فتنه في عرين الجابر(الفصل الخامس )
الفصل الخامس
ابتسم جابر ابتسامة باردة تحمل في طياتها تحديا خفيا، أجاب بهدوء ساخر: عنيه… اتفضلوا. العربية في الچراش.
قادهم بخطوات واثقة نحو المرآب. وما إن دلفوا حتى ارتجت أعينهم أمام أسطول من السيارات الفارهة، تتلألأ أجسادها المعدنية تحت أضواء باردة، كأنها صف من الوحوش المطيعة لصاحبها.
اقترب علاء وفتون من السيارة المقصودة، يحدقان فيها بدهشة وحذر. أصابتهما لحظة صمت ثقيلة وهما يفحصانها من كل جانب.
التفت علاء إلى فتون بدهشة مقيدة: ياسمين… متأكدة إن هي دي العربية؟
أومأت فتون برأسها بسرعة: أيوه، هي أكدتلي. أكيد صلحها… قادر ويعملها.
هز علاء رأسه بالنفي، عيناه تضيقان بشك متزايد: مش معقول… ده سواد الليل…. وحتى لو كان صلحها، كان هيبقى فيه أثر… دي رصاصة يا فتون… مش خدش!
قبل أن ترد، ظهرت الخادمة على طرف الجراج، وهتفت بخضوع: الفطار جاهز يا باشا.
أومأ جابر برأسه، وهتف بصوت بارد:يلا يا علاء بيه… الفطور چاهز… أكيد طلعتوا من بدري ما لحجتوش تفطروا.
أجاب علاء باقتضاب وهز رأسه بالنفي: تشكر يا باشا… خيرك سابق.
ابتسم جابر بسخرية خافتة وأشار بيده: لاه… عيب في حجي… انتوا في دار جابر الأسيوطي… يعني الكرام كلاته.
شكر علاء بجدية: شكراً يا جابر باشا.
لكن جابر أدار وجهه نحو العساكر المرافقين، وأمر:
طب الرچاله لازم ياخدوا واچبهم.
أومأ بعضهم بالشكر، لكن علاء اعترض بسرعة: مينفعش يا عمده… دول في أوقات العمل الرسمية.
انفجرت فتون بصوت حاد متوتر، وقد نفد صبرها:خلاص بقى! احنا جايين نشتغل… مش نضايف!
رفع جابر حاجبه ببرود قاطع، وصوته يغلي تحت انفاسه:
الكلام ده أهنه في بحري… لكن عندينا في جبلي… الضيف اللي يعتب الدار، حتى لو عدوي… أكبره نايبة.
تراجعت فتون خطوة بدهشة وهتفت : تكبره إيه؟!
أجاب ببرود عاصف، وعيناه كالجليد: نايبة… يعني نايب الظفر… عشان يشبع زين.
وضعت فتون يدها على رأسها بتألم، كأن كلماته ثقيلة كالرصاص، تمتمت بصوت متحشرج:علاء… يلا نمشي. مشيني من قدام الراجل ده.
أومأ علاء برأسه موافقا، وهتف بصوت حازم: يلا يا فتون… يلا.
تحركا نحو الخارج، لكن فتون توقفت فجأة، التفتت نحو جابر بحدة مشتعلة.
اقتربت منه خطوة، عينيها تحملان تهديدا صريحًا، وغرغرت كلماتها بين فكيها كالنار: لو قربت من ابني… أو بنت عمي… أو أي حد يخصني… هدفعك التمن غالي جدًا.
ارتسمت ابتسامة جانبية ماكرة على فم جابر، اقترب حتى لامس بأنفاسه أذنها، وهمس بصوت ملوث بالعبث:
طب لو منك انتي… هتفرحي، صوح؟
شهقت فتون بغضب محتقن، وضعت كفها على صدره ودفعته بعنف، صاحت: كائن مستفز!
ثم استدارت راحلة، تدك الأرض بخطوات ملتهبة، يتبعها علاء وباقي القوة.
أما جابر، فقد بقي واقفا في مكانه، يراقبهم يبتعدون بعينين تلمعان بشرر ساخر، قبل أن يصرخ بنبرة مستفزة اخترقت الصمت: طب الفطور!
………
في شقة عبد الرحمن السيوفي…
انفتح الباب ودلفت فتون بخطوات متثاقلة، ملامح وجهها يغطيها الإرهاق وعيناها متورمتان من قلة النوم.
كانت ياسمين تنتظرها كطفلة متوترة، وما إن رأتها حتى هرعت إليها وهتفت بفزع: هااا يا فتون… قبضوا عليه؟!
ضحكت فتون ضحكة قصيرة متعبة، تحمل بين طياتها سخرية مرة، وقالت: لا طبعًا.
شهقت ياسمين برعب، غامت عيناها بالدموع، غمغمت بصوت مخنوق: يا نهار اسود!… يبقى هيخطفني بجد المرة دي… ومش بعيد يقتلني!
تقدمت فتون وجلست على أقرب مقعد، أطبقت جفنيها بتعب وغمغمت بصوت واهن: متخافيش… مش هييجي جنبك تاني… هو مضى على تعهد بكده.
اتسعت عينا ياسمين بفرحة مفاجئة، صاحت بلهفة:
بجد؟! طيب بسرعة احكيلي اللي حصل!
أشارت لها فتون بيدها، كأنها لا تقوى حتى على رفع رأسها، وهمسة: لا… مش قادرة… أنا ما نمتش من امبارح… هنام دلوقتي… ولما أصحى… أبقى أحكيلك.
أومأت ياسمين برأسها باستسلام، تراجعت خطوة وهي تراقب فتون تتجه نحو غرفة النوم، تتعثر من شدة التعب حتى اختفت خلف الباب.
بقيت ياسمين وحدها في الصالة، زفرت بعمق، ثم همسة بحنق مكتوم وهي تعض على شفتها: وأنا اللي كنت عايزة أشوف اللي اسمه يحيي الجبالي… والفضول كان قتلني… دول طلعوا وحوش!
…………
في باحة شركة الأسيوطي للهندسة…
انزلقت أسطول السيارات الفاخرة كموكبٍ مهيبٍ يشق طريقه وسط الشارع، حتى توقفت جميعها في صف منتظم خلف السيارة السوداء المترفة التي يتصدرها جابر.
انفتح الباب الخلفي للسيارة ببطء محسوب، وترجل منه جابر بخطوات واثقة،
جسده يكتسي بدلة سوداء مصقولة وقميص أسود داكن مفتوح اول ازراره ، كأن الليل قد تلبس هيئته…
كان حقا كتلة متفجرة من الوسامة والرجولة الطاغية، مزيجا من القسوة والهيبة، يحمل في حضوره نارًا حارقة ولسعة جارحة تجبر الأبصار على متابعته والقلوب على الارتجاف له.
خلفه ترجل رجاله؛ ضخام الجثة، قساة الملامح، تتدلى من أعناقهم نظرات لا تعرف الرحمة…
تراصوا خلفه في مشهد مهيب، أشبه بفيالق ظل تسير خلف قائدها،
فكان دخولهم للشركة كزحف لا يقاوم، يخطف الأنفاس ويزرع الرعب في النفوس.
في الداخل…
توقف عدد من الموظفين عند البهو الكبير، عيونهم تتابعه بوجل مكتوم…
لم يتجرأ أحد على التنفس بعمق حتى يعبر بينهم. كان صمته أبلغ من أي تهديد، وهيبته وحدها كافية لأن تجعلهم يطأطئون الرؤوس كأنهم أمام سلطان متجبر.
واصل خطواته نحو مكتبه الفخم، المميز بواجهته الزجاجية الشفافة التي انعكست عليها أشعة الشمس فتوهج المكان ببريق لامع…
كان المكتب أنيقا، كلاسيكيا صارما، خاليا من أي زينة زائدة أو تفاصيل عبثية،
كأن كل قطعة فيه موضوعة لهدف محدد لا أكثر. المكان بأسره يعكس عقل صاحبه واضح، صارم، لا يقبل العشوائية ولا الفوضى… مكتب رجل يعرف تمامًا ماذا يريد، وكيف يصل إليه.
جلس جابر خلف مكتبه العريض، أزاح نظارته الشمسية ببطء ووضعها فوق الأوراق المصطفة بدقة…
أسند ظهره إلى المقعد الجلدي الوثير، ورفع نظره نحو رجاله الذين اصطفوا أمامه في صمت مهيب… لم يكن بحاجة إلى أن يتحدث… هيبته تكفي لأن يصغي الجميع قبل أن ينطق.
أشار بإيماءةٍ حادة إلى سكرتيرته، فاقتربت على الفور تحمل بين يديها ملفا أنيقا، وضعته أمامه بانحناءة خفيفة. مد يده الثقيلة، وبدأ يقلب الصفحات بعين ثابتة لا ترحم، ثم شرع في التوقيع بخط صارم حاد حتى فرغ من آخر ورقة.
اقتربت أخرى بخطوات مترددة تحمل فنجان القهوة، وضعته أمامه وهمسة باحترام: أي أوامر تانية يا فندم؟
هز رأسه بالنفي دون أن يرفع عينيه، وغمغم بصوتٍ مبحوح متثاقل: لا… اتفضلوا شوفوا شغلكم.
أومأت برأسها سريعًا وانسحبت مع زميلتها، تاركتين وراءهما صمتا مهيبا يخيم على المكتب.
مد يده وضغط زر جهاز الحاسوب، فانبعث ضوء الشاشة ليغمر وجهه بظل باهت. أخذ يراجع الرسائل واحدة تلو الأخرى، أصابعه تتحرك بآلية باردة، لكن عيناه سرعان ما شردتا… توقفتا عند صورة تومض في ذهنه، ملامح فاتنة أبت أن تغادر خياله.
ألقى بجسده للخلف في المقعد الجلدي، وأسند رأسه فوق حافته، أغمض عينيه ببطء وهمس من بين أسنانه وكأنه يخاطب طيفها:لازجت في راسي… زي الجرادة.
رفع يده ومسح جبينه المتجهم، وأكمل بغليان مكتوم:
هعصرك في سكتي… يا بت الناس… حيلي عني !!
مد يده نحو هاتفه الموضوع بجانبه، فتحه ببطء، وبدأ يقلب في الصور… صور جمعت بينه وبين زياد..
توقفت عيناه عند صورة محددة، فارتعش شيء خفي في داخله وتمتم بسخرية مرة: بس كلت صدمة عمري… لما عرفت إنك كنتي متچوزة… ومن مين؟ من أنچس خلج الله! الحمد لله إنك اتطلجتي منيه واكل ناسه..
ابتسم ابتسامة جانبية لا تخلو من خبث وألم في آن، ثم أرسل صورة إلى فتون عبر الهاتف…
ظل يحدق في الشاشة ينتظر… ثواني تمر كأنها دهور، حتى زمجر في سره وهو يضغط بأسنانه: مردتش… ليه البت ديه؟
عبث جابر بالهاتف قليلًا قبل أن يضغط زر الاتصال، وما هي إلا ثواني حتى اخترق سكون الغرفة صوت خافت مبحوح، متهدج من أثر النوم… لكنه كان أخطر من رصاصة.
صوت أنثوي غارق في الدفء، متكاسل كسيل بطيء يتسلل تحت الجلد، يقطر فتنة لزجة تشعل الحواس:
ألو… مين؟”
ارتجف صدره لحظة، واتسعت أوردته باندفاع الدم كمن شد على عنقه حبل حرير خانق. رفع حاجبه وبلع لعابه بصعوبة وقال بصوت أجش متوتر: چابر الأسيوطي.”
شهقت فتون بغتة، شهقة أنثى مباغتة خرجت منها كأنها زفرة فضيحة… شهقة قصيرة لكنها تحمل في طياتها رجفة ملهبة، كافية لتفتح في داخله أبوابا لا تغلق…
وهو المنحرف المعتاد على القذارة، التقطها كما يلتقط الذئب رائحة الدم… انعقدت ابتسامة باردة على ملامحه، ابتسامة تخفي وراءها جنونا يتأجج، وهمس ببطء يقطر تهديدا: بتشهجي ليه يا فتنه؟… أنا چيت چنبك؟”
ترددت أنفاسها المضطربة للحظة، ثم رفعت حاجبها بنزق وقالت بصوت يثقل عليه أثر السهر: بس بقى… أنا منمتش من امبارح ومش فيا دماغ للمناهدة… لو سمحت اقفل. عايزة أنام… واحترم نفسك بقى.”
في تلك اللحظة أغمض جابر عينيه، كأنه يتذوق حروفها المتهاده على لسانه….
لأول مرة يسمعها تتكلم ببطء وراحة، بلا صخب ولا حدة… صوتها كان كالعزف الناعم على أوتار مسمومة، ينساب إلى داخله كشراب محرم يروي عطشه.
خرج صوته أجش، مبحوحا متلذذا: وه يا فتون… هو صوتك إكده وإنتي هادية؟ ده مش صوت… دي لعنة ترد الروح… دانتي فتنة، يا ابوي، والله فتنة… لو كنت جدامي دلوق… كنت بوسة الشفايف اللي بتنجط عسل دي.”
شهقت فتون بزعر، وضعت يدها على صدرها، قلبها يخبط كطبول حرب، وأفكارها تتشتت كأنها لأول مرة تكتشف جسدها يخونها في حضرة صوت همسة لنفسها بذهول، بصوت بالكاد خرج من بين شفتيها:يا نهار أسود… هو أنا ليه قلبي بيدق كده؟”
ابتسم جابر، نصف ابتسامة باردة، عينيه تشتعلان ببطء وقال باقتضاب: فتنة.”
تجاهلت ارتجافها، حاولت أن تجمع بقايا قوتها وهتفت بحنق: بقولك إيه… احترم نفسك، ومترنش تاني. إنت اتجننت ولا إيه؟ متفكرش نفسك حاجة. لا يا بابا، إنت مش أكتر من مجرم… وحيوان. ولو مش عايز تتبهدل… متقربش تاني!”
قبض جابر على الهاتف بقوة، كأن كلماته يبتلعها غيظا، وصوته خرج غائرا يقطر تهديدا مكبوتا: طب اسمعيني زين… وحطي كلامي حلجة في ودنك. لو خلال يومين يحي ما طلعش… ابنك هيبجى غدا الديبة عندنا في الچبل.”
أغلق الخط بعنف نظرت إلي الهاتف وغمغمت : ايه الجنان ده؟”
لكن سرعان ما اهتز الهاتف برسالة. فتحتها، وشهقت شهقة أخرى… صورة جابر واقفا بجوار زياد أمام المدرسة…..جاءتها رسالة أخرى، حروفها كسم بارد:
ــ فكري زين… الولد خسارة يضيع هدر، عشان البلغة اللي في دماغك.”
شهقت فتون، وقبضت على الفراش بعنف، وغرست أسنانها فيه لتكتم صرختها، جسدها يهتز بغليان مكتوم، وهمسة بحرقة: أعمل إيه بس يا ربي؟!”
نهضت فتون من الفراش كالمصعوقة، قدماها بالكاد تحملانها، وبدأت تدور في الغرفة بعنف، كأنها تبحث عن مخرج وهمي ينقذها من الكارثة التي سقطت فوق رأسها.
الجدران ضاقت عليها فجأة، كأنها تطبق على صدرها وتمنع عنها الهواء. أنفاسها تتلاحق، خطواتها متسارعة مضطربة، وأفكارها تتخبط داخل عقلها يمينًا ويسارًا، تصطدم ببعضها كأمواج هادرة.
توقفت فجأة وجلست على طرف الفراش، يديها ترتجفان، وعيناها تشتعلان بجنون لا تعرف له تفسيرًا… خليط من الخوف والقلق والغيظ والخذلان. قلبها يدق بعنف يوشك أن يخلع صدرها، حتى إنها وضعت كفها عليه عله يهدأ.
لكن العاصفة لم تهدأ… نهضت من جديد كأن الأرض تضيق تحت قدميها، اندفعت نحو المرحاض بخطوات متوترة، رشت الماء على وجهها لتستعيد وعيها، ثم بدلت ملابسها بعجلة، كل حركة منها تحمل توترًا داخليًا يحرق أوصالها.
خرجت من الغرفة مسرعة، كمن يهرب من سجن ضاق بجدرانه، عيناها تبحثان عن طوق نجاة، عن أي حل ينقذها من قبضة جابر التي تضيق يومًا بعد يوم على روحها وابنها.
………….
في مكتب النائب العام،
حيث يسود الصمت المهيب، ويسمع حفيف الأوراق على مكتبه الخشبي العتيق، دقت فتون الباب بخطوات مترددة، ثم دفعت جسدها إلى الداخل، وألقت التحية بصوت حاولت أن تجعله ثابتا، لكن بحة الألم فضحتها:
مساء الخير يا فندم.
رفع النائب العام عينيه عن الملفات، وأومأ لها بالاقتراب، وقال بنبرة هادئة تحمل شيئًا من الأبوية: تعالي يا فتون… خير؟
اقتربت ببطء، كل خطوة أشبه بصخرة تتساقط من قلبها، حتى وقفت أمامه…
هزت رأسها نفيا عاجزا، وأخرجت ورقة مطوية من حقيبتها، مدتها نحوه ودموعها تتلألأ في عينيها، ثم همسة بصوت مبحوح: اتفضل يا فندم.
تجمد الرجل للحظة، ثم التقط الورقة، وما إن فتحها حتى قطب حاجبيه بذهول، وصاح بدهشة لم يستطع إخفاءها:
إيه ده؟… استقالة يا فتون؟!
أومأت برأسها بثبات مؤلم، وقالت بصوت متماسك رغم ارتجافها من الداخل: أيوه يا فندم.
رفع يده بدهشة أكبر، وعيناه تحاصرانها بقلق حقيقي:
ليه يا فتون؟!… انتي مستوعبة هتعملي إيه في نفسك؟… وسيادة المستشار إزاي وافق على كده؟
ابتلعت غصة مدببة في حلقها، وقالت بصوت يقطر وجعا:
أنا عارفة أنا بعمل إيه… عندي أسباب قهرية… شخصية… غصب عني.
تنهدت بضيق وغمغمت: وبالنسبة لسيادة المستشار
هو ما يعرفش… أنا هفهمه بنفسي.
تجمد النائب العام مكانه، حاجبه يزدادان انعقادًا بدهشة وغضب مكبوت، ثم قال بنبرة ممتزجة بالحزن: يا فتون… انتي مش بس من أفضل الناس اللي قابلتهم في حياتي… انتي زي بنتي…. ومش هقدر أشوفك بتدمري مستقبلك وأسكت…. أنا مش هوقع على الاستقالة دي… لو أعصابك تعبانة… خدي إجازة شهر، اتنين… لكن استقالة؟ لا يا فتون.
نهضت فتون من مقعدها ببطء، كأنها تحمل على كتفيها ثقل العالم، وغمغمت بصوت مختنق: أنا متشكرة اوي يا فندم… بس صدقني، كده أحسن ليا… أنا فكرت كتير… وأقسم بالله ده الأفضل… ليا ولي ابني.
ظل الرجل يرمقها للحظات بعينين يغمرهما الحزن والدهشة، ثم زفر زفرة طويلة، التقط قلمه ووقع على الاستقالة، وهو يقول بصوت متحشرج:دي أول استقالة في حياتي أوقع عليها وأنا حزين… بجد يا فتون.
أغمضت عينيها بقهر، شعرت بنار حارقة تسري في دمها، لكنها تماسكت، استدارت، وغادرت المكتب.
خطواتها كانت بطيئة، مثقلة، لكنها راسخة… تمشي برأس مرفوع، كأنها تجمع بقايا قواها لتقاوم انكسارًا أكبر من احتماله.
صعدت فتون إلى سيارتها، أغلقت الباب بإحكام كأنها تحاول أن تعزل نفسها عن العالم، ثم أدارت المحرك وانطلقت.
الطريق أمامها امتد طويلًا، لكنه كان أقصر من سيل الذكريات الذي اندفع داخلها بلا هوادة.
لمحات متتابعة اجتاحت ذهنها…
رأت نفسها يوم وطأت قدماها أبواب الجامعة لأول مرة، شابة يملؤها الطموح، تحمل أحلامًا أكبر من عمرها.
رأت فرحة أبيها وأمها يوم تخرجها، الفخر يبرق في عيونهما كأنهما يقطفان معها ثمار كدح السنين…
ثم لحظة انتصارها الأعظم، يوم عينت وكيلة للنائب العام… كان ذلك الحلم الأغلى على قلبها، ثمرة تعب لم يذهب هدرًا.
لكن الذكريات لم تلبث أن تعكرت، فاندس بينها يوم زفافها إلى مدحت… يوم ظنت أنه بداية حياة، فإذا به كان بداية انكسار….
تذكرت لحظة معرفتها بحملها… زياد، الذي جاء إلى الدنيا ليكون قرة عينها، النور الوحيد الذي بدد عتمتها…
ثم لحظة طلاقها… أول سقوط، أول انكسارٍ حقيقي في حياتها، أول اختيار خاطئ دفعت ثمنه عامًا كاملًا من روحها.
ومع ذلك… كان لذلك الانكسار وجه واحد من الرحمة: ..
زياد.
هو وحده ما تبقى لها، الشخص الوحيد الذي يستحق أن تهون دونه الأحلام، أن تضحى لأجله بالمستقبل، بالمنصب، بالحياة نفسها…
كل شيء صغر أمام أمنه… أمام أن يظل بخير.
توقفت السيارة أمام مركز الشرطة. أطفأت المحرك، وترجلت بخطوات ثقيلة، كأن كل خطوة تغرس في الأرض مثل جذور مثقلة بالحديد…
دلفت إلى القسم، العيون تتابعها بفضول وحيرة، لكنها لم تلتفت.
واصلت السير حتى مكتبها، فتوقفت عند العتبة لحظة… عيناها تجوبان المكان بنظرات وداع حارقة، كأنها تحاول أن تحفظ تفاصيله في ذاكرتها قبل أن تنتزع منه إلى الأبد.
دخلت، وبدأت تجمع متعلقاتها الشخصية بصمت مهيب.
كل تفصيلة تلمسها كانت تستدعي ذكرى: ذلك الكوب الذي كانت تحتسي فيه قهوتها وهي تراجع الملفات،
تلك المفكرة التي دونت فيها قضاياها الأولى، وتلك الزهرة الجافة التي وضعتها زميلة لها منذ سنوات…
ثم وقعت يدها على إطار صغير… صورة تجمعها بزياد.
حدقت فيها طويلًا، عيناها تتسعان كأنها تغرق في الصورة، والدموع تتجمع خلف جدار عنيد يأبى أن ينهار…
دموع متحجرة، تأبى السقوط… لأن السقوط الآن يعني الضعف، وهي لا تملك رفاهية الضعف.
أفاقت فتون من شرودها على صوت علاء، وخلفه الصول عيد، والحزن يكسو وجهيهما: إيه اللي إحنا سمعناه ده يا فتون؟… بجد قدمتي استقالتك؟”
رفعت رأسها، وصوتها مبحوح من القهر : أيوه يا علاء… بجد.”
قطب حاجبيه بدهشة وصوت غاضب من شدة حزنه:
ليه يا فتون؟ ليه تعملي كده؟ ده حلمك وتعب سنين!”
تلاقت نظراتهما… عيناه علاء تتوسلان، وقلبه يصرخ بما لا يجرؤ لسانه على قوله..
أدارت فتون عينيها بعيدًا، تحمل صندوقها بخطوات مثقلة.
تقدم خطوتين ليوقفها، وصوته خرج متهدجا، لكنه حاول أن يظل متماسكًا: بلاش يا فتون… بلاش تعملي حاجة هتندمي عليها.”
توقفت، التفتت نحوه، وفي عينيها امتنان مبلل بالدموع. ابتسمت بحزن وقالت بنبرة هادئة: خلي بالك من نفسك يا علاء… أنت من أطيب الناس اللي اتعملت معاهم. أشوف وشك بخير.”
لم يرد… فقط مد يده وربت على كتفها بحنان مكتوم، ونظراته أعمق من أي كلام…ثم همس بصوت منخفض، كأنما يخاطب نفسه أكثر مما يخاطبها: أنا موجود يا فتون… في أي وقت تحتاجيني.”
أومأت برأسها بصمت خافت، ثم أكملت طريقها.
اقترب العم عيد ودموعه تقطر بقهر، وانتزع الصندوق من بين يديها كأنه يخفف عنها : عنك يا بنتي… عنك.”
ثم أكمل بصوت متقطع بالعبرة: أقسم بالله عشت قد ما عشت، وقابلت قد ما قابلت… عمري ما قابلت حد بحنية قلبك وأخلاقك. ربنا يكرمك… ويبعد عنك ولاد الحرام.”
ارتسمت على شفتيها ابتسامة باكية وغمغمت : الله يكرمك يا عم عيد… الدعوة دي غالية أوي.”
اوما برأسه كأنه يقطع عهدا، وقال بخشوع: هدعيها ليكي كل فجر… كل فجر يا بنتي.”
تحركت فتون بخطواتها الثقيلة، رافعة رأسها رغم قهرها، تاركة وراءها علاء الذي ظل يراقبها بصمت طويل، نظراته مشتعلة بما لم يبح به يومًا…
علي باب المكتب ، دلف مدحت بخطوات متسارعة وصوت يقطر انفعالًا: فتون!… إيه اللي أنا سمعته ده؟”
أغمضت عينيها بضيق، فآخر وجه كانت تتمنى أن تراه الآن هو وجهه…
تابعت طريقها للخارج، وأجابت بحنق مكتوم: أيوه يا مدحت… أنا استقلت.”
قبض على ذراعها بعنف يوقفها، وصوته ارتفع متشبع بالغرور:اشمعنا دلوقتي؟! طول عمري أطلب منك تستقيلي وتفرغي نفسك ليا وللبيت… وكنتي بترفضي.”
انتزعت ذراعها منه بعنف، واندفعت الكلمات من بين شفتيها كالرصاص:ملكش فيه!… وإنت مالك أصلاً؟ لما كنت تطلب مني أسيب شغلي ماكنتش عشان البيت ولا عشان راحتي، كان عشان غرورك المريض! غرورك اللي كان مش قادر يستوعب إن مراتك منصبها أعلى من منصبك… كنت فاكرني مش فاهمة؟ لا يا مدحت، أنا عارفاك كويس… الغرور ده هيقتلك في يوم من الأيام.”
تجمد لحظة، ثم رفع حاجبه بدهشة باردة، وصوته خرج متهكمًا: كل ده؟!… بس ماشي يا فتون… كل اللي بتقوليه مش هيبوظ فرحتي بيكي النهارده.”
ارتسمت على وجهها ملامح صدمة ممزوجة بالاشمئزاز:
فرحتك؟!”
أومأ ببرود حاد، وعينيه تلمعان بنشوة زائفة: أيوه… السبب اللي كنا مختلفين عليه خلاص بقى من الماضي. يعني نقدر نرجع لبعض… وتربي ابننا زي ما لازم.”
أغمضت عينيها لحظة، كأنها تحاول استيعاب هذا الكائن الواقف أمامها… زفرت بغيظ مكتوم، ثم فتحت عينيها عليه وقالت بحدة قاطعة: نفسي أعرف… إنت إيه بالظبط؟ إنت جنسك إيه؟! يا جبلة!”
ثم رفعت إصبعها في وجهه، تحذيرا صارما، وصوتها دوى في أرجاء القسم: بص يا مدحت… عشان تبقى علي نور: أنا مش هرجعلك… لو اطبقت السماء على الأرض. لو إنت آخر راجل في الدنيا… الله الغنيني عنك وعن الرجالة كلها!”
ثم التفتت، وانطلقت بخطوات تحرق الأرض تحت قدميها، رأسها مرفوع، عينان مشتعلة بالقهر، وكبرياء يكسو ملامحها.
وقف رجال القسم يتابعونها بنظرات مثقلة بالحزن والإعجاب في آن، فيما ظل مدحت واقفا، تتسع ابتسامته الباردة شيئًا فشيئًا… ابتسامة رجل يظن أنه انتصر في حربٍ لم يخضها سوى مع أوهامه.
………….
في منزل طلبة زكريا
انسحب بخطوات متوجسة نحو المرحاض، أغلق الباب خلفه بإحكام،
وأخرج هاتفه المرتجف من جيبه. أدار الرقم بسرعة حذرة، وما هي إلا لحظات حتى وضع الهاتف على أذنه، يبلع لعابه بتوتر، وهمس متوجسا : ايوه يا سعيد بيه.”
جاءه الصوت من الطرف الآخر، حادا جافا: خير يا طلبه؟”
ابتلع طلبة ريقه، وغمغم كمن يخشى وقع كلماته:
المجبره اللي شغالين يحفروا فيها انفتحت… بس مصطفي الچبالي اتحدتت وي چوده، وجاله يستنوا لما يحي يطلع من الجضيه.”
انفجر سعيد ضاحكًا، ضحكة صاخبة تحمل استخفافًا مريرًا: هما لسه عشمانين يطلع من الجضيه؟”
أومأ طلبة رغم أنه يعلم أن الآخر لا يراه، وقال مترددًا:
بيجولوا هيطلع… كلتها يومين.”
نهض سعيد من مجلسه بعنف كأن صوته ارتج من ثقل غضبه، وهدر: وه يا خبرك اللي زي وشك يا فجري!”
أطبق طلبة شفتيه وهو يتصبب عرقًا، وغمغم في خضوع: هنعمل إيه دلوق…؟”
سكت سعيد لحظة، كأنما يخط خيوطًا في الظلام، ثم رد ببطء مقيت: خلي عينك وسط راسك… عايز أعرف اللي بيدور في دماغهم جبل ما يچري على لسانهم. فاهم يا طلبه؟”
- فاهم يا سعيد بيه.”
- ابجي عدي بكره… خد اللي عايزه من الدار.”
أشرق وجه طلبة بابتسامة زائفة، وهتف بصوت يقطر تملقًا:حاضر… خيرك سابج يا سعيد بيه.”
أنهى المكالمة بارتباك ظاهر، ومسح عرقه بكفه وهو يزفر بعمق. فتح باب المرحاض وخرج، فإذا بزوجته فاطمة واقفة تنتظره، تنظر إليه بدهشة مرتعشة. تجاهلها محاولًا الخروج، وهتف ببرود متكلف: اعملي كوبايه شاي يا فاطمه.”
لكنها لحقت به، قبضت على ذراعه بقوه مرتجفة، وهتفت:
استني إهنه!… مين سعيد بيه ديه؟ وليه بتكلموا في الحمام؟”
تلجلج طلبة،وعيناه تتفادى نظراتها، وصوته خرج مكسورًا: د… ديه واااحد تبع الشغل… ومالكيش صالح.”
ازدادت دهشتها، رفعت حاجبيها وهتفت: اوعك تكون بتكلم ولد الدشناوي!… إنت خابر زين النار اللي جايده بينهم… ومحدش خابر ليه عدوتهم من أصلوا.”
صاح طلبة بعنف ليواري ارتجافه الداخلي: وانا ماليش صالح! يجطع ديه علي دول.”
تمسكت بذراعه بشدة، عيناها تغرورقان بالدموع، وصوتها خرج ممزوجا بالغضب والرعب: يجطعهم… بس متجطعناش معاهم! حرام عليك… عيالك! لو چرلك شين مين يربيهم؟ أروح فين؟ وأچي منين في الدنيا وحدي؟”
سحب يدها برفق هذه المرة، وربت على رأسها كمن يريد أن يسكن خوفها، وقال بلهجة متماسك ظاهرًا، مهتز باطنا: متتخلعيش… أنا خابر كل ديه زين. وانا مليش صالح بود الدشناوي ولا غيره. استهدي بالله… وروحي اعملي شاي.”
أطرقت برأسها، تمسح دموعها بكفها، وغادرت وهي تهمس بحرقة دامعة: لا إله إلا الله، محمد رسول الله… هات العوجب سليمة يا رب.”
جلس طلبة في مكانه، مسح لحيته بيده المرتجفة، وحدث نفسه بصوت خافت يقطر خوفا ويأسا:استرها يارب… ويعدي مشوار المجبرة ديه علي خير… وهاخد عيالي واسيب البلد… واهج.”
………..
في قرية الجبالي،
دلف مصطفى من بوابة القصر العتيق بسيارته ، وصفها على عجل دون اهتمام، ثم ترجل منها وهتف بصوت الجهوري: عواد… عووواد!”
أسرع الخادم يركض نحوه وهو يلهث: نعم يا مصطفى بيه!”
ألقى له المفاتيح وغمغم بصرامة: اغسل العربية زين… عشان كانت مركونة في الجبل.”
أومأ عواد برأسه مطيعًا: أوامرك يا بيه.”
تحرك مصطفى إلى الداخل بخطوات متعجلة، ودلف إلى البهو الكبير وهتف: محمد… قمر! إنتو فينكم عاد؟”
خرجت بدور من المطبخ وخلفها هدي، وهتفت بصوت غامر بالشوق:وه چيت يا مصطفى… حمد الله بالسلامة يا حبيبي!”
نظر إليها مصطفى نظرة حاول أن يخفي اشتياقها، وغمغم: الله يسلمك يا بدور… العيال فين؟”
أشارت برأسها مبتسمة: فوج لستهم نعسنيـن.”
اقتربت هدي بخطوات مفعمة بالترحاب وقالت:حمد الله بالسلامة يا ولد خالي… وكيفه جابر ويحي؟”
أومأ مصطفى وأجاب بصوت مطمئن: الله يسلمك يا هدي… جابر زين، ويحي كلاتها يومين ويطلع بالسلامة… اطمنوا.”
تحرك بخطواته نحو الدرج وهتف: هسبح… يكون چدي صحي، وحضرتوا الفطور.”
أومأت هدي برأسها قائلة: حاضر.”
ثم لكزت بدور بخفة وغمغمت في أذنها: ارمحي وراه يا ملكومة… روحي صلحيه… مصطفى غليان كيف العيل الصغير… كلمة تجيبه وكلمة
توديه.”
اكتفت بدور بابتسامة مرتجفة، وأومأت في استسلام، ثم أسرعت تصعد
تصعد خلف مصطفى…
دخلت جناحهما، فوجدت ملابسه ملقاة على السرير، وصوت خرير الماء يعلو من المرحاض…
اقتربت من الباب بخطوات مترددة، ثم دفعت نفسها تدلف إلى الداخل…
كان مصطفى يقف تحت الماء، يسند كفيه على الجدار في استرخاء متوتر،
يترك للتيار أن ينساب على جسده العريض… وقفت خلفه للحظة، ثم نزعت ملابسها ببطء، وفي عينيها بريق خبث محبب. عضت شفتها وهي تنسحب إلى الكابينة، لتلتحق به…
مررت كفيها على ظهره المبتل، ثم أحاطت خصره بذراعيها، ليلتصق صدرها المرتجف بظهره الساخن.
فتح عينيه ببطء، ونظر إلى يديها المستقرتين على صدره، وتنهد بحرارة. غمغم بصوت حاول أن يكون ثابتا:
بدور…”
أومأت برأسها، وهمسة، وشفتيها تلامس جلده: أمم… بدور يا نور عيني.”
أغمض عينيه، يحاول أن يمتلك أعصابه، ثم تمتم بحدة خافتة: مش هتضحكي عليا بحركاتك ديه.”
ابتسمت بعبث طفولي، ودارت حوله بخفة، وانسابت بين ذراعيه. أحاطت عنقه بأنفاس لاهثة وهمسة أمام شفتيه:
طب إكده… يا عمر بدور؟”
بلع لعابه بصعوبة، وصوته يتفتت: ولا إكده…”
نظرت له باشتياق يشتعل بعينيه ولم تنتظر. التهمت شفتيه بقبلة جائعة؛ قبلة تحمل مرارة الغياب، وحرقة الفقد، ورغبة امرأة لم يعد يشبعها سوى رجلها…
التهمته كما يلتهم العطشان ماء الحياة، تشبثت بشفتيه بقوة، كأنها تخشى أن يفر منها، أو أن يتركها مرة أخرى.
كانت قبلة اعتذار ومصالحة، لكنها أيضا قبلة امتلاك؛ جوع قديم تفجر كله في لحظة واحدة.
اندهش مصطفى للحظة تحت قوة اندفاعها، لكن سرعان ما انهزم كل صموده بين ذراعيها…
ورد على قبلتها بلهفة رجل جائع مثلها، كأنهما كائنان يلتهمان بعضهما خوفا من أن يتبخرا إن تراجعا.
ضغط بذراعيه العريضتين على ظهرها، يلصقها به حتى لم يعد بينهما فراغ….
سالت المياه على وجهيهما، تختلط بملوحة دموع صغيرة لم يلحظها مصطفى وهو يغرس أصابعه في شعرها، يتشبث به كمن وجد أخيرًا ملاذه بعد تيه طويل.
انفصل عنها لحظة يلهث، وحدق في عينيها المبللتين كأنه يبحث عن اليقين وهمس: بدور… انتي جايه تصلحيني… ولا تضيعيني فيكي أكتر؟”
ابتسمت وهي تلهث، وراحت تلامس وجهه براحتها المرتعشة وهمسة : أنا جايه أرچعك لي… أرويك كيف أنا عطشانة ليك.”
لم يمهلا نفسيهما أكثر؛ التصق شفتيهما من جديد، لكن هذه المرة كانت قبلة أعمق، أبطأ… قبلة تذيب الحواجز، قبلة لا تعرف سوى الصدق…
تحسست أنفاسه الساخنة تنغرس في رئتيها، وانسابت أصابعها على صدره، تتبع عضلاته المشدودة بارتعاش شهواني، كأنها تتأكد أنه لها وحدها.
حملها بين ذراعيه فجأة، أوقف اندفاعها باندفاع أكبر، رفعها عن الأرض حتى التصقت ساقيها بجسده، والحميمية بينهما تتصاعد كالنار التي لا يوقفها مطر.
لم تعد القبلة مجرد مصالحه… كانت إعلان امتلاك، عودة روح لروح، ونار مشتعلة في قلب ماء منهمر.
حمله مصطفى كأنها لا تزن شيئًا، وفتح الكابينة بجسده دون أن يترك شفتيها…
التصقت به بدور بكل جوارحها، تتشبث بعنقه كأنها تخاف أن يسقط من بين يديها إن تراخت لحظة…
وضعها فوق الرخام المبتل، ووقف أمامها يتأملها، مبللة، مرتعشة، عارية من كل شيء إلا شوقها.
كانت عيناه تلتهمانها قبل أن تلتهمها يداه؛ مر بكفيه على كتفيها، ثم ضغط علي نهديها بكفيه..
ارتجف جسدها تحت أنفاسه، ثم عاد ليغرق في فمها بقبلة أعمق، قبلة جائعة تشبه الغرق في بحر بلا قرار.
ولسانه يقطحم فمها بعنف سحب لسانها بين شفتيه وراح يمتصه حتي كأد يقطعه بين أسنانه
تأوهت بدور بين شفتيه، وصوتها المبحوح أشعل ما تبقى من صبره. أحاط خصرها بيديه القويتين، جذبها إليه بقسوة حنونة،
حتى شعرت بنبضه يتوحد مع نبضها… كانت لحظة لا تحتمل التأجيل؛ لحظة نزع فيها كل ما بينهما من خلاف، وترك فقط الجسد يترجم شوق الروح.
انحنى عليها، يوزع قبلاته على عنقها ، على كتفيها، على نهديها الذي ارتجف بين شفتيه. ارتفعت أنفاسها لاهثة، ممزوجة بضحكة صغيرة باكية، وهمسة كأنها تعترف بخطيئة: اتوحشتك جوي جوي يا حبيبي ..
أطبق عليها بذراعيه، همس في أذنها وهو يذوب معها:
وأنا من غيرك ميت يا بدور.”
اندفعت اللحظة بينهما كعاصفة لا ترد، انزلق الي أنوثتها وجثي بين فخذيها وراح يلعق شهدها بلسانه شهقت ورتجف جسدها وتراجعت للخلف وانغرست يدها بين خصلات شعره المبلله وشهقتها ملاءت اركان المرحاض
حتي ارتجف بعنف واتت بماءها الذي لعقه مصطفى لآخر قطره ارتفع وسحبها بعنف واقتحمها بشراسه وجوع قديم تفجر، وحنين مكبوت وجد سبيله. .
ارتفع صوتهما متداخلًا، أنفاس مصطفى وزمجراته اختلطت مع أنين بدور واهاتها ونداءها : اااه يا مصطفى كنت هموت عليك
دفع بداخلها بعنف جعل ظهرها تقوص وغمغم بأنفاس متقطعة: أنا هموتك بطلي تجولي مصطفى بصوتك الممحون ديه يا بت ..
ضمت ساقيها حول خصره وقربت نفسها منه وكأنهم جسد واحد ..وبدأ أجسادهم تتراقص بحتكاك كالشرر
حتى بلغا الذروة معا؛
ذروة لم تكن جسدية فقط، بل انصهار كامل، عودة رجل وامرأة إلى بعضهما كما لو أنهما لم يفترقا يومًا…. حتي قفز داخلها كالجمرات وغمغم : اسبوع يا بت لما چسمي كان چايد نار!
ظلّ مصطفى يطوقها بذراعيه كأنه يخشى أن تذوب من بين يديه، يدفن وجهه في عنقها، يتنفسها بعمق حتى خمدت العاصفة في قلبيهما.
أما بدور، فكانت تمسد شعره براحتيها المرتجفتين بحنان يشوبه خوف، كأنها تستميت لتثبت اللحظة، تخشى أن تنزلق من بين أصابعها كما ينزلق الحلم عند اليقظة…
انهمرت دموعها على وجنتيها وهمسة بصوت مبحوح:
حجك عليا يا حبيبي… مش هزعلك تاني.”
أطبق مصطفى ذراعيه أكثر، ورصع كلماتها بحنانه المتألم، مرددا والمرارة تتخلل صوته: يا جلبي… أنا خايف عليكي وعلى بيتنا وعيالنا… أي تنين بيدخل بيناتهم تالت… حياتهم تتشندل وتخرب.”
أومأت بدور برأسها، وأجابت بأنفاس مرتعشة، كأنها تعترف بخطيئة صغيرة: عندك حج… بس أنا كنت أشاور أمي، عشان بدي أوجف الوسيلة…
نفسي أچيب منك عيال كتير يا مصطفى… عشان بحبك جوي.”
تنهد مصطفى تنهيدة طويلة، صوته يتكسر بين ضلوعه، وغمغم ساخرة: يعني أمك هي اللي هتـ*** فيكي… عشان تحبلي؟ ولا أنا اللي بيتهد حيلي!”
عضت بدور شفتها، وضربته بمرح خجول وهتفت:
يا قليل الحيا! أمي كيف يعني؟!”
قهقه مصطفى بخفة وهو يمرر يده علي أنوثتها حتي جعلها تختنق بالارتجاف، وغمغم بصوت عابث: خلاص يا بت… شاوري اللي هيـ**، ويشجي في الكـ ديه.”
شهقت بدور تتنفس بصعوبة، وقبضت على يده لتوقف جنونه، وغمغمت بأنفاس لاهثة: وه… كفايه! عاوزه أنزل أحضر الفطور مع هدي.”
أراح وجهه على صدرها، يدفنه بين دفئها، وهمس بصوت متشبث: طب… نكملوا في العشيه يا بدر البدور .”
أومأت بخجل طفولي، فضحك بعذوبة، ثم شدها معه عائدًا إلى الكابينة. هتف وهو يفتح الباب: تعالي… يمكن المايه تطفي نارنا شويه يا بت.”
قهقهت بدور بغنج يليق بأنوثتها، وانسابت بين ذراعيه تحت خرير الماء، فأغلق مصطفى الكابينة، تاركا للماء أن يسيل على جسديهما المشتعلين بجمر العشق، كأن المطر يبارك مصالحة الروحين قبل الجسدين.
ووووووووو
ساحره القلم ساره احمد

رووووعه رووووعه تسلم ايدك
البارت 🔥🔥 جامد جدا ولا اروع 💪💪 تسلم ايدك ياقلبى 🥰🥰
تحفه كالعاده ❤️❤️