ييبب
ملكي وكفي

ملكي وكفي ( الفصل الثالث وعشرون)

ملكي وكفي ( الفصل الثالث وعشرون)

فصولٌ كهذه لا تمرّ على القلب مرورًا عابرًا…
ففيها أفراحٌ جاءت بعد انتظارٍ أرهق الأرواح، وأمنياتٌ تأخرت حتى ظن أصحابها أنها لن تأتي، ثم أقبلت فجأةً كأنها اعتذارٌ من القدر عن كل ما مضى.

وفيها وداعٌ لا يخلو من الحنين، وخطواتٌ تمضي نحو بيوتٍ جديدة، وقلوبٌ تتعلق بما تركته خلفها أكثر مما تتطلع إلى ما ينتظرها أمامها.

بعض اللحظات لا تُشبه الخوف… بل تُشبه الوقوف على حافة الهاوية، وانتظار شيءٍ لا تملك القدرة على منعه.

وفي زاويةٍ أخرى، تبدأ حكايةٌ جديدة بخطوةٍ صغيرة نحو بابٍ طال انتظاره، بينما يقف قلبٌ آخر بين الحياة والموت، معلّقًا في المسافة الهشة بين نبضةٍ قد تعود… وأخرى قد تكون الأخيرة.

هناك وجعٌ لا يُسمع صوته، لكنه ينهش القلب ببطء…
ودعاءٌ يخرج من بين الدموع، كأن الروح تتشبث به كي لا تسقط.

وهكذا هي الحياة…
تمنح يدًا فرحةً، وتقبض بالأخرى على قلبٍ من الوجع، وكأنها تذكّرنا دائمًا أن السعادة لا تأتي وحدها… وأن وراء كل ضحكةٍ حكايةً من الصبر، ووراء كل دمعةٍ قدرًا لم يُكتب لنا بعد أن نفهمه.

وأحيانًا، لا يكون أصعب ما في الغياب أن نفتقد من نحب…
بل أن يبقى قريبًا منا، ولا نملك سوى النظر إليه، عاجزين عن إعادته إلينا.

فما بين حياةٍ معلقة، وحقيقةٍ مختبئة، وخطوةٍ واحدة قد تُشعل كل شيء…
تظل القلوب معلقة بين الرجاء والخوف، تنتظر ما سيقرره القدر.

وفجأة…

انطفأ كل شيء.

انقطع التيار الكهربائي عن المستشفى بالكامل، فانطفأت الأضواء، وتوقفت الشاشات، وغرقت الغرفة في ظلام دامس بدا كأنه ابتلع المكان دفعة واحدة.

حل صمت ثقيل لثواني…

صمت كان أشد رعب من هدير الرصاص نفسه.

ثم…

شق الظلام صفير متقطع صادر عن أحد أجهزة الطوارئ، فزاد العتمة وحشة، بينما راحت ومضات خافتة متقطعة ترسم أجزاء مبهمة من الوجوه والأجساد.

رفع سميح رأسه ببطء…تجمدت ملامحه.
كان هناك شيء يتحرك.

شيء سريع…خفيف…يكاد لا يرى.

ظلال تتنقل بين العتمة بخفة أربكت العيون، كأن أشباح خرجت من قلب الليل نفسه، لا ترى منها إلا لمحات خاطفة قبل أن تختفي من جديد.

تراجع سميح خطوة، وارتفع الذعر إلى عينيه رغم محاولته إخفاءه، ثم صاح بعصبية: نور! النور يا بجم منك له!

لم يجبه أحد.
فأشار بيده المرتجفة نحو الظلال، وصاح بجنون:
مين دول؟! اتحركوا! اضربوا في المليان!

التفت رجاله في كل اتجاه، وارتفعت أسلحتهم نحو العتمة، بينما تشنجت أجسادهم في حالة تأهب قصوى.

لكنهم لم يكونوا مستعدين لما سيحدث.
فقد كانت الظلال أسرع من أعينهم…
وأهدأ من أن تلتقطها حواسهم.

وفجأة…

صدر في الظلام صوت معدني حاد.
صوت تجهيز سلاح.

تلاه في اللحظة نفسها ارتطام مدوى.

ضربة عنيفة هوت على رأس سميح، فشهق مترنح، واتسعت عيناه في ذهول قبل أن ينهار جسده أرضًا، فاقد الوعي.

تراجع رجاله في رعب، لكن الخوف لم يمنحهم وقت كافي حتى لالتقاط أنفاسهم.

فانفجر الظلام بالرصاص.

انطلقت الطلقات من جهات متعددة، تشق العتمة بسرعة خاطفة، بينما راحت الأجساد تتهاوى واحد تلو الآخر…

وامتزجت صرخاتهم بدوي الرصاص حتى لم يعد يعرف أين ينتهي صوت الإنسان وأين يبدأ صوت الموت.

وخلال لحظات…

سقط آخر رجل.
وعادت الغرفة إلى الصمت.
صمت مرعب…

لم يبقي فيه سوى رائحة البارود، والدماء التي تناثرت على الأرض، والأجهزة التي عادت بعض أصواتها المتقطعة لتعلن أن المكان، رغم كل شيء، لم يمت بالكامل.

تحولت الغرفة إلى مشهد قاسي يعبق بالموت، بينما ظل جسد سميح ممدد في مكانه، غارق في غيبوبة لا يدري معها شيئًا مما حدث حوله.

ثم…

خرجت من العتمة أيد قوية.

قبضت على جسده وسحبته بعنف إلى الخارج، كما لو أن الرجل لم يكن سوى قطعة من جسد يجب انتزاعها من قلب الفوضى.

اختفى جسده خلف الباب.
وعاد كل شيء إلى السكون.

سكون حاد…
كأن المكان نفسه كان يحاول أن يستوعب ما حدث.

لكن شيئًا واحد ظل مؤكد…
لم تكن تلك الظلال قد جاءت لتقتل سميح…

بل جاءت لتأخذه.

…………………………..
في أحد المخازن…

كان المكان غارق في رطوبة خانقة، تتشبث بالجدران القديمة وتختلط برائحة الدم العالقة في الهواء، حتى بدا المخزن كأنه احتفظ بين شقوقه بكل ما مر به من خوف وألم.

وفجأة…

ارتطم دلو من الماء البارد بوجه سميح بعنف، فانتفض جسده بعنف، وشهق شهقة حادة كأن الماء لم يكن ماء، بل نصال باردة اخترقت جلده دفعة واحدة.

فتح عينيه بصعوبة.

سعل، واختنقت أنفاسه في صدره، بينما حاول أن يرفع رأسه، فشعر بألم حاد يمتد من عنقه إلى رأسه.

ابتلع لعابه بصعوبة، وكأن حلقه امتلأ بشظايا زجاج.

راح بصره يتحرك في المكان بجنون، يحاول اختراق العتمة والبحث عن أي وجه، أي مخرج، أي شيء يمنحه تفسير لما يحدث.

لكن لا شيء.
فقط ظلال متفرقة…
ورائحة الرطوبة…

وذلك الشعور الثقيل الذي بدأ يزحف إلى أعماقه.

الخوف.

حاول سميح أن يخفيه.
حاول أن يستعيد ملامح الرجل الذي اعتاد أن يخشاه الآخرون…

لكن الرعب كان أوضح من أن يخفيه.

ثم…
جاءه صوت من الظلام…بارد… هادئ…

ومخيف على نحو جعل أعصابه تتفتت داخله كزجاج مهشم :
يا خي… البني آدم ده غريب أوي…
لو كان يسمع الكلام ويمشي عدل…
مكنش زمانه قاعد تحت رجل شاهين المهدي…

اتسعت عينا سميح.
لم يكن بحاجة إلى رؤية صاحبه.

ذلك الصوت وحده كان كافي ليخبره أن الأسوأ لم يبدأ بعد.

ثم انطلقت ضحكة ياسين من أحد أركان المخزن، مرحة على نحو مستفز وسط ذلك الجو المشحون:
ماهو مش بني آدم… هو ضبع يا شاهين! يعني حيوان لحمي… إنت نسيت ولا إيه؟

أومأ شاهين برأسه في هدوء، وكأن الحديث يدور في جلسة عائلية عادية، لا في مخزن مظلم يجلس فيه رجل أسير أمامهم.

وقال بجدية ساخرة:
عندك حق والله… تصدق إنك ساعات بتفهم!

انفجر ياسين ضاحكًا، ثم عقد حاجبيه وكأنه تذكر معلومة علمية شديدة الأهمية، وقال بثقة:
كمان الضبع عنده عضمة في قفاه…
بيقولوا مش بيعرف يلف دماغه.

التفت يونس إليه بدهشة حقيقية:
وإنت عرفت الحكاية دي منين؟

شد ياسين ياقة قميصه بغرور، ورفع ذقنه في اعتزاز :من ناشيونال جيوغرافيك.

ساد صمت قصير…
ثم أشار ياسين إلى شاهين بحماس، وقال:
حتى اضربه على قفاه كده يا معلم…
مش هيعرف يلف عشان يعضك!

انفجر الثلاثة بالضحك.

أما سميح…

فبقي يحدق فيهم وسط ذهوله، عاجز عن فهم كيف يمكن لثلاثة رجال أن يتعاملوا مع مصيره بهذا القدر من الهدوء والعبث.

كان قد اعتاد أن يرى الخوف في عيون الآخرين…

أما الآن، ولأول مرة منذ سنوات، كان هو الذي يجلس في قلب الخوف.

وكان الأسوأ من كل ما حوله…

أنه بدأ يدرك أن الرجال الواقفين أمامه لا يحتاجون إلى الصراخ كي يجعلوه يخاف.

يكفي أنهم يضحكون.

رمقهم سميح بغضب متصاعد، وقد أدرك أخيرًا أنهم لم يكونوا يتسلون بوجوده…

كانوا يتلاعبون بأعصابه.

يتعمدون إطالة اللحظة، ويتركونه يتخبط في خوفه كما يتلاعب المفترس بفريسته قبل أن يقرر كيف ينقض عليها.

شد سميح قيوده بعنف، وارتجف فكه من الغيظ، ثم هدر:
هي دي أصول المعلمة؟
تتكاتروا عليا وأنا لوحدي!
ومتكتف يا ولاد المهدي؟!

جاءه صوت آخر من عند الباب…
حاد، صلب، كأنه خرج من حجر لا يعرف الرحمة:
ولاد المهدي أصل المعلمة يا ضبع… أسيادك، وأسياد أسيادك.

التفت سميح بسرعة.

كان أحمد واقف عند الباب، ساكن بصورة جعلت حضوره أثقل من الصراخ.

احتقنت عينا سميح بالغضب، ورد بغلظة:أسيادي دول بعيد أوي…
أوي عنك وعن اللي يعرفك.

انفلتت من شاهين ضحكة صاخبة.
لكنها لم تكن ضحكة رجل وجد شيئًا مضحكًا…

كانت أقرب إلى نذير.

ضحكة باردة تحمل في جوفها وعيد لم يعلن بعد.

وقال وهو يحدق في سميح:
أممم… إنت قصدك على الجماعة بتوعك؟

تبدلت ملامح سميح للحظة.

فأشار شاهين بيده بحنق، وأضاف بسخرية لاذعة:
وأنا مش قصدي مراتك، أكيد!
أنا قصدي الجماعة إياهم…
بتوع اللحمة البتلو….
اللي مش بيحلا ليهم غير لحم الأطفال يا ضبع…

توقفت أنفاس سميح.

ظل يحدق في شاهين، وكأن الرجل لم يذكر اسم صريح، لكنه نطق بما يكفي ليكشف أنه وصل إلى مكان لم يكن يجب لأحد أن يعرف بوجوده.

وببطء، تبدل الغضب في عينيه إلى شيء آخر…

حذر.

ثم قال بصوت أخفض، وقد استعاد شيئًا من تماسكه:
طالما وصلت ليهم…
يبقى أكيد عارف إن لدغتهم والقبر…. وتبقى غبي لو لعبت معاهم…

ساد صمت قصير.

ثم نهض شاهين….ببطء…
وبهدوء أثار في صدر سميح خوف أشد من أي تهديد.

خطا نحوه خطوة.
ثم أخرى.
حتى وقف أمامه مباشرة.

رفع يده، وكان في قبضته جهاز تحكم إلكتروني صغير.

نظر إليه سميح بريبة.

أما شاهين، فارتسمت على فمه ابتسامة باردة وقال: لا… دانا بعتلهم بضاعة جديدة.

توقف لحظة، ثم أضاف بنبرة هادئة مرعبة:
وقلت أشوف… إيه اللي هيعجبهم أكتر؟ بضاعتي… ولا بضاعتك يا ضبع؟

ضغط شاهين الزر.

وفي اللحظة نفسها…
أضاءت شاشة ضخمة تملأ أحد جدران المخزن.

ظهر بث مباشر لغرفة معتمة، ضيقة، تتكدس فيها مجموعة من الأطفال والمراهقين، وجوههم شاحبة، وملامحهم تحمل ذلك الخوف الذي لا يحتاج إلى تفسير.

تحركت الكاميرا ببطء.
مرت فوق الوجوه واحد تلو الآخر…

حتى توقفت.
عند فتى لم يتجاوز السادسة عشرة.

تجمد سميح.
كأن نصل حاد شطر جسده من الداخل.

اتسعت عيناه، وانحبس الهواء في صدره، وحاول أن يبتلع لعابه…

لكن حلقه رفض.

خرج صوته مكسور، مرتجف ، بعيدًا كل البعد عن الرجل الذي دخل المستشفى قبل ساعات وهو يظن أن العالم كله تحت قبضته:لا…

صمت لحظة، ثم هز رأسه بعنف، وكأنه يحاول طرد الصورة من أمام عينيه.:
لا… لا يا شاهين…

ارتعشت شفتاه.
ثم خرجت منه صرخة مذعورة:
متقولش يا شاهين…

رفع شاهين حاجبه، وبقي صامت.
ذلك الصمت وحده كان كافي ليجعل الرعب يلتف حول عنق سميح.

حدق سميح في الشاشة، ثم عاد ببصره إلى شاهين، وقد انهارت آخر طبقات التماسك التي كان يتشبث بها.

وتمتم بصوت يكاد يختنق:
لالا… لا يا شاهين… متقولش إنك وديته هناك…

ابتسم شاهين ابتسامة صغيرة…

لكنها لم تحمل أي فرح.

كانت ابتسامة رجل وصل أخيرًا إلى الباب الذي ظل يبحث عنه طويلًا.

وقال بهدوء:
أهو إنت بنفسك قلتها…

اقترب منه حتى صار صوته لا يتجاوز الهمس: يبقى عارف أنا وصلت لفين

ساد الصمت… ولأول مرة…

لم يكن سميح خائف على نفسه.

كان خائف مما سيحدث عندما تفتح الأبواب التي ظل سنوات يغلقها في وجه الجميع.

لأن شاهين لم يعد يهدده…

لقد أمسك بالشيء الوحيد الذي يستطيع أن يجعل الضبع نفسه يرتجف.

وقف شاهين أمامه، وحدق في وجهه طويلًا، ثم رفع حاجبه بغضب بارد، وقال بصوت قاطع:
وديته هناك؟ في المفرمة!
صح؟! المفرمة يا ضبع… اللي بتبعت ليها كل شهر شوية عيال عشان يتفرموا!

اقترب منه أكثر، ثم مد يده وربت على وجنته بحركة مهينة، قبل أن يهمس بصوت حاد كالسوط:
ليه؟! هو ابنك أغلى من اللي اتفرموا يا ضبع؟! ولا فاكر إنك لما تبعده عنك هيفلت؟!

انحنى قليلًا حتى صار وجهه قبالة وجه سميح، وأردف بعينين لا تعرفان الرحمة:
لأ… كل اللي عملته هيترد فيه…
بإيدي… أو بإيد غيري….
كان لازم يترد.

ثم استقام، وقال ببطء أشد قسوة:
وأنا حذرتك.

توقفت الكلمات لحظة…

ثم أضاف:
إنت اللي اخترت النهاية دي لابنك…
مش أنا.

ارتجف سميح بعنف.
وانفجر صوته في المخزن كصرخة رجل
ينتزع قلبه من صدره حيا:
بالله عليك يا شاهين!

حاول أن يهز جسده بعنف، وكأن القيود التي تثبته على الكرسي لم تعد موجودة، وبرزت عروق عنقه حتى بدت كأنها على وشك الانفجار، بينما احتقنت عيناه كجمرتين مشتعلتين :
أبوس إيدك يا شاهين! أنا خلاص…
اتعلمت الدرس! هبطل الشغل الوسخ ده! همشي من البلد كلها ومش هتشوف وشي تاني!

ارتجف صوته أكثر، وانكسر كبرياؤه تمامًا:
بس خليهم يرجعوا ابني… هو ملهوش ذنب!

ظل شاهين يحدق فيه لحظات.
ثم دار حوله ببطء.

خطوة…
ثم أخرى…
حتى وقف خلفه مباشرة.

انحنى نحو أذنه، وخرج صوته فحيح بارد: ماشي موافق أرجعلك ابنك.

ارتفعت أنفاس سميح في صدره، وكأن بصيص من الأمل اخترق الظلام.

لكن شاهين أكمل:
بس إنت ترجع كل عيل خطفته من حضن أمه وأبوه… وكل طفل حرقت قلب أهله عليه.

ثم أمسك بجهاز التحكم، وأشار إلى الشاشة : كل عيل دخل الأوضة الوسخة دي…

توقف لحظة، ثم همس بالقرب من أذنه:
بص لابنك.
الدور جاي على ابنك.

تغيرت ملامح سميح.

ثم ضغط شاهين الزر…
تحركت الصورة على الشاشة، وظهر الفتى وهو يسحب بعنف نحو باب الغرفة.

توقفت أنفاس سميح.

اتسعت عيناه حتى بدتا على وشك الخروج من محجريهما، وارتجف جسده كله أمام المشهد.

لم يعد يرى المخزن.
لم يعد يرى الرجال.
لم يعد يرى شاهين.

كان يرى ابنه فقط.
ابنه الوحيد…

يساق إلى المكان الذي لطالما أرسل إليه أطفال آخرين، دون أن يتوقف لحظة ليسأل نفسه ماذا يشعر الطفل حين ينتزع من حضن أهله ويدفع إلى المجهول.

خرجت صرخته من أعماقه، ممزقة، مبحوحة: لااااا… يا شاهين!

حاول أن يندفع بجسده إلى الأمام، فاصطدمت قيوده بعنف، لكنه لم يشعر بالألم: رجعه! رجعه يا شاهين!

ثم التفت إليهم بعينين غارقتين في الرعب، وصاح: بالله عليكم!

ارتعش صوته، ثم انهار تمامًا:
هعمل أي حاجة!

حدّق في الشاشة من جديد، فرأى ابنه يقترب من الباب.

فانفجر صوته كزئير جريح:
لأ! متخلوهوش يدخل!

ثم أخذ يهز رأسه بعنف، وكأنه يستطيع بذلك إيقاف الصورة نفسها:
بالله عليكم… بالله عليكم رجعوه!

وانحنى رأسه للحظة، قبل أن يرفع عينيه إليهم برجاءٍ مذل:
طيب اقتلوني أنا!
اقتلوني أنا وبلاش هو!

ثم أشار إلى صدره بجنون:
أنا قدامكم أهو! أهو سميح الضبع! اقتلوني… بس هو ملهوش دعوة!

ساد الصمت.
لم يتحرك أحد.
لم يشفق عليه أحد.

لأن كل واحدٍ منهم كان يرى أمامه، خلف وجه سميح المرتعب، وجوه أخرى كثيرة…

أطفال انتزعوا من أحضان أمهاتهم.

أطفال.عادوا إلى بيوت لم تعد تعرف كيف تضحك.

أطفال لم يعودوا أصلًا.

وأمهات ظللن ينتظرن باب يفتح ولا يأتي منه أحد.

وآباء دفنوا أبناءهم في صمت، بينما ظل السؤال يأكل قلوبهم: لماذا؟

كان سميح الآن يتذوق قطرة واحدة فقط…

من البحر الذي أغرق فيه قلوب لا ذنب لها.

وكانت تلك القطرة وحدها كافية لتجعله ينهار.

ظل الجميع ينظر إليه…

لا بشماتة فقط، بل بغضب ثقيل تختلط به مرارة كل روح أُزهقت على يده.

فمن السهل أن تكون وحش حين يكون الألم بعيدًا عنك…

لكن حين يطرق الألم بابك أنت…

تكتشف فجأة أن للضحايا أسماء، ووجوه، وقلوب…

وأن الوجع الذي استهنت به يومًا قادر على أن يعود إليك في اللحظة التي تظن فيها أنك بمنأى عنه.

اندفع سميح بالكرسي إلى الأمام بعنف، كأنه يحاول اقتلاع القيود من جسده، حتى اختل توازنه وسقط بالكرسي تحت قدمي شاهين.

ارتطم جسده بالأرض، لكنه لم يشعر بشيء.

كان يصرخ…

صرخة خرجت من حنجرة رجل يذبح حيًّا بنصل بارد، بينما ظلت عيناه معلقتين بباب الغرفة الذي أُغلق خلف ابنه :
افتحوا الباب!

ضرب الأرض بيديه بعجز، وراح يصرخ بجنون:
افتحوا الباب! ابني جوه! افتحوا الباب يا ولاد الكلب!

لكن الباب ظل مغلق..
ومرت لحظات…ثقيلة… باردة.

كأن الزمن نفسه توقف متعمد ليتركه يتعفن داخل خوفه.

ثم انفتح الباب.

خرج أحد الرجال يحمل بين يديه ملابس الفتى.

لم يقل شيئًا.

فقط ألقاها على الأرض، فوق كومة أخرى من الملابس الصغيرة التي سبقته إلى المصير ذاته.

حدق سميح فيها…
لم يتحرك.
لم يرمش.

ثم خرجت منه شهقة مبحوحة، كأن شيئًا في داخله انكسر إلى الأبد.

اقترب أحمد، وهبط على قدميه بجوار رأسه، وحدق فيه بعينين مشتعلة بالغضب، ثم هدر بصوت خشن:
حسيت بالنار اللي كانت في جوف كل أب وأم خطفت ابنهم من حضنهم؟!
حسيت يعني إيه طفل يختفي من غير حتى ما يلحق يقول لأمه وداع؟

رفع سميح عينيه إليه بصعوبة.

كان وجهه قد تحول إلى قناع من الرعب والجنون.

وفجأة زأر:
هدبحكم كلكم يا ولاد الحرام! هشرب دمكم لحد آخر نقطة!

قبض أحمد على شعره بعنف، وصاح في وجهه: مفيش ابن حرام غيرك!

ثم جذبه إليه، وانفجر صوته غضب:
الواحد كان ممكن يموت على ضفر عيل من صلبه! ولما ربنا اداك ابن… عملت إيه؟!

ارتجف فكه.وصاح : كنت السبب في موته!

ثم دفع رأسه بعيدًا عنه باحتقار:
منك لله يا ابن المرة!

وأشار إلى الشاشة بعنف، وهتف:
بص!

حاول سميح إبعاد عينيه، لكن أحمد أمسك برأسه وأجبره على النظر : بص وشوف!

توقفت الكلمات في حلقه.

ثم انفتح باب الغرفة من جديد…
خرج أحد الرجال، يتبعه آخران، وهم يحملون جسد الفتى.

لكنه لم يعد ذلك الجسد الذي دخل قبل دقائق.

كان ملفوف بغطاء أبيض، وقد بدا جسده ساكن بصورة مرعبة، بينما كشفت آثار ما حدث عن حقيقة أبشع من الموت نفسه؛

فقد أُخذت منه أعضاؤه التي كان يمكن أن تنقذ أرواح أخرى، وحول جسده إلى بقايا صامتة لصفقة قذرة لا تعرف الرحمة.

كان وجهه شاحب، وعيناه مغمضتين، وملامحه التي لم تتجاوز السادسة عشرة لا تزال تحتفظ بشيء من براءة طفل لم يفهم يومًا لماذا كان عليه أن يدفع ثمن جرائم أبيه.

ألقى الرجال الغطاء فوقه، ثم وضعوا الجسد إلى جوار كومة الملابس الصغيرة التي سبقته إلى المصير نفسه.

توقفت أنفاس سميح.
لم يعد يرى أمامه مجرد جثة…

كان يرى ابنه.
الطفل الذي كان يحلم بدخول الجامعة.

الذي أراد أن يبتعد عن كل ما يفعله والده.
الذي ظن أبوه أنه يحميه حين أبعده عن عالمه القذر…
فإذا به يدفعه إليه دون أن يدري.

وظل سميح يحدق فيه طويلًا، كأن عقله يرفض الاعتراف بأن ذلك الجسد الساكن هو ابنه الوحيد.
ثم خرجت منه شهقة مكسورة: ابني…

زادت قبضة احمد عنف علي فرواه ثم أشار إلى الجسد وقال بصوت خشن مثقل بالغضب: شايف؟!

ارتجفت شفتا سميح.
تابع أحمد:
ده كان ابنك… اللي كنت فاكر إنك لما تبعده عن شغلك الوسخ هتحميه.

ثم أشار إلى كومة الملابس الصغيرة:
ودول كانوا أولاد ناس تانيين…
أطفال خطفتهم من حضن أهاليهم،
وبعت أرواحهم وجتتهم لتجار الموت عشان ياخدوا أعضاءهم ويبيعوها.

اشتد صوت أحمد:
دلوقتي بس عرفت يعني إيه أم تستنى ابنها يرجع وما يرجعش… وأب يفضل طول عمره فاكر إن ابنه يمكن يكون عايش في حتة، وهو أصلًا اتقسم جسمه بين إيدين ناس معندهاش ذرة رحمة!

أغمض سميح عينيه بقوة.
لكن صورة ابنه ظلت عالقة خلف جفنيه.
ثم فتحهما فجأة، وحدق في الجسد من جديد…
وهنا انكسر.
تمامًا.

ثم اتسعت عيناه ببطء.
خرجت منه صرخة…
لكنها لم تكن صرخة رجل غاضب.

كانت صرخة شيء تحطم داخله ولم يعد يعرف كيف يصرخ بطريقة آدمية.

راح يضرب رأسه بالأرض بعنف، ويصرخ بكلمات متقطعة، حتى اختلطت صرخاته بأنفاسه المتكسرة.

ثم…
فجأة سكت…سكت تمامًا….ساد الصمت.

صمت ثقيل، غريب، جعل الجميع يتبادلون النظرات.

رفع سميح رأسه ببطء.

كانت عيناه مفتوحتين، لكنهما لم تعودا تريان شيئًا.

ثم…ضحك…. ضحكة صغيرة في البداية.
مرتجفة…. غريبة.

ثم ارتفعت شيئًا فشيئًا حتى تحولت إلى ضحكات هستيرية، متقطعة، خرجت من رجل يبدو كأنه لم يعد يعرف أين ينتهي الواقع وأين يبدأ الجنون.

وقال من بين ضحكاته، بصوت مبحوح:
أنا قلتلك…

ثم ضحك من جديد :
هخليه أكبر قتال قتلة…
وهو يقولي عايز أدخل الجامعة.

ارتجفت ضحكته :
ومشيتوا بعيد… بعيد أوي…

رفع رأسه نحو السقف، وضحك بصوت أعلى : عشان يبقى بعيد…

ثم توقف فجأة…تبدلت ملامحه :
بس يموت ليه؟

ساد صمت قصير.
ثم هز رأسه بعنف، وكأنه يحاول إقناع نفسه بشيء لا يستطيع عقله استيعابه:
ليه يموت ابني؟!

ضحك مرة أخرى، لكن الضحكة هذه المرة كانت أشبه بالبكاء:
مش بيموت أصلًا.

ثم حدق أمامه بعينين زائغتين:
أنا فاهم… يموت إزاي يعني؟
عشان أنا موت عيال كتير…
اه أنا فاهم…. عشان كده …

تراجع ياسين خطوة، ونظر إلى شاهين بقلق، ثم اقترب منه وهمس:
شكل فيوزة طقت يا شاهين…

ظل شاهين يحدق في سميح للحظات.

لم يعد يرى الرجل الذي كان يهددهم منذ قليل.

لم يعد يرى ذلك الوحش الذي دخل المستشفى وهو يظن أنه قادر على إخضاع الجميع.

كان يرى شيئًا آخر…

رجل انتهى.

رجل ابتلعته أفعاله حتى لم يبقي منه سوى عقل محطم يضحك في وجه الخراب.

أومأ شاهين برأسه ببطء، وقال بغضب بارد: ارموا في أي حتة… خلاص.

ثم أضاف وهو يشيح بعينيه عنه:
مفيش منه خوف بقى.

أومأ ياسين ويونس ببطء، لكن نظراتهما ظلت معلقة بسميح.

كان جالس على الأرض، يضحك وحده…

مرة يضحك.
ومرة ينادي ابنه.
ومرة يتحدث إليه كأنه ما زال أمامه.

حتى بدا المشهد كله وكأن الرجل لم يفقد ابنه فقط…
بل فقد نفسه معه.

فحين يظل الإنسان طويلًا يزرع الموت في قلوب الآخرين، قد يأتي يوم لا يجد فيه داخل قلبه مكان واحد يصلح للحياة.

وفي تلك اللحظة…

لم يعد سميح الضبع أخطر رجل في المكان.
لقد أصبح أخطر ما يمكن أن يكون عليه الإنسان…

رجلًا فقد عقله ولم يعد لديه ما يخسره.

…………..
في اليوم التالي
منزل المهدي

كان الصباح قد ألقى بضوءه الهادئ فوق أرجاء المنزل، بينما وقفت فوزية إلى جوار يونس وياسين أمام سيد، وقد بدت على وجوههم ملامح الحماس وكأنهم جاءوا يحملون أمر محسوم لا يحتمل التأجيل.

قالت فوزية وهي تشير بيدها، بنبرة تجمع بين العتاب والود:
ما احنا يا بني كنا جين بكره، وكنا هنجبهم معانا.

هز سيد رأسه نافيًا، وظلت ملامحه هادئة رصينة، ثم أجاب بصوته الوقور:
كيف يا عمتي؟ لزمن البنات يكون في دار أبوهم، ويچهزوا حالهم… وإنتو تيچوا بالف سلامة، تأنسوا وتنوروا.

رفع ياسين حاجبه، ثم أشار إلى سيد بإصبعه في مرح، وقال بثقة لا تخلو من مشاكسة:
بكره إن شاء الله هتلاقينا في قفاك على طول… وحضر لنا المأذون.

انعقد حاجبا سيد بدهشة، وكأنه لم يتوقع أن يقفز الحديث إلى هذه النقطة بهذه السرعة، وقال: مأذون؟ كده طوالي؟

أومأ يونس برأسه مؤكدًا، ثم قال بحماس واضح:
أيوه، إحنا عايزين نيجي ننجز على طول. لسه هنروح ونجي في الطريق، وبعدين يعني… إحنا هنعمل خطوبة ليه؟ لسه هنعرف بعض يا عم سيد، ولا إيه؟

أومأت فوزية برأسها سريعًا، وكأنها تؤيد قرار اتخذ بالفعل، ثم أشارت إليه قائلة:
متقطعش يا ابني… ده حتى خير البر عاجله.

ابتسم سيد ابتسامة هادئة، ثم أومأ برأسه مستسلم لحماسهم، وقال:
حاضر يا عمتي… هبلغ أبوي، واللي فيه الخير يجدمه المولى.

ارتسمت على وجه فوزية ابتسامة واسعة، بينما تبادل يونس وياسين نظرة خاطفة تحمل من الفرح أكثر مما حملته الكلمات.

فبعض الزيجات لا تبدأ بحكاية طويلة من التردد…

بل تبدأ بخطوة جريئة…
وقلوب قررت أن تمنح القدر فرصة أخرى.

خرجت شموع أولًا من الغرفة، تحمل حقيبتها الصغيرة بين يديها، ثم توقفت أمام فوزية وابتسمت لها قائلة:
أشوفك على خير يا عمتو.

وقبل أن تتمكن من التقدم خطوة أخرى، كان يونس قد اقترب منها، ومد يده يأخذ الحقيبة من بين أصابعها.

لكن يده لم تكتفي بالحقيبة…

لامست يدها عمدًا، وبقيت أصابعه فوق أصابعها لحظة أطول مما ينبغي، قبل أن ينحني نحو أذنها، ويهمس بصوت أجش غارق في الاشتياق:
هتوحشيني يا شمعتي…
دنيتي هتضلم لما تمشي.

ارتجفت أصابعها، وسحبت يدها سريعًا، ثم ألقت نظرة متوترة نحو سيد، الذي كان منشغل بالحديث مع ياسين، قبل أن تعود بعينيها إليه وتهمس بخجل:
وإنت هتوحشني… هستناك في دارنا…

رفع يونس حاجبه بنزق مصطنع، ثم غمغم بمكر وهو يهز رأسه:
إنتي ليه محسساني إنك بتقولي ….
هستناك بره وهضربك؟!
أخاف يعني ولا إيه يا بت؟

أومأت برأسها بمنتهى الجدية، وهمست:
طول ما أنا في حياتك… لازم تخاف مني وعليا.

اقترب منها يونس نصف خطوة، وغمزها بعبث، ثم قال:
عليكي آه… بس منك؟ دي أحا!

رفعت شموع عينيها إليه، وارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة تحمل وعد لا يخلو من المشاكسة، ثم قالت وهي تتحرك مبتعدة: براحتك… بكرة تشوف.

ظل يونس واقفًا مكانه يتابعها بعينين لامعتين، ثم هز رأسه ببطء، وتمتم لنفسه:
شكلها داخلة الجوازة وهي مجهزة السلاح من دلوقتي…

ومن خلفه جاء صوت ياسين ساخرًا:
لا يا أنوس… دي مش مجهزة سلاح،
دي مجهزاك إنت!

التفت إليه يونس بنظرة قاتلة، بينما انفجرت شموع بالضحك وهي تتابع طريقها، تاركة خلفها رجلًا بدأ يكتشف أن انتظار الغد قد يكون أطول من عمره كله.

خرجت أنين من الغرفة تجر حقيبتها خلفها، فصدر عنها احتكاك خافت فوق الأرض، قبل أن ترفع عينيها تبحث عن طريقها إلى الخارج.

لكن صوت ياسين أوقفها فجأة:
استني يا أنين!

توقفت في مكانها، واستدارت إليه بدهشة، بينما تحرك ياسين بخطوات سريعة، وهو يربت على صدر سيد بحماس، وقال وكأنه يحتج على أمر بالغ الخطورة:
دقيقة يا أبو نسب… ميصحش المودام تشيل الشنطة!

انفجرت ضحكاتهم، بينما أسرع ياسين إلى الحقيبة، وانتزعها من يدها، ثم اتجه إليها من جديد.

وقف أمامها، وأخذ يتأملها بنظرات طويلة ممتلئة بالاشتياق والمشاكسة، ثم قال بنبرة عبثية:
هتوحشيني يا بت… يا أم وسط استك انتي!

عضت أنين شفتها حتى لا تضحك، ثم ألقت نظرة سريعة نحو شقيقها، وتمتمت بحرج:
اتلم يا ياسين… الله يخرب بيتك!

رفع ياسين حاجبه، وكأنه لم يفهم سبب اعتراضها أصلًا، ثم أشار برأسه نحو المطبخ وقال:
بقولك يا أنين… ما تعطشي كده، وادخلي المطبخ اشربي… انتي على سفر يا قلبي، هتمشي كده وتسيبيني قحطان من العطش؟

قطبت حاجبيها بدهشة حقيقية، وقالت:
اعطش كيف يعني يا ياسين؟

ابتسم ياسين ابتسامة جانبية ماكرة، ثم قبض على يدها وجذبها معه نحو المطبخ، وهو يقول بنبرة عبثية:
تعالي يا بت… اشربي، وأنا أوريكي كيف يعني.

اتسعت عينا أنين، وسحبت يدها قليلًا وهي تقول بغيظ : ياسين!

ضحك وهو يواصل سحبها معه:
إيه يا غصن اللبان؟! أنا خايف عليكي من العطش بس!

وقبل أن يصل ياسين إلى باب المطبخ، جاء صوت سيد ويونس في آن واحد:
رايحين فين يا ياسين؟

توقف ياسين مكانه، ثم التفت إليهما بوجه ممتعض، وقال بضيق وكأنه وقع في ورطة لا دخل له بها:
رايحين نشرب البت على السفر يا جدعان!

اقترب سيد منه بخطوات غاضبة، وما إن وصل إليه حتى قبض على ذراع أنين وسحبها إلى جواره، ثم هتف محذراً:
لم حالك يا ياسين، لحسن يمين بعظيم ما تطول منها ضافر!

رفع ياسين حاجبه بمكر مستفز، وقال باعتراض بريء مصطنع:
يا عم أنا عملت إيه؟ ده جزاتي عشان عايز أشربها؟

شهقت أنين بخجل، واتسعت عينا سيد بغضب، بينما أسرع ياسين يصلح ما أفسده لسانه:
قصدي أشربها هي … ده حتى اللي زق كلب دخل الجنة!

حدق فيه الجميع للحظات.
فضرب يونس كف على جبينه، ثم غمغم بحنق:
اتلم بقى يا عم بدماغك الشمال دي!
هتبوظ الجوازة كلها، الله يهدك!
كلها سواد الليل… وابقي أغرق فيها..
مش أشرب!

سحب ياسين ذراعه من قبضة يونس، وهتف بحنق:
كلكم عليا! منكم لله!

ثم التفت إلى أنين، وكأنه قرر أن يتصرف بطريقة طبيعية تمامًا، وقال:
طيب تعالي أوصلك العربية طيب.

ما إن هم بالاقتراب منها حتى دفعه سيد من صدره، وهتف بنزق:
يا تور! ابعد عنها! علي الطلاج هشوجك!

تراجع ياسين خطوة، ورفع يديه مستسلمًا:
يا عم ماشي!

وفي تلك اللحظة ضربت فوزية كف بكف، وصاحت بنزق:
ما تتلم يا ولا! أنا عارفة إنك هتفضحنا!
ابن الكلب يا جعان… خلي ليلتك تعدي!

التفت إليها ياسين بوجه منكسر، وقال محتج:
يا ناس! هوصلها العربية قدامكم…
إنتوا ليه بتفهموني غلط؟!

انفجر الجميع بالضحك، بينما وقفت أنين وسطهم وقد اشتعل وجهها خجلًا، حتى بدا أنها على وشك البكاء من شدة الإحراج.

أما سيد فلم ينتظر أكثر.

دفع ياسين بعيدًا عن طريقه، ثم تحرك إلى الخارج، ووضع نفسه أمام أنين بطريقة جعلته يحجبها عنه تمامًا، وكأنه لم يعد يثق حتى في الهواء الذي يمر من ناحية ياسين.

تبعته أنين بخطوات صغيرة، وهي تخفض رأسها محاولة إخفاء ابتسامتها المرتبكة.

ومن خلفهما صاح ياسين:
والله ما أنا فاهم أنا عملت إيه!

التفت إليه يونس وقال ببرود:
إنت مشكلتك يا ياسين إنك بتتكلم قبل ما مخك يفوق… وساعات مخك نفسه بيطلب أجازة!

تعالت الضحكات من جديد، بينما خرج سيد وأنين إلى الخارج، ولم يهدأ سيد إلا بعدما تأكد أن أخته أصبحت بعيدة تمامًا عن لسان ياسين الذي كان أخطر من أي سلاح.

عند باب الشقة، توقف الجميع للحظات، قبل أن يتزامن وصول أحمد وزكريا، فتوقف سيد واستدار إليهما.

هتف أحمد وهو ينظر إليه:
خلاص نويت يا أبو السيد؟

أومأ سيد برأسه، وقال بهدوء:
هتجصد كريم ونمسك الطريج يا عم أحمد.

أومأ أحمد بدوره، ثم اقترب منه وربت على كتفه بحنو، وقال:
توصلوا بالسلامة يا ابني…
وقول لأبوك إحنا هتكون عنده بكره.

ابتسم سيد، وقال باحترام:
هتنور البلد كلاتها يا عم أحمد.

ثم تحرك إلى الخارج، قابض على كف أنين في يده، بينما لحقت به شموع بخطوات متعجلة، وتبعهما يونس وياسين.

وقبل أن يغادروا، ارتفع صوت فوزية خلفهم، محمل بقلق الأم وحرصها:
سوق على مهلك يا ابني، وخلي بالك من أخواتك.

التفت سيد إليها، وأومأ برأسه مطمئنًا:
حاضر يا عمتي.

ثم نزل الدرج بخطوات ثابتة، وأنين وشموع إلى جواره، بينما كان الرجال خلفهما، يحملون في صدورهم فرحة سفر قصير… وبداية حكايات جديدة لم يعرف أحد بعد إلى أين ستقودهم.

أشار أحمد إلى فوزية، وقال وهو يستعد للدخول:
أنا هدخل ألبس وأشوف شهد لبست ولا لأ.

أومأت فوزية، ثم اقتربت من زكريا وربتت على منكبه بحنان أمومي، قبل أن تطلق زغرودة مدوية هزت أرجاء المنزل، وهتفت بفرح غمر ملامحها:
أنا هروح ألبس الحتة اللي على الحبل …
ده يوم المنى لما نروح نخطب للدكتور!

ابتسم زكريا بسعادة غامرة، وقال وهو ينظر إليها بحب:
ربنا يخليكي لينا يا ما… بس شهلي بالله عليكي، على ما أرن على شينو بيه أشوفه خلص محن وهينزل سنة كام.

ضحكت فوزية، ثم طبعت قبلة حانية على وجنته، وتحركت إلى الداخل وهي تطلق الزغاريد من جديد، وكأن قلبها لم يعد يتسع لكل ذلك الفخر والفرح.

ظل زكريا واقف يبتسم خلفها، قبل أن يقطعه أحمد، الذي أشار بيده وهو يخرج سلسلة مفاتيح شقته من جيبه، وقال بنبرة مازحة:
شاهين المرة دي براءة… مش فوق المرة دي ظلمته.

قطب زكريا حاجبيه بدهشة، وسأله:
أمال غطس فين وهو عارف المعاد؟

ابتسم أحمد، ثم ربت على كتفه وقال:
هييجي… بس راح يبص على عزيز وجاي. هتلاقيه زمانه جاي في السكة.

ما إن ذكر اسم عزيز حتى تبدلت ملامح زكريا، وانطفأت ابتسامته تدريجيًا، وغامت عيناه بحزن أثقل الجو من حوله.

قال بصوت خافت:
ربنا يستر عليه ويفوق على خير…
كل ما الغيبوبة بتطول بتأثر على المخ.

تنهد أحمد بحزن، ثم ربت على منكبه مرة أخرى، وقال محاول انتزاعه من دوامة القلق:
ربنا ياخد بإيده يا زكريا…
متنكدش على نفسك في اليوم ده…
ادخل البس يلا.

أومأ زكريا بصمت، ثم دلف إلى الشقة، بينما ظل أحمد للحظات واقفًا عند الباب، يحمل في عينيه فرحة يوم طال انتظاره… وخوف مكتوم من غد لا يعرف أحد ماذا يخفي.

زفر أحمد بتوتر خفيف، ثم تحرك نحو شقته، وأخرج مفاتيحه وفتح الباب، قبل أن يهتف بصوته المعتاد: شهد!

دلف إلى الداخل وأغلق الباب خلفه، ثم أخذ يتلفت حوله بدهشة، فلم يجدها في الصالة.

غمغم وهو يرفع صوته قليلًا:
هي فوق عند البت ولا إيه؟
شهد! إنتي فين يا مرت عم العريس؟

لم يأته رد.

ابتسم أحمد ابتسامة صغيرة، ثم تحرك باتجاه غرفة النوم، وهو يهتف بمرح:
اوعي تكتري الألوان اللي بتحطوها دي… لتطلعي أحلى من العروسة ويعاكسك الواد شينو!

مد يده إلى مقبض الباب، وفتحه…
وفي اللحظة التالية، تجمد في مكانه.

اختفت الابتسامة من وجهه دفعة واحدة، وانحبس الهواء في صدره، بينما سقط قلبه داخله كأنه تلقى ضربة غادرة.

كانت شهد ملقاة على الأرض بلا حراك.

وجهها شاحب إلى درجة أفزعت ملامحه، حتى بدا لون الحياة قد انسحب منه تمامًا، بينما امتدت خصلات شعرها حول رأسها، واختلط بعضها بدماء كانت تنساب من جبينها في خيط أحمر بطيء.

خرج صوته من أعماقه، جهوري خشن، مرتجف بالفزع: شــهــدددددد!

اندفع نحوها بخطوات التهمت المسافة في لحظات، ثم هوى إلى جوارها، ورفع جسدها عن الأرض بعنف مرتجف، وأسند رأسها إلى صدره.

شهق عندما لامست يده جبينها.

باردة…

باردة كأن جسدها نسي كيف يحتفظ بالدفء.

ارتعشت أصابعه، ومسح الدم عن جبينها بيده المرتجفة، ثم ضم رأسها إلى صدره بقوة، وكأنه يحاول أن يعيد إليها الحياة بذراعيه :
شهد… شهد! قومي يا حبيبتي… فيكي إيه؟!

هزها برفق أولًا، ثم ازداد ارتجاف صوته وهو يصرخ: شهددددد! إيه اللي حصل؟! شهد!

لم تتحرك.

انحنى فوقها، يبحث بجنون عن أي علامة حياة، ثم انفجر صوته في أرجاء الشقة:
شهد! يا زكريااا! الحقني يا ابني!

تعالت أنفاسه، وبدأ الخوف ينهش صدره بلا رحمة، بينما راحت يده ترتجف فوق وجهها :
غيتوني يا ناس! حد يلحقني!

ثم ضمها إليه أكثر، وانكسر صوته للمرة الأولى وهو يهمس كمن يرجو المستحيل:
بالله عليكي ما تسيبيني يا شهد…
مش كده يا شهد…
مش وإحنا لسه ما فرحنا يا شهدددددد…

في شقة فوزية…

خرج زكريا من غرفته راكض، دون أن يكمل إغلاق أزرار قميصه، بعدما مزق صراخ أحمد سكون المكان وألقى في قلبه رعب مفاجئ..

خرجت فوزية خلفه، وهي تهتف بصوت مبحوح اختنق بالخوف:
استر يا رب… في إيه يا ولاد؟!
ماله عمك يا زكريا؟!

لم يتوقف زكريا، وأسرع نحو الباب وهو يجيبها بصوت حاد مرتجف:
مش عارف يا ما!

اندفعت فوزية خلفه، تخطو بسرعة متعثرة، تكاد قدماها تخونها من شدة الرعب، وقلبها يضرب صدرها بعنف وهي لا تعرف سوى شيء واحد…

أن صرخة أحمد لم تكن صرخة رجل خائف…

بل كانت صرخة أب رأى ما لا يحتمل.

على الدرج…

تجمد يونس وياسين في مكانهما لحظة سماعهما صراخ أحمد، وتبادلا نظرة خاطفة، قبل أن يندفعا راكضين نحو الدرج.

صاح يونس بأعلى صوته:
في إيه يا عم أحمد؟!

لم يأته رد.

ازداد القلق، فأسرعا أكثر حتى وصلا إلى باب الشقة، وكان زكريا قد سبقهما، فانقض على الباب وضربه بكتفه بقوة، صارخًا:
افتح يا عم أحمد! في إيه؟!

جاء صوت فوزية من خلفه ممزق بالخوف، وهي تضرب الباب بكفها:
افتح الباب يا أحمد! مالها شهد يا خويا؟!

ثم التفتت إلى يونس وياسين، وصاحت بجزع: اكسروا الباب بسرعة يا ولاد!

اندفع ياسين إلى جوار زكريا، وأسندا أكتافهما إلى الباب، ثم ضرباه معًا بكل قوتهما.

ضربة…
ثم أخرى…

حتى اهتز الباب داخل إطاره، قبل أن تصدر منه فرقعة قوية، وانفتح بعنف، فاصطدم بالجدار.

اندفعوا جميعًا إلى الداخل.

كانت فوزية أول من سبقهم إلى غرفة النوم، وركضت إليها وقلبها يكاد يتوقف، ثم صاحت بصوت خرج منه كل خوف كله:
شهددد! في إيه؟! إنتوا فين؟!

لكنها توقفت فجأة عند عتبة الغرفة…

وتجمد الدم في عروقها.

ظلت للحظات عاجزة عن الحركة، تحدق في المشهد أمامها بعينين اتسعتا من الهلع؛ كانت شهد ممددة على الأرض، بينما يضمها أحمد إلى صدره بكل ذرة رعب اقتحمت قلبه، ووجهه شاحب كأنما فقد القدرة على التفكير.

فجاءه صكت فوزية صدرها بكفها، واندفعت نحوهما وهي تهتف بفزع:
اسم الله عليكي يا أختي! مالها يا أحمد؟! إنت زعلتها ولا إيه؟!

رفع أحمد رأسه إليها، وهزه نافيًا، ثم خرج صوته متحشرج مثقل بالوجع:
لا والله… أنا دخلت لقيتها كده،
مش عارف فيها إيه.

اندفع زكريا ويونس وياسين إلى الغرفة، واقترب زكريا من أحمد وربت على منكبه، وقال بحزم هادئ:
طيب قوم يا عمي، خلينا نشيلها على السرير عشان أكشف عليها.

أومأ أحمد بصمت، ومد يده أسفل ظهرها بحنان، بينما انحنى زكريا ويونس وياسين، وحملوا شهد بحذر شديد، ثم وضعوها فوق السرير.

ظل أحمد جالس جوارها، وعيناه لا تفارقان وجهها الشاحب، قبل أن يضع يده المرتجفة فوق جرح جبينها، وقال بصوت متحشرج:
بالراحة عليها يا ولاد… راسها بتجيب دم.

أومأ زكريا سريعًا، محاولًا طمأنته:
متخافش يا عمي، ده جرح سطحي من الوقعة… إن شاء الله بسيطة.

ثم التفت إلى ياسين، وقال باستعجال:
هات شنطتي يا ياسين بسرعة.

أومأ ياسين، وانطلق إلى الخارج بخطوات سريعة.

اقتربت فوزية من يونس، وأشارت له نحو الباب، وقالت بصوت حاولت أن تجعله ثابت:
تعالي معايا يا يونس، على ما أخوك يكشف عليها.

أومأ يونس، لكنه قبل أن يخرج، ألقى نظرة طويلة على شهد؛ كانت ملامحه ممتلئة بالحزن والشفقة، وكأن منظرها أعاد إلى ذاكرته صورة ابنته، فأخفض عينيه بحزن مقيم بداخله ، وتمتم بصوت متحشرج موجوع:حاضر يا ما.

خرجت فوزية ويونس من الغرفة، بينما عاد ياسين يحمل الحقيبة الطبية، ومدها إلى زكريا، ثم تراجع إلى الخارج وأغلق الباب خلفه.

ساد الصمت داخل الغرفة…

ولم يبقي سوى أنفاس أحمد المرتجفة، ونبض قلب خائف، وطبيب يحاول أن يعرف لماذا سقطت شهد فجأة بين الحياة والغياب.

جلس زكريا إلى جوار شهد، وأدخل السماعة الطبية في أذنه، ثم مد يده بحذر أسفل ملابسها دون أن يرفعها، احترامًا لعمه وغيرته التي يعرفها جيدًا.

مرت ثوانى…
ثم أخرى…

وكانت كل ثانية تمر على أحمد كأنها عمر كامل.

ظل أحمد جالس جوارها، لا يرفع عينيه عن وجه شهد الشاحب، يراقب صدرها بقلق متزايد، وكأن أنفاسها الخافتة تختبئ منه عمدًا.

تمتم بصوت متحشرج موجوع:
في إيه يا ابني؟ مالها؟ أنا حاسس كأنها مش بتتنفس…

ابتلع زكريا لعابه بصعوبة، ثم رفع عينيه إليه.

كان في نظراته شيء أربك أحمد…

دهشة.
قلق.
وتوتر شديد، كأن عقله نفسه يرفض ما التقطته أذناه.

فتح فمه ليتحدث، ثم أغلقه من جديد.

نظر إلى السماعة، وضرب عليها بأطراف أصابعه، ثم أعاد وضعها في أذنه مرة أخرى، وكأنه يشك في نفسه قبل أن يشك في أي شيء آخر.

همس:خير… خير يا عم أحمد.

قطب أحمد حاجبيه، وازداد توتره:
في إيه يا ابني؟! إنت طرشت ولا إيه؟ بتضرب على السماعة وتحطها وتشيلها ليه؟! مالها مرات عمك؟ انطق بقى… نشفت دمي!

نزع زكريا السماعة من أذنه ببطء، وظل ينظر إلى أحمد للحظات، والذهول مرسوم على وجهه.

ثم قال بصوت خافت: شهد… حامل.

ساد الصمت.

كأن الكلمة لم تجد طريقها إلى عقل أحمد من المرة الأولى.

حدق فيه بعينين متسعتين، ثم قبض على ذراعه فجأة وهتف:
بتقول إيه يا ابني؟! علي صوتك!

تنحنح زكريا، ثم رفع صوته وهو لا يزال غير مصدق لما يقوله:
عندك حق… متصدقش!
أنا نفسي مش مصدقني، بس…

توقف لحظة، ثم قالها بوضوح:
شهد حامل يا عمي.

ظل أحمد يحدق فيه، عاجزًا عن استيعاب الجملة.

ثم تحولت عيناه ببطء نحو شهد الراقدة أمامه، وكأن كل شيء من حوله توقف فجأة…

قبل أن تلمع في عينيه دمعة لم يعرف إن كانت من شدة الخوف…

أم من فرحة باغتته في أكثر لحظاته رعب.

شهق أحمد بذهول بلغ منتهاه، ثم تشبث بذراع زكريا وكأنه وجد فيه آخر شيء يمكن أن يثبته على الأرض…

تمسك به زكريا برعب ، وهتف بفزع مشوب بالجنون:
لا… أوعى تموت! استنى يا عمي، هتسيب ابنك يطلع يتيم في الآخر بعد كل ده! امسك روحك كده!

ارتجف جسد احمد ، لا من الخوف هذه المرة، بل من صدمة لم يعرف كيف يستوعبها.

أكثر من عشرين عامًا…

عشرون عامًا كاملة وهو ينتظر طفلًا من صلبه، يحلم بوجه صغير يناديه أبي، ويخاف أن يمضي به العمر دون أن يمنحه الله تلك النعمة.

والآن…
أصبح الحلم حقيقة.
حقيقة تنبض داخل جسد المرأة التي أحبها.

انزلقت دمعة ثقيلة من طرف عينه، وابتلع غصة استقرت في حلقه، ثم غمغم بصوت مرتجف متحشرج:
حامل؟! يعني حامل بجد؟
يعني في جوه عيل؟ صح؟
صح يا ابن قلبي؟

ابتسم زكريا رغم امتلاء عينيه بالدموع، وربت على كتف عمه بحنان وقال:
صح يا عمي… صح والله. ربنا عنده كتير، وإنت طول عمرك بتراضي الكل، وربنا عمره ما بينسى حد.

مسح أحمد دموعه بكفه المرتجفة، ثم حدق في زكريا بشك مفاجئ وكأنه تذكر شيئًا مهم، وقال:
إنت كداب يا لا! إنت عرفت منين إنها حامل؟! مش لازم نشوفها في الأشعة الأول؟!

ضرب زكريا كف بكف بذهول، وهتف بنفاد صبر:
يا عم أحمد! إنت سمعت نبضه بالسماعة! العيل جوه مش أقل من أربع شهور…
ده ناقص يمد إيده ويسلم عليا!

ثم نزع السماعة ومدها إليه قائلًا بنزق:
خد اسمع كده بنفسك، ده بيتكلم جوه!

تناول أحمد السماعة بيدين ترتجفان، ووضعها على بطن شهد بحذر، ثم…

سمعها.
دقات صغيرة…
سريعة…
واضحة.

نبض قلب صغير يعلن وجوده رغم كل ما سبقه من انتظار، وكأنه جاء إلى الدنيا قبل أن يولد ليقول له: أنا هنا.

تجمد أحمد مكانه.

ثم انهمرت دموعه دون مقاومة، وانحنى قليلًا وهو يضغط السماعة على أذنه، كأنه يخشى أن يرفعها فيختفي الصوت.

همس بصوت مكسور من شدة الفرح:
ده… ده ابني؟

ابتسم زكريا والدموع تلمع في عينيه، بينما بدأ يحقن شهد في ذراعها لمساعدتها على استعادة وعيها.

رفع أحمد رأسه إليه فجأة، وقد اختلطت السعادة بالشك من جديد، وقال بجدية مضحكة:
بس أوعى يا زكريا يكون ده القولون…
أصل شهد عندها قولون عصبي!

رمقه زكريا بنظرة قاتلة، وضرب كف بكف وهتف:
وحياة شعر صدري اللي وقف من الخضة… مراتك حامل يا عم أحمد! حامل! مش عندها نوبة قولون!

حدق أحمد في شهد للحظات، ثم عاد ينظر إلى زكريا وكأنه لا يزال عاج عن تصديق المعجزة.

وابتسم وسط دموعه…

ابتسامة رجل تأخر عنه الفرح كثيرًا، حتى حين جاءه أخيرًا… جاءه دفعة واحدة.

نظر إليه أحمد طويلًا، وكأن عقله ما زال عاج عن استيعاب الحقيقة التي انقلبت بها الدنيا في لحظة، بينما هز زكريا رأسه بيأس، ثم قال:
طيب أسألك سؤال.

أومأ أحمد دون أن يرفع عينيه عنه: اسأل.

رفع زكريا حاجبه، وقال بحذر مصطنع: أسأل يعني أمان؟

رمقه أحمد بنظرة ضيقة، ثم هدر بضيق:
جرى إيه يا يالا؟ ما تسأل وتخلص!

تنحنح زكريا، وكأنه يستعد لإلقاء سؤال شديد الخطورة، ثم قال بصوت خافت:
احم… هي شهد آخر مرة جتلها الدورة إمتى؟

في لحظة، تبدلت ملامح أحمد من الذهول إلى الغضب، ولكزه في كتفه بحنق:
وإنت مالك يا ابن الكلب يا سافل؟!

فتح زكريا عينيه بدهشة، وقال محتج:
يا عمي، ما ده شغلي! أنا لازم أعرف الحمل بقاله قد إيه، عشان نقدر نحدد عمره ونطمن عليها.

رفع أحمد كتفيه بعجز، وكأنه يفتش داخل ذاكرته عن إجابة ضاعت منه منذ زمن:
معرفش… مش فاكر. بس هي بقالها كتير.

أومأ زكريا برأسه، ثم عاد إلى شهد، يطهر الجرح أعلى جبينها بحركات هادئة، بينما كانت عيناه تحملان قلق الطبيب الذي يعرف أن بعض الأفراح تأتي محملة بأسئلة لا بد من الإجابة عنها.

وقال:
خلاص، نعرف لما تجيبها العيادة ونعمل لها سونار.

لكزه أحمد في منكبه بحنق:
ما في طريقة تانية تعرف بيها؟ بتحرق دمي ليه يا بهيم بسؤالك ابن الوسخة ده؟

نهض زكريا، وعدل وقفته، ثم نظر إليه بنظرة جادة لا تشبه مزاحه السابق:
ده شغلي يا عمي.

أشار إليه أحمد بضيق:
والله شكلك هتطلع زي ما الواد ياسين قال… شغلك كله قلة حياء!

كتم زكريا ضحكته، ثم التفت إلى شهد.

كانت جفونها تتحرك ببطء، كأنها تحاول العودة من مكان بعيد، مكان غاب فيه كل شيء إلا نبضة صغيرة كانت تتمسك بالحياة في أعماقها.

اقترب منها زكريا، ثم أشار إليها:
أهي بدأت الحتة تفوق… أنا هسيبك بقى تعيش وتقولها الخبر، بس بسرعة عشان عندنا معاد.

لم يسمعه أحمد إلا بنصف انتباه.
كانت عيناه معلقتين بوجه شهد.

ذلك الوجه الذي أحبه حتى صار وجوده جزء من معنى حياته، والآن يرقد أمامه شاحب، ضعيف، يحمل في داخله سر ظل الرجل ينتظره أكثر من عشرين عامًا.

أشار أحمد بيده دون أن يلتفت:
اطلع بره… ومتخليش أمك تدخل.

توقف زكريا عند الباب، ثم نظر إليه بدهشة وقال بجدية الطبيب:
لا، اهدى على نفسك يا عم العنتيل…
مراتك سنها مش صغير، ولازم نطمن عليها الأول.

انتزعت الجملة من أحمد فرحته، وألقت مكانها ظل ثقيل من القلق.

رفع رأسه سريعًا:
ليه يا يالا؟ الحمل خطر عليها ولا إيه؟

هز زكريا رأسه نافيًا، وقال بهدوء محسوب:
مش معنى إن سنها كبير إن الحمل خطر، بس لازم نطمن. أنا مقدرش أقولك حاجة أكيدة قبل السونار والتحاليل.

سكت أحمد.

لم يكن الخوف هذه المرة خوف رجل على امرأة يحبها فقط…

بل خوف رجل أمسك أخيرًا بحلمه بين يديه، بعدما ظن طويلًا أن القدر قد أغلق بابه في وجهه، ثم جاءه الحلم متأخر إلى الحد الذي جعله يخشى أن يفر منه قبل أن يلمسه.

ابتلع لعاله، وأومأ ببطء:حاضر.

حمل زكريا حقيبته، واتجه إلى الخارج، وقبل أن يغلق الباب خلفه، ألقى نظرة أخيرة على عمه وشهد، ثم غادر.

انغلق الباب…
فانغلق معه صوت العالم كله.

وبقي أحمد وحده.

وحده أمام المرأة التي أحبها، وأمام حياة جديدة لم يرها بعد، لكنه شعر بها تسكن مكان ما في أعماقه قبل أن تسكن رحمه

اقترب منها ببطء، ومد يده المرتجفة إلى وجهها، مرر أصابعه على خصلات شعرها بحنان يكاد يكون خوف، ثم انزلقت دمعة ساخنة على وجنته دون أن يشعر.

ظل ينظر إليها طويلًا…

ثم انحنى قليلًا، وهمس بصوت مبحوح كأن الكلمات خرجت من أعمق مكان في قلبه:
يا ترى إنتى عارفة إنك حققتيلي أكبر حلم في عمري يا شهد؟

توقفت أنفاسه لحظة، ثم ابتسم وسط دموعه.
حلم كنت خلاص فقدت الأمل أشوفه… وطلع مستنيني عندك.

ووضع كفه برفق فوق بطنها، كأنه يخشى أن تكون تلك المعجزة هشة إلى درجة أن لمسة واحدة قد توقظ القدر منها:
أنا مش عايز منك حاجة تانية… لا عايز دنيا ولا عمر زيادة… أنا بس عايزكم إنتوا التلاته…بس اطمن عليكي بالسونار والتحاليل وبس…

أخيرا فتحت شهد عينيها ببطء، وكأنها تعود من قاع عميق لا تعرف كيف وصلت إليه.

تاه بصرها للحظات بين ملامحه، ثم انعقد حاجباها بتشوش، وخرج صوتها ضعيف مرتجف:
سونار إيه وتحاليل إيه؟ إنت بتقول إيه؟؟
أنا بقالي فترة حاسة إن معدتي فيها حاجة… أنا هموت ولا إيه يا أحمد؟

انخلع قلبه من بين ضلوعه.

اقترب منها سريعًا، وضمها إلى صدره كأن ذراعيه وحدهما قادرتان على انتزاع الخوف من داخلها، ثم مرر كفه فوق رأسها بحنان غلبته الدموع.
بعد الشر عليكي يا حتة من كبد أحمد…
بعد الشر عنك.

ابتعد عنها قليلًا، وأمسك وجهها بين كفيه، يتأمل ملامحها المرتجفة وكأنه يبحث عن الطريقة التي يخبرها بها دون أن يخيف قلبها.

ثم قال بصوت متردد:
أنا عايز أقولك حاجة…
بس خايف عليكي والله.

اتسعت عيناها، وتسارعت أنفاسها:
ليه يا أحمد؟… هي معدتي فيها إيه؟

هز رأسه نافيًا، ثم انزلقت يده ببطء حتى استقرت فوق بطنها، وكانت عيناه تلمعان بدموع حاول عبث أن يمنعها.

مال نحو أذنها، وهمس بحنان يرتجف من فرط ما يخفيه:
الحاجة مش في معدتك يا عمري…

توقف لحظة.

وكأن قلبه لم يحتمل أن ينطق بما ظل يحلم به طوال عشرين عامًا.

ثم أكمل: الحاجة هنا… في رحمك.

تجمدت شهد.
توقفت حتى أنفاسها.

رفعت رأسها إليه ببطء، واتسعت عيناها الغارقتان بالدموع، ثم خرج صوتها مذعور:
لا… يا أحمد، أوعى تقول هيشيلوا الرحم! أنا لسه عندي أمل… لسه بدعي ربنا في كل سجدة…

شهقت، وبدأ جسدها يرتجف، فرفع أحمد يده سريعًا ووضعها فوق شفتيها، يمنع الكلمات قبل أن يتحول خوفها إلى انهيار :
اششش… بس اهدي.

اقترب منها أكثر، ومسح دموعها بإبهامه، ثم قال بصوت خافت لكنه ممتلئ بيقين غريب:
مفيش مرض… ولا حد هيشيل حاجة.

حدقت فيه شهد، لا تفهم.

فابتسم أحمد، وكانت ابتسامته نفسها ترتجف من البكاء :
ربنا استجاب ليكي يا شهد.

سكت لحظة، ثم أضاف بصوت انكسر في آخره: ربنا حن عليا بعد السنين دي كلها.

ظلت تحدق فيه.

كانت تنظر إلى وجهه كمن يسمع شيئًا أكبر من قدرة العقل على التصديق، ثم انخفض بصرها ببطء نحو بطنها.

وضعت يدها عليها، وأصابعها ترتعش فوق موضع لم تر فيه شيئًا بعد، لكنها شعرت فجأة أن العالم كله اختبأ هناك.

خرج صوتها همس: استجاب إيه يا أحمد؟

ابتلعت لعابها، ثم هزت رأسها كأنها تحاول طرد الفكرة قبل أن تجرؤ على الأمل:
مش ممكن…

اقترب أحمد منها، وانحنى حتى صار وجهه مقابلًا لوجهها، ثم قال من بين دموعه وابتسامة واسعة لم يستطع إخفاءها:
إنتي غبية كده ليه يا شهد؟

حدقت فيه ثانية واحدة…
ثم انفجرت بالبكاء.

قفزت إلى صدره بعفوية أفقدتها كل اتزانها، وحاوطت عنقه بذراعيها بقوة، وكأنها تخشى أن تستيقظ من حلمها إذا ابتعدت عنه : يلهوي يا أحمد!

ضحكت وهي تبكي، وتعالت شهقاتها بين كلماتها: أنا جوايا حتة عيل منك؟!

ثم ابتعدت عنه قليلًا، وأمسكت وجهه بين يديها كأنها تريد أن تتأكد أنه لا يمزح.
مش قادرة أصدق… والله العظيم مش قادرة أصدق!

ضحك أحمد من بين دموعه، ثم جذبها إليه مرة أخرى، وضمها بكل ما اختزنته روحه من شوق وخوف وحرمان.

دفن وجهه في شعرها، وأخذ يطبع فوق رأسها قبلات متلاحقة، دافئة، مرتعشة، بينما كانت دموعه تنساب دون مقاومة.
ربنا كرمه ملوش حدود يا حبيبتي…

ثم أغلق عينيه لحظة، وكأن عشرين عامًا كاملة مرت أمامه في طرفة عين.

سنوات من الانتظار…
دعوات لم يسمعها أحد سواه…

ليالي نام فيها وهو يتمنى أن يسمع يومًا كلمة بابا من طفل يحمل شيئًا من ملامحه.

واليوم…
لم يعد الحلم دعاء.
صار نبضة.

وصار داخل المرأة التي أحبها منذ عمر كامل، حياة صغيرة جاءت متأخرة…
لكنها جاءت في موعدها الذي اختاره الله.

وضمها أحمد أكثر، وهمس بالقرب من أذنها:
أخيرًا يا شهد… أخيرًا ربنا اداني منك عيل.

…………..

في الخارج…

ما إن خرج زكريا من الغرفة حتى نهضت فوزية على عجل، ولحق بها يونس وياسين، بعدما التقطوا ابتسامته الغريبة المرسومة على جانب فمه؛ ابتسامة رجل يحمل خبر لا يعرف كيف يخرجه من فمه دون أن ينفجر فرحًا.

اقتربت منه فوزية بقلق، وهتفت بصوت مبحوح:
خير يا زكريا؟ مالها مرات عمك؟
فاقت ولا لسه؟

أومأ زكريا برأسه، وكانت عيناه تلمعان بفرحة لم يستطع إخفاءها، ثم قال بحماس:
زغرّتي يا فوزية… شهد حامل!

تجمد الجميع للحظة.

اتسعت عينا يونس وياسين في ذهول، بينما شهقت فوزية شهقة عالية، ثم صكت صدرها بكفها وهتفت: يلهوي!

قطب زكريا حاجبيه بحنق:
إيه يا ولية؟ الرياكشن اللي مش لاقي على الخبر ده؟! هو أنا قلتلك هتموت ولا إيه؟!

لوت فوزية فمها بحركة شعبية، وهزت رأسها وهي تقول:
لا… إنت اللي هتموت على إيد عمك أحمد!

تراجع زكريا نصف خطوة، وحدق بها بدهشة: ليه بقى؟!

أشارت إليه بإصبعها، وقالت بجدية ممزوجة بالقلق:
إنت قبل ما تقول لعمك، اتأكد الأول! ولا زي زمان؟ كل شوية دكتور ورا دكتور! يقولوا …حامل… وبعدها يطلع مفيش حمل ولا يحزنون!

نظر إليها زكريا بدهشة، فاقتربت منه وربتت على منكبه بحنو مشوب بالخوف:
أنا بقولك نأجل مشوار غزل ده لحد ما نشوف… أصل لو شهد مطلعتش حامل، عمك هيـ… يتلف إملك …بدل الفضايح يا ابني.

انفجر ياسين بالضحك، وقال بمرح مستفز:
آه… عمك هيخصيك!
هيعمل من مخصيك أوملت!

شهقت فوزية بحنق، وضربته على ذراعه:
يا وسخ يا أبو لسان طويل!

نظر إليها ياسين بحنق مصطنع، وقال:
وإنت يعني كنتي بتديلي درس أحياء؟!
ولا هو الكلام اللي متعري بيزعل؟!

اتسعت عينا فوزية، بينما كتم يونس ضحكته بصعوبة.

أما زكريا، فضرب ياسين على كتفه بحنق وقال:
أُوعى يا لطخ! خليني أروح أكمل لبسي… دانتو حسستوني إني ببيع فجل وجرجير على الناصية!

ثم انصرف بخطوات سريعة، وهو يهز رأسه بيأس، تارك خلفه ضحكاتهم التي ارتفعت في أرجاء المكان.

بينما تحركت فوزية نحو الغرفة، وقلبها يسبق خطواتها، تحمل معها فرحة لم تجرؤ بعد على إطلاقها كاملة…

فقد تعلمت من الحياة أن بعض الأفراح، مهما كانت جميلة، تحتاج أولًا إلى أن تتأكد أنها لم تأتي متنكرة في هيئة مفاجأة.

في الغرفه ….

جاء طرق متعجل على الباب، قطع لحظة الفرح المختبئة بين ذراعي أحمد وشهد، ثم انفتح الباب ودلفت فوزية يتبعها ياسين ويونس.

وما إن وقعت عينا فوزية عليهما حتى أطلقت زغرودة مدوية، ارتجت لها جدران الغرفة، ورفعت كفيها إلى السماء، بينما اغرورقت عيناها بالدموع وصاحت من أعماق قلبها:
يا ألف نهار أبيض! يا ألف نهار مبروك! الفرح لما ييجي… ييجي بالزوفة يا ولاد!
صبرتوا ونلتوا وعوض ربنا خير …

تعالت ضحكات شهد، واختلطت بدموعها، ومدت يدها نحو فوزية تهتف بفرحة طفولية لم تستطع إخفاءها:
شوفتي يا فوزية؟! أنا مش مصدقة يا أختي… هموت من الفرحة!

اندفعت فوزية إليها، واحتضنتها بقوة، وقبلت رأسها وهي تضحك وتبكي في آن واحد:
بعد الشر عليكي يا بت! ده إنتي هتعيشي وتربي النونو وتجوزيه كمان… زي حور تمام.

وضعت شهد يدها فوق صدرها، وكأن قلبها لم يعد يتسع لكل ذلك الفرح، ثم ابتسمت وسط دموعها:
حور يا قلبي هتفرح أوي… كان نفسها طول عمرها في أخ ولا أخت.

كانت الكلمات بسيطة، لكنها خرجت محملة بحلم قديم عاش طويلًا في قلب طفلة انتظرت أن تحمل يومًا لقب الأخت الكبرى.

اقترب ياسين من أحمد، واحتضنه بحماس عارم، ثم ضرب على ظهره وهو يهتف بمرح عابث:
مبروك يا عنتيل بيت المهدي!
مبروك ما جالك يا عمي!

ضحك أحمد، وربت على ظهره وهو يهتف:
الله يبارك فيك يا ابن الكلب!

وانفجرت الغرفة بالضحكات من جديد، قبل أن يقترب يونس من أحمد ويحتضنه بقلب صادق، وقال:
مبروك يا حبيبي… عقبال ما تشيله على إيدك وتفرح بيه يا رب.

ابتسم أحمد، وربت بحنان على منكب يونس، ثم قال وهو ينظر إليه بنظرة تحمل أمنية صادقة:
عقبالك يا يونس… تخاوي البت تاليا بحتة أخ كده يشيلها في عينه.

توقفت ابتسامة يونس للحظة.

وكأن كلمة واحدة أعادت إلى قلبه أمنية يخشى أن يرفعها إلى السماء حتى لا يخاف من سقوطها.

ثم ابتسم ابتسامة هادئة، وقال بصوت خافت: يسمع منك ربنا.

ولم يلحظ أحد أن خلف تلك الكلمات القصيرة دعاء طويلًا…

دعاء رجل يتمنى أن يمنح صغيرته يومًا أخا، لا ليملأ البيت ضجيج فحسب، بل ليكون لها سند حين تغيب عنه الدنيا..

ويد صغيرة تمسك يدها حين تكبر، وشخص يحمل عنها بعض ما عجز هو عن حمايتها منه.

أما أحمد، فلم يقل شيئًا.

فقط ربت على كتفه مرة أخرى، وكأنه فهم الدعاء الذي لم يستطع يونس أن ينطقه.

……….

في المستشفى…

وقف شاهين أمام الزجاج العازل لغرفة العناية المركزة، ساكنًا في مكانه كأن قدميه فقدتا القدرة على حمله…

بينما ظل بصره معلق بذلك الجسد المستلقي خلف الزجاج… جسد يشبهه في الملامح، لكنه بدا الآن غريب عنه؛ بلا حركة، بلا صوت، بلا تلك الحياة التي اعتاد أن يراها في عيني أخيه.

رفع يده ببطء، وأسند كفه إلى الزجاج، كأنه يحاول اختراقه والوصول إليه، ثم خرج صوته مبحوح مثقل بالعجز:
لو تفتح ثواني وتقولي مين اللي عمل فيك كده يا أخويا… وأنا أقطع خبره تحت رجلك.

ارتعشت أنفاسه، وانزلقت دمعة ثقيلة على جانب عينه، لكنه لم يمسحها هذه المرة.

وغمغم بصوت خافت، يحمل بين حروفه غضب لم يجد طريقه إلى الخارج بعد:
لو كان اللي عمل فيك كده الضبع… فأنا خدت حقك منه تلاتة ومتلت… ولو كان عابدين… فيارب يقوم من اللي هو فيه، عشان أخد روحه بإيدي.

ظل يحدق في أخيه للحظات، وكأن عينيه ترفضان مغادرة المكان الذي ترك فيه قلبه نصفه الآخر.

لكن يد حانية استقرت فوق منكبه، فأفاق من شروده والتفت.

كانت فادية تقف خلفه، وملامحها غارقة في خوف أم لم تعد تعرف كيف تحتمي من احتمالات الفقد.

قالت بصوت مرتجف:
قولي يا ابني… أنا مش فاهمة حاجة من كلام الدكاترة. هما قالولك هيقوم يعني؟

ابتلع شاهين غصته، ثم اقترب منها وضم رأسها إلى صدره، وطبع قبلة حانية فوق رأسها، قبلة تشبه الدعاء أكثر مما تشبه الحنان.
هيقوم يا أمي… والله هيقوم…
إنتي بس ادعيله، وربنا هينجيه.

ربتت فادية على صدره بأصابع مرتعشة، وانفلت صوتها مكسور:
بدعيله لحد ما لساني تشقق يا ابني…
ربنا ينجيك يا عزيز، يا ابن كبدي.

ابتعد شاهين عنها خطوة، ونظر إليها بعينين أرهقهما السهر والخوف، ثم قال بحنان حاول أن يخفي خلفه ارتجاف قلبه:
يلا يا أمي… قعدتك في المستشفى ملهاش لازمة…
إنتي شايفة الدكاترة مش عارفين هو هيفوق إمتى.

رفعت فادية عينيها إليه بدهشة، وامتلأت وجنتاها بالدموع.
يعني أنا هسيب أخوك لوحده يا شاهين؟

أحاط شاهين منكبيها بذراعه، وضغط عليهما برفق :
هجيبك ليه كل يوم، والله تشوفيه وتكحلي عينك منه لحد ما ربنا ياخد بإيده… بس لو عزيز فاق ولقاكي قاعدة بالشكل ده، هيعتب عليا ويزعل مني… يرضيكي تزعلي الإخوات من بعض يا أمي؟

هزت رأسها سريعًا بالنفي، ثم عادت عيناها إلى الزجاج، إلى ابنها الراقد خلفه، وقالت بصوت خافت:
لا يا حبيبي… ربنا ما يجيب بينكم زعل….
أنا مصدقة إن إنتوا اتجمعتوا.

ابتسم شاهين ابتسامة باهتة، ثم انحنى وقبل رأسها.

ألقى نظرة أخيرة على عزيز، وكأنه يحفظ ملامحه في ذاكرته قبل أن يرحل، ثم غمغم:
هجيلك تاني يا عزيز…

واستدار.

تحرك شاهين نحو الخارج، محاوط منكبي أمه بذراعه، محاول أن يبدو ثابت أمامها، رغم أن داخله كان يتآكل ببطء.

وحين وصلا إلى السيارة، فتح لها الباب الأمامي حتى جلست، ثم دار إلى مقعد القيادة.

وقبل أن يفتح الباب…

اقترب أحد رجاله بخطوات سريعة، وانحنى حتى بلغ أذنه، ثم قال كلمات قليلة.

كلمات قليلة فقط…

لكنها كانت كافية لتبدل ملامح شاهين بالكامل :
عابدين اختفى من المستشفى يا معلم شاهين.

تجمدت يده فوق مقبض الباب.
لم يلتفت.
لم يسأل كيف.
لم يسأل متى.

فقط سكنت ملامحه للحظات، ذلك السكون الذي يسبق العاصفة حين تتجمع النار تحت الرماد.

ثم اشتعلت عيناه ببرودة مخيفة.
اختفى الحزن من وجهه، وحل مكانه شيء آخر…

شيء لا يشبه الغضب.
بل يشبه الوعد.

فتح باب السيارة، جلس خلف عجلة القيادة، وأغلق الباب بعنف.

وانطلقت السيارة من أمام المستشفى بسرعة خاطفة، بينما كان شاهين يحدق أمامه بعينين لا تحملان سوى سؤال واحد:

إلى أين ذهب عابدين؟
ولم يكن يعرف أن الإجابة ستفتح باب جديد من الجحيم…

وووووووووووووو

ساحره القلم ساره احمد

4.2 109 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
118 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Mero❤️
Mero❤️
17 أيام

تسلم ايدك اكيد تحفة من قبل مااقرأ❤️

nw281920@gmail.com
nw281920@gmail.com
17 أيام

تسلم ايدك ياساحره القلوب

nw281920@gmail.com
nw281920@gmail.com
17 أيام

روعه روعه اكيد قبل مااقرأ

Samar
Samar
17 أيام

تسلمي ي مبدعه 😍

BN Hafid
BN Hafid
17 أيام

تسلم ايدك ❤️

BN Hafid
BN Hafid
17 أيام

يجمال البارت واحداثو ♥️

BN Hafid
BN Hafid
17 أيام

الفرح لما يجي يعم الكل احلى بارت من احلى كاتبة 😘

Nedaa
Nedaa
17 أيام

تسلم الايادي اكيد بجنن كالعادة ❤️

Shimooo
Shimooo
17 أيام

تحفه اووي تسلم ايدك ❤️❤️

ضيف
ضيف
17 أيام

معلش لى طلب حد يشيل الواد ياسين من الرواية كل كلامه يفصلنى ضحك تسلم ايديك يا قمر

مروة البحيرى
مروة البحيرى
17 أيام

روووووووعة

مروة البحيرى
مروة البحيرى
17 أيام

تسلم ايدك ياجميل❤️

dolly
dolly
17 أيام

تحفه ياقلبي والمفاجاه حلوه اوى 💓💓💓💓💓💓

Om Walid
Om Walid
17 أيام

تسلمى ياحبيبتى

ضيف
ضيف
17 أيام

جميل و الله و قاسي جدا

جيرمو
جيرمو
17 أيام

مش عارفة اعمل تقييم و مبروك رجوع المدونة

Sara alaa
Sara alaa
17 أيام

احلي بارت في الروايه لحد الان 🥹👏👏👏👏👏👏

Marwa
Marwa
17 أيام

البارت تحفة كالعادة تسلم ايدك ياقمر

ضيف
ضيف
17 أيام

تحفه

Marwa
Marwa
17 أيام

تسلم ايدك ياقمر ❤️🌹

شيماء
شيماء
17 أيام

تسلم ايدك ياقلبي 💕💕💕

ضيف
ضيف
17 أيام

ايه البارت اللي يجنن ده يا سوووو بجد تحفه ❤️❤️❤️❤️

An a Shosho
An a Shosho
17 أيام

الفصل جميل اوي
تسلم ايدك ياحبيبتي

Nabila Ahmad
Nabila Ahmad
17 أيام

طبعا كالعادة تسلم ايدك وعيونك ياسارة البارت تحفة جميل جدا ❤️❤️

ضيف
ضيف
17 أيام

تحفهههههههه

مريم بشرى
مريم بشرى
17 أيام

جميلة جدا واجمل حاجة عوض ربنا بعد الصبر اخير احمد هيبقى أب بجد 💕💖 تسلم ايدك روعه

Lolo saleh
Lolo saleh
17 أيام

وش هالبارت اللي يفجّر الحمااااس كذاااا!! الأحداث نار نار، وكل مشهد يخليني أصرخ أكثر من اللي قبله 😭🔥 إبداعك مو طبيعي، كل مرة تثبتين إنك تعرفين كيف تخلين القارئ يعيش الحدث بكل جوارحه! 🔥🔥

Hend
Hend
17 أيام

تحفه يا سو البارت روعه عظمه ♥♥♥

ام عبد الرحمن
ام عبد الرحمن
17 أيام

بارت عظمه بجد

ضيف
ضيف
17 أيام

روعه تسلم ايدك

ضيف
ضيف
17 أيام

تحففففففه

nouran
nouran
17 أيام

تحفةةة تسلم ايدك يا قلبي ❤️

هاله شحاته
هاله شحاته
17 أيام

روعه روعه تسلم ايدك ياقلبي

Fatenmansour
Fatenmansour
17 أيام

تسلم ايدك يا قمر 🥰

ضيف
ضيف
17 أيام

تحفة

ضيف
ضيف
17 أيام

تسلم ايدك ياقلبي ♥️
سحرتي قلوبنا بسحر كلماتك
❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️

Mlk
Mlk
17 أيام

تحفه من قبل ما اقرأه طبعا يا قلبي ❤️❤️

نور الليالي
نور الليالي
17 أيام

البارت تحفه تسلم ايدك

Sara nasr
Sara nasr
17 أيام

روعه

ضيف
ضيف
17 أيام

تسلم ايدك حبيبتى ♥️

ضيف
ضيف
17 أيام

تحفه تسلم ايدك يا ملكه💕💕

محمد عمرو
محمد عمرو
17 أيام

الله علي الابداع بارت جامد جدا تسلم ايدك يا سو

Mrmrتحفه جدآ
Mrmrتحفه جدآ
17 أيام

عاشت الايادى

ضيف
ضيف
17 أيام

ما شاء الله

Neven sadaa
Neven sadaa
17 أيام

تسلم ايدك يا ساره بس فوزية وياسين عسل

Abaar Zamzam
Abaar Zamzam
17 أيام

ي سووووووو ي فرحتة قلبي بحمل شهد ولا مانها واحدة قريبتي تسلم ايدك وعنيكي ي سوووو فرحتينا بجد

Lily Ahmed
Lily Ahmed
17 أيام

تسلم ايدك يا قلبي 😍

Lily Ahmed
Lily Ahmed
17 أيام

الفصل خطيررررر

Lily Ahmed
Lily Ahmed
17 أيام

الفصل فيه كميه وجع بجد انتي مبدعه

Bata
Bata
17 أيام

جاااااااامد جدا