ملكي وكفي (الفصل التاسع عشر)
ليست كل الحقائق تُقال لتُنقذ أصحابها…
فبعضها لا يخرج إلى النور إلا بعد أن يكون الدم قد دفع ثمنه مقدمًا…
هناك لحظات يظن فيها الإنسان أن القدر أنصفه أخيرًا… ثم يكتشف أن ما ربحه بيد، يستعد القدر لانتزاعه بالأخرى…
حين تبدأ الأقنعة في السقوط، لا ينكشف وجه المجرم وحده… بل تنكشف معه قلوب ستُختبر، وأرواح ستدفع ثمن الحقيقة.
أحياناً الانتقام لا يبدأ بإطلاق الرصاص… بل يبدأ حين يقرر أحدهم أن يتكلم بعد سنوات من الصمت.
ما خفي سنوات، خرج في لحظة… لكن الحقيقة، حين تُولد متأخرة، نادرًا ما تأتي وحدها… غالبًا تصحبها الفوضي في بعض الأيام… يكفي اعتراف واحد ليهدم إمبراطورية كاملة، ويكفي طعنة واحدة لتفتح أبواب حرب لا تغلق.
لأن الهدوء الذي يسبق العاصفة لا يعني أن الخطر انتهى… بل يعني فقط أن القدر يحبس أنفاسه، استعدادًا للضربة التالية.
وما بين كلمة تُقال، ودمعة تُذرف، وضحكةٍ تُولد رغم الألم… كان القدر يكتب فصلًا جديدًا، لم يكن أحد مستعدًا لنهايته.
البارت ١٩
التفت الجميع إليه، وقال بصوت مرتجف:
أنا يا باشا…
توقف لحظة، وابتلع ريقه بصعوبة، قبل أن يأخذ نفس عميق ويكمل:
أنا اللي دخلت اللحمة المخزن.
اتسعت عينا عابدين في ذهول، والتفت إليه كمن تلقى طعنة لم يكن يتوقعها.
أما وكيل النيابة، فحدق فيه بنظرة صارمة، وقال بحدة:
اسمك إيه؟ وإنت مين بالظبط؟
خفض الرجل رأسه برهة، ثم رفعه بثبات هذه المرة، وقال بصوت واضح:
اسمي… أنور الأمير… وأنا اللي حطيت اللحمة.
ساد الصمت لثواني…
قبل أن يلتفت أنور نحو عابدين، وقد اشتعلت عيناه بحقد دفين تراكم عبر سنوات طويلة، وهتف بصوت حاد مزق سكون الغرفة:
بس كل ده كان بأوامر عابدين باشا! مفيش حاجة حصلت من وراه… إحنا أصلًا شركا.
ارتطم كف عابدين بسطح المكتب بعنف هائل، فاهتزت الملفات وتناثرت بعض الأوراق، ثم انتفض واقفًا، واندفع صارخ بغضب كاد يزلزل المكان:
إنت اتجننت يا ابن الكلب؟! شريكي مين يا روح أمك؟! وبعدين أنور إيه؟! مش إنت اسمك سعد؟!
ارتسمت على شفتي الرجل ابتسامة شماتة باردة، وقال وهو يحدق فيه دون أن يرمش:
أنا…سعد …
وصمت لحظة متعمدًا، قبل أن يضيف بنبرة تقطر سخرية:
وأنور… أبو حور … الاتنين في واحد.
تجمد عابدين في مكانه…
كأن صاعقة شقت جسده من رأسه حتى أخمص قدميه.
شحبت ملامحه، واتسعت عيناه في ذهول مرعب، بينما بدأت صور الماضي تنهال فوق رأسه بلا رحمة…
نجوى…
ابتسامتها…
ليلة خيانتها…
يداه الملطختان بدمها…
وصرختها الأخيرة…
ثم تلك الطفلة…
الطفلة التي اختفت من بين يديه، وظل يطارد شبحها أعوام، حتى ظن أنها صارت مجرد وهم…
كل شيء عاد دفعة واحدة.
واشتعلت عيناه بحمرة جهنمية، حتى بدتا كجمرتين تتقدان بالغضب.
وفي لحظة خاطفة…
اندفع نحو أنور كالثور الهائج، وقبض على عنقه بكلتا يديه، وغرس أصابعه في لحمه بعنف حتى ازرق وجهه، وهو يهدر بصوتٍ وحشي:
دانا هسلخك حي يا ابن الحرام!
دفع أنور عابدين بكل ما أوتي من قوة، فاختل توازنه وسقط فوق المقعد خلفه بعنف.
وفي اللحظة نفسها…
ضرب وكيل النائب العام سطح المكتب بقبضته، حتى ارتجت الملفات فوقه، ثم نهض واقفًا وهدر بصوت حاد كحد السيف:
احترم نفسك! إنت وهو انتوا في النيابة… مش في الشارع!
التفت إليه عابدين، وقد اشتعلت عيناه بالغضب، وأشار إلى أنور وهو يهتف بانفعال:
ده بيتبلى عليا يا باشا! وواقف يقول كلام في عيني! اسكته قبل ما يوديني في داهية!
لم يلتفت أنور إلى ثورته، بل تقدم بخطوات هادئة، لكنها كانت كفيلة بإشعال النار في صدر عابدين.
وقف أمام المكتب، ثم قال بصوت مبحوح، إلا أن كل حرف خرج منه سقط على عابدين كالصاعقة:
معايا العقود اللي تثبت إننا شركا… في مصنع اللحمة، والمزارع، والسلخانة.
رفع وكيل النائب العام بصره إليه، وقال بحزم: هات العقود.
أومأ أنور برأسه، ثم أخرج ملف أسود من خلف ظهره، ووضعه فوق المكتب بهدوء.
اتفضل يا باشا.
فتح وكيل النائب العام الملف، وأخذ يقلب صفحاته واحدة تلو الأخرى، بينما خيم الصمت على الغرفة، ولم يعد يسمع سوى صوت الأوراق وهي تتحرك بين أصابعه.
وبعد دقائق…
أغلق الملف ببطء، ثم التفت إلى كاتب التحقيق وقال بصوت رسمي حاسم:
أمرنا نحن، علاء صادق الرفاعي، وكيل النائب العام، بحبس المتهمين عابدين الشيخ وأنور الأمير أربعة أيام على ذمة التحقيق، مع التحفظ على العقود وإرسالها إلى الجهة المختصة لفحصها والتأكد من صحتها.
ما إن انتهى من كلماته…
حتى انفجر عابدين صارخ، وقد احمر وجهه من شدة الغضب:
لا! أنا مليش دعوة! إنت عارف يعني إيه تحبسني؟! أنا أكبر رجل أعمال في البلد!
لكن وكيل النائب العام لم يمنحه فرصة أخرى للكلام.
مد يده في هدوء، وضغط زر الجرس الموضوع على مكتبه.
وبعد ثواني…
انفتح الباب، ودلف اثنان من أفراد الحراسة.
أشار إليهما وكيل النائب العام بإيجاز:
خدوه.
اندفع العسكريان نحوه، وأمسكا بذراعيه بقوة، رغم مقاومته العنيفة، وبدآ في اقتياده إلى الخارج.
كان عابدين يصرخ بصوت أجش، تتردد أصداؤه في أرجاء الممرات:
القضية دي ملفقة!… ولاد المهدي عايزين يخلصوا مني!… أنا مظلوم!… سامعين؟!… أنا مظلوم!
لكن أحدًا لم يلتفت إليه.
ظل صوته يتلاشى شيئًا فشيئًا، حتى ابتلعته ممرات النيابة.
أما أنور…
فخرج خلفهم بخطوات هادئة، ووجهه يخلو من أي انفعال.
لم يكن يمشي كرجل ذاهب إلى محبسه…
بل كرجل انتظر هذه اللحظة أعوام طويلة، وأخيرًا بدأ يتذوق أول رشفة من كأس انتقامه.
…..
في منزل المهدي…
هبطت شموع درجات السلم بخطوات سريعة يغلب عليها الضيق، ثم دفعت باب المنزل وخرجت إلى الخارج، وأخذت تنظر يمين ويسار بعينين متجهمتين، قبل أن تتمتم بصوت خافت لم يخلو من الغضب:
يعني تالت يوم… وبرضه البيه مختفي! أمال قال من الأول ليه إنه هوصلني؟
أخرجت هاتفها من حقيبتها، وأخذت تعبث به بعصبية، تكتم زفير حاد بين الحين والآخر.
وفي تلك اللحظة…
اقترب منها ياسين بخطوات هادئة، وما إن لمح ملامحها المشتعلة حتى هتف بمرح:
استر يا رب… خير! واقفه علي الباب كده ليه زي البوابين!
رمقته شموع بنظرة حانقة، ثم أشارت إليه بيدها وهي تقول بضيق:
واقفة عشان شاهين قال إن البيه هيوصلني الجامعة… والنهارده تالت يوم، وملوش أي أثر!
طول ما هو مش قد كلمته يقولها ليه؟! ولا هو فاكرني عيله مش هعرف أوصل لوحدي؟!
ولا يكون فاكرني هموت عشان يوصلني؟!
لا بقولك إيه… أنا أعرف أفوت في الحديد لوحدي.
كرمش ياسين جبينه، ثم اقترب منها فجأة، وأمسك بذراعها وسحبها إلى داخل البيت مرة أخرى، وهو يهتف بحدة:
في إيه يا بت؟! إيه بكبرت وفتح غطاه في وشي؟
ثم أدار رأسه ناحية الداخل، وهزها بأسف مصطنع وهو يتمتم: الله يكون في عونك يا يونس!
رفعت شموع أحد حاجبيها باستنكار، ثم وضعت يدها على خصرها وهتفت بانفعال:
يكون في عونه ليه إن شاء الله؟!
هو يطول أصلًا إني أتكلم معاه!
أغمض ياسين عينيه بقلة حيلة، ثم فتحهما وهو يضرب كف بكف وقال:
لا… ويقولوا إيه الفرق بينهم!
ثم أشار إليها بإصبعه وهو يكمل ساخرًا:
هو إيه الفرق بين الزعابيب… والنسمة يا شموع؟
عضت شموع شفتها بغيظ، ثم اندفعت نحوه خطوة وهي تهتف بعصبية:
طب اخف من وشي أحسنلك يا ياسين…
بدل ما أهب في وشك وأوريك الزعابيب بتعمل إيه!
قهقه ياسين بصوت عالي، ورفع كفيه مستسلم، ثم تراجع خطوة إلى الخلف وهو يقول بمكر:
طيب خلاص… خلاص… لا تهبي ولا أهب…
اطلعي بس نادي أختك عشان أوصلك…
قطبت حاجبيها بدهشة، ورمقته بنظرة مستنكرة قبل أن تقول:
ليه إن شاء الله؟
هي أختي معاها مفتاح العربية؟
ولا معاها الرخصة؟
هز ياسين رأسه بالنفي، ثم قال وهو يخفي ضحكته:
لا… أصل أنا بنام وأنا سايق…
وعايز حد يسليني في الطريق….
وأنا راجع المشوار الطويل ده….
نفخت شموع بضيق، وزفرت زفرة طويلة وهي تتمتم:
يا ساتر على البلا!
ثم استدارت على عقبيها، وانطلقت نحو الدرج بخطوات سريعة، تكاد تدك الأرض بقدميها من شدة غيظها.
أما ياسين…
فاكتفى بهز رأسه ضاحكًا، ثم خرج إلى فناء المنزل بخطوات واسعة، وهو يتمتم ساخر:
ربنا يستر عليك يا يونس من الزعبيب دي…
دي لو هبت ، هتخلعك زي باب البيت!
قبل أن يستقل ياسين السيارة، مد يده إلى المقبض وفتح الباب، لكنه توقف فجأة حين شق سكون الصباح صوت متحشرج واهن خلفه:
إلا قولي يا أستاذ… فين بيت أحمد المهدي؟
استدار ياسين بجسده كامل، فوقعت عيناه على رجل تجاوز الستين من عمره، انحنى ظهره قليلًا تحت وطأة السنين، وارتسمت على وجهه أخاديد عميقة حفرتها الأيام، بينما بدت عيناه غائرتين، مثقلتين بالسهر والقلق، كأن النوم هجرهما منذ زمن.
اعتدل ياسين في وقفته، ثم قال باحترام:
تؤمر يا عم الحج… أحمد المهدي عمي… وده بيته.
لم ينتظر الرجل أكثر، بل اقترب منه بخطوات متعجلة، تكاد تتعثر من فرط اللهفة، وقال بصوت مرتجف أثقلته الحسرة:
أنا عايز بنته… حور… أسألها على نهال بنتي، صحبتها في الجامعة… معرفش طريقها من أسبوع… وأمها هتموت بحسرتها عليها.
انعقد حاجبي ياسين، وأخذ يتأمل وجه الرجل لثواني، فرأى فيه وجع أب أنهكه الخوف، حتى بدا وكأن العمر ازداد فوق عمره أعوام في أسبوع واحد.
تنحنح في حرج، محاولًا أن يجد كلمات لا تزيد من ألمه، ثم قال بصوت خافت:
أحم… والله يا عم الحج… حور نفسها تعبانة من ليلة كتب كتابها على أخويا، ومن يومها وهي في المستشفي… وحتى بنتك… والله ما جت تزورها ولا مرة… وإحنا أصلًا منعرفش عنها أي حاجة.
ساد صمت ثقيل…
كلمات ياسين سقطت على قلب الرجل كالحجر.
ارتجفت شفتاه، ثم انزلقت دمعة ثقيلة فوق تجاعيد وجهه، ولم يحاول حتى أن يمسحها.
أطرق رأسه، وتمتم بصوت مكسور خرج من أعماق قلبه:
لله الأمر من قبل ومن بعد…
ورفع عينيه إلى السماء كمن يرجو رحمة لا يملك غيرها، ثم همس بحرقة:
يا ترى… إنتي فين يا بنتي؟
استدار ببطء، ومضى يجر قدميه بين المارة، حتى بدا ظهره أكثر انحناء مما كان عليه حين جاء، وكأن الخيبة أضافت فوق كتفيه حمل جديد…
ظل ياسين واقفًا في مكانه، يتابعه بعينين امتلأتا بالشفقة، حتى ابتلعته الزحمة واختفى تمامًا.
تنهد ببطء، ثم حك مؤخرة عنقه بضيق، وأطرق رأسه يتمتم بصوت متحشرج، امتزج فيه الغضب بالأسف:
منك لله يا بعيده…
ثم زفر بحرقة وهو يفتح باب السيارة من جديد، وقال وهو يهز رأسه بأسي: بنات عايزه حش رقبتها…
لكزته شموع في ذراعه بحدة، وعقدت حاجبيها وهي تقول بحنق:
هي مين دي اللي عايزة حش رقبتها؟
ولوحت أنين بيدها في اعتراض، ثم قالت وهي تتراجع خطوة للخلف:
كده أنا مش هركب معاك.
التفت ياسين إليهما، وأخذ ينقل بصره بين شموع وأنين، ثم زفر باستسلام وهو يرفع كفيه إلى السماء:
هو أنا كنت قادر على واحدة… لما تقفوا الاتنين في وشي؟
هز رأسه بضيق مصطنع، ثم لوح بيده قائلًا:
يا ساتر… مش عليكم يا محروسه إنتي وهي…
هو إنتوا على طول روحكم على طرف مناخيركم كده؟
ثم أشار نحو السيارة وهو يتمتم:
يلا… اطلعوا…
فتحت شموع الباب الخلفي، ثم التفتت إلى أنين وأغمزت لها بمكر وهي تقول:
اطلعي إنتي قدامي… وابقى افتكري الجميل ده.
وفي اللحظة نفسها، فتح ياسين الباب الأمامي وهو يهتف بنبرة عابثة:
هنعد.. متقلقيش. وأنتي عدي …
على فكرة… الواد مش مظبوط خالص .
قطبت شموع حاجبيها في دهشة، لكنها لم تعلق، واكتفت بالصعود إلى السيارة وإغلاق الباب.
أما ياسين، فأغلق الباب الآخر، واستدار حول مقدمة السيارة، ثم جلس خلف المقود، وأدار المحرك، فانطلقت السيارة تشق الطريق بسرعة.
ساد الصمت للحظات…
لكن القلق كان قد بدأ يتسلل إلى قلب شموع.
رفعت عينيها إلى المرآة الأمامية، تبحث عن وجه ياسين المنعكس فيها، ثم قالت بصوت خافت، لم تستطع أن تخفي ما فيه من توتر:
يعني مين ده اللي مش مظبوط يا ياسين؟
رفع ياسين عينيه إلى المرآة، والتقت نظراته بنظرتها لثواني، قبل أن يزفر بضيق ويجيب بنبرة امتزج فيها الغضب بالنزق : أمي يا بت…
صمت لحظة، ثم قبض على المقود بقوة حتى برزت عروق يده، وأردف:
عشان كده حابس نفسه في مكتبه في المصنع…
ولا راضي يشوف حد، ولا حتى بيرد علينا…
حالته غريبة أوي…
هز رأسه بأسى، ثم تمتم وهو يشيح ببصره إلى الطريق:
والله… حالته تصعب على ابن الكلب.
قطبت شموع حاجبيها في دهشة، وسرعان ما شردت ملامحها.
مرت بخاطرها حقيقة لم تنتبه إليها إلا الآن…
يونس لم يأتي إلى المنزل منذ عدة أيام.
انعقد حاجباها أكثر، وأخذت تسترجع الأيام الماضية…
لكنها انتفضت من شرودها على صوت أنين الرقيق وهي تقول بخوف:
بالراحة عليها يا ياسين.
التفت ياسين إليها في الحال، وارتسمت على شفتيه ابتسامة واسعة، ثم غمز لها بعين عابثة وقال:
من عنيا… يا روح وقلب ونن عين ياسين.
احمر وجه أنين في التو، وأطرقت رأسها بخجل، بينما عبثت أصابعها بطرف حجابها في ارتباك.
لكنها لم تكد تلتقط أنفاسها…
حتى اندفعت شموع برأسها فجأة من المقعد الخلفي بين المقعدين الأماميين، حتى كادت تصطدم بكتف ياسين، وهتفت بنزق:
وحياة عمتي! جرى إيه يا نحنوح؟! ما تبص قدامك بدل ما نعمل حادثة! والعين اللي عمال تغمز بيها دي تتفقع!
رمقها ياسين بنظرة حانقة، ثم قال وهو يهز رأسه:
على النعمة… يونس هيدخل الجنة حدف! عشان كده كتير… وعيشته معاكي هتبقى سواد مزرق.
شهقت أنين في عتاب، والتفتت إلى شقيقتها قائلة برقة:
حرام عليكي يا شموع… ألف بعد الشر على عينه. ليه الفال الشين ديه يا خيتي؟
نفخت شموع بضيق، ورفعت جانب فمها في امتعاض.
أما ياسين…
فاستغل انشغالها، ومد يده في هدوء، والتقط كف أنين بين أصابعه، ثم رفعه إلى شفتيه وطبع قبلة دافئة على باطنه وهو يقول بمكر:
يالهوي… دانا لو أعرف إن الدعوة دي وكمان البوسة الحلوة دي… كنت فقعتها من زمان يا عمري!
ازداد احمرار وجه أنين، حتى امتد إلى أذنيها، وعضت شفتها في خجل شديد.
لكن قبل أن تنطق بحرف…
انقضت شموع على يد ياسين، وانتزعتها من يد شقيقتها بعنف، وهي تهتف بحدة:
إيدك يا بابا… بدل ما أقطعهالك!
إنتوا الاتنين أصلًا فقعتوا مرارتي!
نظر إليها ياسين بغيظ مصطنع، ثم رفع إحدى يديه إلى السماء وقال بصوت مسموع:
حسبي الله ونعم الوكيل…
في المفتري… وقطاع الأرزاق!
قهقهت شموع وهي تعود إلى مقعدها بانتصار واضح، وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة شامتة…
بينما ظلت أنين مطرقة الرأس، تخفي خجلها خلف ابتسامة صغيرة لم تستطع منعها…
في حين واصل ياسين القيادة وهو يتمتم بكلمات احتجاج لم تكف عن إشعال الضحكات داخل السيارة.
……
في منزل أبو المجد…
تردد رنين جرس الباب في أرجاء المنزل، فقطع هدوء يكاد ينقلب الي عاصفه في أي لحظه …
كانت غزل تتمدد فوق الأريكة، تمد ساقها المثبتة بالجبيرة أمامها بحذر، ثم التفتت نحو المطبخ وهتفت بصوت مدلل:
ماما… الباب يا حبيبتي.
أطلت عزة برأسها من المطبخ، وهي تمسح يديها في المئزر، وقالت بابتسامة:
حاضر… أهو جاية.
سارت بخطوات هادئة حتى بلغت الباب، ثم أدارته وفتحته.
وما إن وقع بصرها على الطارق، حتى أشرقت ملامحها بالترحاب، وقالت بسعادة صادقة:
يا أهلاً وسهلاً يا دكتور زكريا…
اتفضل يا حبيبي.
ابتسم زكريا ابتسامته الهادئة التي لا تفارق وجهه، ودلف إلى الداخل وهو يحمل بين يديه باقة أنيقة من زهور اللافندر، فمدها إليها قائلًا بود: إزيك يا أمي؟ عاملة إيه؟
تسلمت عزة الباقة، ثم ضحكت بخفة وهي تهز رأسها في مكر وقالت:
أنا كويسة أوي يا حبيبي… بس متأكد إن الورد ده مش ليا، صح؟ اديه بقى لصاحبته.
ارتسمت على شفتي زكريا ابتسامة دافئة، لم يستطع أن يخفي معها لهفته، وسأل وهو يجيل ببصره داخل المنزل: هي فين؟
أشارت عزة بيدها نحو الداخل، وقالت وهي تبتسم:
أهي جوه يا دكتور… قاعدة مستنياك …
تحرك زكريا إلى الداخل بخطوات هادئة، بينما أغلقت عزة الباب خلفه، ثم سارت وراءه وهي تراقب ابتسامته، وقد أدركت أن باقة اللافندر لم تكن تحمل زهور فقط…
بل كانت تحمل شوق غاب أيام، وجاء اليوم يبحث عن صاحبته.
وصل زكريا إلى حيث تجلس غزل، وما إن وقع بصره عليها حتى خفتت ابتسامته لتتحول إلى نظرة دافئة يملؤها الاشتياق.
أما غزل…
فاكتفت بالنظر إليه بخجل، ثم أسرعت تخفض عينيها، وكأنها تخشى أن تفضحها دقات قلبها.
انحنى زكريا أمامها في هدوء، ووضع باقة اللافندر بين يديها برفق، ثم قال بصوت هادئ امتزج بالحنان:
إزيك يا غزول؟
تأملت غزل الزهور للحظات، وارتسمت على شفتيها ابتسامة خجولة، ثم همست بصوتها الرقيق:
الحمد لله يا دكتور… تعبت نفسك…
بس… الورد حلو أوي… تسلم إيديك.
لم يرفع زكريا عينيه عن وجهها.
ظل قريبا منها، حتى كادت أنفاسهما تتعانق، ثم قال وهو يتأمل حمرة وجنتيها:
مش أحلى… من الورد اللي على خدودك.
اتسعت عينا غزل في ذهول، واشتعل وجهها بحمرة زادت كلماته وضوح..
وفي تلك اللحظة، صدح صوت عزة خلفهما وهي تهتف بتحذير مصطنع: ولـد!
اعتدل زكريا في وقفته بمنتهى الهدوء، ثم التفت إليها وقال بوجه بريء ونبرة لا تخلو من المرح:
أو بنت… كله رزق من عند ربنا، وكل اللي يجيبه ربنا خير.
انفجرت عزة ضاحكة، وضربت كف بكف وهي تقول:
يا خبر! ده إنت داخل على التقيل من أولها!
هز زكريا رأسه بثقة، وقال مبتسم:
ما أنا دكتور نسا بقى… ومبحبش اللف والدوران،
وبحب أدخل من الباب.
قهقهت عزة مرة أخرى، ثم استدارت عائدة إلى المطبخ وهي تهتف بمزاح:
لا يا سيدي… إنت دخلت من الباب للقلب على طول يا دكتور.
ابتسم زكريا في هدوء، بينما ازدادت غزل خجل، وأخذت تضم باقة اللافندر إلى صدرها، وكأنها تخفي بها ارتباكها… أو تخفي ابتسامة ولدت على شفتيها رغم عنها.
اقترب زكريا من طاولة السفرة، ومد يده يسحب أحد الكراسي ليجلس، فانزلقت أرجل الكرسي فوق السجادة وجذبتها معها، فالتوت أطرافها بشكل عشوائي.
اتسعت عينا غزل في اللحظة نفسها، وشهقت بفزع حقيقي، وحدقت في السجادة وكأن مصيبة هبطت فوق رأسها، ثم التفتت ببطء نحو باب المطبخ وهمست بصوت مرتجف: يا خبر أبيض… ماما لو شافت السجادة كده هتضربنا بالنار!
رمش زكريا عدة مرات وهو ينظر إليها بعدم فهم، ثم قال باستغراب:
ليه يعني؟ هي السجادة الحمرا ولا إيه؟
فتحت غزل فمها لتجيبه، لكن سبقها صوت شهقة عزة التي خرجت من المطبخ في التوقيت الخطأ تمامًا، ثم صاحت وكأنها اكتشفت جريمة:
يا نهارك مش فايت يا زكريا! إيه اللي إنت عملته في السجادة ده؟!
نظر زكريا إلى السجادة، ثم رفع حاجب في ضيق، وحرك قدمه فوقها يفرد الجزء الملتوي منها وهو يقول ببساطة:
مالها السجادة؟! هو أنا اتحرشت بيها؟
ما هي أهي بقت حلوة!
شهقت عزة شهقة أكبر من الأولى، واقتربت منه وهي تشير إلى قدمه بصدمة تكاد تلامس الإغماء:
يا ساتر يا رب! كمان بتعدلها برجلك؟!
مدت غزل يدها سريعًا في محاولة لإنقاذ الموقف، وقالت بصوت خافت مرتبك:
مش قصده يا ماما… هو… هو ميعرفش.
التفت إليها زكريا باندهاش، ثم نظر إلى السجادة مرة أخرى وقال وهو يعقد حاجبيه:
أمال أعدلها ببوقي؟! في إيه يا غزل؟ وإيه اللي أنا معرفهوش؟
لم تمنحه عزة فرصة لالتقاط أنفاسه، بل اندفعت نحوه حتى اضطر أن يستدير تلقائيًا في اتجاه غزل، ثم لكزته فوق صدره وقالت بنبرة يختلط فيها التأثر بالمبالغة الكوميدية:
دي مش أي سجادة يا دكتور… دي سجادة تركي هاند ميد! آخر حاجة عملتهالي أمي الله يرحمها…. عارف اتنسجت في قد إيه؟ وعارف جت مصر بعد تعب قد إيه؟!
ظل زكريا ينظر إليها للحظات، ثم عاد ببصره إلى السجادة، وأمال رأسه قليلًا وهو يدرسها من أعلى إلى أسفل، قبل أن يقول بمنتهى الجدية:
والله… أنا أول مرة أشوف سجادة ليها شجرة عيلة!
لم تتمالك غزل نفسها، فانفجرت ضاحكة وهي تحاول كتم صوتها، بينما حدجته عزة بنظرة مصطنعة الغضب وهي تقول:
بتتريق يا دكتور؟
تطلع زكريا إليها بحيرة صادقة، ثم رفع منكبيه وقال
باستسلام:
طيب… اد إيه يا أما؟ وإيه مشكلتك دلوقتي عشان أحلها؟
تحاملت غزل على ألم ساقها، ونهضت بصعوبة، ثم أمسكت بذراعه تستند إليه.
انتبه إليها فورًا، فأحاط ذراعها بحذر وهو يقول بقلق:
خدي بالك يا غزل.
تقدمت حتى وقفت بينه وبين والدتها، وكأنها تعلن نفسها محامية الدفاع، ثم قالت برجاء:
ماما… في إيه بس؟ خلاص يا حبيبتي. زكريا مكنش يعرف التاريخ الوراثي بتاع السجادة! هو مش قصده، وبعدين السجادة محصلهاش حاجة… أهي زي الفل.
ارتسمت ابتسامة واسعة على وجه زكريا وهو يراقبها تدافع عنه بتلك الحماسة، فشعر بدفء غريب يتسلل إلى قلبه.
أما عزة فأمالت رأسها بحنق مصطنع، وعقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت:
بقى كده يا غزل؟! بتدافعي عنه وتقفي معه قصاد أمك… والسجادة؟
هزت غزل رأسها بسرعة وقالت بلطف:
لا يا ماما، مش كده… بس ميصحش، زكريا ضيفنا.
مال زكريا قليلًا نحوها وهمس عند أذنها دون أن تراه عزة:أمك مجنونة ولا إيه؟
كادت غزل تضحك، لكنها تماسكت وهمست هي الأخرى:
كله كوم… والسجادة دي كوم تاني خالص.
ضيقت عزة عينيها وهي تراقبهما، ثم قالت بغيرة مصطنعه:
إنتوا بتتوشوشوا بتقولوا إيه؟ وسيبني أنا أهاتي… أنا والسجادة!
هزت غزل رأسها نافية، بينما تنهد زكريا وقال باستسلام درامي:
خلاص يا ست السجادة… أنا آسف….
حقك على راس أبويا…. تحبي أوطي أبوسها؟
ولا تتهميني إني اتحرشت بيها، وأصحى الصبح ألاقي نفسي متهم في قضية تحرش… والسجادة مخلفة مني كليم صغير، ونروح نرفع قضية نسب في النساجون الشرقيون!
انفجرت غزل ضاحكة رغم محاولاتها المستميتة لكتم ضحكتها، حتى اضطرت أن تضع يدها على فمها.
أما عزة فلم تستطع المقاومة أكثر، فانفجرت هي الأخرى في وصلة ضحك عالية، وهي تشير إليه بيدها قائلة:
يوه! دمك زي السكر يا دكتور.
ثم استدارت نحو المطبخ وهي لا تزال تضحك، ولوحت بيدها قائلة:
يلا يا جماعة… الأكل على السفرة قبل ما الدكتور يتحرش بأي حاجة تانية في البيت!
ترنحت بخفة حتى خُيل إليه أنها ستسقط،
كانت لحظة عابرة، لكنها كادت أن تقلب الموازين كلها.
اندفع إليها بغريزة لم تمنحه فرصة للتفكير،
وطوق خصرها بذراع ثابتة، واجتذبها إلى صدره قبل أن يمسها السقوط….
استقرت بين ذراعيه، بينما انخفض صوته حتى صار همس دافئ يلامس روحها أكثر مما لامس أذنها :
خلي بالك يا غزل.
رفعت عينيها إليه، واتسعتا بخجل أربكه قبل أن يربكها، ثم همست وهي تتحاشى النظر مباشرة إلى عينيه:
أنا آسفة أوي… بس ماما بتحب السجادة أكتر مني أنا شخصيًا.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة حانية، بينما راحت عيناه تتأملان وجهها وكأنه يقرأ أجمل كتاب مر عليه في حياته.
قال بصوت خرج صادق دون تردد:
يبقى أنا أكتر واحد بيحبك.
ابتسمت بعفوية، وأشارت إلى السجادة قائلة:
لا… هي برضو بتحـ…
لكن الكلمات توقفت فجأة.
تجمدت ملامحها، واتسعت عيناها شيئًا فشيئًا، وكأن عقلها تأخر لحظة كاملة حتى استوعب ما قاله للتو.
ارتفعت أنظارها إليه ببطء، وهمست في ذهول خالص:
إنت… إيه؟! قولت إيه؟
ابتسم ابتسامة هادئة، ثم مال قليلًا حتى صار صوته لا يسمعه سواها، وهمس بخشونة امتزجت بأصدق مشاعر عرفها:
وحياة السجادة أم العيال دي… بحبك يا غزل…
بحبك أوي… وبخاف عليكي من النسمة لو لمستك… وعايزك أم ولادي….
في تلك اللحظة…
صمت العالم.
لم تعد تسمع صوت سوى ارتطام قلبها بعظام صدرها، حتى خُيل إليها أن دقاته ستفضحها أمام البيت كله…
توردت وجنتاها بلون قاني، وارتجفت أنفاسها، بينما بقيت تحدق فيه وكأنها تراه للمرة الأولى…
خرج صوتها خافت، مزيج من الخجل والدهشة:
كل ده… كده مرة واحدة؟
انفجر ضاحكًا ضحكة خفيفة هزت كتفيه، ثم قال وهو يرفع كفيه باستسلام:
لا يا ستي… على مراحل…
هو أنا بقولك دخلتنا بكرة؟
شهقت بخجل امتزج بالارتباك، ودفعته بكفيها دفعة عفوية، فتراجع للخلف وسقط فوق الكرسي.
وما إن انزلق الكرسي فوق الأرض حتى التف طرف السجادة التركية مرة أخرى…
ساد الصمت.
نظر زكريا إلى السجادة…
ثم إلى غزل…
ثم عاد ينظر إلى السجادة وكأنه أدرك أن الكارثة الحقيقية لم تكن اعترافه بالحب، بل ما اقترفته عجلات الكرسي بحق أغلى مقتنيات والدتها.
شهقت غزل بفزع حقيقي، واتسعت عيناها وهي تشير إليها بيد مرتجفة، وهتفت بصوت اختلط فيه الرعب بالاستغاثة: السجادة يا زكريا!
وفي اللحظة نفسها…
تجمد زكريا في مكانه، وقد أيقن أن معركة الحب كانت أسهل بكثير من مواجهة صاحبة السجادة.
……..
في منزل المهدي….
في غرفه عزيز…
خيم الصمت على الغرفة، ولم يكن يسمع سوى صوت الأجهزة الطبية وهي تعلن بإيقاع رتيب أن الحياة ما زالت تقاوم داخل ذلك الجسد الساكن.
جلس شاهين على المقعد المواجه للسرير، وأسند ساعديه فوق ركبتيه..
بينما بقيت عيناه معلقتين بوجه عزيز الشاحب. لم يعتد أن يراه هكذا…
بلا سخرية، ولا عناد، ولا تلك النظرة المستفزة التي كانت تشعل بينهما معركة لا تنتهي.
تنهد ببطء، ثم أطرق رأسه قليلًا، وما هي إلا لحظات حتى اجتاحته الذكرى…
فلاش باك…
قبل عدة أيام…
في منزل عزيز الشيمي…
ارتفع طرق هادئ على الباب، فقطع سكون المنزل.
نهض عزيز بتثاقل، واتجه نحو الباب وهو يعقد حاجبيه باستغراب، ثم أمسك بالمقبض وأداره.
وما إن انفتح الباب…
حتى تجمد مكانه.
اتسعت عيناه بصدمة صامتة وهو يرى شاهين يقف أمامه، يحدق إليه بنظرة ثابتة لا تحمل عداء هذه المرة.
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي شاهين وهو يقول بنبرة حاول أن يجعلها
عادية:
إيه… مش هتقولي اتفضل؟ أنا جاي أرد الجميل… المصل اللي ادهوني طلع هو اللي الحقيقي….
ظل عزيز يحدق به لثواني، وكأنه يحاول التأكد أن من يقف أمامه هو شاهين فعلًا، ثم تنحى عن الباب وهو يقول بسخرية لم يستطع التخلي عنها:
ويا ترى جاي فاضي… ولا معاك مسدس؟
أطلق شاهين ضحكة قصيرة، ثم رفع كفيه أمامه باستسلام قائلًا:
أمان يا صاحبي.
وقبل أن يخطو خطوة واحدة إلى الداخل…
خرج صوت نسائي دافئ، لكنه مثقل بقهر سنوات طويلة، وكأن كل حرف فيه يحمل عمر كامل من الوجع:
ومش يمكن… أمان يا أخويا؟
تصلب جسد شاهين في مكانه.
استدار ببطء، كأن قلبه سبق عينيه إلى صاحبة الصوت.
وما إن وقعت عيناه عليها…
حتى اتسعتا بذهول لم يستطع إخفاءه.
خرج الاسم من بين شفتيه هامس، ممتلئ بالمفاجأة والحنين: ست… فاطمة…؟!
ارتجفت أنامل فادية وهي تمسح دموعها بطرف حجابها، بينما كان الألم يحفر أخاديده في ملامحها المنهكة،
وقالت بصوت خافت أثقلته سنوات الهرب والقهر: هو اللي بيروح بيرجع يا شاهين؟! انا فاديه اختها الكبيره…
منه لله… منه لله عابدين….
لفق قضية ظلم لعمك ناصر بعدما شافه وهو بيدفن مراته… بعد ما قتلها بإيده… اتاخد السجن مظلوم، واتقهر لحد ما مات بين أربع حيطان،
وأنا… أنا خفت… خفت يجي الدور على ابني، فهربت من السيدة زينب ومن الدنيا كلها أنا وعزيز، كان لسه عيل عنده خمستاشر سنة..
وغصب علي فاطمه… تكمل شغل عنده غصب عنها….
ولما حاولت تهرب بالعيله اليتيمه قتلها…
ساد صمت ثقيل، حتى بدا وكأن جدران المنزل نفسها تنصت لذلك الوجع القديم..
قبض عزيز على كفيه حتى برزت عروقه، وعيناه تمتلئان بلهيب لم تخمده السنوات، ثم قال بصوت خرج مبحوح من بين أسنانه: عمري ما نسيت منظر الحكومة وهي بتاخد أبويا… ولا صرخته وهو بيبصلي…
ولا عيني اللي كانت عاجزة أعمل بيها أي حاجة… من يومها وأنا حالف إن عابدين ما يعيش مرتاح… أقسم بالله ما هسيبه غير لما آخد حق أبويا وأمي ونفسي…
جلس شاهين مكانه وقد انعقد لسانه، بينما أخذت الكلمات تتهاوى فوق رأسه كأنها حجارة تبعثر أعوام كاملة من اليقين…
لم يكن يتوقع أن يجد أمامه خيوط الماضي كلها وقد عادت لتلتف حول عنقه بهذه القسوة، وأن تكون الحقيقة أشد مرارة مما تخيل يومًا.
رفع عزيز رأسه نحو شاهين، وأكمل بمرارة موجعة: قربت منه عشان أنتقم… لكن لقيته حاططك أنت في دماغه… من يوم ما دخلته هو والضبع السجن من أكتر من عشر سنين، وهو شايلها جوا قلبه الاسود … عشر سنين اتحرقوا من عمره… فبقى عايز يحرق عمرك أنت…
جلس عزيز على المقعد وكأن ساقيه لم تعودا تحملانه، وأسند مرفقيه فوق ركبتيه، ثم مرر يده على وجهه المنهك وقال بصوت متقطع: يعني كل اللي بيعمله معاك… عشان عشر سنين؟! أمال أبويا اللي خدمه برموش عينيه، واتسجن ظلم … واتحرق عمره كله في السجن ده أعمل فيه إيه؟!
ده أنا المفروض أقطعه بسناني قبل ما أقتله…
انكمش قلب شاهين وهو يرى صديقه طفولته وأخيه في الرضاعه ينهار أمامه، فاقترب منه ببطء، ثم وضع كفه فوق كتفه وضغط عليه بقوة الأخ الذي يساند أخاه،
وقال بصوت أجش اختلطت فيه الحسرة بالمحبة:
وليه يا عزيز… ليه شلت الحمل ده كله لوحدك؟ ليه مخبطتش على باب أخوك؟ كنت فاكر إنك لوحدك؟
هز رأسه بأسى، وأكمل وهو ينظر في عينيه مباشرة:
ده إحنا بينا عمر كامل… بينا لقمة عيش ولبن رضعنا المحبة قبل الدم…
حجر نمنا عليه سوا، وضحكة كبرنا بيها، ووجع شيلناه جنب بعض… الأخوة يا عزيز مش اسم بيتقال… الأخوة ضهر، ولو الضهر اتكسر يبقى الاتنين وقعوا.
شد على كتفه أكثر، ثم قال بحزم امتزج بعاطفة صادقة:
كان يكفي ترجع يا عزيز … والله العظيم كنت هقف قدام الدنيا كلها علشانك. عمرك ما كنت لوحدك… ولا هتكون، طول ما شاهين عايش. أنت أخويا… واللي يقرب منك يبقى قرب من شاهين المهدي…
رفع عزيز رأسه ببطء، واستقرت عيناه على وجه شاهين، بينما كانت الدموع تنحدر فوق وجنتيه دون أن يحاول إخفاءها… ارتجفت شفتاه قبل أن يهمس بصوت مكسور أثقلته السنين:
خوفت… خوفت تكون نسيتني…
أو تفتكر إني جيتلك عشان أطمع فيك بعد ما ربنا فتحها عليك. زمان… كنا زي بعض، لكن دلوقتي… لا.
لم يدعه شاهين يكمل.
اندفع نحوه في لحظة، وقبض على ياقة قميصه بعنف، ثم جذبه إليه حتى اصطدم بصدره، وضمه بقوة كأنما يخشى أن تسرقه الأيام منه مرة أخرى.
لأول مرة منذ سنوات…
انسابت دموع شاهين بلا مقاومة.
دموع رجل نادر ما انكسر، لكنها خرجت الآن على أخيه في الرضاعة… شريك طفولته، ورفيق الجوع، وصاحب الرغيف الذي اقتسماه نصفين، والحجر الذي ناما فوقه معًا.
ربت على ظهره بقوة، ثم قال بصوت أجش اختنق بالعبرة:
بس يا أهبل… إيه الهبل اللي بتقوله ده؟!
إنت زيك زي يونس… وزكريا… وياسين.
والله ما في حد فيكم يفرق عن التاني عندي…
إنتوا إخواتي… واللي يقول غير كده يبقى ميعرفش شاهين.
أغمض عزيز عينيه، وارتخت ملامحه لأول مرة منذ أعوام، كأن هذا الحضن أعاده أخيرًا إلى بر الأمان الذي ظل يبحث عنه طويلًا.
وبعد لحظات، ابتعد خطوة إلى الخلف، ومسح دموعه بطرف كفه، ثم قال بنبرة جادة:
بس لازم تاخد بالك من اللي جاي…
عابدين نابه أزرق، واللي جاي أصعب بكتير من اللي فات.
لم تهتز نظرة شاهين.
مد يده وقبض على كف عزيز بقوة، حتى تشابكت أصابعهما كما كانت في طفولتهما، ثم قال بحزم يملؤه اليقين:
طول ما إيدينا في بعض… لا عابدين، ولا الضبع، ولا حتى الجن الأزرق هيقدر علينا….
اللي كان بينا زمان لسه عايش… واللي هيقرب من واحد فينا، هيلاقينا كلنا واقفين له.
وقفت فادية تراقبهما، وقد اختلطت دموعها بابتسامة مرتعشة.
تقدمت نحوهما بخطوات بطيئة، ثم فتحت ذراعيها وضمتهما معًا إلى صدرها، وكأنها تسترد سنوات كاملة سرقها الظلم.
أغلقت عينيها، وانهمرت دموعها فوق رأسيهما، وهمست بصوت يرتجف من فرط الشوق:
وحشتوني… وحشتوني أوي….
الحضن ده… استنيته سنين طويلة..
ربنا ما يحرمنيش منكم تاني… يا نور عيني.
عودة….
ساد الصمت داخل الغرفة إلا من صوت الأجهزة الطبية التي كانت تعلن بإيقاع رتيب أن الحياة ما زالت تتشبث بذلك الجسد المرهق.
ظل شاهين جالس إلى جوار السرير، وعيناه معلقتان بوجه عزيز، كأنه يخشى أن يطرف فيختفي من أمامه.
وفجأة…
اهتزت أصابع عزيز حركة خافتة، ثم خرج من بين شفتيه أنين ضعيف، تبعه ارتجاف جفنيه وهو يجاهد لانتزاعهما من ثقل الغياب.
مال شاهين نحوه بسرعة، وانفرجت أساريره بلهفة، بينما همس بصوت دافئ: عزيز… فوق يا أخويا.
تحركت شفتا عزيز بصعوبة، وخرج صوته متحشرج.. متعب: أ… أمي…
ربت شاهين على يده بحنو، وضغط عليها ليطمئنه، ثم قال بثبات:
متخافش… أمك في أمان، والله في أمان…
افتح عيونك وبصلي.
فتح عزيز عينيه أخيرًا، لكنهما كانتا غائمتين، تائهتين بين أثر المخدر وثقل الألم.
ظل يحدق في شاهين لحظات، قبل أن يهمس بقلق مفاجئ: شاهين… ابن الكلب… عرف مكان أمي في المستشفى؟
هز شاهين رأسه بالنفي، وارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة لا تحمل سوى الوعيد، وقال:
لا… متقلقش… ابن الكلب سبناه متعلق زي الدبيحة في المخزن… وزمانه بينزف نقطة نقطة… مش هيقدر يقرب من حد.
تنفس عزيز بصعوبة، ثم أغمض عينيه لحظة قبل أن يعاود فتحهما، وهمس بصوت واهن:
وعابدين… أوعى تقولي خرج.
ابتسم شاهين ابتسامة واثقة، وقال وهو يهز رأسه:
متخفش… المرة دي فصلناها على مقاسه بالملي…
غار في داهية، ولسه قدامه حساب طويل.
تنهد عزيز بألم، وارتفعت عيناه إلى السقف، كأنهما تحملان تاريخ كامل من الوجع، ثم قال بصوت مبحوح:
السجن… مش كفاية يا شاهين…
ده شيطان… والشيطان عمره ما بيبطل أذى…
مش هنسلم من شره… وإنت أكتر واحد دفعت تمن وجوده في حياتك.
ساد الصمت لثواني، قبل أن يحول عزيز بصره إلى شاهين مرة أخرى، وقد غلبه الحنين أكثر من الألم.
همس بصوت متقطع:
يونس… وياسين… وزكريا… فين؟
ثم قبض على يد شاهين بضعف، كأنه يتمسك بطوق نجاة، وقال برجاء صادق: هاتلي… يونس…هاتهم اشوفهم…
شد شاهين على كفه برفق، وربت عليه مطمئنًا، ثم ابتسم ابتسامة أخوية دافئة وقال:
حاضر… بس إهدى الأول….متتعبش نفسك…
وأنا هجيبهملك… هو وياسين وزكريا….
هخليهم كلهم عندك، ومحدش هيسيبك تاني…
طول ما إحنا عايشين…
رن هاتف شاهين فجأة، قاطعًا سكون الغرفة.
قطب حاجبيه، وأخرج الهاتف من جيبه، ثم رفعه إلى أذنه وهو يقول بلهجة مقتضبة: خير… في إيه؟
لم تمضي سوى ثواني…
حتى تبدلت ملامحه بالكامل.
اتسعت عيناه، وانقبض فكه بعنف، ثم هب واقف كإعصار انفلت من عقاله، وهتف بذهول امتزج بغضبٍ عارم:
إيه!… إمتى حصل ده؟!
ساد صمت قصير وهو يستمع للطرف الآخر، ثم صاح بحدة: أنا جاي حالًا.
أغلق الهاتف بعنف حتى كاد يحطمه بين أصابعه، ثم التفت إلى عزيز، واقترب منه وربت على كتفه بحنان يناقض العاصفة المشتعلة داخله، وقال بسرعة:
معلش يا أخويا… في مصيبة ولازم ألحقها…
هرجعلك على طول.
أومأ عزيز برأسه بوهن، وقد أنهكه الألم، بينما استدار شاهين وغادر الغرفة بخطوات واسعة متعجلة، حتى اختفى صدى خطواته في الممر.
ساد الصمت…
صمت ثقيل لا يقطعه سوى صفير الأجهزة الطبية وأنفاس عزيز المتعبة.
رفع عينيه نحو السقف، وزفر بصعوبة، ثم تمتم بصوت متحشرج، يحمل قسم خرج من أعماق قلبه:
ورحمة أبويا… اللي هيقرب منك..
ولا يمس شعرة منك… لأكون منشف دمه.
وفي اللحظة التالية…
انقلب كل شيء.
انسل شبح أسود إلى الداخل بخطوات محسوبة.
ولأن جسد عزيز كان مثقل بالجراح، لم يتمكن من الالتفات.
وفي لمح البصر…
خرجت يد قاسيه من خلف رأس السرير كالأفعى، وانطبقت بعنف على فم عزيز، مانعة عنه أي صرخة.
اتسعت عيناه في ذعر مفاجئ، وحاول المقاومة بجسده المنهك، لكن الضعف كان أقوى من إرادته.
ولمع بريق فولاذ بارد في الهواء…
ثم انغرست سكين حادة في صدره، إلى جوار قلبه مباشرة.
تجمد جسده.
وجحظت عيناه بألم لا يوصف، بينما اهتزت أطرافه بعنف….
وانحبست صرخته خلف تلك القبضة التي خنقت أنفاسه، ولم يبقي في الغرفة إلا صوت أنينه المكتوم…
وقطرات الدم التي بدأت تتساقط ببطء فوق ملاءة السرير البيضاء ، معلنة بداية كارثة جديدة
ووووووووووووووووووو
ساحره القلم ساره احمد

تسلم ايدك ياسو ❤️
تسلمي ي مبدعه 😍
تسلم الايادي اكيد كالعادة تحفة من قبل ما اقرا❤️❤️
تسلم ايدك ❤️
تسلم ايدك يا قلبي ❤️
🥰🥰
تسلم ايدك
تسلم ايدك
الحقائق بلشت تظهر والحسابات تتصفى
روعة
البارت تحفه اوى بس ليه عزيزي يحصل فيه كده
دمااااار وابداااااع 🔥🔥🔥
البارت ابداع
تحفه ❤️
تحفه 💞
احيييه ايه جمال المقدمه ده ولا روعه الخاتمه انتي بجد مبدعه وملكه القلم الذهبي ياسو جميل جدا ورائع جداً جداً جداً ❤️
تسلم ايدك ياسو الفصل تحفه 😍❤️❤️❤️❤️
البارت تحفة
تحفة 🥰
تحفه تسلم يا ملكه رووووووعه💕💕💕💕
روعه تسلم ايدك
حلو يا قلبي تسلم ايدك💓💓💓💓
تسلم ايدك و عنيكي ي سو 🤍🤍🤍🤍
بسكدة قفلة تجيب الشلل ليه كدة 🥹🥹🥹
روعه بجد💗💗
تسلمى والله تحفه
روعه تسلم ايدك
تسلم ايدك وعيونك ياسو البارت تحفة وكله مفاجأت
تسلم ايدك ي سوووو
تسلم الايادي 😘😍
القفلة كالعاادة تشل 🥹
ابدااااااااع
تسلم ايدك يا سوا
البارت تحفة
تسلم ايدك يا سو البارت تحفه وطويل وكله الغاز متحمسه للي جاي 😘😘😘
تحفة تسلم ايديك
اخيرا إجابة سعد ..مين قتل عزيز…قفلاتك يا سارة
تسلم ايدك يا ساره ايه الجمال ده
جاااااامد
روعة يروحي ❤️
صعب اوي عزيز ليه يموت
انا زعلت عليه واتاثرت
تسلم ايدك رووووووعه ❤️
جميل جداً تسلم الايادي ❤️❤️❤️
تسلمي حبيبتي الفصل ممتاز
تسلم ايدك ابداع
تسلم الأيادي يا ساره
يعني هي دي قفلة وهان عليكي ياسارة تعملي فينا كدا
روعه روعه تسلم ايدك ياقلبي
روووووعة حبيبتي تسلم ايدك 🤲
البارت روعة ❤️❤️
تسلم ايديكي يا حبيبتي أكيد روووعة من قبل ما أقرأ 🩷🫶
البارت تحفة وعزيز صعب عليه قوي 😭
ايه دا مين ال عملها استر يااارب