ييبب
تمرد لا يروض

تمرد لا يروض( اقتباس)

تمرد لا يروض( اقتباس)

اقتباس من تمرد لا يروض

دلف رامي بخطوات ثقيلة، كأن الأرض تحت قدميه لا تحتمله، ثم استقر على حافة المكتب، يراقبها بعين ضيقة، وصوت أجش يحمل بقايا احتكاك خفي:
ممكن أفهم… إيه اللي ضايقك في اجتماع امبارح؟

لم تجبه فورًا.
غابت كنز للحظة… لا، لم تكن لحظة، بل هاوية كاملة انزلقت إليها دون إذن.

رائحة داوود… قربه الخانق… ذلك الهمس الذي التف حول أذنها كقيد لا يرى.

ارتجف جسدها رغم عنها، وكأن أثره لم يغادر جلدها بعد، وكأن أنفاسه ما زالت تطاردها في الهواء.

أغمضت عينيها بقسوة، كأنها تصفع ذكرى لا تريدها، ثم هزت رأسها بعنف، تنتشل نفسها من ذلك التيه، قبل أن ترفع نظرها إلى رامي، وعيناها تشتعلان بحدةٍ مصطنعة: محدش يعرف يزعلني يا رامي… أنا كنز أبو الدهب.

لم يكتمل صدى كلماتها…
إذ لم يفتح الباب بل انفلق.

اندفع الغضب إلى الغرفة قبل صاحبه، وارتجفت أنفاسها قبل أن يرتجف جسدها.

التفت رامي سريعًا، ليقع بصره على داوود، واقف عند العتبة كإعصار على وشك أن يبتلع كل شيء.

خرج صوته بارد… بارد على نحو مرعب:
بس أنا ممكن أزعلك عادي جدًا… دي أسهل حاجة عندي.

ثم مال قليلًا، كأن كل حرف يخرج منه مقصود لإهانة كاملة:حتى اسمك مغري للزعل… يا ابن البزززاوي.

اشتعل وجه رامي، ونهض دفعة واحدة، والغضب مكتوم في صدره كقنبلة: إنت تقصد إيه؟! أنا مسمحلكش تتعدى حدودك معايا!

تحركت كنز بدورها، الغضب يثقل أطرافها، وهتفت بنزق حاد: إيه الدخلة المهبوبه دي يا بني آدم؟!

مال داوود برأسه، وعلى شفتيه ظل ابتسامة ساخرة، كأن المشهد كله يثير تسليته:والله الواحد لما يسمعك… ما يبقاش عارف يضحك ولا يعيط… بس يا ماما.

ثم بلا مقدمات استدار إلى رامي، وقبض على ياقة سترته بعنف مباغت، جاذب إياه نحوه، حتى كادت أنفاسهما تتصادم.
خرج صوته هذه المرة من بين أسنانه، قاسي، كأن كل كلمة تسحق قبل أن تقال:
متسمحليش أتعدى حدودي؟… محدش قالك إني أنا اللي برسم الحدود… يا كـ* أمك.

شهقت كنز شهقة حادة، كأن الهواء خذل رئتيها، واتسعت عيناها بصدمة كادت تخرجهما من محجريهما: إنت اتجننت؟! إزاي تلفظ الملفوظات دي هنا؟!

رفع داوود حاجبه ببطء متعمد، بينما ارتجفت ابتسامة مكبوتة على شفتيه، وكأنه يستمتع بتوترها أكثر مما ينبغي.
لم ينظر إليها حتى… فقط قال، بصوت منخفض لكنه مشحون بتهديد واضح:
بس يا ماما… اقفلي بوك… بدل ما أجي أقفله أنا.

صاح رامي بحدة وهو ينتزع جسده محاولة للخلاص من قبضته، وصوته يرتجف بين الغضب والمهانة: نزل إيدك! إيه الهمجية والتخلف ده؟! إزاي تبقى صاحب شركة عالمية بالأسلوب ده؟!

صدر من داوود صوت خشن من أعماق حلقه، أشبه باعتراض متوحش، قبل أن ينفجر بكلمات فجة، مشبعة بازدراء لاذع:
أخخخخخخخ… إحا!
ثم مال نحوه، وعيناه تلمعان بسخريةٍ قاسية: يا حيلتها! ده عشان الشركة العالمية؟… أنا صاحبها، ودايس عليكم انت والنجمة الزرقة اللي وراك.

شهقت كنز، وكأن الرعب باغتها من حيث لا تدري، وتراجعت خطوة للخلف… ثم أخرى، كأن الغرفة ضاقت فجأة ولم تعد تتسع لها.

أما رامي، فتراجع هو الآخر، لكن ذهوله كان أثقل من قدميه، يحاول أن يخفي ذلك الخيط الرفيع من الخوف الذي تسلل إلى ملامحه أمام هذا الرجل الذي لا يؤمن جانبه…غمغم بحنق مكسور: أنا هشتكيك لأشرف بيه… على الأسلوب المنحط ده.

رفع داوود حاجبه ببطء قاطع، كأن الكلمة لا تستحق أكثر من هذا القدر من الاهتمام، وقال بنبرة باردة تحمل سخرية قاتلة:
يعني إيه؟… هتعمل فيا محضر مثلًا؟

ثم مد رأسه قليلًا للأمام، وصوته يقطر تهكم: طيب… أدي توقيعي.

ولم يمهله.

انفجرت الحركة فجأة، بلا مقدمات، كأن العنف كان ينتظر إشارة واحدة لينطلق.
اندفعت قبضته نحو حاجب رامي مرة… ثم أخرى… ثم ثالثة بعنف حاد، حتى انشق الجلد، وانفجر الدم دافئ، قاني، يسيل فوق وجهه.

ترنح رامي، ثم سقط أرضًا، يتلوى من الألم، بينما الغرفة امتلأت بصوت أنفاسه المختنقة.

لكن الصوت الذي مزق المشهد… لم يكن صوته.

ارتجفت كنز، لا… لم يكن ارتجاف، بل انهيار كامل…..

اصطكت أسنانها بعنف، وعيناها معلقتان بذلك اللون الأحمر… ذلك اللون الذي لم يكن مجرد دم، بل باب يفتح على ماضي لم يدفن بالكامل…

صرخت.
صرخة خرجت من عمق سحيق، كأنها لم تكن تخص اللحظة… بل كل ما سبقها.

ثم خذلتها قدماها، فسقطت أرضًا، وانكمشت على نفسها أسفل المكتب، تحاول أن تختبئ من شيء لا يرى… ولا ينسى.

في تلك اللحظة…
لم يعد داوود ذلك الوحش.

التفت إليها بفزع حقيقي، كأن قلبه سبق جسده إليها، وانحنى سريعًا، يضم وجهها بين كفيه بحذر يناقض كل ما كان عليه منذ لحظات.

صوته انكسر… أو ربما لان لأول مرة:
كنز… متخافيش يا كنز… أنا هنا.

دفعته بعنف مكتوم، كأن لمسته كانت آخر ما تحتمله، وهمست بصوت مرتجف، مخنوق: كفاية دم بقى… كفاية…

ثم أغلقت عينيها بقوة، وكأنها تحاول محو العالم: أنا بكره الدم… وبكرهك….
بكره لونه… وبكرهكوا.

ارتجف قلب داوود بين ضلوعه ارتجافة غريبة، لا تشبهه، ولا تليق بذلك الرجل الذي اعتاد أن يكون مصدر الرعب لا ضحيته…

جثا على ركبتيه أمامها، ثم جذبها إليه دفعة واحدة، كأن العالم كله يوشك أن ينتزعها منه، فسبق هو وانتزعها إلى صدره.

أحاط جسدها المرتجف بذراعيه بقوة، بقسوة تكاد تكون رحيمة، وكأنه يريد أن يخفيها داخله… لا عن الغرفة، بل عن كل ما يمكن أن يؤذيها… حتى منه.

ارتجفت بين ذراعيه بعنف، كطائر مذعور، وبلا وعي تشبثت بسترة بدلته، أصابعها تغرز في القماش كأنها تتعلق بشيء يمنعها من السقوط في هوة لا قاع لها.

خرج صوتها باكي، مشروخ، كأن كل حرف ينتزع من جرح قديم: كفاية… ليه بتعملوا كده؟… ليه…؟

اشتدت ذراعاه حولها أكثر، حتى كادت تختفي بينهما، وهمس قرب أذنها بصوت خافت، حاني على نحو لا يصدقه من يعرفه: ششش… خلاص… خلاص يا كنز… مش هعمل كده قدامك تاني… خلاص اهو غار في داهيه…

شيئا فشيئا… هدأ ارتجافها.
استكانت دون وعي، وأمالت رأسها على صدره، كأنها وجدت فيه ملاذ الاخير ..
من عاصفة لم تهدأ داخلها بعد.

ضمها داوود أكثر، حتى التصق صدره الصلب بصدرها الغض ، ومرر يده على ظهرها في حركة بدت في ظاهرها تهدئة… لكنها لم تخل من ذلك العبث الخفي الذي لا يفارقه.

اقترب بصوته، أجش، منخفض، يحمل نبرة مستفزة رغم كل شيء: احاااااا… يعني يوم ما أحضنك من حظي… تبقي لابسة سنتيان؟

تجمد الزمن لثانية.
اتسعت عيناها فجأة، كأن صفعة غير مرئية أعادتها إلى وعيها الذي ضاع بين خوفها وقربه.

انتفضت مبتعدة عنه بعنف، كأنها كانت تحترق ولم تدرك إلا الآن، ورفعت كفها المرتجف وصفعته بقوة على وجنته.

صوت الصفعة شق الصمت.
انحرف وجهه قليلًا تحت وقعها، لكن جسده لم يتحرك.

صرخت، وصوتها رغم ارتجافه كان حاد كحد السكين: إيه اللي بتعمله ده يا قليل الأدب؟! يا Dirty bastard!

سقط الصمت بعدها… ثقيل… خانق.
أدار داوود وجهه ببطء، ثم أعاده إليها، وعيناه لا تشتعلان غضب فقط… بل بذلك الهدوء المخيف الذي يسبق الانفجار.

مرر طرف لسانه على شفته السفلى، حيث ضغط عليها بأسنانه، كأنه يحاول كبح شيء أعمق من الغضب… شيء أشد خطورة.

ثم اقترب خطوة.
وأخرى.

وووووو

انتظروني

تمرد لا يروض

التسليم 5/1

للحجز والاستفسار 01067471880

0 0 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت