ييبب
فتنه في عرين الجابر

فتنه في عرين الجابر (الفصل الثالث)

فتنه في عرين الجابر (الفصل الثالث)

الفصل الثالث
عض جابر شفتيه بغيظ مكتوم، وتحرك خلفها بخطوات متوترة، وقبض على ذراعها بعنف قبل أن تصل إلى السيارة، وحاصرها بينه وبين هيكل السيارة الضخم، وهدر بصوت مشحون بالتهديد: أوعاكي يكون عجلك صورلك إني هسيبك لحالك… أنا هكدرك في عيشتك!

دفعته بقوة، ولكزت صدره بعنف، وصاحت بتحدي: اعلي ما في خيلك اركبه يا أسيوطي!

قبض على يدها وضغط عليها بإحكام، وغمغم بصوت حاد ومليء بالتحذير: لاه… خيلي عالي جوي يا فتنة، ولو ركبته هعفصك بيه.

ضحكت ببرود حاد، ضحكة رنانة، رفعت الدم في رأس جابر حتى كاد يفقد صبره. كتم فمها بيده، وغمغم بصوت حاد كالشفره: وه… اكتمي! ضحكتك ديه!!

التقي سحر عيناها البارد كحد السيف، بعيناه  المشتعلتين بجمر متأجج …

التهاما ملامحها بلا رحمة… وبلع جابر لعابه، وعيناه تتفحص كل زاوية من ملامحها، وكأنها تتحده بصمتها.

أغمضت عينيها، وتتنفس بصعوبة، وسحبت يده عن شفتيها وهمسة : المرة اللي جاي تهديدك مش هعديه بالساهل.

قبض على وجنتيها برفق يشوبه الغضب ، واقترب من أذنها وهمس بصوت أجش :  المرة اللي چايه مش هيكون تهديد واصل يا فتنه السيوفي.

مررت عينيه على منكبه العريض، ثم رفع عينيه إلى وجهها بنزق، وهمس ببرود: مش هرد عليك بكلام كتير… ردي هيوصلك عملي.

دفعته ببرود قاتل، وغمزته بتحدي، وصعدت السيارة، وانطلقت بسرعة، تاركة خلفها قلب جابر يتأجج بالغضب والشغف في آن واحد.

اقترب منه مصطفى، وغمغم بنبرة نصف مستهزئة: ديه كان تهديد ولا تحرش يا چابر؟

نظر له جابر بعينين تتقدان بالشرر، وغمغم بصوت منخفض محمل بالغضب: التنين… عنيدك مانع؟!

تحرك جابر نحو السيارة، وخلفه مصطفى بخطوات متوترة. هتف عزيز بنزق، محاولة ضبط الوضع: كده مش هينفع يا جابر… فتون السيوفي مش هتيجي بالطريقة دي أبدا.

سند مصطفى على السيارة بتعب، وغمغم: يا چدعان… احنا لازم نضرب على الحديد وهو سخن.

أومأ جابر برأسه بحزم: أنا هدشمل الحديد، وهخليه يولع… وهشكله على يدي كيف حتة العچين.

لكزه مصطفى، وصوته يفيض بنفاذ صبر:  يا چابر يا ولد أبوي… أنا بتحدت على الجضية مش علي كوكتيل المزز.

لكزه جابر بحنق، وغمغم: لم لسانك يا مصطفى… متخلنيش اتخوت عليك عاد!

وقف عزيز بينهم، وهتف بقلق:يا جدعان… انتوا هتجنوني… إحنا في مصيبة.

أشار له جابر بيده بحسم وغضب، وهدر: وانت چيت متأخر ليه… يحي يوجف جدامها بطوله كيف المجطوع؟

هتف عزيز بتوتر:العربية عملتها معايا أول مرة… مش بيدي.

نظر له جابر بطرف عينه وغمغم:  شكلي كده هعملها أنا وياك يا عزيز.

ثم التفت إلى مصطفى بنبرة حازمة: تجب وتغطس وتچبلي جراره فتون السيوفي النهردة… مفهوم؟

أومأ مصطفى برأسه بثقة: ساعتين زمن… وجصة حياتها هتكون في عبك يا أخوي.

تحرك مصطفى نحو سيارته، وصعد وانطلق بها بسرعة، كأن كل لحظة تأخير ستفقدهم زمام السيطرة.

تحرك جابر خلفه، وهتف: عزيز… الدور الجاي حضر نفسك زين… هطلع من هنا، ويحي في يدي… أو هدخلك مكانه.

ضحك عزيز بصوت عالٍ، متأرجح بين التوتر والمرح: بلاش القلبة السودا دي يا أسيوطي!

صعد جابر سيارته، وغمغم بصوت منخفض حاد: غور من خلقتي… يجطع عمرك.

انطلق جابر بسيارته، والهواء يهدر من حولهم، فيما ظل صوت ضحكت فتون تتردد في عقله، كأنه خلفية فوضوية لمسرح القهر والسيطرة التي يحياها جابر.

  ………
حل المساء على شقة عبد الرحمن السيوفي، وكان الجو هادئًا إلا من صوت الملاعق وهي تضرب حواف الأطباق.

جلس عبد الرحمن إلى المائدة يراقب ابنته التي كانت تقلب الطعام في طبقها ببطء، وكأنها تأكل بشرود أكثر مما تأكل بجوع. قطب حاجبيه بدهشة، ثم قال بنبرة أبوية يغلب عليها القلق :  مالك يا فتون؟… سرحانة في إيه؟

رفعت رأسها نحوه، وارتسمت على شفتيها ابتسامة باهتة لا حياة فيها، وقالت بصوت متكلف: ولا حاجة يا بابا… بس عندي قضية جديدة، والمتهم فيها غريب اوي.

أسند عبد الرحمن ذراعيه على الطاولة، ونظر إليها بتركيز وقال:غريب إزاي يعني؟

أطرقت فتون قليلًا، ثم رفعت منكبيها بلا مبالاة ظاهرية، بينما عينها توحي بعكس ذلك، وقالت:مع إنهم قبضوا عليه متلبس… بس كان واقف ادامي ثابت، وعيونه باردة أوي.

تدخلت ياسمين، وقد ارتسمت الدهشة على ملامحها: اسمه إيه يا فتون؟ وقضيته إيه؟

قهقهت فتون بخفة، محاولة إخفاء توترها، وقالت ممازحة: إنتي هتشغلي المحامية اللي جواكي عليا ولا إيه؟

ضحكت ياسمين هي الأخرى، ثم ردت: لأ، مجرد فضول.

أومأت فتون برأسها، ثم أجابت بجدية: اسمه يحيى منصور الجبالي… وقضيته مخدرات.

هزت ياسمين رأسها بإعجاب عفوي، وهمسة :  يحيى منصور الجبالي… اسم فخم أوي، تحسي كده فيه كاريزما.

عقدت فتون حاجبيها بحدة، ثم التفتت إليها قائلة باستنكار: بتقولي إيه؟

أسرعت ياسمين تنفي، وهي تغمغم:  ولا حاجة.

لكن عبد الرحمن قطع الحديث بنبرة جادة، وهو يضرب بيده على الطاولة قليلًا: الجبالي بتاع قنا؟

رفعت فتون منكبيها بجهل واضح، وقالت: معرفش منين… بس هو صعيدي.

هز عبد الرحمن رأسه بثقل الذكريات، وصوته يختلط بين الحذر والغضب:هو ابن منصور الجبالي… راجل جبار من قلب قنا… عرفته من تلاتين سنة، لما مسكت قضية تخص ابنه مختار الجبالي… بس وقتها مختار كان بريء.

شردت فتون قليلًا، كأن كلمات أبيها تفتحت داخلها على أبواب لم تكن تعرفها، وهمسة: يعني يحيى ابن منصور الجبالي… وأخو مختار؟… يعني ممكن يكون بريء.

لكن عبد الرحمن هز رأسه نافيًا، وصوته ينضح بالحزم:
مش شرط… مش معنى إن أخوه كان بريء… يبقى هو بريء.

اقترب منها أكثر، وتمعن في ملامحها التي بدا عليها الارتباك، ثم قال بحزم أبوي: إيه اللي حصل؟… أول مرة أشوفك مشوشة كده.

رفعت رأسها بثبات مصطنع، وقالت بلهجة حاسمة: لأ، مش تشويش… بس شكلهم مش سهل… والمرة دي مش هتعدي زي كل مرة.

مد عبد الرحمن يده وربت على يدها بحنو يغلفه الصرامة، وقال بنبرة دافئة: متخافيش… أنا في ضهرك.

رفعت يدها وربتت على كفه برفق، وعينيها تلمعان بامتنان، ثم همسة: عشان كده ضهري مسنود… يا بابا.

….
في فيلا جابر الأسيوطي

حيث يتشابك الصمت مع رهبة الجدران، خرج جابر من المرحاض يلف حول خصره منشفة بيضاء، فيما لازال بخار الماء يلتصق ببشرته الساخنة…

كان صوته أجش وهو يمد يده إلى هاتفه المحمول، يغالب النعاس والثقل، وغمغم : كيفك يا چدي؟

انبعث صوت منصور الجبالي من الطرف الآخر، صوت شيخ تكسرت في نبراته قسوة السنين وحنو الأجداد، ورد: الحمد لله يا ولدي… كيفك؟ وكيف خيك وعمك يحي؟

جلس جابر على طرف الفراش، يطأطئ رأسه وكأن هما أثقل كاهله، ثم تمتم مطمئنا:زين يا چدي… كليتنا بخير. ويحي كلها سبوعين والجضية تموت.

لكن منصور لم يرض بهذا الرد، بل قطب حاجبيه خلف سماعة الهاتف، وقال بنبرة غضب لا تخطئها الأذن:كيف يا ولدي؟ مش كان هيجف جدام النيابة النهرده؟ چري إيه؟

لم يكد جابر يفتح فاه ليجيبه حتى دلف مصطفى، يحمل زجاجتين من الجعة، وغمغم بصوت متهكم :الحرمة طسته سبوعين يا چدي… وطستني أنا في جلبي.

انطلقت ضحكة خافتة من مصطفى، سرعان ما قطعها جابر بركلة إلى ساق مصطفى، وزمجر بحدة مكتومة: هشوجك يا ولد بشاير.

كتم مصطفى ضحكته واندس بجانبه، بينما جاء صوت الجد عبر الهاتف كالرعد:كيف حرمة يا ولدي؟… على آخر الزمن حرمة تحبس ولد الچبالي؟… كن الجيامة هتجوم!

هز جابر رأسه بيأس، محاولًا امتصاص غضب الجد، وقال بلهجة مسالمة: يا چدي، محصلش حاجة… إنت خابر مصطفى زين… يحب يهزر.

لكن منصور لم يقتنع، بل علا صوته أكثر، حانق: أنا هدل مصر من عشيه… وأقطع الحديت ده من چدوره!

هب جابر واقف فجأة، كأن النار اشتعلت في عروقه، وهتف بعناد جلي: لاه يا چدي… متتعبش حالك. الجضية ماتت… وشبعت موت خلاص.

ارتفع زفير الجد من سماعة الهاتف كالزلزال، وهدر: خد بالك يا ولدي… ضربة بالمرزبة ولا ألف بشكوكش.

عندها اسودت عينا جابر بشرر حارق، واندفع صوته غليظا: هو دي اللي هيوحصل يا چدي.

قبض منصور على عكازه، وقد بدا كأن صدى ضرباته يتردد في الأثير وهدر: مين اللي وشى على عمك يا چابر؟

اشتدت حدة ملامح جابر، واحمرت عيناه كالجمر، وزمجر بوعيد قاتل: هچيبه تحت رچلي يا چدي… وساعتها الموت هيكون أمنيته الوحيدة… مع السلامه ..

أغلق الهاتف بعنف، وقذف به إلى الأريكة، ثم زمجر وهو يحدث نفسه: بكره تنفذ جامعة الحجوج.

ساد الصمت لحظة ونظر له مصطفى وتمتم بحنق واضح:
من متى بندخل الحريم ف شغلنا يا خوي؟

زفر جابر بضيق، يتأمل سقف الغرفة وكأنما يحاول أن يبتلع الغضب المشتعل في صدره، ثم أجاب بصرامة: لما هما يدخلوا منخيرهم في اللي ملهمش فيه يا مصطفى.

رفع يده بإشارة حاسمة، كمن يرسم خطا لا ينبغي تجاوزه، وهتف بلهجة آمرة:بس زي ما وعيتك… ولا تزود حرف ولا تنجص حرف.

أومأ مصطفى مستسلم ، رافعًا كفيه وكأنه يعلن براءته:
ولا أچود.

لكزه جابر بحنق، وصوته ينزل غليظا كالسوط: أيوه… تكتم.

جلس جابر بعدها متثاقلًا، سحب زجاجته، ارتشف منها رشفة طويلة، ثم قال وهو يميل برأسه: هضربلك ماية طلقة تحية… بس لو نفذت من غير ما تچود من عندك.

ضحك مصطفى بعبث، وكأن التهديد لم يزده إلا مرحا، قبل أن يقول متعجبا: بس غريبة يا چابر… أول مرة أچي ألاقي الفيلا فاضية من مزتك العرفي.

ارتشف جابر جرعة أخرى، وعيناه تلمعان ببريق بارد، ثم تمتم: جطعت الورجة وغارت لحالها… وأنا معاها وچاني خبر يحي.

قهقه مصطفى كعادته، يخلط الجد بالهزل، وقال بنبرة ساخرة: نفسي أفهم… إيه غيتك في چواز البنات عرفي؟ لازم تكون بت بنوت ليه؟

ارتفع حاجب جابر بحدة، ونطق ببرود ممزوج بالاحتقار:
محبش المستعمل… أحب الحرمة اللي تيجي تحتي… أكون أول راجل يتفرد شعرها ع ضهره.

وضع مصطفى زجاجته على الطاولة، وأجاب بجدية لم يعهدها جابر فيه: ومالها المطلج… ولا حتى الأرملة… طالما زينة وحلوة ومحافظة على حالها.

ارتسمت على وجه جابر دهشة ممزوجة بالتهكم، وهتف مستنكرًا: يا خوي، حلوة ليك .. أنا لاه، أنا حر … إنت شريكي؟!

هز مصطفى رأسه بيأس، وغمغم بصوت خافت لا يخلو من العتاب: لاه… بس منطج غريب جوي. هو إنت بعد كل اللي اتجوزتهم عرفي، غير المراتين اللي متچوزهم شرعي… وإنت إكده مش مستعمل يا راچل؟ عيب والله.

اشتعلت عينا جابر بلهيب الغضب، وهدر صوته كالبركان:
أنا راچل يا علـ…

قهقه مصطفى مقاطعًا، وقد ازدادت لهجته عبثا: نفسي أشوف فيك يوم يا أخوي مع واحدة تلففك حولين حالك.

لم يحتمل جابر، فقذف بزجاجته في وجهه، وهتف مزمجرًا: فظ من جدامي! هفلجك نصين يا كـ* أمك!

ضحك مصطفى ضحكة عالية، لم يأبه بتهديده، ثم نهض ببطء وتوجه نحو الدرج، وهو يقول ببرودٍ ساخر: وامك يا عم… أنا رايح أنام… عندي چامعة الصبح.

لكن جابر لم يتركه دون أن يطلق زجاجة أخرى باتجاهه، صائحًا بغضب مكتوم: طب ارمح بدل ما أجملك.

وغاب صوت مصطفى مع وقع خطواته، تاركًا الفيلا غارقة في ثقل الصمت، بينما جابر وحده يشتعل بنار لا تنطفئ.

…….

في قسم الشرطة

كان الهدوء مشوبًا بصفير أجهزة التكييف ووقع أقدام متقطعة في الممر الطويل.

دلف مدحت إلى مكتب علاء بخطواتٍ واثقة وابتسامة مائلة على شفتيه، ثم قال بنبرةٍ متباهية:شوفت يحيي الجبالي؟ خد خمستاشر يوم… عملتها فتون قلبي.

رفع علاء حاجبه بدهشة ممزوجة بالسخرية، وأجابه ساخرًا: فتون قلبك؟ جاك وجع ف قلبك يا شيخ! دانت لسه جاي من عند واحدة شمال… قلب إيه يا أبو قلب؟

قهقه مدحت، وهز رأسه بمرح مصطنع: لا… ما هو نصي اللي فوق مالوش دعوة باللي تحت.

زفر علاء بغيظ ظاهر، وضرب بيده على المكتب قائلاً: الله يخدك… أنا كان مالي ومالك بدماغك دي!

نهض مدحت من مكانه ببطء، اقترب بخطوات متراخية، وقال بعبث واضح:مالها دماغي؟… مريحاني.

صفع علاء كفا على الآخر، وهتف بحدة:بطل كذب يا مدحت! دماغك مش مريحاك ولا أي حاجة… بالعكس! دي ضيعت منك فتون… أنا مش عارف إزاي متحمل إن واحدة زي فتون دي تبعد عنك… بعد ما كانت مراتك.

تشنجت ملامح مدحت فجأة، وانتفضت عروقه بالغضب، وهدر صوته كالنار:بلاش تجيب سيرتها تاني يا علاء! فتون كانت مراتي… وهترجع مراتي غصب عن الدنيا كلها… وغصب عن فتون نفسها.

ابتسم علاء ابتسامة نازقة، كأنها طعنة ساخرة، ثم تحرك نحو باب المكتب بخطوات هادئة وقال: مش عارف جايب الثقة دي منين… بس مصيرك هتاخد قلم يفوقك يا مدحت بيه.

وما إن أغلق الباب خلفه، حتى جلس مدحت على الكرسي وقد اشتعلت عيناه ببريق مسموم، وتمتم في سره: عارفك يا علاء… معجب بفتون من وقت ما كانت على ذمتي… شوفت الحسرة في عنيك كتير… وبرضه شوفت الفرح يوم ما طلقتها… الفرح اللي معرفتش تخبيه… بس ماشي… الصبر حلو… ومصيري أحسرك تاني… لما فتون ترجعلي.

قطع حبل أفكاره رنين هاتفه الموضوع على المكتب. مد يده بخفة، التقطه، ونظر إلى الشاشة قبل أن يبتسم بعبث غامض: أهلا أهلا.

جاءه الصوت على الطرف الآخر حانقا، يقطر غضبًا: ولا أهلا ولا زفت! لي يومين أرن عليك مش بترد! ليه؟… إنت عارف أنا عملت إيه عشانك؟

أغلق عينيه لثوان، وزفر بحدة، قبل أن يجيب بصوت مموه بالحنان:عارف يا حبيبتي… وأنا مش ناسيكي…. بس إنتي عارفة إني ماسك قضية كبيرة… واخدة كل وقتي.

انفجرت فراولة من الطرف الآخر صارخة بنزق:وأنا يا مدحت؟!… ولا خلاص خدت اللي إنت عايزه وخلصت حاجتي؟

ارتفع حاجبه بخبث، وابتسم ابتسامة ثعلبية، قبل أن يجيبها بصوت دافئ مصطنع: أنا؟! لاااا… أخص عليكي! أوعي تقولي كده… أخلص بس من قضية ابن الجبالي… وهتزهئي مني.

انخفض صوتها فجأة، وهمسة بخضوع شفاف:إنت عارف إني بحبك… وعمري ما أزهئ منك أبدًا يا مدحت.

ارتسمت على شفتيه ابتسامة انتصار باردة، وهمس:
وأنا كمان… يا فرولتي… وحشني موت الفراولة.

ضحكت بخفة مرحة، رنينها كضحكة طفلة مدللة، ثم همست بدلال: وحشني كلامك يا مضروب.

قهقه مدحت ساخرا، وختم المكالمة بتهكم:مضروب… مضروب! بس أعيش.

……..
في اليوم التاني صباحا
خرجت فتون من المدخل بخطوات متوترة، لكن عينيها تجمدتا حين رأته.
كان جابر مسندا ظهره إلى مقدمة سيارتها، كأنها ملك له،  جسده ساكن كصخرة، وعيناه تتفحصها ببطء فاضح …كما لو كان يقرأ جسدها قبل ملامحها… نظراته تتحرك داخل جسدها  كما تتحرك النار في حطبٍ جاف.،

لم تحب أن ترى ابتسامته تلك، ابتسامة باردة تشعرك أن العالم تحت سيطرته، وأنك مهما حاولت التملص… ستسحبين إلى دائرته.

انقبض صدرها بغضب يلتهم أنفاسها، واقتربت منه وهي تقذف كلماتها كالرصاص: أنا قولت مش هشوف خلقتك غير بعد خمستاشر يوم!

ابتسم بخفة كسكين تسحب من غمدها، وصوته نزل عليها بثقل متعمد: لاه… يحي خلاص جرف، وعايز يطلع. ومش هنستنى المدة دي.

ارتفع حاجبها بسخرية، لكن عينيها كانت تشتعل نارا:  لا يا شيخ؟ ده حكم نيابة… محدش يقدر يغيره غيري.

اقترب خطوة، حتى صارت المسافة بينهما كمسافة الشرارة من النار، وقال ببرود مميت:  عشان كده چيتلك… ودي آخر مرة… انا لبهدد ولا بوجف جدام مره.

اتسعت عيناها غضبا وصاحت : نعععععم؟ مره؟ مره يا حيوان!

كانت الكلمة كأنها كفا على وجهه، لكنه لم يتراجع، بل انقض عليها كذئب، شدها فجأة حتى اصطدمت بصدره، والتصق جسدها بصدره…. ضغط بخشونته على نعومتها، وأنفاسه اختلطت بأنفاسها حتى لم تعد تعرف أيهما يخصها…وضعت يدها على صدره في محاولة يائسة لتفصله عنها.

وغمغم بصوت، عميق كقاع بئر، اخترق أذنها :  أنا لو حيوان… كنت چبتك تحت راچلي من أول يوم… بس عشان أنا راچل…

ضحكت بخفة مستفزة، فانعقدت ملامحه، واشتعلت عيناه بوميض لا يخطئه قلب أنثى. وقال بزمجرة :  بتضحكي علي إيه يا مخوته إنتي؟

رفعت حاجبها، وعينيها تتحديانه كما تتحدى النار من يحاول إطفاءها:  هي الرجولة يا عمده إنك تهددني وتجيبني تحت رجلك؟ كده انت راجل؟

مال عليها حتى صارت شفتاه تلامس أذنها، وأنفاسه تحاصر عنقها وغمغم بصوت مشتعل :  تؤ… أنا بدي أفرچك الرجولة… تحتي.

اتسعت عيناها بصدمة وغضب، وانتزعت ذراعها، ثم صفعته صفعة دوت في المكان….

تجمد وجهه لحظة، وانكمشت قبضته، وانحنت شفتاه بابتسامة مجنونة، وفي عينيه خليط قاتل من الإعجاب والرغبة.

رفعت اصبعها بتحذير حاد وهدرت بصوت اخترق اللحظة كسوط: إنت شخص رخيص وحقير… ولو شفتك في طريقي تاني، أنا اللي هفرجك الرجولة.

قبض على عنقها فجأة، وجذبها حتى كادت شفتاه تلامسان شفتيها،  فاختل توازنها، ووجدت نفسها أسيرة بين قبضته وصدره، وهمس بصوت يقطر نارا كأن كلماته تلسع بشرتها:  فرچيني… يا فتنه يلا … انا لو مكتش راچل، كنت رديت عليك دلوق… الرد اللي هيكفيني… ويكيدك !!

ارتجف قلبها رغما عنها، وابتلعت لعابها في محاولة لكسر التيار الجارف بينهما، ثم دفعت صدره بكل قوتها، وابتعدت بخطوات صلبة نحو سيارتها، وصوت كعبها يقرع الأرض كقصف مدافع.
لكن قبل أن تبتعد بعجلاتها، وجدت جسده يقطع الطريق أمامها، وظله يسجنها في مكانها.

جحظت عينيها وصرخت: إنت مجنون! كان ممكن اخبطك!!

اقترب نحو نافذتها، وأشار بيده أمرًا. خفضت الزجاج، وأنفاسها سريعة، بينما هو يبتسم ببرود خطير:  ريحة نفسك ترد الروح… يا فتنه.

رفعت حاجبها بسخرية متوترة وغمغمت:  إنت مجنون… يا اسمك إيه؟

أومأ برأسه، كأنه يترك اسمه لغزا يتردد في عقلها، ثم عاد إلى سيارته، وانطلق كعاصفة، تاركا خلفه غبارا يعلق بثيابها… وبقلبها.

هزت رأسها بيأس وارتدت نظارتها، وضغطت على دواسة البنزين، لكن في داخلها، النار كانت قد اشتعلت… ولن تخمد بسهولة.
…….
في شقه عزيز ابو العزم
في صباح هادئ تسللت خيوط الشمس عبر ستائر غرفة النوم ..خرجت دنيا من غرفة الملابس بخطوات واثقة،

ترتدي بدلة بلون البيج، جيبها القصيرة تعلو الركبة وسترتها الأنيقة تحتها قميص أبيض ناصع. بدت جميلة بحق، وكأنها قد أعدت نفسها بعناية لترى.

على السرير، رفع عزيز رأسه المثقل بالنعاس، عيناه نصف مغمضتين، وتمتم بصوت متثاقل: دنيا… أطفئي النور… عايز أكمل نوم.

توقفت أمامه بدهشة، نظرت إليه مطولاً وقالت: إنت مش وراك محكمة النهارده؟

هز رأسه نافيًا دون مبالاة، وعاد يتمدد: لا… هروح المكتب بعد الضهر.

وقفت أمامه بانتظار كلمة، ابتسامة، أي تعبير يشي بانبهاره بجمالها، وهي تعدل وشاح عنقها لعله يلتفت إلى مظهرها…

غير أنه نظر إليها بصمت بارد، نظرة عابرة لا تحمل سوى الخواء. التهب قلبها، لكنها تماسكت وسألته بصوت مرتبك:
إيه رأيك في لبسي؟

أومأ برأسه بفتور وأجاب ببرود قاتل: شيك أوي.

اتسعت عيناها بدهشة ممزوجة بمرارة، وهمس: بس؟

أدار ظهره لها ببطء، وأغلق عينيه مستسلمًا للنوم من جديد، قائلاً بصوت خافت: آه… وأطفي النور… عايز أكمل نوم.

تجمدت دنيا في مكانها، وعينيها تلمعان بدموع مقهورة تساقطت تباعا. في تلك اللحظة أدركت الحقيقة التي كانت تحاول إنكارها طويلًا؛ أنها بالنسبة له لا شيء، وأن قلبه لم يسكنه حبها يوما. فالحب كما خبرته في الكتب والأحلام، غيرة وامتلاك، وشعور بأن هذا الشخص يخصك وحدك. لكن عزيز لم يبد لها يوما هذا الإحساس.

تحركت بخطوات متثاقلة، التقطت حقيبتها وخرجت من الغرفة، ثم من الشقة، مغلقة الباب خلفها بقوة مكتومة.

وبينما كانت تنتظر المصعد، خرج جارها المقابل، دكتور أيمن عادل، بملابسه الأنيقة وحقيبته الجلدية….

توقف بجانبها، ابتسامة عابثة على شفتيه، وقال بنبرة هادئة:صباح الخير.

أومأت برأسها سريعًا وهمسة: صباح الخير.

سار بعينيه متفحصًا إياها من أعلى رأسها حتى قدميها، نظراته تخترقها وقحة، تذيب ما تبقى من ثقتها…

شعرت دنيا بالحرج يتآكلها، وبدت تتململ في وقفتها. للحظة اجتاحها ندم مرير؛ أرادت فقط أن تشعل نار الغيرة في قلب زوجها،

لكنها أشعلت نارا أخرى، في قلبها هذه المرة، نار الدناءة والرخص.

انفتح باب المصعد، دلف أيمن أولًا، ثم أشار لها بابتسامةٍ
متصنعة: اتفضلي يااستاذه !!

توقفت دنيا، نظرت له لوهلة بعينين دامعتين، ثم أغمضتهما بقهر وهمسة:لا… لا، أنا نسيت حاجة… اتفضل حضرتك.

واستدارت راكضة نحو شقتها، بينما بقي أيمن يحدق خلفها بدهشة حتى انغلق باب المصعد أمامه.

دخلت دنيا شقتها مجددا بخطوات مضطربة، وانطلقت نحو غرفة النوم…

خلعت ملابسها قطعة قطعة وهي تنتحب بصوت مكتوم، وهمسة لنفسها وهي تبدل ثيابها: إنتي غلطانة… عشان كده تستاهلي واحد حقير يبصلك كده.

ارتدت بدلة سوداء كلاسيكية؛ بنطال واسع وسترة متقنة، تحتها قميص أبيض بسيط، ثم سحبت حقيبتها بيد مرتعشة، وخرجت مرة أخرى، لكن هذه المرة بوجه جامد يخفي وراءه بركان مكتوم…

…………….
في قصر الجبالي ..

كان الصمت يخيم على أركان المطبخ الكبير في قصر الجبالي، قبل أن تدلف نعمة بخطوات متثاقلة، عينان متثائبتان ووجه يشي بالضجر…

فتحت البراد وسحبت زجاجة عصير بكسل، ثم غمغمت باستخفاف: الوكل خلص.

رفعت هدى رأسها نحوها، وعيناها تقدحان شررًا، وهتفت بحدة: سيدة الجصر صاحيه بعد الضهر ولكي عين تسالي علي وكل!

زمت نعمة شفتها العليا في نزق واضح، وأجابت باستخفاف أشعل الموقف أكثر: أنا مليش صالح بالطبيخ، ديه شغل خدمين يا بت مندور.

اقتربت هدى منها بخطوات متوترة، ثم ضحكت ضحكة جرداء من المرح وقالت: انتي مش بعيد عنيهم يا نعمه. انتي دخلتي الجصر ديه عشان بس مزاچ چابر… وأنا اللي چبتك بيدي، فمتعشيش علينا الدور يا بت أبو الدهب.

اشتعلت نظرات نعمة بحدة، الغضب يتأجج في وجهها كاللهب، وهتفت بغل يقطر سمّا:أيوه چبتيني عشان مزاچ سي چابر… اللي انتي مجدراش تكفي زي أي مره بتكفي چوزها.

توهجت عينا هدى كجمر متقد، فقبضت على شعر نعمة بكل قوتها وسحبتها بعنف إلى الأرض، وهي تهدر بغضبٍ أعمى: إكده تعالي يا بت المركوب انتي!

صرخت نعمة بفزع، تتخبط محاوِلة الفكاك، تصيح بأعلى صوتها: سبيني! هجول لچابر يا هدي! يلهوووووي! الحجوني يا خلج! انچدوني يا هووو!

تراجعت الخادمات مذعورات، لا يجرؤن على التدخل، فيما ركضت بدور بسرعة وهتفت: يا كاسي! ليه إكده يا هدي؟!

اندفعت بدور تحاول رفع هدى من فوق نعمة، تصرخ برجاء: كفايه يا هدي! عيب يا بت عمي!

لكن هدى كانت قد فقدت زمام عقلها، قبضت على عنق نعمة، وغرست أسنانها في لحم منكبها حتى علت صرخة الأخيرة المذعورة: حوشي عني يا بدور! كلت لحمي! يا خلق! يلهوووووي!

صرخت هدى بعنفٍ وهي تهتز كالمجنونة : عارفه يا بت المركوب؟ انتي لو چبتي سيرتي تاني، هجيبك من شعرك وامسح بيكي بلاط حمامات الجصر كلته!

وأخيرًا، بعد جهد شاق، نجحت بدور في سحب هدى من فوقها، تصيح وهي تلهث:بكفياكم عاد! سبتوا إيه للعيال؟! عيب إكده!

لكن هدى واصلت ثورتها، محاوِلة الوصول إلى نعمة مجددًا: بت المحروق! بعد ما چبتها وچوزتها چوزي… رچل مكنتش تحلم تبجي خدامته… چايه تعيرني يا بدور؟! تعيرني أنا؟!

كانت نعمة قد تراجعت مترنحة، بالكاد قادرة على السير، تصيح بألمٍ ممزوجٍ بالمهانة: امسكيها يا بدور… دي كسحتني يا بوي!

اندفعت هدى مجددًا، تهدر كالوحش: انتي لسه شوفتي حاچه؟! دانا هاكلك بسناني نساير يا بت الكلب!

ركضت نعمة مذعورة نحو الباب، بينما تشبثت بدور بذراعي هدى، تبكي وتترجاها: بكفايه يا هدي… أحب علي يدك، اجعدي يا خيتي… استهدي بالله وصلي على حبيبك المصطفى!

جلست هدى أخيرًا، صدرها يعلو ويهبط بأنفاس متلاحقة، الدموع تتساقط من عينيها وهمسة:ا إله إلا الله… محمد رسول الله… اللهم صل عليك يا حبيبي… شوفتي؟ بعد كل ديه… أنا اتعاير في بيتي… ومن بت الحمار!

كتمت بدور ضحكة انفجرت في صدرها، وقالت وهي تحاول تهدئتها:اهدي يا هدي… ديه عيله طاجه… سيبك منيها… انتي جولتي… اهو أبوها حمار.

انفرجت شفتا هدى عن ضحكة باكية، وغمغمت بمرارة:
حمار… صوح… عشان خلف چحشه.

جلست بدور بجانبها، دموعها تنحدر ببطء وهمسة: بجلك يا هدي… اتصلي على چابر… نفسي أطمن على مصطفى… برن عليه مبيردش عليا.

نظرت إليها هدى بدهشة، وقالت مستنكرة:طب ما ترني على مصطفى طوالي!

هزت بدور رأسها بأسى، وصوتها مبحوح بالدموع: مهيردش عليا واصل.

رمقتها هدى بعيون ضيقة، وهتفت بحنق: هببتي إيه يا خيتي؟

تهربت بعينيها، قبل أن تعترف بصوت مرتجف:سمعني بكلم أمي… وحكتلها على المشكله… اللي بنتنا بتاعة وسيله منع الحمل.

جحظت عينا هدى، وصرخت بغضب لا يصدق: يا مرك! يا بدور! تاني؟ مفيش فايده في مخك الزنخ ديه؟! كام مره أقلك… اللي بينك وبين چوزك كيف الجبر؟! متى هتتعلمي يا بت عمي؟!

أجهشت بدور بصوت متحشرج، تقول وكأنها تستجدي الغفران: والله غصب عني… الكلام بيچيب بعضه… مهعرفش أمسك لساني… وبخر بكل حاچه إكده.

ضربت هدى كفّا على الآخر بذهول وغضب، وغمغمت:
يا كاسي! دانا هجطع حته من لسانك… عشان كليتنا نرتاح.

انزلقت دموع بدور أكثر، وهمسة بحزن مكسور: حجك عليا… هو لساني عاوز يجطع… صوح.

لين قلب هدى أخيرًا، فسحبتها إلى صدرها، تضغط عليها بذراعيها وهمسة بدموع مشوبة بحنان صلب:خلاص يا بت… حقك عليا… أنا خايفه عليكي… وحيات ولدي.

تمسكت بدور بها باكية، ورددت بصوت متهدج:أنا خابره يا خيتي… خابره.

أحد الأماكن السياحية

كان المكان يعج بالسياح، أصوات متداخلة بين ضحكات مرتفعة وضجيج مقاعد تسحب على الأرض المرصوفة…

جلست فتون على إحدى الطاولات المطلة على النيل، تحدق في فنجان قهوتها، تحرك الملعقة ببطء كأنها تحاول إذابة ما يثقل صدرها في السائل الداكن.

كانت عيناها غائرتين في شرود بعيد، حتى لكزتها صديقتها المقربة، دنيا، بابتسامة خفيفة، وقالت مداعبة: ياااه… روحتي فين كده؟

انتفضت فتون من شرودها، ثم هزت رأسها نافية، وهمهمت بصوت متعب:مفيش.

ابتسمت دنيا ابتسامة مريبة، وأردفت:  هو أنا مدحت عشان تقوليلي مفيش؟ ما تتكلمي على طول.

تشنج وجه فتون بحنق، كأنها تتذوق مرارة اسم لا تريد أن يذكر، وقالت بحدة:مبلاش السيرة اللي تحرق الدم دي يا ست.

قهقهت دنيا بخفة ساخرة، وقالت: للدرجة دي بتكرهي؟

أومأت فتون رأسها، وأجابت بصوت واهن، يتخلله أنين مكتوم:اسكتي يا دنيا… ده عيشني أسوأ أيام عمري. تخيلي لما شخص يمارس عليكي كل عقده النرجسية… من تملك مريض لغيره بشك… ده وصلني إني أشك في نفسي يا بنتي.

تنهدت دنيا عميقًا، وأسندت ذقنها على كفها، وقالت:
ساعات بحس إن الغيرة بشك أهون من البرود… وإنه دايمًا يحسسك إنك ملكيش قيمة، حاجة عادية جدًا عنده… لا يغير، ولا يهتم، ولا يراعي… افتكر إن ده أصعب بكتير.

اقتربت فتون من الطاولة، وضربت براحتيها عليها بغيظ مكتوم: الاتنين زفت والله يا دنيا!

أطرقت دنيا رأسها بحزن، وعيناها تلمعان بدموع قهرية، ثم غمغمت:  لا… لما تكوني مع جوزك، وحد يحاول يستظرف… وجوزك إزي واخد الموضوع طبيعي أوي، ولا كأن اللي بتتعاكس وبتتهان دي تخصه أصلًا… هتحسي إحساس بالرخص مش ممكن تتحمليه.

ارتخت ملامح فتون، ونظرت إليها بعطف عميق، وقالت بصوت خافت طيب… حاولي تتكلمي معه تاني يا حبيبتي، يمكن الكلام يجيب نتيجة.

هزت دنيا رأسها بالنفي، وأجابت بيأس ساخر: ده جبله… زي ما تكون أمه اتوحمت فيها على تلج.

انفجرت فتون بضحكة عالية، وقالت مداعبة: انتي عارفة كان عندي امبارح في قضية… وجاي متأخر، وأنا بهدلته.

ابتسمت دنيا ابتسامة مشوبة بالأسى، وقالت ا حسن… أنا والله خلاص بقيت بفرح فيه زي ما بتصعب عليا نفسي.

أومأت فتون موافقة، وهمهمت بحدة : والله كلهم عايزين الحرق… زي الزبالة بالظبط… عشان تتخلصي منها، تحرجيها.

أطرقت دنيا رأسها مرة أخرى، ولم تنطق، فقط أومأت في صمتٍ ثقيلٍ يضغط على أنفاسها وروحها، كأنها تحمل في قلبها حملاً لا يقوى على احتماله بشر.

……..

صباح اليوم التالي / أمام مدرسة زياد

كانت الطرقات مكتظة بالطلاب الخارجين في صخب طفولي،
بينما وقفت فتون بسيارتها علي عجل أمام المدرسة تتلفت بعينين يكسوهما القلق، ترجلت منها بخطوات مسرعة…

رفعت معصمها أمام عينيها وحدقت في عقارب الساعة، فشهقت بقلق وهتفت لنفسها:يا خبر اسود… اتأخرت على زياد أوي!

جالت ببصرها يمينًا ويسارًا، قلبها يخفق بعنف يصم أذنيها، ودمها يتسرب إلى أطرافها حتى كادت تفقد الإحساس بقدميها….

وما إن أبصرت صغيرها واقفًا مع رجل طويل القامة، عريض الظهر، حتى تجمدت في مكانها، كأن الأرض شلت قدميها، وبرودة لاذعة غزت أطرافها.

شهقت بحرقة، وانطلقت تجري نحوه وصرخت:ززززززياد!

التفت الرجل ببطء، فإذا به جابر الأسيوطي، يرمقها بابتسامة خبيثة، وقد تلألأت عيناه بتسلية جارحة وهو يغمغم ساخرًا: إكده يا فتنة؟ تتأخري على زيزو؟ تؤتؤ… غلط… ممكن حد ولد حلال يخطفه.

أطبقت ذراعيها على طفلها بقوة حتى التصق بصدرها، وأطلقت هديرًا غاضبًا يشبه زئير النمره المجروحه:
كنت أكله بسناني ده اللي بس يفكر يقرب من ابني! أدفنه مكانه… ولا يرفلي جفن. فاهم؟

ارتفع حاجب جابر، وغامت نظراته بلمعان غاضب، لكن صوته جاء باردا كحد السكين وحدق في أزرار قميصها المفتوحة قليلًا وقال : حتى لو عملتي إكده… هيكون فات الأوان… ومش هيرچعلك ولدِك تاني.

اقتربت فتون منه بخطوة جريئة، كأنها تستفز طاغية متعجرف… ورفعت إصبعها أمام وجهه، كمن يشهر سيفًا في وجه خصم غاشم، وغمغمت من بين أسنانها بوحشية:
لو مسيت شعرة من ابني… مش هيكفيني فيك ألف من عينتك… هشرب من دمك!

بلل جابر شفتيه ببطء، ولم يزح بصره عن حدود نهديها المرتجفين تحت أنفاسها المتسارعة… زفر بحرارة كأنها نيران، وهمس بنبرة تنضح عبثا: سمعتي عن الموت اللذيذ؟

قطبت جبينها باستفهامٍ ناقم، ولحظات نظراته الفجه لكنها لم تجب. فمد إصبعها، ورفع ذقنه قسرًا لتواجه عينيه، وصوتها يقطر تهكما:وإنت… سمعت عن الموت البطيء؟

تسللت عيناه في وقاحة سافرة على جسدها، نظراته تجردها من كل ستر، قبل أن ينفي برأسه بابتسامة ماجنة: تؤ… ممتش جبل سابڨ. بس الموت اللذيذ… لازم تموتي فيه.

دفعت صدره بلكزة قوية، وضمت صغيرها إلى حضنها، ثم بصقت كلماتها بغيظ وهي تبتعد: موتها تشيلك يا أخي… عشان أرتاح من أرفك!

ظل يراقبها، وعض شفته السفلى بعبث متوحش حتى صعدت سيارتها وأغلقت الباب بعنف، ثم انطلقت مسرعة كأنها تفر من قدرها.

أشعل جابر سيجارته ببطء، دخن منها نفسا طويلًا، قبل أن يتمتم بصوت غليظ مشبع بالوعيد: ماشي يا فتنة… لو ما عشجتيش الموت اللذيذ… مبجاش جابر الأسيوطي.

………  ……….

أمام الجامعة

خرجت ياسمين من بوابة الجامعة بخطوات متثاقلة، تتأبط حقيبتها الصغيرة وتعبث بهاتفها بكسل طفولي. انسابت كلماتها في أنفاس متبرمة وهمسة: يا سلام… لو فتون رضيت تيجي تاخدني كمان النهارده.

كان الشارع هادئا إلا من صخب طلاب متفرقين…
غير أن قلبها انقبض بغتة حين توقفت أمامها سيارة سوداء فارهة، انزلقت من بين الزحام كوحش يتربص بفريسة.

انفتح الباب الخلفي بحدة كفحيح أفعى، وترجل منه رجال ضخام الأجساد، عيونهم جامدة، وجباههم غليظة كالصخر.

تجمدت في مكانها، جحظت عيناها برعب فوري، وتراجعت خطوة إلى الوراء حتى كادت ظهرها يرتطم بسور الجامعة… شهقت مرتعشة وغمغمت بصوت مبحوح: في إيه؟! انتو مين؟

لم يمنحوها فرصة لالتقاط أنفاسها…. اندفع اثنان منهم نحوها كذئاب جائعة، قبضوا على ذراعيها بعنف حديدي، وارتفع جسدها عن الأرض كأنها دمية من قش.

صرخت، وتشبثت بحقيبتها، حاولت أن تركل الهواء بقدميها ، لكن قبضاتهم كانت أقوى من مقاومتها. وفي لمح البصر، قذفت داخل السيارة كجسد مهزوم، وارتطم رأسها بالمقعد الجلدي بقسوة.

أُغلق الباب بقوة، وانطلقت السيارة تشق الطريق كالسهم، تدوي عجلاتها على الإسفلت، تاركة خلفها صدى صرختها المذعورة يتلاشى في الفراغ.

وفي الخارج، ظل المارة يحدقون بذهول عابر، قبل أن يعودوا إلى حياتهم كأن شيئًا لم يحدث… كأن الأرض ابتلعت ياسمين.

وووووووووووووو

ساحره القلم ساره احمد

3.9 71 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
96 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Mero❤️
Mero❤️
15 أيام

روعة تسلم ايدك ❤️

Abaar Zamzam
Abaar Zamzam
15 أيام

ابداعات سو و حلويات سو لا توصف
فتنة و جمال فتنة

Samar
Samar
15 أيام

تسلمي ي مبدعه 😍

Tag
Tag
15 أيام

تحفففففة بجد 🥰🥰

Marwa
Marwa
15 أيام

إبداع كالعادة تسلم ايدك ياقمر

Princess soma
Princess soma
15 أيام

روعة

مريم بشرى
مريم بشرى
15 أيام

جميلة جدا تسلم ايدك💕💕💕💕💕💕

ضيف
ضيف
15 أيام

روعه تسلم ايدك حبيبتي شكل الرواية هيروح في حتة تانية خالص

ضيف
ضيف
15 أيام

أكيد تبع جابر

ضيف
ضيف
15 أيام

روووووعه تسلم ايدك

Bata
Bata
15 أيام

جاااااامد

Nabila Ahmad
Nabila Ahmad
15 أيام

تسلم ايدك وعيونك ياسارة البارت تحفة كالعادة جميل جدا

ضيف
ضيف
15 أيام

تسلم ايدك حبيبتي

ضيف
ضيف
15 أيام

تحفه

ضيف
ضيف
15 أيام

😍😍

Marnona
Marnona
15 أيام

كلمه تحفه شويه تسلم ايدك بجد ❤️ الله خير

محمد عمرو
محمد عمرو
15 أيام

مبدعه كالعاده تسلم ايدك

ضيف
ضيف
15 أيام

ايه الناس البارده ديه مافيش حد يدافع عنها

ضيف
ضيف
15 أيام

تسلم ايدك البارت تحفه

Howida
Howida
15 أيام

ماشاء الله البارت فوق الممتاز تسلم ايدك

ضيف
ضيف
15 أيام

تحفه

ضيف
ضيف
15 أيام

خطيررر كالعاده تسلم ايدك

ضيف
ضيف
15 أيام

روعه

اميره
اميره
15 أيام

روعه

ضيف
ضيف
15 أيام

تسلم ايدك يامبدعة

ضيف
ضيف
15 أيام

تحفه بجد تسلم ايدك

ضيف
ضيف
15 أيام

تحفه بجد والله

ال رحاب
ال رحاب
15 أيام

بارت تحفة ♥️،الدنيا لسى حتولع

ضيف
ضيف
15 أيام

جميله جدا تسلم ايدك يا جميل

ضيف
ضيف
15 أيام

تسلم ايدك زي العاده مبدعه

ضيف
ضيف
15 أيام

البارت تحفه بجد

ضيف
ضيف
15 أيام

طبعاً كالعادة البارت جامد

ضيف
ضيف
15 أيام

عجبني قوته فتون

ضيف
ضيف
15 أيام

جابر هو اللي خطف ياسمين

ضيف
ضيف
15 أيام

👏👏👏👍👍👍

ضيف
ضيف
15 أيام

تحفة 🥰

ضيف
ضيف
15 أيام

اية للجمال ده

ضيف
ضيف
15 أيام

روعة قوووى

Marwa mohamed
Marwa mohamed
15 أيام

يا نهار ايه البارت ده تحفه

majd Zant
majd Zant
15 أيام

كتير حلوة ..تسلم ايديك

هبه الجبالي
هبه الجبالي
15 أيام

روعة

نور الحياة
نور الحياة
15 أيام

روووووووعه يا سوسو تسلم ايدك

ضيف
ضيف
15 أيام

روعة 🔥 🔥 🔥

غيداء
غيداء
15 أيام

روووعه روووعه تسلم ايدك

ريهام بيبو جوجو
ريهام بيبو جوجو
15 أيام

تسلم ايدك يا قلبي

ريهام بيبو جوجو
ريهام بيبو جوجو
15 أيام

مبدعه كالعاده بارت قمر قمر اوووووى زيك يا ياسو

Lamia
Lamia
15 أيام

مبدعة ❤️

سندس ومحمد خالد
سندس ومحمد خالد
15 أيام

تسلم ايدك يا قلبي البارت روعة

رحاب
رحاب
15 أيام

ما شاءالله

ضيف
ضيف
15 أيام

جمال ما بعده جمال تحفه تحفه تحفه تسلم ايديكي يا سوسو ♥️♥️♥️