مال نحوه أكثر وهمس بتبرير مرتبك:
يا دي الليلة السودة… أنا قصدي آخرها فاضي!

ثم أشار برأسه ناحية شموع وتمتم:
بُق على الفاضي… أبوها وأخوها قاعدين، اسكت الله لا يسيئك… هنخرج من هنا بقضية نسب.

كتم أحمد ضحكته بصعوبة، لكنه لكزه بذراعه أسفل الطاولة وهمس بحنق:مش انت اللي لسانك مسحوب منك وجبت سيرة العب وأنا مالي؟

مال يونس للخلف قليلًا، وابتسامة خبيثة تشق وجهه رغم عنه، ثم همس وهو يرمقه بنظرة ذات مغزى:
هو اللي بيعمله فيك شاهين جاي تطلعه عليا؟

اختفت الابتسامة فورًا من وجه أحمد.

ضغط على الشوكة بين أصابعه بعنف واضح، حتى ابيضت مفاصله، ثم همس من بين أسنانه بغيظ مكتوم:
اسكت… متفكرنيش.

مرر يده فوق وجهه بضيق، ثم أكمل بصوت منخفض متوتر: أنا مش عارف إزاي خدني في دوكة….
وقعدني أنا جنبكم … وسافر هو!
ربنا يستر على البت لحد ما أرجع….

اختفى العبث من عيني يونس في اللحظة نفسها.
اعتدل في جلسته قليلًا، ثم أشار إليه بيده وهو يقول بنبرة جادة خالصة: آخر واحد تخاف على حور منه هو شاهين.

ثم ضيق عينيه مردف بثقة حاسمة:
انت نسيت شاهين ولا إيه يا أبو حميد؟ ده يقلع جلده ويستر بيه حور لو احتاجت.

ساد الصمت بينهما للحظة قصيرة…
لحظة امتلأت بشيء أعمق من المزاح.

شيء يشبه الاطمئنان الذي يولد من معرفة الرجال ببعضهم جيدًا… حتى في أسوأ لحظاتهم.

ثم أومأ أحمد برأسه أخيرًا، وأخفى قلقه خلف تنهيدة قصيرة وهو يقول بخشونة مقتضبة: طيب… اتلهي وكل.

على الطرف الآخر من السفرة، كان ياسين يتابع أنين بطرف عينه منذ بداية الجلسة، يراقب ارتباكها الصامت وطريقتها المتوترة في التحرك بين المقاعد، وكأنها تخشى حتى أن ترفع عينيها نحوه.

وحين اقتربت لتضع أحد الأطباق، مال قليلًا للأمام، ثم غمزها بخفة سريعة وهو يقول بصوت لعوب:
وانتي يا مش هتغذيني يا أنين… عشان أخف؟

اتسعت عينا أنين فورًا، واشتعل وجهها بحمرة مباغتة أربكتها حتى أطرافها، بينما هزت رأسها بالنفي سريعًا وقالت بصوت خافت متلعثم: اتفضل… الأكل كله جدامك.

ثم تراجعت للخلف بسرعه واضحة، كأنها تهرب من نظراته لا من المكان، بينما كان قلبها يدق بعنف مجنون حتى خيل لها أن كل من حولها يسمعه.

لكن سيد لمح كل شيء.
لمح الغمزة… ولمح ارتباك أنين بعدها.

فنهض قليلًا من مكانه، ثم لكز ياسين بعنف في ساقه أسفل الطاولة، حتى تأوه الأخير مختنق ، قبل أن يبدأ سيد بوضع الطعام في طبقه بشكل مبالغ فيه وهتف بصوت حاد:
كل يا ياسين… الوكل كتير، يمكن يملى عينك اللي هتغمز بيها ديه!

انفجر بعض الجالسين ضاحكين، بينما رفع ياسين حاجبه بمكر مستفز وقال وهو يدلك ساقه:
لا، انت فهمت غلط… دانا عيني مطروفة.

عاد سيد للجلوس وهو يرمقه بنظرة خشنة، ثم قال بتهديد ساخر:سلامة جلبك يا واد عمتي.

ثم التفت ناحية زكريا الجالس بهدوئه المعتاد وقال بجدية عبثية:زي بعضها يا دكتور زكريا… اجلع له عينه وريح منيها.

رفع زكريا رأسه أخيرًا عن طبقه، وأشار بيده ببرود طبيب اعتاد على الجنون من حوله، ثم قال:
لا، ده بيقولك مطروفة… هات بس بلور وأنا أنفخله فيها.

تعالت الضحكات حول السفرة، واهتز الجو الثقيل أخيرًا بشيء من الدفء والمرح، بينما هز ياسين رأسه باستسلام مضحك وتمتم: كل التقسيم ده… عشان غمزة يتيمة؟!

مال ياسين بجسده نحو يونس، وبريق العبث يلمع في عينيه، ثم همس بصوت خافت بالكاد يسمع: أومال لو طرحتها وقعت في حجري…. وشلتها وحطيتها تحت مخدتي… كانوا عملوا فيا إيه؟

لم ينتظر يونس حتى ينهي جملته.

لكزه بعنف أسفل الطاولة حتى اختنق ياسين من الألم، ثم همس من بين فكيه المشدودين بغيظ حقيقي:
ولا حاجة يا حبيب أخوك… كانوا هيعلقوك في سلبة وسط الغيطان…. اطفح وانت ساكت.

كتم ياسين ضحكته بصعوبة، بينما عاد الهدوء النسبي إلى السفرة للحظات، قبل أن يلتفت سيد ناحية والده وقال بصوت عملي جاد:
أنا هتوكل على الله بعد ساعة يا أبوي على مزرعة الإسماعيلية.

رفع جارحي رأسه نحوه، وتقلصت ملامحه بدهشة بسيطة وهو يسأله: أباه… إسماعيلية ليه دلوق يا ولدي؟

أشار سيد بيده وهو ينهي طعامه بهدوء:
في تچار اتفجت معاهم على ميت راس…. هروح أسلمهم بنفسي….والغفير جال إن فيه كام راس عيانة… هروح أبص عليهم.

وقبل أن يرد جارحي، خرج صوت شموع فجأة وهي تنظر لسيد بدهشة حقيقية: طب وأنا مين هيوصلني الجامعة يا سيد؟ أنا همشي بكرة… أجازة العيد خلصت.

رفع يونس رأسه إليها فورًا.

تجمد لثانية، ثم قطب حاجبيه ببطء، وكأن عقله يحاول استيعاب التحول الذي حدث أمامه للتو.

وهمس لنفسه بذهول ساخر: إيه الرقة دي؟

ثم مال قليلًا وهو يحدق بها كأنها شخص آخر تمامًا:
دي كانت فين وأنا بنشد الطرحة؟ مطلعتش معاها ليه؟

نظر سيد إلى شموع وكأنه تذكر أمرًا سقط من رأسه فعلًا، فضرب جبهته بكفه وهتف بضيق:
أباه على مخي… نسيت خالص يا شموع وأنا بعطي المعاد للناس.

هزت شموع رأسها بهدوء رقيق، وقالت بصوت خافت لم يعتده أحد منها: ولا يهمك يا أخوي… المهم مصلحة الشغل.

رمش يونس بعينيه عدة مرات، ثم مال برأسه وهو ينظر إليها بذهول حقيقي، كأنها كائن خرج فجأة من عالم آخر لا يشبه الفتاة التي تعرف كيف تشعل الحرب بكلمة.

ثم تمتم هامس بسخرية مذهولة: أومال فين غفير الدرك اللي كان بيهب فيا كل شوية؟

كان يونس لا يزال يحدق في شموع بنفس تلك النظرة المذهولة، وكأن عقله عالق عند النسخة الهادئة الرقيقة التي ظهرت فجأة أمامه، غير قادر على التصديق أن تلك الفتاة نفسها هي التي كانت منذ أيام على وشك اقتلاع روحه بلسانها الحاد.

لاحظ أحمد شروده، فقبض على ذراعه فجأة وسحبه نحوه بعنف خفيف، ثم همس بغيظ: هتدلق من على الكرسي يا جردل.

مال يونس نحوه فورًا، وعيناه لا تزالان معلقتين بشموع، ثم همس بصوت خافت يحمل دهشة حقيقية:
البت دي… وحياة القطة كيكي عندي، عندها فيوز ضارب.

اختنقت ضحكة أحمد داخل صدره، فانحنى قليلًا وهو يرد بخفوت:حصلت تحلف بالغاليه… تبقى صادق.

ثم غمز له بخبث مستفز: اصبر بس … وشوف الطلعة دي رايحة على فين… أنا هشحنلك القطة معانا في شنطة العربية.

تعلقت يد يونس بذراع أحمد بسرعة ولهفة خرجت منه رغم عنه، وهمس بجدية مضحكة: وحياة شاهين عندك؟

سحب أحمد ذراعه منه فورًا وكأنه أمسك شيئًا مقرف، ثم تمتم باشمئزاز ساخر : اتفو عليك وعليه.

ثم اعتدل في جلسته والتفت ناحية جارحي قائلًا بجدية عادية:خلاص… إحنا كده كده ماشيين بكرة… ناخد شموع معانا.

أشار جارحي بيده وهو يرد بهدوء: بس المسافة بينكم وبين سكنها بعيدة… وسيد بيوصلها لحد باب السكن بنفسه.

رفع يونس رأسه فورًا، وكأن شيئًا استفزه في الجملة، ثم قال بحنق واضح وصوت ارتفع دون أن ينتبه: وإحنا كمان هنوصلها لحد باب أوضتها مش السكن!
ولا انت شايفنا عُول يا خال؟

ساد الصمت لثانية…

ثم خفض أحمد رأسه سريعًا وهو يكتم ضحكته بصعوبة، بينما عض ياسين شفته، وأدار زكريا وجهه للناحية الأخرى حتى لا ينفجر ضاحكًا.

مال أحمد على يونس وهمس بسخرية:
طيب إيه؟ نكتب القائمة احتياطي ولا إيه؟

لوح جارحي بيده وهو يهز رأسه بضحكة خافتة:
لا… عداك العيب يا واد أختي.

ثم التفت ناحية شموع التي كانت تقف بصمت تراقب الحوار بعينيها الهادئتين، وقال بصوته الأبوي الخشن:
حضري حالك يا بتي… هتعاودي مع عمك أحمد وولاد عمتك.

أومأت شموع برأسها ببطء.
لكن تلك الحركة الصغيرة لم تكن هادئة كما بدت… بل أشبه بمن يتهيأ لمعركة يعرف أنها قادمة لا محالة.

ثم قالت بصوت خافت مستسلم: اللي تشوفه يا أبوي.

رفع يونس عينيه إليها فورًا.
وفي اللحظة التي التقت فيها نظراتهما…

تبدلت نظرته تمامًا.
اختفى الذهول، وحل مكانه شيء آخر أكثر خطورة… تحدي خالص ممزوج بخبث لامع،
كأن بينهما حرب صغيرة بدأت بصمت،
ولم ينتبه لها أحد بعد…

قطع تشابك النظرات المحتدم فوق السفرة صوت رنين هاتف زكريا.

نظر إلى الشاشة أولًا بملامح عادية، لكن ما إن وقعت عيناه على الاسم حتى تبدلت نظرته بالكامل، واتسعت عيناه بدهشة خاطفة لم يستطع إخفاءها.

سحب الهاتف سريعًا ونهض من مكانه وهو يقول بهدوء مقتضب: عن إذنكم… هرد على المكالمة دي.

تحرك بخطوات أسرع مما ينبغي، وكأن شيئًا داخله يخشى أن يضيع الصوت قبل أن يصل إليه.

رفع الهاتف إلى أذنه فور خروجه من الصالة…

ثم تجمد.

توقفت خطواته تمامًا، وشعر لوهلة أن قلبه هو من تلقى المكالمة لا الهاتف، عندما انساب صوتها الناعم العذب عبر السماعة:ألوو…

ابتلع لعابه بصعوبة، وأغمض عينيه للحظة قصيرة، قبل أن يهمس بدهشة خرجت تلقائية: ده بجد…؟

جاءه صوتها هذه المرة أكثر حنان، يحمل قلق رقيق أربكه أكثر:طيب… إنت كويس؟

خرج زكريا إلى الحديقة دون وعي، وكأن الهواء داخل المنزل لم يعد يكفيه، ثم جلس فوق أحد المقاعد الحديدية وهو يمرر يده فوق وجهه ببطء.

كانت ابتسامته تتسلل رغماً عنه…

ابتسامة رجل تلقى شيئًا لم يكن يتوقعه، لكنه كان يتمناه في السر.

ثم قال بدهشة صادقة:بصراحة… مش عارف يا غزل. حاسس إني…

قاطعته فورًا بصوت خافت، لكنه ممتلئ بتوتر واضح بخوف حقيقي عليه: مالك يا دكتور؟

أغمض زكريا عينيه للحظة، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة أرهقها الشوق، وبلل شفتيه قبل أن يهمس:  لا… كده كتير أوي عليا.

ساد الصمت بينهما لثواني قصيرة…

ثواني امتلأت بشيء ناعم دافئ، شيء يشبه اقتراب قلبين يحاولان التظاهر بالعقل.

ثم قالت غزل برقه أذابت ما تبقى من اتزانه:
أصل آسر قالي إنك تعبان… وبصراحة، وقفتك معايا قدام طليقي عمري ما هنساها.

وأخذت نفس صغير  قبل أن تكمل بخجل صادق:
عشان كده… حسيت إن المفروض أطمن عليك.

كتم زكريا أنفاسه للحظة طويلة.

طويلة بما يكفي ليشعر أن قلبه ارتبك فعلًا.

ثم قال بنبرة نصفها خبيث، والنصف الآخر وقع في الحب دون مقاومة: آسر ده… اكتر حد أنا بحبه دلوقتي.

ثم ضحك بخفة وأكمل: لو فتحتي قلبي… هتلاقيه قاعد ومربع جوه.

ضحكت غزل بخفة ناعمة وصلت إليه كالموسيقى، ثم قالت بدهشة رقيقة:  ياااه… كل ده في آسر؟

عض زكريا شفته وهو يبتسم بعبث خفيف، ثم قال بنبرة رخوة تحمل دلال مستتر: وضحكة آسر اللي هتخوت عليها…

تنهد بخفة، ثم أكمل بصوت أهدأ وأكثر دفئ:
على العموم… أنا تعبان فعلًا زي ما قالك… ولو عايزة تطمني عليا أوي أوي يعني… تقبلي عزومتي على الغدا بعد بكرة.

ساد الصمت بينهما.
لكنه لم يكن صمت فارغ…

بل امتلأ بشيء مرتجف، دافئ، يشبه اللهفة التي يحاول الطرفان إخفاءها خلف الكلمات العادية.

كان يسمع أنفاسها الخافتة عبر الهاتف، ويشعر أن قلبه ينتظر ردها بطريقة سخيفة لم يعتدها من نفسه.

ثم جاء صوتها أخيرًا…

ناعم، متردد، لكنه يحمل ابتسامة واضحة:
طيب… أنا موافقة.

أغمض زكريا عينيه فورًا، ووضع يده فوق صدره كأن شيئًا أصابه في المنتصف تمامًا، ثم غمغم بصوت مبحوح مبتسم: طيب دي رشقت في قلبي.

ضحكت غزل بخفة رقيقة أذابت آخر ما تبقى من اتزانه، ثم قالت بمرح ناعم: سلام يا دكتور.

أومأ برأسه رغم أنها لا تراه، ثم رد بصوت خرج أكثر حنان مما أراد: سلام يا غزال.

انتهت المكالمة…

لكن زكريا ظل ممسك بالهاتف لثواني طويلة، وكأنه غير مستعد لأن يترك صوتها يغادره بهذه السرعة.

ثم مال برأسه للخلف وأسند جسده إلى الكرسي في الحديقة، مغمض العينين…

لا يريد سماع أي صوت آخر بعد صوتها.

…….

في صباح اليوم التالي…

كان الصمت داخل سيارة شاهين كثيف إلى درجة تكاد تسمع.

صمت ثقيل معلق فوق رأسيهما كغيمة مشحونة، بينما جلست حور إلى جواره تنظر من النافذة طوال الطريق، متجنبة حتى الالتفات نحوه، وكأنه غير موجود أصلًا.

كأنها تعاقبه بالتجاهل…

وكأنها تعرف جيدًا أن تجاهلها وحده قادر على إحراقه أكثر من أي شجار.

أما شاهين، فكان يغلي بصمت.

تململ في مقعده بضيق واضح، واشتدت قبضته فوق المقود حتى برزت عروق يده بقسوة، بينما ظل عقله يعيد مشهد الأمس بلا رحمة.

كان غاضب منها…
وغاضب من نفسه أكثر.

كيف فقد أعصابه معها بتلك الطريقة؟ وكيف سمح لذلك الوحش داخله أن يخرج عليها بهذا العنف؟

زفر بحرارة، ثم صف السيارة أمام بوابة الكلية بعنف خفيف، والتفت إليها أخيرًا.

كانت عيناه مشتعلة بخليط مرهق من الغضب والغيرة والاحتقان الذي لم يهدأ منذ الليلة الماضية.

ثم قال بصوت خشن مقتضب: رني قبل ما تخرجي.

أومأت حور برأسها بصمت بارد، ومدت يدها نحو مقبض الباب دون أن تنظر إليه حتى.

اشتعل شيء داخل صدره فورًا…فهتف بحنق واضح:
معاكي فلوس؟

لكنها لم ترد.
فتحت الباب فقط، وكأن كلماته تمر من حولها لا إليها.

وفي لحظة واحدة، مد شاهين يده وقبض على ذراعها، ثم جذبها نحوه بقوة أربكتها دون أن تؤذيها، فسقطت فوق صدره مباشرة.

ارتجف نفسها فورًا عندما أحاطها دفء جسده ورائحته الثقيلة التي تحفظها عن ظهر قلب.

مال برأسه نحو أذنها، وخرج صوته أجش حاد، يحمل غضب مكتوم أكثر مما يحمل تهديد :
خلي القمص بين حيطان البيت بس…

ثم أكمل بنبرة أكثر خشونة: بس في الشارع… لو بينا إيه، لما أكلمك تقفي وتكلميني يا حور.

مد يده أسفل ذقنها ورفع وجهها إليه بالقوة الكافية ليجبرها على النظر في عينيه.

كانت نظراته مشتعلة بشكل أربك أنفاسها.
ثم قال بصوت خشن منخفض: انزلي يلا.

ارتجف جسدها بعنف خافت بين ذراعيه، ووضعت يدها فوق صدره محاولة تثبيت أنفاسها المرتبكة، قبل أن تومئ برأسها سريعًا وهمس بصوت مهتز: حـ… حاضر.

ثم فتحت الباب وترجلت من السيارة بسرعة، وتحركت بخطوات متعجلة نحو بوابة الجامعة، بينما كانت تحاول عبث السيطرة على ارتجاف جسدها…

لكن أثر صوته ويده ونظرته ظل عالق فيها كالنار.

ظل شاهين يراقبها من خلف زجاج السيارة بعينين محتقنتين بشيء أقرب للجنون…

شغف عنيف يختلط بغضب حارق وغيرة مريضة لا تهدأ.

تابع خطواتها وهي تبتعد عنه سريعًا، حقيبتها تتأرجح فوق كتفها، وخصلات شعرها تتحرك مع الهواء الخفيف، بينما هو جالس مكانه كأن جزءًا منه يسحب معها خطوة بخطوة.

حتى اختفت خلف بوابة الجامعة.

حينها فقط زفر ببطء خشن، ثم التفت برأسه نحو إحدى السيارات المصطفة على جانب الشارع.

سيارة سوداء تقف بهدوء لا يلفت الانتباه…

لكن داخلها كان يجلس رجال شاهين.

رفع رأسه قليلًا وأشار لهم بإيماءة حادة مختصرة، تحمل أمرًا لا يحتاج للكلام.

فأومأ أحد الرجال من داخل السيارة برأسه فورًا، بعينين يقظتين تقولان بوضوح : لا تقلق….

ظل شاهين ينظر نحو بوابة الجامعة لثانية أخيرة، وكأنه يقاوم رغبة غبية في العودة وإنزالها من السيارة بنفسه والهرب بها بعيدًا عن العالم كله…

ثم أدار المحرك أخيرًا وانطلق بسيارته.

بينما بقيت سيارة الحراسة في مكانها…

صامتة، متأهبة، تراقب كل شيء حول حور.

حور…

التي لم تكن بالنسبة لشاهين مجرد امرأة يحبها.

بل كانت محور الكون نفسه… والشيء الوحيد الذي يستطيع أن يحول رجلا مثله إلى وحش يحرق العالم كله إذا شعر يومًا أن الخطر اقترب منها.

في الداخل…

توقفت حور فجأة في منتصف الممر عندما التقطت أذناها صوت مألوف وسط ضجيج الطالبات، فالتفتت بسرعة، وما إن رأت صاحبة الصوت حتى أشرق وجهها تلقائي: نهال! إنتي جيتي النهارده؟

اقتربت نهال منها بخطوات متكاسلة، ثم هزت رأسها بحنق واضح وهي تزفر بضيق: آه… أمي خلتني أجي غصب واقتدار.

ضحكت حور بخفة، ثم لكزتها في ذراعها بمودة وهي تقول: يا بنتي… أمك عايزة مصلحتك.

قلبت نهال عينيها بتذمر، ثم غمغمت بنزق حقيقي:
مصلحتي أنا عارفاها كويس… أنا أصلًا مقررة… أول فرصة تيجيلي هسافر تركيا حتى لو هعوم لحد هناك.

هزت حور رأسها بيأس معتاد من أفكار صديقتها المجنونة، ثم قالت وهي تكتم ابتسامة صغيرة:
مفيش فايدة في دماغك والله.

رفعت نهال حاجبها فجأة، والتفتت إليها بنظرة طويلة تحمل شيئًا من الاستغراب الحقيقي، ثم قالت:
دماغي أنا؟ ولا دماغك إنتي؟

توقفت لحظة قبل أن تكمل بضيق لم تستطع إخفاءه:
أنا نفسي أفهم… إيه اللي عاجبك أوي هنا؟

ثم أشارت بيدها حولها بعصبية خفيفة:
غير الخنقة والتحكمات؟ شاهين، وأبوكي، وولاد عمك… كله بيتحكم فيكي… مستحملة ده كله إزاي؟

انعقد حاجبا حور بدهشة صادقة، وكأنها لا ترى الأمر أصلًا من الزاوية التي تتحدث بها نهال، ثم قالت بسرعة:
يا نهال… دول أهلي.

ولان صوتها أكثر وهي تكمل بعفوية حقيقية:
وبيخافوا عليا من النسمة… إنتي بتقولي إيه بس؟

حدقت نهال فيها لحظات طويلة دون رد، وكأنها عاجزة عن فهم تلك الطمأنينة التي تتحدث بها حور عن القيود نفسها.

أما حور، فلم تنتبه لنظرتها أصلًا.
خفضت عينيها نحو ساعة يدها فجأة، ثم شهقت بخفة وهي تقول بسرعة: يا نهار أبيض! إحنا هنتأخر على المحاضرة… يلا بينا.

هزت نهال رأسها بالنفي وهي تقلب عينيها بملل واضح، ثم غمغمت بنبرة لا تخلو من الاستفزاز: لا… أنا مش هحضر.

رفعت كتفيها بلا مبالاة، ثم أضافت وهي تجلس على طرف الدرج وكأن الأمر لا يعنيها:
هي يعني ناصحة وجابتني الكلية غصب… وفاكرة كده عملت اللي عليها؟ أنا بقى مش داخلة محاضرات ولا حاجة.

سكتت لحظة، ثم لوحت بيدها نحو حور التي بدأت تبتعد: روحي إنتي… وأنا هستناكي هنا.

زفرت حور بحنق خفيف ممزوج بيأس مألوف، وهزت رأسها دون أن ترد، ثم تحركت سريعًا نحو الداخل، تختفي بين الممرات وهي تجر معها قلق بسيط من عناد صديقتها.

أما نهال…

فجلست وحدها على الدرج، أسندت ظهرها إلى الحائط، وسحبت هاتفها بكسل واضح، ثم بدأت تعبث به بلا هدف.

ثواني مرت، قبل أن ترفع الهاتف إلى أذنها بابتسامة جانبية خبيثة، وهمست بصوت يحمل لمعة انتصار صغيرة: حور جت الكلية النهارده… وأخيرًااا.

ومالت نهال على الدرج، تتأمل الممرات المزدحمة بعين لا يهدأ فيها العبث، وكأنها تدير خيوط لعبة تعرف تمامًا كيف ستبدأ ولا تدري كيف ستنتهي…

وفي صدر الكلية، كانت حور تمضي مطمئنة، لا تدري أن اسمها قد أُعلن في مكان آخر كشرارة ستشعل ما هو أبعد من مجرد حضور عابر.
وووووو

ساحره القلم ساره احمد

4 218 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
289 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
ضيف
ضيف
11 أيام

❤️❤️❤️

👑Yamona
👑Yamona
11 أيام
ردّ على  ضيف

♥️♥️

Samar Nazer .K
Samar Nazer .K
11 أيام

روعة تسلم ايدك

👑Yamona
👑Yamona
11 أيام
ردّ على  Samar Nazer .K

تسلمي ي حبيبتي ♥️

omar mohamed
omar mohamed
11 أيام

♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️

👑Yamona
👑Yamona
11 أيام
ردّ على  omar mohamed

♥️♥️

سلمى
سلمى
11 أيام

تسلم ايدك

👑Yamona
👑Yamona
11 أيام
ردّ على  سلمى

تسلمي ي حبيبتي ♥️

سلمى
سلمى
11 أيام

هقرأها بمزاج دلوقتي

👑Yamona
👑Yamona
11 أيام
ردّ على  سلمى

♥️♥️♥️♥️😉

samer yehia
samer yehia
11 أيام

نور ياقمر

👑Yamona
👑Yamona
11 أيام
ردّ على  samer yehia

😉♥️♥️

ضيف
ضيف
11 أيام

تسلم ايدك يا سارة متألقة دايما

👑Yamona
👑Yamona
11 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي ي حبيبتي ♥️

ضيف
ضيف
11 أيام

تسلم ايدك ياسووو مقدما

👑Yamona
👑Yamona
11 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي ي حبيبتي ♥️

سلمى
سلمى
11 أيام

اللي بعده يا سو يا قمر

👑Yamona
👑Yamona
11 أيام
ردّ على  سلمى

بإذن الله ي حبيبتي ♥️

Marwa
Marwa
11 أيام

البارت تحفة كالعادة تسلم ايدك

👑Yamona
👑Yamona
11 أيام
ردّ على  Marwa

تسلمي ي حبيبتي ♥️

ضيف
ضيف
11 أيام

تسلم ايدك ♥️♥️🫶🏻

👑Yamona
👑Yamona
11 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي ي حبيبتي ♥️

Mona
Mona
11 أيام

روعه

👑Yamona
👑Yamona
11 أيام
ردّ على  Mona

عيونك ي حبيبتي ♥️

Samar
Samar
11 أيام

يسلم ابداعك وقلمك مقدما ♥️

👑Yamona
👑Yamona
11 أيام
ردّ على  Samar

تسلمي ي حبيبتي ♥️

ضيف
ضيف
11 أيام

الحلويااات ابا بقا نزلت ❤️❤️❤️❤️

👑Yamona
👑Yamona
11 أيام
ردّ على  ضيف

حلاوة عيونك ♥️

BN Hafid
BN Hafid
11 أيام

الحلويااات ابا بقا نزلت يجدعاان ❤️

👑Yamona
👑Yamona
11 أيام
ردّ على  BN Hafid

حلاوة عيونك ي حبيبتي ♥️

aseel basam
aseel basam
11 أيام

تسلم ايدك تحفة يا ملكة الابداع

👑Yamona
👑Yamona
11 أيام
ردّ على  aseel basam

تسلمي ي حبيبتي ♥️

ضيف
ضيف
11 أيام

تحفة بجد تسلم ايدك يا قلبي ❤️

👑Yamona
👑Yamona
11 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي ي حبيبتي ♥️

Sama
Sama
11 أيام

تسلم ايدك يا سوسو ❤️❤️

ندي
ندي
11 أيام
ردّ على  Sama

تسلمي يا قمر

sooma
sooma
11 أيام

ايه دا بقى مين نهال ديه

ندي
ندي
11 أيام
ردّ على  sooma

هنشوف ي قمر الأحداث الجايه ♥️

مروة البحيرى
مروة البحيرى
11 أيام

رووووووووعة

مروة البحيرى
مروة البحيرى
11 أيام

البارت روووووووووعة

mariem
mariem
11 أيام

ايوا بقاااا اكيد تحفة من قبل ما اقرا اصلا🌚🩷

Sara
Sara
11 أيام

تحفه اوووووي تسلمي يا قلبي

Princess soma
Princess soma
11 أيام

تحفة تحفة

ضيف
ضيف
11 أيام

روعة تسلم ايدك❤️

اميره العدوي
اميره العدوي
11 أيام

تحفه كالتسلم ايدكعاده

Aminah abughaith
Aminah abughaith
11 أيام

كل مرة بتثبتيلنا انك الاروع، وانتي هيك فعلا بقلمك الحلو، تسلم ايديكي ❤️❤️

ام انس
ام انس
11 أيام

تسلم ايدك يا قلبي

ضيف
ضيف
11 أيام

روعهههههههههههههههههههههههه

ضيف
ضيف
11 أيام

تحفه تسلم ايدك

Shimooo
Shimooo
11 أيام

الفصل تحفه اووي تسلم ايدك❤️❤️

بسمة
بسمة
11 أيام

الخابن ظهر بس حاسة في حد تاتي غير نهال

ضيف
ضيف
11 أيام

روعة تسلم ايدك ❤️💙💙

ضيف
ضيف
11 أيام

تسلم ايدك

ضيف
ضيف
11 أيام

تحفه جدا بارت النهارده واحداثه كلها جميله مع اني شكيت سيكا إن شهد هيا العين بتاعت عابدين في بيت المهدي بس قلت اكيد لأ في حد تاني فأنتي ختمتيها بصحبتها عشان نتشوق اكتر واكتر للي جاي

ضيف
ضيف
11 أيام

البارت رووووووووعة ياسارة تسلم ايديكم وعنيكم❤❤❤❤❤

Bata
Bata
11 أيام

بارت فاخر من الاخر

Faten fathy
Faten fathy
11 أيام

بارت روعه

Faten Ramadan
Faten Ramadan
11 أيام

تسلم ايدك يا قلبي 🥰🥰🥰🥰

ضيف
ضيف
11 أيام

تسلم ايدك يا ساره

Malak
Malak
11 أيام

تسلم ايدك ي روحي البارت تحفه

ضيف
ضيف
11 أيام

تسلم الايادي البارت غ

ضيف
ضيف
11 أيام

روووووعة

ضيف
ضيف
11 أيام

روعه

ال رحاب
ال رحاب
11 أيام

بارت تحفة تسلم ايدك

ضيف
ضيف
11 أيام

تحفة

هبه
هبه
11 أيام

حلو جداااا

Omnia Ebrahim
Omnia Ebrahim
11 أيام

رووووعه تسلم ايدك ي سوووووو♥️♥️♥️♥️😘

Omnia Ebrahim
Omnia Ebrahim
11 أيام

منتظرين البارت الجديد ي قلبي ❤️❤️

haneen tayeh 1083
haneen tayeh 1083
11 أيام

البارت روووووعه كالعاده 🥰🥰🥰😍😍