ييبب
فتنه في عرين الجابر

فتنه في عرين الجابر (الفصل السادس)

فتنه في عرين الجابر (الفصل السادس)

الفصل السادس

في منزل مهران الجبالي

ارتجفت جدران الغرفة على وقع خطوات متعثرة، دلف مهران مترنحًا، تفوح منه رائحة الخمر، عيناه تلمعان بحنق غاضب. نهضت سعاد من فراشها، يكسوها القهر والحزن، وهتفت بصوت حاد متهدج: وبعدهلك عاد يا مهران؟ متي يتوب عليك يا أبو بدور؟”

توقف يرمقها بنظرات حارقة، وفي صوته نبرة وعيد مرعب: بجولك إيه؟ اتخمدي يا وليه بدل ما أخمدك ليوم الدين!”

شهقت بغضب مجروح، وهتفت بعناد: ليه كل ديه؟ عشان بدي ينصلح حالك العوچ ديه!”

تقدم نحوها بخطوات ثقيلة، قبض على ذراعها ولوى يدها خلف ظهرها بعنف كاد يكسرها، وهدر في وجهها كوحش مفترس:انتي جولتها اها… حالي؟ وأنا حر في حالي! حتي لو أحرجه بغاز وسخ… مليكش صالح.”

أطلقت صرخة مكتومة من شدة الألم، ثم صاحت بحرقة:
منك لله يا ظالم… يا مفتري! أشوف فيك يوم جريب إن شاء الله.”

دفعها بعنف على السرير، وارتجت الغرفة من شدة اصطدامها، وهدر غاضبًا:بتدعي عليا؟ يا فجريه يا شؤم! ما صُوح… إنت هتخافي على راچلك كيف الحريم ليه؟ وانتي أصلك مش حرمة.”

رفعت رأسها المدمى بعناد مجروح، وقالت بصوت مرتعش لكنه ثابت:أنا خابره زين إني في عينك مش حرمة… هتشوفني كيف؟ وانت كل ليلة من كلبة! بس خابر يا مهران… نهايتك جريبة، طول ما حاطط يدك في يد ولد الدشناوي. أنا خابره نهايتك زين.”

اشتعلت عيناه غضبا، قبض على شعرها بعنف وسحبها أرضا، صوته خرج كالرعد: لو خشمك چاب الحديت ده… أنا هدفنك بعد ما أكبس خشمك بالتراب! سمعه ولا لاه؟”

صرخت بألم مميت وهي تحاول أن تحرر نفسها: هملني يا جادر! يا مفتري! هملني!”

لطمها صفعة عنيفة دوت كالقنبلة في الغرفة، دار رأسها وسقطت على الأرض متهاوية، وهدر: جبر يلمك طايرة دماغك!”

بصق عليها باحتقار بارد، ثم انصرف مترنحًا، وأغلق الباب خلفه بعنف جعل الجدران تهتز.

من خلف الحائط، خرجت سمية ، عيناها مغرورقتان بالدموع، شهقاتها مكتومة. اندفعت إلى الغرفة، وارتمت بجوار أمها وهي تصرخ بجنون: أما! يما… جومي يما!”

نهضت سعاد بصعوبة بالغة، تستند على ابنتها، غمغمت بأنفاس متقطعة:شربة مايه يا بتي… الحجي أمك.”

أسرعت سمية، وجلبت الماء بيد مرتعشة، تناولته والدتها وارتشفت قليلًا، ثم تمتمت: متخافيش يا بتي… أنا زينه جوي.”

لكن دموع سمية انهمرت كالسيل، وصوتها خرج مبحوحًا:
زينه كيف يما؟ ليه هتجوفي جدامه؟ حرام عليكي… انت رميتي طوبته من زمن.”

أطرقت سعاد برأسها، وصوتها خرج منكسرًا: مجدراش يا بتي… بس خلاص… مش هجف جدامه تاني. حد الله بينا وبينه.”

تعلقت سمية بكف أمها، ثم هتفت برجاء متألم: أروح أجول لچدي يما.”

ارتجفت سعاد بعنف، أطبقت على ذراعها، وهتفت بجنون: لاه! أوعاكي! انتي حالفه ع كتاب الله… ولا كلمة تطلع… ولا تدخلي بيني وبين أبوكي! لو شفتيه بيجطع من چتتي… فاهمة؟”

أومأت سمية برأسها والدموع تحرق وجنتيها، انفجر نحيبها الحاد وهي ترتمي في حضن أمها. ضمتها سعاد بحنان مفجوع، وغمغمت وهي تمسح على شعرها: سامحيني يما.”

ابتسمت سعاد ابتسامة باكية، وهمسة بحنان مجروح:
مسمحاكي يا بتي… مسمحاكي.”
………..
في شركه الاسيوطي للهندسه
في شركة الأسيوطي للهندسة، كان جابر غارقا في شاشة الكمبيوتر، يتابع الأرقام والرسومات باهتمام ظاهر، قبل أن يقطعه رنين الهاتف الموضوع على مكتبه…
مد يده بخفة، التقطه، وأجاب بفتور متعمد: خير… يا وش السعد.”

جاءه صوت عزيز محملا بالضيق والارتباك: والله ما عارف… إن كان خير ولا شر.”

ارتد جابر في كرسيه للخلف، نبرته حادة وهدر: جول يا عزيز… إنت هتنجطني.”

تنفس عزيز بعمق ثم قذف بالكلمة التي كادت تفجر صدر جابر: فتون السيوفي.”

ارتفع حاجب جابر، وسهم ناري اخترق قلبه لحظة سمع الاسم. غمغم بصوت مبحوح: مالها؟”

بلل عزيز شفتيه قبل أن يتابع ببطء يقطر مرارة : استقالت.”

انتفض جابر من مكانه كشرارة انفلتت من الجحيم، احتقنت عروقه وهدر بصوت كالرعد: كيف؟! كيف يعني استقالت؟ ليه؟!”

رد عزيز بعصبية لم يخفها: اختارت تستقيل… على إنه تخالف ضميرها.”

ظل جابر يحدق في الفراغ، حاجباه معقودان بذهول، قبل أن يهبط مجددًا على مقعده كمن أُسقط في هاوية. أغلق الهاتف بعنف، وعيناه تشرُدان في صورة متخيلة لتلك المخلوقة النارية الجامحة… فتون.

شخصيتها ،كلماتها، تحديها، جسدها، نظراتها التي كانت تشعل فيه جنونا كلما تذكرها. إحساسه بالامتلاك يزداد اشتعالًا، ورغبته في سحقها بين ذراعيه والتهم طعمها بجنون لم يعرف له مثيل، باتت تلتهم ما تبقى من صبره.

سحب هاتفه من جديد، ضغط رقما محفوظا عن ظهر قلب، وصوته جاء حادًا يأبى النقاش: هي وين؟”

صمت الطرف الآخر لبرهة قبل أن يجيبه. عندها، أغلق جابر الهاتف من دون كلمة إضافية، ونهض بخفة رغم ثقل الغضب الذي يثقل خطاه…

جمع متعلقاته بسرعة، ثم غادر المكتب بخطوات صلبة كالرصاص، كأن الأرض نفسها تستشعر غضبه وهو يتقدم نحو ما قرر أن يكون مواجهته.

………………….

في أحد النوادي الرياضية،

نهضت فتون من مقعدها واقتربت من صغيرها زياد، وربتت على رأسه بحنو وهي تبتسم له ابتسامة أم تفيض بالحب: حبيبي… هروح أنزل البُول شوية… تكون خلصت تمرينك، ماشي يا قلبي؟”

أومأ الصغير برأسه في طاعة وقال بصوت طفولي واثق:
ماشي.”

انحنت فتون تقبله بحنان على وجنته، ثم أكدت عليه:
بس زي ما اتفقنا… متتكلمش مع حد، ولا تاخد حاجة من حد.”

أومأ زياد من جديد بعينيه الواسعتين: حاضر يا ماما.”

في تلك اللحظة اقترب المدرب، وقد لمح الحوار بينهما، فقال باهتمام : فيه حاجة يا فتون باشا؟”

اعتدلت فتون في وقفتها، ونصبت قامتها بأناقة، ثم أجابت بابتسامة مقتضبة: لا أبدًا يا كابتن… بس أنا رايحة البُول، وكنت بقول لي زياد ياخد باله من نفسه.”

أومأ المدرب مؤكدًا: متقلقيش… أنا عيني عليه.”

أومأت برأسها شاكرة، ثم عادت لتمسد شعر زياد بخفة قبل أن تبتعد بخطوات واثقة نحو الخارج…وهي تشير إلي العامله أن تنتبه الي زياد…
اشاره لها العامله برأسها بالايجاب …

دخلت إلى أحد الأماكن المخصصة لتبديل الملابس، وهناك خلعت ثيابها المعتادة، ثم ارتدت ملابس السباحة التي اختارتها بعناية…

كان الجزء العلوي بلون أسود أنيق، بحمالات عريضة تبرز كتفيها المكشوفين، وظهر عار يلمع تحت الضوء…

أما في الأسفل، فارتدت شورت قصير للغاية، يلتصق بجسدها بانسياب مثير، ويكشف عن قدميها النحيلتين وقد ازدادت رشاقة مع الحركة.

نظرت إلى المرآة أمامها للحظة، تتأمل انعكاسها بعين امرأة تعرف أنوثتها جيدًا، ثم سحبت خصلات شعرها للخلف وربطتها بعفوية قبل أن تتجه نحو المسبح بخطوات متزنة وهادئة.

خرجت فتون من غرفة تبديل الملابس، متجهة نحو المسبح بخطوات واثقة، كأنها لا تعبأ بكل تلك العيون التي بدأت تلاحقها منذ اللحظة الأولى…

كان الأسود الذي يكسو جسدها يمنحه وقارًا ممزوجًا بالفتنة، أما الشورت القصير فقد أضفى على خطواتها جرأة لا تخفى على أحد.

اقتربت من حافة المسبح، وانحنت قليلًا، ثم انزلقت في الماء بخفة جعلت الحركة تبدو وكأنها جزء من رقصة مدروسة… ارتجفت صفحة الماء حولها، ثم ما لبثت أن انشقت لتحتضن جسدها بانسياب مدهش.

بدأت تعوم، تتمايل ذراعاها بخطوط منتظمة، وصدرها يرتفع مع أنفاس عميقة، بينما ساقاها تدفعان الماء بقوة رشيقة…

كل حركة منها كانت أشبه بعزف صامت على لحن لا يسمعه سواها، ومع ذلك وجد كل من يراقبها نفسه مأخوذا بسحر لم يدرك منبعه.

وقف المدرب، وبعض اللاعبين المتوقفين عن التمرين، وحتى بعض الأمهات الجالسات بجوار

المسبح… جميعهم التفتوا إليها…. لم يكن المشهد مجرد سباحة، بل لوحة حية، امرأة تتقن لعبة الجمال كما تتقن السيطرة على الماء.

شعرها المبلل التصق بكتفيها، وقطرات الماء انزلقت على ظهرها العاري فتلمع كحبات لؤلؤ تحت ضوء النهار.

ومع كل دفعة بذراعيها، كانت الأمواج الصغيرة تتسابق خلفها، كأن المسبح كله يخضع لإيقاعها الخاص.

رفعت وجهها من الماء للحظة، ابتسمت بخفة، ثم تابعت العوم برشاقة جعلت الأنفاس تحتجز في الصدور، وأي عين وقعت عليها لم تستطع أن تتحرر من سحرها.

رفع أحد اللاعبين حاجبيه وهو يراقبها يتمتم لزميله:
حتة اشطا يا معلم … دي مش بتعوم، دي بترقص فوق الميه!”

ابتسم الآخر بدهشة، ولم يستطع أن يخفي إعجابه:
دي لو دخلت بطولة، هتكسر الدنيا…عليها رشاقة ما شفتش زيها.”

أما المدرب فظل يتابعها بعين يقظة، يحاول أن يبقي على جديته، لكن ابتسامة خفيفة أفلتت منه وهو يغمغم في نفسه: جاحده بنت اللذينه… الميه خدامة تحت إيديها.”

……….
اندفع جابر إلى داخل النادي الرياضي بخطوات غاضبة، ملامحه مشتعلة وكأن النار تتأجج في صدره. كان يشعر أن الغضب يضرب قلبه سيوقف نبضه في أي لحظة، كأنه خنجر يغرس في صدره مع كل نفس.

اقترب من أول عامل صادفه جرسون يحمل صينية أكواب وخرج صوته هادرًا: فين فتون السيوفي؟”

ارتبك الرجل، وحاول أن يلتقط أنفاسه قبل أن يشير ناحية المسبح: هناك يا بيه… عند البول.”

لم ينتظر جابر كلمة أخرى، بل اندفع كالعاصفة، خطواته ترعد كأن الأرض نفسها تتهيب غضبته… كل شيء في رأسه صار صورة واحدة… صورة فتون.

وعندما وقعت عيناه عليها، كاد قلبه يتوقف. كانت قد خرجت للتو من المياه، قطرات الماء تنزلق على جسدها كأنها جواهر، وملابس السباحة السوداء تلتصق بجلدها. الحمالات العريضة تعانق كتفيها، وظهرها المكشوف يلمع تحت ضوء الشمس، أما الشورت القصير اللاصق على بشرتها فقد أشعل ناره الداخلية أكثر وأكثر.

شعرها المبلل انساب على كتفيها، ولمعة عينيها وهي تداعب الماء بقدمها كانت كالسحر، تخطف الأبصار. كل العيون كانت معلقة بها، لكن عين جابر فقط هما اللتان اشتعلتا بجنون الغيرة… غيرة كادت توقف قلبه وتفقده صوابه.

في تلك اللحظة… لم يعد جابر بشرا، بل شيطان أفلت من الجحيم…. اندفع كالرصاصة يخترق الصفوف، خلع سترته الداكنة بيد واحدة، وبحركة حادة ألقاها فوق كتفيها العاريتين، يغطي بهما ما أباحته المياه من جسدها.

قبض على معصمها بقسوة، وصوته خرج غليظًا كالرعد:
تعالي يا بت… المحروج!!

جحظت عينين فتون بدهشة، وقاومت قبضته بصوت مرتجف : يخربيتك انت مجنون …جابر! سيبني… إنت مالك؟!”

لكن الغيرة كانت قد أعمت بصيرته، فلم يسمع سوى صخب دمه. جرها بعنف كالإعصار أمام ذهول الجميع، خطواته سريعة كأن الأرض لا تسعه.

دفع باب غرفة تغيير الملابس بيده العريضة، فارتطم الجدار بصوت مدو، ثم أدخلها بعنف، وأغلق الباب وراءهما باندفاع جعل المكان كله يرتجف.

ارتطم ظهر فتون بالجدار بعنف، فشهقت مبهوتة وصاحت بصوت مرتجف من الغضب والخوف:إنت إيه يا حيوان؟! إنت أكيد مجنون… أنا استقلت عشان أرتاح منك، عايز مني إيه تاني؟!”

لم يمهلها لحظة؛ قبض بكفه العريض على عنقها، وضغط بها إلى الحائط، ثم التصق جسده المشتعل بجسدها المبلل…

الحرارة المنبعثة منه اخترقت بشرتها كاللهيب، حتى كادت تشعر بدقات قلبه العنيفة تخبط في صدره وتنتقل إليها.

التقت عيناها بعينيه، بتحد سافر ارتطمت نظراتها الباردة، بلهيب عينيه الحمراء كجمر ملتهب….

انسلت عينيه إلى شفتيها المرتجفتين غضبا، ثم هوت إلى بروز نهديها الظاهر أمامه بسخاء ، فشعر بجفاف حلقه، وبالنار تسري في دمه كالسم اللاذع.

دفعته بقوة في صدره حين رأت تلك النظرات، وصرخت بعنف مرتجف: إنت بتبص على إيه يا متخلف؟!”

عاد والتصق بها أعنف من قبل، قبض على كفيها معا بيد واحدة، ورفعهما عاليا وثبتهما فوق رأسها،

فانزلقت سترته الثقيلة من فوق كتفيها لتفضح أكثر مما تغطي…. وهدر صوته كالرعد: ببص كيف الناس؟! ولا أنا ماليش نفس؟! تؤ… دانا نفسي مفتوحة علي الآخر!

حاولت مقاومته ودفعه بقدمها، لكنه لف ذراعه حول خصرها بقسوة، وضمها إلى حضنه بحميمية وحشية،

حتى صار كل موضع في جسده مطبوعًا على جسدها. رفعها عن الأرض وثبتها علي الحائط كأنها أسيرة بين قبضته،

فصرخت بغضب هستيري، وانقضت بأسنانها على منكبه، تعضه بجنون… أغمض عينيه، وزفر بحرارة كأنه يستمتع بالعضة أكثر مما يتألم،

وكأنها قبلة تستفز أعصابه المشتعلة… صوت أنفاسه الثقيلة تسلل إلى أذنها فارتجفت، وتراجعت مذعورة،

حاولت تحرير يديها من قبضته. وصاحت بعزم يائس:
سيبني! إنت مش بني آدم… سيبني، إنت عايز مني إيه؟!”

اقترب منها جابر حتى كادت تنصهر بين أحضانه المشتعلة، وصوته ينفذ في أذنها كهمس شيطاني:
عضتك خوتتني… طيرت عقلي … اومال بوستك كيف يا فتنه؟!

هزت رأسها في نفي يائس، وانفجر صوتها بالنحيب:
ابعد عني… إنت مش طبيعي!”

أومأ ببطء، ملامحه هادئة لكن أنفاسه الحارة تلفح وجهها، تحرقها كجمر حي: أوعى تفكري إنك هتخلصي مني… سيبتي النيابة؟ طب، وماله. رايدك محامية، وانتي اللي هتدافعي عن يحي… وهتطلعيه بريء.”

تجمدت عيناها بدهشة مختلطة بالغضب، وانفجرت تهدر بعناد يائس: لو هتموتني… مستحيل! إنت سامع؟! مستحيـــــل!”

ابتسم ببرود جارح، واقترب أكثر حتى لامس بأنفه أنفها، يطوقها بتهديد قاتل: يبجى هتحكمي على ولدك الوحيد… مش هجولك بالموت، لأ… هو هيعيش، بس تحت رحمتي، تحت أرضي… وعمرك ما هتشوفيه تاني لو وجفتي علي شعرة من راسك… اللي كيف الحچر ديه.”

جحظت عيناها برعبٍ يفتك بروحها، وانهمرت دموعها الثقيلة ببطء حارق، وهمسة بانكسار: ليه بتعمل فيا كده؟ أنا عملتلك إيه؟ ده ابني الوحيد… أنا استقلت، وسبت حلم عمري بسببك! عايز مني إيه تاني؟! ارحمني… ارحمني بقا!”

لانت قبضته أخيرًا، ترك معصميها لكن ظل محتفظا بها داخل حضنه الحديدي. عيناه لا تفارق دمعة تمزقت على وجنتها، وفي أعماقه جمر يتأجج ينهش كيانه. همس بجدية صارمة: ريحي نفسك… وريحيني. خلصي قضية يحي، وهسيبك في حالك… إنتي وولدك.”

رفعت عينيها إليه بحقد وقهر، ثم دفعته بعنف، وأشارت إلى الباب وصرخت بدموع متكسرة: اطلع بره… أااطلـــع بره!”

أومأ برأسه، وأشار بإصبعه بحسم قاطع: بعد بكره… تكوني جدام النيابة. محامية ليحي الجبالي. فاهمة؟”

نظرت له بعينين تشتعلان بالحقد المكبوت، ثم أدارت وجهها عنه بقهر يمزق الروح.
بلع لعابه بصعوبة، وكأن شيئًا يختنق في صدره، ثم استدار وانصرف بخطوات واسعة، كمن يهرب من عينيها… من حقيقتها التي تفضحه أمام نفسه.

انهارت فتون على ركبتيها، تنزلق دموعها بغزارة، يعلو نحيبها بحرقة تكسر القلب، وهي لا تدري ما الذي يمكن أن تفعله بعد، أو أي وسيلة تبقى لها لتنقذ حياتها… وحياة ابنها.
…………
في شقة عزيز أبو العزم

دخل عزيز متثاقلًا، ألقى بحقيبته على الأريكة، ثم وضع متعلقاته جانبا وتوجه إلى الداخل….

لمح دينا جالسة أمام التلفاز، وجهها شاحب، وعيناها مثبتتان في الشاشة دون اهتمام حقيقي. جلس بجوارها وقال بفتور عابر : مساء الخير.”

أجابته بخفوت لا يكاد يسمع: مساء الخير.”

أدار عينيه نحو الشاشة، زم شفتيه بضيق وقال: صحبتك قدمت استقالتها.”

انعقد حاجبها بدهشة، واستدارت نحوه: صحبتي مين يا عزيز؟”

أجابها ببرود ممزوج بنفاد صبر: فتون.”

إتسعت عيناها بذهول مصدوم: نعم! ازاي يعني؟ وليه؟”

رفع منكبيه بلامبالاة، ورد: معرفش… شوفيها، شكلها اتجننت.”

زفرت دينا بحرقة، ارتعشت دموعها وهمسة: هو إيه الجنان ده! دي حاجة تحرق الدم… أنا ألقيها من إيه ولا إيه بس يا ربي!”

نظر إليها باندهاش بارد، وسأل: مالك؟ فيه إيه؟”

أطرقت برأسها، وصوتها خرج متهدجا بالدموع : النهارده كان عندي قضية كبيرة.”

قطب حاجبيه بفضول آلي: خسرتيها ولا إيه؟”

هزت رأسها نافية، وتمتمت:لا… كسبتها.”

أشار بيده باستخفاف، وقال ببرود: أمال مالك بقى؟ مش كسبتيها؟ قلبه وشك ليه؟”

بلعت غصتها بصعوبة، وانفجر صوتها المرتعش: أبو الولد… أول ما القاضي نطق بالحكم… راح قام وقرب مني، وكان عايز يحضني… لو لا منعته على آخر لحظة!”

ألقى عليها نظرة باردة، وهز رأسه بلامبالاة: أكيد يعني من فرحته… محسش بنفسه الراجل.”

اتسعت عيناها بخذلان قاتل، وهتفت: هو ده رد فعلك بجد؟ الراجل محسش بنفسه؟… بس كده؟”

مط شفتيه بحنق بارد وقال:أمال يعني… هيكون قاصد يتحرش بيكي في المحكمة يا دنيا؟”

قفزت من مكانها، وأشارت بيدها بعصبية جارحة : وليه لا؟ هي المحكمة مسجد؟”

ظل ينظر إليها بنفس البرود، وصوته خرج جافًا:وحتى لو هو قاصد يتحرش بيكي… أنا واثق فيكي، وعارف إنك تقدري توقفي أي حد عند حده.”

ارتجفت شفتاها بدهشة وغيظ من لامبالاته، وقالت بمرارة: إنت شايف كده؟”

أومأ برأسه بجمود:طبعا… هو أنا مش عارف مراتي ولا إيه؟”

انزلقت دموعها غصبًا عنها، وانكسار صوتها وهمسة :أنا اللي مبقتش عارفة حاجة… بجد… أقلك حاجة؟ الكلام زي قلته… تصبح على خير.”

استدارت بعنف واتجهت إلى غرفتها، بينما ظل هو جالسا يتأملها بدهشة باردة، وغمغم ساخرًا: مالها دي؟ يخربيت النكد… دي شكلها واحدة مطلقة النهارده، مش واحدة كسبت قضية.”

دخلت دينا الغرفة وألقت بنفسها على الفراش، غطت وجهها بالوسادة، وانفجر نحيبها مكتوم، يتردد في الجدران كطعنة صامتة. كل دمعة تنزل كانت تصرخ في داخلها بيأس قاتل من رجل يقتل أنوثتها يوما بعد يوم، بخنجر البرود والإهمال….

وضعت الوساده تكتم أنينها كمن يخشى افتضاح سره. شعرت أن صدرها يضيق أكثر مع كل زفرة، كأن الكلمات التي لم تقل تحاصرها من الداخل…

تساءلت بمرارة: أهكذا يطفئ البرود قلب امرأة؟ أهكذا تتحول الأحلام إلى رماد بطيء الاحتراق؟

كانت تعلم أنّ عزيز لم يكن قاسيًا، بل أشد قسوةً من القسوة ذاتها؛ لأنه لا يرى، ولا يشعر، ولا يلتفت. كان كالصخرة الباردة، كلما اصطدمت بها عاطفتها تحطمت دون أثر… أغمضت عينيها، وتمتمت بمرارة تلسع روحها:
“أي ذنبٍ اقترفت لأدفن أنوثتي حية مع رجل لا يراها؟”
………..

في شقة عبد الرحمن السيوفي،

جلست فتون في منتصف سريرها، وجسدها يشتعل نارًا حارقة تأكل قلبها بعنف، فربتت على يدها بحزن عميق وهمسة: ماشي يا أسيوطي… أما وريتك النجوم في عز الضهر، مبقاش فتون السيوفي.

فاقت من شرودها على صوت دق الباب، غمغمت بخفوت:
ادخل.

دلفت ياسمين بخطوات ثقيلة، ودموعها تتلألأ في عينيها، وهمسة: فتون… ممكن ادخل؟

نظرت لها فتون بدهشة، وأشارت بيدها: تعالي يا حبيبتي.

اقتربت ياسمين وجلست بجانبها، ونظرتها ترتجف بين القلق والحزن: فتون… بجد؟ انتي استقالتي من النيابة؟

أومات فتون برأسها بحزن عميق وهمسة: اه يا ياسمين… استقلت.

عضت ياسمين شفتها لتكتم دموعها بقهر، وهمسة بمرارة:
بسببي أنا يا فتون… يعني موضوع الخطف ده.

هزت فتون رأسها بالنفي، وغمغمت: لا يا حبيبتي… أنا بس تعبت… وعايزة أشتغل حاجة أخف.

رمشت ياسمين بعينيها محاولة إزاحة دموعها، وهمسة:
أول مرة أحس إنك بتكدبي عليا يا فتون.

فتحت فتون فمها لتجيب، لكن طرق الباب قطع جملتها، فنظرت إليه وقالت: ادخل.

دلف عبد الرحمن بغضب ظاهر على ملامحه، وهتف بعصبية: فتون… إيه اللي حصل ده؟ إزاي قدمتي استقالتك؟ إزاي؟

نهضت فتون وأشارت له بيدها محاولة تهدئته: اهدي يا حبيبي… أنا هفهمك، بس بلاش عصبية… انت تعبان.

نهضت ياسمين وقالت بخفوت: هسيبكم تتكلموا براحتكم.

أومات لها فتون، وتحركت ياسمين إلى الخارج، تاركة الغرفة لفتون وعبد الرحمن وحدهما.

نظر لها عبد الرحمن وهز رأسه بالنفي، وصوته يملؤه الغضب: وانتي فرق معاكي؟ انتي حتى ما ختتيش رأي… كاني موت، ولا حتى مش أبوكي!

هزت فتون رأسها بالنفي، وغمغمت بدموع: لا… أبداً والله العظيم… يا بابا… أنا ما قلتش عشان عارفة إنك هترفض… وأنا تعبت أوي… محتاجة أرتاح.

نظر لها بحدة ممزوجة بالغضب، وهتف: تعبانه؟ تاخدي إجازة مش تستقيلي! ده جنان… قرار غير مسؤول… وأنا زعلان منك.

اقتربت منه، وتمسكت بذراعيه، وغمغمت بدموع: لا يا بابا… أنا محتاجلك… انت بالذات… بلاش، بلاش… عشان خاطر تتخلي عني في الوقت ده بالذات.

نظر لها بدهشة ممزوجة بالحنق، وهمس: قوليلي… فيكي إيه؟ قولي ليه ختي القرار ده… اقنعيني طيب.

لفت ذراعيها حول خصره، ووضعَت رأسها على صدره، وغمغمت بدموع: والله تعبانة يا بابا… عايزة أرتاح… حاسة إني بلف في ساقيه وكل حاجة بتلف معايا… عايزة أدي وقت لابني، أربيه وأعلمه… مش عايزة يفوت العمر وأنا بعيد عنه… وأبص ألاقي ابني كبر وأنا مش حاسة.

مسح على شعرها، وغمغم بحنان: مع إني مش قادر أصدق كلامك… وحاسس إنك مخبية عني حاجة.

هزت رأسها بالنفي، ودموعها تتلألأ في عينيها، وقالت: هخبي إيه بس.. أنا كمان زهقت من الكائن السمج اللي اسمه مدحت… وكرهت أكون معاه في مكان واحد.

أومأ عبد الرحمن بحزن: طبعا تلاقي الفرحة مش سيعها دلوقتي.

بلعت غصتها بصعوبة، وهمسة: خليه يتحرق… هو ميفرقش معايا أصلاً… أهم حاجة إنت وزياد عندي… أنا عايشة عشانكم يا بابا.

ضمها بقوة، ومسح على ظهرها، وقال بحنو: خلاص يا حبيبتي… أهم حاجة تكوني مرتاحة… وربنا يبعد عنك ولاد الحرام.

تمسكت به، وغمغمت بدموع: بالله عليك يا بابا… ادعيلي الدعوة دي… محتاجاها أوي.

أومأ عبد الرحمن بحزن، وقبلها على رأسها، وهو يتنهد بثقل: يلا يا قلبي… أسيبك ترتاحي… وأنا كمان محتاج أرتاح.

أومات برأسها، وقالت: حاضر… بس بالله عليك متزعلش…

أومأ برأسه، وربت على وجنتها، وتحرك إلى الخارج وهمس : تصبحي على خير.
جلست فتون على الفراش، وهمسة: وانت من أهله…

شردت قليلاً في نقطة وأهميتها، وعيناها تلمعان بحدة ممزوجة بالغضب. سحبت هاتفها، وعبثت به، وغمغمت:
عايزة منك طلبين يكونوا الصبح عندي…

صمتت لحظة، ثم قالت: هقولك…
…………..
في اليوم التالي…

أمام مكتب وكيل النيابة، وقف جابر الأسيوطي شامخا كجبل غاضب، يطحن آخر سيجارة تحت حذائه بقسوة، وكأنها تمثل الغضب المشتعل في صدره… ارتجف صوته وهو يهدر بنبرة أقسمت بالدم قبل الكلام: قسم باللي حرام الدم، لو مجاتش… ليكون دمها ودم ولدها حلال عليا.

زفر عزيز بغيظ، يراقب تقاطيع صديقه التي تغلي كالبركان، وتمتم متوجسا : أنا حاسس إنها مش هتيجي… انت متعرفش فتون، عنيده أوي.

رفع جابر رأسه، عيناه تقدحان شررًا، ونفى بعناد صلد:
لاه… هتيچي. كلها بيهون جصاد الضنا يا عزيز… وهي بتعشج ولدها.

نظر له عزيز بدهشة لم يستطع كتمانها:مش مصدق إنك هددتها بابنها يا جابر!

أغمض جابر عينيه لحظة، يبتلع غصة قهر أكل قلبه، صوته حين خرج كان كالرماد المبلول بالدموع المكبوتة:
وانا كان جدامي حل تاني؟ ولا كنت بدك يحي يتشنچ؟ لاه… يستحيل أسيبه.

فتح عزيز فمه ليعقب، لكن وقع كعبٍ عال على أرض الممر صرخ بثقة وغرور حديدي، قطع ما بينهما. استدار بنظره إلى القادم، فارتفع حاجبه بدهشة وغمغم:دي جات.

التفت جابر برأسه، وما إن وقعت عيناه عليها حتى تلاحقت أنفاسه. جالت نظراته النارية على تفاصيلها من قمة رأسها حتى أسفلها، وفي داخله زمجر:الله يجيدك مره… البسي حشمه لله. أما خليتك تحرمي تعري لحمك، ابجي مره وهلبس طرحة يا بت السيوفي.

اقتربت فتون بخطوات ثابتة، تنضح بالثقة، وخلفها فتاة جمالها يخطف الأبصار. وقفت أمامهم، وصوتها الحاد يقطع سكون الممر: يحيى وصل؟

هز عزيز رأسه نافيًا: لسه يا فتون.

قطب جابر حاجبيه بدهشة وهو يرمق الفتاة المرافقة:
مين اللي معاكي ديه؟

نظرت له فتون نظرة جانبية ساخرة، وغمغمت وهي تتحرك نحو الغرفة: مرات عمك يا عمده.

ارتبك جابر، حاجبه يزدادان تقطيبًا: عمي مين؟

التفت عزيز نحوه بدهشة مماثلة وغمغم:هو يحيى متجوز؟

دلفت فتون إلى الغرفة بخطوات ثابتة، كأن الأرض تمهد تحت قدميها. نهض وكيل النيابة من خلف مكتبه، يبتسم مرحبا وهتف:أهلا وسهلا… أهلا فتون هانم.

مدت يدها بأناقة، صافحته بثبات، وقالت بجدية لا تخلو من ثقة: أنا النهارده حاضرة مع المتهم يحيي الجبالي.

ارتفع حاجبه بدهشة واضحة، وعاد صوته يتساءل باستغراب: بجد؟

أومأت برأسها بخفة، ونبرة صوتها قاطعة: طبعا بجد.

أشار نحو الكرسي المقابل لمكتبه، محاولًا إخفاء دهشته بابتسامة: اتفضلي يا هانم… ولا أقول ياأستاذه؟

جلست فتون بظهر مفرود وعينين ثابتتين، وقالت في هدوء: أي حاجة… مش هتفرق.

دوى طرق على الباب، فدخل يحيى الجبالي، مكبل اليدين، تحيطه هالة من الصلابة حتى في قيوده. تقدم العسكري وفك الأصفاد، ثم أدى التحية العسكرية وانصرف.

أشار وكيل النيابة إلى الكاتب وهو يفتح المحضر:
اسمك وسنك وعنوانك.

تطلع يحيي إليهم بدهشة ساخرة، وهتف: هو إنتو الاتنين هتحججوا معايا؟ مش وكيل نيابة واحد يا چدعان؟

ابتسم وكيل النيابة بخفة وأشار بيده نحو فتون:
فتون هانم النهارده حاضرة معاك… محاميتك يا يحيي.

ارتفع حاجب يحيى بدهشة ممزوجة بسخرية، وغمغم:
محامية؟ كيف يعني؟

أشارت له فتون بيدها، تقطع اعتراضه: ممكن تسكت وترد على أسئلة وكيل النيابة… ولما نخرج من هنا، ابقى افهم.

ارتسمت على

شفتيه ابتسامة عبثية، وهمس وهو يرمقها بعينين ثاقبتين:طلما هخرج… يبجى اسكوت حاضر.

تجاهل وكيل النيابة الحوار الجانبي، وهتف بصوت رسمي: اسمك وسنك وعنوانك يا أخينا.

أومأ يحيي، ورد بجدية: يحيي منصور الجبالي… تمنيه وتلاتين سنة… ساكن في خمسة شارع .

أكمل وكيل النيابة بصرامة وهو يقلب في أوراقه: كنت بتعمل إيه في الطريق الصحراوي… الكيلو ٩٧… يوم ٢ في الشهر؟

لم يجب يحيى على الفور، بل التفت بنظره نحو فتون. عندها فتحت ملفا أمامها، وبحركة محسوبة أخرجت ورقة، ودفعتها إلى وكيل النيابة وهي تقول بصوت واثق يخترق الصمت:حضرتك… دي صورة من عقد زواج موكلي من مدام سهى الجمال. ووقت لما اتقبض عليه… هما كانوا طالعين شهر العسل.

اتسعت عينا يحيى بدهشة، ثم مال بجسده قليلًا نحو فتون وهمس مبهوتًا:يابت الـچِنيه…

كان وكيل النيابة يقلب العقد بتركيز، ثم رفع رأسه ينظر إلى الفتاة التي جاءت مع فتون، وسألها بصوت رسمي:
اسمك وسنك وعنوانك؟

تقدمت بخطوات خجولة نحو المكتب، رفعت رأسها بشجاعة مفاجئة، وقالت: اسمي سهى الجمال… عندي اتنين وعشرين سنة… ساكنة في خمسة شارع .

أومأ وكيل النيابة وهو يدون، ثم سأل بصرامة: كنتي مع المتهم يحيي الجبالي في الطريق الصحراوي… الكيلو ٩٧… يوم الوقعة؟

أومأت سها برأسها بقوة، وصوتها يختلط بارتجاف:
حصل يا باشا… يحيي الجبالي جوزي، وكنا طالعين شهر العسل. فجأة واحد بعربية زنق علينا ووقفنا، ولما يحيي اتخانق معاه، الراجل قال له أنا هلبسك قضية. وخده على القسم… وسابني أنا.

انعقد حاجبا وكيل النيابة وهو يتابع: تعرفي الراجل ده اسمه إيه؟

أومأت برأسها بسرعة، وقالت بحزم: أيوه… يحيي وهو بيشد معاه، قال له عيب يا مدحت بيه.

سكت وكيل النيابة لحظة، ثم هز رأسه وهو يقول بصرامة : بس محضر التحريات بيقول إن يحيي كان لوحده.

رفعت فتون يدها بثبات، وقاطعت بلهجة قانونية صارمة:
حضرتك… محضر التحريات اللي عامله مدحت بيه، يعني طبيعي يكون مفبرك لمصلحته… وبعدين… موكلي ماكانش معاه أي حاجة تدينه في العربية… والمكان اللي اتقبض عليه فيه… ماكانش فيه أي شخص. ببساطة: مفيش دليل واحد يثبت إنه كان بيسلم شحنة مخدرات.

ظل الصمت لحظة مشحونة، ثم رفع وكيل النيابة عينيه عن الأوراق، وهتف بصوت يدوي: أمرنا نحن وكيل النائب العام أحمد معتز الشيخ… ببراءة المتهم يحيي منصور الجبالي من التهمة المنسوبة إليه… لعدم كفاية الأدلة.

ارتفع حاجبا يحيي بدهشة عارمة، التفت إلى فتون وهمس بانبهار: اجسم بالله أستاذه… ورئيسة جسم!! إيه الدماغ دي؟!

أشار له وكيل النيابة بحزم: تعال امضي… وانتي كمان.

تحرك يحيي بخطوات ثابته، أمسك القلم ووقع على المحضر. ثم التفت وهو يشير إلى الفتاة بابتسامة ساخرة ممزوجة بخبث : تعالي يا مراتي… امضي.

نظرت له سهى بدهشة كبيرة، ثم اقتربت ووقعت بدورها.

هزت فتون رأسها بيأس صامت، جمعت أوراقها بهدوء، وغادرت الغرفة بخطوات تفيض بالثبات… كأنها لم تسقط تهمة فحسب، بل قلبت الموازين كلها.
اعتدل جابر في وقفته، يتبعه عزيز كظله، وصوته الجهوري يخترق الممر: إيه الأخبار؟

نظرت إليه فتون بحدة، اقتربت منه بخطوات ثابتة حتى وقفت أمامه مباشرة، لا تفصل بينهما سوى أنفاس متوترة، وقالت بصرامة تشتعل نارًا: أنا طلعته براءة… فاضل بس إجراءات بسيطة أخلصها قبل ما أمشي. بس أوعدك… أنا هحبسك إنت وهو.

ارتسمت على وجه جابر ابتسامة عبثية، مال برأسه نحوها حتى التصقت أنفاسه بأذنها، وهمس بخبث يقطر سماجة: أوعدك… لو هتحبس على يدك، مش حطلب محامي غيرك يا فتنة.

دفعت صدره بعنف، عينيها تشع شررًا، ورفعت إصبعها في وجهه بتحذير حاد: أنا كده عملت اللي عليا… بس لو جيت جنب ابني تاني… المرة الجاية هقتلك يا أسيوطي.

هز رأسه بتماهل، وعيناه تلمعان بتهكم لزج: هنشوف… هنشوف. المهم، أتعابك هتوصل حسابك قبل ما توصلي بيتك.

زفرت بغضب، وردت كلماتها كأنها بصقت نارًا: أتعابي يمكن تكون صعبة عليك!

ارتفع حاجبه بدهشة خفيفة، وهمس ساخرًا: إنتي بس آمري… ومالكيش صالح… إنتي مخبراش أنا جادر على إيه.

حدقت فيه بتحد بارد، وهدرت بنبرة حاسمة كالسيف:
أتعابي… إني ما أشوفش خلقتك دي تاني… وتنسى إنك قابلت في يوم واحدة اسمها فتون السيوفي.

أغمض عينيه لحظة، كأنه يبتلع غضبه، ثم ابتسم بجانب فمه بعبث غليظ وغمغم: يبجي مش هقدر على أتعابك… صوح.

لم تجبه، بل نظرت له بنقمة مكتومة، ثم استدارت بخطوات حادة وهتفت: يلا يا سهى.

لكن يحيي أمسك بذراع سهى فجأة، وصوته يجلجل بسخرية لا تخلو من الدهشة:استني! هتمشي من غير ما أشكرك يا مرتي؟

تجمدت سهى لحظة، عيناها تتسعان بدهشة، ثم ارتسمت ابتسامة خافتة على وجهها المرتبك… غير أنها ما لبثت أن قفزت برعب، حين دوى صوت فتون صارخا بحدة: سهـــــــــى!

فزعت الفتاة، تركت يد يحيي وركضت خلف فتون كطفلة تلحق بأمها… وما أن ابتعدتا عن الممر حتى تعالت ضحكاتهما بصخب، تذيب ثقل اللحظة،

فيما بقي جابر ويحيي يتبادلان نظرات كالنصال، كأن معركة أخرى قد رسمت في صمت الأعين.

تمتم يحيي وهو يرمق فتون من بعيد، صوته مبحوح بالإعجاب: أول مرة في حياتي أشوف مره عيونها كيف حد السيف… عيونها بتشلع شلع يا چدعان.

التفت إليه جابر بغيظ، ولكزه بكتفه بعنف وهدر بتحذير حاد: عينك الله يعينك …ما تلم روحك يا يحيى، بدل ما أشنجك أنا بدل الحكومة!

قهقه يحيي بدهشة، عينيه تلمعان بمكر، وقال : الله! دي غيره ولا أنا غلطان؟

انفجر عزيز ضاحكًا بنزق، وقال بجدية مغلفة بالمرح:
بس فتون مش من الصنف اللي بتحبه يا جابر.

أدار جابر رأسه ببطء، نظر له بنصف عين، قبل أن يقاطعهم يحيي بدهشة فجة: كيف يعني؟

أجاب عزيز وهو يشير بخفة: يعني… فتون مطلقة.

قهقه يحيي مرّة أخرى بفظاظة، وقال دون اكتراث:
مطلقة! يعني… مستعملة؟

في لحظة، اشتعل وجه جابر بالغضب. قبض على ياقة يحيي بعنف، كأنه سيحطم عنقه، وصوته خرج كالرعد المكبوت: اكتم… عاد!

رفع يحيي حاجبه بدهشة، ورفع ذراعيه مستسلمًا، وهو يغمغم بابتسامة ساخرة: أمرك يا ولد أخوي.

تركه جابر بحنق، كأن أنفاسه تحترق من الداخل، ثم اندفع بخطوات غاضبة نحو الخارج. لكن ما إن وصل إلى البوابة، حتى تجمد مكانه… كأن صاعقة نزلت من السماء وشلت حركته.

كانت فتون تجلس خلف مقود سيارتها، رأسها مرتمي إلى الخلف، ودموعها تنهمر بصمت على وجنتيها، بلا صوت ولا صراخ، فقط صمت القهر الذي يفتك بالقلب. ملامحها مطبوعة بآثار الظلم، والخذلان، والوحدة.

ظل جابر يرمقها بذهول، وشروده يمزقه من الداخل. لكنه استفاق فجأة حين مسحت دموعها بكفها المرتجف، وأدارت المحرك، لتنطلق بسيارتها بسرعة كالسهم، كأنها تهرب من الدنيا بأسرها.

أسند جابر ظهره إلى الحائط، عينيه تائهة، وقلبه ينغز بشعور خانق من الندم، يفتك به افتكاكًا… كأنه اكتشف متأخرا أن تلك المرأة لم تكن خصما، بل جرحا مفتوحا في صدره.

وووووووو

ساحره القلم ساره احمد

4.3 3 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
1 تعليق
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
غيداء
غيداء
6 أيام

تحفه ابداااع تسلم ايدك❤️❤️❤️