ييبب
ملكي وكفي

ملكي وكفي ( البارت السابع عشر)

ملكي وكفي ( البارت السابع عشر)

ثمة معجزات… لا تهبط من السماء بضجيج.
بل تتسلل في صمت، بعد أن تُنهك الأرواح، وتستنزف الدموع، ويظن القلب أن أبواب الفرج قد أُغلقت إلى الأبد.
وحين يستسلم الجميع لفكرة الفقد… يكتب الله سطرًا جديدًا، يقلب الحكاية كلها رأسًا على عقب.
وكان ذلك الصباح… بداية ذلك السطر.
بعد ليلةٍ كادت تبتلع أرواحهم جميعًا…
أشرق النهار خافتًا، كأنه يخشى أن يوقظ الحزن من سباته.
لكن خلف أحد الأبواب… كان القدر يخبئ مفاجأة كفيلة بأن تُعيد النبض إلى بيتٍ مات فيه الفرح أيامًا طويلة.
غير أن الفرح، هذه المرة… كان مطالبًا أن يسير على أطراف أصابعه، حتى لا يسمعه عدوٌ ما زال يتربص في الظلام.

الفصل ١٧

نظرت فوزيه إلى الداخل…

وفي اللحظة التالية…

اتسعت حدقتاها حتى خُيل لمن يراها أن قلبها توقف عن النبض.

وانسحب الدم من وجهها دفعة واحدة، بينما ارتد جسدها خطوة كاملة إلى الخلف، كأنها أبصرت شبحًا خرج من بين الغياب.

ثم دوى صوتها في أرجاء الشقة، ممزق ذلك الصمت الثقيل:
يالهوووووي… ايه ده يا شاهين؟

ولم تمنح شاهين فرصة لينطق بحرف واحد.

اندفعت إلى الداخل بكل ما تبقى في قلب أم أنهكها الرعب…

وخلفها أنين وشموع وثنيه، يركضن بلهفة لا تقل عن لهفتها، وقد اختلطت الدهشة بالخوف داخل أعينهن حتى عجزن عن استيعاب ما يرين.

وما إن وطئت أقدامهن الغرفة…

حتى تجمد الزمن.

كانت الغرفة أشبه بجناح عناية مركزة نقل بحذافيره إلى قلب المنزل.

أجهزة المراقبة الطبية تملأ المكان.

أسلاك تمتد كالشرايين.

أسطوانات الأكسجين تقف بمحاذاة الجدار.

وصوت الأجهزة ينبض بإيقاع الحياة…

ذلك الإيقاع الذي اشتاقت إليه الأرواح قبل الآذان.

وفي منتصف الغرفة…

كانت حور.
ممددة فوق سرير طبي يشبه تمامًا سرير العناية المركزة.

قناع الأكسجين يستقر فوق وجهها الشاحب.

والأسلاك تحيط بجسدها الواهن.

لكن…

المعجزة لم تكن في الأجهزة.

بل في عينيها….كانت مفتوحتين…

باهتتين من أثر المرض والسهر والموت الذي اقترب منها كثيرًا…

إلا أنهما كانتا تنظران إليهم.

ترى…
وتدرك…
وتحاول أن تبتسم.

وكأن الله أعاد الروح إلى الجسد بعد أن كان الجميع يتهيأ لوداعه.

شهقت فوزيه شهقة اختلط فيها البكاء بالضحك.

ثم أسرعت إليها، وجثت بجوارها.

وحاصرت وجنتيها بين كفيها المرتجفتين، كأنها تخشى أن تختفي من جديد إن أفلتتها.

وانهمرت دموعها فوق وجهها وهي تتمتم بصوت يرتعش من فرط الفرح:
اسم الله عليكي يا ضي عيني…
حمد الله علي السلامه يا بنتي.

ارتسمت على شفتي حور ابتسامة صغيرة…

واهنة…

لكنها كانت كافية لتعيد الحياة إلى قلوب ماتت ألف مرة في الأيام الماضية.

وتنقلت عيناها ببطء بين الوجوه الملتفة حولها…

تقرأ فيها الحب…
واللهفة…
وآثار الدموع التي سكبتها من أجلها.

التفتت فوزيه نحو شاهين، وما زالت غير مصدقة ما تراه بعينيها، وهمست بصوت مبحوح تختلط فيه الرهبة بالفرح:
هي بجد يا ولا… وانا بيتهيالي؟

اقترب شاهين بخطوات هادئة…

كأنه يخشى أن يكون ما يراه حلم ينتهي إذا اقترب أكثر.

ثم انحنى ببطء.
وطبع قبلة طويلة فوق جبين حور، أغمض خلالها عينيه، وكأنه يشكر الله بكل ما في قلبه من انكسار وامتنان.

ولم يرفع عينيه عن وجهها وهمس بصوت اختنق من فرط التأثر:
الحمد لله يا ما… ربنا جبر بخاطرنا…
وقبل دعانا… وحور قامت بالسلامة.

ارتفعت يد فوزيه تلقائيًا نحو فمها، وقد امتلأت عيناها بفرحة كادت تنفجر زغاريد تشق عنان السماء.

لكن…

كانت كف شاهين أسرع.

وضعها فوق فمها برفق ممزوج بالحزم، وهز رأسه نافيًا بعينين مشتعلة باليقظة، ثم قال بصوت خافت يحمل من التحذير أكثر مما يحمل من الكلام:
لالاا ياما بلاش… احنا بنقول يا حيط دارينا… وانتي عايزه تفضحيني.

اتسعت عينا فوزيه بفزع، وكأنها أفاقت فجأة على حقيقة ما كاد يحدث.

أومأت برأسها سريعًا، ثم انحنت دون وعي، وضمت رأس حور إلى صدرها بحنان أم استعادت ابنتها من بين أنياب الموت، وانسابت دموعها وهي تتمتم بصوت مرتجف:
صح يا ابني… نداري على شمعتنا لحد ما تقيد… وكفاية اللي حصل.

أومأ شاهين برأسه في صمت، ثم رفع إصبعه محذرا، وجال بنظره الحاد بين الوجوه كلها، حتى أيقن أن كلماته استقرت في قلوبهن قبل آذانهن، وقال بنبرة لا تقبل نقاشًا:
أهم حاجه… مفيش مخلوق يعرف…
ولا حتى يشم خبر إن حور خرجت من المستشفى.

ساد الصمت.

تبادلت النساء نظرات يملؤها الذهول والقلق، لكن لم تنطق واحدة منهن بحرف.

فهي لم تكن توصية…

بل أمر خرج من رجل يحارب الدنيا كلها ليبقي زوجته على قيد الحياة.

مدت فوزيه يدها برفق نحو قناع الأكسجين، تريد أن ترى وجه حور كاملًا، وأن تطمئن عليها بعينيها.

لكن صوت شاهين انفجر فجأة، وقد ارتجف فيه الخوف حتى بدا وكأن الهواء سينقطع عنه هو إن أُزيل ذلك القناع:
لا ياما… أوعي تشيلي الماسك!

انتفضت فوزيه وسحبت يدها في الحال.

ورفعت حور عينيها إليه ترمشهما ببطء، بينما نظرت إليه فوزيه باستغراب وهمست:
ليه يا شاهين… عايز أطمن عليها يا ابني.

أشار بيده في حسم، ولم يرفع عينيه عن حور لحظة، وقال:
زي بعضه ياما… حور دلوقتي مناعتها ضعيفة زي العيل اللي لسه مولود.

أومأت فوزيه برأسها في تفهم، وتراجعت خطوة إلى الخلف.

وفي تلك اللحظة، قالت أنين وهي تؤيد حديثه بهدوء:
شاهين عنده حق يا عمتي…
وحتى النفس الكتير حولها غلط…

وأشارت شموع بيدها وهي تبتسم لأول مرة منذ أيام، وقد لمعت الدموع داخل عينيها:
المهم قامت بالسلامه… وبعد كده أي حاجه تهون يا عمتي… احنا كنا فين وبقينا فين.

أما ثنيه…

فرفعت كفيها إلى وجهها، تقبلهما ظهر وبطن في امتنان غامر، ثم رفعت بصرها إلى السماء وقالت بصوت اختلط فيه البكاء بالشكر:
ألف حمد وشكر ليك يا رب…
جدر ولطف بينا.

فجأة…

شق رنين جرس الباب سكون الشقة، فارتفعت إليه الأبصار في لحظة واحدة.

أشار شاهين إليهن بيده، وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة نادرة، وقال:
استنوا هنا… سيادة العمدة النائب الجحش جايه.

ثم استدار وغادر الغرفة بخطوات سريعة.

قطبت فوزيه حاجبيها في حيرة، ونظرت إلى الباب وهي تتمتم باستغراب:
جحش إيه اللي طلع السلم لحد الدور الرابع يا ابني؟

رفعت ثنيه منكبيها بعجز امتزج بالدهشة، وقالت وهي تهز رأسها:
أيوه… كيف الچحش همل الزريبة وطلع؟

التقت نظرات شموع وأنين، ثم تبادلتا نظرة حائرة، قبل أن تكاد الضحكة تفلت من شفتيهما من غرابة الحديث.

وما هي إلا لحظات…
حتى انفتح الباب من جديد.

دلف شاهين أولًا، وخلفه يونس وياسين.

رفعت فوزيه رأسها تتلفت خلفهم، ثم سألت بدهشة صادقة:
أمال فين الجحش اللي بتقول عليه؟

انفجرت ضحكة شاهين…

ضحكة حقيقية، خرجت من قلب أنهكه الحزن، حتى بدت غريبة على وجه غاب عنه الفرح أيا طويلة.

أشار بإصبعه إلى شقيقيه وقال:
سلامة الشوف ياما… ما قدامك أهو… تور وجحش.

لم تستطع أنين سوى أن تعض على شفتيها كاتمة ضحكتها، أما شموع فانطلقت منها ضحكة رنانة ملأت المكان.

التفت إليها يونس ببطء، يرمقها بنظرة ضيقة امتلأت بالامتعاض، بينما ارتفع أحد حاجبيه في تحذير صامت.

لكن ثنيه سبقته، ولكزت ابنتها في ذراعها وهي تتمتم بحنق:
يا بت… اتلمي أحسن ما يكلك.

رفعت شموع حاجبها في تحدي ، ونظرت إلى والدتها بمكر وقالت: ولا يقدرلي.

وفي لمح البصر…

كان يونس قد التف خلفها دون أن تشعر.

انحنى قليلًا حتى أصبح صوته عند أذنها مباشرة، ثم قال بنبرة مرتفعة حادة:
صديقيها دي… محدش يقدر يلمها إلا أنا.

شهقت شموع بفزع، وقفزت في مكانها واضعة يدها فوق صدرها، ثم صاحت وهي تلتقط أنفاسها:
يخربيتك… درعتني!

اقترب يونس أكثر، ثم دفعها بكتفه دفعة خفيفة لكنها جعلتها تتراجع عدة خطوات،

قبل أن يلف ذراعه حول منكبي ثنيه بحركة عفوية، ونظر إليها بمكر قائلًا:
أموت وأعرف… اتوحمتي عليها في إيه؟

ضحكت ثنيه بخفوت، وارتسمت على وجهها تلك الملامح التي تجمع بين الحنان والعجز، ثم قالت وهي تهز رأسها:
والنبي يا ولدي ما فاكره… ماهما الاتنين كانوا جوه هيضربوا في بعض كيف البسه والفار….
معرفش مين فيهم بده ايه؟ عشان كده مكنتش بجيب أي حاجه نفسي تهفني عليها.

تسللت الضحكة إلى الجميع كنسمة دافئة بعد أيام من الحزن، وانطلقت القهقهات تملأ الشقة التي بدأت تستعيد شيئًا من روحها المفقودة.

وحدها أنين بقيت صامتة.
كانت تجلس على طرف الأريكة، أصابعها تعبث بطرف ثوبها، وعيناها تهربان كلما شعرت بنظرات ياسين تقترب منها.

أما ياسين فكان ينظر إليها نظرة طويلة ثابتة، كأنه يحاول أن يلتهم ملامحها بعينيه وحدهما.

لم يشارك الضحك تمامًا، بل كان يراقب ارتباكها الخفي، ويشعر بشيء داخله يزداد كلما تجنبت النظر إليه.

رفعت شموع ذقنها بتحد مصطنع، وقالت وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها:
اتوحمت علي مرونجلسي عارفه.

أومأ يونس برأسه بجدية مبالغ فيها، وعيناه لا تزالان معلقتين بها، ثم قال بنبرة خافتة تحمل من الدلال أكثر مما تحمل من السخرية:عارفه يا حرش.

شهقت فوزيه بحنق وضربت كف بكف:
خلاص يا حمار انت بطل رخامتك.

رفع شاهين حاجبه، وأشار إلى يونس بيده قائلًا: لا ده لسه جحش ياما.

انفجرت الضحكات من جديد، حتى كادت فوزيه تضحك رغم عنها، لكنها صكت صدرها وهي تقول باستنكار:
كل ده جحش إزاي بس؟

لوح يونس بيده مستسلم، وقال وهو يتراجع للخلف ضاحكًا:
نقي علي ميتين أبويا لما هتجبيني الأرض.

وفي تلك اللحظة، ولأول مرة منذ أيام، ارتفع الضحك في بيت المهدي بلا بكاء يقطعه.
ضحك مرتبك… متعب… لكنه حقيقي.

ضحك يشبه محاولة قلوب أنهكها الخوف أن تتذكر كيف تعيش من جديد،

بينما كانت حور السرير المجاور تفتح عينيها ببطء، كأنها تعيد الحياة إلى البيت كله معها.

ارتسمت على وجه شاهين ابتسامة باهتة، كانت أول ابتسامة تعرف طريقها إليه منذ أن عاد إليه نفس حور…

ثم أدار وجهه نحو والدته وقال بهدوء امتزج بالفخر:
لا ياما… ده يونس عمل اللي قليل أوي أخ يقدر يعمله لأخوه.

التفتت الأنظار إلى يونس، فابتسم بخفوت دافئ، بينما بقي شاهين ينظر إلى الجميع قبل أن يقول بصوت جاد:
إحنا كان لازم نخرج حور من المستشفى من غير ما روح واحدة تحس، ولا عين تلمحها… خصوصًا إننا لسه منعرفش مين اللي حط السم في العصير، ولا مين اللي مستني يكمل اللي بدأه.

ساد الصمت للحظة، ثم تابع وهو يشير إلى يونس:
عشان كده… يونس عمل نمرة العمدة النائب زوبع الجحش على سن ورمح.

تبادلت الوجوه نظرات الدهشة، وما إن انتهى من جملته حتى انفجر يونس وياسين بالضحك، بينما بقيت البقية ينظرون إليهما بعدم استيعاب.

وأكمل شاهين، وقد عاد شيء من المرح إلى نبرته:
عمل فيها بيموت، وسيد جاب رجالة من الصعيد يسدوا عين الشمس. المستشفى كلها اتقلبت عليهم… وكل الناس جريت ناحيه الاستقبال…

اتسعت أعين الجميع إعجابًا بالمخطط، بينما كانت حور تراقب شاهين بصمت، لا تزال آثار التعب مرسومة على ملامحها، لكنها تنظر إليه وكأنها تراه للمرة الأولى.

اقترب منها شاهين بخطوات هادئة، وانحنى بجوارها، ثم رفع كفها بين يديه وقبّله مرات متتالية، وكأنه يحمد الله في كل قبلة على أنها ما زالت بين يديه.

ورفع عينيه إليها هامسًا بابتسامة خافتة:
عشان ألبس أنا بعد كده لبس الجحش الواسع… وأحط حور على صدري تحت الجلابية.

ضحكت حور ضحكة واهنة بالكاد سمعت، بينما عقدت شموع حاجبيها بدهشة وقالت:
إزاي مشيت بيها؟

التفت إليها شاهين مجيب، وقد اتسعت ابتسامته لأول مرة منذ أيام:
ثبتناها على صدري بحزام… زي الشيالة اللي النسوان بتلبسها وتشيل فيها عيالها. وزوبع الجحش أصلًا بكرش… محدش خد باله.

انفجرت الغرفة كلها بالضحك، ضحكة خرجت هذه المرة من قلوب أنهكها الخوف، وكأنها أول شهيق بعد غرق طويل.

وضعت فوزية يدها فوق رأسها وهي تهزها غير مصدقة، ثم هتفت بذهول امتزج بالفرحة: أمال فين عمك أحمد وشهد؟

ابتسم شاهين وهو يربت برفق على يد حور، ثم قال مطمئنًا:
سيبتهم في المستشفى….
لحد دلوقتي كل الناس فاكرة إن حور لسه في العناية… وعم أحمد وشهد هناك عشان محدش يشك في حاجة….الدكتور آسر وزكريا كمان مأمن الموضوع، وأي حد يسأل هيقول إن حالتها زي ما هي.

ثم غامت عيناه وهو يضيف بنبرة حاسمة لا تعرف التردد:
لحد ما أعرف مين اللي حاول يقتل مراتي… حور بالنسبة للدنيا كلها لسه في أوضة العناية… أما هنا… فهي في حضن بيتها، وبين أهلها… وتحت عيني. ومن النهارده… اللي هيفكر يقرب منها، هيقرب من موته الأول.

كان الذهول سيد الموقف.

تبادلت الأنظار بينهم في صمت ثقيل، وقد انعقدت الدهشة فوق الوجوه حتى بدا وكأن الكلمات قد خانتهم جميعًا.

عقدت فوزية حاجبيها وهي تنظر إلى شاهين بعدم استيعاب، ثم قالت ببطء وقد ارتسمت الحيرة على ملامحها:
ومين اللي مكان حور هناك؟

ارتسمت على ثغر شاهين ابتسامة صغيرة، لم تخل من المكر، وغمز بعينه قائلًا:
نهال عملت حادثه مقصوده ودخلت المستشفى سايحه في دمها….
واتحطت علي الاجهزه مكان حور… وده كان دور ياسين.

التفتت الرؤوس كلها دفعة واحدة نحو ياسين، كأن عشرات الأسئلة انطلقت في اللحظة نفسها واستقرت فوق وجهه.

أما هو… فلم يتغير فيه شيء.

ظل واقفًا في مكانه، يرفع حاجب واحد بضيق ساخر، ثم لوح بكفه وهو يقول بنبرة ممتعضة:
مالكم… أنا معملتش حاجه، هي اللي كلبة فلوس أنا مالي… أنا كنت بس دليفري وصلتها المستشفى.

انفلتت ضحكة خافتة من يونس، بينما هز شاهين رأسه بيأس مصطنع، أما شموع فعضت على شفتيها حتى لا تنفجر ضاحكة.

لكن…

لم يكن الجميع يضحك.

كانت أنين تقف في طرف الغرفة، تنظر إلى ياسين بنظرة قصيرة… امتلأت بالضيق، وبشيء آخر لم تستطع حتى هي أن تفسره.

كانت تسمع حديثه، وتستعيد في عقلها كل ما جرى خلال الأيام الماضية، وكل مرة عاد فيها بملابسه الملطخة بالغبار، أو خرج في منتصف الليل دون تفسير، وكل كلمة كان يجيبها بها وهو يتهرب من عينيها.

ابتلعت غصتها، ثم قالت بصوت خفيض، تحاول أن تخفي ما ارتجف داخله:
الحمد الله علي سلامة حور يا عمتي…
ويا شاهين.

ولم تنتظر رد…

استدارت وغادرت الغرفة بخطوات متسارعة، وكأنها تهرب من شعور بدأ يكبر داخلها أكثر مما ينبغي.

تابعتها عينا ياسين حتى اختفت خلف الباب.

زفر ببطء…

وأطبق فكيه بضيق.
لم يكن غضبه منها…
بل من نفسه.

من قلبه الذي صار يلتفت إليها قبل أن تلتفت هي إليه.

في المقابل…

انفرجت أسارير فوزية أخيرًا بعد أيام طويلة من الخوف والوجع.

اقتربت من شاهين، وضمت وجهه بين كفيها، ثم جذبته إلى صدرها بقوة، وهي تقول بفخر امتزج بالدموع:
رجاله يا ولد المهدي… رجاله.

ابتسم شاهين ابتسامة واهنة، وأغمض عينيه لحظة بين ذراعي والدته.

لأول مرة منذ أيام…

شعر أن صدره استطاع أن يلتقط نفس كامل…

ورغم أن الحرب لم تنتهي بعد…

ورغم أن عابدين ما زال طليق، وأن السم ما زال يحمل وجوه لم تكشف بعد …

إلا أن حور كانت هنا…

تتنفس.
وكان ذلك وحده…
يكفي ليمنحهم جميعًا سبب جديد للقتال.

……
في المستشفى ….

كان الإرهاق قد انتصر أخيرًا على شهد، فانحنى رأسها فوق منكب أحمد…

وغرقت في غفوة قصيرة انتزعتها الأيام القاسية من بين جفونها عنوة…

لم تكن نومة راحة، بل كانت استسلام جسدٍ أنهكه الخوف، حتى عجز عن حمل روحه أكثر.

أدار أحمد وجهه إليها ببطء، وتأمل ملامحها التي أكلها السهر، والهالات الداكنة التي استقرت أسفل عينيها، والدموع التي جف بعضها وبقي أثرها محفور فوق وجنتيها.

ارتجف قلبه.

مال عليها في حذر، وكأنها قطعة من روحه يخشى أن يوقظها من تعبها، وطبع قبلة طويلة فوق حجابها، ثم همس بصوت مبحوح يفيض حب ووجع:
سامحيني يا شهد… بس إنتي مش هتعرفي تمثلي إنك زعلانة… فرحتك بحور هتفضحنا كلنا.

ظل ينظر إليها لحظات، ثم أغمض عينيه وهو يحمد الله في سره أن ابنته ما زالت تتنفس… حتى وإن كانت بعيدة عن عينيه.

اقترب زكريا بخطوات هادئة، وربت على منكب أحمد برفق، وهمس:
معلش يا عمي… كام يوم، وكل حاجة هتبقى تمام إن شاء الله.

رفع أحمد رأسه إليه.

كانت عيناه غارقتين بالدموع… لكن لأول مرة منذ أيام، كان في أعماقهما بصيص نور يشبه الحياة.

ابتسم ابتسامة باهتة، وقال بصوت متحشرج:
فدا حور عيني يا زكريا… كله يهون… المهم إن حور قامت بالسلامة، ورجعت على صدر شاهين… بيتها من تاني.

اتسعت ابتسامة زكريا، وانفلتت منه ضحكة خافتة كسرت شيئًا من ثقل الممر، وقال بمرح:
متفكرنيش بمنظرهم وإحنا بنلف الحزام عليهم… كانوا عاملين زي الكنغر وبنته!

ضحك أحمد رغم دموعه، ضحكة خرجت من قلب ظل أيام لا يعرف إلا النحيب، ثم قال وهو يهز رأسه:
ما هي بنته كمان.

سادت بينهما لحظة صمت… لكنها لم تكن صمت الحزن، بل صمت الامتنان لله بعد أن أعاد إليهما الأمل من حافة الفقد.

ربت زكريا على منكبه مرة أخرى، ثم أشار إلى إحدى الغرف القريبة وقال برفق:
قوم يا عمي… خد شهد تنام على السرير جوه… وقعت من طولها من التعب.

أومأ أحمد برأسه في هدوء ، وقال :
ماشي.

ابتسم زكريا ابتسامة دافئة، ثم قال:
أنا هروح وأجيلك الصبح…
عايز حاجة أجيبها لك؟

أجاب أحمد وهو ما يزال ينظر إلى شهد:
هاتولي هدوم… وخلي أمك تجيب هدوم لشهد.

أومأ زكريا بإيجاب وقال:
حاضر… تصبح على خير يا أبو حميد.

ابتسم أحمد ابتسامة أبوية صادقة، وقال:
وإنت من أهله يا حبيبي.

انصرف زكريا، وبقي الممر ساكن من جديد.

انحنى أحمد بحنان بالغ، وأدخل ذراع أسفل ركبتي شهد، والأخرى حول ظهرها، ثم حملها بين ذراعيه كما يحمل المرء أثمن ما يملك.

لم تستيقظ…

بل أطلقت تنهيدة صغيرة، واستكانت أكثر إلى صدره، كأنها وجدت أخيرًا المكان الوحيد الذي تأمن فيه من قسوة الدنيا.

ضمها إليه بحذر، وسار بخطوات بطيئة لا يكاد يسمع لها وقع، يخشى أن يوقظها، أو يوقظ معها كل ذلك الألم الذي أنهكها.

وصل إلى الغرفة، فتح الباب برفق، ثم دلف إلى الداخل وأغلقه خلفه في هدوء…

وبقي خارج الباب ممر بارد، يختلط فيه رائحة المطهرات بدعوات لا تزال معلقة بين الأرض والسماء، تنتظر أن يكتمل الفرج.

وصل زكريا إلى باب غرفة غزل، وما إن هم برفع يده ليطرق الباب حتى انفتح من الداخل بهدوء…

لتظهر غزل جالسة على كرسيها المتحرك، بينما كانت والدتها تدفعه بحذر، وعلامات القلق لا تفارق وجهها.

قالت عزة وهي تزفر بضيق:
مش كنا استنينا آسر يا بنتي؟ هنروح إزاي لوحدنا؟

أجابت غزل بصوت خافت، ما زال يحمل آثار الإرهاق: أنا طلبت كريم يا ماما.

وقبل أن تكمل حديثها، شق صوت زكريا الصمت، حاد لكنه يحمل دفئ خفي:
وآسر ولا كريم ليه… وأنا موجود؟

رفعت غزل رأسها إليه على مهل، وما إن التقت عيناها بعينيه حتى لمع فيهما بريق لم تستطع إخفاءه، بريق يشبه الطمأنينة التي تأتي فجأة بعد أيام طويلة من الخوف.

ابتسمت عزة ابتسامة ودودة وقالت:
كتر خيرك يا بني… مش عايزين نتعبك معانا.

لم يجبها زكريا.

بل تقدم بخطوات ثابتة نحو غزل، ثم انحنى أمامها دون أدنى تردد، ومد ذراعيه إليها.

وفي لحظة واحدة…

ارتفعت عن كرسيها بين ذراعيه كما لو أنها لا تزن شيئًا.

شهقت غزل بذهول اختلط بحمرة خجل اجتاحت وجهها دفعة واحدة، وارتجف جسدها ارتجافة خفيفة، بينما تشبثت يداها به غريزيًا وهي تهتف مرتبكة:
إيه ده… لا لا… ماما!

أشارت عزة إليه بدهشة صادقة وقالت:
ليه يا ابني تشيلها؟ ما تزقها بالكرسي أحسن… ده الجبس لوحده تقيل أوي.

هز زكريا رأسه نافيًا، ولم يبطئ خطواته وهو يتجه بها نحو الممر، ثم قال بهدوء وابتسامة خافتة:
هو الجبس تقيل… بس متشغليش بالك يا أمي.

غير أن عينيه كانتا تقولان شيئًا آخر…

كانتا معلقتين بوجه غزل، تلتهمان ملامحه في صمت، كأنهما تعوضان أيام الغياب والخصام والخوف دفعة واحدة، وكأن حملها بين ذراعيه لم يكن مجرد مساعدة…

بل كان شعور انتظره طويلاً

أما غزل…

فلم تعد تقوى على مواجهة ذلك الشغف الصامت المتدفق من عينيه.

أطرقت رأسها بخجل، وانزلقت أصابعها ببطء لتقبض على ياقة سترته، وكأنها وجدت فيها موضع تستند إليه، بينما كانت دقات قلبها تتسابق داخل صدرها حتى خشيت أن يسمعها.

توقفت عزة لحظة تنظر إليهما بدهشة لم تستطع إخفاءها، ثم ابتسمت في هدوء وهي تتمتم داخلها بحمد الله، قبل أن تسرع في اللحاق بهما.

وعند باب المصعد…

وقف زكريا ثابت، لا تزال غزل بين ذراعيه، وكأن العالم كله توقف للحظة قصيرة… لا يسمع فيها سوى خفقات قلبين، أدرك كل منهما أخيرًا مكانه الحقيقي.

انفتح باب المصعد ببطء، فدلف زكريا أولًا وهو يحمل غزل بين ذراعيه، تتبعه عزة بخطوات هادئة، ثم انغلق الباب خلفهم بصوت معدني خافت، فعزلهم عن صخب المستشفى للحظات قصيرة.

في ذلك الحيز الضيق…

شعر زكريا بجسد غزل يرتجف بين ذراعيه ارتجافة خفيفة لم تخفي عنه.

خفض بصره إليها، وقد انعقد القلق بين حاجبيه، وهمس بصوت ملؤه الاهتمام:
مالك يا غزل… بتترعشي كده ليه؟
خايفة ولا تعبانة؟ قولي قبل ما نسيب المستشفى… الله لا يسيئك، نديكي بوق جلوكوز ولا حقنة عضل؟

هزت غزل رأسها بالنفي سريعًا، بينما كانت حمرة الخجل تزحف على وجنتيها حتى غمرت أذنيها، وشعرت بحرارة وجهها تفضح ارتباكها.

ثم همست بخجل يكاد لا يسمع:
لا… أصل… محدش شالني كده قبل كده.

توقفت عيناه عند وجهها لحظة، ثم ارتفع أحد حاجبيه بدهشة ممزوجة بابتسامة دافئة، وقال بصوت خفيض:
أحسن… ملهوش في الطيب ولا الحلوة نصيب.

ازدادت حمرة وجهها، وأطرقت رأسها أكثر، بينما راحت أصابعها تتشبث بطرف سترته دون أن تشعر.

وفي تلك اللحظة…

انفتح باب المصعد.

خرج زكريا بخطوات ثابتة، كأنه يحمل شيئًا أثمن من أن يسمح للريح أن تمسه، ولحقت به عزة وهي تراقبهما في صمت امتزجت فيه الدهشة بالرضا.

وصل إلى سيارته، فأشار للحارس.

أسرع الحارس وفتح الباب الأمامي، فانحنى زكريا في عناية بالغة، وأنزل غزل برفق فوق المقعد، ثم عدل وضع المقعد إلى الخلف حتى يمنح ساقها المجبرة أكبر قدر من الراحة.

ظل منحني أمامها، يتأملها بعينين امتلأتا بحنان صادق، ثم سألها بصوت هادئ:
مرتاحة كده يا قمر؟

أومأت برأسها بخجل، وهي تتجنب النظر إلى عينيه، وهمست: أمم.

ارتسمت ابتسامة خبيثة على شفتيه.

ومد إصبعه ببطء، ثم مرره بخفة فوق وجنتها في حركة عابثة لم تستغرق سوى لحظة…

لكنها كانت كافية لتشعل وجنتها أكثر.

شهقت غزل شهقة صغيرة خرجت منها رغم عنها، واتسعت عيناها في ارتباك…

بينما ابتعد زكريا في هدوء تام، وكأنه لم يفعل شيئًا، تارك قلبها يخفق بعنف حتى خيل إليها أن الجميع يسمعه.

ثم أغلق الباب برفق، واتجه إلى الباب الخلفي، وفتحه لعزة باحترام، وقال:
اتفضلي يا أمي.

ابتسمت عزة وهي تصعد إلى السيارة، وقد أصبحت ترى ما كانت تخشاه أن يكون مجرد وهم.

أغلق الباب خلفها، ثم دار زكريا حول السيارة، واستقر خلف المقود.

أدار المحرك، وانطلقت السيارة بهدوء تشق طريقها في شوارع الليل، بينما بقيت عيناه بين الحين والآخر تسرقان نظرة سريعة نحو غزل…

وكأن قلبه هو الآخر، لم يعد يعرف طريق يسير فيه إلا إليها.

داخل السيارة…

ساد هدوء مريح لم يقطعه سوى صوت المحرك، بينما كانت أضواء الطريق تنعكس على الوجوه في ومضات متتابعة.

ألقى زكريا نظرة خاطفة نحو غزل، ثم هبطت عيناه إلى ساقها الملتفة بالجبيرة، فعقد حاجبيه بقلق لم يستطع إخفاءه، وسألها برفق:
بجد مرتاحة يا غزل؟

أومأت برأسها بهدوء، وقالت بصوت خفيض: مرتاحة.

ابتسمت عزة وهي تنقل بصرها بينهما، تلك الابتسامة التي لا تعرفها إلا الأمهات حين يرين في عيون بناتهن بداية طمأنينة انتظرنها طويلًا، ثم قالت بدعوة خرجت من أعماق قلبها:
مرتاحة… أمال… ربنا يريح قلوبكم يا ضنايا.

ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتي زكريا، فرفع عينيه إلى مرآة السيارة ينظر إلى عزة، وقال بمكر لطيف:
يعني… إنتي موافقة على الراحة دي؟

ضحكت عزة من قلبها، ومدت يدها تربت على منكبه بحنان أمومي، وقالت دون تردد:
من قلبي يا حبيبي.

التفتت غزل إلى والدتها في دهشة، وقد انعقد حاجباها وهي تقول:
هو إيه اللي من قلبك يا ماما؟

لوحت عزة بيدها وقالت ببساطة:
بتمنى راحتك يا قلب ماما.

ابتسم زكريا ابتسامة عابثة وهو يتمتم:
على البركة.

ازدادت حيرة غزل، بينما ضحكت عزة وقالت بحماس:
وعشان البركة تحط رجلها… تيجي تتغدى معانا بعد بكرة.

التفتت غزل إليها بسرعة، وهتفت بخجل ممزوج بالاعتراض: ماما!

رمقتها عزة بنظرة حازمة يغلفها المرح، وقالت:
لازم نشكره على تعبه معانا يا بنتي… الأصول بتقول كده.

ثم التفتت إلى زكريا وسألته بابتسامة:
ولا إيه يا ابن الأصول؟

أومأ زكريا برأسه في وقار مصطنع، لكنه لم يمنع نفسه من سرقة نظرة طويلة إلى غزل، وقال وعيناه تلمعان بالعبث:
طبعًا… بس بنتك شكلها بخيلة ولا إيه؟

أطرقت غزل رأسها حتى كادت تلامس ذقنها صدرها، واكتست وجنتاها بحمرة زادت جمالها، بينما انفجرت عزة ضاحكة وقالت:
لا… بخيلة إزاي؟ هي بس متخدها حبتين.

هز زكريا رأسه وهو يخفي ابتسامته:
شكلها كده.

ازدادت غزل خجلًا، واكتفت بالنظر من نافذة السيارة حتى لا تقع عيناها بعينيه مرة أخرى، بينما كانت ابتسامتها
الصغيرة تفضح كل محاولاتها للاختباء.

واستمرت السيارة تشق الطريق بهدوء، تحمل بين ركابها حديث بسيط…

لكن القلوب التي بداخلها كانت تقول أشياء أكبر بكثير من كل الكلمات، حتى اتجهت بهم نحو منزل أبو المجد.
………..

داخل مخازن عابدين الشيخ…

شق صرير الإطارات سكون المكان، فتوقفت سيارة عابدين بعنف أمام المخزن.

انفتح الباب، وترجل عابدين بخطوات ثابتة متعجلة، تتبعه عزيز، بينما ارتسمت على وجه الأول ملامح من الجمود البارد، تخفي خلفها شماتة سوداء لا يعرفها إلا من اعتاد أن يصنع المصائب ثم يقف يتفرج عليها.

كان المخزن يعج برجال الشرطة، وصناديق اللحوم مفتوحة، وروائح الفساد تملأ الأجواء، فيما كانت عدسات الكاميرات توثق كل شيء.

تقدم عابدين حتى وقف أمام ضابط الشرطة، ثم زفر ببطء، وأجاد ارتداء قناع الدهشة حتى بدا كأنه لا يعلم شيئًا عما يحدث.

وقال بنبرة هادئة:
خير يا باشا… إيه اللي بيحصل هنا ده؟

استدار الضابط إليه، وكانت ملامحه مشتعلة بالغضب، ثم رفع حاجبه وهدر بصوت غليظ:
إنت اللي هتقولي… إيه القرف اللي داخل البلد ده؟

انعقد حاجبا عابدين في دهشة متقنة، حتى ليصعب على من يراه أن يشك في تمثيله، وقال مستنكر :
قرف إيه يا هيثم باشا؟ حرام عليك تقول على النعمة قرف.

اقترب هيثم حتى لم يعد يفصل بينهما سوى خطوات قليلة، وحدق في عينيه بصرامة، ثم قال:
لما تبقى لحمة فاسدة ومسرطنة… تبقى قرف على دماغك.

هز عابدين رأسه ببطء، ثم أطلق ضحكة باردة كأنها خرجت من قلب لا يعرف الرحمة، وقال:
لا… مش على دماغي… على دماغ صاحبها.

مال هيثم برأسه قليلًا، بينما قبض كفه خلف ظهره في محاولة للسيطرة على أعصابه، وقال بحدة:
ويا ترى بقى… مين صاحبها يا اللي منتش صاحبها؟

التفت عابدين نصف التفاتة إلى عزيز، ومد يده إليه دون أن ينظر له، وقال بصوت جامد: هات ورق الشحنة يا عزيز.

تظاهر عزيز بالحيرة، فعقد حاجبيه وقال باستغراب مصطنع:
ورق الشحنة؟… أي ورق يا باشا؟

استدار إليه عابدين بعصبية حادة، وهدر:
الورق اللي مضي عليه ابن المهدي.

أومأ عزيز كأنه تذكر فجأة، ثم قال بمنتهى البرود:
آه… الورق ده.

توقف لحظة، ثم هز كتفيه بلا مبالاة، وأضاف:
ده أنا عدمته في مفرمة الورق.

ساد صمت ثقيل…

اندفع عابدين نحو عزيز كالإعصار، وقبض على ياقة سترته بعنف حتى تجعد القماش بين أصابعه، وبدا كأنه على وشك أن يمزقه قبل أن يمزق صاحبه.

كانت عيناه قد احمرتا من شدة الغضب، وانتفخت عروق عنقه، ثم هدر بصوت حاد دوى بين جدران المخزن:
انت بتقول إيه يا ابن المرة؟!
دانا هعدمك… وهفرم لحمك!

لم تهتز لعزيز شعرة.

ظل واقفًا في مكانه، يحدق في وجه عابدين بثبات أثار جنونه أكثر، ثم رفع أحد حاجبيه وقال ببرود قاتل:
انت اللي هتتعلق في حبل المشنقة يا عابدين… مش حد تاني…
انت اللي هتدفع تمن كل دمعة نزلت من أمي… وقهرت أبويا في السجن… انت اللي هتدفع… مش حد تاني.

تجمد عابدين لوهلة.

وامتزج الذهول بالغضب في ملامحه، ثم زمجر وهو يهزه بعنف:
انت مين يا ابن الـ****؟! ومين أمك وأبوك؟

اتسعت ابتسامة عزيز.

ابتسامة لم تحمل شفقة ولا رحمة… بل كانت كحد السكين، تنغرس في صدر عابدين ببطء.

ثم قال بصوت هادئ، لكنه أشد وقعًا من الصراخ:
وإنت قاعد في السجن… ارجع بذاكرتك. افتكر كل واحد ظلمته، وكل واحد غدرت بيه، وكل بيت خربته، وكل روح كنت السبب في موتها… أو موت حد من أهلها… أو مرض حد من عيالها.

مال نحوه قليلًا، ثم همس كمن يغرس آخر مسمار في نعش خصمه:
وأكيد… هتفتكر ناصر الشيمي.

ارتجف جسد عابدين ارتجافة عنيفة.
وفي لحظة انفجر جنونه دفعة واحدة.

انتزع سلاحه من خلف ظهره بسرعة البرق، وصاح بصوت هز أرجاء المخزن:
هقتلك يا ابن الشيمي… هقتلك!

لكن قبل أن يضغط الزناد…

اندفع هيثم ومعه عدد من أفراد الشرطة، فأطبقوا على ذراعيه بقوة، وانتزعوا السلاح من يده، ثم قيدوه رغم مقاومته الشرسة التي كادت تطيح بالجميع.

كان يتلوى بينهم كوحش جريح، يصرخ ويزأر وقد فقد آخر ذرة من اتزانه:
مش هسيبك يا عزيز… هقتلك بإيدي! هخليك تتمنى الموت كل لحظة… ألف مرة!

ظل صوته يتردد في أرجاء المخزن، بينما كانت القيود الحديدية تحكم قبضتها حول معصميه، وتسحبه إلى الخارج رغم عنه.

أما عزيز…

فبقي واقفًا في مكانه، يتابع المشهد بعينين امتلأتا بشماتة باردة، وراحة طال انتظارها، كأن سنوات القهر كلها بدأت ترد إليه حقها في تلك اللحظة.

ولما اقترب عابدين من باب المخزن، رفع عزيز يده ببطء، وغمز له بعينه في سخرية لاذعة، ثم قال بابتسامة خبيثة:
مع السلامة… يا شيخ.
………..
في اليوم التالي…
في منزل المهدي…
في شقة شاهين المهدي…

كانت الغرفة غارقة في سكون دافئ، لا يقطعه سوى الهمس المنتظم لجهاز الأكسجين، وأنفاس حور الواهنة التي ما زالت تقاتل لتتشبث بالحياة.

جلس شاهين إلى جوارها، يحمل الكوب بين يديه بكلتا كفيه، كأنه يحمل روحها لا مجرد عصير، وعيناه لا تفارقان وجهها الشاحب الذي بدأ يستعيد شيئًا يسير من لونه بعد أيام بدت له كالعمر كله.

أشارت حور إليه بيد مرتعشة، ثم حركت رأسها إلى الجانب الآخر في وهن، وهمست بصوت خافت خرج متقطع:
كفاية يا شاهين… مش قادرة أشرب تاني.

خفض شاهين بصره إلى الكوب، ثم عاد ينظر إليها بحنان يذيب أقسى القلوب، وقال برفق:
يا حور عيني… إنتي مشربتيش غير نص الكوباية.

هزت رأسها بالنفي، وعقدت حاجبيها كطفلة ضاقت بما فرض عليها، ثم همست:
أنا زهقت يا شاهين… وكمان وحشني طعم الأكل… أنا ليا يومين أشرب سوايل بس… زهقت.

توقفت أنفاسه لحظة.

ابتلع الغصة التي أحرقت حلقه، ثم انحنى يقبل يدها قبلة طويلة، كأنه يستمد منها الصبر، وهمس بصوت مبحوح يفيض حبًا:
معلش يا حبيبي… لازم نمشي على كلام الدكتور لحد ما تخفي… وبعدها هجبلك الدنيا كلها تحت رجلك.

حدقت فيه بعينيها الذابلتين، ثم همست في خجل طفولي:أنا عايزة شاورما.

ضحك شاهين ضحكة صغيرة اختلطت بدمعة فرت من عينه رغم عنه، وقال وهو يمسح وجنتها برفق:
هجبلك شاورما… وتومية… ومخلل… وبيبسي كمان… بس إنتي تشدي حيلك وتقومي يا بت.

ارتسمت على شفتيها ابتسامة واهنة، بالكاد ظهرت، لكنها بالنسبة إليه كانت أثمن من الدنيا كلها.

ثم رفعت بصرها إليه، وداخل عينيها خوف صغير لم تستطع إخفاءه، وأشارت إليه بيدها، وهمست:
هو… إنت هتسيبني أبات هنا لوحدي يا شاهين؟… أنا بخاف أبات لوحدي.

ارتعش قلبه.
وأجابها فورًا، دون لحظة تردد:
لا طبعًا… أنا أقدر أسيب روحي؟… أنا هنيمك بين ضلوعي… وقلبي فرشتك… ودمي غطاكي يا عمري.

أغمضت عينيها لحظة، وكأن كلماته كانت الدواء الذي احتاجته أكثر من أي شيء آخر.

ثم أومأت برأسها في وهن، ورفعت يدها إليه بصعوبة، وهمست بصوت يغلبه النعاس: أنا عايزة أنام… يا شيمو.

أومأ شاهين على الفور، وكأنها أصدرت إليه أمر مقدس…

تحرك إلى جوارها، وأسندها برفق شديد حتى استقرت بين ذراعيه، ثم عدل قناع الأكسجين فوق وجهها بعناية، خشية أن يضايقها ولو قليلًا.

احتواها إلى صدره بكل ما أوتي من حنان، وأحاطها بذراعيه كأنهما حصن يخفيها عن الدنيا بأسرها.

وأمال شفتيه إلى جوار رأسها، وهمس بصوت مبحوح يقطر وجع وحب:
نامي يا عمري… نامي.

تنفست حور رائحته بعمق…

تلك الرائحة التي كانت بالنسبة إليها وطن كامل، وأمان لم تعرفه إلا بين ذراعيه.

استرخى جسدها شيئًا فشيئًا، وهدأت أنفاسها، ثم أغلقت عينيها في راحة لم تذقها منذ أيام، وسرعان ما غرقت في نومٍ عميق.

أما شاهين…

فلم يغمض له جفن.

ظل يضمها إلى صدره بكل قوته، كأن ذراعيه عهد قطعه على نفسه ألا يسمح للموت، ولا للقدر، ولا للدنيا كلها… أن تنتزعها منه مرة أخرى.

……………….

في سطح منزل المهدي…

لف السكون سطح المنزل إلا من صوت بكاء مكتوم، كانت أنين تجلس في أحد الأركان، تضم ساقيها إلى صدرها، بينما الدموع تنساب على وجنتيها بلا انقطاع، وكأن عينيها أبتا أن تعرفا طريق الجفاف منذ الليلة الماضية.

اقتربت منها شموع، وجلست إلى جوارها، ثم أحاطتها بذراعيها في محاولة لاحتواء قلبها قبل جسدها، وربتت على ظهرها بحنان وهي تقول:
خلاص يا بت… كل البكا ديه على ذكر النسناس اللي اسمه ياسين؟

ازدادت شهقات أنين، وانكمش قلبها أكثر، ثم قالت بصوتٍ مبحوح تقطعه العبرات:
أنا يزعجلي ويحرچني جدامهم عشان وجفت في البلكونه… وهو داير على حل شعره مع اللي اسمها هبابه ديه.

زفرت شموع بقلة حيلة، ولوحت بيدها في الهواء وهي تهتف بضيق:
انتي غلطانة… مسهوكة جوي جدامه….
كبر دماغك منه واديلوه على دماغه…
عشان شكله عيل مهزج.

شهقت أنين في عتاب، والتفتت إليها بعينين حمراوين من كثرة البكاء، وقالت بحنق طفولي:
أنا مش مسهوكه… أنا عادي…
هو اللي مهزج.

لم تستطع شموع منع نفسها من الضحك، فضحكت بخفة وهي تربت على ذراعها وقالت:
ماشي… انتي صح….
بس بطلي بكا يا خيتي… عيونك دبلت من كتر الدموع.

أومأت أنين برأسها في صمت، ورفعت ظهر يدها تمسح به دموعها التي لم تتوقف، كأنها تحاول عبث أن تخفي وجع فضحته عيناها قبل كلماتها.

نهضت شموع وهي تنفض ثوبها، ثم قالت بمرح متعمد عله ينتزع ابتسامة من قلب شقيقتها:
أنا هنزل أجيب حاچه نشربها…
تروج دمنا اللي عكره سي هباب.

أومأت أنين برأسها دون أن تنطق، واكتفت بمتابعة شموع بعينيها حتى اختفت خلف باب السطح.

وما إن أُغلق الباب…

حتى عادت أنين تنظر إلى السماء بصمت.

وأطلقت زفرة طويلة أثقلت صدرها.

كانت تحاول أن تقنع نفسها بأنها غاضبة…

لكن الحقيقة التي كانت تهرب منها، أن أكثر ما أوجعها لم يكن صراخه…

بل أنها كانت تنتظر منه كلمة حانية، فتلقت بدل منها قسوة لا تزال تؤلم قلبها حتى الآن.

مرت لحظات ثقيلة…

نهضت أنين ببطء، وكأن الحزن صار حمل يشد أطرافها إلى الأرض، ثم اقتربت من سور السطح…

وأسندت كفيها عليه، وأخذت تحدق في أضواء السيدة زينب المتناثرة أسفلها…

بينما النسيم الليلي يعبث بخصلات شعرها الهاربة من حجابها ، ويجفف ما تبقى على وجنتيها من آثار الدموع.

ظنت أنها أصبحت وحدها…

وأن الليل وحده صار يسمع أنين قلبها.

وفجأة…

انتفض جسدها كله، واتسعت عيناها بفزع، عندما شق سكون الليل ذلك الصوت الذي تحفظه عن ظهر قلب، حتى لو خرج بين آلاف الأصوات.

قال بحدة يخفي خلفها لهفة لم يستطع إخفاءها:
إيه اللي مطلعك في الضلمة دي يا بت؟

استدارت إليه بسرعة.

تلاقت أعينهما…
ورأى في عينيها بقايا دموع لم تجف بعد.

أما هي، فما إن رأته حتى اشتعل الغيظ داخلها، وقالت وهي تخفي ارتباكها:
ملكش صالح.

ارتسمت ابتسامة جانبية على شفتيه، ثم اقترب منها بخطوات ثابتة، حتى لم يعد يفصل بينهما سوى خطوة واحدة، وقال وهو يرمقها بنظرة مشاكسة:
صالح؟… وصالح ده مين اللي بتحشريه بينا دلوقتي؟

ضيقت عينيها بحنق، وحاولت أن تمر من جواره دون أن تمنحه فرصة أخرى للحديث.

لكن ياسين كان أسرع.

مد ذراعيه، وأسندهما على سور السطح من جانبيها، فأصبحت محاصرة بينه وبين السور، لا تجد طريق للهرب.

ثم مال إليها قليلًا، وقال بصوت أجش، امتزجت فيه الرجولة بالدفء:
كل ده زعل مني… عشان بغير عليكي، ومش عايز حد يلمح طرفك؟

انخفضت عيناها إلى الأرض رغم عنها، وكسا الخجل وجهها كله، ثم همست بصوت خافت:
وتغير عليا ليه أصلًا… وإنت مالك؟

تأمل ملامحها طويلًا…
وكأنها أجمل ما وقعت عليه عيناه.

ثم اقترب حتى أصبحت كلماته تلامس أذنها، وهمس:
ما إنتي مالي… وحالي… وحلالي كمان.

رفعت رأسها إليه فجأة، وقد امتزجت الدهشة بالخجل، وقالت وهي ترمقه بعدم استيعاب:
كيف يعني؟… إنت اتخوت؟

ضحك بخفوت، ثم اقترب أكثر، حتى التصق صدره بها التصاق خفيف، وهمس وعيناه لا تفارقان عينيها:
يعني… إنتي عايزة تفهميني إن الدنيا كلها فهمت إني بحبك، وهموت عليكي… إلا إنتي؟ اللي الغباء حط عليكي يا بت؟

اتسعت عيناها في ذهول، ثم عقدت حاجبيها بغضب لطيف، ورفعت رأسها تحدق فيه مباشرة، وهتفت:
أنا غبية؟

رفع أحد حاجبيه، وهز رأسه في استنكار مصطنع، ثم قال:
يعني إنتي سيبت بحبك و هموت عليكي… ومسكتي في غبية؟… يبقى إنتي إيه… بأمانة؟

وضعت أنين كفها الصغير على صدره، ودفعته برفق غلب عليه الخجل أكثر من الرفض، بينما كانت حرارة وجهها تزداد مع كل كلمة تسمعها منه، ثم قالت بصوت مبحوح، تختلط فيه الحياء بالعتاب:
بس… حتى لو بتحبني… كيف ما هتجول، ملكش حج تزعجلي… حتي لو غيران،
ولا ليك حج تجرب كده… غير لو كنت چوزي.

ساد صمت قصير…

نظر إليها ياسين نظرة امتلأت بالإعجاب، حتى خُيل إليها أنه لم يعد يرى في الدنيا سواها.

ثم رفع يده ببطء، ووضعها فوق الموضع الذي لامسته كفها على صدره، وكأن لمستها تركت أثر يخشى أن يزول، فانحنى يقبل يده، وقال بابتسامة واسعة أضاءت وجهه:
بس متقوليش لو … ده أنا جوزك إن شاء الله، واتعشت على كده… والله بحبك يا أنين… حقك عليا بقى.

ارتبكت أنين أكثر، وشعرت بأن قلبها يكاد يفضحها من شدة خفقانه.

لكنها تماسكت، ورفعت إصبعها في وجهه بتحذير رقيق، بينما كانت عيناها اللامعتان تفضحان ضعفها أمامه أكثر مما تخفيه كلماتها، وقالت بنزق لطيف:
بس برضك… أنا مش بحب حد يزعجلي ويحرچني جدام الناس يا ياسين.

أومأ ياسين برأسه في هدوء، وقد ذابت ملامحه قسوة أمام دموعها التي رآها منذ قليل.

اقترب منها خطوة…

ثم انحنى، وطبع قبلة حانية على جبينها، وهمس بصوته الأجش الذي ارتجف بالصدق:
آخر مرة… يا عمر ياسين… وأنينه.

شهقت أنين، واتسعت عيناها بخجل، ثم دفعته في صدره دفعة واهنة يشوبها الدلال أكثر من الغضب، وهتفت:
جولتلك… متجربش يا ياسين.

ابتسم ابتسامة عابثة، وأومأ برأسه كأنه استجاب…

ثم قال فجأة، بكل بساطة أربكتها:
ماتيجي نجيب العار لأبوكي بدل الحفيد؟ ومتخفيش… هيجوزونا أو يضربونا بالنار سوا…بلا شقة بقى، بلا مهر، وطقم جيلي، وطقم كاسات… كل ده كلام فاضي.

تجمدت أنين لحظة.

ثم اتسعت عيناها في ذهول امتزج بالغضب والخجل، وصاحت وهي تدفعه بقوة هذه المرة: لا… إنت كده اتخوت رسمي!

واستدارت تركض نحو باب السطح، وانطلقت تهبط الدرج بخطوات متعثرة من شدة ارتباكها، بينما كانت دقات قلبها أعلى من وقع قدميها.

أما ياسين…

فبقي واقفًا مكانه، يتابعها بعينيه حتى اختفت عن ناظريه.

ثم أطلق ضحكة صافية، هي الأولى التي خرجت من قلبه منذ أيام، وهز رأسه وهو يغمغم بمكر: غصن لبان… عايز يتمضغ يا خلق.
………
في الأسفل… قبل قليل…

خرجت شموع من الشقة بخطوات سريعة، تحمل كوبين من العصير بكلتا يديها، وقد انشغل بصرها بما تحمله أكثر مما هو أمامها.

وفي اللحظة التالية…

اصطدمت بجسد صلب، فتأرجحت قليلًا، وانسكب معظم العصير على صدر يونس.

نظر يونس إلى بقعة العصير التي انتشرت فوق قميصه، ثم رفع رأسه إليها ببطء، وكانت عيناه تشتعلان بغيظ مكتوم، وقال بحدة:
مش كفاية غرقان في اللبن بسببك…
كمان عصير يا بت؟

اتسعت عينا شموع في دهشة، ثم انفجرت ضاحكة وهي تقول:
لا… العصير مفهوش لبن…
إنت جبت اللبن ده منين؟

ارتفعت زاوية فمه بابتسامة ماكرة، ثم أخذ خطوة نحوها، وأخرى…

حتى أصبحت محاصرة بين الحائط وصدره العريض، وقال بنبرة تعبث بأعصابها:
أنا جبته من المصنع… أصلًا… أنا جويه مصنع ألبان.

رفعت إصبع واحد، وأسندته إلى صدره، تمنعه من الاقتراب أكثر، ثم قالت وهي تحاول أن تبدو ثابتة:
متقربش… هتوسخني بالعصير.

ضحك بخفة، ثم مال برأسه حتى اقترب من أذنها، وهمس بصوته الأجش:
خلاص..الحوسك باللبن.

تقلص وجه شموع في اشمئزاز صادق، وهزت رأسها سريعًا وهي تتمتم بخبث :
إيه الارف ده؟ اللبن ريحته زفرة…
ومش بحبه.

اختفت الابتسامة من وجه يونس دفعة واحدة.

ارتفع أحد حاجبيه، وضاقت عيناه، ثم قال بغيرة. انفجرت دون أن يشعر:
وإنتي شميتي ريحته فين… يا روح أمك؟

اشتعل الغضب في عينيها.

نظرت إليه لحظة، ثم إلى ما تبقى من العصير داخل الكوب…

وفجأة…

رفعت الكوب، وسكبت ما فيه على وجهه كله، وهي تهتف بغضب: روح أمك إنت!

تجمد يونس مكانه.

كانت قطرات العصير تنساب ببطء على وجهه ولحيته وثيابه، بينما ظل ينظر إليها في صمت مخيف.

عض على شفته بقوة، حتى برزت عضلات فكه، وكأن وحش يحاول الإفلات من داخله.

أما شموع…

فاتسعت عيناها بخوف حقيقي عندما رأت تلك النظرة.

دفعت صدره بكل قوتها، ثم استدارت تركض نحو الشقة، وما إن دخلتها حتى أغلقت الباب خلفها بعنف.

وقف يونس أمام الباب لحظات…

يتنفس ببطء، يحاول أن يطفئ النار التي اشتعلت في صدره.

ثم مسح وجهه بكفه، وهز رأسه وهو يهتف بصوت وصل إليها من خلف الباب:
ماشي يا أم لسانين… أنا اللي هقطعهم بنفسي!
…………….
في أحد مخازن عابدين…

كانت رائحة الدم والرطوبة والحديد الصدئ تملأ المكان، بينما ساد صمت ثقيل لا يقطعه إلا صوت أنفاس متقطعة تخرج بصعوبة.

كان عزيز مقيد إلى كرسي حديدي، وجسده يحمل آثار تعذيب وحشي.

وجهه…

لم يعد يشبه الوجه الذي عرفه الجميع.

تورمت ملامحه، وانفجر حاجبه، وسالت الدماء من أنفه وشفتيه، حتى كادت معالمه تختفي تحت الكدمات والجراح.

اقترب الضبع بخطوات بطيئة، يجر ساقه المصابة، وكل عرجة في مشيته كانت تزيد ملامحه شراسة.

توقف أمام عزيز، ثم انحنى قليلًا حتى أصبحت عيناه في مستوى عينيه، وهدر بصوت يمتلئ بالحقد:
كل ده يطلع منك إنت… يا ابن ناصر الخدام؟

رفع عزيز رأسه بصعوبة.

كان الألم يمزق جسده، لكن الكبرياء ظل منتصب داخل عينيه.

هز رأسه بالنفي، ثم قال بأنفاس متقطعة:
أبويا… كان سواق… مش خدام… كان راجل بيأكلها بالحلال… مش زيكم… ولاد حرام.

دوى ضحك الضبع داخل المخزن، ضحكة باردة خلت من أي ذرة رحمة، ثم قال وهو يميل نحوه:
طيب… إيه رأيك أموتك نفس موتة أبوك؟ شكلك بتحبه أوي… وأكيد وحشك… ولا إيه؟

ابتسم عزيز…

ابتسامة متعبة، لكنها حملت انتصار غريب..

ثم أومأ برأسه وقال بثبات أوجعهم أكثر من أي صراخ:
وحشني… خصوصًا إني هقابله… بعد ما جبت حقه. طول عمري خايف أموت قبل ما آخد بتار أبويا من عابدين الكلب… بس دلوقتي؟… اقتلني… ميفرقش معايا.

في تلك اللحظة…

تقدم سميح بخطوات هادئة، وأخرج هاتفه من جيبه.

فتح الشاشة أمام عزيز.

ظهرت صورة…

عزيز وهو يصعد إلى سيارة شاهين يوم كان داخل فيلا عابدين.

ثم حرك إصبعه على الشاشة…

فتبدلت الصورة.

ظهرت امرأة ترقد فوق سرير داخل أحد المستشفيات…

والدته.
في اللحظة نفسها…

اتسعت عينا عزيز حتى كادتا تخرجان من محجريهما.

وانسحب لون وجهه تحت طبقات الدم والكدمات.

رفع رأسه بعنف، وحدق في سميح بنظرة كادت تحرقه حيًا، ثم أخذ يحاول تمزيق قيوده بكل ما أوتي من قوة، حتى جرحت الأصفاد معصميه، وزأر بصوت هز جدران المخزن:
إلا أمي يا سميح!… قسم بالله… ساعتها هخليك تنتحر… عشان ترتاح مني!

قهقه سميح بصوت مرتفع، وكأنه وجد أخيرًا نقطة الضعف التي ظل يبحث عنها طويلًا.

ثم قال وهو يلوح بالهاتف أمام عينيه:
خلاص… يبقى نتفق… قدامك حل من الاتنين… وإحنا نبعد عن أمك.

حدق فيه عزيز بعينين تشتعلان كالجمر، وقال من بين أسنانه المطبقة:
طلع أمي يا سميح… أحسنلك.

أومأ سميح برأسه في هدوء مستفز، ثم قال ببرود قاتل: ماشي…

صمت لحظة…

متعمد أن يترك الكلمات تتسلل إلى قلب عزيز كالسكاكين.

ثم أكمل: يبقى هتشيل التهمة عن عابدين…
أو…أمك.

ترك كلمته الأخيرة معلقة في الهواء…

لكنها سقطت فوق قلب عزيز كصخرة سحقت ما تبقى من هدوئه.

وفجأة…

اهتز الكرسي الحديدي بعنف تحت جسده، وانتفضت عضلات عنقه، وبرزت عروقه كأنها ستنفجر من شدة الغضب.

ارتفع زئيره داخل المخزن زئير رجل صار يخشاه على أمه وحدها.

وووووووووووووووووووو
حشتووووووني اوووووي

ساحره القلم

4.1 160 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
327 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Nedaa
Nedaa
2 أيام

اووووه واخيرا شاهين وحور ❤️❤️
تسلم الايادي اكيد بجنن 😍🥰

Nada
Nada
2 أيام
ردّ على  Nedaa

تسلمي ياقلبي ♥قراءة ممتعه ❤

BN Hafid
BN Hafid
2 أيام

احلى تعليق لاحلى سو فالدنيا وحشتينا جدا جدااا ♥️

Nada
Nada
2 أيام
ردّ على  BN Hafid

تسلمي ي ايمو ويسلم ذوقك ♥

BN Hafid
BN Hafid
2 أيام

واخيراااا حنطمن على حور وشينو ♥️

Nada
Nada
2 أيام
ردّ على  BN Hafid

يلا قراءة ممتعه يلا قمر ❤❤

BN Hafid
BN Hafid
2 أيام

تسلم ايدك يسو ♥️

Nada
Nada
2 أيام
ردّ على  BN Hafid

تسلمي ي قمر ♥♥

Mero❤️
Mero❤️
2 أيام

ياهلا ياهلا بالمعلم شينو ❤️
اكيد تحفة من قبل مااقرأ❤️🥰

Nada
Nada
2 أيام
ردّ على  Mero❤️

عيونك تسلمي ويسلم كلامك ي قمر ❤❤❤

Samar
Samar
2 أيام

يسلم ابداعك ي ساحرتي الجميلة ♥️

Nada
Nada
2 أيام
ردّ على  Samar

تسلمي ويسلم ذوقك ياقلبي ♥

ضيف
ضيف
2 أيام

تحفههه

Nada
Nada
2 أيام
ردّ على  ضيف

حبيبتي تسلمي ويسلم ذوقك ♥

ضيف
ضيف
2 أيام

تسلم ايدك ياسوو

Nada
Nada
2 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي ي قمر ويسلم ذوقك ♥

ضيف
ضيف
2 أيام

😍😍😍

Nada
Nada
2 أيام
ردّ على  ضيف

♥♥♥

Marwa
Marwa
2 أيام

البارت تحفة كالعادة تسلم ايدك ياقمر

Nada
Nada
2 أيام
ردّ على  Marwa

حبيبتي تسلمي ويسلم ذوقك ♥

Nada
Nada
2 أيام
ردّ على  Marwa

Last edited 2 أيام by Nada
nouran
nouran
2 أيام

تحفة بجد تسلم ايدك يا قلبي ❤️

Nada
Nada
2 أيام
ردّ على  nouran

تسلمي ي قمر ♥

ضيف
ضيف
2 أيام

تسلم الايادي ❤️

Nada
Nada
2 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي ي قمر ♥♥

Bata
Bata
2 أيام

جاااااااااااااااامد جدا

Nada
Nada
2 أيام
ردّ على  Bata

من ذوقك تسلمي ي قمر ❤

Shimooo
Shimooo
2 أيام

الفصل تحففففه اوي تسلم ايدك ❤️❤️❤️

Nada
Nada
2 أيام
ردّ على  Shimooo

عيونك تسلمي ي قلبي ❤

ضيف
ضيف
2 أيام

تحفه تسلم ايدك

Nada
Nada
2 أيام
ردّ على  ضيف

حبيبتي تسلمي ويسلم ذوقك ♥

ضيف
ضيف
2 أيام

تحفه

Nada
Nada
2 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي ي قمر ♥

ضيف
ضيف
2 أيام

وانتي وحشتنينا اوي اوي اوي يا سوو

Nada
Nada
2 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي ي قمر ويسلم ذوقك ♥♥

ضيف
ضيف
2 أيام

حلو اوى ياقلبي تسلم افكارك 💓💓💓💓

Nada
Nada
2 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي ي قمر ♥

dolly
dolly
2 أيام

تسلم ايدك حبيبتى 💓💓💓💓

Nada
Nada
2 أيام
ردّ على  dolly

تسلمي ي قمر 😘

ضيف
ضيف
2 أيام

حمدلله على السلامه يا قلبي والبارت تحفه تسلم ايديكي

Nada
Nada
2 أيام
ردّ على  ضيف

حبيبتي تسلمي ويسلم ذوقك 😘

ضيف
ضيف
2 أيام

ايه العظمة والجمال ده بس اقسم بالله ولاد المهدى ما شافوا بربع جنية تربية خصوصا يونس وياسين

Nada
Nada
2 أيام
ردّ على  ضيف

دا حقيقي والله 😂😂
تسلمي ي قمر 😘

ضيف
ضيف
2 أيام

تسلم ايدك حبيبتي حمد الله على السلامة

Nada
Nada
2 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي ي قمر 😘

Sama
Sama
2 أيام

تحفه يا سوسو ❤️❤️❤️

Nada
Nada
2 أيام
ردّ على  Sama

عيونك تسلمي ي قمر 😘

Aya Sayed
Aya Sayed
2 أيام

تحفه

Nada
Nada
2 أيام
ردّ على  Aya Sayed

تسلمي ي قمر 😘

ضيف
ضيف
2 أيام

تسلم ايدك

Nada
Nada
2 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي ي قمر 😘

ضيف
ضيف
2 أيام

تسلم ايدك وحمدلله على سلامتك ياقمر

Nada
Nada
2 أيام
ردّ على  ضيف

الله يسلمك ويسلم ذوقك ياقلبي 😘

ضيف
ضيف
2 أيام

خطيييير 🔥🔥🔥

Nada
Nada
2 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي ي قمر 😘

ضيف
ضيف
2 أيام

وانتى وححشاااااااانه اووووى

Nada
Nada
2 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي ويسلم ذوقك 😘

ضيف
ضيف
2 أيام

روعة

Nada
Nada
2 أيام
ردّ على  ضيف

عيونك تسلمي ي قمر 😘

مي عصام
مي عصام
2 أيام

روعه

Nada
Nada
2 أيام
ردّ على  مي عصام

عيونك تسلمي ي قمر 😘

ضيف
ضيف
2 أيام

تحفة 🥰

Nada
Nada
2 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي ي قمر 😘

شيماء
شيماء
2 أيام

تسلم ايدك ياقلبي 💖💖💖

Nada
Nada
2 أيام
ردّ على  شيماء

حبيبتي تسلمي 😘

ضيف
ضيف
2 أيام

روووووووعة تحفه بجد تسلم ايدك يا قمر ♥️ روووووووعة

Nada
Nada
2 أيام
ردّ على  ضيف

عيونك الحلوين ياقلبي يسلم ذوقك 😘😘

ضيف
ضيف
2 أيام

روووووووعة تحفه بجد تسلم ايدك يا قمر ♥️

Nada
Nada
2 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي ويسلم ذوقك ياقلبي 😘

ضيف
ضيف
2 أيام

مفاجأة رووووعة والبارت تحفة تسلم ايدك ياسارة ووحشتينا كتيييير ❤️❤️❤️❤️

Nada
Nada
2 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي ويسلم ذوقك ياقلبي 😘

ضيف
ضيف
2 أيام

تحفه بجد ♥️♥️♥️♥️

Nada
Nada
2 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي ي قمر 😘

ضيف
ضيف
2 أيام

روووووووعة

Nada
Nada
2 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي ياقلبي ♥

ضيف
ضيف
2 أيام

تسلم ايدك ياقلبي لبارت تحفة بجد

Nada
Nada
2 أيام
ردّ على  ضيف

عيونك ي قمر تسلمي 😘

ضيف
ضيف
2 أيام

تسلم الايادي 🔥🔥🔥🔥

Nada
Nada
2 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي ي قمر 😘

Nerme
Nerme
2 أيام

روووووووعة

Nada
Nada
2 أيام
ردّ على  Nerme

عيونك تسلمي ي قمر 😘

ضيف
ضيف
2 أيام

رووووووووووعه الروووووووووعه

Nada
Nada
2 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي ويسلم ذوقك 😘

Howida
Howida
2 أيام

جميل جميل بحد تسلم ايدك يا قمر وحشتينا قوي

Nada
Nada
2 أيام
ردّ على  Howida

تسلمي ويسلم ذوقك ياقلبي 😘

سحر الحلوس
سحر الحلوس
2 أيام

رووووووووووعه الروووووووووعه

Nada
Nada
2 أيام
ردّ على  سحر الحلوس

تسلمي ياقلبي 😘

احمد حبيب ماما
احمد حبيب ماما
2 أيام

تسلم ايدك 🌹🌹 علي فكرة أنا توقعت أن حور هي اللي في الغرفه وعلقت بكده البارت اللي فات

Nada
Nada
2 أيام

تسلمي ياقلبي ♥لا ساحرة القلم لا توقع صدمات❤️‍🔥😘

Nerme Boktor
Nerme Boktor
2 أيام

تحفه بجد تسلم ايدك يا قمر ♥️

Nada
Nada
2 أيام
ردّ على  Nerme Boktor

تسلمي ياقلبي ♥

سامية بن صالح
سامية بن صالح
2 أيام

واخيرا المعلم شينو وحور بارت ولا اروع تسلمي ياساحره❤️

Nada
Nada
2 أيام

تسلمي ي قمر ويسلم ذوقك 😘

ضيف
ضيف
2 أيام

تسلم ايدك يا ساره وحشتينا كلنا

Nada
Nada
2 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي ي قمر 😘

Salma Mohamed
Salma Mohamed
2 أيام

روعه تسلم ايدك ❤️

Nada
Nada
2 أيام
ردّ على  Salma Mohamed

تسلمي ي قمر 😘

Nabila Ahmad
Nabila Ahmad
2 أيام

تسلم ايدك وعيونك ياسارة جميلة جدا كالعادة البارت دماااااار

Nada
Nada
2 أيام
ردّ على  Nabila Ahmad

تسلمي ي قمر ويسلم ذوقك 😘

ضيف
ضيف
2 أيام

رااااااااائع

Nada
Nada
2 أيام
ردّ على  ضيف

عيونك تسلمي ي قمر 😘