ييبب
ملكي وكفي

ملكي وكفي (الفصل الرابع وعشرون)

ملكي وكفي (الفصل الرابع وعشرون)

فصولٌ كهذه لا تمرّ على القلب مرورًا عابرًا… ففيها فرحٌ يأتي بعد انتظار، وقلوبٌ تُختبر أمام حقيقةٍ لم تكن مستعدة لها، وأمٌّ تخشى على أبنائها حتى تخطئ في حق قلوبٍ أخرى.
وفيها كلمةٌ واحدة قد تهدم فرحةً كاملة، وموقفٌ قد يكشف أن الحب لا يكفي دائمًا حين يقف أمامه الخوف والعادات وأحكام البشر.
وفيها خبرٌ صغير يأتي كمعجزة، فيُعيد إلى قلبٍ أنهكه الانتظار إيمانه بأن ما تأخر لم يكن مستحيلًا… بل كان ينتظر موعده.
ثم خوفٌ خاطف يجعل القلب يسبق صاحبه، قبل أن يكتشف أن ما ظنه كارثةً لم يكن سوى لحظةٍ عبثية تختبئ خلف بابٍ مفتوح ورائحة طعامٍ بارد.
لكن بعض الأفراح لا تكتمل طويلًا… فما إن يهدأ القلب حتى يطرق الماضي بابه من جديد، حاملًا طلبًا لا يمكن تجاهله، وحقيقةً يخشى البعض أن تصل إلى أصحابها.
فهل تستطيع القلوب أن تحمي ما تحب؟ أم أن بعض الأسرار، مهما طال اختباؤها… لا بد أن يأتي يومٌ وتطالب فيه بالحقيقة؟

في منزل أبو المجد…

ارتفع صوت جرس الباب، فتحركت العاملة بخطوات سريعة نحو المدخل….

وما إن فتحت الباب ورأت الوجوه القادمة حتى أطلقت زغرودة فرح عالية…

ارتدت أصداؤها في أرجاء المنزل، كأنها تبشر منذ اللحظة الأولى بقدوم مناسبة تحمل الخير والسرور.

كان شكري أبو المجد قد اقترب هو الآخر، وعلى وجهه ابتسامة واسعة ملؤها الترحيب والود، وهتف بسعادة صادقة:
أهلا أهلا وسهلا يا جماعة، شرفتونا… اتفضل يا دكتور زكريا.

انفرجت أسارير زكريا، وشقت ابتسامة سعيدة وجهه، مهما حاول أن يبدو هادئ…

ثم دلف إلى الداخل وهو يحمل باقة من الورود، فمدها إلى العاملة بأدب وابتسامة هادئة، وقال:
أهلا بيكي يا عمي… البيت منور بأهله.

توالى دخول الرجال خلفه؛ أحمد، وشاهين، ويونس، وياسين، وقد حمل كل واحد منهم هيبته ووقاره…

حتى امتلأت أرجاء المكان بحضور دافئ، يشبه حضور العائلات حين تأتي بنية طيبة وقلوب صافية.

التفت زكريا إلى أحمد، وبدت في عينيه نظرة امتنان وفخر لا تخطئها العين، ثم قال بصوت يحمل كثيرًا من المحبة:
عمي وأبويا… المعلم أحمد المهدي، هو اللي ربانا بعد أبويا الله يرحمه.

نظر شكري إلى أحمد بتقدير واضح، ثم مد يده وصافحه مصافحة رجولية صادقة، وقال بابتسامة بشوشة:
أهلا أهلا يا معلم أحمد… اتشرفت بيك والله.

ثم أشار زكريا إلى شكري باحترام وقال:
الدكتور شكري أبو المجد… دكتور مخ وأعصاب، أبو أسر صاحبي، وعم غزل.

ربت أحمد على كف شكري بين يديه في ود وامتنان، وقال بصوته الهادئ الوقور:
الشرف لينا يا دكتور شكري، وإن شاء الله بنتكم تنور بيت ابني.

ابتسم شكري ابتسامة واسعة، بينما سرت في الأجواء تلك الراحة التي تنشأ حين يلتقي رجال يعرفون قيمة الكلمة، ويقدرون معنى الأصول.

فبعض اللقاءات لا تحتاج وقت طويل حتى تنشأ بينها المودة…

يكفي أن تتصافح الأيدي بصدق، حتى تشعر القلوب أنها تعرف بعضها منذ زمن.

ازدادت ابتسامة زكريا اتساع، بينما حملت كلمات أحمد وعد بسيط في ألفاظه، عظيم في معناه…

أشار زكريا إلى شاهين، وكانت عيناه تلمعان بفخر صادق وامتنان يكاد يبلغ السماء، ثم قال:
أخويا… المعلم شاهين، أخويا الكبير.

مد شكري يده إليه، واستقبله بترحاب حار، وقال بابتسامة واسعة:
نورتنا يا معلم شاهين، وازددنا شرف.

صافحه شاهين بود صادق، ورد بسعادة:
الشرف لينا يا دكتور.

ثم التفت زكريا إلى والدته، وأشار إليها بحب واضح، وقال باعتزاز:
أمي… الحجة فوزية المهدي، ست الكل.

أومأ شكري برأسه في ترحاب، وقال بإعجاب صادق:
نورت البيت يا حجة فوزية…
عشتي وعاشت ربايتك….
زكريا ونعم الأدب والأخلاق.

تبادلت عيون شاهين ويونس وياسين نظرات خاطفة، امتزجت فيها الدهشة بالحنق، قبل أن يستقر بصرهم جميعًا على زكريا.

رفع ياسين حاجبه، وانحنى قليلًا نحوه، ثم همس بسخرية:
أمال… ده حتى شغال سترة وغطا على نص حريم مصر!

كاد زكريا يختنق من الغيظ، فلكزه في جانبه وهمس من بين أسنانه:
اخرس يا حيوان! هتفضحنا!
ده علم… مش زي الزبالة اللي في دماغك.

ابتسمت فوزية بفخر بالغ، وقد امتلأ قلبها بذلك النوع من الزهو الذي لا تملكه أم إلا حين ترى ثمرة تعبها أمام عينيها، وقالت بسعادة:
أمال يا أخويا… دول تربيتي وتحويشة عمري من بعد عبد التواب الله يرحمه.

لان وجه شكري، وأومأ برأسه باحترام:
الله يرحمه يا ست الكل.

ثم أشار زكريا إلى شقيقيه، وقال:
يونس وياسين… إخواتي.

صافحهما شكري واحد تلو الآخر بترحاب صادق، ثم قال:
تفضلوا يا جماعة… شرفتونا والله.

وتتابعت التحيات والابتسامات، بينما وقف زكريا بينهم وقلبه ممتلئ بشيء أكبر من فرحة الخطوة التي جاء من أجلها…

كان يشعر للمرة الأولى أن عائلته كلها تقف خلفه، تحمل معه فرحته، وتشاركه اللحظة التي ستفتح له باب جديد من حياته.

ولم يكن أجمل ما في الأمر أنه جاء طالب يد فتاة أحبها…

بل أنه جاء بها ومعه كل الذين كانوا يومًا سببًا في أن يصبح الرجل الذي يقف اليوم أمام أهلها.

اقتربت عزة منهم بخطوات سريعة، وفتحت ذراعيها في ترحاب واسع….

حتى بدا استقبالها مبالغ فيه قليلًا، كأنها تحاول أن تغمر القادمين بالمودة قبل أن تطأ أقدامهم عتبة المنزل…

وهتفت بسعادة:
يا ألف أهلا وسهلا يا جماعة! شرفتونا… اتفضلوا، اتفضلوا. اتفضلي يا أم زكريا.

ابتسمت فوزية بمكر لطيف، وقالت وهي ترفع حاجبها:
لا، قولي يا أم شاهين… البكري يا حبيبتي.

ضحكت عزة، وهزت رأسها بمرح، ثم قالت وهي تشير لها بالدخول:
ومالي يا أم شاهين؟
الاتنين واحد! اتفضلي يا حبيبتي.

تحركت فوزية إلى الداخل، وتبعها الجميع، بينما ظل ياسين للحظة مكانه، يرمق والدته بنظرة تجمع بين الاستنكار والغيظ، ثم هز رأسه بحنق وتمتم:
يعني زكريا أدب وأخلاق، وشاهين البكري… وأنا وانت واقعين من قعر القفة!

التفت إلي يونس، وكتم ضحكته بصعوبة، ثم لوى فمه بحنق مصطنع وقال:
ماشي يا فوزية… والله لأستناكي بره.

رمقته فوزية بنظرة حادة، بينما انفلتت ضحكات خافتة من بعض الواقفين…

وتحول مدخل المنزل في لحظات إلى مساحة صغيرة من الألفة والمشاكسات التي لا تعرفها إلا العائلات التي اعتادت أن تحب بعضها بطريقتها الخاصة.

جلس الجميع في حلقة عائلية، تتعانق فيها الأحاديث والابتسامات، وقد ارتسمت على الوجوه فرحة صافية لا تحتاج إلى كثير من الكلمات لترى.

اقتربت العاملة تحمل صينية المشروبات والضيافة، وراحت توزعها على الحاضرين، بينما أشارت عزة إليهم بسعادة غامرة، قائلة:
اتفضلوا يا جماعة… اشربوا، البيت بيتكم.

ربتت فوزية على صدرها في ود وترحاب، وقالت من قلبها:
يجعله عامر ومنور بالفرح دايمًا يا حبيبتي.

ابتسمت عزة، واتسعت ابتسامتها حتى كادت تفيض من ملامحها، ثم نظرت إلى زكريا بحنان واضح وقالت:
والله يا أم شاهين، أنا ما شفت غزل فرحانة غير يوم ما الدكتور زكريا دخل حياتها… حتى أنا حبيته ودخل قلبي من أول يوم.

ارتسمت على وجه زكريا ابتسامة عابثة، وقال وهو يرمق عزة بنظرة ماكرة:
وإنتي دخلتي قلبي وربعتي جواه من أول ما اتخنقتي معايا على السجادة.

انفلتت ضحكة خجولة من عزة، ولوحت بيدها كأنها تريد إسكات تلك الذكرى قبل أن تتحول إلى فضيحة عائلية، وقالت:
يا ابني خلي قلبك أبيض… ما إنت عارف الفولة، بقى عديها يا دكتور.

غمزها زكريا بمشاكسة، وقال:
هعديها… بس خلي العروسة تيجي…
والقمر يهل بنوره.

تعالت ضحكات الجميع، بينما نظرت فوزية إلى ابنها بدهشة حقيقية، وهتفت:
جرى إيه يا زكريا؟! إنت بتتخانق مع حماتك على السجادة يا ولا؟

ثم التفتت إلى عزة، وكأنها قررت أن تطمئنها بطريقتها الخاصة، وقالت بفخر:
لا يا أم العروسة، إحنا شقة الدكتور مفروشة من مجميعه، حتى شنطة هدومها محناش عايزينه! ده يوم المنى.

اتسعت أعين الجميع دهشة، قبل أن تنفجر الضحكات في المكان بسعاده ومرح……

ابتسمت عزة بسعادة لا تخفى، وقالت لفوزية بود صادق:
ده من أصلك الطيب يا أم العريس…
بس الدكتور ما بيتعداش الأصول ويتكلم في الحاجات دي.

توقفت كلماتها فجأة، إذ وقعت عيناها على غزل وهي تهبط درجات السلم ببطء شديد، تكاد خطواتها المترددة تخونها من فرط ما يثقلها التوتر والخجل.

نهضت عزة على الفور، واتجهت إليها، ومدت يدها بحنان أمومي، وقالت:
على مهلك يا قلب ماما.

تعلقت غزل بكف والدتها، وكأنها تتشبث بخشبة نجاة وسط بحر هائج، وهي لا تجيد السباحة.

سارت معها خطوة بعد أخرى، وعيناها معلقتان بالأرض، بينما اشتعلت وجنتاها بحمرة الخجل.

كانت ترتدي فستان نبيتي طويلًا، انساب على جسدها برقة وأناقة، محدد خصرها الرقيق…

ثم اتسع بانسياب هادئ حتى أسفل قامتها، تتخلله أكمام مطرزة وفتحة صدر مرتفعة زادتها احتشام ووقار…

أما شعرها، فقد رفعته في تسريحة رقيقة، تناثرت حول وجهها خصلات ناعمة أضفت على ملامحها مسحة من الرقة الهادئة.

لم تكن غزل تحاول أن تلفت الأنظار…
وربما كان ذلك تحديدًا ما جعلها تخطفها جميعًا.

نهض زكريا دون أن يشعر بنفسه.

ظل بصره معلق بها، كأن الضجيج من حوله انطفأ فجأة، ولم يعد يرى في المكان سوى تلك الفتاة التي عرفها بقلبه قبل أن يعرفها بعينيه.

أقسم في قرارة نفسه أنه لم ير في حياته جمال يشبه جمالها، ولا رقة استطاعت أن تستقر في قلبه بهذا العمق…

ولن يرى.

خرجت من صدره زفرة بطيئة، بينما اتسعت ابتسامته دون إرادة، وغمر الحب ملامحه حتى صار ظاهر في عينيه قبل أن تنطق به شفتاه.

أما غزل، فما إن رفعت عينيها للحظة عابرة، حتى التقت بعينيه…

فارتبكت أكثر، وأسرعت بخفض بصرها، بينما شعرت أن قلبها الذي حاولت تهدئته طوال الطريق قرر أن يفضحها أمام الجميع.

اقتربت غزل بخطوات مترددة، تحمل في كل خطوة شيئًا من خجلها…

وشيئًا آخر من الرهبة التي لا تستطيع إخفاءها مهما حاولت…

كانت تشعر بأن عيون الجميع تستقر عليها، فتزداد أنفاسها اضطراب، ويصبح الطريق القصير الذي يفصلها عنهم أطول مما ينبغي.

وحين بلغت حيث يستطيع الجميع رؤيتها بوضوح، رفعت وجهها أخيرًا، وكأنها انتزعت من نفسها قدر ضئيل من الشجاعة، ثم غمغمت بابتسامة خجولة:
مساء الخير.

توالت التحيات من حولها، دافئة وبشوشة، تحمل من الترحيب ما خفف قليلًا من وطأة ارتباكها، لكن فوزية لم تمنحها فرصة حتى لتلتقط أنفاسها.

نهضت إليها بسعادة غامرة، واتجهت نحوها واحتضنتها بين ذراعيها، ثم راحت تمرر كفها على ظهرها وكتفيها بحنان أمومي صريح، وكأنها لا تستقبل فتاة جاءت لتصبح زوجة ابنها فحسب، بل تستقبل قطعة جديدة من العائلة تخشى عليها قبل أن تعرفها.

وقالت وهي تتأملها بإعجاب:
يا حبيبتي… إيه القمر ده كله؟!
ما شاء الله، اللهم صلي عليكي… يا كامل النور.

ازداد احمرار وجنتي غزل، وانخفض بصرها أكثر، بينما تسللت ابتسامة صغيرة إلى شفتيها.

كانت تلك اللحظة أكبر من مجرد كلمات إعجاب…

فغزل، التي جاءت وهي تخشى نظرات الغرباء، وجدت نفسها بين ذراعي امرأة تعاملها منذ اللحظة الأولى كأنها تعرفها منذ سنوات.

وعلى الجانب الآخر، كان زكريا يراقب المشهد بصمت، وفي عينيه شيء لا يشبه ابتسامته العابثة منذ لحظات.

كان ينظر إليها وكأن رؤيتها للمرة الأولى وسط أهله جعلت الأمر أكثر حقيقة.

لم تعد الفتاة التي أحبها وحده…

صارت الفتاة التي جاء اليوم ليطلبها أمام عائلته، والتي سيحمل اسمها إلى جانب اسمه، والتي ستصبح جزء من البيت الذي ظل يحلم بأن يجمعهما يومًا.

وربما لهذا السبب تحديدًا، كان قلبه أكثر اضطراب مما أراد أن يعترف به.

لكن ياسين قرر، كعادته، أن يفسد عليه تلك اللحظة في التوقيت الأكثر سوء..

مال نحو أذنه، وقال هامس:
كشف الهيئة بدأ.

رمقه زكريا بنظرة جانبية قاتلة، ثم همس بحنق: أمك دي مش هتتغير.

لم ينتظر يونس طويلًا، فمال إلى أذنه الأخرى، وقال بعبث:
هو إنت ما قلتليش أمك إنك كاشف عليها من أول يوم ولا إيه؟

عض زكريا شفته بقوة، وحبس لفظ نابي
كان على وشك الخروج، ثم لكز يونس في ذراعه لكزة جعلته يبتسم بانتصار.

ولم يترك شاهين الفرصة تمر، فسحب زكريا من ذراعه قليلًا، واقترب من أذنه هامساً: إنت كشف داخلي… أمك خارجي وتفعيص.

توقفت ملامح زكريا لحظة، ثم أغمض عينيه في استسلام كامل، وهز رأسه بيأس:
حتى إنت يا شاهين؟! أنا غلطان أصلًا إني جبتكم معايا.

كتم شاهين ضحكته، وربت على كتفه كأنه يواسيه، ثم قال:
يا عم أنا بقول اللي شايفه…
أنا مبسوط أوي دلوقتي.

فتح زكريا عينيه ونظر إليه بريبة:
مبسوط ليه بقى؟

ارتسمت على وجه شاهين ابتسامة جانبية مشاكسة، وقال:
عشان مراتي الوحيدة اللي متعينتش…
أنا بس اللي هعاين.

كاد زكريا يرد، لكن يونس سبقه، وقال هامساً:
وأنا كمان… شموع بت أخويا وعارفها، ومش هتعاينها.

أشار ياسين إلى صدره بثقة مصطنعة:
وأنا كمان.

ثم أشار برأسه نحو زكريا، وقال بنبرة تحمل من السخرية أكثر مما تحتمل:
عروستك إنت بس اللي عينتها يا معلم.

زفر زكريا ببطء، وكأنه يحاول استدعاء آخر ذرة من صبره، ثم قال من بين أسنانه:
طيب اخرسوا بقى… بدل ما أقوم أطردكم بره، واكمل القعدة لوحدي..

كتم الثلاثة ضحكاتهم بصعوبة….

بينما بقيت على الجانب الآخر…

غزل إلى جوار فوزية، وقد بقي الخجل عالق بملامحها، بينما كانت فوزية تتأملها بعينين امتلأتا بإعجاب أمومي صادق…

مدت يدها وربتت على ساق غزل بحنان، وقالت بسعادة:
زي البدر… ونعم الأدب يا ست عزة.

ابتسمت عزة، وارتاحت ملامحها لذلك الثناء الذي شعرت أنه يليق بابنتها، وقالت بود:
من ذوقك يا أم شاهين.

ساد المجلس لحظات أخرى من الألفة، قبل أن يتنحنح أحمد بخفوت…

وكأنه يستجمع الكلمات التي جاء يحملها منذ الطريق….

ثم ابتسم ابتسامة أب يرى ابنه عريس أخيرًا، وقال:
احمم… إحنا جايين نطلب إيد الآنسة غزل للدكتور زكريا.

توقفت عزة عن الابتسام.

تبدلت ملامحها في لحظة، وكأن كلمة واحدة استطاعت أن تنتزع منها دفء اللحظة كلها.

ـ آنسة؟

خرجت الكلمة خافتة، لكنها وقعت في المكان بثقل أربك الجميع.

رفعت عزة عينيها إلى غزل بدهشة، ثم انتقلت بنظرتها إلى زكريا، وقالت بعتاب لم يخل من الصدمة:
هو إنت مقلتش لأهلك إن غزل بنتي مطلقة يا دكتور؟

تجمدت الوجوه.

كأن أحدهم ألقى حجر في قلب جلسة كانت منذ لحظات عامرة بالضحكات، فارتدت الصدمة على كل وجه دون استئذان.

أما زكريا، فبقي للحظة ينظر إلى غزل.

كانت عيناه تحملان شيئًا يشبه الرجاء، كأنه يخشى أن تسبق الكلمات ما يريد قوله، ثم رفع بصره إلى عزة وقال بثبات لم يتزحزح:
دي حاجة متفرقش معايا أصلًا….
ومحدش له إنه يدخل فيها…
مطلقة ولا آنسة، دي حاجة تخصني لوحدي.

لم تمنحه فوزية فرصة لإكمال المعنى.

سحبت يدها من فوق كف غزل بحنق، وكأنها لم تعد ترى أمامها فتاة تجلس إلى جوارها منذ لحظات، بل مشكلة تخشى أن تلقي بظلها على مستقبل ابنها.

اشتعل الغضب في عينيها، وهتفت:
تخصك لوحدك يعني إيه يا حبيبي؟
ليه إن شاء الله تاخد واحدة خرج بيت؟ وإنت الدكتور زكريا، على سن ورمح!
ده لا يمكن يحصل أبدًا.

لم تكن الكلمات كثيرة…

لكنها كانت قاسية بما يكفي لتسقط في قلب غزل دفعة واحدة.

تجمدت في مكانها.
لم تتحرك.

حتى أنفاسها بدت وكأنها توقفت لحظة بين صدرها وحلقها.

اتسعت عيناها، وبدأت الدموع تتجمع فيهما ببطء، لا كدموع غضب، بل كدموع شخص تلقى ضربة في الموضع الذي كان يظنه أكثر أمان…

كانت قد جلست بينهم منذ دقائق وهي تحمل في قلبها حلم صغير…

أن تكون مقبولة.

أن تدخل بيت جديد مع رجل تحبه …
دون أن يظل ماضيها واقف على عتبته يطالبها كل مرة بثمنه.

لكن كلمة “خرج بيت” أعادتها في لحظة واحدة إلى كل ما حاولت أن تنساه.

خفضت عينيها، وشعرت بأن شيئًا ما انكسر داخلها.

انكسر بهدوء مؤلم، حتى إنها للحظة ظنت أن الجميع سمع صوت ذلك الانكسار.

لم تبكي.
ولم تعترض.

فقط بقيت جالسة في مكانها، تحدق في الأرض، بينما كانت دمعة وحيدة تنزلق ببطء.على وجنتها…

دمعة لم تكن تحمل وجع الكلمات وحدها، بل تحمل معها خوف قديم عاد فجأة ليهمس في أذنها:

ربما سيظل ماضيك أقوى من كل شيء جميل تحاولين بناءه.

أما زكريا، فظل ينظر إليها، ورأى في عينيها تلك النظرة التي لم يحتملها يومًا…

نظرة امرأة بدأت تصدق أنها لا تستحق أن تحب.

تجمدت عزة في مكانها، وانطفأت الفرحة التي كانت تملأ عينيها منذ دقائق، كأن أحدهم ألقى عليها ماء بارد أطفأ آخر شمعة في تلك الليلة.

نظرت إلى غزل بحسرة موجعة، ثم إلى زكريا بمرارة امتزج فيها العتاب بالانكسار…

قبل أن تستدير نحو فوزية وتقول بصوت حاولت أن تجعله ثابت، رغم الرجفة المختبئة بين حروفه:
لا يا ست فوزية… كون بنتي مطلقة فده مش عيب يقلل منها. إنتى بقى شايفة غير كده؟ دي مشكلتك.

رفعت فوزية ذقنها، وكأنها حسمت أمرها، وأومأت برأسها بحدة:
صح، مش مشكلتي… مشكلتك إنتي، عشان عايزة تاخدي ابني الدكتور اللي لسه أول بخته لبنتك المطلقة!
ليه يا أخواتي؟ تروح تشوف لها واحد مطلق ولا أرمل!

شهقت عزة، بينما انكمشت غزل على نفسها أكثر، وكأن كل كلمة تلقى أمامها تنتزع منها شيئًا من كرامتها.

لكن زكريا لم يحتمل.

نهض دفعة واحدة، واشتعل الغضب في عينيه حتى تبدلت ملامحه تمامًا، وقال بصوت حازم ارتج له المجلس:
إيه اللي بتقولي ده يا أمي؟!
غزل في عيني ست البنات…
وأنا مش هتجوز غيرها.

ساد صمت ثقيل.

كان صمته هذه المرة مختلف؛ لم يكن صمت دهشة، بل صمت ولد بعده الجميع عاجز عن إيجاد كلمة تسبق الأخرى.

نهض أحمد هو الآخر، محاول أن يلحق بالموقف قبل أن يتحول الخلاف إلى قطيعة، وقال بحدة ممزوجة برجاء:
جري إيه يا أم شاهين؟
صلي على النبي في قلبك…
وامسكي العقل شوية.

وتدخل شكري سريعًا، رافع كفه في محاولة لتهدئة النفوس:
صلوا على النبي يا جماعة…
الجواز في الأول والآخر لازم يكون على نور.

ثم التفت إلى زكريا، وقال بنبرة هادئة تحمل عتاب الأب:
وإنت يا ابني، كان لازم تفهم أهلك ظروف غزل.

رفع زكريا عينيه إليه بدهشة، وكأن كلمة ظروف ذاتها أثارت في داخله وجع لم يفهمه أحد.

وقال بصوت أكثر هدوء.. لكنه كان أشد وقع :
هي إيه ظروف غزل يا عمي؟
واحدة درسها وجعها وخلعته…
واتوجعت بما فيه الكفاية….
نحاسبها على الوجع؟
نحاسبها على حاجة اتكسرت جواها غصب عنها؟

سكت لحظة، ثم استدار نحو غزل.

كانت دموعها تنهمر بلا توقف، وقد عجزت عن إخفائها بعدما سقطت كل الحواجز التي أقامتها حول قلبها.

نظر إليها زكريا طويلًا، ثم قال بثبات لم تترك كلماته مجال للشك:
غزل بالنسبالي كاملة…
كاملة بكل حاجة مرت بيها…
مش ناقصها لقب ولا كاملها لقب…
وأنا اخترتها زي ما هي…
والوحيدة اللي تستحق تكون مراتي.

ارتجفت شفتا غزل.

لم تعرف ماذا تفعل أمام رجل يقف في منتصف الجميع، ويضع قلبه كله أمامها دون أن يخشى عليه من أحد.

للمرة الأولى منذ زمن طويل، شعرت أن هناك من ينظر إليها دون أن يرى ماضيها أولًا.

لكن فوزية لم تلن.
بل قبضت على كفها بحنق، وقالت بحدة قاطعة:
دي هي الوحيدة اللي ما تنفعكش يا ابن عبد التواب… ولو آخر واحدة في الدنيا!

كانت الجملة كافية لتعيد الصمت إلى المكان من جديد.

إلا أن هذه المرة…

لم يكن الصمت صمت صدمة.

كان صمت حربٍ بدأت لتوها.

قبض شاهين على ذراع والدته قبل أن تبتعد، وقال بصوت منخفض لكنه حازم، يحاول أن يستر ما تبقى من ماء الوجه داخل بيت ليس بيتهم:
ميصحش كده يا ياما… إحنا في بيت ناس، وغزل متتعيبش حتى لو كانت مطلقة.

انتزعت فوزية ذراعها من قبضته بعصبية، واستدارت إليهم، وقد اشتعل الغضب في عينيها حتى غلب كل محاولات التهدئة، وقالت بحدة:
وأنا مش هقعد في بيت الناس يا شاهين! والجوازة دي على جثتي إنها تتم!

ثم استدارت، واندفعت نحو الخارج بخطواتٍ سريعة غاضبة، كأنها تهرب من مكان لم تعد تحتمل البقاء فيه لحظة أخرى.

ترك رحيلها خلفه فراغ ثقيل…
فراغ لم تستطع فيه غزل حتى أن تتنفس.

ظلت لثواني جالسة في مكانها، تحدق أمامها بعينين غارقتين في الدموع…

ثم انزلقت أول شهقة من بين شفتيها، تبعتها أخرى، قبل أن تنهمر دموعها بغزارة لم تعد تملك القدرة على كبحها.

نهضت بصعوبة، وكأن جسدها صار أثقل من أن يحمل قلبها، ثم اندفعت نحو الدرج.

لم تلتفت إلى أحد.
كانت تريد فقط أن تختفي.

أن تهرب من تلك النظرات التي أصبحت تشعر أنها تفضح ضعفها، ومن الكلمات التي ما زالت تتردد داخل رأسها كصفعات
متتالية.

صعدت الدرج مسرعة، وصوت نحيبها يملأ أرجاء الفيلا، حتى غابت خلف باب غرفتها، تاركة وراءها قلب محطم لم يعرف كيف يدافع عن نفسه.

انتفض زكريا بغضب، وكاد يندفع خلفها دون تفكير.

كان كل شيء داخله يصرخ بأن يلحق بها، أن يضمها إليه، أن يخبرها أن كلمة واحدة من أحد لن تغير اختياره.

لكن صوت شكري جاء حاد، فأوقفه في مكانه:
شرفتنا يا دكتور زكريا…
الحق الست الوالدة يا ابني.

تجمد زكريا.

ظل ينظر إلى الدرج الذي اختفت خلفه غزل، وعيناه تحملان صراع لم يكن بحاجة إلى كلمات.

خطوة واحدة إلى الأعلى…
وكان يستطيع أن يلحق بها.

لكن أمه كانت قد خرجت غاضبة، وربما في لحظة واحدة قد تخسر شيئًا آخر من عائلته.

مد أحمد يده، وقبض على ذراع زكريا بحزم، ثم جذبه معه نحو الباب:
تعالى يا ابني.

لم يقاوم زكريا.
تحرك معهم، لكن عينيه ظلتا معلقتين بالدرج حتى آخر لحظة، وكأن جزء منه بقي هناك… خلف الباب الذي أُغلق على بكاء غزل.

خرج أحمد أولًا، وتبعه شاهين ويونس وياسين، بينما انضم زكريا إليهم بخطوات ثقيلة.

ولم يتحدث أحد.
كان الصمت وحده يرافقهم…

صمت مثقل بالصدمة، والخذلان، والكلمات التي قيلت في لحظة غضب، لكنها لن تمحى بسهولة من قلب فتاة كانت تظن، قبل دقائق فقط، أن اليوم هو بداية حياتها الجديدة.

أما زكريا…

فكان يعرف في أعماقه أن المعركة الحقيقية لم تبدأ حين رفضت أمه غزل.

بل بدأت حين اضطر إلى الاختيار بين خوف أمّه… ودمعة المرأة التي اختارها قلبه.
……………………….

في منزل المهدي…

اندفعت فوزية إلى داخل الشقة، حتى ارتطم الباب بالحائط خلفها بعنف دوى في أرجاء المكان، كأنها لم تكن تغلق باب، بل تقذف خلفه آخر ذرة من هدوئها.

كان الغضب منحوت على ملامحها، قاسي متجمد في عينيها، حتى بدت وكأن ثورة كاملة تسكن تحت جلدها.

استدارت نحو شاهين وهتفت بحدة:
روح هات أخوك يا شاهين!
هو هيغضب زي العيال الصغيرة ولا إيه؟

أغلق شاهين الباب بعنف، فارتج صوت إغلاقه في المكان، ثم استدار إليها، وقد بلغ به الغضب حد لم يعد يسمح له بالمجاملة:
واللي إنتى عملتيه ده يا ياما، يتعمل مع راجل طول بعرض، وله مركزه وكلمته زي زكريا؟! أروح أجيبه ليكي وأقوله إيه؟

اقترب منها بخطوات سريعة، وقد احتقنت ملامحه، ثم أشار إليها بيده وهو يهدر:
إنتي مش بس صغرتيه قدام الناس…
إنتي صغرتينا كلنا! ولا كأن واخدة معاكي رجالة يا ياما.

لم تتراجع فوزية، بل رفعت رأسها بعناد أشد، وقالت بانفعال:
وأنا عشان ما أصغركوش أسيب ابني الدكتور، اللي اتنصف فيه، يتجوز واحدة خرج بيت؟!

ضرب شاهين كف بكف، عاجز عن استيعاب ما يسمعه، ثم قال بغضب امتزج بالخذلان:
مش بالعلام يا ياما… ولا بالشهادات!

اقترب منها أكثر، وقال بصوت قاطع:
كفاية يكون راجل ملو هدومه، وصوته من دماغه، وعارف ياخد قراره بنفسه…
مش ابن أمه! ده حتى إنتى ما يرضكيش يتقال علينا كده… ولا ربتينا علي كده ….

ساد صمت خاطف، لكن أحمد قطعه وهو يتقدم نحوهما، وقد كانت ملامحه تحمل عتاب سنوات كاملة، لا مجرد غضب لحظة.

رفع يده نحو فوزية، وقال بحدة موجوعة:
شاهين عنده حق.

ثم تابع، وقد اشتد صوته:
مكنش العشم يا مرات أخويا….
ويا أم الرجالة….
ليه تكسري بخاطر البت؟ عملتلك إيه؟
ما هي وليه، وزيها زيك، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: رفقًا بالقوارير.

توقفت فوزية لحظة، لكن أحمد لم يمنحها فرصة للاعتراض وهدر :
وبعدين تكسري قلب ابنك، وتهزي صوته وهيبته قدام الناس ليه؟!

أشار بيده نحو الباب، وكأن المشهد كله ما زال ماثلًا أمام عينيه:
ده إحنا داخلين بيت ناس نطلب بنتهم بالحلال، نخرج وإحنا كاسرين خاطرها قدام أهلها؟!
إنتي طلعتيه شورابة خورج  قدامهم…
لا ليه كلمة، ولا ليه عازه….
ولا كأن الراجل ده هو اللي اختار وجاي يطلبها!

تنهد أحمد بمرارة، ثم هز رأسه أسف وقال:
عيشتي يا أم الدكتور… بس ربنا يقدرك تقللي من قيمتنا قدام الناس أكتر من كده.

كانت كلماته الأخيرة أشد عليها من الصراخ.

لأنها لم تأتى من خصم…

بل من رجل طالما اعتبرها اختاً له ….
وكان يتمنى أن يراها اليوم أم تفرح بابنها، لا أم تهدم فرحته بيديها.

نظرت إليهم فوزية، وكأن كلماتهم اجتمعت عليها دفعة واحدة، فاشتعل الغضب في عينيها، قبل أن تفضح الدموع ما حاولت طويلًا أن تخفيه خلف قسوتها.

ارتجف صوتها، وانكسر تحت وطأة حسرة قديمة، ثم صاحت:
ليه شوربة خورج؟! عشان عايزة مصلحته؟!
ولا خلاص كبرتوا عليا يا ولاد عبد التواب؟!
خلاص رجليكم شالتكم، ونسيتوا أمكم؟!

ارتعشت شفتاها، وانهمرت دموعها دون أن تستأذنها، بينما خرجت الكلمات من صدرها كأنها تخرج معه سنوات كاملة من التعب:
نسيتوا إني من يوم ما أبوكم سابكم كوم لحم فوق بعض، وأنا اللي شلتكم؟! أنا اللي ربيت، وعلمت، وسهرت، وخفت عليكم! ربيتكم بدموع عيني وسط الغيلان اللي كانت عايزة تخطفكم من حضني!

وضعت يدها على صدرها، وكأن قلبها نفسه أصبح شاهد على كل ما تقول:
ودلوقتي… خلاص مبقاش ليا لازمة؟!
بقيت ضيفة شرف في حياتكم؟!
مليش كلمة؟! مليش رأي؟!

سقطت كلماتها في المكان مثقلة بكل ما لم تقله طوال أعوام.

لكن شاهين لم ير أمامه الآن سوى وجه شقيقه حين انكسر أمام الجميع.

تذكر عيني زكريا وهو واقف عاجز بين دموع غزل وغضب أمه، وتذكر كيف خرج من بيت أهلها وهو يحمل في صدره وجع لم يكن يستحقه.

انفلت غضبه.

ركل أحد الكراسي بعنف، فاندفع إلى جانب الحائط، وارتطم صوت الخشب بالأرض كأنه صرخة أخرى في قلب البيت.

وهدر:
أحاااا! بقى!!! ليه؟!
هو عشان الواحد فينا يحب ويختار مراته، تبقي إنتى ملكيش كلمة ولا لازمة في حياتنا؟!

اقترب منها، وقد احمرت عيناه من الغضب:
وعشان نبقى عيالك نمشي وراكي حتى في الغلط؟!
يا أخي أحاااا! أمال راجل إزاي؟! ده إحنا كده نبقى رجال عيبة يا ياما!

مد أحمد يده سريعًا، وقبض على ذراع شاهين قبل أن يتجاوز الغضب حدوده، وقال بنبرة أثقل من العتاب:
يعني على كده يا فوزية… لو مكنتش حور بنتي، وربنا زرع حبها في قلبك قبل قلوبنا، كنتي هترفضي تجوزيها لابنك؟

توقفت فوزية.

تعلقت عيناها بأحمد، ثم هزت رأسها بالنفي، وخرج صوتها ضعيف هذه المرة، منكسر تحت الدموع:
لا… حور اللي فيها مش بإيدها….
المرض ملوش كبير، وربنا يعافينا كلنا يا أحمد.

خرجت من شاهين ضحكة قصيرة، ميتة، لا تحمل ذرة مرح، بل كانت أقرب إلى سخرية موجوعة من منطق لم يعد يحتمله.

وقال: ولا اللي فيها غزل كان بإيدها!

ثم اقترب خطوة، وحدق في أمه بعينين ممتلئتين بالغضب والوجع:
ذنبها إيه إن نصيبها وقع في عيل ابن وسخة؟!
ذنبها إيه إنها اتحسبت عليها جوازة شافت فيها المر؟!

ارتج صوته وهو يتذكر ما حدث وقصه عليه زكريا يوما ما : وآخرها خبطها بعربيته… وكان هيموتها!

اقترب شاهين من والدته، والغضب في عينيه لم يعد غضب رجل يخاصم أمه، بل غضب ابن موجوع لأنه يرى أمامه شيئًا لا يريد تصديقه.

وقال بصوت ثقيل، خرجت كلماته من بين أسنانه كأن كل حرف منها ينتزع قطعة من صدره:
عارفة يا ياما؟ المشكلة مش في غزل عشان مطلقة…
ولا في حور عشان مريضة.

صمت لحظة، ثم أشار إلى صدره وإلى إخوته:
المشكلة فينا إحنا… عشان بقينا بنقيس الناس بميزان خايب، ونحكم على قلوبهم من حاجات عمرها ما كانت بإيدهم.

اشتدت نبرته، وقال بمرارة:
ونروح ندوس على قلوب الناس، ونعايرهم بوجوعهم… جوه بيتهم، قدام أهلهم، وكأن اللي اتكسر فيهم كان اختيارهم!!

سكت لحظة، ثم قال بمرارة جارحة:
يعني المرض اللي ربنا ابتلى بيه حور شفتي إنه مش ذنبها… لكن الوجع اللي غزل اتعرضت له، واللي هي أصلًا كانت ضحيته، شايفاه عيب فيها؟

كانت فوزية تنظر إليه في صمت.

لم تجد كلمة واحدة تدفع بها عنه ما قاله، لأن كل حرف خرج من فمه وجد طريقه إلى موضع حساس داخلها.

لأول مرة لم تر أمامها ابنها الذي يعاندها…

بل رأت الرجل الذي ربته بيديها، يقف أمامها ويحاسبها على شيء لم تتخيل يومًا أنها قد تفعله.

لم تجد فوزية جواب..

وظلت واقفة أمامهم، ودموعها تنحدر على وجهها، بينما كان السؤال معلق في الهواء أثقل من أن يملك أحد الشجاعة ليتجاهله.

مد أحمد يده وأمسك بذراع شاهين، وقال بحزم هادئ:
خلاص يا شاهين… كفاية…
تعال معايا وسيبها تفكر شوية.

ظل شاهين واقف لحظات، يحدق في والدته بعينين مثقلتين بالخذلان، ثم سحب نفس عميق واستدار.

تحرك مع أحمد نحو الباب بخطوات غاضبة، كانت تضرب الأرض بعنف يشبه ارتطام قلبه بما حدث.

وقبل أن يخرج، لم يلتفت إليها.

ربما لأنه لو فعل… لرأى في عينيها أمه التي أحبها طوال عمره، ولانكسر غضبه.

انغلق باب الشقة خلفهما بعنف، فارتج المكان، وبقيت فوزية وحدها وسط صمت ثقيل.

جلست ببطء على كرسي السفرة، وأسندت مرفقيها علي الطاولة، ثم وضعت كفيها على وجنتيها.

ظلت للحظات تحدق في الفراغ، قبل أن يشتعل العناد في عينيها من جديد، وكأن قلبها رفض أن يعترف بالهزيمة.

تمتمت بغضب مكتوم:
خلاص… قعدتوني زي الجميزة،
وإنتوا الأساتذة وأنا معرفش حاجة!

مسحت دموعها بعنف، ثم رفعت رأسها وقالت بحنق:
كل ده عشان البت خرج البيوت دي؟!

ضحكت بسخرية موجوعة، ثم هزت رأسها بعناد:
طيب يا شاهين… ورحمة أبوك ما أنا مفكرة!

وتوقفت لحظة، قبل أن تضيف وهي تضيق عينيها:
بس نشوف في الآخر… مين فينا اللي هيطلع غلطان.

…………………
في الخارج…

كان شاهين قد أوشك على صعود الدرج، وما زالت خطواته تحمل بقايا الغضب الذي لم يهدأ بعد، حين امتدت يد أحمد وأمسكت بذراعه، فأوقفه.

قال أحمد بنبرة أهدأ، كأنه يحاول أن ينتشله من دوامة غضبه : بقولك اطلع هات حور عشان تبارك لشهد.

توقف شاهين، والتفت إليه بعينين ضيقتين في دهشة:
تبارك لشهد على إيه؟

رفع أحمد حاجبه، ثم ضرب جبهته بكفه وكأنه تذكر شيئًا مهم: آه صح… إنت مكنتش هنا.

استدار شاهين إليه كاملًا، وقد تبدل القلق في ملامحه إلى توجس: في إيه؟ إيه اللي حصل؟ شهد كويسة؟

أومأ أحمد سريعًا، ثم لكزه في ذراعه مطمئن:
كويسة أوي، متقلقش.

لكن أحمد لم يستطع إخفاء ما يختبئ خلف عينيه؛ ذلك البريق الغريب الذي لم يره شاهين فيه منذ زمن.

صمت لحظة…

ثم نظر إليه بشغفٍ يكاد يفضحه، وقال بصوت خافت ارتجف من فرط الفرحة: شهد… حامل.

تجمد شاهين لثانية.

اتسعت عيناه حتى بدت الدهشة فيهما أكبر من أن تستوعبها ملامحه، ثم صاح بعفوية:
وحياة أبوك! عملتها وشهد عُشر؟!

شهق أحمد بغيظ، وانقلبت فرحته إلى حنق مضحك في لحظة:
أحاااا! شايفني تور يا ابن الكلب؟
ولا شايفها هي جاموسة ؟!
يالا حسن ألفاظك اللي عايزة الحرق دي!

لكن شاهين لم يهتم.

اندفع إليه فجأة، وأطبق ذراعيه حوله في عناق عاصف بالسعادة، حتى اختنق أحمد بين ذراعيه.

ولم يستطع شاهين منع دمعة ثقيلة من الانزلاق من عينه، فسقطت ساخنة على عنق أحمد.

شعر بها احمد…
فتبدلت ملامحه في لحظة.

أغمض عينيه، وارتعشت شفتاه، ثم احتضن شاهين بقوة، ودفن وجهه في عنقه وهو يهمس بصوت مبلل بالدموع:
أنا مش مصدق لحد دلوقتي يا شاهين…
والله ما مصدق.

ازدادت قبضة شاهين حوله، وربت على ظهره بيد مرتجفة، وقال بصوت متحشرج: لا… صدق يا عمي.

ابتعد قليلًا، لكنه أبقى يديه على كتفي أحمد، ونظر إليه بعينين امتلأتا بالامتنان:
إنت رضيت وصبرت، وغرقتنا حنية وحب…
وربيتنا بعد أبويا، وكنت لينا نعم الأب والأخ والسند والضهر.

ابتلع غصته، ثم ابتسم من بين دموعه:
كان لازم ربنا يرضيك في يوم.

ارتجفت ابتسامة أحمد، وكأنه يخشى أن يصدق الفرح حتى لا يستيقظ منه.

أما شاهين، فمسح دموعه سريعًا، وقال بمزاح حاول أن يخفي به اختناق صوته:
أهو جاي لك اللي يسندك… وهتستغنى عننا خلاص.

تراجع أحمد خطوة، وأحاط وجنتي شاهين بكفيه، ونظر إليه بعينين غارقتين في الحنان:
بطل عبط يا ابني… دانت البكري.

ثم ابتسم ابتسامة امتزج فيها خوف الأب بطمأنينة الرجل الذي يعرف أن ظهره لن ينكسر ما دام أبناؤه حوله:
وإنت اللي مخليني مش خايف على اللي جاي؛
عشان عارف إنك هتبقى في ضهره….
وأنا لو مت… إنت هتكمل وتربيه بعدي،
وتطلعه راجل زي ما أنا ربيتك إنت وإخواتك.

هز شاهين رأسه بيأس، ومسح دموعه بطرف كمه، ثم قال وهو يحاول استعادة خفته:
يا عم إنت عدو الفرحة ليه؟! افرح يا عم أحمد!
الله يخرب بيت فوزية… نكدها بهت على البيت كله!

انفلتت من أحمد ضحكة صافية، رغم الدموع التي ظلت عالقة في عينيه.

ثم ربت على كتف شاهين وقال:
طب اطلع بقى هات حور… خليها تبارك لأمها.

ابتسم شاهين، ثم استدار نحو الدرج، وقد تبدل شيء كامل في ملامحه.

قبل دقائق كان يصعده محمل بالغضب…

والآن يصعده محمل بخبر صغير، لكنه بالنسبة لهم كان يشبه ميلاد عمر جديد.

صعد شاهين درجتين فقط…

ثم توقف فجأة.

كأن سؤال بسيط، بديهي، ضرب عقله في اللحظة التي كان فيها غارق في فرحته، لكنه أصابه في مقتل.

استدار ببطء نحو أحمد، ورفع حاجبه، بينما ضاقت عيناه بحنقٍ واضح، ثم هتف:
احااا… يعني إنت هتخلف قبلي؟!

رفع أحمد حاجبه في استنكار، وكأن السؤال نفسه إهانة لتاريخ طويل من الأبوة ، وصاح :
جرى إيه يا يالا؟! أنا كان المفروض أخلف وإنت لسه لابس الكافولة أصلًا… بس النصيب بقى، المواسير كانت مش سالكة ولا إيه؟!

ظل شاهين ينظر إليه لثواني، ثم أومأ برأسه ببطء، وقد وجد في تفسيره منطق لا بأس به ، وغمغم :
عندك حق…

استدار وصعد درجتين أخريين.
ثم توقف مرة ثانية.

والتفت إليه بنفس النظرة، لكن هذه المرة كان الغيظ قد وجد طريقه كامل إلى عينيه ، وهتف بصوت حاد:
يعني إنت كنت واقفلي على بوسة، ورافض أدخل على مراتي لحد ما تخلص جامعة… وإنت أصلًا عايش حياتك زحليق؟!

شهق أحمد، ورفع حاجبه بحنق:
جرى إيه يا يالا؟! هو أنا كنت هحبس لبني عشانك يا عر* ولا إيه؟!

رفع شاهين حاجبه بالقدر نفسه من الحنق، ثم فتح ذراعيه جانبا في حركة استسلام ساخرة:
لا إزاي… فك إنت يا أخويا، واحبس أنا!

صمت لحظة، وكأن فكرة أكثر خبث نبتت في رأسه.

ثم استدار نحو أحمد ببطء، وقال بنبرةٍ تحمل عبث واضح:
طيب إيه رأيك؟ أنا هطلع أدخل على بنتك دلوقتي… ومش هتنزل تبارك لأمها… هااا؟

اتسعت عينا أحمد، ثم عقد حاجبيه وهتف بغيظ:
ولا اتلم أحسنلك! البت لسه تعبانة.

ابتسم شاهين ابتسامة جانبية، ثم اندفع صاعد الدرج بخفة لم تكن تليق برجل كان منذ لحظات يبكي من شدة الفرح.

وصاح من أعلى الدرج: أنا تعبان أكتر منها!

ظل أحمد واقف مكانه، يحدق في أثره بعدم تصديق.

ثم ضرب كف بكف، وهز رأسه بيأس:
الواد مخه خف…

ابتسم رغم عنه، ثم استدار متجه إلى شقته، وما زالت ضحكته تختلط في صدره بفرحة لم يعتدها قلبه.

اليوم الذي انتظره أكثر من عشرين عامًا…
أخيرًا جاء.
وبطريقة لم يتخيلها قط.

….
في شقة شاهين…

دلف شاهين وأغلق الباب خلفه بصوت خافت، ثم تحرك بخطوات سريعة نحو غرفة النوم، وما زالت على وجهه بقايا فرحة لم تمح بعد.

مد يده إلى مقبض الباب، وأداره دون تردد…

وفي اللحظة التالية، تجمد.

توقف جسده كله دفعة واحدة، كأن شيئًا غير مرئي صفع قلبه في موضعه.

كان السرير فارغ…
فارغ تمامًا.

ظل واقف عند العتبة، وعيناه معلقتان بالمكان الذي اعتاد أن يجدها فيه، بينما أخذ عقله يفتش بعشوائية عن تفسير واحد يطمئنه.

ثم خرج صوته فجأة، حاد مذعور:
حووور!

اندفع إلى الحمام، دفع بابه بعنف، وألقى بعينيه في أرجائه يبحث عنها بجنون:
حور! إنتى فين؟!

لا إجابة.

خرج منه كأن الصمت نفسه صار خطر يطارده.

تراجع بخطوات سريعة، فاصطدمت ساقه بأحد الكراسي، وكاد يسقط، لكنه تشبث بحافته في اللحظة الأخيرة.

دفع الكرسي بعيدًا بعنف، واندفع خارج الغرفة راكض، بينما راحت عيناه تمسحان المكان كله في هلع.

كان قلبه يخبط داخل صدره كمن يحاول كسر قفصه.

وصل إلى باب الشقة، وكادت يده تمتد إلى المقبض…

لكن شيئًا استوقفه.
ضوء.
ضوء المطبخ.

تسلل خيطه من الضوء ، ساكن هادئ على نحو أثار في داخله ريبة أشد من الظلام نفسه.

توقف شاهين…التفت ببطء…

وظل يحدق في الضوء لثوانى، بينما أنفاسه تتلاحق، وكأن قلبه أدرك شيئًا قبل أن يدركه عقله.

ثم استدار نحو المطبخ، وبدأ يتحرك إليه بخطوات حذرة، وقد تبدلت ملامحه تمامًا…

فالخوف الذي كان يركض به قبل لحظات، صار الآن خوف من أن يجد ما هو أسوأ من مجرد غيابها.

تجمد شاهين عند عتبة المطبخ، وكأن المشهد الذي استقر أمام عينيه انتزع من جسده القدرة على الحركة للحظات.

كانت حور هناك… بكل بساطة.

تفتح باب البراد، وتضع كرسي أمامه، ثم تجلس فوقه وكأنها في جلسة هادئة لا علاقة لها بالرعب الذي كاد يفتك بقلبه قبل لحظات….

تتناول الطعام البارد مباشرةزمن بين رفوفه، وسماعات الأذن تعزلها تمامًا عن العالم.

ظل يحدق بها في صمت، عاجز عن استيعاب الفارق المضحك بين ما تخيله وما وجده.

قبل دقائق كان قلبه يركض في صدره كالمذعور، يبحث عنها بين الغرف، يتخيل أسوأ الاحتمالات،

والآن يقف أمامها وهي منهمكة في مهمة أكثر خطورة من كل ما تخيله… مداهمة البراد في وضح النهار.

أسند شاهين كتفه إلى الحائط، وأطلق زفرة طويلة مثقلة بما تبقى من فزع…

بينما انزلقت نقطة عرق عند صدغه شاهدة على الأعصاب التي كادت تتمزق في الدقائق القليلة الماضية.

وضع كفه فوق قلبه محاول تهدئة خفقاته العنيفة، ثم تمتم بضيق مكتوم:
يا رب صبرني عليها…

اقترب منها بخطوات هادئة، لكن الحنان غلب كل غضبه قبل أن يصل إليها.

انحنى عليها من الخلف، وأحاط جسدها بذراعيه فجأة، يضمها إلى صدره بعنف محب….

فشهقت حور بفزع، إلا أن ثانية واحدة كانت كافية لتتعرف إلى رائحته؛ ذلك المزيج المألوف من عطره ورائحته الرجولية التي طالما ارتبطت في قلبها بالأمان.

استرخت بين ذراعيه دون مقاومة، وكأن جسدها أدرك صاحبه قبل أن تدركه عيناها.

مدت يدها وسحبت السماعتين من أذنيها، ثم غمغمت بصوت خافت، لا يزال يحمل أثر دهشتها :شينو… إنت جيت إمتى؟

زفر شاهين بجوار أذنها، وما زال الغضب المرتجف عالق في صوته:
جيت من ساعة ما وقعتي قلبي.

التفتت إليه بدهشة، ونهضت من فوق الكرسي حتى وقفت أمامه، ثم أشارت إلى صدرها بحيرة حقيقية:
أنا يا شينو… أنا عملتلك إيه؟

رفع شاهين حاجبه، ثم أشار برأسه إلى باب البراد المفتوح، وقال بنبرة تجمع بين العتاب والحنان:
بتعملي إيه جوه التلاجة يا حتة من شينو؟

نظرت حور إلى البراد، ثم عادت إليه وكأنها لا ترى في الأمر أي شيء يستحق كل هذا الذعر، وأشارت إليه ببراءة:
باكل يا شينو… مش عارفة ليه حاسة إني جعانة أوي، كأني مكلتش بقالـي كتير.

تأملها شاهين للحظات، ثم أغمض عينيه وزفر ببطء، وكأنه يحاول إقناع قلبه بأن هذه المخلوقة لن تكون سبب في موته قبل أوانه.

فتحت عينا شاهين على اتساعهما، ثم انفرجت شفتاه عن ابتسامة حانية، كأن خبر صغير كهذا استطاع أن يمحو في لحظة كل أثر للفزع الذي مزق أعصابه قبل قليل.

اقترب من حور وضمها إلى صدره بقوة، حتى كادت تستقر بين ضلوعه، ثم أمال رأسه وهمس بمحاذاة أذنها:
عشان الأيام اللي فاتت، الله لا يعودها، مكنتيش بتاكلي كويس يا حبيبي…
بس مش قلتلك سخني الأكل يا حور؟
هتبطلي إمتى العادة المنيلة دي؟

تراجعت حور قليلًا، وأسندت رأسها إلى منكبه برقة، بينما ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة وهي تقول بعفوية:
لا يا شينو، ده أكل التلاجة…
وإنت جعان كده ياااه،
تحس إنه بينزل كده يزغرط في البطن.

ضحك شاهين، وكانت ضحكته هذه المرة أهدأ؛ ضحكة يحاول بها أن يستعيد قلبه من بين براثن الخوف الذي كاد يفتكه منذ دقائق.

جلس على الكرسي المقابل لها، ثم أمسك خصرها وجذبها برفق حتى وقفت بين ساقيه….

امتدت يده إلى بطنها المسطحة، تمر عليها بحنان غريب، كأن أصابعه لا تلامس جسد فحسب، بل تلامس أمنية قديمة خبأها في أعمق مواضع قلبه.

كان يتمنى يومًا أن تحمل تلك البطن الصغيرة شيئًا منه… قطعة منه ومن حور، حياة جديدة تنبض تحت كفه، وتمنحه اسم آخر غير الزوج والحبيب؛ اسم ظل قلبه يتوق إليه في صمت.

رفع عينيه إليها، وقد امتلأتا بشيء من الشوق واللهفة، ثم قال بنبرة غامضة متعمدة:
أقولك خبر هيخلي كل أعضائك تزغرط بعلو حسها؟

أضاء الفضول عينيها، وأومأت بسرعة:
قولي يا حبيبي.

اتسعت ابتسامته، وبقيت عيناه معلقتين ببطنها لحظة، قبل أن يقول: شهد حامل.

تجمدت حور لثانية كاملة، وكأن عقلها احتاج إلى لحظة كي يستوعب الجملة.

قطبت حاجبيها بدهشة صادقة: إزاي يعني؟

ابتسم شاهين بمكر، وهز رأسه ساخرًا: اسألي أبوكي اللئيم ده…
هو اللي عنده سر الخلطة…
هو هايص وسايبني أنا لايص.

وضعت حور يدها على فمها، واتسعت عيناها بالذهول:
شهد ماما حامل؟! اللي قاعدة تحت مع بابا أحمد دي؟

ضحك شاهين بصخب ، وهز رأسه بالايجاب ، وهتف :
يا بت، إنتى الأكل الساقع جمد الفهم عندك؟ أيوه أمك شهد… عندك أم تانية؟

وقبل أن يضيف كلمة، امتدت يد حور إلى طبق الطعام، فالتقطت إحدى لفائف محشي ورق العنب ورفعتها أمامه بانتصار:
إزاي بس يا شينو؟

لم يمنحها شاهين فرصة لإكمال السؤال؛ نهض فجأة، ثم حملها بحنان على منكبه، متجاهل مقاومتها وضحكتها ، وهتف بعبث :
تعالي أوريكي إزاي يا حور عين شينو.

شهقت حور وهي تلتفت خلفها نحو المطبخ، فرأت باب الثلاجة لا يزال مفتوح، والطعام مبعثر في الداخل، فهتفت باعتراض:
شاهين استنى بقى! عايزة أكمل أكل..
أنا مصدقت إني أقدر آكل، يا رخم!
وكمان التلاجة مفتوحة!

واصل شاهين سيره بها نحو الغرفة، ثم قال وهو يضحك:
يا بت، إنتى باردة زي التلاجة…
وأنا جوايا بابور!

شهقت حور شهقة خجولة مرتجفة، واتسعت عيناها بدهشة حين أسقطها شاهين برفق بالغ فوق الفراش…

كأنه يضع كنز يخشى عليه من اللمس. انحنى عليها بجسده القوي، وأسند كفيه العريضتين إلى جانبي رأسها…

متعمد ألا يثقل عليها بثقله، بل يحيطها بدفئه فقط، حتى شعرت بحرارة صدره تنساب إلى صدرها عبر الهواء الضيق بينهما.

تأمل وجهها لحظات طويلة، وفي عينيه ذلك العبث الدافئ الذي طالما أشعل ارتباكها وأوقد في أحشائها نار خفية…

مال قليلًا حتى كادت أنفاسه تمس شفتيها، وهمس بصوت خفيض مبحوح:
بقى إنتي يا بت مش عارفة أمك شالت من أبوكي إزاي؟

قطبت حور حاجبيها بحيرة صادقة بريئة، ورمشت مرتين كأنّها تحاول أن تفهم ما وراء الكلمات:
شالت منه؟ زعلانة يعني؟

انفجرت ضحكة شاهين مكتومة عميقة، وهز رأسه نافيًا وهو ينظر إليها بنظرة مفعمة بالمكر والحنان معًا، ثم قال بصوت أعمق، مشحون بوعد خفي:
آه… زعلها زعل، وصلحها بلبن لحد ما جابوا عيل.

رمشت حور عدة مرات، وبدا عليها أنها تحاول فك شفرة كلماته، ثم سألته ببراءة زادت من عبثه وأشعلت في صدره شيئًا أكثر حرارة:
صالحها بلبن إزاي يا شينو؟

ابتسم شاهين ابتسامة بطيئة خطرة، وأمال رأسه نحوها حتى كادت جبهته تلامس جبينها، وهمس بالقرب من فمها:
كده… يا قلب شينو.

وانحنى نحوها ببطء قاتل مميت، كأن المسافة القصيرة بينهما كانت أطول من كل الأيام والليالي التي غابا فيها عن بعضهما.

لامست شفتاه شفتيها في قبلة هادئة في أول الأمر، رقيقة مرتعشة كلمسة نسيم دافئ على جرح مفتوح لكنها لم تبقي هادئة طويلًا.

سرعان ما انسكب فيها كل ما عجز عن قوله منذ لحظة دخوله البيت وظن أنه فقدها إلى الأبد….

كان يقبلها وكأنه يسترد أنفاسه التي بعثرها الخوف، وكأنه يطعم روحه من فمها،
وكأنه يطمئن نفسه بوجودها بين يديه حية دافئة مرتجفة، وقريبة منه قرب يذيب العظام، ويسيل الدم في العروق.

ارتجفت حور بين ذراعيه ارتعاشة طويلة حاره عميقة، ثم رفعت يديها ببطء ولفتهما حول عنقه بقوة خجولة….

تستجيب لشوقه بشوق مماثل أشد حرارة وأكثر عطش…

أغمضت عينيها واستسلمت للحظة لم تحتاج فيها إلى كلمة واحدة،

بينما كانت شفتاه تتذوقانها ببطء قاتل أول الأمر، ثم بلهفة متزايدة جائعة لا تعرف الشبع….

ويمتصان رقتها ونداها الدافئ كأنهما ترويان عطش قديم متراكم منذ سنين طويلة….

انفتح فمها تحت فمه قليلاً في استسلام لا واعى، فتعمق أكثر وأكثر…

حتي أرسل لسانه يلامس لسانها برفق متردد أولًا، ثم بجوع متصاعد محموم، يلتف حوله ويتذوقه ويمتصه كأنه يبحث عن سر وجوده في أعماقها…

اختلطت أنفاسهما الساخنة المتسارعة حتى صارا يتنفسان من فم واحد، وذاب الحد الفاصل بين جسديهما في تلك القبلة التي لم تعد مجرد لقاء شفاه، بل صارت غرق كامل في بعضهما البعض.

وحين ابتعد شاهين أخيرًا، فعل ذلك ببطء شديد، كأنه ينتزع نفسه منها انتزاع مؤلم.

بينما ظلت جبهته قريبة من جبينها، وأنفاسهما المختلطة الحارة تملأ المسافة الصغيرة ….

فتح عينيه ونظر إليها طويلًا، وقد انطفأ العبث من ملامحه تمامًا، ولم يبقي سوى رجل اشتاق إلى امرأته أكثر مما ينبغي لقلب أن يحتمل.

همس بصوت خافت مبحوح يكاد ينكسر:
وحشتيني أوي… يا حور عيني.

فتحت حور عينيها ببطء، ونظرت إليه بنظرة غارقة في الخجل والحنين والرغبة معًا، ثم تنفست كأنها تستعيد شيئًا فقدته معه، وهمست بصوت مرتجف دافئ:
وإنت وحشتني أوي يا شينو… أوي.

بلع شاهين الجمر المتقد في حلقه كأنه يبتلع لهيب حي، ومد يده ببطء محموم مرتعش إلى سحاب كنزة منامتها….

همس بصوت خفيض مبحوح مشحون برغبة عارية:
ايه رأيك يا عمري…
نجرب تنامي في حضني…
وجلدي يلمس جلدك؟

زاغت عينا حور بخجل وخوف عميق يختلط بلهفة خفية، وتمسكت بيده القوية تحاول منعه من فتح السحاب، وغمغمت بصوت خافت يكاد يذوب على شفتيها:
لا يا شاهين… عيب تشوف جلدي…

رفع شاهين حاجبه بحنق دافئ ممزوج بالضحك المكتوم، وأصدر صوت معترض حاد ينضح بالرغبة :
احااااا… أمال لما كنت أحميكي كنت بشوف إيه؟!

مرر أصابعه الطويلة على السحاب وفتحه بلهفة متسارعة ممزوجة برغبة لا تقاوم
، وغمغم وهو يزيح القماش عن جسدها ببطء قاتل:
دانا شوفتك كلك… وكنت هولع…
ارحمي اللي جاب أمي بقى…

شهقت حور شهقة خجولة مرتجفة طويلة، وحاولت التمسك بكنزتها بأصابع مرتجفة ضعيفة…..

لكن حركة شاهين كانت أسرع وأكثر حسم ممزوج بلين ذائب نزع الكنزة عنها وألقاها أرضا بلا اكتراث…..

ثم بلع لعابه بصعوبة بالغة وهو يتأمل جسدها العاري بين ذراعيه….

نهداها كقطعتين من الرخام الأبيض الصافي، لمعا بنور الفجر الخفيف قبل أن تمسهما الأيدي…

ناعمان مرتفعان يرتجفان مع كل نفس عميق تأخذه، وراسيهما الصغيرتان منقبضتان من الخجل والبرودة الأولى.

شهقت حور بخجل أشد وأعمق، ووضعت ذراعها تخفي نهديها عن عينيه الجائعتين اللتين كانتا تلتهمانها…

بينما وضعت يدها الأخرى على وجنته بحركة خجولة ، دفعت وجهه بوهن إلى الجهة الأخرى كأنها تدفع لهيب مشتعل، وغمغمت بصوت خافت مرتجف يكاد يختنق: متبصش كده يا قليل الأدب…

عاد شاهين بعينين تلمعان بالعبث والخبث والرغبة المتأججة معًا، وغمغم بصوت خشن غليظ بالرغبة يكاد يخدش جلدها:
ما أنا مش قادر مبصش يا بت…
دانا أول مرة آخد بالي إن جسمك جسم نونا… والإمكانيات إمكانيات مادونا.

ضحكت حور ضحكة خجولة مكسورة مرتجفة، وحاولت التملص منه بجسدها الناعم…..

ومالت على جانبها تحاول إخفاء نهديها عن نظراته المحرقة، وغمغمت وهي تدفن وجهها في الوسادة بصوت مختنق:
شينو يا قليل الأدب… كفاية بقى…
أنا هموت من الكسوف…

اعتدل شاهين قليلًا، ونزع قميصه بحدة صامتة محمومة وألقاه أرضًا….

انحنى عليها بجسده العاري الساخن، وقبض على ذراعها الرقيقة وسحبها إليه بحسم لين لا يقاوم…

شهقت حور بخجل جديد عميق، واتسعت عيناها حين اصطدم صدره الصلب الملتهب بنهديها العاريين…

حتى استقرا على صدره كقمرين دافئين من بلور ناصع، يرتفعان ويهبطان بإيقاع سريع محموم يسرد حياء البكارة ورقة الأنفاس الأولى.

تنهد شاهين بأنفاس حارقة ثقيلة تكاد تحرق أذنها ومر بلسانه الحاره علي بشرة منكبها وعمقها ، وهو يشعر بنهديها الناعمين يعلوان ويهبطان على جلده العاري المشتعل، وهمس في أذنها بصوت أجش مثير يكاد يذوب من الرغبة:
أحلى حاجة إنك مكنتش لابسة السنتيان الرخم ده…

قبضت حور على منكبيه العريضين بخجل شديد مرتجف، وهمست بصوت خافت خجول يكاد يختنق بين أنفاسها المتسارعة:
اسمها براه يا قليل الأدب…

تراجع شاهين قليلًا فقط وقبض على أحد ساقيها الناعمتين برفق حاسم، ولفها حول خصره القوي….

استقر وسط ساقيها المفتوحتين، وضغط بصلابته المحمومة الثقيل برفق متزايد على كنزها الثمين الذي يتوق إليه بجنون قديم..

ارتجف جسد حور رجفة عنيفة كاملة، وتأوهت بصوت خافت مكسور طويل:
آآآآه… يا شينو…

تحرك شاهين ببطء شديد متعمد، كأن الزمن نفسه قد انحنى تحت وطأة رغبته، وهو يتأمل جسدها المرتجف تحته …

كأنه يتأمل معجزة حية لم يكتب لها أن تمس من قبل….

انحنى على أحد نهديها، وبدأ ينثر قبلات ساخنة رطبة بطيئة على استدارته الناعمة

البيضاء،

ثم امتص نهدها بنعومة عميقة متأنية حتى ترك أثره الوردي على بشرتها الرقيقة كأنه ختم لا يمحى. همس بأنفاس ساخنة محرقة تلامس جلدها المبلل:
كلمنتينا مسكرة… وسكرها هيطير البرج اللي باقي في نفوخ أمي يا حور عيني.

حاولت حور التملص منه بجسدها الذائب المرتجف، وهمست بصوت مبحوح مكسور يكاد يذوب بين شفتيها:
كفاية يا شينو… عشان خاطري…

لكن شاهين قبض على خصرها الرقيق بقوة لينة لا تقاوم، وسحبها إلى الأسفل بحركة واحدة حاسمة….

وهو يحتك بها بخفة متعمدة تذيب العقل وتشعل ما تحت الجلد. جعلها تتلوى وتذوب أسفل جسده الثقيل الملتهب كأنها قطعة صلصال طرية تذوب بلا رحمة تحت لهيب احتكاكه البطيء.

انحنى شاهين على نهدها الآخر، وغمغم بصوت أجش دافئ ممزوج بالعبث والشهوة الخالصة: اسمعي كده… المصة دي.

والتهم نصف نهدها بفمه دفعة واحدة، وامتصها بعنف رطب عميق جائع حتى تردد صوت الامتصاص الرطب في أرجاء الغرفة الهادئة كأنه همس متوحش….

جحظت عينا حور بذهول مخلوط بالخجل واللذة العميقة، وارتجف جسدها بعنف كامل من رأسها إلى أخمص قدميها..

غمغم شاهين بأنفاس متقطعة محرقة وهو يرفع رأسه قليلًا، وعيناه محمرتان بالرغبة التي كادت تفلت من عقالها:
احاااا يا حور… خلاص أنا هنفجر…
مش قادر…

وضعت حور كفها فوق صدره، وحاولت دفعه بوهن، بينما كان صدرها يعلو ويهبط بأنفاس متقطعة، وقد غلبتها الدموع وهي تهمس بصوت مرتجف:
أوع يا شاهين… مش قادرة…..
نفسي راح… مش قادرة.

كانت كلماتها أشبه بإنذار مزق غلالة الشوق التي غرق فيها.

توقف شاهين في اللحظة نفسها، وكأن صوته أعاده إلى الأرض دفعة واحدة…

عض شفته بقوة، ثم نهض عنها بصعوبة، يلتقط أنفاسه ويحاول أن يخمد تلك النار التي اشتعل في جسده..

انحنى إليها، وأحاط وجنتها بكفه بحنان، ثم طبع قبلة دافئة على جبينها، وقال بصوت مبحوح:
حقك عليا يا روحي… حقك عليا….
تقلت عليكي.

أشارت حور إلى كوب الماء القريب، وهمست بصوت متعب:
عايزة أشرب يا شينو.

أومأ شاهين فورًا، والتقط الكوب، ثم وضع يده أسفل رأسها ورفعها برفق، وقرب الماء إلى شفتيها: اشربي يا قلب شينو.

ارتشفت حور قليلًا، مستندة إلى صدره، حتى هدأت أنفاسها شيئًا فشيئًا.

تراجع شاهين قليلًا، يتفحص وجهها الشاحب بعينين ممتلئتين بالقلق، وسألها:
أحسن يا حبيبي؟

أومأت برأسها، ثم دفنت وجهها في عنقه، وتمتمت:
أممم… أحسن، بس عايزة ألبس يا شينو.

ظل ينظر إلى نهديها الغض ، حاول نزع عينها عنها بصعوبه.. ثم تنهد، وكأنه يعرف أن عليه أن يبتلع كل اعتراض.
ماشي… مؤقت هسيبك تلبسي، بس بعد كده مش عايز أسمع أم الكلمة الشؤم دي. إنتي لبستي كتير أوي… حان وقت الملط بقى.

عضت حور شفتها بخجل، وسحبت الغطاء حتى عنقها، ثم تمتمت باعتراض:
إنت متربتش يا شينو.

ضحك شاهين بخفوت، ثم أمسك طرف الغطاء وسحبه عنها بحركة مرحة، وقال:
سيبك من الغطا بقى، وتعالي ناخد دش عشان ننزل نبارك لأمك.

وقبل أن تجد حور فرصة للاعتراض، انحنى شاهين وحملها بين ذراعيه، فشهقت بخجل وتشبثت به، بينما أخفت وجهها عند صدره.

حملها الي المرحاض بخطوات هادئة، وهي تهمس باعتراضات متقطعة لا يبدو أنه كان ينوي الإصغاء إلى أي منها.

وصل إلى باب المرحاض، ثم دلف بها وأغلق الباب خلفه بصوت خافت…

وخلف الباب، بقيت ضحكات حور الخجولة تختلط بصوت شاهين العابث، بينما كان الفرح الذي ينتظرهما في الأسفل أكبر من كل ما حدث في تلك الدقائق.

…………….
في شقة أحمد المهدي…

ما إن تناهى إلى أحمد صوت طرق الباب، حتى نهض مسرع وفتحه، لتقابله ملامح شاهين المتعبة، وحور بين ذراعيه.

رفع أحمد حاجبه بنزق، وقال وهو يفسح لهما الطريق: كل ده عشان تجيبها؟

دخل شاهين إلى الشقة، وزفر بضيق مصطنع وهو ينزل حور علي الأرض برفق حاني ورد: وياريتني جبت…

لم ينتبه أحمد إلى عبارته، فقد امتدت يده فورًا نحو حور، فضمها إلى صدره بحنان أبوي، وطبع قبلة طويلة على رأسها، بينما لكز شاهين بيده الأخرى في كتفه:
جبت إيه يا عديم التربية؟

ضحكت حور، وأحاطت عنق أحمد بذراعيها، ثم قالت بسعادة صافية:
مبروك يا بابا… يتربى في عزك يا رب.

توقفت عينا أحمد للحظة، وامتلأ وجهه بذلك الفرح الذي لا يحتاج إلى شرح، بينما اشتعلت غيرة شاهين من المشهد حتى كاد يطلب نقل ملكية ابنته رسميًا.

مد يده وسحب حور من خصرها إليه، وقال بنزق:
جبت نفسي وجيت يا عم أحمد، أبوس إيدك ارفع عينك عني وخليها تعدي.

ضحك أحمد، بينما نظرت حور إليه بدهشة.

اقترب شاهين منها، وهدأت نبرته فجأة وهو يقول بحنان:
وبعدين قولي عقبال ما نخاوي أخويا يا بت.

رمشت حور بدهشة، ثم قالت ببراءة:
ما أنا أخته أصلًا يا شاهين.

هز شاهين رأسه بيأس، وكأنه أمام طفلة لا تفهم أبسط البديهيات:
لا… يعني نجيبله نونو يلعب معاه.

لم تمر الجملة بسلام.

لكزه أحمد في كتفه بحنق، وأشار إلى الداخل:
طيب عدي إنت ليلتك يا ابن الكلب،
مش عايز أبوظ فرحتي ….
وتبات إنت في الإنعاش وأنا في السجن.

استدار شاهين إليه ببطء، وقد ضاقت عيناه، واشتعل فيهما ذلك البريق الذي تعرفه حور جيدًا.

نظرت بينهما، وشعرت أن المزاح بدأ ينزلق إلى منطقة قد تحتاج بعدها إلى إسعاف حقيقي، فابتلعت ريقها بسرعة، ثم أمسكت بذراع شاهين وأشارت إلى الداخل:
أنا هروح أبارك لماما… يلا يا شينو.

تحركت حور مبتعدة عنهما، وما إن هم شاهين بأن يلحق بها حتى امتدت يد أحمد وقبضت على ذراعه، فأوقفته في مكانه.
نظر أحمد إلى حور وقال بنبرة هادئة لا تحمل مجال للنقاش:
روحي إنتي يا حبيبتي… أنا عايز شاهين في شغل، وهيجي وراكي.

توقفت حور لحظة، وزاغت عيناها بين الرجلين؛ شيء ما في نبرة أحمد لم يطمئنها، وشيء آخر في صمت شاهين جعل قلبها يلتقط إشارة لم تفهمها.

لكنها أومأت في النهاية، وتحركت إلى الداخل على مضض، وظلت خطواتها تتباطأ قليلًا كأن جزء منها يريد أن يبقى ليستمع.

انتظر أحمد حتى اختفت عن أنظاره، ثم أغلق الباب بهدوء، واستدار إلى شاهين.

اختفت كل ملامح المرح عن وجهه.

وقال بصوت حاد، لكنه خفيض:
إنت مقلتش ليه إن عابدين اختفى من المستشفى؟

زفر شاهين بضيق، وأدخل يده في جيب بنطاله، ثم رفع كتفيه في حنق:
انشغلت في زكريا واللي حصل، ومجتش فرصة… بس إنت عرفت إزاي؟

تنهد أحمد بثقل، وكأن مجرد ذكر الاسم أعاد إلى صدره حمل قديم:
أصل سعد فاق وطلبني.

تقلص فك شاهين، وألقى نظرة سريعة نحو الداخل، ثم عاد بعينيه إلى أحمد:
وإنت روحت له ليه يا عم أحمد؟

مرر أحمد كفه على وجهه في ضيق، ثم قال:
إنت ناسي إنه صاحبي؟ وإنه كان هيدفع حياته تمن إنه يخلصني من ابن الكلب عابدين؟

رفع شاهين عينيه إليه، وقد بدأ الغضب يتجمع فيهما شيئًا فشيئًا حتى غطى على كل شيء آخر.

وهدر:هات آخرك يا عم أحمد… إنت بتقولي البوقين دول ليه دلوقتي؟

رفع أحمد رأسه إلى أعلى لحظة، كأنه يستنجد بالصبر قبل أن ينطق بما يعرف أن وقعه لن يكون سهلًا.

ثم أعاد عينيه إلى شاهين وقال بحدة:
سعد عايز يشوف حور.

ساد الصمت.
ثانية واحدة فقط…

لكنها كانت كافية لأن تتبدل ملامح شاهين بالكامل.

ظهرت على فمه ابتسامة صغيرة، باردة، لا تمت إلى الفرح بصلة، بينما اشتعلت عيناه ببريق أقرب إلى الجنون.

وقال بصوت حاد، قاطع:
على جثتي إن حور تقابله…
أو حتى تعرف الحقيقة.

وفي اللحظة نفسها…

شق صوت أنثوي مذهول الصمت من خلفهما: حقيقة إيه يا شينو؟

تجمد شاهين.
وتوقفت أنفاس أحمد.

أما حور، فكانت واقفة عند مدخل الغرفة، تنظر إليهما بعينين اتسعتا بالشك، وقد التقطت أذناها تلك الكلمة الوحيدة التي لم يكن من المفترض أن تسمعها.

الحقيقة.

كلمة واحدة…

لكنها كانت كافية لتفتح باب ظل شاهين يغلقه بكلتا يديه، خوف من اليوم الذي ستقف فيه حور أمامه وتسأله: ماذا أخفيتم عني؟
وووووووووووووو

ساحره القلم ساره احمد

4.3 86 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
105 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Mero❤️
Mero❤️
14 أيام

تحفة من قبل مااقرأ ياحبيبتي ❤️🥰

Nedaa
Nedaa
14 أيام

تسلم الايادي من قبل ما اقرا بجنن اكيد❤️❤️

Princess soma
Princess soma
14 أيام

حلو اوووي

Marwa
Marwa
14 أيام

البارت تحفة كالعادة تسلم ايدك ياقمر

An a Shosho
An a Shosho
14 أيام

الفصل جميل
تسلم ايدك يا حبيبتي

ضيف
ضيف
13 أيام

تحفة

Samar
Samar
13 أيام

تسلمي ي مبدعه 😍

ضيف
ضيف
13 أيام

تحفه❤️

Faten Ramadan
Faten Ramadan
13 أيام

تسلم ايدك يا قلبي 🥰

Shimooo
Shimooo
13 أيام

تحفه اوي تسلم ايدك ❤️❤️❤️

nouran
nouran
13 أيام

تحفة تسلم ايدك يا قلبي ❤️

Lamia
Lamia
13 أيام

👏👏👏👏👏👏

ضيف
ضيف
13 أيام

تحفه تسلم ايدك يا حبيبتي 😘

Lolo saleh
Lolo saleh
13 أيام

جمال وروعة مالها مثيل

Abaar Zamzam
Abaar Zamzam
13 أيام

البارت فوق العظمة و التحفة حقيقي تسلم ايدك يسو 🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍بس القفلة توقف عضلة القلب ليه كدة 🥹🥹🥹🥹🥹🥹

اميرة الدمرداش
اميرة الدمرداش
13 أيام

غزل صعبت عليا زكريا غلطان ان معرفهمش

جيرمو
جيرمو
13 أيام

شكل اللي جاي مرار

inbound3020777914488146701
ضيف
ضيف
13 أيام

تحفه بجد

Nabila Ahmad
Nabila Ahmad
13 أيام

تسلم ايدك وعيونك ياسارة البارت تحفة كالعادة جميل جدا ❤️❤️❤️

Howida
Howida
13 أيام

الفصل عسل وبجد يجنن تسلم ايدك

Om Ammar
Om Ammar
13 أيام

تسلم ايدك يا قمر ❤️❤️
بس زعلت من موقف ام شاهين من ناحية غزل

ضيف
ضيف
13 أيام

تحففففففه

ضيف
ضيف
13 أيام

الفصل روعه والروايه بقت جامدة

اميره
اميره
13 أيام

بارت اكتر من رائع

Mariem youssef
Mariem youssef
13 أيام

حلوه اوي

نور الليالي
نور الليالي
13 أيام

بجد انت دايما في اقدم ياساره

Shimaa Aborisha
Shimaa Aborisha
13 أيام

تحفه بجد و الأحداث كل مره أحلي من ال قبلها 💃🔥❤️❤️❤️❤️

Shimaa Aborisha
Shimaa Aborisha
13 أيام

البارت تحفه ❤️❤️❤️❤️❤️❤️

ضيف
ضيف
13 أيام

تسلم ايدك

hayat
hayat
13 أيام

البارت جميل اوي تسلم ايدك

Rody galal
Rody galal
13 أيام

تسلم ايدك

شيماء
شيماء
13 أيام

تسلم ايدك ياقمر💗💗💗

محمد عمرو
محمد عمرو
13 أيام

البارت جميل جدا تسلم ايدك يا سو

Amira osama
Amira osama
13 أيام

حلو اووووى ♥♥♥♥♥

لحن الوفاء
لحن الوفاء
13 أيام

تحفه

Lily Ahmed
Lily Ahmed
13 أيام

تسلم ايدك يا قلبي

Lily Ahmed
Lily Ahmed
13 أيام

الفصل تحفه كالعاده

ضيف
ضيف
13 أيام

رووووعه

ضيف
ضيف
13 أيام

تسلم ايدك ساحرة الكلمات وساحره القلوب روعة روعة 🌺🌺🌺

ضيف
ضيف
13 أيام

🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺

ضيف
ضيف
13 أيام

تحفة بجد تسلم ايدك يا سووو

samer yehia
samer yehia
13 أيام

شاهين واحمد مشكلة
تسلم ايدك

ضيف
ضيف
13 أيام

تسلم ايدك يا روحي

مالك وليد
مالك وليد
13 أيام

تسلم ايدك ياقلبي

مالك وليد
مالك وليد
13 أيام

تحفه كالعاده حبيبتي بتمنالك النجاح والتوفيق دائما يارب 😘

Sara alaa
Sara alaa
13 أيام

اوبااااا علي البارت الجامد دا 🫦😉

Fatenmansour
Fatenmansour
13 أيام

تسلم ايدك يا قمر 🥰
تحففففه

ضيف
ضيف
13 أيام

روعه تسلم ايدك

ضيف
ضيف
13 أيام

البارت رووووووووعة ياسارة تسلم ايديكم وعنيكم ياقلبي❤❤❤❤

ضيف
ضيف
13 أيام

تحفه ياحبيبتي🥰🥰🥰🥰