ملكي وكفي (الفصل الرابع)
أصعب ما في الوجود أن تتشبث بروحٍ لا تستطيع امتلاكها،
ولا يحقّ لك أن تبتعد عنها…
كأن قلبك صار سجينةً بين شغفٍ لا يُقاس، وحنينٍ ينهش أعماقك بلا هوادة.
سألت قلبي في صمتٍ يثقل العروق:
- ألم يجد غيره ليعشقه؟
فأجابني بصوتٍ يقطر قسوة القدر وحنين الوجود: - حبه قدري، وما أنا إلا خادمٌ لما كتبه القدر…
فيا لغرابة الحب…!
لا سلطان لنا على القلوب حين تختار، حين ينبض القلب… لمن أرادت، متى أرادت، وكيفما أرادت.
بعضهم… ينبض القلب لهم، يُسكب لهم كل ما فينا من وجع وحنين،
وبعضهم… القلب يئن لأجلهم، يدق بحبٍ لا يراه إلا هو،
وبعضهم… هو النبض ذاته، الهواء الذي نتنفسه والدم الذي يجري في عروقنا،
فيُحيينا ويُحرّقنا في آنٍ واحد، بلا رحمة، بلا قرار، بلا ملاذ… بلا مهرب من أنفسنا.
مال عليه ببطء محسوب، حتى صارت أنفاسه تلامس وجهه التصاق خانق، وانخفض صوته… لكنه لم يهدأ؛ بل ازداد ثقل، كقطرات سم تسكب داخل الأذن قطرة قطرة، تتسرب إلى الأعصاب بلا رحمة: لا… أنا عارف كويس إنت إيه يا حيلتها…
سكت لحظة، كأنه يستمتع بارتباكه، ثم أردف ببطء موجع: بس إنت اللي متعرفش إحنا مين… ولا جايين ليه.
رفع السائق يده إلى وجهه، يضغط على موضع الألم كأنه يحاول أن يخمد النار المشتعلة تحت جلده…
عيناه لمعتا بغضب مذعور، وخرج صوته مهتز، يتشبث ببقايا تماسك ينهار: إنتو بتلعبوا مع اللي ميتلعبش معاه! العربيات دي رايحة لعابدين الشيخ!
عند الاسم… تبدل شيء خفي.
لم يكن في الملامح بقدر ما كان في الجو نفسه كأن الهواء برد فجأة.
ثم… ابتسم سعد… ابتسامة باردة… لا حياة فيها.
ابتسامة لا تبشر إلا بشيء واحد النهاية.
وفجأة ودون إنذار انقض عليه، ولكمه لكمة أشد، لا تحمل غضب عابر… بل حكم مبرم…. وهدر صوته من بين أسنانه، كأن كل حرف يطحن قبل أن يقال: ملعون أبوك لأبو عابدين الشيخ!
ارتد جسد السائق للخلف بعنف، واصطدم بالمقعد، وارتبكت أنفاسه كأن صدره يختنق من الداخل.
يده اندفعت تتحسس سلاحه… حركة غريزية، يائس كغريق يتشبث بقشة في بحر لا قرار له.
قبض عليه…رفعه ببطء مرتبك…
يده ترتجف، وعيناه تحاولان أن تلحقا باللحظة التي تفلت منه.
لكن تجمدت يده في الهواء…رصاصة واحدة.
لم تكن صاخبة…بل حاسمة..
اخترقت صدره بدقة باردة، أطلقتها يد سعد بلا تردد، كأنها توقيع أخير على نهاية محفوظة سلفا.
اتسعت عينا السائق، نظر إليه… نظرة مشروخة بين الذهول وغضب لم يمهل ليقال.
تدفق الدم من فمه، ساخن، كثيف، يختنق به صوته قبل أن يخرج…
وانفلت السلاح من بين أصابعه…
ثم…سقطت رأسه على المقود…ساكن..
كأن الحياة انسحبت منه دفعة واحدة، بلا رجعة.
سكون ثقيل هبط فجأة،كأن الليل نفسه ابتلع الصوت… وابتلع معه كل شيء.
زفر سعد بضيق، ومسح على وجهه ببطء فاتر، كأن ما حدث لا يستحق حتى انتباهه.
ثم تمتم، بنبرة باردة، خالية من أي أثر للندم: ممل أوي… كل ده عشان تموت…
كانت تلك الرصاصة…
هي الإشارة التي انتظرها الجميع.
لم تكن مجرد طلقة عابرة، بل أمر صريح… بفتح أبواب الجحيم.
وانطلقت الأعيرة دفعة واحدة، كأنها كائنات تعرف وجهتها، لا تتردد ولا تخطئ…
كأن كل رصاصة تحمل اسم صاحبها، تتسلل بين العتمة، تبحث عنه بإصرار بارد… حتى تستقر فيه، كأنها ولدت لأجله وحده…
دوى الرصاص،
وتشقق الليل بصوته، واختلط بنباح الألم، بأنفاس تنتزع قسر من صدور لم تمهل حتى فرصة الصراخ… ولا النجاة.
ثم
سقط الصمت….ثقيل… دامس…
كأن الأرض نفسها قد ارتوت، تشبعت بما يكفي من الدم.
امتزج الأحمر بالتراب، وتحول الطريق إلى لوحة قاسية،
لا يخطئها البصر… ولا تنسى.
تحرك سعد بين الجثث، بخطوات هادئة، لا استعجال فيها ولا تردد…كأن ما حدث لا يعنيه…
كأن الموت مر من هنا، وهو مجرد شاهد عليه.
عيناه انزلقتا فوق الأجساد بلا اكتراث، حتى توقفتا… عند الأخير.
وقف أمامه…. الرجل… لم يمت بعد.
لكن الحياة فيه لم تكن إلا بقايا مرتجفة، أنفاس متكسرة تتشبث بما تبقى… دون جدوى.
تجمد تحت نظرة سعد.
جسده يرتعش، وعيناه تفضحان رعب خالص، عاري… بلا أي قدرة على التخفي.
اقترب منه خطوة… وخرج صوته منخفض… حاد، كحد نصل بارد: إنت بالذات… مفيش رصاصة على اسمك.
توقف لحظة،
ترك كلماته تغوص فيه، ثم أردف بنبرة أشد قسوة: عشان توصل رسالة.
ابتلع الرجل لعابه بصعوبة، كأن حلقه صار حجر، وخرج صوته مبحوح، مهزوز كخيط أخير في حياة تتفكك:
أ… أقوله إيه…؟
انحنى سعد قليلًا،
وربت على كتفه… لمسة بدت هادئة، لكنها كانت أثقل من أي تهديد، أقسى من أي ضربة…وقال ببرود قاطع:
قوله… المعلم أحمد المهدي … وشاهين المهدي… بيقولولك: كل سنة وإنت طيب.
اتسعت عينا الرجل…لم يستوعب … هل كانت سخرية؟
أم وعيد مغلف بابتسامة عيد؟
ابتلع لعابه مرة أخرى، وهز رأسه بسرعة، كمن يتمسك بأي خيط نجاة، ولو كان وهم : حاضر… حاضر…
عيناه المرتجفتان جالت حوله، على الجثث الملقاة،
على الدم الذي لم يجف بعد،
وعلى رجال سعد… وهم يصعدون إلى سيارات النقل، بهدوء مريب، كأنهم لم يتركوا خلفهم مجزرة منذ لحظات.
تحركت السيارات.
في البدء… ببطء ثقيل، كأنها تجر خلفها أصداء ما ارتكب،
ثم تسارعت قليلًا…
حتى ابتلعتها العتمة، كما ابتلعت قبلها الصرخات… والوجوه… وكل ما كان حيا هنا منذ لحظات.
وعلى الجهة الأخرى … كانت هناك ابتسامة.
ارتسمت على شفتي سعد…خفيفة… هادئة…
لكنها أخطر من الرصاص نفسه.
ابتسامة لا تقرأ، ولا تفسر… كأنها وعد لم يكشف بعد.
رفع يده، وأشار إشارة مقتضبة…وفي لحظة
تحرك باقي رجاله…بانسجام مريب، بخفة تكاد تكون غير مرئية، كأنهم لم يكونوا سوى امتداد للظل…
جزء منه، لا ينفصل عنه ولا يرى إلا حين يريد.
صعدوا إلى سياراتهم، وأُغلقت الأبواب دون صوت.
ثم انطلقت المركبات…سريعة هذه المرة، حاسمة،
كأنها تمحو آثارها بنفسها.
ظل الرجل واقف في مكانه….لا يتحرك… لا يهرب…
كأن قدميه غرستا في الأرض التي لم تشرب الدم.
مكسور بين الرعب والذهول، لا هو حي بما يكفي لينجو…
ولا ميت بما يكفي ليستريح.
بقايا إنسان…
ترك عمد ، ليحمل في صدره ما هو أثقل من الموت ذاته.
ارتجفت شفتاه، وخرج صوته واهي، متكسر، بالكاد يسمع:
هقوله… وربنا يستر…
وبعد لحظات…لم يبقي شيء.
إلا الطريق…والدم…
وشاهد حي…يتمنى لو لم يكن.
………………..
داخل محل الجزارة،
كان الهواء ثقيل… مشبع برائحة اللحم النيئ وحدة الحديد،
ومحمل بتوتر خفي، كأن الجدران نفسها تصغي… تترقب… وتحبس أنفاسها انتظار لما سيحدث.
رفع أحمد يده، وألقى نظرة على ساعته.
العقارب تتحرك ببطء مستفز، كأنها تتعمد المماطلة… كأنها تعرف ما ينتظرهم وتطيل لحظة الجهل به.
زفر بضيق، وتمتم بصوت مشدود: سعد اتأخر…
ألقى شاهين عقب سيجارته أرضًا، وسحقه تحت قدمه بعنف، كأنما يفرغ فيه ما يعتمل بصدره من ضيق وغليان.
ثم قال بصوت خشن، لا يخلو من لوم واضح:قلتلك أروح معاه… بس إنت لازم تعفرتني!
التفت إليه أحمد.
نظرة حادة… قاطعة، لا تحتمل نقاش ولا تترك مساحة للاعتراض.
وقال بصوت منخفض، لكنه يحمل ثقل القرار:
قلتلك لأ… ومش هغامر بيك، ولا بحد من إخواتك…
سكت لحظة، وعيناه اشتعلتا بحدة أعمق، ثم أكمل:
ولا أقف أتفرج ورقبتك تحت رجلين ولاد الحرام دول!
ارتسمت على شفتي شاهين ابتسامة خفيفة،
لم تلبث أن اختفت… لكن أثرها بقي لامع في عينيه، كشيء لا يخفى.
وقال بنبرة شبه ساخرة، تخفي أكثر مما تظهر:رقبتي أنا سدادة يا أبو حميد…
مال قليلًا، وأردف بهدوء أعمق: وإنت عارف إنك خايف على بنتك.
لم تمر الكلمات بسلام.
اشتد فك أحمد، والتقط علبة السجائر وألقاها نحوه بعصبية مكتومة،
وقال بصوتٍ منخفض… لكنه مشحون حتى الحافة:
اتلم يا عـ** انت عارف انك ابني قبلها….
وكمان ما هي روحه فيك يا ابن الـ…!
توقف…ابتلع الكلمة قبل أن تخرج، كأنه يحاول أن يكبح ما هو أخطر منها.
ثم أكمل، بنبرة صادقة، حادة كجرح مفتوح: وأنا عارف… إن اللي هييجي على سكتك… هتسقط رقبته على صدره.
سكت لحظة، ونظر إليه نظرة أثقل من أي كلام، ثم أردف: وأنا… مش عايزك في السكة دي يا شاهين…
اهتز الليل على صرخة معدن غاضب،
حين شقت السيارة سكون الشارع توقفت أمام المحل كأنها تلقي بثقلها دفعة واحدة، تعلن حضور لا يحتمل التأجيل.
انفتح الباب، وترجل سعد…لم يكن مجرد عائد من مهمة،
بل بدا كمن خرج من قلب العتمة، يحمل آثارها في عينيه، وفي تلك السكينة الخطرة التي تسبق العاصفة.
اندفع إلى الداخل بخطوات واثقة، صوته يسبق حضوره، بنبرة عادية أكثر مما ينبغي: سلام عليكم يا معلمين.
لكنّ السلام… لم يجد له موضع..
كان أحمد قد بلغ حافة صبره.
نهض كأن شيئًا انفلت داخله، وانقض عليه، وخرج صوته مشدود كوتر على وشك الانقطاع: اتأخرت ليه يا جدع إنت؟!
في تلك اللحظة، تدخل شاهين…لم يندفع… بل تقدم بخطوة محسوبة،
مد يده وأمسك بذراع أحمد، لا بقوة ظاهرة… لكن بإصرار لا يكسر، وقال بصوت منخفض، حادّ كحد السكين:
استنى… المشوار بعيد.
ثم مال برأسه،
وعيناه تستقران على سعد، بنظرة تعرف… أكثر مما تقول،
وهمس بنبرة مشبعة بالخبث: مش مزارع الضب بعيدة… يا سعد؟
تسلل شيء غامض إلى ملامح سعد،
ابتسامة خفيفة، لا دفء فيها… ولا اعتذار.
رفع يده، وأشار برأسه ببطء، وكأن كلماته تسقط حكم لا يراجع: بعيدة…
بس العجول دلوقتي… مترصصين فيها.
منورين.
كلمة واحدة…وكانت كفيلة بأن تشعل ما في صدر أحمد.
تجمد للحظة،
ثم التفت إلى شاهين، ونظراته تحترق، وخرج صوته من بين أسنانه كأن كل حرف يجرح : إنت… برضه عملت اللي في دماغك السم دي؟
لم يتراجع شاهين… لم يبرر…. لم ينكر.
بل رفع منكبيه ببرود قاتل، وكأن ما حدث لم يتجاوز حدود المتوقع، وقال بنبرةٍ ثابتة، عميقة، كأنها تغلق باب النقاش: أنا لسه ما عملتش حاجة يا أبو حميد…
بس اطمن…أنا هاخدهم بمكر التعالب…
اللي زرعوه… هيحصدوه.
كان الهدوء في صوته… أخطر من أي تهديد.
أما أحمد فكان يغلي…زفرة خرجت منه كأنها نار،
وأسنانه تنغرس في شفته، يكبح بها انفجار يوشك أن يلتهم كل شيء.
لكن شاهين… لم يبقى ليشهد.
ضحك ضحكة خافتة، عابرة، كأنها لا تعترف بثقل اللحظة،
ثم استدار، ومضى بخطوات هادئة، تاركا خلفه توتر مشدود، وقال دون أن يلتفت: أنا رايح أتسحر… أصلي بجوع بالنهار.
وخرج…ببساطة قاتلة.
وبقي أحمد..
واقف في منتصف المكان ، يغلي كمرجل أوشك أن ينفجر.
صدره يعلو ويهبط بعنف، وعيناه تحملان ما هو أخطر من الغضب…
قرار يتكون.
…….
في اليوم التالي،
كان البيت القديم ينهض على إيقاع خاص، مزيج من صخب مألوف ودفء خفي، كأن الجدران تحفظ أصوات أهله وتعيدها كل يوم بروح جديدة.
في منزل عبد التواب المهدي،
انفتح باب إحدى الغرف،
وخرج شاهين…كان حضوره يسبق خطواته،
وهو يثني أكمام قميصه ببطء محسوب، كأن الحركة نفسها تعلن عن مزاج لا يحتمل التأخير، ثم هتف بصوته الأجش، الذي لا يعرف الهمس: حووور… يلا قبل المغرب يا بت!
لم يتأخر الرد.
فتح الباب المقابل، وخرجت حور مسرعة، أصابعها تعبث بشعرها في محاولة لترويضه، وقالت بنبرة متلهفة، فيها شئ من الدلال: خلاص والله… فاضل الطرحة بس يا شينو!
زفر شاهين بحنق،
كأن الوقت يضيق عليه أكثر مما يحتمل، وجلس على أحد الكراسي، وهو يتمتم بضيق واضح: طب انجزي…
لم تكتمل الجملة حتى خرجت فوزية من المطبخ،
يدها ما زالت تحمل أثر العمل، لكن صوتها سبقها، غاضب، لا يعرف المداراة: يا بني مبلاش تطلع بيها! يعني خلاص حبكت الجزمة والشنطة دي؟! دي عندها جزم وشنط تفتح بيهم بدل المحل محلات!
أدار شاهين عنقه ببطء،
ملل ثقيل ينساب في ملامحه، ثم قال بنبرة متمكنه لا تخلو من حدة: جرى إيه يا ما… هي خارجة مع سميحة، متصغريناش بقى؟
وسكت لحظة، قبل أن يكمل بابتسامة جانبية، فيها تهديد ملفوف بسخرية: بدل ما أجيب رقابيهم… وأعلقهم على المدخل تحت زي الخرفان.
وضعت فوزية يدها على فمها،
كأن الكلمات صدمتها رغم اعتيادها عليه، ثم تمتمت بضيق: اهو انكتمت… إنت طول عمرك كده، براوي وشايط، زي اللي موصلينك بالكهربا!
رفع شاهين حاجبه ببرود مستفز، وعيناه تلمعان بوميض ساخر، وقال: كهربا زيادة يأمه… من كتر الاحتكاك.
ثم مال قليلًا، وأضاف بنبرة أخف لكنها أكثر جرأة:
جوزوني يمكن أهدى.
شهقت فوزية، وضربت صدرها بكفها، وخرج صوتها مبحوح بين الغضب والدهشة: أحيه احتكاك يا واد! لم نفسك أحسنلك يا شاهين… البت مش حملك!
وسكتت لحظة، ثم أضافت بحدة أشد: نسيت كلام الدكتور؟!
تبدلت ملامح شاهين في لحظة،
نظر إليها نظرة حادة، كأنها لامست شيئًا لا يقال.
لكن فوزية لم تتراجع،
أشارت إليه بإصبعها، وقالت بصرامة أم لا تخاف : متزغرليش يا واد… أنا مش هخاف منك!
أنا هخلي شهد تاخد البت فوق… أحسن.
زفر شاهين بعنف، والضيق يتصاعد في صدره كدخان خانق، ثم قال بصوت مرتفع، يحمل دفاع أكثر مما يحمل غضب: خلاص يا فوزية!
إنتي عارفة… إني بخاف على حور أكتر منكم كلكم.
وسقط الصمت لحظة… ثقيل، كأنه يخفي خلفه ما لا يريد أحد أن يفتحه.
انفتح باب الغرفة فجأة،
وخرجت حور كنسمة طائشة، تركض بمرح لا يعرف الحذر، وصوتها يسبقها بضحكة خفيفة: يلا يا شينو… يلا!
انتفض شاهين من مكانه، كأن قلبه سبق جسده إليها، ونهض بسرعة، وخرج صوته حاد ، يخفي خلفه قلق لا يهدأ: متجريش يا بت! امشي على مهلك!
توقفت فجأة،أنفاسها تتلاحق، وصدرها يعلو ويهبط، وقالت بصوت متقطع من اللهاث: أهو يا شينو… بس يلا بقى!
لكن صوت آخر شق اللحظة حاد، قاطع…
أشارت فوزية بيدها نحوها، وعينيها تضيقان بتحذير صريح : بت يا حور!
الواد ده لو قرب زيادة عن اللزوم… بركبتك في بلبله!
تجمدت حور في مكانها، الخجل انفجر في ملامحها، واتسعت عيناها بصدمة بريئة…
أما شاهين فلم يحتمل.
التفت بحدة، وخرج صوته خشن، مشوب بانفجار مكبوت: بلبل مين ياما؟! انتي فاكرة لسه بلبل؟ ده بقى حنش برأسين!
شهقت حور، وصرخت فوزية بفزع امتزج بالغضب:
أحيه عليك يا واد! تعالي يا بت هنا… مفيش خروج!
تحركت حور غريزي، كأنها تبحث عن مفر، لكن يد شاهين كانت أسرع.
أمسك بها، شدها نحوه بحنق واضح، وهدر بصوت مشدود: رايحة فين يا بت انتي؟!
رفعت يدها بإشارة سريعة، وخرج صوتها مرتجف:
مش في حتة… أنا أهو!
سحبها نحوه أكثر،حتى استقرت قرب صدره، كأن وجودها هناك أمانه الوحيد، وهمس بنبرة أقل حدة، لكنها لا تزال آمرة: يلا بينا.
تحركا معًا، بخطوات سريعة، كأنهما يهربان من جدال لن ينتهي.
وخلفهما، ارتفع صوت فوزية، متوتر، مشدود بخيط من الخوف: خد بالك من البت يا شاهين!
وفي اللحظة ذاتها، انفتح الباب…ودلف ياسين،
توقف لثانية، وعيناه تلمعان بخبث واضح، ثم أشار بيده وقال بنبرة ماكرة: خد بالك من أختك يا شنبو!
لم تمر الكلمة بسلام…
عاد شاهين خطوة للخلف، وفي حركة خاطفة، بلا تمهيد
ارتفعت ركبته، واستقرت تحت حزام ياسين بقوة قاسية.
وهدر، وصوته يقطر تهكم: أبو بلبلك أهو!
انفجرت صرخت ياسين ، وانحنى جسده، ويده تهوي إلى موضع الضربة، ووجهه يتلوى بالألم، وخرج صوته مختنق: آااه… طب… طب ولما يعضك دلوقتي!
لكن شاهين لم يلتفت.
كان قد مضى بالفعل، يمسك بحور، ويغادر.
أما ياسين فدلف إلى الداخل وهو منحني، وأغلق الباب خلفه بصعوبة، والألم يرافقه… كعقابٍ مستحق.
…………
في أحد المراكز التجارية،
كان الضوء ساطع أكثر مما ينبغي، والضجيج متداخل كأصوات لا تهدأ،
وجموع البشر تتحرك في كل اتجاه، كأمواج متلاحقة لا تعرف السكون.
دلف شاهين…
يده تقبض على كف حور بإحكام لا يقبل الفكاك، كأنها قد تضيع منه في زحام لا يرحم.
توقف لحظة،
عيناه تجولان حوله بضيق ظاهر، ثم زفر بحنق، وسحبها نحوه حتى التصقت به،
ذراعه التف حول خصرها يحميها أو يحتكرها بين الزحام، وهدر بصوت خشن: الناس على بعضها… عاجبك الزحمة والحك ده؟
رفعت حور عينيها إليه ببطء،وفي نظرتها لوم خافت، ثم تمتمت بصوت منخفض: لم لسانك… إنت صايم، مش كفاية اللي قولته في البيت؟
توقف لحظة، رفع حاجبه بدهشة حقيقية، وخرج صوته متردد قليلًا: أنا قولت إيه؟
ثم شدها بخفة: تعالي كده يا بت…
قادها نحو أحد المحلات، كأنه يهرب بها من العيون، أو من نفسه، وقال وهو يشير للداخل: تعالي هنا… كل اللي شغالين بنات…
أومأت، ودلفت أمامه بخطوات هادئة، وهو خلفها كظل لا ينفصل.
أشار إلى إحدى العاملات، وقال بنبرة عملية: لو سمحتي يا أبلة… عايزين جزمة مقاس ستة وتلاتين، ومن غير كعب.
أومأت العاملة بمهنيه بحته ، وقالت: حاضر يا فندم.
لكن حور التفتت إليه فورًا، وعيناها تحملان اعتراض طفولي، وقالت: لا… سبعة وتلاتين… أنا كبرت شوية… وكمان نفسي في شوز بكعب.
تسللت ابتسامة مرِحة إلى وجهه، وفي عينيه لمعة دافئة، وقال: كبرتي في رجلك؟ ماشي… إنما كعب إيه بس؟ عشان تقعي؟خلينا نعيد في البيت والنبي!
زمت شفتيها بحنق مدلل،وهمست بضيق:
أوووف بقى…
اقترب قليلًا، وصوته انخفض، صار أجش لكنه دافئ، يلامس شيئًا خفي داخلها: بتتزهجي عليا يا حور عيني؟
لوت شفتيها، ونظرت له بنظرة نصف غاضبة نصف مدللة، وقالت بنغمة خفيفة:ما إنت كل حاجة عندك لا لا… طيب يا شينو!
مد يده، وقرص وجنتها برفق يحمل حنان صريح، وقال بنبرة فيها وعد خفي: يا بت… هجبها لك يوم الفرح،
عشان تطولي شوية… ومتبقاش أزعة.
ضحكت حور بخجل،وانحنت برأسها، تختبئ من نظراته التي اشتدت عليها.
أما شاهين …فكان يتأملها… بشغف مهوس، عميق، يكاد يفضحه.
ثم تمتم، كمن يستغيث من نفسه قبل أي شيء: اللهم إني صايم… استرها يا رب.
اقتربت العاملة بخطوات هادئة،
تحمل بين يديها أكثر من صندوق، كأنها تقدم اختيارات صغيرة لعالم لا يرى شاهين منه سوى واحدة.
وضعتهم أمامهما، وقالت: اتفضلوا يا فندم.
لكن حور لم تنتظر.
انحنت، وفتحت أحد الصناديق بفضول طفولي،
وحين وقعت عيناها على الحذاء… أشرق وجهها ببساطة صادقة، وقالت: دي حلوة… تمشي مع الطقم… هقيسها.
مدت يدها لتأخذه ..لكن يدًا أخرى سبقتها.
أخذ شاهين الحذاء منها، لا بعنف ولا اعتراض… بل بتلك السيطرة الهادئة التي لا تناقش.
أشار إلى الكرسي الصغير أمامه، وصوته انخفض، صار أكثر ليونة مما اعتادته منه: اقعدي يا حبيبي.
نظرت له لحظة، ثم أومأت، وجلست…
أما هو فلم يجلس…ظل يقف لثانية، ينظر إليها…
ثم انخفض ببطء، حتى جثا أمامها.
لم يكن المشهد عابرًا… رجل مثله…ينحني بهذه البساطة،
ليس لواجب… بل لاهتمام.
مد يده إلى حذائها، وفك رباطه بأنامل ثابتة،
لكن في تلك الحركة شيء من العناية الزائدة… كأنه لا يخلع حذاء، بل يلامس شيئًا يخصه وحده.
نزعه برفق، ثم التقط الحذاء الجديد،
وألبسها إياه ببطء، بحنان حار، لا يعلن نفسه… لكنه يحس.
رفع وجهه إليها… عيناه لم تسألا فقط…
بل تأملتا….وقال بصوت خافت، كأن السؤال يحمل ما هو أكثر منه: حلو يا حور؟
ابتسمت، لكنها أخفت ابتسامتها سريعًا، وأشارت بيدها: أمشي بيها وأشوف.
أومأ، ونهض، لكن يده لم تتركها…قبض على كفها،
وسحبها برفق، فيه حنان واضح، وشيء آخر… أشبه بالامتلاك، وقال: طب امشي كده.
تحركت…خطوة… ثم أخرى…دارت بخفة، كأنها تختبر الحذاء، أو تختبر شعور جديد تحت قدميها.
ثم توقفت، وأومأت برأسها بسرعة، وعيناها تلمعان برضا طفولي: حلوة أوي يا شينو.
لم يعلق…لم يحتج…ابتسم فقط… ابتسامة خفيفة،
ثم أخرج بطاقته، ومدها نحو العاملة دون تردد، كأن القرار لم يكن يومًا محل نقاش: حساب الجزمة يا أبلة.
أومأت العاملة،وتحركت نحو الدرج، اخرجت جهاز الدفع.
أما هو فلم يتحرك…وقف بجانبها، لكن انتباهه لم يكن على الشراء…بل عليها.
على تلك التفاصيل الصغيرة ضحكتها، حركتها،
تلك البساطة التي تربكه أكثر مما يعترف.
وكأنه، وسط كل هذا الزحام…لم يري سواها.
مر الوقت سريعًا، وكأن عقارب الساعة تجمدت لمراقبة حور وشاهين، بينما الزحام من حولهما يتحرك كبحر لا يهدأ،
لكن وسط كل هذا الصخب، لم يكن شاهين يرى سوى حور، ممسك بكفها برفق لا يقاوم، يوجهها بين الأرفف كمن يقيها من كل شيء حولها.
قال بصوت أجش، ممتلئ بالحنان والجدية معًا: يلا يا حور… فاضل نص ساعة على المغرب.
أومأت برأسها بخفة، ويدها تنساب بين الموديلات المختلفة، تتفحص، تتحسس، تبحث عن شيء يسر قلبها.
حتى توقفت فجأة أمام حقيبة كبيرة، عينيها تتلألأ بحماسة طفولية، وقالت: عايزه دي يا شينو.
نظر شاهين إلى الحقيبة، ثم عاد إليها بعينين نصف مازحة ونصف صارمة: كبيرة أوي عليكي… دانتي تنامي جوها هتبقى تقيلة على إيدك يا بابا.
هزت رأسها بنفي، وهمست بخفة : بس دي عجبتني يا حبيبي… كل الشنط عندي صغيرة… دي بس كبيرة.
ابتسم عبثًا، ومرر عينيه على جسدها بلهفة تكاد تحرق المكان، كما لو كان يقرأ تفاصيلها الصغيرة التي يعرفها جيدًا: يا قلب حبيبك… إنتي كل حاجة فيكي صغيرة… أنا عارف إمتى تدوني فرصة، والصغير يكبر.
رفعت حاجبها بدهشة، وبراءة في صوتها: أنا كبرت خلاص.
عض شاهين شفته بعابث، وهمس بنبرة نصف مضطربة، نصف مغرمة: أنا عارف إنك كبرتي… متأكد… وكل حتة فيا دايسة جامد… بس هما اللي مش مصدقين… قولي لهم يمكن يفكوا الحظر اللي إحنا فيه ده يا حور.
اتسعت عيناها بدهشة، وقالت ببراءة: دايسة جامد إزاي؟ وأقول لهم إيه؟
غمزها بعين مشاكسة، همس بحركة ساخرة، لكنها تذيب القلب: دايس في الحلم… كل ليلة معايا في الحلم… إنتي عاملة عليا ضغط، ابن حرام يا بت.
مدت يدها على جبينه بدهشة، كأن حرارة كلماته تحرقها: شاهين… يا حبيبي… إنت سخن ولا إيه؟
ابتسم، وقبض على يدها بسحب خفيف، وقال بنبرة وكأن المكان كله صار له، وكأن المول كله توقف عن الحركة:
آه… سخن زي الفرن… ويلا بدل ما أولع في المول ده.
أشارت إلى الحقيبة بعينين متقدتين بالحماس، وقالت:
طيب… أخد دي.
أومأ برأسه، سحبها من الرف بخفة وحنان، كما لو كان يحملها في عالم خاص بهما، بعيدًا عن الضجيج والزحام:
ماشي… يلا يا حبيبي.
وبخطوات متزامنة، تحركا بين الأرفف، كأنهما وحدهما في المول، كل شيء آخر أصبح مجرد خلفية باهتة،
وصدى خفق القلوب كان أعلى من كل أصوات الزحام من حولهما.
تحركا بخطوات متسارعة نحو خارج المحل، وسط الصخب والزحام الذي ملأ الممرات، لكن شاهين لم يلتفت إلى أي شيء حوله، عيناه لم ترى سوى حور، وكفه ممسك بكفها، يوجهها بحذر وسط تدافع الناس، كمن يحمي كنز لا يقدر بثمن.
وقفا أمام الدرج الكهربائي المزدحم، وعيناه تلمعان بالغضب والحنق، رفع يده نحو ساعته، وصوته يقطع الضوضاء: المغرب هيأذن… مش هنلحق نروح، والنهارده آخر يوم، ولو فطرنا بره… فوزيه هتاكلنا..
أومأت حور برأسها بثقة، عيناها تتألقان بالإصرار:
أيوه هتزعل… لازم نروح.
تقدم شاهين بها بحذر، وسط زحام مزدحم، يمر بين الأجساد، يقطع المساحات الضيقة بين المتسوقين، حتى وصل إلى بداية الدرج.
تمسك بها بقوة، نظر إلى الشاب الذي أمامهما بعينين لا تعرفان الرحمة، كأن كل العالم صار أمامه مجرد عقبة صغيرة.
ثم، صدح صوت الأذان في الإرجاء، ارتجف قلبه قليلاً، وابتسم ابتسامة عابثة ممزوجة بالخبث، لم ينتظر أكثر.
حاوط خصرها بذراعيه، رفعها عن الارض دسها بين أحضانه، ، كما لو كانت الهواء الذي يتنفسه والشيء الوحيد الذي يهمه.
شهقت حور بخجل، اتسعت عيناها، وارتجف صوتها:
شاهين… بتعمل إيه؟ الناس حوالينا…
غمغم لها في أذنها بصوت أجش ودافئ، يملؤه نوع من التهديد الحنون:أمال استني اللي قدامك يلمسك؟ ولا اللي جنبك؟
اقترب أكثر وهمس بخفة، كما لو يسر لأذنها وحدها:
بسم الله.
ثم قبل وجنتيها برفق وحنان، شعرت بحارة قلبه تنتقل إليها، ونظرت له بدهشة: يا مجنون… احنا وسط الناس.
نزل إلى الأسفل بها، بعيدًا عن الدرج المزدحم، أنزلها برفق، وهتف بمزاح خفيف: بكسر صيامي يا بت.
ضحكت خجلاً، وابتسمت ببراءة، بينما قبض شاهين على يدها، وساروا معًا خارج المول، خطواتهما سريعة، وكأنهما يسرقان اللحظة من الزحام ومن العالم كله، كل الأصوات من حولهم صارت مجرد خرير بعيد، وكل شيء سوى تلك اللحظة صار بلا وزن.
….
داخل فيلا عابدين الشيخ،
كان الصمت ممتد… ثقيل، لا يقطعه سوى احتكاك الهواء البارد بجدران تعرف جيدًا رائحة الصفقات القذرة.
دار سميح حول نفسه، كوحش حبس في قفص ضيق، يغلي داخله غضب لا يجد منفذ،
ثم هدر بصوت انفجر دفعة واحدة: يعني إيه؟! النهار عدى… والعربيات موصلتش؟!
التفت فجأة، وعيناه مشتعلة، واتجه بنظره نحو عابدين الجالس في هدوء مستفز، كأنه خارج المشهد تمامًا،
وقال بنبرة مشدودة، تختلط فيها الحدة بالعجز:
إنت ساكت ليه؟! دبرني يا باشا!
لكن عابدين… لم يتحرك…فقط مد يده ببطء،
وقلب الساعة الرملية الموضوعة أمامه.
انسابت الرمال…ببطء قاتل،
كأن كل حبة تسقط تحمل معها جزء من صبر ينفد… أو عمر يهدر.
ثم قال، بصوت هادئ، بارد حد الاستفزاز: كده… العربيات دي راحت.
رفع عينيه إليه، نظرة مستقيمة، خالية من أي تعاطف، وأكمل: وابن المهدي لعب عليك فيهم.
سكت لحظة، ثم أردف ببطء مقصود: بس… وداهم فين؟
مرر سميح يده على وجهه بعنف، كأنه يحاول أن يمحو عجزه،وغمغم بصوت خشن، مشبع بحقد قديم: مش ناوي يسلم من شري…
تصلبت ملامحه أكثر، وأكمل: مكفهوش عشر سنين ضيعهم من عمري لما بلغ عني…
زفر بغضب، وعيناه تلمعان بوعد مظلم: بس أنا وهو… والزمن طويل.
ضحك عابدين…ضحكة قصيرة… جافة… فيها مرارة وسخرية دفينة،
ثم قال وهو يميل قليلًا للأمام: مين اللي قالك إن الزمن طويل؟
أشار بيده إلى الساعة الرملية، والرمال لا تزال تنساب بلا توقف، وقال بنبرة تحمل فلسفة قاتلة
بالعكس… كل لحظة ليها تمن.
رفع عينيه إليه، وأضاف ببطء قاطع: ولما تضيع… مش بترجع.
سكت لحظة، ثم أكمل، بنبرة أثقل: أنا قلتلك من أول ما خرجت من السجن… سيبك منه.
أشار بيده في الهواء كأنه يزيح اسم لا يستحق الذكر:
وتعالى نركز في شغلنا.
لكن صوته ازداد حدة وهو ينهي: بس إنت اللي خطيت في سكة الحديد والدم.
اشتد صدر سميح، ومسح عليه بحنق واضح،
وقال بنبرة متحفزة، كأن شيئًا آخر يشعل النار داخله:إنت مشوفتش البت…
نظر إليه بنظرة غامضة، وأكمل: لو شوفتها… كنت تدخل حرب بس عشان تطولها.
عند تلك النقطة..تبدلت ملامح عابدين…ارتسمت على شفتيه ابتسامة خبيثة، بطيئة،
كأنها تولد من فكرة خطيرة.
ثم قال، بصوت منخفض، يحمل نبرة تحذير لا تخلو من شماتة: طول ما النسوان دخلت في شغلك…
مال برأسه قليلًا، وعيناه تلمعان ببرود قاسي: قول على نفسك يا رحمن يا رحيم…
انفتح الباب على اتساعه، كأن الريح نفسها اقتحمته،
ودلف الرجل بأنفاس متلاحقة، وصوته يقطع سكون المكان كحد سكين: شنكل بره يا باشا… وعايز يقابلك… بس حالته كرب!
التفت سميح ببطء مفاجئ، كأن الاسم وحده أشعل في دمه شرارة خطرة.
اقترب، وعيناه تشتعلان بشيء بين الذهول والغضب،
ثم هدر بصوت خرج كالرصاص: دخله!… ده كان مع البهايم اللي اتغبوا مرة واحدة!
اختفى الرجل،ولم تمضي إلا لحظات …
حتى انفتح الباب مجددا…
لكن هذه المرة، لم يدخل رجل… بل دخل رعب يمشي على قدمين.
كان شنكل يتعثر في خطواته، كأن الأرض لم تعد تعرفه… أو ترفض حمله. وجهه شاحب، مسحوب،
وعيناه متّدسعتان إلى حد يكاد ينفجر،
والعرق يتصبب منه كأنه خرج للتو من بين أنياب الموت.
اندفع نحو سميح، بلا وعي… بلا حساب، وانحنى على يده يتمسك بها بجنون، كأنها آخر ما يربطه بالحياة.
وخرح صوته ممزق، مخنوق: سامحني يا كبير!… ولاد المهدي غدروا بينا!
لكن الرحمة… لم تكن حاضرة…سحب سميح يده منه بعنف مهين، ثم دفعه بقدمه دفعة أسقطته أرضا كجسد بلا قيمة، وانفجر صوته، مشحون بالاحتقار والغضب:
غدروا بيكم؟!
انحنى نحوه قليلًا، كأنه يضغط عليه حتى وهو واقف،
وقال بسم واضح: عشان أنا مشغّل معايا شيلت… مش رجالة!
في تلك اللحظة تحرك عابدين…لم يكن تحرك عادي…
بل زحف حضور ثقيل، كأن المكان نفسه يفسح له الطريق.
خطواته بطيئة… موزونة…لكنها كانت كفيلة بأن تسكت كل شيء.
توقف أمام شنكل،ونظر إليه نظرة باردة… قاسية… خالية من أي انفعال، ثم قال بصوت منخفض، لكنه نافذ كالرصاص: فين باقي الرجالة يالا؟… والعربيات؟
ارتجف شنكل… لا من السؤال، بل من الذكرى التي أعادها.
انكسرت ملامحه،وخرج صوته كأنه يسحب من قاع سحيق: قتلوهم… زي الفراخ يا باشا…
اختنق، وارتعشت شفتاه، ثم أكمل: كانت مجزرة… بدم بارد…
رفع عينيه ببطء، كأنه يرى المشهد من جديد: خدوا العربيات… والعجول…
لم يكد ينهي كلماته…حتى انقض عليه سميح.
انحنى نحوه بعنف، والغضب فيه لم يعد يشبه الغضب… بل جنون خالص، وهدر بصوت صاعق، كأنه يضربه بالكلمات: أمال سبوك إنت ليه؟!
اقترب أكثر، حتى كاد يلتهمه بنظراته: غير لو ما كنتش إنت الخاين اللي وسطنا!
جحظت عينا شنكل، واهتز رأسه بعنف هستيري،
كأن النفي وحده لن ينقذه، لكنه لا يملك غيره: لا! لا!… وحياة عيالي!…
ارتجف صوته، وتكسر : دول سبوني… عشان أوصلكم رسالتهم!
لكن سميح لم يكن يسمع… أو ربما كان يسمع، لكنه اختار ألا يصدق….قبض على عنقه فجأة، ورفعه قليلًا عن الأرض، وأصابعه تنغرس في جلده كأنها ستخترقه،
وهدر بوحشية عارية: انطق!… هو إنت هتنقطني بروح أمك؟!
كان شنكل يختنق…يتخبط…يغرق في عرقه ورعبه،
حتى خرجت الكلمات أخيرًا، كأنها تنتزع منه انتزاع:
أحمد المهدي… وشاهين المهدي…
توقف لحظة،وكأن النطق بالأسماء وحده جريمة…
ثم همس، بصوت ميت: بيقولك… كل سنة وإنت طيب…
في تلك اللحظة..لم ينفجر سميح…بل… سكن.
سكون مخيف، كهدوء ما قبل الكارثة.
تجمد جسده، وعروقه انتفخت، كأن الدم تحول داخلها إلى نار مشتعلة.
تركه ببطء، واستقام، لكن هذا الوقوف… لم يكن ثبات، بل احتباس انفجار.
امتدت يد عابدين، وربت على منكبه… ربتة لم تكن دعم، بل توجيها…وقال بصوت بارد، حاسم، كحكم نهائي:
القرصة الجاية… لازم تكون قاضية.
مال قليلًا، وعيناه تلمعان ببرود مظلم: والقبر… يا ضب.
صمت ثقيل سقط…ثم رفع سميح رأسه ببطء،
وعيناه تشتعلان بنار لا تطفأ،
وصوته حين خرج… كان كالقصف، لا يحتمل الرد:
قصدك… قبور.
توقف لحظة، وابتسم ابتسامة بلا روح،ثم أكمل:
مش قبر واحد.
اندفع أحد الرجال إلى الداخل، وخرج صوته متقطع من فرط الدهشة: الحق يا باشا!… زغلول كلمني وقال إن العجول دلوقتي في مزرعة الصحراوي!
تجمد سميح مكانه،
الذهول صفعه أولًا… ثم اشتعل الغضب في عينيه كالنار،
وهدر بانفعال محتدم: إزاي يعني؟!… قصده إيه بالحركة دي؟!
مرر يده في شعره بعنف، وصوته ازداد حدة: ابن المهدي عايز يجنني!
لكن عابدين لم يتحرك.
ظل ثابت، فقط ضيق عينيه ببطء،
والتفكير فيه لم يكن عادي… بل ممتلئ بالسم.
هز رأسه بالنفي، وقال بصوت منخفض، بارد كخطة سوداء: لا…
سكت لحظة، ثم أكمل: ده قصده يوقعنا في بعض.
مال قليلًا للأمام، وعيناه تلمعان بدهاء قاتل: بيضرب بينا… عشان ناكل في بعض، وهو يقف يتفرج.
اشتد فك سميح،وكور قبضته حتى ابيضت مفاصله،
وهدر بصوت يحمل وعد بالعنف: بيلعب بوساخة…
ابتسم ابتسامة مشوهة، وأردف: وأنا أصلًا اللي اخترعتها.
اقترب خطوة، وصوته انخفض… لكنه صار أخطر: اصبر عليا يا شاهين الكلب…
جلس عابدين أخيرًا،
لكن جلسته لم تكن راحة… بل بداية حساب.
عقله يدور في كل اتجاه، ينسج خيوط لا ترى.
ثم رفع عينيه ببطء، وقال بنبرة هادئة… لكنها مشبعة بخبث شيطاني: شاهين ده… لازم تلعبها معاه صح.
توقف لحظة، ثم أردف: اهدى… عشان نفكر صح.
أومأ سميح ببطء،
وعيناه امتلأت بشر خام، لم يصقل بعد… لكنه جاهز للانفجار.
ومن بين ذلك السكون الثقيل ولد وعد لا رجعة فيه،
ليلة انحنت فيها الرقاب… ورفعت فيها رؤوس لا تقطع إلا بثمن من الدم.
كانت الخطة تنضج… لا لتنقذ أحد، بل لتحدد من سيدفن أولًا.
…..
داخل منزل عبد التواب المهدي،
كان الدفء ينساب في الإرجاء، لا من حرارة المكان… بل من أرواح اعتادت أن تلتف حول بعضها، كأنها تداوي ما لا يقال.
خرجت فوزية من المطبخ،
تحمل بين يديها أطباق الفاكهة والمخبوزات الناعمة، تفوح منها رائحة العيد…
رائحة سكر ممزوجة بسنين من العشرة والحنين.
اقتربت منهم، ومدت الأطباق،
وقالت بصوت حنون، فيه دفء أم لا ينضب: كل سنة وإنتو طيبين يا ولاد… الشهر طار زي الرهوان.
التقط زكريا وياسين الأطباق من يدها، ووضعاها على الطاولة،
وهتف زكريا بابتسامة صادقة: وانتي طيبة يا ست الكل.
جلس يونس بجانبها،
وأحاط منكبها برفق، كأنه يطمئنها قبل أن يمازحها،
وقال بنبرة دافئة: وانتي طيبة يا قمر… والسنة اللي جاية نكون كلنا هناك.
التفتت إليه بدهشة، وعقدت حاجبيها، ثم لكزته في صدره بخفة: هناك فين يا واد يخربيتك؟!
انفجر يونس ضاحكًا، ورفع حاجبيه بمكر طفولي:
هناك عند الكعبة ياما… هو فين يعني!
هز رأسه وهو يضحك، وأضاف: انتي دماغك بتحدف… وتظلميني كده على طول!
تعالت الضحكات،
خفيفة… صافية… كأنها لا تعرف أن خلفها عاصفة تقترب.
ولكزه شاهين بمرح، وعيناه تلمعان بمودة خفية: إنت اللي مش سالك بجنيه يا خويا.
ساد المكان دفء ناعم، لحظة نادرة، يبدو فيها كل شيء… عادي.
كأن القدر… أراد أن يمنحهم هذا الهدوء…قبل أن يبدأ الحساب.
خرجت شهد تحمل صينية العصير، الأكواب ترتجف قليلًا بين يديها، لا من التعب… بل من حركة البيت التي لا تهدأ في مثل تلك الليلة.
وقبل أن تقترب…نهض ياسين بخفة،
وخطف الصينية من يدها بابتسامة واسعة، وقال بمزاح صريح: أحبك يا شوشو… العصير بتاعك عشق!
ضحكت شهد، ضحكة فيها حنان أمومي واضح،
ولوحت بيدها كأنها تزجره، وهتفت: يا واد اتلم!… دانا دخلت عليك وإنت عندك تلات سنين… إيه شوشو دي!
ضحك ياسين، وأخذ كوب، ثم الثاني، وارتشفهما وكأنه يبالغ في إثبات رأيه، وقال بمكر: الله!… مانا بدلعك… ليكون أبو حميد مقصر في حاجة؟
تجددت الضحكات،وتداخلت الأصوات بخفة عفوية،
كأن البيت كله ينبض بروح واحدة.
وفي تلك اللحظة …خرجت حور… تحمل صينية الشاي.
كانت خطواتها أهدأ…وحضورها… مختلف.
رفع شاهين عينيه نحوها،وتوقف…نظراته اشتعلت بشيء لا يخطئه قلب أنثوي، شيء صامت… لكنه واضح.
نهض دون كلمة،
وأخذ منها الصينية، ووضعها على الطاولة،
ثم قال بنبرة حاول أن يجعلها عادية: في إيه يا جدعان؟… مكفاية طلبات… خلوهم يقعدوا.
رفعت فوزية حاجبها، ونظرت إليه بنصف ابتسامة، فيها عتاب مصطنع، وهتفت: جرى إيه يا واد؟…
مالت برأسها قليلًا، وأضافت بمرح:الحنية ركبتك بس دلوقتي يا كبد أمك؟
انفجرت الضحكات مجددًا، وارتد الصوت في أرجاء الصالة كأنها تحتضنه.
نظر شاهين نحوها بامتعاض متصنع،
وغمغم بنبرة ساخرة: كويس إنها ركبتني الحنية… بدل العفريت.
ثم مال قليلًا نحو حور الجالسة بجانبه،وصوته انخفض…
صار أجش… قريب… خطير…همس في أذنها: اهي اي حركه …قبل ما أتنقط…
سكت لحظة، ثم أضاف بنبرة أكثر جرأة: مش لو متجوزين دلوقتي… كنا زمانا بنعيد يا بت…وزفرنا السرير
شهقت حور بخجل، واتسعت عيناها، وشعرت كأن الأرض لم تعد ثابتة تحتها…حاولت أن تنهض سريعًا، وهمست بتوتر واضح: أنا غلطانة إني قاعدة جنبك…
لكن قبض شاهين على ذراعها، منعها من النهوض،
ونظر إليها بنظرة تحمل مزيج من العبث والجدية،
وغمغم بصوت منخفض، لكنه حاسم: مش هاكل منك حتة يا بت… اقعدي.
وبين ضحكاتهم…ونبض القلوب الذي تسارع دون إذن
كانت خيوط شيء أخطر تتشكل… بهدوء لا يطمئن.
لكزه زكريا بكوعه بخفة،ومال نحوه وهمس بصوت خافت، يحمل نصف تحذير ونصف سخرية: لم نفسك… البت قاعدة جنبك وشها جاب ميت لون.
ابتسم شاهين ابتسامة جانبية،ومال قليلًا كأنه لا يبالي، ثم غمغم بصوت عابث: عقبالك يا دكتور.
رفع زكريا حاجبه فورًا، والغضب يلمع في عينيه، وهتف مستنكر : عقبالي إيه يا منحرف؟!
انفجر شاهين ضاحكًا،وقال وهو يهز رأسه بمرح: لما تقعد جنبك واحدة ووشها يلون كده…
ضيق عينيه بمكر، وأضاف: ولا دماغك شمال بس؟
مصت فوزية شفتيها بحنق حقيقي هذه المرة،
ونظرت إليهم واحد تلو الآخر، كأنها تحصى خيباتها،
ثم قالت بصوت ممتلئ بالضيق: إمتى بقى يا ضنايا؟…
لوحت بيدها في الهواء، وأكملت: خليكوا كده انتو الأربعة متسندين جنبي زي النايبة التقيلة!
تنهدت بعمق، وأضافت بمرارة خفيفة: الناس كلها خبتها في عيل… وأنا من دون الناس في الأربعة!
تفرقت نظراتهم، كل منهم وجد فجأة ما ينشغل به،
كأن الكلام لا يعنيه.
إلا شاهين….رفع رأسه، وقال بصوت حاد، فيه اعتراض صريح: متقوليش أربعة!…
سكت لحظة، ثم أكمل باندفاع : أنا لو عليا… كنت اتجوزت من امبارح.
توقف، وعيناه اتجهتا نحو حور، مال برأسه قليلًا، وابتسم ابتسامة فيها عبث صريح، وقال: لا امبارح إيه…دانا كنت اتجوزت من السنة اللي فاتت… إنتو اللي موقفين حالي ياما.
انخفضت عينا حور فورًا، واشتعل وجهها بخجل واضح،
كأن الكلمات أصابتها في مكان لا تدافع عنه.
وضعت فوزية كفا فوق الأخرى،وهزت رأسها بحنق، وقالت: يا ابني هو اللي هنعيده نزيده؟!
زفرت بضيق، وأضافت: أنا مش عليك… أنا على التلاتة دول! اللي لو كانوا بنات كنت جوزتهم وخلصت!
صاح يونس فجأة، بحنق واضح ونفاد صبر مكشوف:
ياما أنا مشيت وراكي مره وجربت الجواز!
لوح بيده بضيق، وأكمل: ولقيت نفسي متجوز واحدة بتناطح معايا كلمة بكلمة… كأنها راجل زيي!
شد على كلماته، وقال بحدة: وأنا اللي أعرفه إن الجواز بين راجل وست!
ارتفعت نبرة فوزية، والضيق فيها لم يعد خفيا : يا ابني مش كل الستات زي نرجس!
أشارت بيدها كأنها تدافع عن جنس كامل، وأضافت:
في بنات زي النسمة… وعايزة تعيش!
لوى يونس فمه بحنق، وعقد ذراعيه أمام صدره، كأنه يغلق باب النقاش،وقال ببرود متضايق: أنا مشفتش غير الزعابيب ياما…
زفر بضيق، وأردف : سيبيني في حالي الله يرضى عليكي.
وبين شد وجذب… وضحك يتسلل رغم التوتر
ظل البيت دافئ، كأن الخلاف نفسه… نوع آخر من الحب.
وقبل أن يكتمل الحديث…انفتح الباب…ودخل أحمد.
ملامحه منفرجة، لكن خلف تلك البسمة كان شيء آخر… شيء لا يقال،وهتف بصوته الرخيم الذي ملأ المكان دفئ: كل سنة وإنتوا طيبين يا حبايب.
نهضت شهد وحور في آن واحد، واستقبلتاه بلهفة صادقة،وقالت شهد بعتاب خفيف ممزوج بالفرح:
كنت فين من بدري يا أحمد؟
اقترب منها،
وأحاط منكبها بذراع حنون، وقال بهدوء دافئ: كنت بخلص شوية شغل… عشان نعيد بمزاج.
ابتسمت حور،
وتقدمت نحوه، ثم حاوطت ذراعه بكلتا يديها، وقالت بحب: كل سنة وإنت طيب يا بابا.
ضمها أحمد بذراعه الآخر،وقربها منه، وقال بصوت يحمل من الحنان ما يكفي لطمأنة قلب كامل: وإنتي طيبة يا قمر بابا…
سكت لحظة، وابتسم وهو يردف: أصلًا كل يوم جنبك عيد يا حور.
في تلك اللحظة…ارتفع حاجب شاهين ببطء،
لكن ما اشتعل في عروقه لم يكن مجرد غضب… بل شيء أعمق، أشد، كأن اسم العيد نفسه صار يحمل معنى آخر لا يقال.
وقال بنبرة حادة، يتخللها خيط خفي لا يلتقطه إلا من يعرفه جيدًا: وهنعيّد بمزاج… ولا إيه؟
التفت أحمد إليه،بهدوء لا يطمئن، وارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة… حادة،
ثم غمزه بعينه غمزة صغيرة…
لكنها كانت كفيلة أن تقول كل شيء… دون أن تقال كلمة.
وقال بصوت منخفض، محسوب، كأنه يضع حجر في مكانه الصحيح: إلا هنعيد.
توقف لحظة، ثم أضاف ببطء أثقل: ده مش إحنا بس… إحنا والحبايب… والصحاب.
تبدلت ملامح شاهين….الحدة انكسرت…والنار هدأت، لكنها لم تنطفئ…تحولت فقط… إلى انتظار.
ثم ابتسم، ابتسامة خفيفة، فيها مزاح… وفيها موافقة صامتة: ساعات بحبك يا أبو حميد.
انفجرت الضحكات،وترددت في أرجاء المكان،
كأنها تحاول أن تغطي على ما دار بين نظرتين فقط… دون صوت.
لكن يونس لم يضحك…قطب حاجبيه،
ونظر إليهما بريبة صريحة، وقال بضيق واضح: أنا ليه مش مرتاح لكم؟
أومأ ياسين برأسه بسخرية،
وقال بتهكم خفيف: ومين سمعك؟… في سين رايح جاي!
تعالت الضحكات مرة أخرى،لكن أحمد… كان يضحك بطريقة مختلفة.
ضحكة خرجت متهدجة قليلًا، كأنها تحمل ما هو أثقل من المزاح….وقال وهو يهز رأسه: لما تكبروا… يمكن تفهموا.
توقف لحظة،ثم أضاف بابتسامة باهتة: بس ما وعدكوش.
وعادت الضحكات تعلو،
تمتزج بالدفء… بالحياة…
وتملأ المكان كأنها حقيقة.
لكن خلفها…كان شيء آخر يكتب… بهدوء.
لحظة تبدو عادية…
بينما القدر… كان يعدها لتكون الأخيرة بهذا الصفاء.
….
في فيلا عابدين الشيخ …
انفجر سميح بغضب مشتعل، صرخته كسهم من نار شقت الهواء: يعني إيه الشحنة اتمسكت؟!
كفه ارتطم بالمكتب بعنف ، حتى اهتز كل شيء حوله،
واصطحبت الصرخة صدى يقطع الصمت كالسكاكين:
دي لسه في البحر يا ابن الـ! ده خراب مستعجل!
جاء الصوت من بعيد، مرتجف، يملؤه الرعب: اتمسكت أول ما دخلت المية الإقليمية… الشحنة كانت مشمومة يا باشا!
ألقى سميح الهاتف أرضا بغضب لا يقوم،
فتح الدرج، سحب سلاحه، وجسده يرتجف من شدة الغضب الذي يلتهمه كالعاصفة.
ثم هدر بصوت يكاد يزلزل الأرض: آخر ليلة في عمر أي حد من نسل المهدي يا ولاد الحرام!
اندفع نحو الخارج، خطواته تهشم كل شيء في طريقها،
وعيناه تبحثان في الظلام،
لا يرى أمامه سوى دم آل المهدي،
يملأ الأرض، يلطخ كل شيء،
ويترك خلفه صمت، قاتم، يخنق كل أمل ويستحيل نسيانه
وووووووووووو
توقعاتكم للبارت الجاي ي سكاكررررر هستنا رايكم علي الفيس ونشوف بق…….
ساحره القلم ساره احمد
لينك الفيس
بيدچ ساحره القلم والقلوب
بيدچ ساحره قلم الحكايات ساره احمد
هستناكم هناك ي سكاكررررر تتابعو معانه كل جديد 🤍

روعة تسلم ايدك ❤️
تسلم الايادي بجنن