الفصل الخامس (الفصل الخامس )
كنتُ أريد أن أقول أشياء كثيرة…
لكنّ كل ما في صدري انهار عند حافة حضورك، فلم أجد في داخلي سوى كلمة واحدة تتساقط ببطء: أحبك.
ومع ذلك… لم تكن اعترافًا بقدر ما كانت استسلامًا،
كأنني أُلقي بروحي في هاوية لا قرار لها، ثم أبتسم.
اكتشفتُ أنني لا أملك شيئًا أقدمه للعالم سواك،
ولا أستطيع أن أصف ما بي إلا بك… وكأنك العلة والدواء في آنٍ واحد، وكأنني خُلقت لأتألم بك وأعيش بك في اللحظة ذاتها.
أحبك… حبًّا لا يُشبه الحياة،
حبًّا يترك في القلب فراغًا كلما امتلأ بك.
فهل يكفيك أن أكون على هذا الخراب من أجلك؟
سأحبك هذه الليلة أكثر…
ليس لأن الغد أجمل، بل لأن الغد أكثر غيابًا، وأكثر خيانةً لما أشعر به الآن.
إن تورّطتُ بك، فلن أبحث عن الخلاص،
سأبقى حتى النهاية… حتى يتآكل قلبي بصمت، حتى تصبح شراييني ممرًّا لوجعي لا لدمائي.
ولن أعتزل غرامك، ولو صار الحبّ شكلًا آخر من الموت البطيء،
ولو ذاب ما تبقّى مني دون أن يلتفت أحد.
فقل لي…
هل يكفيك أن أضيع لأجلك؟ أم أنك ما زلت تريدني حتى آخر ما تبقّى منّي؟
اندفع نحو الخارج، لا كمن يسير… بل كمن يساق إلى قدر أسود،
خطواته كانت صفعات على الأرض، كأنها تنتقم منه قبل أن ينتقم هو،
وعيناه… لم تعودا تبصران طريق، بل تبصران دما
دم آل المهدي…
يمتد أمامه كبحر لزج، يبتلع كل شيء،
يخنق الضوء، ويسكت النداء، ويترك خلفه صمت كثيف…
صمت لا يحتمل… ولا ينسى.
قبض عابدين على ذراع سميح قبضة عنيفة، كأنما يحاول انتزاعه من جنونه، وهدر بصوت كالرعد: إنت فاكر نفسك لو دخلت منطقة الجزارين هتخرج على رجليك؟!
انتزع سميح ذراعه بعنف كاسر، والتفت إليه وعروقه تنتفض كأفاع مسعورة: أمال أسيبهم كده؟! بعد ما ضيعوا شحنة لحمة بملايين؟!
ثم ضحك ضحكة مختنقة بالشر، وأضاف: دانا هطربق السيدة زينب عليهم… وهم اللي هيطلعوا على ضهرهم!
دفعه عابدين بعنف هذه المرة، فسقط على الكرسي كجسد أُنهك من صراع داخلي، وصاح فيه بحدة:
بطل الغباوة اللي مغطي عليك دي! رجالتك دخلوا… وطلعوا على الفحم!
طحن سميح فكيه، وخرج صوته مشدود كوتر يحتضر:
أعمل إيه؟! دماغي بتتشقق… ودمي فاير!
رفع رأسه نحوه بعينين حمراوين: دول عشرة مليون يا عابدين… عشرة مليون!
جلس عابدين إلى جواره، لكن صوته حين خرج كان أخطر من صراخه: منخفض… بارد… وقاطع:
المهم دلوقتي نخلص من الشحنة… قبل ما رقابنا تتعلق بيها.
سكت لحظة، ثم مال نحوه كمن يهمس بلعنة: وبعدها… اللي هعمله في ولاد المهدي… هيخلي جسمك يقشعر.
اشتعلت عينا سميح أكثر، كأن النار وجدت فيها موطن: نخلص منها إزاي؟! بعد ما الحكومة مسكتها؟!
أشار عابدين بيده ببرود قاسي ، وغمغم بفحيح : عندي اللي يحرقها… قبل ما بتوع الصحة يكشفوا عليها.
ثم ابتسم ابتسامة بلا روح ،. وأكمل: مفيش حرز… مفيش قضية.
غص سميح، وعض على إصبعه كطفل فقد كل شيء، لكن خرج صوته محمل بقهر مرير: آاااه يا ولاد الحرام… هنحرق عشرة مليون بإيدينا!
هب عابدين واقفا، والغضب هذه المرة لم يكن صاخب… بل قاتل: عشرة مليون ولا رقابنا يا ضب؟! إنت اتجننت؟!
نهض سميح ببطء، لكن ذلك البطء كان أخطر من أي اندفاع،
وعيناه اتشحتا بسواد غليظ، وقال بصوت كأن الجحيم يتكلم من خلاله: اتصرف… عشان أنا جبت آخري من ولاد المهدي.
ثم ابتسم… ابتسامة لا تبشر إلا بالخراب: ورحمة الميتين… لأحسرهم الحسرة اللي تحرق كبدهم… في حور…مش بيقولوا الضنا فلذه الكبد أنا بقا هحرق كبدهم عليها
رفع عابدين رأسه نحوه، وتأمله لثواني، ثم قال ببرود ساخر: قديم أوي انت يا سميح…
وسكت لحظة، قبل أن يضيف بنبرة أخطر: بس الغلط القديم… بيولع حروب جديدة.
ساد الصمت…
ليس ذاك الصمت العابر الذي يسبق الكلام،
بل صمت ثقيل… كأن الجدران نفسها تحبسه بين ضلوعها،
وكأن الهواء صار أبطأ… أثقل… يمر على الصدور كعبء لا يحتمل.
وقف سميح، لا يتحرك،
لكن شيئًا داخله كان يركض… ينهار… ويتكور في نقطة واحدة سوداء،
نقطة لا تعرف الرحمة، ولا تعترف بالخسارة…
فقط تعرف الانتقام.
أما عابدين…
فلم ينظر إليه كصديق، ولا كرفيق طريق،
بل نظر إليه كما ينظر إلى قنبلة موقوتة،
يعرف جيدًا… أنها إن انفجرت، لن تترك خلفها سوى رماد…
لا يفرق بين عدو أو حليف.
وفي مكان ما… بعيد عن هذه الغرفة،
كانت خيوط المصير تنسج بهدوء خبيث،
تربط بين الأسماء…
بين الدماء…
بين حور… وقرار اتخذ في لحظة غضب.
قرار…
لن يمر كغيره، بل سيترك أثره في الأرواح قبل الأجساد،
ويفتح باب… إذا انفتح، لن يغلق أبدًا.
وهكذا…لم ينتهي المشهد، بل بدأ.
………..
انفلق الصباح على حي السيدة زينب كأنه يولد من جديد،
لا شمس فقط تشرق… بل أرواح تغسل من تعب الأيام، وتخرج إلى النور خفيفة، نقية، كأنها لم تعرف الحزن يومًا.
الهواء كان مختلف…
مُحمّلًا برائحة العطر الشعبي، مختلط ببقايا البخور التي تسللت من نوافذ البيوت،
وأصوات التكبيرات ترتفع من كل صوب، تتردد بين الجدران العتيقة، وتستقر في القلوب قبل الآذان:
الله أكبر… الله أكبر… الله أكبر… لا إله إلا الله…
رجال يتوافدون في سكينة مهيبة،
جلاليبهم البيضاء تلمع تحت ضوء الصباح، كأنها إعلان صامت عن بداية بلا ذنوب،
ووجوههم… تحمل تلك الطمأنينة التي لا تشترى، بل تمنح لمن صبروا.
الأطفال…
كائنات صغيرة من الفرح الخالص،
يركضون بين الصفوف قبل أن تستقيم،
ضحكاتهم أعلى من التكبيرات أحيانًا،
وأعينهم تلمع بنشوة العيد…
لا يعرفون من الدنيا سوى أن اليوم… عيد…
النساء في أطراف الساحة،
ملتحفات بملابس الصلاة، ألوانها هادئة كقلوبٍ تعبت ثم هدأت،
يتبادلن نظرات دافئة، وابتسامات هادئه،
وكأن العيد لا يكتمل إلا بتلك الطمأنينة الصامتة بينهن.
اصطف الجميع…كتف إلى كتف،
لا فرق بين غني وفقير، ولا بين قاسي ومكسور،
الجميع هنا… سواء،
يقفون أمام الله بقلوب مكشوفة، بلا أقنعة.
انطلقت الصلاة، فسكن كل شيء…
حتى الضجيج الذي كان يملأ المكان،
انحنى احتراما.
ثم…
ما إن انتهت، حتى انفجر المكان بالحياة من جديد.
انطلقت المعايدات…أيدي تتصافح،وأكتاف تتعانق،
وضحكات صادقة تخرج من صدور أنهكها العام… فجاء العيد ليعيد لها نبضها.
الأطفال يتقافزون بسعاده…ضحكات، وصياح، وقلوب تتفتح كزهور بعد مطر طويل.
لكن…
وسط كل هذه البهجة، كان هناك شيء خفي…
يمر بين الناس دون أن يروه، ظل ثقيل، لا يشبه العيد،
يتسلل في الزحام، ويختبئ خلف الابتسامات.
كأن الفرح نفسه… لا يعلم، أن خلف هذا النور،
نار تشعل ببطء… تنتظر لحظة الانفجار.
تسللت الضحكات بينهم كخيوط نور خفيفة،
تشقّ طريقها وسط زحام العيد،
كأنها تحاول أن تثبت… أن الحياة، رغم كل شيء، ما زالت قادرة على أن تضحكهم.
ضم أحمد شاهين بقوة، وربت على ظهره بسعادة صادقة:
كل سنة وانتي طيب يا شنبو!
ابتسم شاهين بمرح مشاكس، وعينيه تلمعان بخبث محبب وقال : السنة دي عدت أهو…
رمقه أحمد بنظرة جانبية، ورفع حاجبه بمكر واضح ،وقال : واللي جاية هتعدي يا روح خالتك.
انفلت من شاهين صوت معترض، خرج دون تفكير، كأنه سبق وعيه: أخخخخخ… ده إحا!
عض أحمد شفته لحظة، ثم التفت إليه ببطء، حاجبه مرفوع وغضبه ظاهر،
فلم يجد شاهين إلا أن يضحك بارتباك، قبل أن يدفعه أحمد على منكبه بخفة حادة وهدر : اتلم! داحنا لسه كنا بين إيدين ربنا يا لطخ!
نظر شاهين حوله بسرعة، كمن يخشي أن تنفلت منه اللحظه ،
ثم عض شفته بعبث، وضرب كف بكف وتمتم بحنق مفتعل: أعملك إيه يعني … أنا طلعت من رمضان زي ما دخلت… بسببكم!
رفع عينيه للسماء وأضاف بنبرة درامية: حسبي الله ونعم الوكيل فيكم!
تضاعفت الضحكات، وبدت خفيفة… بريئة، كأنها لا تعرف ما ينتظرها،
وفي تلك اللحظة، اقترب زكريا وياسين ويونس،
وابتسامة زكريا كانت كفيلة أن تكمل المشهد دفئ:
إنتو حتى العيد مش عاتقين نفسكم؟! ارحمونا بقى!
تبادلوا النظرات، وارتفعت ضحكاتهم قليلًا… ثم استقرت،
احتضن شاهين زكريا بذراع مشدود، كأنما يتمسك بكلمة
تنقذه من دوامة داخله، وهتف بنبرة حادة تخفي تحتها ضيق يتآكله: يا عم خليك شاهد… أنا لو رمضان اللي جاي جه وأنا مش متجوز، هاخدها من قصيرها… ومش هصوم! مش هعذب نفسي على الفاضي!
انفجر أحمد ضاحكا، ضحكة مشبعة بمكر مستفز، وهز رأسه بمرح خبيث: براحتك… إن شاء الله عنك ما صومت! مفيش جواز غير لما الدكتور يقول.
تجمدت ملامح شاهين لحظة، كأن الكلمات سقطت عليه كصفعة، وعيناه بدأت تلمعان بشيء أقرب للانفجار.
مال عليه ياسين، وهمس بصوت خافت، كمن يفتح له باب جانبي: دي سهلة… روق على الدكتور، يروق عليك.
التفت له شاهين ببطء، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة خبيثة، وقال بنبرة نصف مازحة ونصف جادة: اجري الحقني بنص عجل!
لم تمضِ لحظة حتى لكزه زكريا بعنف، وخرح صوته صارم، حاد : قصدك إيه يا لا؟! الدكاترة مرتشين يعني؟! لم نفسك بأفكارك اللي تودي في داهية!
ثم أكمل بجدية لا تقبل المزاح: الدكتور مش هيقول غير اللي في مصلحة حور.
لوح شاهين بيده في الهواء بضيق ظاهر، كأن الكلمات لم ترضه: ماشي… يعني أنا هتعلق كده لحد إمتى؟
تنهد زكريا، ثم قال بصوت أهدأ، لكنه واضح: على فكرة… حالة حور عدت عليا قبل كده… وينفع تتجوز،
ثم نظر له بتركيز وأضاف: بس تخليك حاسس.
كأن الدنيا كلها انفرجت في لحظة، انحنى شاهين عليه واحتضنه بقوة، يهتف بفرحة صافية: ورحمة أبوك… دانا هحليلك بوقك على البوقين الحلوين دول!
ضحك زكريا وهو يهز رأسه، مرددا بنفس المزاح:
ورحمة أبوك!
رفع شاهين رأسه، والتفت نحو أحمد بنظرة انتصار صريحة، وقال بثقة عالية: شوفت يا أبو حميد؟ أهو الدكتور بنفسه قال!
لكن أحمد… لم يرد…نظر إليه فقط…
نظرة جامدة، باردة، خالية من أي أثر للضحك الذي كان منذ لحظات،
ثم هز رأسه ببطء، و استدار… وانصرف.
تلاشى صوته وسط الزحام، وبقي أثره… أثقل من أي كلمة.
تجمد شاهين مكانه،يتابع ظهره وهو يبتعد،
وابتسامة الانتصار على وجهه انكسرت… دون أن تسقط بالكامل.
ـــ ماله ده؟!
قالها بدهشة صادقة، كطفل لم يفهم أين أخطأ: هي أول مرة أقوله إني عايز أتجوز البت؟!
ربت يونس على منكبه، وخرج صوته هادئ، لكن يحمل ثقل الحقيقة: اصبر يا شاهين… البت لسه صغيرة، وعمك خايف عليها…
وسكت لحظة، ثم أكمل: دي مريضة قلب… يعني مش حاجة سهلة.
ابتسم ياسين بخفة، محاول كسر الجو: اصبر يا عم… بكرة تقول إيه اللي أنا عملته في نفسي ده!
لكن يونس لم يترك المزاح يمر، لكزه بحنق واضح:
ولا لو خلفت وتبقى مش قادر تشوف بنتك غير بطلوع الروح!
هز رأسه بضيق وأضاف: يا عم اتلهي… بلا جواز بلا قرف!
تفرقت الكلمات حول شاهين، دخلت أذنه… ولم تستقر.
لأنه…لم يكن يسمعهم أصلًا.
كان واقفًا هناك…جسده بينهم،
لكن عقله… مع ذلك الظهر الذي ابتعد،
ومع تلك النظرة الباردة… التي لم يفهمها.
لأول مرة…
يشعر أن الرفض لا يأتي ككلمة، بل كجدار صامت…
يقف في وجهه، ولا يترك له حتى فرصة السؤال.
وفي قلبه… بدأ شيء يتكون، شيء ليس غضب فقط…
بل إصرار أعمى، إذا اشتعل…لن يطفئه أحد.
……..
في منزل عبد التواب المهدي…
كان العيد قد سبقهم إلى الداخل،
استقر في زوايا البيت، على أطراف السجاد، وفي رائحة الطعام التي تتسلل من المطبخ كدعوة مفتوحة للحياة.
دلفت شهد، وهي تضبط حجابها بعجلة خفيفة، كأن الفرحة لا تنتظر اكتمال التفاصيل، وهتفت بصوت مفعم بالبهجة: كل سنة وانتي طيبة يا فوزية… والسنة اللي جاية تكوني جوزتي العيال!
نهضت فوزية على الفور، واحتضنتها بحنان أمومي دافئ، كأنها تضم ابنة لا سلفتها، وقالت وهي تبتسم: وانتي طيبة يا حبيبتي… وتجوزي عروستنا ونفرح بقى.
وقبل أن تهدأ اللحظة…
انفتح الباب على عجل، ودخل أحمد بخطوات سريعة، وصوته يسبق حضوره: كل سنة وانتو طيبين! حضرتوا الفطار؟
تبادلت شهد وفوزية نظرة ضاحكة، ثم قالت شهد بخفة:
على السفرة يا أخويا… بس فين العيال؟
كأن السؤال كان إشارة،
إذ دلف شاهين، وخلفه زكريا ويونس وياسين،
ضحكاتهم تدخل قبلهم، وصخبهم يملأ البيت دفعة واحدة،
فيعيد ترتيب الصمت… على مقاس الفرح.
هتف ياسين بسعادة صادقة: كل سنة وانتي طيبة يا فوفة!
فتحت له فوزية ذراعيها، وضمته وهي تضحك: وانت طيب يا قلب فوفة… وأجوزك يا واد!
قهقه ياسين، ورفع يده كمن يتبرأ من تهمة: لا لا… ده تخصص شاهين، أنا براءة!
رفعت فوزية حاجبها بدهشة مصطنعة، ثم لوحت بيدها قائلة: والله لأجوزه… خليك انت بخيبتك!
انفجرت الضحكات من جديد،ضحكات صافية…
لكنها توقفت عند واحد فقط.
شاهين.
كان واقفا بينهم… لكنه ليس معهم، عيناه معلقتان بباب واحد،باب غرفة حور… المغلق.
قال بصوت حاول أن يجعله عادي، لكنه خانه: هي حور لسه نايمة ياما؟
هزت فوزية رأسها بنفي هادئ، وقالت: لا يا ضنايا… صحيت، كانت بتنشف شعرها.
جلس شاهين ببطء، لكن عينيه لم تتحركا عن الباب،
ثم مال قليلًا نحو أحمد، وابتسامة خبيثة ترتسم على شفتيه: تسيبه مبلول… ريحته بتبقى حلوة.
في لحظة…تبدلت ملامح أحمد.
رفع حاجبه، ونظر إليه نظرة حادة، فيها شيء من الغضب… وشيء آخر أشد خفاء، ثم قال بنبرة تحمل تحذير واضح: اللعب… اللعب في عداد عمرك، اللعب.
عالت الضحكات في قلب البيت،
حيث تختلط الضحكات برائحة العيد،
كان هناك خيطٌ رفيع…يتشد ببطء بين قلبين،
أحدهما يندفع بلا خوف،
والآخر…
يحاول أن يوقفه، قبل أن يسقط الجميع.
تراقصت الضحكات بينهم، خفيفة، طليقة، كأن العيد أطلق سراحها من صدورهم،
ساد صمت قصير،لم يلاحظه الجميع…
لكن شاهين شعر به…شعر أن الكلمات لم تكن مجرد مزاح،
بل حد رسم له… بوضوح.
وفجأة…
انشطر المشهد بهدوء ناعم، كأن لحظة من نور قررت أن تتجسد.
خرجت حور…
لا كفتاة تمشي، بل كضياء يتسلل بين الغيوم،
كالبدر حين يكتمل في ليلة أرهقها الانتظار،
فتتوقف القلوب… لا لتنبض، بل لتتأمل.
انساب صوتها، رقيق، شفاف، كأنما خلق ليسمع لا ليقال:
كل سنة وانتو كلكم طيبين يا أحلى عيلة…
التفتت العيون إليها دفعة واحدة،لكن عين واحدة… لم تلتفت فقط،بل توقفت.
شاهين…كان ينظر…
وفي نظرته شيء يتجاوز الإعجاب، يتجاوز الدهشة…
شيء أقرب للانبهار الصامت،
كأن العالم كله انكمش، واختزل فيها.
يالله…كم كانت جميلة.
وجهها… لم يكن مجرد ملامح، بل قصيدة عشق كتبت بعناية،.كل تفصيلة فيها بيت، وكل نظرة… معنى لا يقال.
وشعرها…
ينسدل كجدول من ليل مسحور،
يحتضن الضوء ولا يسمح له بالهروب،
كأن فيه سر لا يفهم… بل يشعر.
أما ذلك الثوب… الوردي الفاتح، فلم يكن مجرد ثوب،
بل كان كحلم خجول يحاول أن يلتصق بها،
كأنه لا يريد أن يكون شيئا منفصل…
بل يريد أن يختبئ بين بشرتها… ويصير جزء منها.
ابتلع شاهين أنفاسه دون وعي، وشيء دافئ… خطير… بدأ يتمدد في صدره،ذلك الشعور الذي لا يقاوم…
ولا يعقل.
وفي تلك اللحظة…لم يكن يرى العيد، ولا يسمع الضحكات،ولا يشعر بأحد حوله…
كان يرى حور فقط.
تقدمت حور بخطوات هادئة،
لكن حضورها لم يكن هادئ أبدًا…
كان يملأ المكان، كما يملأ الضوء فجأة غرفة معتمة.
ارتمت في حضن فوزية، تحتضنها بحب خالص، كأنها تعود إلى ملاذها الأول، وقالت بصوت دافئ: كل سنة وانتي طيبة يا ست الحبايب…
شدتها فوزية إليها، بقوة لا تخلو من خوف دفين، كأنها تخشى أن تفلت منها، وقالت بصوت يغمره حنان يفوق الوصف: وانتي طيبة يا حتة من كل الحبايب…
انتقلت حور إلى شهد،
وضمتها بنفس الشوق، وكأنها تبحث في ذراعيها عن طمأنينة أخرى، وهمست بحب: كل سنة وانتي طيبة يا أحلى ماما…
احتضنتها شهد،احتضان طويل… عميق،
كأنها تحاول أن تخفيها داخل قلبها، لا تكتفي بوجودها بين ذراعيها، وقالت بنبرة مفعمة بالعاطفة: وانتي طيبة يا حورية البحر…
ثم…
اتجهت نحو أحمد. اقتربت منه بخطوة واحدة،
والقت نفسها بين أحضانه، وقالت بحنان صادق:
كل سنة وانت طيب يا حبيبي…
احتواها أحمد بين ذراعيه، احتواء رجل لا يرى في الدنيا شيئا يوازيها،
وقبل رأسها بحب جارف، ثم قال بصوت ممتلئ بامتلاك واضح: وانتي طيبة يا روح بابا… وكل سنة تكوني في حضن بابا.
ثم أشار بيده بحزمٍ لا يقبل النقاش، وأضاف: حضن بابا بس… فاهمة؟
ابتسمت حور…
ابتسامة حاولت أن تكون طبيعية،
لكنها لم تستطع أن تخفي ذلك التوتر الذي ارتجف في عينيها،
ولا ذلك الارتباك الذي شد أنفاسها…رفعت عينيها…
نحو شاهين..وكانت تعرف…تعرف جيدًا…
أنه لا يرى هذا المشهد ككلمات عابرة،
بل كحدود ترسم أمامه…
وتغلق في وجهه كل باب …
اقتربت شهد، محاولة كسر ذلك التوتر الخفي، وقالت بنبرةٍ عملية: طيب يلا… الفطار هيبرد.
تحرك أحمد معها،وتبعتهما حور نحو السفرة،
لكن شيئا ما… ظل معلق خلفهم.
نظرة…لم تكن عابرة،
بل كانت كشرارة سقطت في حقل جاف.
وصمت…ليس هدوء ، بل هدير مكتوم،
كأن شيئا ما يسحب إلى الخلف…
ليقذف بقوة أشد.
زفر شاهين بغيظ حارق، كأن أنفاسه نفسها ترفض البقاء داخله، وغمغم من بين أسنانه، بصوت مشدود:
مصمم إنت تطلع القاتل المتسلسل اللي جوايا…
مال ياسين نحوه، ابتسامة ساخرة ترتسم على شفتيه، وهمس بخبث مستفز: اقتله يا عم… وخلصنا!
رمقه زكريا بنظرة نارية، وقال بحدة قاطعة: إنت اتفكيت معاهم ولا إيه يا لا؟!
رفع ياسين حاجبه، متصنع براءة لا تخدع أحدًا:
هم مين؟
قهقه يونس، وضربه على كتفه بعنف مرح، وقال بصوت مليء بالتهكم: الشياطين يا ابن الكلب!
اهتز ياسين بالضحك، وألقى رأسه للخلف، وقال بمبالغة كوميدية: دول كانوا متسلسلين… وسبوني مكانهم!
انفجرت الضحكات…عالية، صاخبة،
كأنها تحاول أن تملأ الفراغ ،أن تغطي على شيء لا يجب أن يظهر.
لكن…الضحك أحيانا…يكون مجرد قناع.
فخلفه…كان هناك ما لا يضحك.
شيء يتكون… ببطء مخيف.
في صدر شاهين…
لم تكن نار عادية، بل كانت فكرة…والأفكار حين تشتعل…
لا تطفأ بسهولة.
كانت تكبر،تتمدد في عروقه،تدق على جدران صبره،
وتهمس له بشيء واحد: خذ ما تريد… مهما كان الثمن.
وعلى الطرف الآخر…
كان أحمد…لا يتكلم…لا يضحك…لكنه يبني جدار.
ليس من حجر فقط، بل من خوف قديم،
ومن حب شرس تمكن منه، ومن يقين قاسي
أن العالم لا يؤتمن…ولا يسلم له ما نحب.
كل نظرة منه…كانت طوبة..كل صمت…
كان إسمنت يثبت هذا الحاجز أكثر.
جدار…لا يرى، لكن يحس بثقله، يغلق الطريق…
قبل أن يفتح.
وبينهما…حور…ليست طرف…بل المسافة نفسها.
تقف هناك ،بملامح هادئة، وقلب لا يعرف بعد
أنه صار ساحة لحرب صامتة.
لا تسمع صوت النار…ولا ترى الجدار… لكنها تشعر.
بثقل خفي،بشيء يضغط على روحها دون سبب،
بأن الهواء… لم يعد خفيف كما كان.
وفي لحظة…رفعت عينيها…والتقت به.نظرة واحدة…
لكنها لم تكن عابرة.
كانت وعد…وتهديد… وبداية شيء
لن ينتهي بسهولة.
فبعض الحروب… لا تعلن…تبدأ بنظرة،
تكبر بصمت،ثم… تحرق كل شيء.
نظر إليها وهي تتجه نحو المطبخ،
نظرة لم تكن عابرة، بل كانت تتبعها كأنها خيط حياة يشده من داخله دون أن يشعر.
وفي لحظة قصيرة، نهض…
كأن جسده سبق قراره، وتحرك خلفها بلا تردد.
اقترب منها فجأة،
وسحبها من خصرها في حركة حازمة، ألصقها بصدره،
حتى ارتجف الهواء بينهما، وتوقفت خطواتها كأن الأرض سحبت من تحتها.
وانخفض صوته عند أذنها، مبحوح، خافت، يحمل مزيج من عبث واشتياق: إيه؟ مفيش كل سنة وإنتي طيبة يا بت؟
حاولت حور التملص، لكن قبضته لم تكن قاسية… كانت واثقة، مطمئنة رغم ارتباكها، وهمست بخجل: كل سنة وإنت طيب… وحبيبي الطيب… ابعد بقى وخليك طيب.
ضحك، ضحكة قصيرة مشوبة بخبث خفيف، ثم همس وهو لا يزال قريبًا منها أكثر مما ينبغي: كده أبقى طيب؟ طب لو شرير… عارفة أعمل إيه؟
هزت رأسها بالنفي سريعًا، وجسدها يرتجف بين ذراعيه، وهمست بخجل متقطع: هتعمل إيه؟
اقترب أكثر، حتى صار صوته كأنه ينساب داخلها لا إلى أذنها،
ومرر شفتيه على عنقها ببطء متعمد، يترك أثر من رجفة لا ترى، وهمس: هقتل أبوكي.
شهقت حور بفزع، وحاولت دفعه بوهن مشوب بخجل ودلال مرتبك، وهمست: اخص عليك… يهون عليك أبو حميد؟
نظر إليها في لحظة تغير فيها كل شيء؛
العبث انسحب قليلًا، وظهر مكانه غضب مكتوم، وشيء أعمق من الغضب… تعلق لا يفهم، وقال بصوت أخفض لكنه أثقل: ما أنا بهون عليه يعذبني.
هزت رأسها سريعًا، كأنها تحاول نزع ذلك الثقل من صدره، وقالت: لا… اصبر بس شوية.
أومأ برأسه على مضض، كمن يبتلع اعتراضه، ثم قبض على يدها برفق حازم، وسحبها معه نحو الخارج، وهو يقول بنبرة عادت إليها لمسة العبث: تعالي… أوريكي حاجة بمناسبة اللون اللي انتي لابساه… هتعجبك أوي.
وتحرك بها،لكن في عينيه، لم يكن اللون وحده هو ما يراه…بل شيء أعمق،أخطر،
وأشد تعلق مما ينبغي.
تحرك بها بخطوات هادئة،
كأنما يخشى أن يوقظ شيئا نائما بين اللحظة والأخرى،
حتى دلفا الغرفة، وأغلق الباب خلفهما بإحكام خفيف…
قطع به ضجيج البيت، وترك العالم خارج كما هو، بلا قدرة على الدخول.
تقدم نحو الخزانة،
فتحها ببطء غير معتاد، كأن الداخل لا يفتح كل يوم،
ثم أخرج حقيبة قديمة…
تفوح منها رائحة لا تشبه العطر، بل تشبه الزمن نفسه.
جلس على الأرض،
فجلست حور أمامه، تراقبه بدهشة صامتة،
عينها تتنقل بين ملامحه والحقيبة كأنها تبحث عن تفسير لا يأتي.
همست بخفة: فيها إيه الشنطة دي؟
أمسك السحاب، وسحبه ببطء، فانفتح معه باب آخر…
باب لا يرى من الذكريات..
قال بصوت خافت، فيه حنين يجرحه قبل أن يلمسه:
فيها ذكرياتنا… حتى اللي انتي نسيتيها.
أخرج فستان صغير، وردي اللون،
فرده أمامها كأنه يعرض جزء من قلبه لا من قماش،
وقال وهو يحدق فيه قبل أن يرفع عينيه إليها: أكيد مش فاكرة الفستان ده.
تأملته حور لحظة، ثم هزت رأسها بدهشة بريئة:
لا مش فاكره … بس شكله حلو.
ابتسم شاهين ابتسامة خفيفة،
لكن في عمقها شيء أوسع من الفرح، وقال بصوت متهدج:.نفس الكلمة قولتيها زمان…
ده أول فستان أجيبه ليكي يوم العيد… كان عندك خمس سنين.
مررت حور يدها على القماش برفق،
كأنها تلمس ذاكرة لا تخصها وحدها، وقالت بصوتٍ
مدهوش: ياااه… ولسه شايل كل ده؟
ساد الصمت للحظة، لكن داخل شاهين… لم يكن صمت.
كانت الذكرى تتحرك داخله بوضوح قاسي؛
طفلة صغيرة تضحك،
يده الصغيرة وهي تحمل الفستان كأنه كنز،
وصوت قديم لم يمت بعد…
يربط الماضي بالحاضر بخيط لا ينقطع.
غامت عيناه قليلًا،ولم يعد يرى الحقيبة…
بل يرى عمر كامل يعود إليه دفعة واحدة،
كأن الزمن لم يمضي،
بل كان ينتظره هنا… في هذه الغرفة.
انفتح الفلاش باك كأنه باب آخر داخل الباب،
ليس باب غرفة… بل باب زمن كامل يعود دفعة واحدة.
دلف شاهين من باب البيت،
يحمل حقيبة في يده، وخطواته فيها لهفة واضحة،
وخرج صوته دافئ أجش كأنه يحمل العيد قبل أن يأتي:
حوووور…
جاء صوت فوزية من المطبخ، ممتد كطمأنينة البيت القديمة: عند شهد يا شاهين!
التفت فورًا،
كأن الاسم وحده كافي ليغير اتجاه العالم،
ثم خرج مسرع من الشقة، واتجه إلى شقة أحمد، وطرق الباب.
فتحت شهد،
فابتسم بسرعة طفيفة، وقال بلا مقدمات: ادخلي يا شاهين.
دخل،
لكن عينيه لم تستقر على شيء،كانت تبحث…
تفتش في الزوايا كأنها تبحث عن نبض صغير.
قال بلهفة واضحة: اوعي حور تكون نامت؟
هزت شهد رأسها بالنفي، وقالت بهدوء: لا… بحميها عشان تنام.
أشار بيده بسرعة، بنبرة فيها جدية ممزوجة بترقب:
طيب روحي انتي لحسن تبرد… وانا هستناها.
تحركت شهد إلى الداخل،وبقي هو في الصالة،
لكن جلسته لم تكن هادئة،
كان كمن ينتظر شيئًا أكبر من مجرد طفلة.
في الجهة الأخرى…كان أحمد يجلس أمام التلفاز،
لا يبدو منشغل، لكنه كان يراقب كل شيء بطريقته.
جلس شاهين بجانبه فجأة، وقال: قفلت بدري النهارده ليه؟ ده لسه ليلة عيد!
رفع أحمد حاجبه، ونظر إليه بنظرة جانبية فيها سخرية خفيفة: أديك انت قولتها… ليلة عيد يا لطخ يا عديم المفهومية.
ضحك شاهين بخفة، وقال دون تردد: وأنا عايز أتجوز عشان أعيد بقى.
لوح أحمد بيده بلا اهتمام، وقال: اتجوز حد حاشك؟ مفيش أكتر من البنات يعني.
لكن شاهين لم يكن يسمعه بنفس الطريقة،
كان يراه بعين أخرى…عين تبحث عن سببٍ لشيء أكبر داخله.
وقبل أن يرد، خرجت حور مع شهد…توقفت اللحظة.
كل الضجيج انكمش فجأة،
كأن البيت كله اختصر نفسه في تلك الخطوات الصغيرة.
فتح شاهين ذراعيه دون تفكير،
وكأن الجسد سبق العقل، وقال بابتسامة اتسعت فور رؤيتها: أنا هتجوز عشان أجيب أخ ليكي تلعبي معاه.
ركضت حور نحوه بلا تردد،وألقت نفسها بين ذراعيه بكل طفولتها،
وخرج صوتها نقي، صغير، يملأ القلب دون استئذان:
شينو… اتأخرت عليا.
وفي تلك اللحظة…لم يكن هناك بيت، ولا عيد، ولا أشخاص حولهم،
كان هناك فقط طفلة صغيرة تظن أن العالم كله يأتي متأخر إن لم يأتي في حضنه.
نهض شاهين بها بين ذراعيه، كأنها خفيفة كفكرة سعيدة،
وقبل وجنتيها بحنان صافي لا يشوبه شيء، وقال بصوت دافئ:كنت بجبلك هدية يا حورية البحر.
أشارت حور إلى صدرها بيدها الصغيرة، وعيناها تلمعان بفرح طفولي خالص: ليا أنا؟
أومأ شاهين برأسه بابتسامة واسعة، ثم جلس على الأرض، وأجلسها على فخذه كأنها عالمه الصغير،
وسحب الحقيبة من جانبه ببطء مقصود، كأنه يطيل لحظة المفاجأة.
فتحها…
فانكشف فستان وردي فاتح، بتفاصيل طفولية ناعمة، كأنه قطعة من حلم صغير خرج إلى الواقع.
شهقت حور بسعادة لم تستطع إخفاءها،
وخطفته من يده بسرعة ولهفة، وهي تقول بصوت يفيض دهشة: الله… ده عشان حور؟
أومأ شاهين برأسه، وعيناه تتابعان فرحتها وكأنه يأخذ منها هو الآخر شيئًا يخصه،
ثم أخرج من الحقيبة حذاء صغير رقيق، وقال بهدوء ممتلئ بالاعتزاز: ودول كمان يا حبيبتي.
تناولتهم بيديها الصغيرتين، وضمتهم إلى صدرها بقوة لا تناسب عمرها،
كأنها تخشى أن يهرب الفرح منها لو تركته لحظة،
ثم ركضت بسرعة نحو شهد وهي تهتف ببراءة ممتزجة بالدهشة: ماما بصي شينو جابلي إيه!
التقطتها شهد بين ذراعيها فورًا، واحتضنتها بحنان أمومي خالص، وقالت وهي تضحك بخفة: يا حبيبتي… متجريش كده!
سقط الحذاء من يدها الصغيرة، لكنها لم تنتبه،
كانت مشغولة بالفرح أكثر من أي شيء آخر، وهتفت بإصرار طفولي: أنا عايزة ألبسهم يا ماما دلوقتي!
هزت شهد رأسها بالنفي بلطف: الصبح يا حبيبتي… في العيد هلبسهملك.
لم تنتظر كثيرًا،
ركضت حور مرة أخرى نحو شاهين، وكأن الحل عنده دائمًا، وهتفت: أنا هلبسهم في العيد يا شينو!
أومأ شاهين برأسه، ثم حملها فجأة على ظهره بخفة مألوفة، وقال مبتسم: طيب تعالي بقى… عشان بابا كمان يعيد.
ضحكت حور وهي تتشبث به،
ذلك الضحك الصغير الذي يشبه الطيران دون أجنحة،
كأنها لا تسير… بل تحلق فوقه.
ضحك أحمد من بعيد، وهتف مازح: ماشي كده… إنت تبقى معلم يا شاهين، يا أبو المفهومية!
قهقه شاهين وهو يتحرك بها نحو الخارج، وقال بخفة لا تخلو من حب:حبيبي يا أبو حميد… عيش وادعيلي.
وغادر وهو يحملها على ظهره، وهي تلوح بيديها الصغيرة،
كأن العالم كله في تلك اللحظة…
كان بسيط بما يكفي ليحمل على ظهر رجل واحد،
ويسمى فرحة.
…..عوده ….
شهقت بخجل حاد، وارتدت للخلف قليلًا وهي تضربه بخفة مرتبكة: يا قليل الأدب!
أشار بيده باندفاع ساخر، وكأنه يدافع عن نفسه وسط اتهام ظالم، وقال بنبرة ممزوجة بالغيظ والعبث: وياريت طمر في أبوكي! أنا كنت باخدك عشان هو يعيش، ودلوقتي واقفلي فيها زي اللقمة في الزور!
انفجرت ضحكتها، قصيرة، متوترة، ثم قالت وهي تحاول إخفاء ارتباكها: إنت اللي قليل الأدب!
لكن الضحك لم يكتمل…اقترب منها فجأة…
دون أن يمنح اللحظة حقها في التفكير،
كأن المسافة بينهما كانت خطأً قديمًا قرر تصحيحه الآن.
ارتبكت أنفاسها قبل أن تسبقها الحركة،
لكن يده كانت قد سبقتها، تثبتها بخفة مشدودة عند خصرها،
لا قسوة فيها… بل يقين يجعل الهروب فكرة مستحيلة.
ثم انحنى…
لا كمن يطلب، بل كمن يعترف بما لم يقل يومًا.
التقت أنفاسهما قبل أن تلتقي الشفاه،
وكانت تلك اللحظة كافية لتغيير شكل الهواء بينهما،
التهم شفتيها بنهم مختلط بالاشتياق،هادئة في بدايتها،
لكنها لم تبقي كذلك…
اشتعلت القبلة وخرجت عن حدود المزاح،
فارتجف جسدها تحت وطأتها، كأنها فقدت توازنها في لحظة واحدة،
ووضعت يدها على صدره، تتشبث به لا لتبعده، بل لتفهم ما يحدث.
ثم… انزلق بها إلى الأرض،
كأن الجاذبية لم تعد تخص العالم، بل تخصه هو فقط،
وانحنى على عنقها، ينهش بشرتها بنهم ممزوج بجنون مكبوت،جنونٍ لم يعد يعرف طريق التراجع.
مرر يده علي وجنتها برفق تحول تدريجيا إلى اعتراف ثقيل،
إلى اشتياق خرج من صمته الطويل دفعة واحدة،
كأن كل ما كتم بينهما قرر أن يتكلم دفعة واحدة بلا كلمات.
ارتجف جسدها دون إرادة،
ولم يكن الارتجاف خوف بقدر ما كان ارتباك من هذا القرب الذي لا يشبه أي قرب آخر،
فوضعت يدها على صدره كأنها تبحث عن ثبات داخل العاصفة.
أما هو…فلم يكن يقبلها فقط،. بل كان يمتص لسانها وشفتيها كمن يستعيد شيئًا ظنه ضاع،
شيئا لا يقال اسمه، لكنه يشعر كأنه حياة كاملة تختصر في لحظة.
شهقت حور بفزع حقيقي، ودفعته بأطراف أصابعها المرتجفة، وكأنها تستجمع ما تبقى من وعيها، وهمست بصوت مبحوح: شاهين… لا… لا… أوعى!
وحين بدأ العقل يطرق الباب متأخر،
تراجعت أنفاسه قليلًا،كأن الجمر داخله أجبره على التوقف قبل أن يحرق كل شيء.
ابتعد ببطء موجوع، لكن أثر اللحظة ظل عالق بينهما،
أثقل من أن يمحى، وأصدق من أن يتجاهل.
ابتعد فجأة.
كأن شيئًا داخله اصطدم بحاجز غير مرئي،
عض على شفته بقوة، يحاول كبح نفسه، كبح ذلك التيار الذي كاد يجرفه بالكامل،
ثم اعتدل بها ببطء، وأعادها بين ذراعيه، لكن دون اندفاع، دون جنون، فقط محاولة استعادة السيطرة.
خرج صوته مبحوح، منخفض، كأنه خرج من صدر مثقل:
متخفيش… اهدي.
وسكن المكان بعدها لحظة، لكن السكون لم يكن هدوء…
كان أثر ما كاد يحدث، ما زال واقف بينهما، لا يغادر.
انفتح الباب دفعة واحدة، كأن الهواء نفسه قد انشق قبل الخشب.
اندفع أحمد إلى الداخل،وغضبه سبق خطواته، وصوته شق الصمت المحيط كالسيف: إنت يالا مش هتتلم بقى؟!
تجمدت اللحظة…حور تسمرت في منتصف المشهد،
ملامحها مشتعلة بخجل مرتبك، وأنفاسها لم تستقر بعد،
وكأنها خرجت للتو من عاصفة لا يفهمها أحد سواها.
اقترب أحمد بخطوات سريعة، ثم أمسكها من ذراعها وسحبها نحوه بحماية مشوبة بالغضب، وهدر بصوت مكتوم لكنه قاسي: سحبتها على أوضتك ليه يا بجح؟
نهض شاهين ببطء شديد،لا كمن يقوم… بل كمن يختار المواجهة، ووقف أمامه ببرود قاتل يخفي تحته اشتعال عميق، وقال بصوت منخفض حاد: كنت بفكرها بالذكريات يا أبو حميد.
ارتفع حاجب أحمد في لحظة،
وغضبه لم يهدأ، بل ازداد صلابة، ثم رفع إصبعه في تحذير صريح: متقربش منها تاني…
وسكت لحظة، ثم أكمل بلهجة لا تقبل نقاش: وإلا مش هخليها تدخل الشقة دي تاني يا شاهين.
تبادل الاثنان نظرة مشحونة، نظرة لا تحتاج صوت لتقول كل شيء.
لكن أحمد لم ينتظر الرد،
استدار بسرعة، وسحب حور خلفه بخطوات حاسمة،
وهي تمشي معه مرتبكة، لا تدري إن كانت تسحب من موقف… أم من قلب.
وأُغلق الباب خلفهما.
بقي شاهين وحده…في فراغ ثقيل،
لا يوازيه إلا صمت أكثر ضجيج من الصراخ.
وقف مكانه،
عيناه ملعقتان بالأثر الذي تركه الجميع،
وصدره يمتلئ بشيء واحد فقط…
ليس غضب عابر،
بل بركان كامل يبحث عن منفذ.
……………..
في اليوم التالي…
في منتصف النهار…
انفتح باب المنزل ببطء…وخرجت حور وقفت على العتبة لحظة…لا تفعل شيئًا، فقط تنظر.
عيناها اتجهتا نحو محل الجزارة…
نحو المكان الذي اعتادت أن تراه فيه واقف، صلب، حاضر… كأنه جزء من الشارع نفسه.
لكن اليوم…لم يكن هناك…الفراغ كان واضح…
مزعج… أكثر مما يجب.
شيء صغير انكمش داخل صدرها، لم تفهمه، فتجاهلته.
رفعت يدها، مررت أصابعها على خصلات شعرها تحت الحجاب، ثم شدت القماش حول وجهها بإحكام…
كأنها تحاول أن تستعيد سيطرتها على نفسها.
وخرحت الي الشارع كان حيا…
أصوات الباعة، ضحكات الأطفال، نداءات النساء من الشرفات… حياة كاملة تدور.
وحور…تمر بينهم كنسمة…خطواتها كانت هادئة… خفيفة…
تلقي السلام على هذا وذاك، بابتسامة نقية، لا تحمل من الدنيا إلا وجهها البشوش.
— صباح الخير يا خالتي.
— ازيك يا حبيبتي.
— ربنا يحفظك يا بنتي.
كانت تمر…وتترك خلفها شيئًا من النور.
ابتسامتها كانت صافية…
بريئة… لا تعرف كيف تخفي نفسها.
وكان هذا… خطرها الأكبر.
على ناصية القهوة البلدي…كان سعد جالس.
لكن جلسته لم تكن مستقرة…وعيناه لم تكونا غافلتين.
ما إن لمحها…حتى تغير كل شيء.
لمعة حادة ضربت عينيه، كأن شيئًا داخله اشتعل فجأة.
اعتدل… ثم نهض بسرعة.
أسرع مما يجب لرجل يحاول أن يبدو هادئًا.
اقترب منها…
خطواته تسبق تفكيره، ولهفته تكاد تنفضح رغم محاولاته الفاشلة لإخفائها.
خرج صوته أجش…دافئ… لكنه مثقل بشيء غير مريح… شيء يلتصق بالكلمات ولا يرى : كل سنة وانتي طيبة يا قمر.
توقفت حور، التفتت له بدهشة صافية وهتفت : عمو سعد! وانت طيب… انت هنا؟ مش مع شاهين؟
عمو…الكلمة نزلت عليه كضربة ناعمة…
أوجعته دون أن تترك أثر ظاهر.
ابتسم.
لكن ابتسامته لم تكن بريئة بالكامل: لا… أنا هنا لما يكون شاهين مش هنا… يا حورية.
قالها ببطء…كأنه يتذوق الاسم… لا يناديه فقط.
أومأت حور بخجل، وخفضت عينيها…لم تري نظرته.
أما هو…فكان يراها بهدوء قاتل…عيناه تتحركان عليها دون حياء كامل، دون فجاجة أيضًا… تلك المنطقة الرمادية… الأخطر.
قال بصوت هاديء ظاهريًا: رايحة فين كده؟ ونزلة لوحدك ليه؟
أشارت بيدها في بساطة، لا تشك في شيء: رايحة الصيدلية أجيب طلب لماما… يا عمو سعد.
توقفت أنفاسه لحظة… كلمه عمو.
ابتلعها هذه المرة بصمت…لكن فكه شد، وعينيه أظلمتا لثانية خاطفة.
ثم ضحك… ضحكة خفيفة، لكنها خرجت مشدودة: على الطلاق أنا سعد… ومسعد… وسعيد كمان عشان عمو سعد دي!
ابتسمت حور بخجل…
ابتسامة لا تعرف أنها تشعل أكثر مما تهدئ.. وقال : هروح أجيب الحاجات واطلع على طول… متقلقش.
كيف لا يقلق؟! لو كانت تعرف كيف يعتريه القلق عليها..
أومأ برأسه… ببطء…لكن القلق لم يكن ما يسكنه.
كان شيئًا آخر…أثقل… أعمق… وأكثر حده..
أشار بيده وقال : طيب تعالي يا قمر… أوصلك.
تحركت بجانبه…ببراءة كاملة.
أما هو…فلم يكن يسير فقط كان يراقب.
كل خطوة تخطوها…اهتزاز خفيف في حجابها…
نبرة صوتها حين ردت على امرأة في الطريق…
كل شيء…عيناه لم تكن أمامه…
كانت عليها…كأنها الشيء الوحيد الموجود.
دلفا إلى الصيدلية…
رائحة الأدوية امتزجت ببرودة المكان، والهدوء فيه كان مختلف عن صخب الشارع بالخارج…
هدوء مراقب… كأن كل شيء يرى بوضوح زائد.
تقدمت حور بخطوات بسيطة، وأشارت إلى الطبيبة، ثم مدت لها الورقة: عايزة اللي في الورق دي لو سمحتي.
أخذت الطبيبة الورقة بهدوء، ألقت عليها نظرة سريعة: حاضر… ثواني.
تحركت بين الرفوف، أصابعها تلتقط العلب واحدة تلو الأخرى، بينما حور تقف في مكانها… ساكنة…
وعيناها تتابع الحركة دون تركيز حقيقي.
أما سعد…فلم يكن يرى الأدوية…كان يراها هي.
واقف خلفها قليلا، قريب بما يكفي ليرى تفاصيل لا تلاحظ…
انحناءة كتفها… ارتعاشة خفيفة في أصابعها… خصلات شعر هاربة تحت الحجاب.
كل شيء.
عادت الطبيبة، وضعت الأدوية على الطاولة، ثم قالت: اتفضلي… تلاتميت جنيه.
مدت حور يدها إلى حقيبتها…لكن قبل أن تلمس المال
كان سعد قد سبقها…أخرج المبلغ، ووضعه أمام الطبيبة بحركة سريعة، حاسمة: اتفضلي يا ست الدكتورة… خلاص يا حورية.
توقفت يد حور في الهواء…نظرت له بدهشة خفيفة، ثم أومأت برأسها دون اعتراض، كأن الموقف مر عليها من قبل.
همست بصوت خافت: شكرًا…
وخرجت بخطوات سريعه وخلفها مباشرا
في الخارج…
الشمس كانت أقوى… لكن إحساسها لم يكن أخف.
سار بجانبها، أقرب هذه المرة.
وقال بنبرة بدت عادية… لكنها لم تكن كذلك كانت ممتلئ باهتمام بالغ : بصي… لما تكوني عايزة حاجة تاني، ما تنزليش لوحدك.
التفتت له باستغراب بسيط… اوما برأسه وأكمل، وعيناه لا تتركها: اطلعي البلكونة… وشيعي أي عيل على القهوة أو المحل… وأنا هجيبلك كل اللي انتي عايزاه.
كلماته خرجت في صورة اهتمام…
لكنها كانت تحمل شيئًا آخر…
شيئًا يشبه… الخوف ..
أشارت بيدها بخفة، وقالت بصوت خافت: أنا كنت فكراك مع شاهين يا عمو.
عمو…مرة أخرى…هذه المرة لم يبتسم.
هز رأسه بالنفي، ونبرته خرجت أثقل، أكثر ثبات : لا… مينفعش نغيب إحنا الاتنين في نفس الوقت عن الحارة… ولا عندك يا ست البنات؟
حاول أن يجعلها مزحة…لكن عينيه لم تضحكا.
ابتسمت حور بخجل، دون أن تقرأ ما خلف الكلمات، ثم تحركت نحو منزلها… بخطوات هادئة..آمنة… كما تظن.
وخلفها…وقف سعد مكانه لثواني ..لم يتحرك.
فقط تابعها بعينيه… بحنو دون تردد..
خرج أحمد من المحل…
وتوقف عند العتبة كأنه لم يصدق ما تراه عينه أول الشارع.
رفع رأسه ببطء، ثم نادى بصوت فيه حدة ممزوجة بالقلق: نزلتي ليه يا حور؟
اقتربت حور ومعها سعد…
خطواتها هادئة، بريئة، لا تحمل من العالم إلا طمأنينة سطحية لا تعرف ما يخفى خلفها.
قالت بخفوت متوتر : كنت في الصيدلية يا بابا.
أومأ أحمد برأسه فورًا، كأن كلمتها أطفأت شيئًا كان مشتعل بداخله، ثم مد يده وربت على كتفها بحنو واضح: طيب يا بابا… اطلعي.
ابتسمت ابتسامة صغيرة، أومأت، ثم دخلت البيت واختفت خلف الباب.
لكن نظرة سعد… لم تختفي معها.
ظل واقفا ثواني أطول من اللازم، يتابع الأثر الذي تركته خلفها في الفراغ…
ثم تحرك ببطء ودخل المحل.
جلس على طرف المكتب دون استئذان، كأنه جزء ثابت من المكان، وقال مباشرة: شاهين كلمك؟
أحمد كان منهمك في شيء ما، لكن صوته خرج هادئ: آه… كلمني… راجع بالعجول مع الرجالة.
ساد صمت قصير…
ثم زفر سعد زفرة خفيفة، لكن فيها ثقل غير معتاد: ربنا يجيبه بالسلامة.
رفع أحمد عينيه نحوه، يحدق فيه لحظة طويلة قبل أن يتكلم: غريب أنت يا سعد… مرة اقول حنين، ومرة كأن قلبك حجر… محدش فاهملك حال يا جدع.
ضحك سعد ضحكة قصيرة… بلا حرارة: أنا على كل لون يا معلم أحمد.
لكن الضحكة لم تغلق الجملة…كانت ناقصة شيء.
ربت أحمد على يده الموضوعة على المكتب، وقال وهو يميل قليلًا للأمام: طيب قولي… متجوزتش ليه لحد دلوقتي؟ ده أنت من سني يا جدع… كنت زمانك مخلف زي حور أو أكبر منها كمان.
توقف الزمن لحظة عند كلمة مخلف.
سكت سعد…عيناه ثبتت في نقطة فارغة…
كأن السؤال فتح بابا قديم لا يريد فتحه.
ثم عاد… بابتسامة جانبية، لكن هذه المرة كانت أعمق، فيها شيء يشبه التعب: الجواز يا أحمد… مش دايمًا نعمة.
مال بجسده للخلف على الكرسي، وأكمل بهدوء محسوب: اللي شفته من الدنيا ومن النسوان… يخليني أحط مسافة بيني وبين اي حد خليني كده خفيف خفيف احسن …. أنا شغلي ما بيأمنش بكرة… أجيب حد يتلطم بعدي ليه؟
هز أحمد رأسه سريعًا، معترض وقال : غلطان يا سعد… دي الدنيا من غير حور ما تسواش بصلة.
هذه الجملة تحديدا…لم تمر على سعد مرور الكلام.
ابتسم…لكن ابتسامته هذه المرة لم تكن رد…
كانت اعتراف صامت.
— دي حور…ومين يجيب زيها يا معلم؟
قالها بهدوء شديد، كأنه لا يمدحها فقط… بل يقر بشيء أكبر من المدح نفسه.
سكت أحمد…نظر إليه طويلًا…وفي عينيه…
كان هناك فرح بابنته…وقلق لا يعرف له اسم.
……..
بعد مرور أسبوع…
في عيادة الدكتور زكريا المهدي…
دلفت الممرضة إلى غرفة الكشف بخطوات هادئة، وقالت بنبرة عملية: دور مدام غزل يا دكتور.
رفع زكريا رأسه ببطء، كأن الاسم وحده شده من عالم آخر، وتوقفت عيناه لثواني في الفراغ قبل أن يستقر نظره عليها.
ثم قال بهدوء محسوب، يخفي خلفه قرار قاطع: خليها آخر دور.
ترددت الممرضة لحظة، ثم أومأت برأسها: حاضر.
خرجت وأغلقت الباب خلفها، تاركة خلفها صمت ثقيل.
وبعد لحظات، دلفت إحدى المريضات، فأشار لها زكريا برأسه دون اهتمام حقيقي: اتفضلي يا فندم.
في الخارج…
مر الوقت بطيئ… كأنه يتعمد استفزاز أعصابها.
كانت غزل جالسة، تهز ساقها بعصبية لا إرادية، أصابعها تتشابك وتنفك، وعيناها لا تكفان عن القفز نحو ساعة يدها.
زفرت بضيق، صوت أنفاسها صار أثقل من الانتظار نفسه.
همست لنفسها بحدة: هو أنا هبات هنا ولا إيه…
ثم نهضت فجأة، وكأن الصبر انقطع خيطه الأخير، واتجهت نحو الممرضة بخطوات سريعة.
وقفت أمامها وقالت بنبرة مشدودة تخفي توتر حارق: لو سمحتي… أنا اتأخرت جدًا. هدخل ولا أمشي؟
رفعت الممرضة رأسها فورًا، ونهضت باحترام: لا يا فندم، حضرتك بعد اللي جوه على طول.
قطبت غزل حاجبيها، ونظرت حولها بدهشة واضحة، الممر شبه خالي، والمقاعد صامتة: بعدها؟ إزاي يعني؟ ما فيش حد…
ولو واحدة دخلت دلوقتي، مش ممكن تدخليها قبلي؟
هزت الممرضة رأسها بالنفي، هذه المرة بنبرة أكثر جدية: لا يا فندم، متقلقيش… اللي جوه تخرج… وحضرتك بعدها علي طول..
تصلب وجه غزل قليلًا…
شعور غريب تسلل إليها، شعور أنها ليست مجرد دور في قائمة.
خفضت صوتها، وقالت بنبرة أبطأ، فيها شك واضح: هو… الدكتور قال كده؟
ترددت الممرضة لحظة… لحظة صغيرة، لكنها لم تمر على غزل.
ثم أجابت بسرعة محاولة إخفاء ارتباكها: أيوه يا فندم… بنفسه.
تراجعت غزل خطوة، وعيناها تضيقان ببطء…
وقلبها بدأ يخبط في صدرها بإحساس غير مريح.
همست لنفسها، بالكاد مسموعة: ليه؟
وعادت تجلس مكانها، لكن هذه المرة…
لم تهز ساقها فقط…
بل كانت تهتز من الداخل كله.
لحظات… وانفتح باب غرفة الكشف.
خرجت المريضة بخطوات هادئة، تعدل طرف ملابسها وهي تغادر، والممر يعود إلى صمته المعتاد كأن شيئًا لم يحدث قبل دقائق.
أشارت الممرضة نحو الداخل وقالت: اتفضلي يا مدام غزل.
أومأت غزل برأسها، ونهضت بخفة، وتحركت نحو الغرفة.
خطواتها كانت أبطأ قليلًا من المعتاد، كأن الهواء نفسه أثقل عند الباب.
دفعت الباب ودخلت…ثم أغلقته خلفها بهدوء.
في الداخل…
ساد صمت قصير، لكن لم يكن صمت عادي.
رفع زكريا رأسه فور دخولها.
كانت ابتسامة صغيرة قد استقرت على شفتيه دون قصد، كأن حضورها يغير شيئًا في ملامحه لا ينتبه له.
نهض ببطء، مد يده في ترحيب مهني، وقال بصوت رخيم ثابت: أهلاً مدام غزل… اتفضلي.
اقتربت منه، صافحته برقة، وقالت بنبرة مهذبة: أهلاً يا دكتور… مساء الخير.
كانت يدها خفيفة…
لكن لحظة المصافحة كانت أطول من اللازم في ذاكرة الصمت بينهما، وإن لم تعلن.
أشار ناحية غرفه الكشف ،وقال بصوت خافت : اتفضلي… نطمن على طول.
أومأت برأسها، ثم توقفت لحظة صغيرة قبل أن تتحرك، وقالت بابتسامة خفيفة ممزوجة بالخجل: شكل حضرتك مستعجل… وأنا آخر كشف وعايز تمشي.
رفع حاجبه قليلًا، ثم هز رأسه بالنفي، وابتسامة عابثة مرت على وجهه بسرعة: بالعكس… ده الأخير دايمًا ليه طعم تاني.. خيره كتير زي ما بيقولوا… واهتمامه بيبقى أكتر.
نظرت له بدهشة خفيفة، ثم ضحكت بخجل بسيط: بجد؟ كتر خيرك.
تحركت نحو غرفة الكشف، خطواتها هادئة، لكنها هذه المرة بدت أكثر وعي بالمكان… وكأنها تشعر بثقل غير مرئي خلف هذا الهدوء الطبي….أغلقت الباب خلفها.
ظل زكريا واقف لثواني…لم يدلف مباشرة.
كأنه يمنحها وقت لتستقر أولًا، قبل أن يبدأ دور الطبيب.
زفر زفرة خفيفة، ثم تحرك نحو الباب.
لكن هذه المرة…لم تكن خطواته مهنية بالكامل.
كان فيها شيء من التريث…
شيء يشبه التفكير قبل الاقتراب من باب لا يتعلق بالطب فقط.
مد يده إلى المقبض…وتوقف لجزء من الثانية.
ثم فتح الباب… ودخل.
دلف بخطوات حذرة، وكأن الأرض تحت قدميه ليست ثابتة كما تبدو…
جلس على كرسي الكشف، والتقط عبوة الجل، ضغط منها قليلًا، ثم سحب الملاءة برفق دون أن يلتقي بعينيها مباشرة.
برودة الجل لامست جلدها…فارتجف جسدها ارتجافة خفيفة خانتها.
بدأ الكشف…عيناه تتنقلان بين الشاشة… وبينها.
بين صورة باهتة بالأبيض والأسود… ووجه يحمل قلق لا يمكن إخفاؤه.
كانت تنظر إليه… لا إلى الشاشة.
تراقب ملامحه، كأنها تبحث فيها عن إجابة قبل أن تقال.
أومأ برأسه ببطء، ثم قال بصوت هادئ: حضرتك اتطلقتي من قد إيه؟
تجمدت للحظة…
ابتلعت غصتها، وكأنها تبتلع شوك عالق في حلقها، ثم قالت بصوت خافت: من شهرين يا دكتور.
لم يعلق فورًا…فقط أومأ، وعاد ينظر إلى الشاشة، بينما ملامحه تشددت قليلًا.
قال بعد لحظات: حضرتك عندك مشكلة بسيطة في المبيض الأيمن.
أومأت برأسها، وقالت بنبرة واهنة: آه… عارفة… بس أنا وقفت العلاج من وقت ما كنت متجوزة.
توقفت يده لثانية…
ثم أكمل الحركة ببطء، وقال بنبرة تحمل لوم خفيف: بس ده غلط… كان لازم تكملي.
الحمد لله الالتهابات خفت… نبدأ نعالج المشكلة البسيطة دي قبل ما تكبر.
أومأت برأسها، وهمست: إن شاء الله يا دكتور.
لكن صوتها…لم يكن فيه يقين… ولا راحة.
انتهى من الكشف، سحب يده بهدوء، ثم أعاد الملاءة كما كانت، وكأن كل شيء يجب أن يعود إلى طبيعته… رغم أن شيئًا ما تغير بالفعل.
نهض من مكانه، نزع القفازات بحركة آلية، وألقى بها جانب…ثم خرج من الغرفة دون أن ينظر خلفه.
في الخارج…
جلس خلف مكتبه، والتقط القلم، وبدأ يدون بعض الأدوية…لكن خطه… لم يكن ثابت كعادته.
توقف لحظة…
رفع عينيه نحو باب غرفة الكشف…
ثم عاد يكتب… وكأنه يهرب من فكرة تحاول أن تكتب بداخله، لا على الورق…وتمتم بصوت منخفض: بسيطة…
لكن نبرته…لم تكن تصدق الكلمة.
داخل الغرفة…
جلست غزل مكانها لثواني بعد خروجه…لم تتحرك.
رفعت يدها ببطء، وضعتها فوق بطنها…
وكأنها تتحسس شيئًا غير مرئي.
وأغمضت عينيها…زفرة طويلة خرجت منها… محملة بشيء أعمق من مجرد قلق…شيء… يشبه الخوف من القادم،
أكثر من الألم الحالي.
خرجت غزل على استحياء…
خطواتها كانت خفيفة، لكنها محملة بثقل لا يرى…. جلست أمامه، واضعة حقيبتها فوق ساقيها كأنها آخر ما يربطها بثبات ما، وقالت بصوت خافت يكاد يكسر: أنا مش حاسة بأي ألم دلوقتي يا دكتور.
أومأ زكريا دون أن يرفع عينيه، وخرج صوته هادئ، مهني… لكن لا يخلو من الدفء: الالتهابات هي اللي كانت عاملة الألم.
صمتت لحظة…
ثم رفعت كتفيها، حركة صغيرة، لكنها بدت كأنها إعلان استسلام: طيب خلاص… مشكلة المبيض بقى مش مهم… أنا مش هتجوز تاني.
توقفت يده…القلم تجمد بين أصابعه…
وكأن الكلمة لم تمر مرور عادي… بل اصطدمت بشيء داخله.
رفع وجهه ببطء… نظر إليها.تلك النظرة لم تكن دهشة فقط…بل اعتراض صامت… حاد : مش شرط جواز… المهم تبقي بخير.
قالها بهدوء، لكنه كان هدوء مضغوط، كأن خلفه كلمات أخرى لم تقال.
أومأت…
لكن إيماءتها كانت خاوية، كأنها توافق فقط لتنهي الحديث، لا لتصدقه.
أنهى الروشتة… ومدها لها: ألف سلامة.
التقطتها منه وهمست وهي تنهض : ميرسي أوي.
نهضت…لم تلتفت.
تحركت نحو الباب… وخرجت ..ما إن أُغلق الباب خلفها…
حتى انكسر شيء خفي داخله.
نهض زكريا دفعة واحدة، كأن الجلوس صار خيانة لشيء لا يقال.
اندفع نحو سترته، التقطها بسرعة تكاد تكون فوضوية، أدخل ذراعيه فيها دون ترتيب، وأخذ يسحب أكمام قميصه الأبيض بعصبية، القماش يشد تحت أصابعه كأنه يحاول أن يضبط فوضى لا ترى.
أنفاسه لم تكن منتظمة…ولا خطواته…لم يفكر… لم يحلل…فقط تحرك.
صوت الممرضة مر عليه كصوت بعيد، كأنه يأتي من خلف جدار سميك : أنا قفلت العيادة يا دكتور.
لوح بيده دون أن يلتفت، دون أن يتوقف وهتف : ماشي… ماشي.
خرج الي الممر الذي بدا أطول من المعتاد…
الإضاءة باهتة… والهدوء ثقيل، كأن المكان نفسه يراقبه.
خطواته تضرب الأرض بإيقاع متسارع، غير متزن…
كأن كل خطوة تحاول أن تلحق بما سبقها.
وصل إلى المصعد…توقف…رفع عينيه..الأرقام… تنزل.
ببطء…ببطء مستفز…
ببطء يختبر صبره… يضغط على أعصابه… يمد اللحظة حتى تكاد تنكسر.
شد فكه بقوة، حتى برزت عضلاته تحت الجلد، ويده انقبضت دون وعي.
ثانية…ثانيتان… ثم استدار فجأة…قرار حاد… بلا تردد.
الدرج.
اندفع نحوه، فتح الباب بعنف خافت، وانطلق.
نزوله لم يكن عادي…لم يكن خطوات… بل اندفاع.
حذاؤه يضرب الدرج بقسوة، وصدى صوته يرتد حوله، يملأ الفراغ، يلاحقه… كأن المبنى كله يسمع هذا التوتر الذي يحترق داخله.
درج… آخر… وآخر…أنفاسه تعلو وقلبه… لم يكن يخفق فقط…كان يركض.
وكأن هناك شيئًا في الأسفل…
ينتظره…أو يهدده…أو… يخصه أكثر مما يجب.
في الأسفل…
كانت غزل قد وصلت.
وقفت عند الباب الزجاجي، تتردد قبل أن تخرج، وكأن الشارع نفسه لا يدعو للطمأنينة.
وعندما رأته خلفها …ابتسمت…ابتسامة صغيرة… خجولة…
لا تعرف أنها ستكون الأخيرة قبل أن يتغير كل شيء.
اقترب منها وخرج صوته أجش… خشن قليلًا، كأنه خرج من مكان أعمق من الحنجرة : معاكي عربية يا مدام غزل؟
—
اومات برأسها بخفوت ممزوج بالخجل وهمست: آه… بس ركنتها في نص الشارع… هنا زحمة أوي.
أومأ.. لكن ملامحه خابت قليلًا كأن شيئًا في عينيه انطفأ وقال : آه… طيب… أصل الوقت اتأخر… وزي ما شايفة… الشارع يخوف في هدوءه.
الهدوء…
كان كثيفًا لدرجة أنه يسمع…لا صوت…لا حركة…
حتى الهواء بدا وكأنه يراقب.
لحظة…واحدة فقط…ثم انفجر المشهد.
صرير سيارة شق السكون كجرح مفتوح…
وصوت الطلقات لم يكن مجرد دوي…
كان كالرعد… قريب… مفاجئ… قاتل.
الهواء نفسه ارتجف.
عيون غزل اتسعت، جسدها تجمد، لم تستوعب… لم تمهل حتى أن تخاف
وووووووو
توقعاتكم ياسكاكرررر
هستنا رايكم ورفيوهتكم علي الفيس
جروب الفيس
https://www.facebook.com/share/g/19VZ7arEvC/
بيدچ ساحره القلم والقلوب ساره احمد
https://www.facebook.com/share/1CjiPtegcT/
بيدچ ساحره قلم الحكايات ساره احمد
https://www.facebook.com/share/18Bf1TqPSi/
ساحره القلم ساره احمد

روعة تسلم ايدك ❤️
تسلم الايادي روعة