ييبب
فتنه في عرين الجابر

فتنه في عرين الجابر(الفصل السابع)

فتنه في عرين الجابر(الفصل السابع)

الفصل السابع

داخل مكتب مدير الأمن، كان الجو مشحونًا، دخان السجائر يملأ المكان كأنه ستار يخنق الأنفاس. طرق الباب مدحت بخطوات متوترة ثم دلف، وأغلق الباب خلفه بعناية قبل أن يقف منتصبًا: أوامرك يا فندم.”

رفع مدير الأمن رأسه من فوق الأوراق، عيناه تقدحان شررًا، صوته خرج حادًا كالسوط:انت خليت فيها أوامر يا مدحت؟! يحيي الجبالي خد براءة من النيابة!”

جحظت عينا مدحت، ارتبك للحظة قبل أن يهتف غير مصدق:إزاي يا فندم؟! ده كان ممسوك متلبس!”

ضرب مدير الأمن سطح المكتب بقبضته، فاهتزت الأوراق، صوته دوى غاضبًا:متلبس بإيه؟! وهو عربيته مكنش فيها حاجة! وكنت ماسكه بعيد عن مكان العملية بخمسة ستة كيلو!”

تلعثم مدحت قليلًا ثم قال في محاولة لتبرير نفسه:
أيوه… هو هرب، وأنا طلعت وراه.”

نهض مدير الأمن من خلف مكتبه بعنف، أشار بإصبعه في وجهه وهدر:بقلك يا مدحت… إنت أصلًا مش مركز، عشان كده أخطائك كترت! بس من النهاردة… ملكش دعوة بأي حد من عيلة الجبالي!”

احمر وجه مدحت، لم يتمالك أعصابه فصاح بانفعال:
أنا مركز يا فندم! وكل حاجة كانت مظبوطة على الشعرة! بس أكيد هما جابوا محامي طلعهم من أي ثغرة!”

زفر مدير الأمن بغضب، ضرب كفه في الهواء وقال بنبرة لاذعة:آه… عشان فتون السيوفي! المحامية بتاعتهم! هطلع العيب فيها؟! قلتلك ألف مرة… افصل حياتك الشخصية عن شغلك! مفيش فايدة.”

جحظت عينا مدحت أكثر، صرخ كالمذعور:ده مش ممكن يحصل! فتون متعملش كده!”

أشار له مدير الأمن بيده بحسم نهائي، صوته قاطع:أنا المرة دي هكتفي بلفت نظرك… اتفضل يا فندي، شوف شغلك.”

تصلب وجه مدحت، أومأ برأسه والشرر يتطاير من عينيه، ثم أدى التحية العسكرية وانصرف، خطواته كأنها مطاردة من شيطان يلهب صدره بنار الغيظ.
…………
في شقة عبد الرحمن السيوفي،

كان الصمت يخيم على الأجواء إلا من أنفاس متقطعة ودموع تحاول أن تخفيها صاحبتها…

جلست ياسمين إلى جوار فتون، ربتت على رأسها بحنو، صوتها مملوء بالرجاء:اهدي يا حبيبتي… أنا أول مرة أشوفك كده.”

انزلقت دموع فتون ببطء على وجنتيها، عينان مطفأتان تحملان قهرا لا يطاق، وهمسة بصوت متهدج:
أول مرة أخالف ضميري… حاسة إني بتخنق.”

مسحت ياسمين دموعها بكف مرتجف، حاولت أن تخفي قهرها وقالت :انتي عملتي كده غصب عنك… من خوفك على ابنك… وعليا. اهدي يا حبيبتي، أرجوكي.”

أغمضت فتون عينيها بقهر، كأنها تسلم نفسها لليل أسود بلا نهاية، وهدرت بنبرة متعبة:بقلك يا ياسمين… أنا عايزة أنام. ولو بابا سأل عليا، قولي نايمة… محدش يصحيني غير لما أصحى لوحدي.”

أومأت ياسمين برأسها مطيعة، وعيناها تلمعان بالدموع:
حاضر يا قلبي… نامي يمكن تهدي وأعصابك ترتاح.”

وضعت فتون رأسها على الوسادة، دموعها تسيل في صمت موجع، تنحت خطوطًا من وجع ثقيل على ملامحها. غادرت ياسمين الغرفة بخطوات مترددة، أغلقت الباب بهدوء كأنها تخشى أن تثير جرحا أعمق مما هو كائن.

في الداخل، ظلت فتون شاردة في كل ما حدث، عقلها يعيد المشاهد كطعنة لا تهدأ. وضعت يدها على وجهها، وأغمضت عينيها بقهر مرير، كأنها تسلم نفسها للنوم، ترجوه أن يكون رحيما بها… وأن لا تستيقظ مرة أخرى.

……….
في قصر الجبالي

لم تعرف القرية ليلة أشد صخبا ولا أوسع بهجة من تلك الليلة؛ فقد اكتست طرقاتها بثوبٍ من الفرح الممزوج بالرهبة،

كأن الأرض ذاتها تنبض باسم الجبالي، ارتفعت الزينات على مداخل الدور، تتأرجح شرائطها الملونة مع نسمات الليل، فيما ألسنة المشاعل تضيء العتمة وتضاعف من وهج الاحتفال.

توقفت سيارة جابر عند البوابة العتيقة للقصر الكبير، ذلك القصر الذي ظل شامخا كرمز للسطوة والجاه منذ أجيال…

وما إن ترجل جابر بخطوات واثقة، حتى دوى المكان بزغاريد النساء، زغاريد لم تكن مجرد صرخة فرح، بل إعلان ولاء للدار وأهلها.

وحين وضع يحيى قدميه على أرض قريته، اشتعلت السماء بأصوات الرصاص الطائش، رصاصات الفرح التي يعرفها الصعيد كعلامة للهيبة والنصر…

امتزج صوت الطلقات مع أنغام المزمار البلدي، ذلك المزمار العتيق الذي يمد أنفاسه في الهواء فيثير الحماسة في العروق، فتتمايل الأجساد وتنتفض الخيول العربية الأصيلة رقصة شاهقة، تضرب الأرض بحوافرها في مشهد لا يليق إلا بالفرسان.

اصطف الرجال على جانبي الطريق، بجلابيبهم البيضاء وعمائمهم المهيبة، وجباههم تلمع تحت ضوء الاضواء الصاخبه…

عيونهم تتأمل يحيى وكأنهم يرون فيه امتدادًا لهيبة آبائه وأجداده، وكأن عودته من قبضة القانون لم تكن مجرد براءة، بل انتصارًا للعشيرة كلها…

أما الأطفال فقد اندفعوا بين الحشود يركضون خلف موكب يحيى، يلوحون بأيديهم الصغيرة كأنهم يلحقون بحلم أسطوري سمعوا عنه في الحكايات.

النسوة أطلقن الزغاريد المتلاحقة، واختبأن خلف أغطية رؤوسهن خجلًا، غير أن بريق العيون كان يفضح نشوة الفرح…

أما المزمار فظل يمد أنغامه الصاعدة إلى السماء، فيعانقه دق الطبول الثقيلة، ليخلق سمفونية صعيدية مهيبة، تحمل في طياتها الفرح والهيبة معًا.

في قلب المشهد، وقف يحيى، يرفع رأسه عاليا كفارس عاد من معركة منتصرًا، نظراته تجول على الجمع في مزيج من العزة والفخر.

وإلى جواره جابر، ثابت القسمات، عيناه تجولان بحدة بين الناس، وقلبه يتأرجح بين زهو اللحظة وثقل ما يخفيه القدر.

أما القصر، فقد بدا وكأنه يستيقظ من سباته الطويل، جدرانه الصماء ارتجت مع أصوات الهتاف والأهازيج، وأبوابه العريضة فتحت على مصراعيها لتستقبل أبناءها العائدين، في ليلة كتب أن تحفر في ذاكرة القرية كأعظم لياليها.

ارتجت أركان القرية مع صيحة منصور الجبالي، صرخة خرجت من صدر عريض كأنها هدير جبل: ادبح يا ولاد! حلاوة سلامة يحي الچبالي… ولدي!

توقف يحيى في موضعه، والجموع تتدافع من حوله، لتساق أمام قدميه الذبائح، فينحرها الرجال بسكاكينهم الحادة، فيسيل الدم ساخنًا على تراب الأرض، مختلطًا بزغاريد النساء ودوي الرصاص المشتعل في السماء.

اندفع منصور، بخطوات ملؤها الفخر، وعيناه تلمعان ببريق الدموع المكبوتة، ثم احتضن ابنه بقوة هزت جسده وهتف بصوته الغليظ: راچل من ضهر راچل يا ولدي!

ربت يحيى على ظهر أبيه بخشوع وقال بصوت متأثر:
البركة فيكم يا ابوي…

ولم يلبث منصور أن تركه، حتى مد ذراعيه نحو جابر، يجذبه إليه بقوة وهتف من أعماقه: البركة في الچبالي الصغير… راچل من ضهر أبوك يا ولد الغالي!

فانحنى جابر بخشوع، وقبل رأس جده قائلاً: ربنا يخليك لينا يا چدي.

في تلك اللحظة، اندفع مصطفى، يعلو وجهه مزيج من الفرح والجنون، أطلق دفعات متتالية من الرصاص من سلاحه الآلي، فاخترقت السماء كألسنة نار تحتفل بعودة يحيى. صاح بصوت مجلجل: مبروك يا عمي!

ركض إليه يحيى، فضمه بين ذراعيه وضحك من قلبه وهتف: الله يباركلك يا ولد اخوي.

لكن مصطفى لم يكتف، إذ جذب من جانبه سكينًا حادًا، يلمع نصلها تحت الضوء الصاخب، وصاح بحماسة:
يلا… آخر عچل لازم تدبحه انت!

أمسك يحيى بالسكين من يده، واقترب من العجل الضخم الذي كان يئن من شد وثاقه، فهوت نظراته عليه بنظرة فارس يعرف أن النحر طقس للهيبة أكثر منه للقوت….

وبحركة حاسمة وسريعة، ضغط على نحره، فسالت الدماء بغزارة، لتختلط بالأرض التي طالما شهدت دماء خصوم وأعداء.

اقترب جابر من يحيى بعد أن انتهى الطقس، ربت على منكبه وضمه بين ذراعيه، شد عليه كأنه يخشى أن يضيعه مرة أخرى، وغمغم بصوت مبحوح: حمد الله على السلامة يا يحي…

ابتسم يحيى، وربت على ظهر جابر، مرددًا وهو يرفع رأسه في فخر: ربنا يخليك ليا يا ولد اخوي.

وفي الخلف، استمرت أصوات المزمار البلدي والطبول الثقيلة، والخيل تصهل وترقص كأنها تشارك في ملاحم الأجداد، لتعلن أن الجبالي عاد، وأن ليلة القرية صارت ليلة للتاريخ..

ركض مختار الصغير نحو جابر كالعصفور العائد إلى عشه، وارتمى بين ذراعيه، وصوته يختلط بالبكاء والضحك:
حمد الله عالسلامة يا أبوي!

انحنى جابر يحتضنه، وربت على ظهره بحنان عميق، والصلابة في وجهه تخف لحظة وهمس: الله يسلمك يا ولد أبوك… عامل كيف؟

رفع الصغير رأسه بعينين لامعتين، وأجاب ببراءة:زين جوي.

قبل أن تكتمل لحظة الدفء، تقدم مهران بخطوات بطيئة، وعيناه تشعان بسم دفين، على وجهه ابتسامة مشبعة بخبث لا يخفى. فجأة، وبحركة مباغتة، أشهر سلاحه في وجه يحيى وجابر.

توقف كل شيء… كأن الزمن انكسر. تجمد الهواء في الصدور، انحبست الأنفاس، وانكمشت زغاريد النساء في حناجرهن…

عيون الجميع اتسعت ذهولاً، بينما جابر ويحيى ثبتا في مكانهما، الحنق يشتعل في عروقهما كالنار تحت الرماد.

لكن مهران، بثقة المتلاعب بالأعصاب، رفع سلاحه نحو السماء، وأطلق دفعاتٍ متتالية من الرصاص، اخترقت صدى الاحتفال كالصواعق، ثم صاح بصوت أجش متهكم:
حمد الله عالسلامة يا شجيجي!

أدار جابر عينيه بملل ثقيل، فيما تقدم يحيى خطوة واحتضن مهران على مضض، غمغم بصوت يقطر مرارة:
الله يسلمك يا خوي.

تظاهر يحيي بالدهشة، وارتسمت على وجهه ملامح مظلومية زائفة، وهتف: بس مكنش العشم! كل الأيام دي وأنا مرمي ف الحچز… مشفتش وشك. مهنش عليك تندل مصر تشوف أخوك!

ارتجف فم مهران ابتسامة باهتة، لكن مهران لم يمنحه الفرصة، فلوح بيده وانفعل بانفعال مصطنع، قائلاً:
لاه يا أخويا… أنا كنت هندل! وكنت هچبلك معايا أكبر محامي ف بر جنا كلتها! بس چابر سبچ…

انطلقت أنفاس جابر من صدره ببرود قاطع، كالسيف حين يقطع بلا تردد، وغمغم: چابر دايما سباج للخير يا مهران… وانت… عشان تسبجني، لازمن تكون سباح. وانت بتغرج ف شبر مايه.

ابتسم مهران ابتسامة الثعالب، عيناه تضيقان بخبث دفين، وقال وهو يلوح بيده كمن ينسج وعدًا غامضًا:
أنا بتعلم… وبكره تشوف يا ولد أخوي.

عندها دوى صوت منصور، كالرعد في سماء صافية، وهو ينظر إلى مهران بعين يختلط فيها الغضب بالتحذير:
بكفاية إكده! يلا… ادخلوا، سكة السفر طويله.

فانخفضت الرؤوس، وتفرقت الأنظار، وبقيت في الأجواء غمامة ثقيلة، كأنها بشير بما هو قادم.

اندفع الجميع إلى القصر العتيق، فارتفعت أصوات الزغاريد تتردد بين جدرانه العالية كأنها أهازيج السماء، وركضت نوره الصغيرة نحو والدها بخفة الطير. ارتمت بين ذراعي يحيى، فاحتضنها بقوة تكاد تكسر ضلوعه، وأنفاسه تختلط بعطر طفولتها الذي افتقده بجنون، وهمس بصوت أجش يقطر شوقا: وحشتيني جوي جوي يا نوره.

لفت الصغيرة ذراعيها حول عنقه، وغرست وجهها في صدره المرتجف، وقالت بصوت باكي: اتوحشتك جوي يا أبوي… كل يوم كنت أبكي.

رفع يحيى وجهها الصغير، واغرقها بنظرة محملة بالحنان، وقبل وجنتها برفق، ثم سألها بصوت خافت: ليه يا نوره؟ حد زعلك إهنه وأنا غايب؟

اقتربت هدى بخفة، ووجهها يضيء بالفرح، وقالت بحماسة صادقة:إكده يا ولدي خالي! مكنش العشم والله… أنا برده ههمل حد يزعل نوره الجصر!

التفت إليها يحيى بابتسامة ممتنة، وغمغم بود:حجك عليا يا ست الجصر… أنا جلبي بيتخلع عليها وأنا بعيد.

تدخلت بدور بضحكة ماكرة، وقالت مداعبة: خلاص يا عمي، مدام خايف عليها إكده، اتجوز وچبلها أم ترعاها.

قطب يحيى حاجبيه بدهشة وانفعال، وهتف بحدة مكتومة:أنا اتجوز بعد نوره الله يرحمها؟! ديه مستحيل يا بت أخوي!

قطع صوت جابر حدة الموقف وهو يدخل بخطوات واثقة، وهتف: هدددي!

ركضت هدى نحوه بحماس طفولي، وصاحت: حمد الله عالسلامة يا ولد خالي!

انحنى جابر وربت على رأسها بحنو، وقبل جبينها، ثم قال بود:الله يسلمك يا هدي… عاملة كيف؟

وضعت يدها على صدره بعفوية وردت بابتسامة واسعة:
زينة يا حبيبي… وانت كيفك؟ طولت الغيبة علينا.

أطرق جابر رأسه قليلًا، وقال بصوت خافت أثقلته الحياه: الظروف يا هدي.»

وفي تلك اللحظة، هوت نعمة من على الدرج بخفة، وعيناها تلمعان بالفرح، وهتفت بصوت مبحوح بالشوق:
جابر! اتوحشتك جوي يا حبيبي!

اندفعت إلى صدره، لكن يده اعترضتها بحزم مفاجئ، وهمس بصرامة خشنة وهو يرمقها بنظرة تحذيرية:
وه يا نعمة… اتخوتي؟ إياك الخلاج حوالينا… اتحشمي يا مره.

تراجعت نعمة خطوة، وقد تلون وجهها بالحرج، لكنها لم تخف حنقها، وقالت بصوت مرتعش يخالطه غيظ مكبوت:
وه يا چابر… اتوحشتك وبدي اسلم عليك.

أشار لها بيده دون أن يلين صوته، وغمغم بصرامة قاطعة:
استني ف أوضتك لما أطلعلك… وبلاش قلة حيا.

أومأت برأسها، وكبتت غضبها بابتسامة ساخرة، ثم غمغمت بنزق متعمد: أمرك يا سيد الرچال… أنا خبره زين… مهتلجيش غير حضني ترمي فيها تعبك.

لم تستطع هدى أن تمنع غليانها، فنظرت إليها بحدة ملتهبة بالحنق. أما جابر، فقلب عينيه ببرود ممزوج بالضجر، وأطلق كلماته بسخرية جارحة: اه… أومال! غوري يا نقمة، وبلاها حديت ماسخ.

فتناثر الجو بين زغاريد ودموع مكتومة، بين فرحة اللقاء ونيران دفينة لا يراها إلا القلوب الحذرة.

هبطت بشاير الدرج بخطوات متثاقلة، وجهها يقطر غلا مكتوما، تحاول أن تخفيه وراء قناع من المجاملة الزائفة. وحين بلغت أسفل الدرج، فاحت من كلماتها همسة مسمومة كفحيح أفعى:حمد الله عالسلامة يا سلفي… بركة يا أخوي رچعت بالسلامة لبتك.

تجمد وجه يحيى للحظة، ثم التفت إليها بعين يكسوها الحنق، وغمغم ببرود حاد: متشكر… يا مرت أخوي.

انزلقت نظرات بشاير كخناجر نحو جابر، تلمع بالكراهية حتى كادت تصرخ من عينيها، وهمسة بغيظ مكتوم:
كيف يا ولد چوزي؟

أدار جابر رأسه إليها ببطء، بعين نصف مغمضة، وصوت حاد كالسكين: زين… يا شراير.

كتم الجميع ضحكاتهم في صدورهم، والجو يشتعل توترًا. ارتعشت شفتا بشاير بحنق لاهب، وقالت بغل لا يخلو من التهكم:طول عمرك لسانك متبري منك… كيف المبرد يا چابر.

رفع جابر إصبعه في وجهها، وحمل صوته صلابة الجبال ووعيد العواصف، يهدر كالرعد في جنبات القصر:
طول ما لسانك چوه حنكك، وشرك چوه جلبك، وسيمك چوه دمك… أنا شر مخمود تحت چلدي… بس لو ف يوم عجلك وزك، ولا إنتي وزيتي شيطانك بأي شين… هتشوفي اللي عمرك ما خيالك وصل ليه… حتى ف كوابيس العصاري.

اشتعلت عينا بشاير بشرر يتطاير، وزمت شفتيها وهتفت متحدية:إنت عتهددني يا ولد چميله؟

ارتفع صوت جابر مجددًا كالرعد المجلجل، فارتجت أركان القصر العتيق:أنا بوعيكي يا مرت أبوي… ليكي وللزمن.

رفعت بشاير يدها بغل فائر، وصاحت بعناد أعمى:
وأنا… وأنا وإنت والزمن طويل جوي يا چابر!

وفي لحظة خاطفة، دوى صوت منصور، شيخ الجبالي، وهو يضرب الحديد فوق الحديد بعصاه الثقيلة، يهدر غضبًا وقد تخلل صوته قسوة السنين:خبر إيه يا بت الدشناوي؟! ما تعچبهاش البر واصل! لمي لسانك وسدي خشمك جبل ما أجطع خبرك! أنا عامل حساب لي ولد ولدي… مصطفى، وبس. غير إكده… كنت جطعت راس الحية من سنين… وانتي خابرة زين.

ارتجفت الأرض تحت قدميها، لكن قلبها لم يلن… نظرت إليهم جميعا بعينين يغمرهما حقد دفين، كأنهما مغموستان في السم… ثم استدارت، وارتقت الدرج بعصبية لا تخلو من وعيد، تاركة خلفها هواء مشبعا بالغل، وصدى كلمات كالسيوف المتصادمة.

دخل مصطفى بخطوات ثابتة وهو يحمل بين ذراعيه ابنته الصغيرة قمر، ضحكته تتصاعد معها وكأنها لحن سعيد يملأ أركان القصر: وعيتي العچل وهو يرمح!

تقدمت الطفلة بخفة وابتسامة واسعة، ضحكتها تسبقها كنسيم الصباح: حلو يا بابا!

وقف مصطفى للحظة، ورفع نظره إلى وجوه الحاضرين، فقرأ الحنق المكبوت على وجوههم، وصاح بصوت مليء بالدهشة: خير؟ مالكم؟ وشكم مجلوب ليه؟

ارتجف جابر قليلًا، ثم هز رأسه وهمس بخفوت، وكأن ما حدث لا يستحق الاهتمام:لاه، مفيش… چدك لساته مروج علينا بكلمتين، متخدش ف بالك.

اقتربت بدور بخفة وأناقة، وصوتها يحمل تهديدًا رقيقًا ممزوجًا بالملاطفة:تعالي يا مصطفى، غير خلجاتك اللي غرجانه دم دي يا حبيبي.

أومأ مصطفى برأسه، وتحرك إلى الأعلى، وخلفه بدور كظل مطيع.

اقتربت نعمه بصوت ناعم مستفز، يختلط فيه التدليل بالتحدي:تعالي يا سيد الرچال، غير خلجاتك وريح چتتك لحد ما الوكل يخلص.

التفت جابر إلى هدي، وعيناه تلمعان بالشوق والحنين، وهمس بعبث محمل بالشغف: عاوز أكل من إيدك يا هدي… اتوحشة وكلك.

أومأت هدي برأسها، وأشارت إلى عينيه بنظرة تجمع بين الطمأنينة والدلال: من عنيه يا ولد خالي.

تلوت نعمه شفتيها بحنق، وهي تراقب الموقف، ثم تحركت خلف جابر نحو الأعلى، صاعدة الدرج بخطوات واثقة.

هزت هدي رأسها بيأس، وعيناها تحملان شعور الانكسار المؤقت، فتقدمت بهدوء نحو المطبخ، تاركة وراءها أجواء مشحونة بالحركة والهيبة والغيرة الخفية.
…………

في غرفه جابر الاسيوطي

في غرفة جابر الأسيوطي، كان صدى الماء لا يزال يقطر من جسده العاري حين خرج من المرحاض، يمسح شعره الكثيف بمنشفه بملامح متجهمة…

في اللحظة ذاتها دلفت نعمة بخفة، تحمل بين يديها الأرجيلة الخاصة به، وضعتها على الطاولة أمامه ثم هتفت بمرح مصطنع: الشيشه چاهزه يا سيد الرچال، وكله على مزاچك.

ارتفع بصره إليها بحدة نافذة، كأنها أزعجت سكونًا كان يحاول التمسك به، وغمغم بصوت مبحوح متضجر وهو يدلك شعره: أنتي اتخوتي… احنا بنهار يا نعمه، خليها في العشيه.

انعقد حاجبها بدهشة، وأدارت رأسها نحوه بتعجب واضح: متي كان بيفرج معاك نهار من عشيه يا چابر؟

جلس على الكرسي ببطء، كمن يحمل الأرض بغضبه المكتوم، وأجاب بصرامة نافذة: يابت اهمدي… إنتي خابره زين إن الحكايه كلتها بمزاچي أنا.

اقتربت منه في دلع مصطنع، وجلست على فخذه تغويه بحركات أنثوية محسوبة، ثم مالت وهمسة بنبرة ناعسة تتسلل كسم رقيق: وأنا تحت مزاچك يا سيد الرچال…

مررت يدها على صدره المبتل، وأطبقت بنظراتها على شفتيه، وهمسة أمامهما برغبة خافتة كزحف أفعى:
مقدراش استنى العشيه… اتوحشتك جوي.

لكن نظرته جاءت كالثلج، جامدة لا تبعث على حياة. اقترب منها فجأة كعاصفة هوجاء، شفاهه يابسة كالصقيع تضغط على شفتيها بحدة جارحة، بلا دفء ولا اشتياق. قبلة أقرب إلى صفعة مطبوعة على فمها؛ قاسية، صلبة، تسكت أكثر مما تشبع… ارتجفت تحت وطأتها كمن يرغم على الخضوع.

ثم حملها بذراعين غليظتين، بلا رفق، ورمى بها على الفراش كما يلقى بجسد بلا قيمة، واعتلاها بقسوة تشبه طعنة سكين في ليل بارد.

لم يكن فيها لذة ولا دفء، بل عنف يطفئ كل وهج، وبرود يطفئ كل شرارة… كانت نعمة تنكمش تحت ثقله، تبحث في عينيه عن أي بقايا حنان، فلا تجد سوى ظلال قاتمة، وجه لا يعرف الشوق ولا يعرف الرفق.

ومضت اللحظة كما لو كانت عقابا لا وصالًا، ينهشها بجموده ويقهرها بسطوته…. لم تسمع من أنفاسه سوى زمجرة متقطعة، ولا من جسده سوى وطأة صخر يسحقها، حتى صار الفراش قبرا باردا يدفنها حية.
…………..
في شقة عبد الرحمن السيوفي

في شقة عبد الرحمن السيوفي، كان الصمت يخيم على الغرف، حتى دقت دنيا باب غرفة فتون مرة ثانية، وهتفت بعصبية ممزوجة بالقلق: افتحي يا فتون! أنا مش همشي غير لما أشوفك!

لم يهدأ قلبها، فدقت مرة أخرى، ودموعها تنهمر:اخس عليكي يا فتون، هو أنا لما أكون زعلانه مش بجيلك وأرمي زعلي عليكي؟

ثم كررت دق الباب، هذه المرة بصوت مرتجف، محاولة أن تهدئ نفسها: فتون، افتحي عشان خاطري، طيب؟ وحيات زياد عندك، أنا عارفة إنك مقهورة يا قلبي، بس نفسي أفهم… ليه عملتي كده؟ طالما زعلانة كده… طيب أروح أتكلم مع اونكل عبد الرحمن ولا أعمل إيه؟

قطعت فتون كلامها بصوت متحجر، وفتحت الباب أخيرًا. ظهرت أمام دنيا، شعرها متجعد، عيناها كالجمر، ووجهها باهت وشاحب، يحمل أثر صراع داخلي عميق. نظرت إليها دنيا بدهشة وذهول، واقتربت منها وضمتها بحنان ودموعها تتدفق: حبيبتي…

تمسكت فتون بها، ودموعها تنهمر على وجنتيها، صوتها متقطع بالأسى: مقهورة أوي يا دنيا… أوي!

أدخلتها دنيا الغرفة، وأغلقت الباب خلفهما، ثم أخذتها إلى السرير وجلست بجانبها، تمسح شعورها بالحنان: بس يا حبيبتي… اهدي… إيه اللي وصلك للحالة دي؟ يا قلبي… إزاي تقدمي استقالتك، وإنتي كنتي بتعشقي شغلك؟ إزاي هان عليكي تعملي كده؟»

أغمضت فتون عينيها، والمرارة تملأ قلبها: ابن الكلب هددني… بزياد وياسمين… لحد ما قررت أستقيل.

قطبت دنيا حاجبيها بدهشة وغضب: مين ده؟ ومبلغتيش عنه ليه؟ الحيوان ده!

تنهدت فتون بمرارة، وغمغمت:بلغت… بس عامل حساب كل حاجة، معرفناش نمسك عليه أي حاجة.

ضربت دنيا كفها على الآخر بذهول:يا نهار أسود!

هزت فتون رأسها، والحنق يغلي فيها:ومش بس كده… ده غصب عليا، اترافع في قضية قريبة وطلعته براءة.

جحظت عينا دنيا بصدمة، وهمسة: كمان… إيه الجبروت ده؟ ده راجل حقير وزبالة!

أومأت فتون برأسها، واضعة كل غضبها في نظرة حادة:
أوي يا دنيا… أوقح بني آدم شوفته في حياتي.

مسحت دنيا شعرها برفق، وهمسة بحنان:طيب… هتعملي إيه يا حبيبتي؟

زفرت فتون بحنق، صوتها خافت لكنه محمّل بالألم: لسه مش عارفة… أفكر ولا قادره حتي.

تمسكت بها دنيا بحزم، ورفعت صوتها كمنارة تدفع إلى القوة:انتي لازم تقفي على رجليك وتقومي على حيلك! انتي فتون السيوفي… اللي عمرك ما حد قدر يكسرك ولا يدوس ليكي علي طرف.

نظرت فتون إليها، ودموعها تتلألأ في عينيها، صوتها يرتجف:خبطتين ورا بعض… قسموا ضهري يا دنيا.

سحبتها دنيا برفق، ونهضت بحسم، كأنها تصوغ القوة داخلهما:لا… إلا انتي يا فتون… إلا انتي… أنا بتسند عليكي يا صحبتي.

مسحت دنيا دموعها عن وجنتها، وهمسة:انتي عارفة إني مليش غيرك… انتي عكازي… لو انتي انهارتي، أنا هموت… فاهمني؟

هزتها برفق، وأكملت بصوت أقوى، مليء بالثقة والحنان:
انتي اللي بتهوني عليا… كل حاجة بتوجعني في الدنيا… لولاكي أنا كنت هموت من عمايل عزيز فيا.

اقتربت دنيا من فتون، ودموعها تتلألأ على خديها، وهمسة بصوت مفعم بالحب والحرص:فوقي يا فتون… انتي عمرك ما ضعفتي… فوقي لنفسك، وابنك، وانكل عبد الرحمن… انتي عارفة قلبه تعبان، ومش هيقدر يتحمل يشوفك كده.

أومأت فتون برأسها، وعيناها تتقدان بتحدي لا يلين، وقالت بصوت جامد:عندك حق… أنا من بكره هنزل، أدور على شقة، أفتحها مكتب محامه… وابن الأسيوطي مصيره هيقع تحت إيدي. وساعتها هطلع عليه القديم والجديد.

ضحكت دنيا بمرح، محاولة تخفيف ثقل الألم عن قلب فتون:وعلي إيه تدوري على شقة؟ أنا عندي أوضة فاضية في المكتب… نفرشها ليكي، ونعمل مكتب ونشتغل سوا.

بللت فتون شفتيها، وهمسة بخفوت: حبيبتي… ربنا يخليكي ليا… بس مش عايزة…

وضعت دنيا يدها على فم فتون، وهتفت بحزم ومرح:
أوعي تكملي… اخس عليكي! إحنا كده برده يا فتون.»

هزت فتون رأسها بالنفي، ودموعها تتساقط بحرقة:
لا يا عمري… انتي أختي طبعًا.

ابتسمت دنيا، وعيناها تلمع بالحب والدعم:يبقى خلاص… من بكره ننزل، نجيب أوضة مكتب… تلاقي بي فتون السيوفي بطلة حياتي.

ابتسمت فتون، وضمّت دنيا بحنان، وهمسة: ربنا يخليكي ليا يا دنيتي.

ربتت دنيا على شعرها بحنان عميق، وقالت:ويخليكي ليا يا قلبي.

ضحكت ياسمين بمرح، مقاطعة اللحظة الحميمية:
إيه ده… وأنا ماليش في الحضن ده ولا إيه؟

ضحكت دنيا وفتون، وأشارت لها أن تنضم إليهم. ركضت ياسمين إليهما، وضمو بعضهم بعضا بحب وود، وغمغمت فتون بمرح وحب:ثلاثي أضواء المسرح!

عالت أصوات ضحكهم في أرجاء الشقة، ممتلئة بالفرح والسعادة، وكأن كل ألم مضى بدأ يذوب بين دفء هذا الحنان المشترك.
………..
في قرية الجبالي

في مساء اليوم التالي، وبينما كانت الشمس تودع جبال الجبالي بوهج أحمر متوهج، توقفت سيارة جابر فوق سن الجبل، ترجل منها هو ومصطفى ويحيي، وأقدامهم تدوس الأرض الصخرية بثبات وهيبة.

اقترب جابر من مجموعة من الرجال، ورفع صوته بحزم ووقار:تسلم إيدكم يا رچالة.

رد أحدهم بصوت غليظ، ممتلئ بالود والاحترام:الله يسلمك يا چابر باشا… الخير على جدوم الوردين… المجبرة انفتحت بعد ما رجلك خطت البلد.

ابتسم جابر ببرود، وغمغم بنبرة قصيرة: تشكر يا شندويلي.

اقترب مصطفى من الرجل، وسأله بخفوت وحرص: حد اندله تحت يا شندويلي؟

هز الرجل رأسه بالنفي، مؤكداً: لا يا بيه… محدش عتبها.

بعد لحظات، توقفت سيارتان جيب سوداء على الطريق، وترجل منها رجال كبار الحجم، كالوحوش الضارية، واقفوا أمام جابر بثبات يفرض الهيبة.

تكلم كبيرهم بصوت غليظ، يملأ المكان: يا مرحب يا چابر بيه.

نظر جابر إليه بعينين حادتين، صامتاً إلا عن همهمة سريعة: أهلاً يا عجرب.

ضحك جودة، بنبرة غليظة مزيجها تحد وفخر: إنت بس اللي هجولي الاسم ده!

أومأ جابر برأسه، رافعاً صوته بنبرة شبه تهكمية: مش إنت اللي اتحدتني… مين فينا يجدر يمسك العجرب الچبلي من غير ما يلدعه؟

ضحك جودة عاليا، ممتلئا بالخشونة والفخر: جلبك جاد طول عمرك يا چابر!

ضحك يحيي من جانبه، وأضاف بنبرة ساخرة: چابر جلبة ميت طول عمره!

اقترب جابر من طلبة

وحاوط عنقه بيديه كالأصفاد الحديدية، وهدر بصوت عميق، يلف المكان كالفحيح:
بس أنا عاتب عليك يا راچل!

نظر له جودة وقطب حاجبه، متسائلاً: ليه يا ولد عمي؟

ضغط جابر على عنق طلبة بقوة شديدة، فابتلع الأخير لعابه بصعوبة وارتجف من الرعب، وهمس بارتباك: أنا مليش صالح يا بيه… هو هو هددني وكان هيجتل عيالي، وهم ملهمش ذنب!

أضاء الشرر في عيني جودة بنيران قاسية، وأخرج سلاحه وأشهره في وجه طلبة، وهدر:عملتها يا ولد الغدار… يا واكل ناسك!

صرخ طلبة برعب، محاولاً الدفاع عن نفسه: استني واسمعني… أنا…

خرجت طلقة من السلاح، واستقرت في قلبه، فسقط أرضا غارقا في دمائه، بينما بقي المكان ساكنًا إلا من وقع الدم على التراب.

نظر جابر ببرود، وهمس بنبرة قاسية: الديابة هتتعشى… وهيدعولك ، يا عجرب.»

هز جودة رأسه بيأس، وقال بهدوء مقبول: أو يدعو عليا… أكيد لحمه مر.

ضحك يحيي من جانبه، وأضاف بنبرة ساخرة:يعني نعملهم جنبوا سلطة… يلا يا بوي… نشوف شغلنا النهار، هيطلع علينا!

تحرك مصطفى سريعًا، وصرخ : تنين… بس ينزلوا المقبرة… عشان مهاويه ممكن تطربج علينا في أي وقت!

بدأ الرجال بالنزول إلى المقبرة، بينما اقترب جودة من السيارة، وسحب ثلاث حقائب كبيرة الحجم، أنزلها على الأرض وفتحها واحدة تلو الأخرى، وصرخ: المال اللي اتفجنا عليه يا واد عمي!

أومأ جابر ويحيي لرجالهما، وحمل الرجال الحقائب إلى السيارة. ثم هتف جابر بنبرة غليظة وحادة: غربل رچالتك يا عجرب… اللي حصل دلوق أول وآخر مرة… المرة الچاية بموتك أنت!

أومأ جودة برأسه:عداك العيب يا واد عمي.

تحرك جابر نحو السيارة، وقال: وعيلة الدشناوي… أنا هتصرف معاهم.

صعد جابر إلى السيارة، وأشار إلى مصطفى: يلا يا مصطفي.

اقترب مصطفى وقال بحزم: هخلص مع الرچالة… واحصلكم.

أومأ جابر برأسه، وأضاف بنبرة تحذير:خد بالك… والرچالة حواليك.

انطلقت السيارة بقوة، خلفها غبار كثيف يحمل بين طياته الغدر والدم، في مشهد يعكس صرامة جابر وهيبته المطلقة.
……….
جناح جابر وهدي

جلس جابر على الشرفة يحدق في الأفق، سجارة مشتعلة بين أصابعه، والدخان ينساب ببطء في الهواء، يرافقه همس الريح بين الجدران القديمة للمنزل.

دخلت هدي حاملة فنجان قهوة، وضعته على الطاولة برفق، وقالت بابتسامة هادئة: الجهوة يا چابر.

أومأ جابر برأسه، دون أن يرفع نظره عنها، وقال بصوت مختصر: ماشي.

قطبت هدي حاجبيها بفضول: مالك يا چابر… شايل الهم ليه؟

نظر لها جابر بعينين متعبتين لكنه مطمئنة، وأجاب بهدوء: مفيش يا هدي… جلجان على مصطفى بس.

قبل أن يكمل كلامه، لفت انتباهه صوت محرك سيارة مصطفى عند بوابة القصر. نهض جابر بسرعة، وابتسم وهتف: خلاص يا أخوي!

رفع مصطفى رأسه من السيارة وتمتم مبتسمًا: كله تمام يا حبيبي.

أومأ جابر برأسه، وابتسامة خفيفة تزين وجهه: عاش يا أخوي… روحي ريح جتتك.

دخل مصطفى إلى الداخل، وهو يرفع صوته مرحبًا: تصبح على خير يا حبيبي.

أومأ جابر وغمغم بهدوء: وأنت من أهله.

زفر جابر دخان سجارته ببطء، ورفع نظره من الشرفة حيث تتطلع هدي إليه، وعيناها تحملان مزيجا من القلق والفضول.

قالت هدي: اطمنت على مصطفى… مالك عاد؟

نظر لها جابر بدهشة، وأجاب بصوت هادئ لكنه متوتر قليلًا: مالي يا هدي… أنا زين، أهو.

نهضت هدي واقتربت منه، وفحصت ملامحه بعينين متأملتين: في حاچة متغيرة… وانا خابرك زين يا ولد خالي… داحنا متربين في حضن نچمه ولا نسيت؟

ابتسم جابر ببرود، محاولًا أن يخفف من توتره:
أنا والله ما خابر… إيه اللي بيا… بس مش مرتاح يا هدي… كأنه شيء مجطوع مني … نفسي مش داخل صدري.

رفعت هدي حاجبها بدهشة، همسه بنبرة فضولية ممزوجة بالحنان: عشجان يا چابر؟

نظر لها جابر، ورفع حاجبه بدهشة مماثلة، وهمس بغموض: كنك اتخوتي… عشج إيه يا هدي؟ هو أنا عيل جدامك؟

ضحكت هدي بغلبة وغمغمت بنبرة مشوبة بالمرح والجدية: ليه يا چابر… متى كان العشج بالسن ديه… شيء كيف المرض ملهوش كبير ولا صغير.

لو جابر نظر لها بحنق، رد ببرود وقوة: إلا چابر الأسيوطي… أنا جلبي ميت أصلاً يا هدي.

نظرت لها هدي بدهشة، وقطع اللحظة فجأة صوت رنين الهاتف. اقترب جابر من الهاتف، وسحبه ببطء، وقال:
خير يا وش السعد؟

همس عزيز بنبرة مشحونة بالنزق:خبرين… واحد وحش، والتاني… مش عارف بصراحة.

قلب جابر عينيه بملل، وهتف بسخرية خافتة: وإيه الجديد يا جولي… خلصني.

زفر عزيز بغضب، وواصل: كنت سهران في مكان كده، وشفت… الحيوان مدحت السكري…

قطب جابر حاجبيه ببطء، ومضى في تمتمة متحفظة:
وبعدين؟

أكمل عزيز بصوت خافت محاولًا السيطرة على توتره:
الحيوان ده ناوي على فتون… بنية سوداء، بس مش عارف هيعمل إيه بالظبط.

اشتعل جسد جابر كبركان غاضب، وكأن قلبه يتمزق داخل صدره… وهدر بصوت كالرعد: ديه لو حتى لمس ذرة تراب من تحت رچل فتون…

هخلي اللي يشوفه يحتار… وحش ولا بني آدم اللي نهشه جتته!!

رفع عزيز حاجبه بدهشة وهمس محاولًا التهدئة:
إيه ده… في إيه؟ مالك يا جابر… اهدي… مش كده.

اقتربت هدي بخوف، تحدق في وجهه بدهشة، حدق بها جابر بنزق وهدر : مالك أنتي كمان؟!

قفزت هدي متراجعة للخلف بسرعة، والهواء يتكهرب من شدة التوتر، وهتف جابر صارخا: كمل يا غراب البين… أنت كمان!

كتم عزيز ضحكته بصعوبة، وأوضح: والأستاذ إبراهيم… مدير الشؤون القانونية…

نظر له جابر بحنق، وغمغم بحدة: ماله دي كمان؟!

أكمل عزيز بصوت حزين: الله يرحمه… توفي النهارده.

رفع جابر حاجبه ببطء، وهمس: الله يرحمه… مات في وجته.

ضحك عزيز بصوت متردد: يعني إيه؟

ابتسم جابر بتحدي بارد، وهتف لما اشوفك هجولك

وووووووووووووو

ساحره القلم ساره احمد

4 70 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
85 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
ضيف
ضيف
6 أيام

تحفه كاالعاده🥰🥰

Bata
Bata
6 أيام

جااااااامد جدا

Abaar Zamzam
Abaar Zamzam
6 أيام

الابداع ف ابهي صوره حرفيا
تسلم ايدكي مبدعة ي سوا 🤍🤍🤍🤍🤍🤍

محمد عمرو
محمد عمرو
6 أيام

جميييل جدا تسلم ايدك يا قمر

ضيف
ضيف
6 أيام

تحفه

ضيف
ضيف
6 أيام

خطير يقلبي بجد

ضيف
ضيف
6 أيام

روعه تسلم ايدك حبيبتي

nw281920@gmail.com
nw281920@gmail.com
6 أيام

تسلم ايدك

ضيف
ضيف
6 أيام

تحفة

هبه الجبالي
هبه الجبالي
6 أيام

روعة

ضيف
ضيف
6 أيام

تسلم ايدك حبيبتي مبدعه ياسرسورتي💐

Imen kraoua
Imen kraoua
6 أيام

جابر الأسيوطي و فتنته 🥹♥️ دول العشق

ضيف
ضيف
6 أيام

روعة بجد تسلم ايديكي

Nabila Ahmad
Nabila Ahmad
6 أيام

تسلم ايدك وعيونك ياسارة البارت تحفة كالعادة

ضيف
ضيف
6 أيام

ابداع تسلم ايدك يا قلبى

ضيف
ضيف
6 أيام

تحفه

Karelia ali
Karelia ali
6 أيام

روعة

ضيف
ضيف
6 أيام

تسلم ايدك البارت تحفة

ضيف
ضيف
6 أيام

رائعة تسلم ايدك مبدعة

ام ماجده
ام ماجده
6 أيام

جميله اوي اوي

ضيف
ضيف
6 أيام

كالعاده البارت روعه تسلم ايدك

ضيف
ضيف
6 أيام

روعه

ضيف
ضيف
6 أيام

جميله اوووي

ضيف
ضيف
6 أيام

تحفة 🥰

ضيف
ضيف
6 أيام

خسارة انه جابر متجوز لو كان مش متجوز او متجوز واحدة زي نعمة كنا فرحنا بيه هو وفتون بس هدي صعبانة عليا بس بجد تحفة تسلم ايدك

ال رحاب
ال رحاب
6 أيام

جميلة جدا ❤️❤️

Samar
Samar
6 أيام

تسلم ايدك ♥️

ضيف
ضيف
6 أيام

يالهوي علي الجمال والحلاوة البارت تحفة

ضيف
ضيف
6 أيام

تحفه فنيه

Marwa
Marwa
6 أيام

البارت تحفة كالعادة تسلم ايدك ياقمر

ضيف
ضيف
6 أيام

تسلم ايدك

ضيف
ضيف
6 أيام

تحفه تسلم ايدك

Lamia
Lamia
6 أيام

الله عليكي يا سو👏👏👏👏❤️❤️❤️

ضيف
ضيف
6 أيام

تسلم الايادي ياقلبي

ام علي
ام علي
6 أيام

روووووعه

ضيف
ضيف
6 أيام

تسلم الايادي

ضيف
ضيف
6 أيام

مدير الشئون القانونيه الجديد فتون

Howida
Howida
6 أيام

الفصل جميل بس فتون صعبانه عليا

اسماء عطيه
اسماء عطيه
6 أيام

رائع جدا تسلم ايدك

غيداء
غيداء
6 أيام

رووووعه روووعه سلمت يداكي

ضيف
ضيف
6 أيام

جااااامد

nw281920@gmail.com
nw281920@gmail.com
6 أيام

اكيد هيعرض علي فتون تشتغل معاه مديره الشؤن القانونيه

ضيف
ضيف
6 أيام

الفصل روعه جامد جدا تسلم ايديكي يا سوسو 💞💖❤️

ضيف
ضيف
6 أيام

الروايه جامده

مريم بشرى
مريم بشرى
6 أيام

تسلم ايدك روعه 💖💖💖💖💖💖

ضيف
ضيف
6 أيام

روعه روعه روعه تسلم ايديك

Rbab Ahmed
Rbab Ahmed
6 أيام

رهيب جابر ده

ضيف
ضيف
5 أيام

تحفة❤️

ضيف
ضيف
5 أيام

عشقان ياجابر ❤️

عمر مصطفى
عمر مصطفى
5 أيام

تسلم ايدك حبيبتي تحفة بجد