ييبب
ملكي وكفي

ملكي وكفي (الفصل السادس)

ملكي وكفي (الفصل السادس)

وردتي وحلوتي…

أحبكِ لا كما يُحبّ العابرون، بل كما يُحبّ الشيءُ نفسهُ سببَ فناءه البطيء. كأن الحبّ فيّ لم يأتِ ليُسعدني، بل ليعيد صياغتي من الداخل حتى لا أبقى أنا كما كنت.

أحبكِ كأن الشمس حين تنحني للبحر عند الغروب لا تُودّعه، بل تُسقط فيه ما تبقّى منها عمدًا… فتعود وحدها إلى العتمة، بينما يظلّ البحر مضاءً بها من الداخل، كجرحٍ لا يلتئم.

وكأن العصفور لا يعرف السماء، بل يتذكّرها فقط… فيعود إليها كل مرة كمن يعود إلى شيءٍ سرق منه جزءه الأول ثم تركه حيًّا بلا اكتمال.

أحبكِ كمطرٍ لا يُنقذ الأرض، بل يفضح عطشها… يلمسها فيوقظ فيها ما كان ينبغي أن يظلّ ميتًا، ثم يرحل تاركًا إياها أكثر احتياجًا مما كانت.

وكحلمٍ لا يأتي ليُرى، بل ليُثبت للعين المتعبة أنها لم تعد تملك حقّ الراحة… كأنه عقوبة ناعمة اسمها “التذكّر”.

وكوطنٍ لا يُشبه الجغرافيا، بل يشبه الفراغ الذي يتركه الغياب حين يصبح هوية… فيصير القلب مُقيمًا في لا شيء، ومُهاجرًا من نفسه.

لا أعرف متى بدأ هذا الحب، ولا أجرؤ أن أبحث عن بدايته… لأنني أخشى أن أكتشف أنه لم يبدأ يومًا، بل كان موجودًا قبلي، ينتظرني فقط لأتآكل به.

هو ليس شعورًا مرّ بي…

بل كائنٌ تمدّد فيي ببطء، التهم حدودي، ثم أقنعني أنني ما زلتُ حرًّا.

كبر…

لكن ليس كالشجرة التي تُزهر، بل كجذرٍ يتوغّل في تربة القلب حتى يُلغيه.

وصار ظلّي لا يتبعني…

بل يسبقني إليكِ.

وحشتوني جدااااا جدااا

لحظة… واحدة فقط…
ثم لم يعد الزمن كما كان.

صرير السيارة لم يكن مجرد صوت…
كان إعلان بتمزق السكون، كأن الليل نفسه شق نصفين.

والطلقات…لم تكن طلقات…كانت حكم ينفذ.

الرعد سقط على الأرض، قريبًا… قريبًا إلى حد أن الهواء نفسه انكمش،ارتجف… وكأنه خائف أن يصاب.

اتسعت عيون غزل ، لكن عقلها خانها…
لم تفهم… لم تدرك… لم تملك حتى رفاهية الخوف.

لكن زكريا…
كان قد سبق كل ذلك…لم يفكر اندفع.
غريزة وحش يرفض أن يخسر ما بين يديه.

قبض على ذراعها بعنف، سحبها إليه كأنه ينتزعها من قبضة غير مرئية،
واصطدمت بصدره… صدمة جعلت قلبها يرتد داخلها.

وفي اللحظة التالية..أسقطها خلفه، جسده يسبقها إلى الأرض : واطي!

انفجرت الكلمة من حنجرته، لا كأمر…
بل كصرخة رجل يرى الموت يقترب ممن لا يحتمل خسارته.

رصاصة مرت….قريبة…
قريبة جدًا لدرجة أنها سرقت من شعرها نسمة حياة.

اخترقت الهواء بجانب رأسها،
واصطدمت بالجدار خلفهم،
فانفجر الغبار… كرماد خرج من جسد احترق للتو.

شدها إليه أكثر،
التصق بها كأنه يحاول إخفاءها داخل ضلوعه،
جسده صار حاجز… درع…
خطا فاصلاً بين الحياة… والعدم.

لكن الرصاص لم يتوقف…كل طلقة…
كانت تعرف طريقها.

لم تكن عشوائية…كانت تبحث.
تفتش… كأن هناك اسم مكتوب عليها.

صرخت غزل حين سقط، وسقطت معه،
جسده فوقها… صلب… مشدود… يرتجف بغضب لا يقل عن الرعب.

تشبثت بقميصه،بأصابع مرتعشة كأنها تغرق…
وكأنه آخر شيء لن يسحبها القاع منه.

دفن رأسها في صدره، ضغطها إليه بقوة موجعة،
وهدر بصوت حاد، متكسر رغم صلابته: متخفيش… متخفيش… اتحركي معايا!

لكنها لم تستطع… هزت رأسها بالنفي، دموعها تنهمر بلا إذن،
وخرج صوتها مشوه، مكسور: لا… لاا…

ثم..سكون….انقطع الرصاص فجأة،
كأنّ من أطلقه اكتفى… أو أصاب… أو وعد بالعودة.

انطلقت السيارة، صوتها شق المكان مرة أخيرة،
وانزلقت العجلات بصرير حاد…ثم ابتلعتها المسافة.

عاد الصمت….لكن لم يكن صمت آمن…كان صمت كاذب،
يشبه ابتسامة على وجه قاتل.

زكريا لم يتحرك…لم يصدق النجاة…
لم يثق في الهدوء…لم يتركها.

بقي فوقها،
يضمها إلى صدره كأنه يخشى أن تختفي إن أفلتها،
أنفاسه ثقيلة، متقطعة…
وقلبه يضرب ضلوعه كأنه يحاول الهروب.

ورغم كل ذلك..رغم الرعب… الغضب… الدم الذي لم يسفك لكنه كان قريبًا..

تسللت رائحتها إليه…ناعمة… دافئة… حية.

فأربكته…أفسدت عليه يقظته…سرقت منه تركيزه…
وجعلت شيئًا داخله، في أسوأ لحظة ممكنة…

بضعف…فتح عينيه ببطء، نظر إليها تحت جسده..
وجهها شاحب… عيناها دامعتان… وأنفاسها متكسرة.

لكنها حية…ما زالت هنا.
ابتلع أنفاسه بصعوبة…
وشيء مظلم مر في عينيه،
شيء لم يكن رعب هذه المرة…

بل وعد….أن من فعل هذا….لن ينجو.

حاولت غزل دفعه، دفعة واهنة، خجولة… كأنها تعتذر وهي تبعده.

رفعت رأسها قليلًا، عيناها تدوران حولها بذهول لم يهدأ بعد،وهمست بصوت مبحوح يرتجف:دكتور…

توقف الزمن عند الكلمة.
ابتلع زكريا لعابه بصعوبة،
وكأن حلقه صار طريق ضيق لا يمر منه شيء.
بلل شفتيه ببطء،ثم رفع وجهه إليها…

فتاهت عيناه.
ملامحها كانت لا تزال ترتجف،
لكنها رغم ذلك فاتنة بشكل مؤلم.

عيناها الواسعتان… كأنهما نهر من قهوة مذابة
لكن على عكس القهوة…النظر إليهما لا ينعش…
بل يسكر.

انزلقت عيناه دون وعي إلى وجنتيها المتوردتين بخجل،
ثم إلى شفتيها المرتجفتين… الرطبتين…
وشيء داخله انفلت من عقاله.

فهمس..بلا تفكير… بلا حذر…وكأنها حقيقة لا تحتاج تفسير:أول مرة… أسكر من القهوة.

اتسعت عينا غزل بذهول،
ثم ضيقتهما بعدم تصديق، تحاول أن تستوعب ما قاله.

حاولت دفعه مرة أخرى،
وخرج صوتها مرتجف، مخنوق بين خجل وارتباك:
إنت بتقول إيه؟! أوع يا دكتور…

قطب حاجبيه، دهشة صادقة عبرت وجهه، وكأنه لا يفهم المشكلة أصلًا: أوع إزاي؟

لكزت صدره هذه المرة بقوة أكبر، وهي تلهث بصوت مبحوح: أوع من عليا يا دكتور… أنا مش قادرة أتنفس خلاص!

اتسعت عيناه فجأة…صدمة كاملة هذه المرة.
وكأن وعيه عاد دفعة واحدة.

نظر إلى وضعهما…جسده فوقها… التصاقهما… قرب لا يحتمل التأويل.

فهب جالسا بسرعة،كأن نار مسته بالفعل،
وسحبها معه بعجلة.

مرر يده في شعره بارتباك، وغمغم بصوت متحشرج، يلهث بين الكلمات: أنا آسف… آسف أوي والله… مخدتش بالي.

أبعدت غزل عينيها فورًا، الخجل غمرها كستار كثيف.

التقطت حقيبتها بسرعة، ونهضت كأنها تهرب من اللحظة نفسها،وهمست مرتبكة: خلاص… خلاص حصل خير… أنا اللي آسفة… إنت كنت… هتموت بسببي.

رفع زكريا رأسه إليها فجأة، توقفت أنفاسه عند جملتها.
سألها بدهشة حادة : إنتي تعرفيهم؟

ترددت لحظة…ثم أومأت برأسها،
وعيناها امتلأت بدموع لم تستأذن : آه… ده ماجد… طليقي…و… وعايز يقتلني عشان رافضة أرجعله.

سقط الصمت…ثقيل… خانق…ثم انفجر.
هب زكريا واقف، الغضب اشتعل فيه كأنه كان ينتظر شرارة فقط.

قست ملامحه، وعيناه اسودت بحدة مخيفة،
وهدر بصوت قاطع: أوعي ترجعي له! ده حيوان… وابن كلب!

نظرت إليه غزل بدهشة صافية، رمشت بعينيها عدة مرات…تحاول أن تفهم…هذا الغضب ليس طبيعي.
ليس لشخص يعرفها منذ ايام.

لكن زكريا لم ينتبه…عيناه انخفضتا فجأة إلى فستانها،
الأتربة العالقة به… آثار الأرض… أثر الخطر الذي مر عليها.

مد يده دون وعي،وأخذ ينفض الغبار عن القماش بحركة سريعة، متوترة.

وخرج صوته هذه المرة أقل حدة…
لكن مشدود بشيء آخر، شيء أقرب للانزعاج الشخصي:
إيه ده… الفستان أسود… واتوسخ كده؟

ثم توقف…يده ما زالت قريبة منها…قريبة أكثر مما ينبغي…وعيناه…
لم تعدا تنظران إلى الغبار…بلا الي منحنياتها التي تفتك بعقله..

شهقت بخجل حاد،
وتراجعت خطوة للخلف كأنها تحتمي بنفسها منه،
وصاحت بصوت مختنق بين الغضب والارتباك:
خبرك إسود! بتعمل إيه؟!

رفع زكريا حاجبيه بدهشة،
وأشار إلى الفستان كأن الأمر بديهي تمامًا،
وقال بنبرة ليست بريئة… أكثر مما ينبغي: بنضف التراب من الفستان… متفهمنيش غلط.

ضيقت عينيها قليلًا، ثم أومأت برأسها ببطء… ابتسامة خفيفة ساخرة مرت على شفتيها،
وأشارت بيدها وهي تتحرك نحو البوابة:لا، متقلقش… أنا فاهمك كويس.

لكن نبرتها…كانت تقول العكس تمامًا.

عض شفته بعبث،
وتابعها بخطوات سريعة، وكأنها على وشك أن تفلت منه فعلًا: طب استني!

لم تتوقف…بل أسرعت…وكأنها تهرب… ليس منه فقط،
بل من ارتباكها… من قربه… من شيء بدأ يتكون دون إذن.

زكريا لم يتردد….ركض خلفها بخطوات واسعة،
ولحق بها سريعًا،
وقبض على ذراعها فجأة، وخرج صوته حاد هذه المرة:
بقولك استني! هوصلك… الحيوان ده ممكن يتعرضلك تاني.

تجمدت….مجرد ذكره..كان كافي ليهزها من الداخل.

ارتجف جسدها بوضوح، ونظرت حولها بخوف حقيقي… خام… لا تجميل فيه.

تأمل زكريا ملامحها، هذا الخوف… هذا الانكسار الخفي،
فضاق صدره بشيء لم يفهمه… لكنه كرهه.

صوته انخفض دون أن يشعر، صار أهدأ… أثقل:
إنتي خايفة أوي كده…
سكت لحظة، ثم قال بنبرة أكثر ليونة : متخفيش… تعالي.

لم تجادل.
كأن الخوف سحب منها القدرة على الرفض.
سارت معه بخطوات مترددة نحو سيارته،
فتح الباب لها بنفسه، وأشار بيده: اتفضلي… متخفيش يا مدام غزل.

ترددت لحظة، ثم نظرت خلفها بتوتر،
ورفعت يدها بإشارة ضعيفة نحو الاتجاه الآخر: طب… وعربيتي؟

ربت على منكبها برفق،
ودفعها بخفة لتجلس، صوته يحمل ثقة غريبة: بكرة هتكون تحت بيتك… متقلقيش.

نظرت إليه لحظة… كأنها تريد أن تسأله: إزاي؟
لكنها لم تفعل.

اكتفت بهزة رأس خفيفة،وجلست داخل السيارة.

أغلق الباب،واستدار إلى مقعده،
ثم انطلق بسرعة متوسطة… لا بطيئة تطمئن، ولا سريعة تفضح توتره.

لحظة صمت مرت…ثم انحرف بنظره إليها.
نظرة جانبية…فيها شيء من العبث…
وشيء آخر… أخطر.

ابتسامة خفيفة سكنت طرف شفتيه،
وقال بنبرة خفيفة، لكنها تحمل لمعة غريبة:
إيه يا مدام غزل…
كل ده ولسه مصدقتيش إني مش بخطف بنات الناس؟

ثم أضاف بعد ثانية، بصوت خافت…
أقرب لهمس يمر من تحت الحروف: لسه…؟

هزت رأسها بالنفي ببطء، كأنها تنكر ما لا تستطيع إنكاره، ثم التفتت نحو النافذة هاربة من عينيه… تلك النظرات التي لا تقال، بل تحس كحرارة تلامس الجلد.

تعلقت عيناها بالفراغ في الخارج، وابتلعت ارتباكها بصعوبة، قبل أن تهمس بصوت خافت، يكاد يسمع:
لا… مصدقة.

لكن صوتها خانها…
كان أضعف من أن يقنع أحدًا حتى نفسها.

أما هو كان يراقبها، كأنها مشهد لا يمل تكراره، ثم مرر لسانه على شفته ببطء، وعيناه تلمعان بذلك البريق المربك… عبث في ظاهره، لكن تحته شيء أثقل… أعمق… أشد خطورة.

مال قليلًا، وخرج صوته منخفض، ناعم على غير عادته، لكنه يحمل في طياته استفزاز واضح: طب بتبصي بره ليه…؟

تصلب ظهرها، وشدت قبضتها دون أن تشعر.
اقترب خطوة…الهواء بينهما تغيّر… صار أثقل..

همس، بنبرة أخفض، كأنه يعتمد أن تصل إليها وحدها: ولا بتدوري على حاجة تلهيكي؟

ارتجفت أنفاسها لحظة، لكنها لم تلتفت.
وربما.. لم تكن تجرؤ.

…..
في منزل المهدي…
داخل غرفة شاهين…

كان السكون ممدود على أطراف المكان، لا يقطعه سوى صوت أنفاس هادئة، وحركة قماش يفرد بعناية.

كادت ان تنهي حور ترتيب الغرفة، لكنها لم تتوقف…
انشغلت أكثر، كأنها تهرب من الفراغ.

انحنت فوق السرير، تسوي المفروش ببطء،
شعرها انسدل قليلًا، وحركتها كانت ناعمة… بسيطة… لكنها دون أن تدري مربكة.

في تلك اللحظة..انفتح الباب…دلف شاهين بخطوات سريعة، ينزع تيشيرته على عجل، ورفع يده ليكمل
لكنه… تجمد.

توقفت يده في الهواء…عينيه ثبتت عليها.
حور…منحنية… قريبة… بلا انتباه…

عض شفته بعبث ،وألقى التيشيرت جانبا،
وغمغم بصوت خفيض فيه خبث واضح: وكتاب الله… أنا قلتلك يا أبو حميد… طول ما النية سالكة… الماية هتبقى دافية… ومش هتبقى ماية بس.

اقترب…خطوة… ثم أخرى… وعيناه لا تتركانها.

تأملها بنظرة تعرف جيدًا ما تفعل،
نظرة رجل يرى أنوثة أمامه… لا مجرد مشهد عابر.
ثم قال بنبرة خفيفة لكنها مشبعة بمعنى: بت يا حور…

شهقت حور،واستقامت بسرعة، الخجل ضرب ملامحها فجأة،ورفعت يدها كأنها تحاول أن تضع مسافة:
شاهين! إيه اللي جابك بدري دلوقتي؟ إنت كويس؟

لم يرد مباشرة…بل اقترب أكثر…خطوة أجبرتها على التراجع،
ثم أخرى… حتى كادت تسقط على السرير خلفها،
لكنها تماسكت في اللحظة الأخيرة.

قبض على يدها قبضة لم تكن مؤذية…بل حانية بشكل أربكها أكثر…وغمغم بصوت منخفض: آه… تعبان… سخن.

اتسعت عيناها بقلق صادق، ورفعت يدها فورًا إلى جبينه،
تتحسس حرارته ببراءة كاملة: لا يا حبيبي… مش سخن!

ابتسم….ابتسامة واسعة، فيها لعب واضح،
وقال وهو ينظر في عينيها مباشرة: مش أنا اللي سخن…
اقترب قليلًا، وصوت انخفض أكثر :ده اللبن بقى رايب… وكمان سخن… لو تشربي شوية منه حلو أوي للهضم.

هزت رأسها بالنفي بسرعة ،وردت ببراءتها التي لا تعرف أين تقع في كلامه: أنا مش بحب لبن الرايب… ولا الحليب.

رفع حاجبه ببطء،ونظرة عابثة مرت في عينيه،
ثم دون إنذار مرر يده على خصرها.

سحبها إليه…بقوة مفاجئة…لكنها لم تكن قاسية…
بل تحمل ذلك التملك الحلو الذي لا يقاوم بسهولة.

اصطدمت بصدره، أنفاسها اختلت، وقلبها بدأ يدق بعنف.

اقترب أكثر،حتى صار صوته يكاد يلامس أذنها:
ليه… في قطة مش بتحب اللبن يا بت؟

تجمدت بين ذراعيه،لا تعرف هل تبتعد… أم ترد… أم تهرب.

الخجل اشتعل في وجهها، لكن شيئًا آخر…
أخطر… أبطأ…بدأ يتسلل دون استئذان.

ضغط على خصرها أكثر…ليس بقوة جسد فقط..
بل كأنه يثبتها في مكان بدأ يفلت منه.

كانت أنفاسه أثقل… أقرب…
وصوته حين خرج، خرج خشن، كأنه مر على جرح داخله:ده كويس أوي للهضم…

لكنها لم تسمع الكلمة…سمعت النبرة.
ارتجف شيء فيها
ليس خوف فقط… ولا خجل فقط…
بل ذلك الشعور المربك… حين تدرك أنك لم تعد تملك السيطرة على قلبك.

ارتفعت يده ببطء، لامست وجنتها…لكن اللمسة لم تكن عابرة…كانت متأنية… متعمدة…كأنه يحفظ ملامحها تحت أصابعه.

والأثر الأحمر الذي تركه..لم يكن على بشرتها فقط…
بل امتد أعمق… حيث لا ترى.

همس، وصوته هذه المرة انخفض أكثر…
كأنه يبوح بشيء لا يجب أن يقال: وللبشرة اللي بتلمع دي…

بلعت لعابها بصعوبة،والكلمات تاهت منها…
لم تجد إلا اسمه… خرج منها ضعيف… حقيقي: شينو…

توقف العالم عند الكلمة…لأنه سمعها…ليس فقط بأذنه
بل بشيء داخله… اهتز.

اقترب…ببطء قاتل..أنفاسه لامست وجنتها،
ثم انزلقت…حتى وصلت إلى حافة شفتيها.

لم يلمسهما…لكن القرب كان أقسى من اللمس.
وكان أخطر…وهمس وكأنه لا يملك خيار آخر: وكمان الشفايف اللي شبه التوت دي…

ارتعشت شفتاها فعلًا،ليس خجل فقط…
بل لأن شيئًا فيها كان يستجيب… رغم عنها.

ابتعد جزء بسيط…لكن عينيه بقيتا هناك…
معلقتين… جائعتين… كأنهما لا تريان سواهما.

وخرج صوته مبحوح، مكسور برغبة لم يحاول حتى إخفاءها:اديني أطه… قبل ما أموت…

شهقت…
لكن هذه المرة لم يكن الفزع وحده…كان فيه شيء آخر…
لين… دافئ… خطير…رفعت يدها إلى صدره،
لامسته برفق…كأنها تهدئه… أو تهدئ نفسها.

وهمست بحنان خالص، خرج من قلبها بلا حساب:
بعد الشر عليك يا حبيبي…

الصمت الذي تلاها…كان أثقل من أي كلام.
ثم اقتربت…ببطء… تردد…لكنها لم تتراجع.

في الثانية التالية شدها إليه…لا وقت للتراجع…
ولا مساحة للفصل بين فكرة وأخرى.

التهم شفتيها بعنف لم يكن فيه تردد،
كأنه لا يقبلها… بل ينتزع منها أنفاسها قبل أن تكتمل.

قبلة ألغت المسافات…
ومحت كل الحدود التي حاولت أن تقف بينهم قبل قليل.

العالم خارجها اختفى…لا صوت…لا مكان…
لا وعي واضح.

فقط هذا القرب الذي أربكها حتى العظم.

لم تعد تشعر بشفتيها بين شفتيه، ولا أين تنتهي هي… وأين يبدأ هو.

كل شيء انمحى تدريجيًا…كأن الإحساس نفسه يذوب.

تاهت اللحظة…اختلط الارتباك بالصدمة…
والخوف بشيء آخر لا اسم له…
وصار داخلها فوضى لا تفهم ولا تقاوم.

يداه لم تكن هادئة…شدها إليه أكثر،بإصرار واضح…
كأنه يرفض مجرد فكرة أن تفلت منه.
كأنها إن ابتعدت لحظة…سيخسر شيئًا لا يمكن تعويضه.

أما هي…فكانت بين لحظتين تتصارعان داخلها.

لحظة تصرخ بالرفض…
وأخرى تتجمد… لا تفهم لماذا لا تملك القوة الكافية لإنهاء هذا القرب.

لكن أنفاسها خانتها…تقطعت…
واختنقت المسافة بين قلبها وصدرها.

فتمسكت به أكثر دون وعي…
ردة فعل لا عقل فيها،.مجرد غرق.

ثم..انفصلت فجأة…كأن الوعي عاد إليها دفعة واحدة.
دفعت صدره بكل ما تبقى لها من ارتباك،
تتراجع وكأنها خرجت من موجة كادت تبتلعها بالكامل.

أنفاسها متلاحقة…عينها متسعتان… وشفاهها ترتجف بلا كلمات.

أما هو فبقي مكانه لثانية…ينظر إليها فقط.
صدره يعلو ويهبط بعنف،
وكأنه خرج من عاصفة ولم تنتهي بعد داخله.

ثم مرر يده في شعرها ببطء،وضحكة قصيرة خرجت منه بلا روح،
وهمس بصوت مبحوح… ممزوج بارتباك وسخرية مرة:
أبو حميد… مصمم يبقى جدو في الحرام

سكت لحظة…وعيناه في عينيها لا تهديد فيهما…
ولا تراجع.

بل شيء أشد…رغبة…وخوف…
ووعد بأنه…لن يتوقف.
لكن نبرته…لم تكن نبرة من يريد التوقف.

بل كانت نبرة شخص فقد توازنه للحظة… ثم اختار ألا يسترده بسرعة.

عضت شفتها بخجل، ودفعته بوهن يشوبه الدلال، وهمست بصوت متردد يختبئ خلف ارتباكها: اتلم يا شينو… أنا عايزة أطلب منك طلب.

ضغط على ظهرها برفق مقصود، فألصقها به أكثر، كأن المسافة بينهما فكرة لا يعترف بها أصلًا، وقال بخبث خافت:شاوري يا حتة من شينو.

رفعت رأسها إليه،
وفي عينيها هذه المرة لمعة مختلفة… أهدأ، أصدق، ممتزجة بحب طري لا يعرف المواربة، وقالت:أنا عايزة أروح السينما… إنت مخرجتنيش في العيد.

ساد لحظة صمت قصيرة،
ثم أومأ برأسه ببطء، وكأن الأمر حسم منذ البداية، وقبض على ذقنها بحنو واضح، وقال:من عيني… يومين بس وأعملك مفاجأة تعجبك أوي.

لم تتمالك نفسها…قفزت بين أحضانه بعفوية طفولية،
وحاوطت عنقه بذراعيها، وهتفت بصوت ممتلئ بالفرح:
حبيبي… بحبك أوي!

توقف للحظة.
ليس من الكلمة وحدها… بل من صدقها الذي أصابه في موضع أعمق من التوقع.

ضمها إلى صدره بحماية غريزية، كأنه يخبئها من العالم كله، وضغط عليها برفق شديد حتى التصق صدرها اللين بصدره العاري، وقال بصوت منخفض عابث :
وأنا كمان…بموت  يا حور.

لكن تلك اللحظة لم تدم على سكينتها….
ابتسم بعبث خفيف، ومال بنظره إلي نهديها قائلاً:
حلوين أوي يا حور… وهما بيتنططوا علي صدري كده يا بت

شهقت بخجل مفاجئ،ودفعته بعنف خفيف أسقطه على طرف السرير، وهتفت وهي تحاول استعادة توازنها:
شينو بقى!

ضحك وهو يتراجع على السرير،
بينما هي استدارت سريعًا وركضت خارج الغرفة، خطواتها متسارعة كأنها تهرب من أثر ضحكتها قبل أن يفضحها قلبها…

اصطدمت حور في طريقها بيونس فجأة، كأنها خرجت من الغرفة على عجل يفوق قدرتها على التحكم في خطواتها.
لم يتركها تسقط؛ أمسك بها بسرعة، وخرج صوته متوتر ممزوج بخوف أخوي صادق: يخربيتك… براحه يا بت! هتقعي على وشك!

اومأت برأسها على عجل، بلا كلمة، كأن أنفاسها ما زالت تركض داخل صدرها قبل جسدها،

ثم أفلتت من بين يديه وانطلقت خارج الشقة كلها كالسهم، لا تلتفت خلفها، وكأنها تهرب من أثر لا يرى.

ظل يونس واقف لحظة، يحدق في الفراغ الذي تركته،
قطب حاجبيه بدهشة واضحة، وتمتم لنفسه:
أكيد شاهين… مفيش حاجة تخليها تجري كده غيره..

تحرك بخطوات ثابتة داخل الشقة،
حتى وصل إلى غرفة شاهين، ودفع الباب ببطء.

تجمدت ملامحه لحظة عند المشهد؛
شاهين ممدد على السرير، جسده نصف عاري، هادئ بشكل يثير الريبة أكثر من الفوضى.

رفع يونس حاجبه بنزق ممزوج بالاستفزاز، وقال وهو يرمقه بنظرة طويلة:الله يخربيتك… دخلت عليها وحطيت أحمد قدام الأمر الواقع ولا إيه؟

اعتدل شاهين ببطء، كأنه لا يرى في السؤال ما يستحق الاستعجال،
ورفع حاجبه هو الآخر بهدوء بارد، ثم أجاب بنبرة واثقة مشوبة باللامبالاة: آه… ما هو اللي عايز كده…أنا جيت له سكة ودغري… وهو اللي راكب دماغه.

ضحك يونس بخفة، وهز رأسه ساخر، وقال:
شكلك هنعملك قضية إثبات نسب قريب.

نهض شاهين من مكانه،
يمرر يده على شعره، ثم بدأ ينزع ملابسه ببطء محسوب، وكأن الحوار لا يغير من هدوئه شيئًا، وقال بثبات:
مش محتاج… أنا معترف إنه ابني.

هز يونس رأسه بيأس واضح، وتمتم : بحج من يومك…

اتجه شاهين نحو المرحاض بخطوات هادئة، كأنه يتذكر أمر عابر، وقال وهو يفتح الباب:خلي بالك… إنت اللي هتنزل المنيا تجيب العجول من عند خالك، أنا روحت الأسبوع اللي فات.

رد يونس سريعًا، وهو يلوح بيده:لا، أنا عندي شغل في المصنع… خلي ياسين.

ألقى شاهين جملته من الداخل دون توقف:ياسين مينفعش… خليه هو يكمل شغلك في المصنع، وانزل إنت المنيا.

زفر يونس بحنق واضح، ورفع صوته قليلًا: الله يخدكم… ماشي، أروح إمتى؟

خرج صوت شاهين من داخل المرحاض هادئ وحاسم، كأنه يغلق النقاش:اتوكل دلوقتي… توصل قبل الليل، وخلي بالك… والرجالة هيكونوا معاك.

أومأ يونس أخيرًا باستسلام، ثم خرج من الغرفة وهو ينفخ بضيق،
بينما ظل في المكان أثر حديث عابر…
كأنه فوق سطح هدوء لا أحد يصدق أنه حقيقي.

……………..
في أحد الكافيهات…

كان الضوء خافت بما يكفي ليخدع الهدوء،
لكن لا شيء كان هادئ حقا داخل الطاولة الجانبية التي جلس عندها زكريا.

استند إلى كرسيه بارتياح ظاهري،
غير أن عينيه كانتا تقولان ما لا تقوله ملامحه؛
انتباه نصف نائم… ونصف يقظ، كأنه ينتظر شيئًا لا يعترف بانتظاره.

أسر في المقابل لم يكن يملك هذا الترف من البرود.
مال إلى الأمام قليلًا،
كأن الكلمات ثقيلة على صدره قبل أن تخرج، وقال بصوت متهدج فيه رجاء قديم:أنا عايز أكون شريكك في المستشفى يا زيكو… إحنا صحاب من زمان يا راجل.

لم يتعجل زكريا الرد.
نظر إليه أولًا… نظرة طويلة لا تفكك بسهولة،
ثم أومأ برأسه ببطء، وكأنه يزن العلاقة قبل أن يزن العرض، وقال بصوت صادق لكنه حذر:والله عشان إحنا صحاب… أنا مش عايز أدخل الشغل بينا.

توقف قليلًا، ثم أكمل وهو يميل للخلف:خايف على الصحوبية.

ثم أضاف بواقعية لا تخلو من خبث مهني خفيف:
وعشان إنت لعبي يا أسر… ومش بتعتق اي حاله بتيجي عندك ، وأنا شغلي كله مع الستات… إحنا كده ممكن نخرج من الشراكة بفضيحة.

ضحك أسر ضحكة قصيرة،
لكن يده التي ارتكزت على الطاولة كانت أكثر جدية من ضحكته، وقال بإصرار:يا عمنا إنت عندي أهم من أي ست… وإنت عارف إني بفصل بين الشغل و… والعط

ثم اقترب أكثر قليلًا، كأنه يثبت فكرة داخل الهواء:
أنا مش عايز أشارك غيرك.

صمت زكريا لحظة…لم يكن تفكير عابر، بل ترتيب داخلي دقيق،
كأنه يفتح ملفات قديمة في رأسه قبل أن يرد.
بلل شفتيه بهدوء، وقال بنبرة محسوبة:أنا وإخواتي شركاء في أي شغل… ده اتفاق من زمان، من أول ما كبرنا وبدأنا نشتغل.

سكت ثانية، ثم أضاف: هشاورهم ونشوف.

ارتكز أسر إلى ظهر الكرسي، وكأن الجملة خففت عنه شيئًا داخل، ثم ابتسم بمزاح صادق: أنا أصلًا هتعدل… وبدور على عروسة كمان… في بنت جاية دلوقتي، يعني هتجوز وأتوب.

ارتفع حاجب زكريا تلقائي، وخرجت منه نصف ضحكة ساخرة:إنت تتجوز؟ قول كلام غير ده… ده إنت…

لكن الكلمات لم تكتمل…توقفت فجأة…
ليس لأنه نسيها…
بل لأن نظره انحرف دون إرادة.
وكأن شيئًا في المجال البصري لم يعد قابل للتجاهل.

غزل.
دخلت الكافيه مع فتاة أخرى، بخطوات هادئة لا تحمل استعجال، لكن حضورها وحده كان كافي ليغير كثافة الهواء حول الطاولة.

تجمد زكريا.

لم يكن تجمد جسد فقط…
بل انقباض داخلي مفاجئ، كأن شيئًا غير مرئي شد صدره من الداخل.

تبدل تنفسه بلا إذن،
وتصلبت ملامحه لحظة واحدة، ثم استقرت على حالة بين الانتباه والانزعاج… وبين شيء أعمق لا يريد تعريفه.

اقتربتا….وغزل توقفت عند الطاولة، وكأنها تعرف أين تضع صوتها بالضبط، وقالت بهدوء : آسر.

في اللحظة نفسها، توقف العالم عند زكريا.
لم يتحرك… لكنه شعر بها كأنها خلف عينيه مباشرة.

أما أسر، فنهض بسرعة، ابتسامة خفيفة عادت لوجهه، صافحها بحرارة وقال بمزاح مألوف: أهلاً يا غزولة… في معادك مظبوط.

لكن زكريا ظل مكانه…لم يتحرك.
فقط…
رفع نظره ببطء شديد، كأنه يقاوم فكرة النظر إليها،
وعندما فعل…

لم يكن في ملامحه أي هدوء يشبه ما كان قبل دقيقة واحدة.

نهض زكريا كما لو أن شيئًا حاد أصابه في موضع غير مرئي،
انتصب جسده دفعة واحدة، وطحن فكيه بغيظ مكبوت، ثم هدر بصوت خافت لكنه حاد كحد السكين: الله يخربيتك…

لم يكن الغضب واضح الاتجاه،
لكنه كان كثيف بما يكفي ليشعر المكان بثقل مفاجئ.
أشارت غزل إلى الفتاة التي معها، وقالت بصوت خافت فيه قدر من التوتر المهذب: مني… صاحبتي.

ابتسم أسر، واقترب فورا ، صافحها بترحابٍ واضح:
تشرفت يا آنسة مني.

صافحته مني بخجل، وهمست بابتسامة قصيرة:
ميرسي أوي.

لكن زكريا لم يكن يرى المشهد كما يراه غيره.
اقترب خطوة واحدة… ثم أخرى،

وفجأة قبض على ذراع أسر بعنف محسوب، وسحبه جانبا قليلا، ثم انحنى نحوه وهمس بدهشة مشوبة بحدة:
مني ولا غزل ولا إيه بالظبط؟ ناوي تتجوز الاتنين يا قادر؟

هز أسر رأسه بالنفي سريعًا، وهمس بصوت منخفض لا يصل لغيره:لا… غزل بنت عمي وزي أختي… ودي مني صاحبتها… وهي بس بتعرفنا على بعض… ولو ربنا سهل هتجوزها…

تبدل وجه زكريا فجأة.
الانقباض اختفى كأن لم يكن، وحل مكانه ارتياح مفاجئ، واسع، غير متوقع،
حتى أن ابتسامته خرجت أسرع مما ينبغي، وقال بحماس صادق: إنت حبيبي وشريكي والله.

رفع أسر حاجبه بدهشة، وقال ساخرا:مش كنت هتشاور إخواتك؟ وكنت عملي فيها رجل أعمال من شويه؟

لوح زكريا بيده بلا اهتمام، وكأنه يغلق ملف في الهواء:
الكلمة كلمتي وخلصت…إنت شريكي طالما هتتجوز وتوب… ده حتى ربنا بيقبل التوبة يا جدع.

ضحك أسر بخبث، وهز رأسه:الله عليك يا شيخ زكريا… عيني دمعة من التقوى.

في تلك اللحظة، التفتت غزل نحوهم، وقالت بدهشة خفيفة وهي تنظر إلى أسر:إحنا جينا بدري عن معادنا ولا إيه؟

هز أسر رأسه بالنفي، وكأن الأمر لا يحتمل الشك أصلًا، وقال بثقة خفيفة ممزوجة بمرح معتاد: لا طبعًا… ده الدكتور زكريا صاحبي اللي رشحته ليكي تروحي له… إنتي ما رحتيش ولا إيه؟

ارتفع حاجب زكريا ببطء شديد،
لم يكن رد فعل عادي، بل كأن شيئًا داخله انتبه فجأة لاسم يقال في غير موضعه.

تحولت نظراته نحوها مباشرة دون تمهيد…

غزل…وفي اللحظة نفسها…انخفضت عيناها.

بسرعة لافتة، كأن النظر إليه وحده كافي ليكشف ما لا يقال،
وأزاحت خصلة من شعرها خلف أذنها بحركة صغيرة… لكنها فضحت ارتباك أكبر مما تريد إظهاره.

ثم جاء صوتها منخفض، مهتز رغم محاولتها الثبات:
لا… روحت.

جملة قصيرة…
لكنها وقعت في الفراغ بينهما بثقل غير مبرر.

قبل أن يكمل الصمت تماسكه،
رفع أسر يده بتلقائية، وقال بدهشة مصطنعة لا تخلو من استفزاز:طيب سلموا على بعض بقى… ولا إنتوا متعرفوش بعض غير في العيادة؟ ولا أديكم شوية ديتول؟

تصلب جسد زكريا للحظة.
ثم ارتفع حاجبه بحدة واضحة، وكأن المزاح تجاوز حدوده، ورد فورا بنبرة قاطعة:إنت دكتور الباطنة؟ إنت كشفت عليها؟

لم يتأخر أسر في الرد، بل ابتسم ابتسامة جانبية مستفزة، وقال ببرود ساخر:أيوه كشفت… أمال نجمت؟

سقطت الجملة في المنتصف…
لا ضحك يكتمل، ولا توتر يهدأ.

لحظة صمت…ثقيلة… ممتدة…
كأن الهواء نفسه توقف عن الحركة بين الطاولة وما حولها.

غزل نظرت بينهما بارتباك متصاعد،
عيناها تتحركان بسرعة خفيفة بين وجهين متناقضين: أحدهما يغلي بصمت، والآخر يتعمد إشعال الصمت.

ثم قالت بصوت خافت، محرج، فيه محاولة يائسة لتهدئة ما لا يفهم:في إيه انت وهو؟ أول مرة تكشفوا خلاص بقى…

كتم أسر ضحكته بصعوبة، ومال قليلًا للخلف، ثم أشار بيده نحو الطاولة وكأنه ينهي مشهد على المسرح:
خلاص خلاص… اتفضلوا اقعدوا.

جلسوا معًا بعد لحظة قصيرة من التوتر،
كأن كل واحد منهم يحاول أن يتظاهر بأن ما حدث قبل قليل لم يترك أثره في الهواء.

ابتسم زكريا ابتسامة واسعة،
لكنها لم تكن ابتسامة راحة كاملة… بل ابتسامة رجل يحاول إعادة ضبط المشهد بالقوة، وقال بنبرة خفيفة:
تشربوا إيه؟

لم تكتمل الجملة.
فقد انشق الهواء فجأة بصوت خشن، ثقيل، كأنه خرج من صدر ممتلئ بالكراهية:هشرب من دمكم… وإنتي أولهم.

تجمد الزمن.
لم يعد هناك حديث، ولا حركة،
فقط هذا الصوت الذي أسقط كل ما قبله دفعة واحدة.
التفتت الرؤوس بسرعة نحو المصدر.

وغزل شهقت شهقة قصيرة مذعورة،
وانسحب الدم من وجهها فجأة،
ثم تشبثت بكف مني بلا وعي، وكأنها تبحث عن شيء يمنعها من السقوط داخلي،
ومني بدورها شدت يدها بقوة، كأنها تتشبث بها لتبقيهما معًا في مواجهة شيء أكبر من قدرتهما.

في تلك اللحظة…نهض آسر فجأة.
باندفاع كامل، بلا حساب، وفي اللحظة نفسها تحرك زكريا بجانبه، كأن جسده سبق تفكيره.

هتف آسر بصوت حاد، مشحون بالغضب والتحذير:
إنت يا ابني مش هتتلم عنها غير على جثتك ولا إيه؟

لم ينتظر الرد…دفع ماجد آسر بعنف،
دفعه لم يكن مجرد حركة، بل إعلان تحدي صريح، وهو يهتف بازدراء قاسي: وإنت مالك يا دكتور الهلس؟ مبقاش اللي إنت تتكلم!

تراجع آسر خطوة للخلف،
لكن قبل أن يتمدد الموقف أكثر، كان زكريا قد أمسك به من ذراعه، يثبته بإحكام، كأنه يمنعه من الانفجار الكامل، بينما عينه لم تفارق ماجد لحظة.

صوت آسر خرج هذه المرة أقسى، كالرعد المكتوم:
إحنا مش خلصنا خلاص… وكل واحد راح لحاله. ابعد عنها أحسنلك.

لكن ماجد لم يتحرك…بل هز رأسه ببرود قاتل، وكأن التهديد لا يعنيه:لا… مخلصناش.

ثم تقدم خطوة…تجاه غزل مباشرة…مد يده نحوها بلا تردد، بلا تفكير…يد تمتد كأنها تمتلك الحق.

لكنها لم تصل…لأن اللحظة التالية..انفجرت.
لكمة واحدة من زكريا.
خرجت بلا صوت إنذار، بلا تردد، بلا مسافة تفكير،
كأنها كانت قرار قديم ينتظر لحظة التنفيذ فقط.

اصطدمت بوجه ماجد بعنف ساحق،
فاندفع إلى الخلف عدة خطوات، ثم ارتطم بالطاولة وسقط فوقها، فاهتز كل ما عليها وتناثر الهواء من حولها كصدمة مرئية.

سكت المكان…ليس هدوء… بل صدمة.
ثواني من الفراغ التام…ثم اتسعت عينا غزل ومني،
برعب صامت، لا يحتاج إلى كلمات،
وتشبثتا ببعضهما أكثر، كأن العالم في هذه اللحظة لم يعد مكان آمن لأي منهما.

تقدم زكريا خطوة كاملة،
ثم وقف أمام غزل مباشرة، كأنه يغلق العالم خلفه ويصنع لها حدود لا يقترب منها أحد.

رفع يده قليلًا، وجعلها خلف ظهره تمامًا، كأنه يحجبها عن أي امتداد بصري أو جسدي، ثم هدر بصوت حاد، خرج كالسوط:محدش قالك إن عيب تلمس حاجة مش بتاعتك؟إنت كده عيل علـ…

لم يكملها…لأن ماجد، رغم نزيفه الخفيف ويده التي كتمت أنفه،
رفع رأسه ببطء، وعينيه تحملان سخرية مشتعلة، وقال بصوت متعب لكنه متحدي: آه… إنت الشبح بتاع امبارح اللي لحقتها وعملت فيها باد بوي.

ارتفع حاجب زكريا ببطء شديد،
لكن ابتسامته كانت أخطر من الغضب نفسه.

اقترب خطوة،
ليس اقتراب تهديد فقط… بل اقتراب رجل بدأ يفقد صبره بشكل واعي، وعيناه تشتعلان بغضب بدائي، قديم، غير مهذب:والباد بوي ده هيعرفك… إنك لو لقيت غزل في شارع، تلف الناحية التانية.

ضحك ماجد بصوت عالي، مستفز، كأنه يختبر حدود رد الفعل، وقال: ودي هتعرفهاني إزاي بقى؟

في تلك اللحظة، لم يرفع زكريا صوته…بل اقترب أكثر.

حتى صار صوته لا يسمع إلا له وحده،
وهمس في أذنه بنبرة خافتة… لكنها كانت أقسى من أي صراخ:هعملك بلاغ صغنن… عشان تعرف فرق العملة بين البنك والسوق السودا.
ووقتها… سلملي على غسيل الأموال.

تجمد ماجد لحظة…لم يكن الخوف وحده في ملامحه،
بل دهشة رجل لم يتوقع هذا النوع من الهدوء القاتل.

ابتعد زكريا قليلًا،
ثم أضاف ببرود ساخر وهو يعدل نبرته كأن شيئًا لم يحدث: على فكرة… متتعاملش معايا على إني دكتور.
أنا أصلًا جزار… وساعات مش بلحق أسمي.

ساد صمت ثقيل..
صمت ليس هدوء… بل فراغ مشحون.

قطعه زكريا أخيرًا، وهو يلتفت نحو آسر وكأن ما حدث لم يعد يعنيه: بقولك يا آسر… تعالوا نقعد في مكان تاني.
هنا بقى خنقة.

أومأ آسر فورًا، ثم التفت نحو الفتيات وأشار بخفة:
يلا يا بنات.

نهضت مني وغزل،
ما زالت ملامحهما تحمل أثر الصدمة، كأن ما حدث لم يهضم بعد داخل وعيهما.

وفي تلك اللحظة…قبض زكريا على كف غزل.
ببساطة…بدون إعلان…دون استئذان يفضح اللحظة.

ثم غمز لها بعينه غمزة خفيفة، عابثة، لا تناسب ما قبلها بثانية واحدة.

تجمدت غزل…لكنها لم تسحب يدها…بل تحركت معه.
وخارج الكافيه…

كان ماجد واقف مكانه،
عيناه تتقدان غضب صامت، كشرر لا يجد ما يشتعل فيه،
يراقبهم وهم يخرجون… يد بيد،
وكأن المشهد كله يزداد استفزاز كلما ابتعدوا أكثر.

…..

في محافظة المنيا،

حيث تمتد الأرض ككف مفتوح للسماء، وحيث النيل يمر هادئ كحكيم عجوز يراقب ما تبقى من صخب البشر…

ترقد قرية البرجاية كجسد قديم يعرف كل من سار فوق ترابه، وكل سر دفن تحت طينه.

الطرقات ضيقة، ملتوية كحكايات ناقصة، تتعانق فيها البيوت بأكتاف متعبة، كأنها تتساند حتى لا تسقط من ثقل ما شهدته. ..

رائحة التراب المبلل تختلط بدخان المواقد، وأصوات الطيور المتناثرة تصعد وتخبو، بينما الريح تمر حاملة همس لا يفهم… لكنه يقلق.

وفي طرف منعزل قليلًا عن باقي البيوت، ينتصب منزل واسع، تحيطه أسوار عالية كأنها تحجب عنه العالم… أو تحجب العالم عنه…

بوابة حديدية ضخمة، سوداء كأنها لم تفتح يومًا للنور، تعلوها آثار صدأ خفيف يشهد على زمن طويل من الصمت….

خلفها تمتد حديقة واسعه ، أشجارها كثيفة مهذبة، أوراقها متراكمة كذكريات قديمه ،

وممر رخامي يقود إلى باب خشبي عتيق، كأن الزمن حاول اقتلاعه مرار وفشل.

توقفت سيارة يونس أمام البوابة، فانطفأ صوت المحرك، وبقي الصمت… ثقيل، يضغط على الصدر دون سبب واضح.

ترجل يونس ببطء، وأغلق الباب خلفه دون أن يصدر صوت يذكر….

رفع عينيه، يمررهما على المكان بنظرة سريعة، حذرة… كمن يعرف أن الجدران قد ترى، وأن الظلال قد تتكلم.

مد يده إلى البوابة الحديدية، ودفعها. صريرها خرج ضعيف، لكنه كفى ليخترق السكون الثقيل…

دخل بخطوات محسوبة، حذرة، كأن الأرض نفسها قد تخونه…. عبر الحديقة، وكل خطوة كانت تثير تحت قدميه أوراق شجر تتكسر بصوت خافت. ..

وصل إلى الباب الخشبي. وقف أمامه، وارتفعت أنفاسه قليلًا دون أن يطرق بعد…

لكن وقبل أن تلامس قبضته الخشب…
انهمر على رأسه فجأة سيل بارد من الماء، كأن السماء قررت أن تسقط عليه وحده.

تجمد جسده في مكانه، وانكمشت ملامحه لحظة من الصدمة، ثم جحظت عيناه.

بغضب انفجر داخله كصاعقة هبطت في قلب أرض جافة، مستعدة لإحراق كل شيء.

رفع رأسه بسرعة، والماء يتقطر من شعره ووجهه، وخرج صوته حاد، مشدود كوتر على وشك الانقطاع:فتح يا اعمي!!

مسح وجهه بكفه بعنف، وأنفاسه تعلو وتهبط، ثم هدر بصوت أخفض… أخطر: والله لو طلعت مقصودة… ما هعديها بالساهل.

في الأعلى…
فوق ذلك الباب العتيق، حيث يمتد شرفة ضيقة تحرسها درابزينات حديدية دائري ، وقفت شموع كنسمة شاردة… أو ككارثة صغيرة لا تعي حجم ما تفعله.

اتسعت عيناها فجأة، واتسع معهما وجهها بدهشة مشوبة بفزع حقيقي، حين رأت المشهد أسفلها…

شهقت ، ووضعت يدها على فمها وتمتمت بصوت مرتجف، لا يخلو من فوضى: يا نهار اسود… مين كان معفن وطالب الحموم بدري كده ونالها؟!

لكن الكلمات، ما إن هبطت إلى الأسفل… حتى أشعلت ما لا يطفأ.

رفع يونس رأسه ببطء، قطرة ماء تنزلق على صدغه، وعيناه تشتعلان بغضب حارق، غضب لا يرى… بل يحس كحرارةٍ تضرب الجلد… ثبت نظره عليها، وكأنه لا يراها… بل يستهدفها.

ثم هدر صوته…صوت قاصف، خشن، يحمل في نبرته ما يكفي لخلخلة الثبات: إيه اللي هببتته ده يا بت المجانين؟!

ارتجف شيء في صدرها، لا من الخوف… بل من الاستفزاز…

اتسعت عيناها أكثر، لكنها هذه المرة لم تتراجع فقط… بل انسحبت للخلف بخطوات سريعة، وكأنها تستعد للهجوم لا للهرب.

رفعت ذقنها بعناد، وردت بصوت غاضب، حاد، يقطر سخرية: دانت كان لسانك اللي عايز يتغسل يا أبو لسان زِفر!

كانت كلماتها كحجر أُلقي في وجه إعصار.
وفي لحظة اندفعت.

ركضت نحو الدرج، تهبط عليه بخفة سريعة، بينما صوته الغاضب يشق الهواء خلفها كطلقة لا تخطئ: إنتي يا بت! يا اللي عميتي في عينك!

وصلت إلى منتصف الدرج… وتوقفت.
استدارت ببطء…وقفت هناك، في نقطة فاصلة بين الأعلى والأسفل، بين الهروب والمواجهة…

نظرت إليه بنظرة باردة… ماكرة… نظرة من يعرف أنه أشعل النار، لكنه مستعد للرقص وسطها.

مالت برأسها قليلًا، وعيناها تلمعان بتحدي واضح، وكأنها على أعتاب معركة لا تريد النجاة منها… بل الفوز.

وقالت بنبرة هادئة… لكنها مشحونة لو سمعها يونس كانت تكفي لإشعال حرب: مالك؟ الميه ساقعه ولا قرصتك؟

انشق باب غرفة المكتب فجأة، كأن الداخل لفظ ساكنه لفظ،

وخرج جارحي السعدني بخطوات متعجلة، تتقدمها حدة القلق قبل جسده….

كان صوت يونس الغاضب قد مزق سكون المنزل تمزيق، فاستحال الهدوء إلى توتر محسوس، كخيط مشدود على وشك الانقطاع.

توقف جارحي للحظة، وعيناه تتسعان بدهشة لم يخفها، وهو يرى الماء يقطر من ثياب يونس، ينزلق على وجهه، يمتزج مع ملامح غضب متأجج، كأن الغضب نفسه قد ابتل ولم يخمد.

اقترب منه سريعا، وخرج صوته حاد، مذهول: أباي! إيه اللي حصل يا ولدي؟ إيه اللي بلك إكده؟!

مرر يونس كفه على وجهه بعنف، كأنه يحاول انتزاع ما تبقى من أثر الماء… أو أثر الإهانة، ثم هدر من بين فكيه بصوت مكتوم يغلي: واحدة مهفوفة غرقتني بالمايه من فوق!

ارتد جارحي خطوة، وكأن الكلمات صدمته بقدر المشهد، وهتف بدهشة ممزوجة بعدم تصديق: واحدة من بناتي؟! ليه اتخوت إياك؟!

وفي الأعلى،

حيث لا تزال شموع تراقب المشهد، كادت ضحكتها تفلت، لكنها حبستها بصعوبة، حتى ارتجف طرف شفتيها. لم تنتظر طويلًا… اندفعت هابطة الدرج بخطوات سريعة، خفيفة، تحمل في طياتها شيئًا من التمثيل المتقن.

وقفت أمامهما، وأطرقت رأسها قليلًا، ثم قالت بصوت امتزجت فيه رقة مصطنعة ببراءة زائفة: أنا آسفة يا أبوي… مخدتش بالي، مشوفتوش والله.

لكن عينيها..خانتاها.
رفعت نظرها نحو يونس، ولمحت فيهما شرارة عبث لم تنطفئ بعد… وقبل أن تنطق بحرف آخر..

هدر يونس، بحدة تقطع الهواء: ليه عنيكي دي لازمتها إيه في وشك؟ كل الجتة دي وما شوفتنيش؟! البسي نضارة يا أختي!

تصلب فكها لحظة، ومر طيف حنق سريع على وجهها، حاولت دفنه خلف قناعها، ثم ردت بنبرة ناعمة، لكنها مشدودة بخيط خفي: أنا آسفة… حقك عليا… هجبلك هدوم من هدوم سيد أخوي، وآخد هدومك أنشفها… ولا تزعل حالك.

توقفت لحظة، كأنها تزن كلماته، أو تنتظر رد فعله.

أما هو…
فنظر إليها بدهشة خفيفة، وكأن شيئًا في ردها لم يتوقعه، ثم هز رأسه قليلًا، وهمس لنفسه بصوت خافت: لسه في بنات بتعتذر…

لكن أفكاره انقطعت بصوت جارحي، الذي هتف وهو يشير بيده: همي يا بت! وهاتي الخلاجات لولد عمتك، وحطوا الوكل!

أومأت شموع سريعًا، وقد استعادت خفتها، وردت بطاعة ظاهرة: حاضر يا أبوي.

ثم استدارت، وركضت صاعدة الدرج، خطواتها تتلاشى في الأعلى، لكن أثرها بقي… واضح.

أشار جارحي إلى الداخل، وقال ليونس بنبرة أكثر هدوء: تعالى يا ولدي… ادخل دورة المايه على ما نچيبلك خلاجات سيد.

أومأ يونس برأسه، وقد خف توتره قليلًا، وتحرك معه نحو الداخل.

لكن خلف هذا الهدوء الظاهري..كان شيء آخر قد بدأ.

شيء لا علاقة له بالماء…
ولا يمكن تجفيفه بسهولة.

في الأعلى…

خلف باب أغلق بإحكام كأنما يخفي مؤامرة لا تحتمل العيون، اندفعت شموع إلى الداخل، أنفاسها متسارعة، وعيناها تلمعان بذلك البريق الذي لا يأتي إلا حين تولد فكرة… كارثيه.

الغرفة كانت على النقيض منها تمامًا؛ هادئة، مرتبة بعناية تكاد تكون مبالغ فيها، كأن كل شيء فيها يعرف حدوده ولا يجرؤ على تجاوزه. ..

مكتب خشبي صغير تتناثر عليه أوراق منظمة، وستارة تتحرك ببطء مع نسمة خفيفة، وضوء خافت ينساب من النافذة، يرسم على الجدران سكينة لا تشبه ما تحمله شموع في صدرها الآن.

أغلقت الباب خلفها، وأدارت المفتاح بنقرة حاسمة، ثم التفتت سريعًا نحو توأمها، حيث كانت أنين جالسة خلف مكتبها، غارقة في عالم أكثر هدوء.

اقتربت منها بخطوات سريعة، وانحنت قليلًا وهي تقول بنبرة متحفزة: بت يا آنين… جومي، عندنا خطة!

رفعت أنين وجهها فجأة، وكأن الكلمة وحدها كانت كفيلة بإخراجها من عالمها…

اتسعت عيناها بصدمة ممزوجة بقلق فوري، وقالت: استر يا رب… خطة إيه يا شموع؟! إنتي نيلتي إيه يا بت أبوي؟!

ابتسمت شموع ابتسامة جانبية، تحمل من الخبث ما يكفي لإشعال الحرائق، ورفعت يدها تشير بها في الهواء، ثم همست بصوت خافت… لكنه محمل بنية لا تطمئن: خطة الجطة العمية.

ارتفع حاجب أنين ببطء، ووقفت من مكانها، تنظر إليها وكأنها تحاول استيعاب حجم الكارثة القادمة: يا نهارك مطين… مين ديه اللي عايزة تخوتيه؟!

أشارت شموع بإبهامها نحو الأسفل، وعيناها تلمعان بتوعد واضح، ثم تمتمت: واد لسانه زفر، ومنخيره فوق فوق… ولد عمتك فوزيه.

اتسعت عينا أنين أكثر، وكأن الاسم وحده صفعها، وهتفت: يا لهوي… شاهين؟!

هزت شموع رأسها سريعًا بالنفي، وردت وهي تلوح بيدها بضيق: لا مش شاهين! بجولك لسانه زفر… ده شكلة واحد من إخواته، اسمعيني يا بت!

اقتربت أكثر، وخفضت صوتها، وبدأت تهمس بخطتها، كلماتها تنساب كخيط من المكر، كل تفصيلة فيها تحمل نية عبث واضح… وربما انتقام صغير.

أما أنين…
فأومأت برأسها ببطء، تحاول أن تبقى جادة، لكن شفتيها ارتجفتا، وعيناها لمعتا بضحكة مكبوتة بصعوبة بالغة.

وفي تلك الغرفة الهادئة
لم يعد الهدوء كما كان.

بل صار شريك… في جريمة على وشك أن تحدث.
….
في الأسفل…

كان البيت قد استعاد شيئًا من هدوئه الظاهري، كوحش هدأ مؤقتا بعد أن أطلق زئيره…

خرج يونس من المرحاض، وقد تبدلت هيئته قليلًا؛ ثياب جافة، لكن آثار ما حدث لم تجف بعد في عينيه، ولا في انقباض فكه الذي لم يزل مشدود كأن الغضب يسكنه ويأبى الرحيل.

تحرك بخطوات أهدأ نحو الخارج، حيث تمتد سفرة خشبية عتيقة في وسط الصالة، تحيط بها كراس تحمل آثار الزمن، لكنها ثابتة كأهل هذا البيت… لا تنكسر بسهولة.

نهض جارحي السعدني فور رؤيته، وبسط ذراعه بترحاب صادق، كأن شيئًا لم يعكر صفو اللحظة، وهتف بصوت دافئ: أهلاً يا يولد الغاليه… تعالى يا ولدي ناكلوا لجمة.

أومأ يونس برأسه، وتحرك معه نحو السفرة، وجلس بثقل خفيف، ثم قال بنبرة مهذبة: يجعله عامر يا خال.

وقبل أن يكتمل المشهد..اندفعت الرائحة أولًا.

رائحة دافئة، دسمة، تحمل وعد بالشبع… وربما بشيء من الطمأنينة.

ظهرت ثنية من المطبخ، تحمل طبق تتوسطه به بطة محمرة، ذهبية اللون، يلمع سطحها بالدهون كأنها قطعة شمس هبطت على المائدة…

وضعت الطبق أمامهم، وهتفت بترحاب يغمر المكان: حمد الله على السلامة يا ولدي… نورتنا يا زينة الشباب.

ارتسمت على شفتي يونس ابتسامة خفيفة، لا تصل تمامًا إلى عينيه، ورد: الله يسلمك يا مرات خال.

استقرت الطبق في منتصف الطاولة، كأنها قلب المائدة النابض، ثم نظرت إليه ثنية بعينين يملؤهما العتاب الخفيف، وقالت: ولا زمان يا يونس… من سنين بطلت تزورنا يا ولد.. كيف فوزية؟ طيبة؟

أومأ برأسه، وقد لان صوته قليلًا: الحمد لله كويسة… بتسلم عليكي.

اومات برأسها بترحاب شديد وهتفت : الله يسلمك ويسلمها يا ولدي !

ثم لوحت بيدها نحو جارحي، وقالت بنبرة آمرة لا تخلو من حنان: اغرف يا راچل، وخلي الچدع ياكل… چاي من سفر.

أومأ جارحي السعدني، ومد يده إلى الطعام، وبدأ يملأ طبق يونس بسخاء واضح، ثم قال بمودة صادقة: كل يا ولدي…

لكن
رغم دفء الترحيب، ورغم امتلاء المائدة، ورغم بساطة اللحظة…

كان هناك شيء خفي يتسلل تحت السطح.
شيء لم يظهر بعد…

أومأ يونس برأسه، لكن عينيه لم تكن مع الطعام… كانت عالقة هناك، حيث خرجت شموع من المطبخ، تحمل طبق، خطواتها هادئة، وملامحها ساكنة كأنها لم ترتكب منذ قليل جريمة ماء بارد.

وضعت الطبق على الطاولة، دون أن تنظر إليه، ثم استدارت وانصرفت.

لكن..بمجرد أن أعطته ظهرها…

ارتجف كتفاها ارتجافة خفيفة، وكادت ضحكة تنفلت منها، فحبستها بصعوبة، كأنها تخفي سر لا يحتمل.

لم تمضي سوى لحظات…حتى خرجت أنين.

نفس الوجه…
نفس الملامح…
نفس العيون التي تحمل شيئًا لا يفهم.

لكن.. بملابس مختلفة تمامًا.
توقف الزمن لوهلة في عيني يونس.

قطب حاجبيه، ورمش بعينيه أكثر من مرة، كأنه يحاول أن يعيد ترتيب الواقع، أو يتأكد أن ما يراه ليس خدعة بصرية…

تابعها وهي تقترب، تضع الطبق بنفس الهدوء… ثم تنصرف بنفس الطريقة…شيء ما… لم يكن طبيعي.

وقبل أن يستوعب..ظهرت شموع مرة أخرى.

هذه المرة تحمل طبق فاكهة، وكأنها لم تكن منذ لحظة في مكان آخر.
وضعت الطبق، وانصرفت كأن شيئًا لم يحدث.

في تلك اللحظة، لم يعد الأمر مجرد استغراب…
بل صار شك يزحف ببطء داخل رأسه.

مرر يده على جانب رأسه، ومال قليلًا نحو جارحي السعدني، وهمس بصوت مرتبك: هو… في إيه؟

نظر إليه جارحي نظرة عادية، كأن كل شيء على ما يرام، وقال ببساطة: مفيش حاچة… كل يا ولدي.

لكن الواقع..لم يكن بسيط.
انسحبت شموع، وفي اللحظة التالية خرجت أنين حاملة إبريق الماء…

هنا…تجمد يونس…تمامًا.
كأن جسده قرر التوقف عن العمل، بينما عقله يحاول اللحاق بما يحدث…

رفع يده، ومسح على رأسه ببطء، وعيناه تتسعان تدريجيا، حتى بلغ الذهول أقصاه.

ثم هب واقفا فجأة، والكرسي يصرخ خلفه، وخرج صوته حاد، مشدود: لا! بقى ما أنا مش مجنون!

انتفض جارحي السعدني واقف بدوره، وقال بدهشة حقيقية: في إيه يا ولدي؟ مالك؟! كفا الله الشر… إنت اتخوت؟!

استدار يونس نحوه بعصبية واضحة، وملامحه مشدودة، وهتف بحدة: أنا؟! ولا بنتك اللي ملبوسه؟!

اتسعت عينا جارحي، وكأن الكلمات صدمته، وقال بنبرة حازمة: اتلم عاد! إيه كلامك ديه؟! لم حالك ولسانك!

لكن يونس لم يتراجع…
بل اندفع أكثر، وكأن ما بداخله فاض عن احتماله: لم بنتك يا خال! دي بتغير هدومها ورا الباب!

سقطت الكلمات كحجر ثقيل.
ـــ كيف؟!
قالها جارحي بذهول حقيقي، وقد بدا عليه أنه لا يفهم شيئًا : إنت عيان يا ولدي؟!

في الخلف
شهقت أنين بخجل، وقد احمر وجهها، بينما كانت شموع تقف خلف باب المطبخ، تضغط على فمها بيدها، تحارب ضحكةً تكاد تفضح كل شيء.

أما يونس…

فمرر يده على رأسه مرة أخرى، هذه المرة بعنف خفيف، وغمغم بصوت متحشرج: أنا صدعت…

رفع عينيه نحو جارحي، وقال بنبرة أقل حدة، لكنها أكثر إنهاك : حضرلي العجول يا خالي… أنا عايز أروح.

أومأ جارحي برأسه، يحاول تهدئة الموقف: استهدى بالله يا ولدي… سيد والرچالة شغالين …على الفجرية، هيكون كل شي تمام.

تنهد يونس ببطء، ثم قال: طيب… أنا عايز أنام شوية.

أومأ جارحي، وأشار له نحو الدرج: تعالى يا ولدي.

تحركا معًا نحو الأعلى…

بينما خلفهما
كانت ضحكة مكتومة…
تكاد تتحول إلى كارثة.

تحرك يونس خلفه، صامت هذه المرة… لكن الصمت لم يكن راحة…بل كان امتلاء…بفكرة واحدة:
أنه … إما مخدوع… أو أن هذا البيت…يلعب بعقله.

في المطبخ…
حيث تتكاثف الروائح، وتغلي القدور كما تغلي الظنون في الصدور، وقفت ثنية كعاصفة لم تكتمل بعد.

ضربت كف بكف بصوت حاد شق الهواء، والتفتت نحوهما بعينين تشتعلان بذهول ممتزج بغضب صريح، وهتفت: ليه هتعملوا كده يا مجصوفة الرجبة إنتي وهي؟!

كان صوتها كافي ليوقف أي لعب…أو هكذا ظنت.

وقفت شموع في مواجهتها، ترفع ذقنها قليلًا، وملامحها مشدودة بنوع من الحنق المتمرد، وردت بنبرة دفاعية: وإحنا عملنا إيه يا أما؟! طلعنا الوكل على السفرة من غير ولا كلمة!

وبجوارها، مالت أنين برأسها قليلًا، ورفعت يدها بإيماءة بريئة… بريئة أكثر مما ينبغي، وقالت بنعومة تخفي وراءها ارتباك خفيف: هو اللي مخوت لحاله يا أما…

لكن البراءة..لم تكن مقنعة.

ضاقت عينا ثنية، وراحت تتنقل بنظراتها بينهما، ببطء ثقيل، كأنها تحاول أن تلتقط خيط خفي يربط بينهما… خيط تعرف أنه موجود، لكنها لا تراه.

شيء ما كان يدور بينهما.
شيء أكبر من مجرد صدفة… أو سوء فهم.

قبيل الفجر…
حين تتنفس الأرض ببطء ثقيل، كأنها تستريح من أعباء النهار، وحين ينسحب الليل على أطرافه تارك خلفه بقايا ظلال تتشبث بالحياة…

في غرفة يونس، لم يكن النوم ضيف مرحب به.

نهض من فراشه بضجر واضح، كأن السرير لفظه بعدما عجز عن احتوائه…

مرر كفه على وجهه، يمسح عنه بقايا إرهاق لا يفسر، ثم التفت نحو الساعة… عقاربها تتحرك ببطء مستفز، وكأنها تتعمد أن تطيل عليه الليل.

زفر بخفوت، واتجه نحو الشرفة.
فتح الباب، فاندفع إليه هواء الفجر… بارد، نقي، يحمل في طياته رائحة الأرض الرطبة، كأنها خرجت للتو من حضن المطر.

خطا إلى الخارج، واستند بكفيه على السور الحديدي، جسده يميل قليلًا إلى الأمام، كأنما يحاول أن يبتعد عن نفسه. أخرج سيجارة، أشعلها، وسحب نفس عميق، ثم أطلق الدخان ببطء، ليتلاشى في الهواء الصامت.

رفع عينيه إلى السماء…واسعة، ساكنة، بلا ضجيج.

لا أصوات سيارات…
لا صراخ عابر…
لا ضوضاء تشبه ما اعتاده في قلب القاهرة، حيث الليل لا ينام، والنهار لا يهدأ.

تمتم بصوت خافت، كأنه يحدث الفراغ: هدوء يخنق… مش يريح.

لكن رغم غرابته عليه..
كان في هذا السكون شيء آخر… شيء يزحف ببطء داخل صدره، لا هو راحة… ولا هو قلق.

سحب نفس آخر من سيجارته، وعيناه تسرحان بلا هدف… حتى…توقفت.

تجمد نظره فجأة، وقطب حاجبيه بدهشة حادة.

هناك… في الأسفل.
داخل المزرعة الممتدة خلف المنزل، حيث تختلط الظلال ببقايا ضوء باهت، كان شيء يتحرك.

ليس حركة ريح…ولا حيوان عابر.

بل حركة مقصودة…بطيئة…ومريبة.

انتصب جسده قليلًا، وأمال رأسه محاولًا التدقيق، بينما انخفضت السيجارة بين أصابعه دون أن يشعر.

همس لنفسه، بنبرة حذرة: إيه ده…؟

الظل تحرك مرة أخرى…أقرب هذه المرة.
أوضح….وكأن الليل
لم ينته بعد.

ووووووووووو

هستنا رايكم ورفيوهتكم علي الفيس

جروب الفيس

https://www.facebook.com/share/g/19VZ7arEvC/
بيدچ ساحره القلم والقلوب ساره احمد
https://www.facebook.com/share/1CjiPtegcT/

بيدچ ساحره قلم الحكايات ساره احمد
https://www.facebook.com/share/18Bf1TqPSi/

ساحره القلم ساره احمد

3.4 5 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
2 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
Mero❤️
Mero❤️
4 أيام

روعة تسلم ايدك ❤️

Nedaa
Nedaa
4 أيام

تسلم الايادي تحفه