ييبب
ملكي وكفي

ملكي وكفي (الفصل الحادي عشر )

ملكي وكفي (الفصل الحادي عشر )

كان ينظر إليّ دائمًا بذلك الدفء النادر الذي لا تخطئه الروح، نظرة رجل وجد أخيرًا ما ظل يبحث عنه طويلًا بين زحام العمر وتقلباته. لم تكن عيناه تقعان عليّ كما تقع العيون العابرة على الوجوه، بل كانتا تستقران فوقي وكأنهما عادتا إلى موطنهما بعد رحلة شاقة من التيه.

كان يحدق بي كما لو أنني حلم قديم أفلت منه يومًا، ثم أعادته الأقدار إلى يديه بعد سنوات من الانتظار. وكأنني نصفه الذي ظل ناقصًا حتى التقاني، والفراغ الذي لم يعرف كيف يملؤه أحد سواي. في عينيه كنت أرى ذلك التعلّق الصامت الذي لا يحتاج إلى اعتراف، وذلك الاحتياج النبيل الذي لا تُفسره الكلمات مهما بلغت بلاغتها.

كان ينظر إليّ وكأن وجودي في حياته ليس رفاهية يمكن الاستغناء عنها، بل ضرورة تشبه الهواء الذي يتنفسه، والنبض الذي يوقظ قلبه كل صباح. وكأن العالم كله، بكل ما فيه من وجوه وأماكن وأحلام، يتلاشى حين أقف أمامه، فلا يبقى في دائرة رؤيته سوى أنا.

وفي كل مرة تلتقي فيها عيناي بعينيه، كنت أشعر أنني أقرأ أمنياته كلها دفعة واحدة؛ أراها ساكنة في ذلك البريق الهادئ الذي يملأ ملامحه، وكأنني كنت الدعوة التي أخفاها طويلًا بين ضلوعه، والاستجابة التي جاءت متأخرة لكنها جاءت كاملة كما تمنى.

ولعل هذا هو السر الذي جعله يتربع في أعمق بقعة من قلبي؛ ذلك المكان الذي لا يصل إليه إلا الصادقون. فقد منحني شعورًا نادرًا بأنني لست مجرد امرأة أحبها، بل وطنًا عاد إليه بعد اغتراب، وسكينة وجدها بعد عناء، وحلمًا خشي أن يضيع منه يومًا، فظل يحتضنه بعينيه قبل ذراعيه كلما رآني.


في أحد المطاعم المطلة على النيل…

دفع زكريا الباب الزجاجي ودلف إلى الداخل بخطوات ثابتة، تحمل من الثقة ما لا تحمله من الراحة.

جالت عيناه سريعًا بين الطاولات المنتشرة في أرجاء المطعم الراقي، يتفحص الوجوه بحذر خاطف، كأنما يبحث عن شيء يخشى أن يجده ويخشى أكثر ألا يجده.

لكنها لم تكن هناك.

زفر بضيق مكتوم، ثم اتجه إلى طاولة جانبية تطل على صفحة النيل المتلألئة تحت أضواء المساء.

سحب المقعد وجلس، وألقى متعلقاته فوق الطاولة بحركة مقتضبة قبل أن يسند ظهره إلى الكرسي.

ومنذ تلك اللحظة، لم تفارق عيناه الباب.

كان الوقت يمر ببطء قاتل… بطيئ إلى حد بدا معه وكأنه عالق داخل ساعة معطلة لا تريد أن تتحرك عقاربها.

بين الحين والآخر كان يجوب ببصره في أنحاء المكان، ثم يعود لينظر إلى ساعته، قبل أن يرتفع بصره مجددًا نحو المدخل.

لم يكن يعرف ما الذي يشعر به تحديدًا.

هل هو الغضب لأنها تأخرت؟

أم القلق لأنها تأخرها؟

أم ذلك الشعور الثقيل الذي يتسلل إلى القلب كلما طال الانتظار أكثر مما ينبغي؟

لو لم تكن تريد رؤيته لما وافقت على اللقاء من الأساس…

أليس كذلك؟

اقترب النادل من الطاولة وقال بصوته المهني الهادئ:
تحب ننزل الأكل دلوقتي يا فندم؟

انتبه زكريا من شروده، فرفع رأسه إليه وهزها بالنفي :
لا… لسه…في حد جاي…
أهم حاجة الأكل يفضل سخن زي ما اتفقنا يا منير.

ابتسم النادل ابتسامة واسعة وأومأ برأسه قائلًا:
طبعًا يا باشا، كله متجهز زي ما حضرتك طلبت بالظبط.

مر شبح ابتسامة على شفتي زكريا، لكنه سرعان ما تلاشى وهو يعود بنظره إلى الباب الزجاجي :  تمام.

تردد النادل لحظة قبل أن يسأله:
تحب أجيب لحضرتك حاجة تشربها لحد ما الضيفة توصل؟

ظل زكريا محدق في المدخل كأن أحد قد يظهر في أي ثانية، ثم قال دون أن يحول بصره: لأ… لما تيجي.

ارتفع حاجب النادل بدهشة خفيفة، ثم قال بابتسامة عابرة: تحت أمرك يا فندم.

وانصرف.

أما زكريا فبقي مكانه، ساكن الجسد، مضطرب الروح.

أصابعه تنقر فوق سطح الطاولة بلا وعي، وعيناه لا تزالان معلقتين بالباب.

ومع كل مرة ينفتح فيها، كان قلبه ينتفض للحظة…

ثم يهبط من جديد عندما يكتشف أنها ليست هي.

ولأول مرة منذ سنوات طويلة، شعر أن انتظار شخص واحد يمكن أن يكون أصعب من خوض معركة كاملة.

فاق من أفكاره على وخزة ضيق حادة في صدره، فسحب هاتفه من فوق الطاولة وضغط على رقمها بأصابع متوترة، كانت ترتجف بين الغضب والقلق والحنق الذي أخذ ينهش أعصابه ببطء.

رفع الهاتف إلى أذنه وانتظر.

راح يهز ساقه اليسرى بعصبية واضحة، بينما عيناه معلقتان بالفراغ أمامه، كأنما يحاول السيطرة على حريق يشتعل داخله ويزداد اتساع مع كل ثانية تمر.

انتهى الرنين…. ولم تجب.
ضغط على الاتصال مرة أخرى.
ثم مرة ثالثة….ثم رابعة.

وفي كل مرة كان الصمت يأتيه من الطرف الآخر أكثر استفزاز من السابقة.

قبض على الهاتف بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعه، ثم ألقاه فوق الطاولة بحركة مكتومة غاضبة، وتمتم بين أسنانه:
طيب ليه يا بنت الناس؟… كنتي اعتذرتي وخلاص… بس تسيبيني ألف حوالين نفسي بالشكل ده ليه؟

مرر كفه فوق وجهه بخشونة، ثم زفر زفرة طويلة مثقلة بالضيق.

لم يكن غاضب منها بقدر ما كان غاضب من ذلك القلق الذي بدأ يتسلل إليه رغم عنه.

رفع عينيه نحو الباب للمرة الأخيرة.

كأن جزء منه كان ينتظر أن تندفع إلى الداخل في تلك اللحظة تحديدًا، معتذرة، لاهثة، تبرر تأخرها بأي سبب.

لكن الباب ظل ساكن..
والكرسي المقابل بقي فارغ كما هو.

ابتلع غصته بعناد، ثم نهض دفعة واحدة.

التقط متعلقاته ولملمها بسرعة، ودس هاتفه في جيبه بعنف واضح، قبل أن يتحرك نحو الخارج بخطوات واسعة متوترة.

كان الغضب يكسو ملامحه، لكن خلف ذلك الغضب كانت هناك هزيمة صغيرة يحاول إنكارها.

خرج من المطعم ودفع الباب الزجاجي بقوة، فاستقبله هواء النيل البارد.

وقف للحظة عند الرصيف، وأخرج هاتفه من جديد.

تردد.
نظر إلى اسمها المضيء على الشاشة.
ثم ضغط على الاتصال مرة أخيرة…

هذه المرة وقلبه يخبره أن شيئًا ما ليس على ما يرام.
…………..

في اليوم التالي…

في منزل المهدي…

كانت رائحة الطعام تملأ أرجاء البيت الكبير منذ الصباح الباكر، تمتزج بأصوات الحركة القادمة من المطبخ وضحكات فوزية التي لا تهدأ مهما أثقلتها السنوات.

وكما اعتادت العائلة منذ سنوات طويلة، اجتمع الجميع حول مائدة الغداء في يوم الجمعة، ذلك الطقس المقدس الذي لم تستطع مشاغل الحياة ولا تقلباتها أن تنتزعه منهم.

جلس أحمد على رأس المائدة في مكانه المعتاد، ذلك المكان الذي احتله لسنوات حتى صار جزء منه.

وعن يمينه جلست شهد، بينما اتخذت فوزية مقعدها بجوارها، ثم ياسين الذي كان يعبث بطبق السلطة أكثر مما يأكل منه.

وعلى الجانب الآخر جلست حور، وبجوارها شاهين، ثم يونس الذي بدا شارد على غير عادته، بينما جلس زكريا في الطرف الأخير من المائدة.

بدأ الجميع في تناول الطعام وسط صمت ثقيل غير مألوف.

صمت ثقيل ، خانق…

حتى صوت الملاعق وهي تضرب الأطباق بدا أوضح من اللازم.

رفعت فوزية رأسها ونقلت بصرها بين الوجوه واحد تلو الآخر، ثم عقدت حاجبيها بحنق وهي تقول:
جرى إيه؟ هو شقا رقصات نزلين على الأكل من غير ما حد يعبرني بكلمة؟! ما هي لو مرات واحد فيكم كانت طابخة كان نطق ولا قال كلمتين حلوين.

هز أحمد رأسه موافقًا وهو يبتلع لقمته ثم قال:
حصل… الواحد فيهم قبل الجواز يبقى زي التور، وبعد الجواز يقلب بقدرة قادر حماقي في نفسه.

رفعت شهد حاجبها فورا ونظرت إليه بطرف عينها قبل أن تقول بامتعاض ساخر:

ـأمال إنت مقلبتش حماقي ليه يا اخويا؟ ولا حتى حسن الأسمر؟

انفجرت الضحكات حول المائدة.

أما أحمد فاكتفى بإطلاق زفرة طويلة وهو يهز رأسه كمن استسلم لمصيره منذ سنوات.

مال ياسين نحو والدته، وارتسمت على شفتيه تلك الابتسامة المشاكسة التي كانت دائمًا نذير كارثة صغيرة، ثم قال:
باركيلي يا فوفا… أنا ناوي أقلب حماقي.

التفتت إليه فوزية بسرعة وقالت بدهشة حقيقية:
يعني إيه يا واد؟ هتقدم في مسابقة المغنواتية اللي بيجوا في التلفزيون؟

ارتفعت ضحكات شاهين، بينما كاد زكريا يختنق بالماء الذي يشربه.

أما ياسين فهز رأسه نافيًا وقال:
لا… هتقدم في بيت خالي…
أجيبلك أنين تساعدك بالنهار في المطبخ، وتساعديني بالليل عشان عندي أرق ابن كلب.

تعالت الضحكات أكثر.

نظرت له فوزية وكأنها تفكر جديًا في ضربه بطبق الأرز، ثم قالت:
وانت عايز البت تشقيها ليل ونهار يا روح خالتك؟

وضع ياسين يده فوق صدره متظاهر بالصدمة من الاتهام، وقال:
يا ساتر يا رب! أنا؟! ده أنا؟
هاتيها بس انتي وأنا هشيلها على مرجيحة الراحة… والله ما أخلي نسمة هوا تضايقها.

ــ آه طبعًا…

قالتها شهد وهي تضحك.

فأشار إليها بإصبعه محذر:
متبوظيش صورتي قدام الناس يا شهد.

قهقه الجميع من جديد، وانكسر ذلك الصمت الثقيل الذي خيم على المائدة في البداية، لتعود الحياة إلى المكان كما كانت دائمًا… صاخبة، دافئة، ومليئة بالفوضى الجميلة التي لا تصنعها إلا العائلة.

رفعت فوزية حاجبها فجأة، ثم وضعت الملعقة من يدها ونقلت بصرها بين الوجوه قبل أن تستقر عيناها على شاهين.
قالت بنبرة حاسمة لا تعرف المساومة:
ـ مفيش عروسة هتدخل البيت ده غير لما أزف شاهين على حور الأول.

ساد الصمت لثانية واحدة…
ثم ألقى شاهين الشوكة من يده فوق الطبق وكأنها أعلنته منتصر في معركة طويلة، وهتف ضاحكًا:
يسلم فمك يا فوفا… أهو انتي كده أمي بجد. والكلمتين الحلوين دول أحلى عندي من صينية الفراخ اللي عاملاها.

انفجرت الضحكات حول المائدة.
أما شاهين فاستدار نحو حور فورًا وقال بجدية مصطنعة:
قومي يا بت… البسي بسرعة.

رمقه الجميع بدهشة.
رفعت حور رأسها إليه، وارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة وهي تسأله برقة:
ليه يا شينو؟ هتفسحني؟

هز رأسه نافي وقال وكأن الأمر بديهي:
فسحة إيه؟ في حاجة أهم دلوقتي… هنروح نختار أوضة النوم.

اتسعت عينا حور فورًا.
واحمر وجهها حتى أطراف أذنيها، بينما خفضت رأسها إلى طبقها هرب من نظرات الجميع.

في المقابل أطلق ياسين صوت محتج وهو يلقي بالمعلقه فوق الطاولة:
اه يا ابن المحظوظة! يعني أنا أنوي وأنت تتجوز؟

ضحك زكريا شبصوت مرتفع، بينما كان شاهين يبتسم بكل وقاحة المنتصر.

لكن الضحكات اختفت سريعًا حين ضرب أحمد الطاولة بقبضته.
ارتجت الأطباق قليلًا.
والتفتت إليه جميع الرؤوس.

هدر بصوت أجش يحمل من الهيبة ما يكفي لإسكاتهم جميعًا:
وبالنسبة لرجل الكرسي اللي اسمه أبوها؟! مش واخد بالك إنك لسه ماخدتش موافقته؟

اختفت الابتسامة تدريجيًا من وجه شاهين.
وسند ذراعه فوق الطاولة، ثم تطلع إلى أحمد مباشرة دون أن يشيح بعينيه وقال بحدة مكتومة:
والله يا عمي أنا طلبت الطلب ألف مرة… واستنيت موافقتك ألف مرة… بس الظاهر إن اللي مش واخد باله هو انت..

ساد الصمت مجددًا.
نظرت حور إلى شاهين بقلق، بينما تبادل يونس وزكريا النظرات في صمت.

تصلبت ملامح أحمد قليلًا.
وأشاح بنظره بعيدًا قبل أن يقول: أنا ماقلتش إني مش موافق.

ثم سكت لثانية…ثانية أطول مما ينبغي.
قبل أن يضيف:
بس البت لسه صغيرة… لسه بدري يا شاهين.

رفع شاهين حاجبيه بعدم تصديق.
كما تبادل الباقون النظرات فيما بينهم.
فالكلمات بدت غريبة.
غريبة على أحمد نفسه.
وحور لم تعد طفلة منذ سنوات.

أما شهد فكانت أول من فقد صبره.
ذمت شفتيها بغيظ ثم التفتت نحوه قائلة:
بدري من عمرك يا سبعي!

وأشارت ناحية حور بيدها.
هي حلتنها بت من الدنيا؟ هنستنى إيه تاني؟ لما الواد يطلع معاش والبت صف سنانها يقع؟

انطلقت ضحكة مختنقة من ياسين.
لكن شهد لم تتوقف.
ضيقت عينيها وهي تراقب زوجها:
ولا يكون حد لعب في دماغك من ناحية البت وعايز تجوزها لحد تاني؟

ثم هزت رأسها بعدم فهم وأضافت:
أنا الشهادة لله… معتش فاهماك يا عشرة عمري.

ساد الصمت مجددًا.
ولأول مرة…
شعر الجميع أن أحمد لا يملك جواب حقيقي…
حتى هو نفسه.

التفت أحمد نحو شهد بذهول ممزوج بغضب عاري.

وكأن كلماتها أصابت موضع خفي داخله لم يكن مستعد لمواجهته.

وفي اللحظة نفسها…

هب شاهين واقف بعاصفة من الانفعال، حتى اندفع الكرسي خلفه وانقلب فوق الأرض محدث صوت مدوي ارتج له المكان.

وهدر بغضب شديد:
هو مين ده اللي مكتوبله سكينتي تبيت في كرشه اللي بس لمراتي؟! حور شاهين المهدي.

اشتعلت عينا أحمد فورًا.
ودون أن يشعر بنفسه كان قد نهض هو الآخر.

بسرعة…
وبعنف فاجأ حتى نفسه.

دفع مقعده للخلف بغضب حاد…
وقف الرجلان وجهًا لوجه…
كبرياء في مواجهة كبرياء.
وعناد في مواجهة عناد.
وقف في مواجهة شاهين مباشرة وهدر:
لسه مبقتش مراتك يا ولا!

ثم أشار ناحية حور بإصبعه كأنما يدافع عن شيء يخصه وحده:
انت عايز تطلع على بنتي سمعة؟!

ضرب شاهين الطاولة بقبضة مشدودة حتى ارتجت الأطباق فوقها.. وصاح بانفعال:
لا… مراتي.

ثم أضاف بصوت أكثر حدة:
ومتخلنيش أندم إني طالب الحلال… ولا كنت هتبقى مبسوط لو مشيت في العوج؟!

ساد الصمت لثانية ثقيلة.

قبل أن يمد شاهين يده فجأة ويجذب حور من ذراعها لتقف إلى جواره.

ارتبكت حور من الحركة المفاجئة.

أما أحمد…
فشعر بشيء ينقبض بعنف داخل صدره.
شيء غريب…
حاد…
ومزعج.

لدرجة أنه لم ينتبه حتى لما قاله شاهين بعدها.
وأنا بقولها أهو بعلو صوتي… بنتك مراتي.

ثم أشار إلى نفسه بعناد:
واللي بيزمر مبيخبيش دقنه يا عمي… ولو أنا عايز أزمر هزمر وبكيفي… وانت أكتر واحد عارف إن ابن المهدي لما يبقى كيفه في حاجة بيعملها.

انعقد حاجبا أحمد.
وللحظة بدت عليه الدهشة أكثر من الغضب.

كأن شيئًا ما في المشهد كله كان يثير داخله شعور لا يستطيع الإمساك به أو تسميته.

لكنه سرعان ما دفنه تحت غضبه.
وهدر بصوت خشن:  انت بتهددني يا ابن عمري؟!

هب الجميع من أماكنهم في اللحظة نفسها.

زكريا.

وياسين.

ويونس.

حتى شهد وفوزية انتفضتا من مقعديهما.

أما حور…

فشعرت وكأن الأرض تهتز تحت قدميها.
كانت ترى الرجلين الأقرب إلى قلبها….
وأعز شخصين في حياتها….
يقفان أمام بعضهما البعض….
كأن بينهما خصومة عمر لا كأهل…

كأن كل منهما يرفع سلاح كبريائه في وجه الآخر.

فانزلقت الدموع من عينيها دون إرادة.
وتشبثت بذراع شاهين بأصابع مرتجفة وهمست بنحيب موجع: شاهين… براحة.

وصل صوتها إليه رغم ضجيج غضبه.
فأحكم قبضته حول يدها في لمسة حانية مطمئنة.

ضغطة صغيرة…كأنها وعد.

لكن عينيه لم تغادرا أحمد.

ظلتا مشتعلة بخليط من الغضب والغيرة والعناد.

وفي المقابل…

ظل أحمد يحدق فيه بالصمت نفسه.
صمت رجل لم يعد يعرف لماذا يثور إلى هذا الحد.

ولا لماذا يبدو له مجرد الاقتراب من حور وكأنه انتزاع شيء من بين يديه.

شيء اعتاد وجوده إلى جواره…
حتى ظن أنه سيبقى هناك إلى الأبد.

ألقى زكريا الملعقة من يده بفرقعة مدوية ارتد صداها في أرجاء المائدة، ثم هتف بضيق حاد:
هو في إيه يا جدعان؟ هي جوازة ولا خناقة؟ وبعدين الدنيا كلها عارفة إن شاهين لحور وحور لشاهين، مالك معقرب الحوار ليه يا عم أحمد؟ مترسينا على الدور.

أشار يونس بيده مؤيدًا، وقال بنبرة هادئة لكنها حاسمة:
وبعدين زكريا قالك. تعب حور ميمنعش الجواز، وكمان شاهين رجوله وعارف هو بيعمل إيه…مش غبي يعني هيتغاشم عليها… دي هتبقى بنته قبل ما تكون مراته.

تساقطت الكلمات واحدة تلو الأخرى فوق رأس أحمد.

كأن كل حجة كان يتشبث بها تنتزع من بين يديه.

ببطء…

عاد إلى مقعده.

جلس وسط المائدة التي ضجت بالأصوات قبل دقائق، لكنه بدا وكأنه انفصل عنها تمامًا.

أسند جبهته إلى قبضته.

وصمت…صمت ثقيل…غريب.

حتى الغضب الذي كان يشتعل في عينيه قبل لحظات بدا وكأنه انطفأ تارك خلفه شيئًا أكثر إيلام…

شيئًا لم يستطع الإمساك به.
ولا فهمه.
ولا حتى الاعتراف بوجوده.

وفي الجهة الأخرى…
كتمت حور شهقة صغيرة.
ثم انهمرت دموعها فوق وجنتيها بصمت موجع.

كانت تنظر إلى أحمد وكأنها تنتظر منه كلمة واحدة.

ابتسامة…إشارة رضا….أي شيء.

لكنه ظل غارق في صمته.

جذبها شاهين إلى صدره بحركة تلقائية.
فاستكانت بين ذراعيه.

لكن عينيه….لم تغادرا أحمد…كان يراقبه.
يراقب الشرود الذي استوطن وجهه.
والحزن المختبئ خلف غضبه.
وذلك الوجع الذي لم يفهمه.

مال على حور وهمس قرب أذنها:
اهدي يا بابا عشان متتعبيش نفسك. أبوكي بس بيعمل نمره علينا، مفيش حاجة يعني… متخديش الموضوع على أعصابك.

قالها ليهدئها… ليخرجها بره دائرة الحزن …
لكن جزء منه لم يكن مقتنع بما يقول.

لأنه يعرف أحمد.
يعرفه أكثر مما يعرف نفسه أحيانًا.
ويعرف أن الرجل حين يغضب يثور.
وحين يرفض يصرخ.

أما هذا الصمت…
فلم يكن يعرفه.

رفعت فوزية رأسها نحو حور وقالت بنزق:
بطلي عياط يا بت… هتعي مننا… ورحمة عمك عبدالتواب هجوزك الواد يعني هجوزهولك.

خرجت ضحكة مختنقة من بين دموع حور.

فمسح شاهين فوق حجابها بحنان، ثم قال بمشاكسة متعمدة:
خلاص… فوفا حلفت بالغالي وقلقلت عبدالتواب في نومته.

انطلقت ضحكات متفرقة.

لكن شاهين لم يضحك.
ظل ينظر إلى أحمد.
وكأن شيئًا داخله يأبى أن يترك الأمر يمر.

كانت نظرات أحمد إلى حور تزعجه.
وإصراره غير المفهوم يزعجه.
وحزنه الذي لا يجد له تفسيرًا يزعجه أكثر.

لأنه يحب حور حد الجنون.
ولأن قلب العاشق لا يحتمل أن يشاركه أحد في ألمها أو فرحها.
حتى لو كان ذلك الرجل هو من رباه بيديه.

رفع شاهين رأسه أخيرًا وقال بصوت خشن:
هااا يا عمي… أنا مش هعدي الوقفة دي غير لما نحدد معاد الفرح. قولت إيه؟

رفع أحمد رأسه ببطء.
وبدا للحظة وكأنه عاد من مكان بعيد.
استقرت عيناه على شاهين.

ثم انتقلتا إلى حور الواقفة بجواره.
كانت ما تزال متشبثة بذراعه…تختبئ فيه.
وتبتسم له وسط دموعها.

فشعر بشيء ينقبض في صدره بعنف.
شيء يشبه الفقد.

لكنه أشاح بنظره سريعًا وقال بحنق:
فرح مرة واحدة؟! ده إنت داخل تاخد البت مني مرة واحدة.

ساد الصمت لثانية.
ثانية واحدة فقط.

لكن شاهين التقطها.
التقط النبرة قبل الكلمات.
وشعر بشيء غريب يعبر داخله.

لم يكن غضبًا.ولم يكن راحة.

كان الغيرة…اقرب الي الجنون..
غيرة مبهمة لا يعرف سببها.

غيرة من رجل يحبه ويحترمه كأب.
لكنه في تلك اللحظة شعر أنه يقف بينه وبين حور.

أصدر صوت اعتراض خشن من أسفل حلقه وقال:
أخخخخخ…

ثم عقد حاجبيه وأضاف : ليه هو انت هتدهاني على دفعات ولا إيه؟ أنا هتنقط منك؟

انفجر ياسين ضاحكًا.

وتبعه زكريا.

حتى فوزية ضحكت رغم توترها.

أما أحمد…

فاكتفى بالنظر إلى شاهين طويلًا.

نظرة لم يفهمها أحد.
ولا حتى شاهين نفسه.

لكنه خرج منها بيقين واحد فقط…
أن المعركة لم تعد على موعد الفرح.
بل على شيء أعمق بكثير مما يظنه الجميع.

أغمض شاهين عينيه لثانية.
ثم فتحهما ببطء.

لم يكن يفهم ما الذي يحدث.
لكنه كان يعرف شيئًا واحدًا فقط…
أنه لن يسمح لأحد على وجه الأرض أن يقف بينه وبين حور.
حتى لو كان ذلك الشخص هو أحمد نفسه.

ضربت شهد الطاولة بكفها بعنف حتى اهتزت الأطباق، ثم هتفت بحسرة:
بعد الشر عليك يا ابني!

والتفتت فورًا نحو أحمد بعينين محتقنتين بالغضب:
لا!!! والختمة الشريفة… الموضوع ده في إنه؟! ما تجيب اللي في بطنك كده وتفهمنا أخرتها إيه يا أحمد!

هب أحمد واقف بضيق وهدر:
بس بقى! لا أنه ولا كان.

ثم أشار نحو شاهين بإصبعه وأضاف بحدة:
أنا موافق… بس بشرط.

ارتفع حاجب شاهين بدهشة وهمهم: شرط ولا عقدة؟

رمقه أحمد بنظرة قاتلة وهز رأسه: لا شرط يا ابن الكلب.

تعالت ضحكات مكتومة حول المائدة.

بينما مرر شاهين كفه على وجهه بضيق وقال بصوت خشن: ماشي… إيه الشرط؟

رفع أحمد حاجبه.

ثم أسند كفيه فوق الطاولة وانحنى قليلًا للأمام.
كانت نظراته مثبتة على شاهين وحده.
نظرات متحدية…وحادة…
وفيها شيء من الخبث أيضًا.

وقال ببطء: هتكتب عليها…

فساد الصمت.

حتى أنفاس حور احتبست داخل صدرها.

وأكمل أحمد: بس مفيش دخلة غير بعد ما تخلص كليتها.

اتسعت عينا شاهين… بذهول مخلوط بالغضب..

أما أحمد فأكمل دون رحمة: ولو عقلك وزك وقلت مراتي ودخلت عليها… هحسرك عليه يا شاهين.

ساد الصمت ثانية واحدة…

ثم انفجر ياسين ضاحكًا حتى كاد يسقط من فوق كرسيه.

بينما شهق زكريا بصوت مسموع:  يا خراب بيتك!

وضرب يونس جبهته بنزق وغمغم : هيتجوزها بالقسط..

أما شاهين فظل يحدق في أحمد كأنه يحاول استيعاب المصيبة التي نزلت فوق رأسه.

قبل أن يفتح فمه معترض….

لكن صوت خافت سبقه.

صوت حور.

مالت نحوه قليلًا وهمست قرب أذنه بخجل أربكه أكثر:

هو إيه ده يا شينو؟ دخلت عليا فين؟
يعني إنت مش هتدخل عليا أوضتي تاني؟

أغمض شاهين عينيه للحظة.

ثم عض شفته بقوة وهو يحارب ضحكة هستيرية كادت تفضحه أمام الجميع.

وهمس من بين أسنانه:
يعني أنا ألاقيها منك ولا من أبوكي يا بت؟

اختنقت حور بضحكة صغيرة وهي تخفض رأسها خجلًا.

وفي اللحظة التالية…قفزت فوزية من مكانها.

ثم تبعتها شهد.

وانطلقت الزغاريد من أفواههما عالية صاخبة حتى ارتجت جدران البيت بالسعادة.

وقف يونس وزكريا وياسين دفعة واحدة.

وانقض الثلاثة على شاهين يحتضنونه ويضربون كتفيه ويهزونه بعنف وسط الضحكات والتهاني.

بينما جلس شاهين بينهم أخيرًا…

يضحك….لأول مرة منذ بدأ الجدال.
ورغم كل شيء…
تحركت عيناه نحو أحمد.
فوجده جالس في مكانه…صامت..

يراقب حور وهي تضحك وسط الجميع.
راقبها طويلًا….ثم تنهد ببطء شديد.

تنهدًا لم يسمعه أحد وسط الضجيج.

قبل أن ترتسم على شفتيه ابتسامة صغيرة…

باهتة.
وموجوعة.

كابتسامة رجل أدرك أخيرًا أنه خسر معركة لم يكن يريد أن يربحها من الأساس.
…….
في غرفة شموع…

جلست إلى مكتبها الصغير، تسند وجنتها إلى كفها في استسلام حزين.

أمامها ورقة بيضاء امتلأت بخطوطٍ متعرجة رسمتها بلا وعي، خطوط تبدأ من مكان وتنتهي في آخر لا تعرفه، تمامًا كالأفكار المتشابكة داخل رأسها.

كانت تقلب قلم الرصاص بين أصابعها بشرودٍ ثقيل، بينما عيناها غائمتان بحزن مكتوم وغضب لا تجد له مخرج.

ظلت تحدق في الفراغ طويلًا…

حتى انتفض الهاتف فوق المكتب معلن عن اتصال جديد.

انخفض بصرها إلى الشاشة.

أنين.

ارتخت ملامحها قليلًا.

وألقت القلم من يدها، ثم سحبت الهاتف وضغطت زر الإجابة.

رفعت الهاتف إلى أذنها وهمهمت بصوت مبحوح أثقلته الأيام الأخيرة: كيفك يا أنين؟

عقدت أنين حاجبيها بدهشة صادقة.

وأبعدت الهاتف عن أذنها لحظة تنظر إلى الاسم الظاهر على الشاشة، كأنها تتأكد أنها لم تتصل بشخص آخر عن طريق الخطأ.

ثم قالت باستغراب:
أنا اتصلت بشموع… ولا حد تاني؟

لوت شموع شفتيها بحنق حقيقي وهتفت:
أنا لازم أهزجك يعني عشان تصدجي إني شموع؟ وتعاودي تزعلي لما أجلك يا ملكومة؟

انطلقت ضحكة أنين عبر الهاتف دافئة وخفيفة، كنسمة اخترقت ذلك الجو الكئيب.

وقالت بمحبة صادقة: وحشتيني والله أوي.

أغمضت شموع عينيها للحظة.

مجرد سماع تلك الجملة كان كفيل بأن يوقظ وجع كانت تحاول دفنه.

ابتلعت الغصة التي علقت بحلقها، ثم أومأت برأسها رغم أن الأخرى لا تراها.

وقالت بصوت خافت مبحوح يقطر حزن:
وانتي كمان وحشتيني يا خيتي…

وسكتت.
سكتة قصيرة…
لكنها كانت كافية لتدرك أنين أن شيئًا ما ليس بخير.

شيئًا أثقل من مجرد اشتياق.
شيئًا جعل صوت شموع يبدو وكأنه قادم من مسافة بعيدة جدًا.

كرشت أنين بين حاجبيها بدهشة ممزوجة بالقلق، ثم قالت بصوت خافت:
مالك يا شموع؟ صوتك حزين كده ليه؟ أول مرة أكلمك وألاقيك كده.

تنحنحت شموع بصوتٍ منخفض، كأنها تحاول إخفاء شيء أكبر من مجرد حزن:
لا… ولا زعلانة ولا حاجة، عادي يعني.

رفعت أنين حاجبها بخبثٍ محبب، وقالت بابتسامة خفيفة:
شكل مزاجك ما بجاش بيتعدل غير علي نجارك مع يونس… تلاجيكي طلعت زربينه وانتو مسافرين ؟

ساد صمت قصير.

ثم انزلقت ذاكرة شموع فجأة إلى تلك المحادثة القديمة بين يونس وزوجته… لحظة لم تكن عابرة، بل انغرست في قلبها كشوكة باردة.

أطرقت قليلًا، ثم قالت بصوت أقل تماسك:
لا… هو مكنش فاضي لي… كان مشغول باله على مراته وبته العيانة.

انفجرت أنين بصوت مذهول:
يلهوي! هو يونس متچوز وكمان مخلف؟!

ثم صمتت لحظة، قبل أن تضيف ببراءة حقيقية:
ومتى اتچوز؟ وعمتك معزمتناش على الفرح ليه؟

اشتعلت ملامح شموع في لحظة.

وانقلب هدوؤها إلى حنق مكبوت.

ثم هتفت بصوت حاد:
عزموكي على المشنقة يا بعيدة؟! غوري يا بت من خلجتي أنا شايفة الدنيا من خرم إبرة دلوق!

وأغلقت الهاتف في وجهها فجأة.
ألقت به فوق الطاولة بعنف، ثم أطلقت زفرة طويلة وهي تتمتم بحنق:
أنا مش موعده غير بالبهايم ليه بس يا رب؟

ثم أسندت ظهرها إلى المقعد.
وعيناها تحدقان في الفراغ من جديد…
لكن هذه المرة، لم يكن الفراغ صامت….
كان ممتلئ بأشياء لا ترغب بالاعتراف بها

…………

مساءً هادئ في منزل المهدي،

حيث يرتفع السطح فوق صخب المدينة كجزيرة معزولة تحت النجوم.

تمدد شاهين على الأريكة العريضه بعد يوم عمل شاق أنهك جسده.

وضع ساعده على عينيه، يستجدي لحظة استرخاء تطفئ فيها نيران التعب المشتعلة في صدره. كان صمته ثقيل، وتنفسه بطيئ، كأن الدنيا كلها قد أغلقت أبوابها خلف جفنيه.

صعدت حور الدرج بخطى متمهلة، تحمل صينية الطعام بين يديها…

رائحة الكبدة المشوية بالسمن البلدي الفواحة ملأت المكان برائحة دافئة وشهية، لكنها هذه الليلة أزعجتها أكثر مما أغرتها.

اقتربت منه بهدوء، فوضعت الصينية على الطاولة الخشبية المنخفضه، ثم وقفت بجانبه.

لوحت بيدها أمام أنفه باشمئزاز حقيقي، ثم لكزته في ذراعه بلطف وقالت بصوتها الدافئ:
شينو.. قوم اتعشى.

لم يتحرك. فزادت من قوة اللكزة هذه المرة، وهتفت باستنكار مرح:
شينو! أنت نمت بسرعة كده؟ أنت لسه طالع!

فجأة، انقضت يده القوية على يدها، فسحبها بقوة مفاجئة فأسقطها على صدره.

صرخت حور صرخة خفيفة، لكنه التهمها في الحال بقبلة عنيفة، مشتاقة، جائعة.. قبلها كمن يغرق ويجد أخيرًا الهواء في شفتيها…

دار بها على الأريكة بجسده الثقيل، واعتلاها بسيطرة ذكورية واضحة، وهو يمتص شفتيها بشهوة لا تكاد تروى.

وضعت حور يدها على صدره تحاول دفعه، لكن الدفع كان واهن، مشوب بدلال واستسلام خفي. همست بين شفتيه الملتهبتين، وهي تلهث:
أخص عليك يا شينو.. كده خضتني!

ابتسم شاهين ابتسامة شقية مفعمة بالعبث، وعيناه تحترقان بنار سوداء وهو يتأمل شفتيها المتورمتين من قوة القبلة. غمغم بصوت خشن، مشبع بالرغبة:
دي بوسة كتب الكتاب يا بت.. معرفتش أدهالك قدامه

لمعت عيناها بسعادة غامرة حتى خيل إليه أن النجوم هبطت لتستقر داخلهما.

كانت تنظر إليه كطفلة حصلت أخيرًا على حلم ظنت يومًا أنه بعيد المنال.

ثم همست بخجل دافئ:
أنا مش مصدقة إن بابا أخيرًا وافق… وهنبقى مع بعض يا قلبي.

تأملها شاهين طويلًا.
طويلًا أكثر مما ينبغي.

كأن عقله ما زال يرفض تصديق أن سنوات الانتظار والعناد والخوف انتهت أخيرًا.

مد يده ببطء.

ومرر أطراف أصابعه فوق وجنتها برفق يناقض تمامًا خشونته المعتادة.

ثم قال بصوت خافت:
مكنش قدامه حل غير إنه يوافق.

وارتسمت على شفتيه ابتسامة جانبية مشاكسة وأكمل :
أبوكي لو مكنش وافق كان عارف إني هصور قتيل.

ضحكت حور رغم عنها.
أما هو فأكمل وهو يزفر بارتياح عميق:
خلاص…هتبقي في بيتي…وتحت عيني.
وعلى اسمي.
وهرتاح من التفكير اللي واكل دماغي ليل نهار.

رفعت حاجبيها بدهشة…وأمالت رأسها نحوه قائلة:
تفكير إيه يا شينو؟

اختفت ابتسامته…وكأنها لم تكن.
ثم اعتدل في جلسته فجأة.

وجذبها من معصمها حتى جلست أمامه مباشرة.

وظهرت تلك النظرة التي تعرفها جيدًا…
النظرة التي تسبق نوبات غيرته المجنونة.

هدر بضيق: التفكير فيكي يا روح أمك.

ثم أشار إليها بإصبعه :
وغلطتك لما نمتي بقميص النوم اللي كنتي لابساه يوم ما جيت من السفر.

تجمدت لثانية…قبل أن تعقد حاجبيها باستغراب: غلطتي إيه؟
أنا مكنتش أعرف إنك جاي أصلًا.
وكنت نايمة براحتي.

أغمض شاهين عينيه للحظة كأنه يستعيد المشهد كله.

والمشهد وحده كان كفيل بإشعال أعصابه من جديد.

فأصدر صوت خشن من أعماق صدره:
أخخخخخ…

ثم مرر كفه في شعره بعصبية…وهدر :
يعني إيه تنامي بقميص نوم كاشفك كده وممكن أبوكي هو اللي كان دخل؟

حدقت فيه حور بذهول كامل.
ذهول جعلها تبدو وكأنها تنظر إلى رجل بثلاث رؤوس فقد عقله فجأة.

وقالت بعدم استيعاب: إنت بتقول أهو…
أبويا…يعني عادي…ده أبويا يا شاهين.

هنا فقط…اشتدت ملامحه…وتصلبت عضلات فكه.

وهز رأسه ببطء شديد.
ذلك البطء الذي يسبق انفجاره عادة : لا.
مفيش حاجة اسمها عادي.

خرجت الكلمة حادة…قاطعة.
ثم أشار بيده وهو يتابع بانفعال:
كل حاجة في الدنيا ليها حدود…وليها أصول…وليها مكان تقف عنده.
الناس اللي بتشوف كل حاجة عادي هم أول ناس بتضيع منهم الحدود.
وأول ناس بتغلط من غير ما تحس.

سكت لحظة.
وكانت عيناه مشتعلة بقناعة راسخة لا تقبل الجدل.

ثم أكمل بصوت أخفض:
المصايب مبتبدأش من الوحش.
المصايب بتبدأ من كلمة صغيرة…
عادي…
عادي مرة.
وعادي ألف مرة.
لحد ما الناس تبطل تفرق بين الصح والغلط.
وبين اللي ينفع واللي مينفعش.

ظل ينظر إليها.
ثم أشار إلى صدره وهو يقول:
البت بقي عادي تعقد ملط قدام ابوها ، واخواتها الرجاله ، وتقول عادي …
امال جوزها سبتله ايه؟
ربنا لما حط حدود بين الناس مكنش بيحرمهم من حاجة.
كان بيحفظهم.
بيحفظ القلوب قبل اللحم
وبيحفظ البيوت قبل ما تقع.

ساد الصمت بينهما.
وراحت حور تحدق فيه بشرود.
لأول مرة تسمع الأمر بهذه الطريقة.

ولأول مرة تفكر فيه من زاوية لم تخطر ببالها يومًا.

هي لم تكن ترى في الأمر سوى بساطة اعتادت عليها منذ طفولتها.

أما هو…

فكان يراه بعين رجل يحمل مسؤولية امرأة يحبها أكثر مما يحب نفسه.

خفضت بصرها قليلًا.
ثم قالت بصوتٍ هادئ: ماشي…
إنت عندك حق…

وسكتت لحظة…قبل أن تضيف بصدق كامل: بس أنا عمري ما حسبتها كده.
ولا عمري شوفتها بالشكل ده.

نظر إليها شاهين طويلًا…ثم تنهد.
تنهد رجل خسر معركة غضبه أمام براءة من يحب.

فمد يده.
ورفع ذقنها برفق حتى أجبرها على النظر إليه…وقال بصوت خافت هذه المرة:
وأنا عارف.
عارف إنك مكنتيش تقصدي.
وعارف إن قلبك أنضف من إن يفكر في حاجة وحشة.

ثم ابتسم ابتسامة صغيرة متعبة…وأضاف:
بس اعذريني…أنا راجل غيران.
غيران بشكل ميعجبنيش أنا نفسي..

ابتسمت رغمًا عنها.
فأكمل وهو ينظر إلى عينيها مباشرة: المشكلة إني كل ما أحبك أكتر…
بخاف عليكي أكتر.
وكل ما بخاف عليكي أكتر…
ببقى مجنون أكتر.

سكنت ابتسامتها.
وخفق قلبها بعنف داخل صدرها.
بينما ظل شاهين يتأملها بصمت.
كأنه ما زال غير مصدق…
أن الفتاة التي قضى سنوات يحلم بها…
أصبحت أخيرًا له.

أمسك شاهين يدها الصغيرة بين كفيه الخشنتين، ثم رفعها إلى شفتيه وطبع قبلة طويلة فوق ظهرها، كأنه يعتذر عن غضبه السابق دون أن ينطق بالاعتذار.

وغمغم وهو يحدق في عينيها:
بس بعد كده خلي بالك عشان المره اللي جايه هطير رقبتك.

شهقت حور بدهشة مصطنعة واتسعت عيناها باستنكار: بقى كده؟

ثم سحبت يدها من يده بحنق طفولي وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها :
طيب أوع أنا هسيبك لوحدك وأنزل.

ابتسم شاهين رغماً عنه.
منذ دقائق كان يتحدث معها بغيرة كادت تحرق أعصابه، والآن عادت كما هي…

تغضب في ثانية وتسامح في ثانية أخرى.

وقبل أن تبتعد أكثر مد ذراعه وسحبها بحذر إلى صدره.

ليس بقوة.

بل بالخوف الذي يسكنه كلما تذكر تعبها.
واستقرت بين ذراعيه بينما قال بصوت أجش دافئ:
لا طبعاً… هنتعشى سوا استني.

هزت رأسها بالنفي بسرعة وكأنها ترفض حكم بالإعدام.

ثم أشارت إلى صينية الطعام الموضوعة على الطاولة وهتفت باشمئزاز حقيقي:
لالالا أنا جبتلك كبدة وانت عارف مش بحبها.

قطب شاهين حاجبيه بحنق.
ونظر إليها وكأنها حالة طبية ميؤوس منها.
وهتف : لحد امتى ولا تأكلي كبدة ولا لحمة ولا أي حتة في العجل يا بت؟ إنتي كده هتفيسي مني من أول ليلة جواز.

كرمشت وجهها كله باشمئزاز صادق.

ذلك الاشمئزاز الذي جعله يوقن للمرة الألف أنها لا تمثل.

بل تؤمن فعلًا بكل كلمة تقولها.

وهتفت محتجة: آكلها إزاي وأنا أول ما أشوفها أفتكر إنها أصلًا دم متجلط؟ واللحمة كان فيها دم برضو.

أغمض شاهين عينيه.
لا يريد سماع التكملة.
لكنه يعرف أنها لن تسكت.

وأكملت بالفعل:
والكوارع آكلها إزاي؟ والعجل كان بيمشي على الأرض حافي ويدوس في التراب والطين والبيبي بتوعه…
وبعدين أجي أنا آكل رجله؟ يععع!

ساد الصمت…صمت طويل.
رفع شاهين رأسه إليها ببطء شديد.
ببطء رجل يحاول استيعاب الكارثة.

وظل يحدق فيها عدة ثواني كاملة دون أن يرمش.

حتى بدأت حور تنظر إليه بتوتر.

ثم قال أخيراً: يا ليلتك الطين !
انتي لسه بتفكري كده من وقت من كنتي في الابتدائي؟!

لتنفجر ضاحكة.
لكن ملامحه ظلت جامدة.
الأمر الذي زاد ضحكها أكثر.

رفع شاهين حاجباً واحداً بذهول.
ثم مد يده ناحية حزامه وهو يتمتم:
أنا عارف إني هتجوز واحدة هبلة…
بس مش كده يعني.
لا ده كتير أوي….

اتسعت عينا حور فجأة.
وقفزت من مكانها كأنها رأت الموت بعينيه وصاحت : لالااا…

ثم رفعت يدها أمامها بسرعة. وهتفت :
إنت أكيد أعقل من كده يا شينو!

لكن شاهين كان قد نزع الحزام بالفعل.
وأمسك ولفه حول يده وهو يحاول جاهداً الحفاظ على جديته.

في حين كانت الضحكة تخنقه من الداخل.

ثم لطم الأرض بالحزام فصدر صوت حاد ارتج له السطح.

وهتف بصرامة مفتعلة:
دانا هطلع على جنتك العقل كله يا بت الهبلة!

صرخت حور بفزع حقيقي.
وقفزت مبتعدة عنه وهي ترفع طرف عباءتها بيديها حتى لا تتعثر : لالالااا!

ثم ركضت ناحية الدرج بأقصى سرعتها وصاحت : خلاص والنبي يا حبيبي هاكل ومش هفكر تاني!
يا ماااامااا!

ارتفع ضحك شاهين هذه المرة رغماً عنه.
ضحكة صافية خرجت من أعماقه.

ضحكة رجل وجد سعادته كلها تركض أمامه على الدرج وهي تصرخ كطفلة مشاغبة.

وتحرك خلفها بخطوات بطيئة متعمدة.

لا يحاول اللحاق بها أصلًا.
بل يستمتع بالمشهد.
ويستمتع أكثر بصوتها الذي يملأ البيت حياة.

ثم هدر من خلفها بصوت حاد:
أمال لو قلتلك كلي مخاصي يا بت هتعملي إيه؟

وصلت حور إلى منتصف الدرج.
وتجمدت للحظة.
ثم التفتت إليه بوجه شاحب من الرعب والاشمئزاز معاً.

وأطلقت صرخة هزت المنزل كله:
لالالا يا نهار أسووووود!

فانفجر شاهين ضاحكاً حتى انحنى ظهره.

بينما كانت هي تهبط الدرج هاربة كأن خلفها وحش كاسر…

وفي تلك اللحظة…

شعر شاهين أن الدنيا كلها لا تساوي شيئاً أمام ضحكة خرجت منه بسببها.

ولا أمام بيت ستكون هي روحه وقلبه وكل ما فيه..

…………….
في أحد البارات…

جلس أحمد إلى طاولة جانبية بعيدة عن الضوضاء.

أمامه كوب لم يمسه.
وخلف عينيه عاصفة لا تهدأ.

منذ الامس وهو يحاول إقناع نفسه أن الأمر طبيعي.

ابنته ستتزوج.
أمر يحدث في كل بيت.

كل يوم.
وكل ساعة.
لكنه كلما حاول تهدئة أفكاره عادت لتضرب رأسه من جديد.

حور ستتزوج.
ستصبح لبيت آخر.

حتى لو كان ذلك البيت فوق رأسه مباشرة.
حتى لو كانت شقتها تعلو شقته بطابق واحد.

فكرة أنها لن تبقى كما كانت…
كانت كافية لتشعل شيئًا غريب داخله.

شيئًا يرفض أن يهدأ.
ويأبى أن يفهمه.
زفر بضيق وهو يفرك جبينه.

في اللحظة نفسها اقترب سعد وجلس أمامه، ثم وضع كأسًا من النبيذ الأحمر فوق الطاولة وقال:
إنت هتفضل على الساكت كده النهارده؟ طول اليوم متكلمتش ولا كلمة. في إيه؟ مين اداك سد الحنك؟

دفع أحمد الكأس بعيدًا عنه دون حتى أن ينظر إليه.

وتمتم بضيق: شيل يا عم القرف ده… إنت عارف مليش فيه.

مال سعد في مقعده وأطلق صفير خافت..

ثم ألقى نظرة عابثة نحو إحدى الفتيات في آخر القاعة وقال:
ما إنت نازل عليك سهم الله من الصبح. وده اللي هيفك عقدة لسانك يا عم….
جرب ومتقولش للفرفشة لا.

رفع أحمد عينيه إليه.

نظرة واحدة كانت كافية لتجعل سعد يرفع كفيه مستسلم…

فأشاح أحمد بوجهه وقال بخشونة:
آخر الأسبوع كتب كتاب شاهين على حور.

ساد الصمت.
ثم أكمل دون أن ينظر إليه:
وعايزك تحضرلي ليلة متعملش زيها في البلد كلها.

التفت إليه سعد كامل ولمعت عينيه بدهشه..

فواصل أحمد : عايز المنطقة كلها تحلف إنها عمرها ما شافت ليلة زي دي.

تجمد سعد للحظة.
وتبدلت ملامحه من العبث إلى الدهشة.

ظل يحدق فيه عدة ثواني…ثم قال ببطء:
لا يا راجل…

وضاقت عيناه وهو يتأمله : وده شكل واحد فرحان بجواز بنته؟

لم يرد أحمد….فاكتفى سعد بمراقبته.
كان يعرفه منذ سنوات طويلة.

ويعرف أن أحمد حين يفرح يملأ الدنيا ضجيج…

وحين يحزن يثور.

أما هذا الشرود…
فلم يره عليه من قبل.

ابتسم سعد بسخرية خفيفة وقال:
دانت ولا اللي ميت ليه ميت يا جدع…

شد أحمد فكه بقوة.
وظل ينظر إلى نقطة بعيدة أمامه.
ثم قال بعد صمت طويل: أنا فرحان.

خرجت الكلمة جافة…باهتة…
حتى هو لم يصدقها.

فأطلق سعد ضحكة قصيرة وهز رأسه:
كداب.

قبض أحمد على الكأس أمامه فجأة، ثم رفعه إلى فمه وأفرغه دفعة واحدة.

كرمش وجهه من مرارة الطعم، ومسح شفتيه بظاهر كفه وهو يتمتم بحنق:
وإنت بتتكلم كتير ليه يا عم سعد؟ ما تسمع الكلام من سكات.

ارتشف سعد من كأسه ببطء، ثم عاد بظهره إلى المقعد وقال بضيق:
في إيه يا عم؟ ما الكلام أخد وعطا.

زفر أحمد بقوة ومسح وجهه بكفيه كأنه يحاول إزاحة ثقل جاثم فوق صدره.

ثم قال بصوت خشن:ولا أخد ولا عطا…

وسكت لحظة…لحظة طويلة…قبل أن يكمل:
كده كده خلاص… شاهين هيخدها مني.

ارتجفت الكلمات فوق لسانه.
فأشاح بوجهه بعيدًا وهو يحدق في الفراغ :
عشت عمري أربيها… أشوفها بتكبر قدام عيني يوم ورا يوم.

وخرجت منه ضحكة قصيرة موجوعة:
كنت فاكرها حتة مني…
لا…
هي حتة مني فعلًا.
وبعد العمر ده كله…
هفتح القفص والعصفورة هطير.

ظل سعد ينظر إليه بصمت.

ثم قال بهدوء: ما هو لو مكنش شاهين كان هيبقى غيره.
وأي بنت آخرها الجواز وبيت جوزها.

جاء رد أحمد حاد على نحو مفاجئ:
إلا حور.

انعقد حاجبا سعد.
واعتدل في جلسته وهو يرمقه باستغراب:
يعني إيه إلا حور؟

وسكت لحظة قبل أن يضيف:
هي مش بنت زي باقي البنات؟
إنت مالك يا أحمد؟ أنا بدأت أتوغوش.

لم يرد أحمد مباشرة.
مد يده إلى الكأس الثاني.
ارتشف منه جرعة طويلة.

ثم أطرق رأسه وقال بصوت خافت أثقلته الحسرة:
العبارة إني مش هقدر أتحمل أشوفها في حضن راجل تاني.

ساد الصمت.

فأكمل دون أن يرفع رأسه:
ومش هقدر أصحى الصبح من غير طلتها .
ولا أسمع صباح الخير بتاعتها.
ولا دوشتها.
ولا خناقها.
ولا وجودها في البيت أصلًا.

رفع رأسه أخيرًا.
وكانت عيناه تلمعان بشيء يشبه الانكسار.
وقال بصوت متحشرج:
يعني هي لازم تتجوز…وأتحرم أنا منها؟
وأتحرم من وجودها في بيتي؟
ومن ريحتها؟
ومن كل حاجة متعود عليها فيها؟

ابتلع غصة مؤلمة ثم أكمل:
وشاهين يبقى له حق فيها أكتر مني.
شاهين اللي ربيته بإيدي…
هيبقى هو أول واحد في حياتها.
وأنا أبقى ورا.

وتلاشت نبرته شيئًا فشيئًا.
كأن الكلمات نفسها أصبحت تؤلمه :
وأنا عارف شاهين…عارف هيحبها.
وعارف هيشيلها جوه عينه.
بس برضه…هياخدها .. وهتروح له.
وهتبقى حياته هو….وساعتها…

رفع عينيه إلى سعد وهمس بصوت موجوع:
وأنا هبقى إيه؟

ضيق سعد عينيه وهو يحدق في أحمد طويلًا، ثم هدر بغضب:
هو في واحدة عشان اتجوزت تنسى أبوها؟!

وأشار إليه بعصبية:
أنا معاك إن شاهين هياكل عقلها…
وشديد عليها… وهيشغل دنياها كلها، بس في الآخر جوزها… وإنت أبوها.

رفع أحمد رأسه فجأة.
وكانت عيناه محتقنتين بغضب غريب.
غضب خرج قبل أن يفكر فيه.
وقبل أن يزنه بعقله…فهدر دون وعي:
أنا مش بس أبوها!

ساد الصمت…
صمت ثقيل…

حتى الموسيقى الخافتة في المكان بدت وكأنها ابتعدت فجأة.

أصدر سعد صوت خشن وهو يحدق فيه بعدم تصديق: أخخخخ…

ثم اقترب بجسده للأمام وقال بحدة:
أمال إنت إيه؟

ضرب أحمد الطاولة بقبضته حتى ارتجت الأكواب فوقها.

وصاح بانفعال هائل: أنا أكتر من أبوها!

كانت أنفاسه تتلاحق بعنف.
وعيناه تلمعان بشيء يشبه الألم :
حور هي عمري كله.
هي سنيني كلها.
هي ضحكتي لما أبقى مخنوق.
وصوتها أول حاجة بصحى عليها.
وآخر حاجة بنام وأنا مطمن إنها موجودة.

ثم هز رأسه بعنف وأضاف:
حور هي الألوان اللي ملونة حياتي.
من غيرها…
حياتي سواد وبس.

تجمد سعد مكانه.
وكان الغضب يتصاعد داخله مع كل كلمة.

وفجأة…اندفع بقبضته للأمام.
واصطدمت بوجه أحمد بعنف.

ترنح الكرسي للخلف وانقلب به على الأرض.
وسقط أحمد بقوة وهو يضع يده على أنفه.

وفي ثانية واحدة كان سعد قد نهض واقف فوقه.

والغضب يشتعل في عينيه…هدر بصوت هز المكان: هي دي الأمانة؟!

وأشار إليه بعنف:
هي دي البت اللي اتحطت في رقبتك طول العمر؟!

واقترب خطوة أخرى:
إوعى تكون بتقول اللي أنا فاهمه يا أحمد!

هب أحمد واقف كالإعصار.
ودفع الكرسي بقدمه حتى اندفع نحو سعد.
تفاده سعد بسهوله

لكن قبض أحمد على ياقة قميصه بعنف.

كانت عيناه مشتعلة بصورة مخيفة.

هدر من بين أسنانه:
إنت فاكرني نجس للدرجة دي؟!

ثم جذبه إليه بقوة أكبر وصرخ بصوت كالبرق: ليه فكرني نجس زيك يا عر*
بهيج علي اي كلبه معديه….
المهم فيها الروح ….

ضغط على فكه بعنف حتى برزت عروق عنقه.
وأكمل بصوتٍ متحشرج من شدة الانفعال:
اللي بيني وبينها انضف من اللي دماغك الوسخه ممكن توصله…
أنضف من أي حاجة إنت متخيلها.

دفعه بقوة فسقط سعد على الأرض.
ثم اندفع أحمد فوقه.

وقبض على عنقه بعنف أفقده السيطرة على نفسه.

سعل سعد بشدة وهو يحاول إبعاد يديه.

لكن قبضة أحمد كانت تزداد قسوة مع كل ثانية.

وكأن سنوات كاملة من الغضب والارتباك والخوف انفجرت دفعة واحدة.

ازرق وجه سعد.
وتقطعت أنفاسه.

بينما كان أحمد يحدق فيه بعينين لم يعرفهما أحد من قبل.

عينين لرجل يدافع عن شيء لا يستطيع حتى أن يشرحه.

وفي الجانب الآخر من القاعة…

كانت هناك عينان تراقبان المشهد منذ بدايته.

عينان امتلأتا بالغضب والحذر.

صاحبُهما لم يتحرك بعد.

لكنه كان ينتظر.

ينتظر اللحظة المناسبة فقط…

ووووووووووووووو

انتظروني

ساحره القلم ساره احمد

4 127 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
253 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
Nedaa
Nedaa
10 ساعة

تسلم الايادي اكيد بجنن❤️❤️

يمونة👑
يمونة👑
10 ساعة
ردّ على  Nedaa

تسلمي ي حبيبتي ♥️

ضيف
ضيف
10 ساعة

روعه

يمونة👑
يمونة👑
10 ساعة
ردّ على  ضيف

عيونك ي حبيبتي ♥️

Mero❤️
Mero❤️
10 ساعة

تسلم ايدك اكيد روعة ❤️

يمونة👑
يمونة👑
10 ساعة
ردّ على  Mero❤️

تسلمي ي حبيبتي ♥️

Dina
Dina
10 ساعة

،♥️♥️♥️♥️

يمونة👑
يمونة👑
10 ساعة
ردّ على  Dina

♥️♥️♥️

ضيف
ضيف
10 ساعة

تسلم ايدك تحفه

يمونة👑
يمونة👑
10 ساعة
ردّ على  ضيف

تسلمي ي حبيبتي ♥️

Salma Mohamed
Salma Mohamed
10 ساعة

تسلم ايدك تحفه ❤️

ضيف
ضيف
10 ساعة
ردّ على  Salma Mohamed

تسلمي ي حبيبتي ❤️

Samar
Samar
10 ساعة

يسلم ابداعك مقدما ♥️

ضيف
ضيف
9 ساعة
ردّ على  Samar

تسلمي يا قمر ♥️

ضيف
ضيف
10 ساعة

تحففففففه اوووووي

ندي
ندي
9 ساعة
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ♥️

Samar
Samar
10 ساعة

تحفة بشكل مش طبيعي

ندي
ندي
9 ساعة
ردّ على  Samar

عيونك تسلمي يا قمر ♥️

سوسو
سوسو
10 ساعة

يانهار كل دى غيره يا أحمد

ندي
ندي
9 ساعة
ردّ على  سوسو

شوفتي 🙂‍↕️🙂‍↕️

ضيف
ضيف
10 ساعة

احمد طلع بيحب حور يلهوووي

ندي
ندي
9 ساعة
ردّ على  ضيف

صدمات ساحرة القلم 🙂‍↔️

ضيف
ضيف
10 ساعة

تحفة

ندي
ندي
9 ساعة
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ♥️

Hana
Hana
10 ساعة

رووووعة

ندي
ندي
9 ساعة
ردّ على  Hana

عيونك تسلمي يا قمر ♥️

ضيف
ضيف
10 ساعة

تسلم ايدك ياسوو

ندي
ندي
9 ساعة
ردّ على  ضيف

حبيبتي تسلمي ♥️

May mahmoud
May mahmoud
10 ساعة

تسلم أيديك حبيبتي تحفة بجد

ندي
ندي
9 ساعة
ردّ على  May mahmoud

تسلمي يا قمر ويسلم ذوقك ♥️

Princess soma
Princess soma
10 ساعة

تحفة جدا

ندي
ندي
9 ساعة
ردّ على  Princess soma

عيونك تسلمي يا قمر ♥️

ضيف
ضيف
10 ساعة

اايوه بقي التحدث هتولع مبدعه يا سووو

ندي
ندي
9 ساعة
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ولسه ال جاااااي 😉❤️‍🔥

Shimooo
Shimooo
10 ساعة

ايه الفصل الجامد ده تحفففه اوي تسلم ايدك ياسو😍❤️❤️❤️❤️

ندي
ندي
9 ساعة
ردّ على  Shimooo

تسلمي يا قمر ♥️

ضيف
ضيف
10 ساعة

روعة

ندي
ندي
9 ساعة
ردّ على  ضيف

عيونك تسلمي يا قمر ♥️

حبيبه
حبيبه
10 ساعة

روعة

ندي
ندي
9 ساعة
ردّ على  حبيبه

تسلمي يا قمر ♥️

Omnia Ebrahim
Omnia Ebrahim
10 ساعة

رووووعه ♥️♥️♥️♥️🥰

ندي
ندي
9 ساعة
ردّ على  Omnia Ebrahim

عيونك تسلمي يا قمر ♥️

Omnia Ebrahim
Omnia Ebrahim
10 ساعة

تسلم ايدك ي سووووو البارت عظمه ♥️♥️♥️😍

ندي
ندي
9 ساعة
ردّ على  Omnia Ebrahim

تسلمي يا قمر ويسلم ذوقك ♥️

nessrenmahmoud@gmail.com
nessrenmahmoud@gmail.com
10 ساعة

💖💖💖💖💖💖💖

ندي
ندي
9 ساعة

♥️♥️♥️♥️

Ana Shosho
Ana Shosho
10 ساعة

الفصل جميل
تسلم ايدك ياحبيبتي

ندي
ندي
9 ساعة
ردّ على  Ana Shosho

تسلمي يا قمر ويسلم ذوقك ♥️

ضيف
ضيف
10 ساعة

مش فاهمه وجهه نظر احمد هو غيران كاب علي بنته ولا بيحبها توهنا اكتر ياساره

ندي
ندي
9 ساعة
ردّ على  ضيف

هيوضح الأحداث الجايه ♥️

Soaad Maher
Soaad Maher
10 ساعة

روووعه يا قلبي 💓😘

ندي
ندي
9 ساعة
ردّ على  Soaad Maher

حبيبتي تسلمي ♥️

ضيف
ضيف
10 ساعة

ابداع ❤️

ندي
ندي
9 ساعة
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ويسلم ذوقك ♥️

ضيف
ضيف
10 ساعة

قنبلة موقوتة بجد 💗💗

ندي
ندي
9 ساعة
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر من ذوقك ♥️

BN Hafid
BN Hafid
10 ساعة

البارت قنبلة واو تسلم ايدك ❤️

ندي
ندي
9 ساعة
ردّ على  BN Hafid

تسلمي يا قمر ويسلم ذوقك ♥️

BN Hafid
BN Hafid
10 ساعة

ينهار الوان وابيض واسود فبعض ايه القفلة دي

ندي
ندي
9 ساعة
ردّ على  BN Hafid

قفلات ساحرة القلم 😉🙂‍↔️

Amira Elhamady
Amira Elhamady
10 ساعة

اكيد تحفه من قبل ما أقرأ حتي

ندي
ندي
9 ساعة
ردّ على  Amira Elhamady

تسلمي يا قمر ♥️

منه واحمد الدقري
منه واحمد الدقري
10 ساعة

جمدااااااان والله ياسووو البارت روووووعه تسلم ايدك ياقلبي 🥰🥰😍😍

ندي
ندي
9 ساعة

تسلمي يا قمر ويسلم ذوقك ♥️

ضيف
ضيف
10 ساعة

تسلم ايدك يا ساره

ندي
ندي
9 ساعة
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ويسلم ذوقك ♥️

ضيف
ضيف
9 ساعة

بجد البارت هايل وكل فصل بيشد عن الفصل اللي قبليه بجد تسلم ايدك

ندي
ندي
9 ساعة
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ويسلم ذوقك وكلامك ♥️

ضيف
ضيف
9 ساعة

تووووووحفهههه فوق ما اتخيل ابداااع

ندي
ندي
9 ساعة
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ويسلم ذوقك ♥️

Asmaa Ezz
Asmaa Ezz
9 ساعة

تحفه بجد 🔥

ندي
ندي
9 ساعة
ردّ على  Asmaa Ezz

تسلمي يا قمر ♥️

ضيف
ضيف
9 ساعة

دمااااار 🔥🥰😘

ندي
ندي
9 ساعة
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ♥️

هويدا
هويدا
9 ساعة

رووووو وووعه

ندي
ندي
9 ساعة
ردّ على  هويدا

تسلمي يا قمر ♥️

ضيف
ضيف
9 ساعة

روعه جدا جدا

ندي
ندي
9 ساعة
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ويسلم ذوقك ♥️

ضيف
ضيف
9 ساعة

تحفه بجد

ندي
ندي
9 ساعة
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ويسلم ذوقك ♥️

maryam ashraf
maryam ashraf
9 ساعة

تحفة تسلم ايدك يا قمر

ندي
ندي
9 ساعة
ردّ على  maryam ashraf

تسلمي يا قمر ويسلم ذوقك ♥️

Howida
Howida
9 ساعة

البارت فوق الممتاز تسلم ايدك وتفكيرك

ندي
ندي
9 ساعة
ردّ على  Howida

تسلمي يا قمر ويسلم ذوقك ♥️

ضيف
ضيف
9 ساعة

تحفة ❤️

ندي
ندي
9 ساعة
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ويسلم ذوقك ♥️

ضيف
ضيف
9 ساعة

البارت فى كميه مشاعره متناقضه خطيييييير

ندي
ندي
9 ساعة
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ويسلم ذوقك وكلامك ♥️

Noor
Noor
9 ساعة

تسلم الايادي ♥️

ندي
ندي
9 ساعة
ردّ على  Noor

تسلمي يا قمر ♥️

مروة البحيرى
مروة البحيرى
9 ساعة

رووووووووعة تسلم ايدك

ندي
ندي
9 ساعة

تسلمي يا قمر ويسلم ذوقك ♥️

ضيف
ضيف
9 ساعة

تسلم ايدك تسلم ايدك تسلم ايدك تحفه بجد 💞💞💞💞💞💞💞💞💞

ندي
ندي
9 ساعة
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ♥️

رحاب
رحاب
9 ساعة

راىع 🌷🌷🌵🌷

ندي
ندي
9 ساعة
ردّ على  رحاب

تسلمي يا قمر ♥️

اية عبدالرحمن
اية عبدالرحمن
9 ساعة

ربنت يستر 🥲

ندي
ندي
9 ساعة

يارب ♥️♥️

Rody galal
Rody galal
9 ساعة

تحفة تسلم ايدك

ندي
ندي
9 ساعة
ردّ على  Rody galal

تسلمي يا قمر ♥️