فتنه في عرين الجابر(الفصل العاشر)
البارت العاشر
في مكتب دنيا السمري، ساد الصمت الرتيب الذي لا يقطعه سوى نقرات لوحة المفاتيح وحفيف الأوراق. فجأة، انفتح الباب بقوة ودلف مدحت بخطوات واثقة تحمل في طياتها غطرسة مألوفة. تقدم نحو السكرتيرة، وخرج صوته غامضا متثاقلًا: الأستاذة فتون السيوفي.”
رفعت السكرتيرة رأسها نحوه، وهزت رأسها نافية وهي تجيب بهدوء: مش موجودة النهارده يا فندم.”
انعقد حاجبه بدهشة سريعة، ثم سأل ببرود: هي مش مكتبها هنا؟”
أومأت برأسها وأجابت: أيوه، لكن مجتش النهارده.”
ضاقت عيناه بتفكير متحفز، وتمتم بصوت خفيض: والأستاذة دنيا؟”
أشارت له السكرتيرة نحو الداخل: موجودة يا فندم.”
قال بلهجة باردة مقتضبة: عايز أقابلها.”
ابتسمت السكرتيرة ابتسامة عملية وأجابت: اتفضل حضرتك لحد ما اللي جوه يخرج.”
لكن مدحت لم يعرها وزن، بل أطلق ابتسامة لازجة وهو يتجه مباشرة نحو باب المكتب، وغمغم بنبرة استعلاء: إنتي متعرفنيش… مدحت السكري مش بيستنى حد يا ماما، أنا هدخل حالًا.”
انتفضت السكرتيرة واقفة لتقطع طريقه، رفعت يدها محاولة منعه: يا فندم مينفعش كده، في عميل جوه.”
دفعها بحدة وهتف بازدراء: إنتي اتهبلتي؟ إزاي تقفي قدامي كده!”
في اللحظة نفسها، انفتح الباب وظهرت دنيا ، ملامحها متجهمة وهتفت بصوت يحمل حنقا واضحا: إيه ده؟ إيه اللي بيحصل؟”
التفت إليها مدحت بعصبية، مشيرًا إلى السكرتيرة: البتاعه دي رافضة تدخلني!”
اشتعلت ملامح السكرتيرة غضبا، ورفعت يدها مستنكرة: إيه بتاعه دي يا فندم؟ أنا قلت لحضرتك…”
لكن دنيا أشارت لها بالهدوء ثم التفتت إلى مدحت وهتفت بصرامة: أولًا، أنا مسمحلكش تغلط في حد بيشتغل معايا… وثانيًا، أكيد مني قالتلك إن عندي عميل، وإنك تتفضل تستنى دورك.”
هتفت دنيا وهي تنظر إلي مدحت ببرود ساخر: صح يا مني؟”
أومأت مني برأسها، عيناها تقدحان شررًا وهي ترد بحزم:
بالظبط يا أستاذة.”
ضحك مدحت ضحكة صاخبة مستفزة:لا بجد أنا أستنى؟ طيب… السكرتيرة جهلة ومتعرفش أنا مين. وإنتي يا دنيا…”
رفعت دنيا رأسها، صوتها يقطر فتورًا:والله اللي أنا أعرفه إنك مجرد شخص جاي عشان محتاج خدمة، يبقى يطلبها بأدب. ده لو حضرتك زي كل الناس المحترمة اللي موجودة.”
اقترب منها مدحت خطوة، نظراته يكسوها عبث صريح:
لا، ما أنا مش محترم… وإنتي عارفة. وأنا أصلًا مش جاي عشانك. أنا جاي عشان فتون.”
انعقدت ملامح دنيا بامتعاض، وردت ببرود وهي تحول عينيها بعيدًا:عارفة… وفتون مجتش النهارده.”
مال برأسه قليلًا، صوته يتسرب بخفوت مستفز: ليه؟”
لوت دنيا شفتيها وقالت بفتور قاتل: معرفش.”
أومأ مدحت ببطء، وبنبرة باردة قاطعة قال: ماشي يا دندن… سلام.”
استدار وغادر المكتب بخطوات ثابتة، تاركا وراءه صمتًا ثقيلًا ووجوها متوترة. تمتمت دنيا بين أسنانها، الحنق يقطر من كلماتها: يخرب بيت برودك.”
في الخارج…
انفتح باب المصعد بخفوت، وخرج منه عزيز بخطوات متأنية، ليفاجأ أمامه بوجه مدحت الذي وقف متربصا كمن يبحث عن فريسة. عقد عزيز حاجبيه بدهشة عابرة، وصوته خرج حادًا: بتعمل إيه هنا؟”
أشار مدحت نحوه بلا مبالاة مصطنعة وقال:كنت جاي أشوف فتون.”
ارتسمت ابتسامة خبيثة على وجه عزيز، وضحكة قصيرة أفلتت من بين شفتيه قبل أن يغمغم بسخرية مبطنة:
إيه ده؟ انت متعرفش؟”
حدق به مدحت بريبة،وتمتم بنبرة مشدودة:
أعرف إيه؟”
زاد عزيز من ابتسامته الشامتة، وترك كلماته تتساقط عليه كسهام مسمومة: فتون استلمت شغلها… في شركة الأسيوطي للهندسة.”
رصد عزيز التحول المريع في ملامح مدحت، من دهشة جامدة إلى غضب عارم يتفجر في عينيه. فزاد الطين بلة وهو يضيف، كمن يتعمد إشعال النار: شركة جابر الأسيوطي.”
لم يتمالك مدحت نفسه، قبض على ياقة عزيز بعنف، صوته يهدر كالرعد: إنت بتقول إيه؟”
لكن عزيز لم يفقد ابتسامته المستفزة، بل أطلق ضحكة قصيرة وهمس بخبث: مش هزعل منك… عارفها صدمة عليك. وانت عارف كمان إنك عمرك ما هتقدر تقرب منها طول ما هي تحت جناح الأسيوطي.”
دفعه مدحت بعنف، عيناه تتوهجان بجنون التملك:
محدش يقدر يقرب منها طول ما أنا عايش. فتون بتاعتي… وهتفضل بتاعتي، انت فاهم؟”
رفع مدحت إصبعه بتحذير ساخر، صوته يقطر استهزاءً:
أنا عارف إن جابر الأسيوطي ولي نعمتك… بس أنا وراه وراه، لحد ما أوقعه. وفتون… هتدفع تمن إنها طلعت يحيى الجبالي وبوظت القضية… غالي أوي.”
ارتفع حاجب عزيز بدهشة مصطنعة وهتف:
ومين بقى اللي هيدفعها؟”
نظر عزيز له باستخفاف، عيناه تلمعان بالوعيد: انت يا مدحت… وقدام مين؟ جابر الأسيوطي؟ يا شيخ قول كلام غير ده.”
أومأ مدحت برأسه بثبات، وابتسامة باردة ترتسم على شفتيه:بكره تشوف. عايزك تتفرج وتتعلم… لما مدحت السكري يحط حد في دماغه. ربنا يكيفك شر دماغي… السم.”
قهقه عزيز بصوت مستفز، همس ساخرا: آمين.”
ثم استدار عزيز بخطوات هادي الي المكتب ، بينما ظل مدحت يقف ، عيناه تقدحان نار ، والغليان يتصاعد داخله كسيل لا يعرف سدا.
…………
في مخزن أبو العينين،
خيم الظلام على الجدران القديمة، وأصبحت زواياه وكأنها مسرح للانتقام. دلف أحد رجاله، ورأسه مائل باحترام: أوامرك يا كبير؟
أشار أبو العينين بيده، وعيناه تتقدان حقدا دفين:
جيتك من بره… العملية دي محدش ينفذها غيرك يا عارف.
جلس عارف أمامه بهدوء، وجهه لا يظهر عليه شيء سوى الجدية، وهمس:أوامر يا كبير… اللي تأمر بيه هيتنفذ فورًا.
أخرج أبو العينين من جيبه صورتين، واحدة لمدحت، والأخرى لزياد، وأعطاهم لعرف بصوت مخنوق بالغضب:
شايف الخو*… ده.
نظر عارف إلى الصورة، عيناه تتأملانها بتمعن، وسأل ببرود:مالو ده زعلك في إيه يا كبير؟
أغمض أبو العينين عينيه بقهر، وصوته يقطر بالانتقام:
كان السبب في موت بنتي الوحيدة.
ارتفع حاجب عارف بدهشة وغضب، وصاح:فراولة ماتت؟
أومأ أبو العينين برأسه بثقل:أيوه… وهو اللي غدر بيها ومرمغ راسي في الطين.
سحب عارف نفسا عميقا من سيجارته، وأطلق الدخان في الهواء، ثم صرخ بغضب: اقري على روحه الفاتحة من دلوقتي يا كبير.
هز أبو العينين رأسه ببطء، وحدق في الفراغ، وهدر بصوت منخفض ومشحون بالتهديد: روحه اللي في جتته… متهمش… لكن روحه اللي في الصورة التانيه اهم … لازم أعاقبه قبل ما أشرب من دمه، وأحرق قلبه علي ابنه.
تطلع عارف إلى الصورة الأخرى، صوته صار جليا مشحونًا بالعنف: ده ابنه؟
أومأ أبو العينين برأسه، عينيه تتلألأ بالشرر:أيوه… هو ده اللي لازم أعاقبه بيه … وأول ما ييجي وقت التنفيذ، هيتعلم معنى الانتقام.
ابتسم عارف ابتسامة قاتلة، أظافر يديه تشد على طرف الطاولة، وقال: اعتبره حصل يا كبير.
أشار أبو العينين بيده بحسم، عيوناه تلمعان بالسواد والحمرة: خليه تحت عينك… لحد ما أقولك تنفذ إمتى.
أومأ عارف برأسه بامتثال صارم: أوامرك يا كبير.
جلس أبو العينين، وجهه أسود من الحقد، وقلبه يغلي بالغضب، كأن الظلام في المخزن لم يزد سوى قوة لروحه التي تتغذى على الانتقام، مستعدة لتشعل النار في أي قلب يقف في طريقها.
……..
في مكتب فتون السيوفي
ارتجفت أناملها وهي تمسح على وجهها، تحاول أن تثبت ملامحها المرتعشة أمام فراغ الغرفة…
الهواء صار أثقل من قدرتها على التنفس، وصدرها يعلو ويهبط باضطراب كأنها خارجة من معركة غير متكافئة…
أغمضت عينيها، تضغط على شفتيها المرتجفتين لتكتم صدى قبلاته التي ما زالت تسري في دمها كنار لا تنطفئ.
مدت يدها إلى كوب الماء المرتعش على المكتب، شربت جرعة واحدة علها تطفئ الحريق المشتعل في أعماقها، لكن ارتجاف أصابعها فضح ضعفها أكثر.
رن هاتفها فجأة، فقفز قلبها في صدرها كطائر مذعور. التقطته بسرعة وهي تلتقط أنفاسها، لتظهر على الشاشة: ياسمين.
ردت بصوت خافت : ألو…
جاء صوت ياسمين مرحا في البداية : فتووون! انتي فين؟ روحت مكتب دنيا ملقتكيش… قلت هتكوني عندها.
ترددت فتون لحظة، وابتلعت لعابها بصعوبة، ثم قالت بصوت فيه لمحة ارتجاف حاولت أن تخفيها: لأ… أنا… أنا استلمت شغلي النهارده في شركة الأسيوطي.
ساد صمت قصير على الطرف الآخر، ثم انطلق صوت ياسمين بحدة وقلق:شركة الأسيوطي!؟ فتون إيه اللي وداكي هناك؟ وبعدين… مالك؟ صوتك مش مريحني.
أغمضت فتون عينيها وحاولت أن تثبت نبرة صوتها، لتبدو واثقة رغم ارتجاف قلبها: مفيش يا ياسمين… صدقيني، أنا كويسة. يمكن بس تعبانة من أول يوم شغل.
لكن ياسمين لم تقتنع، وقلقها تسلل في صوتها: لأ… في حاجة. أنا حاسة إن في حاجة… فتون، أنا جايلك دلوقتي.
اتسعت عينا فتون بدهشة، رفعت رأسها وقالت بارتباك: جاية هنا؟ في الشركة؟ مش… مش خايفة؟
جاء رد ياسمين ما بين الهزار والجدية، بنبرة فيها دفء الألفة:خايفة آه… بس أجيلك حتى لو في النار.
أغلقت الخط قبل أن تتيح لفتون الاعتراض، بينما كانت الأخيرة تحدق في الهاتف بدهشة، نصف مرتاحة ونصف خائفة مما قد يجره قدوم ياسمين إلى عرين جابر الأسيوطي.
وفي الجانب الآخر، كانت ياسمين تُغلق باب بيتها خلفها بسرعة، تلوح بيدها لتوقف تاكسي أول الشارع، وتجلس داخله بعجلة، قلبها يخفق بقلق حقيقي وهي تعطي السائق عنوان شركة الأسيوطي.
……….
في قصر الجبالي،
دخلت بشاير وهي تتخبط بغضب، والشرر يتطاير من عينيها، وألقت بوشاحها الثقيل على الأرض بصوت كالرعد، وصاحت بنزق حارق: لو كنت ربت حنش كان تمرت ربايتي فيه يا ولد حشايه!
نهض مصطفى من مكانه، ونظر لها بعينين تتقدان نارًا، وغمغم بصوت منخفض لكنه مشحون بالتحذير: ليه يما… كل ما تنضريني تبكتيني… ليه؟ أنا بدي اعرف!
ضربت كفيها على ساقيها بحنق، وغمغمت بصوت مختنق بالكره: بدك أخبرك؟ حاضر… عشان انت ولد أبوك وچدك، مش ولدي، وجفت جدام جدك وولد خالك اللي جلوبهم محروجة على زينة الشباب اللي غدروا بيه… كنك شمتان يا ولد الچبالي، عينك مهتهابش… الموت واصل.
اقترب منها مصطفى، ونظراته تحرق من غضبها، وقال:
عيني مهتهابش شي إلا اللي خلجها يما… لو كنتي ربتيني بجلبك جبل يدك كنت بجيتي خابره ولدك زين.
صفعت كفها على صدره، وهدرت بحقد دفين:
غسلت يدي منك يا مصطفى… من النهارده ملكش عندي… كنك مش مني… كان لازم أعرف إن دمك منيهم مهتعضش فيهم… مهما كسيتك من عمري.
نظر لها بدهشة وغضب ممزوج، وهدر: وليه بدك اكل اللي مني يما… ليه عشمانه تشوفيها خربانة… ليه بدك احرجك اللي مني؟ … أخزي شطانك يما… النار لو جادت هتطول الكل، ومحدش هيطلع منيها سليم، واصل!
اقتربت منه، وعيونها تشع حقدا وسواد، وغمغمت:
جولي… مين اللي جتل ولد خالك؟ وأنا هجيد النار فيه… هو بس… ويسلم الكل… جولي… لو كنت صوح ولدي، أشري بعنيك وانا هفهم طوالي.
اقترب منه أكثر ، وهز رأسها، وعيناها تلمعان بخبث، وهمسة بصوت شيطاني: جول… يا حبت عين أمك… چابر ميش إكده… انت خابر… لو چابر مات كل شي والمال كله، هيبجي ليك وحدك… وتبجي سيدهم كله.
نظر لها بدهشة مخلوط بالغضب، وهدر:خابره يما… لو ضافر أخوي… بس اتمس بشين… أنا مش هجولك… هحرج ولا أجتل… ولا حتي أخلي حچر على حچر ف الدنيا ديه!
ربتت بشاير على صدره، وغمغمت بخبث: ملهوش عازه حديتك ديه… أنا بدي مصلحتك يا ولدي… جلب الجول ف عجلك.
سحب يدها بعنف، وهدر بغضب مكتوم: تغور المصلحة… اللي تعكر بحور اللبن بيني وبين أخوي… جولك معداش على ودني… واصل يما!
ضحكت بشاير بتهكم، وغمغمت بفحيح كالافعى: لساتك عجلك في جلبك… من يوم ما أبوك هملنا واتچوز… چبلك اللي يشاركك في ملكك وحبر البحور بالغدر… يا ولد مختار!
هز رأسه بالنفي، وهمس بحدة: انتي اللي جلبك ردي، يما… وبدك تحبري أيامنا اللي چابه… لچمي شرك يما، انتي أول من هيطوله غلك… هيسممك لو بلعتي ريجك!
انطلقت كلماته بنزق، وتحرك مصطفى من أمامه، تاركًا إياها تتأمل أثاره بغضب حارق، وهمسة لنفسها:
ياريتني فطسك تحتي يا ولد حشايه… كنت أحسبك سند، طلعت غصن مايل وغدار… كيف نسلك!
………
في شركه الاسيوطي
ارتفع صخب الشركة من حولها، لكن ياسمين لم تكن تسمع شيئًا سوى دقات قلبها وهي تعبر البهو الفخم…
ترددت خطواتها على الأرض الرخامية الثقيلة، وفي عينيها بريق قلق على فتون، يختلط بحذر غريب من المكان.
عند المصعد، توقفت، تلتقط أنفاسها وتضغط على الزر. وفي اللحظة نفسها، تقدم رجل بملامح صلبة، قامة عريضة، وخطوات يملؤها ثقل الأرض…
كان حضوره كافياً ليرهب المكان من حوله، وعيناه الداكنتان لا تعرفان الانكسار…
وقع بصره عليها للحظة… فتبدل كل شيء.
فتاه غريبة، ملامحها ناعمة حد الوجع، قوامها يفيض أنوثة رغم محاولتها أن تخفي ارتباكها…
ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة، ابتسامة رجل يعرف جيدًا كيف يصطاد بنظرة واحدة.
اقترب بثقة ووقف بجوارها، ونظر إليها جانبيًا، ثم قال بصوته العميق المجلجل: شكلك مستعچلة… بس شكلنا طريجنا واحد.
رفعت ياسمين عينيها بخجل، نظرة خاطفة سرعان ما هربت منها، ثم قالت بخفوت مرتبك: أيوه… يمكن.
انفتح باب المصعد، دخلا معًا. وبدأ المصعد بالصعود ويحيي يتأملها بعينين تلمع بالخبث ساد الصمت ثقيلًا، حتى ارتج المصعد فجأة وتوقف.. انطفأت الأضواء للحظة، فشهقت ياسمين وتشبثت بذراعه رغما عنها وأصابعها ترتجف بعنف.
ابتسم يحيى، ونظر إليها من أعلى إلى أسفل بعين رجل لا يعرف الخوف، ثم همس بجرأة وصوت رجولي مطمئن:
امسكيني چامد… ما تخافيش،
رفعت رأسها بارتباك، والتقت عيناها المذعورتان بعينيه الواثقتين، فارتبكت أكثر… حاولت أن تترك ذراعه، لكن يدها لم تطاوعها.
أمال رأسه إليها، اقترب منها حتى صارت أنفاسه تلامس وجهها، وقال بابتسامة جانبية ساخرة:جوليلي… إنتي بتخافي من الضلمة ولا من الحبس؟
ـ
ردت بصوت خافت، يحمل رجفة لم تستطع إخفاءها: من الاتنين، يمكن…
ضحك بخفة، رجولة صافية تفيض من نبرته وقال : أهو إكده تمام… عرفت سر ضعفك.. بس اسمعيها مني لو اتشعلكتي في رجبتي اكتر … ولا ضلمة تخوفك ولا حبسه تجدر عليكي.
تشيثت به بقوه وهتفت بنحيب: طيب اتصرف خلينا نطلع من هنا ارجوك !!
اوما برأسه وأخرج هاتفه، اتصل بجابر وغمغم : چابر… المحروج ديه وجف بيا ومعايا ضيفة… إحنا عند الدور التاني. خلي ولد المركوب ديه يشغلوا المخروب ديه !!
أغلق الهاتف، عاد بعينيه إليها. لم يفلت يدها، بل زاد من ضغط كفه حولها، كأنه يثبت لها أن الحماية لا تحتاج وعودا… بل قبضة حقيقية وغمغم : انتي اسمك ايه يا حلوه
ترددت لحظة، ثم قالت بخفوت:ياسمين.
كرر الاسم ببطء، صوته يقطع الحروف كمن يملكها ياسـمين… اسم يليج على اللي كيفك..
همسة بارتباك، وحاجبها معقودان في محاولة للتماسك:
يعني إيه اللي كيفي ؟
ابتسم يحيى وهو يحدق في ملامحها دون مواربة: عنديكي حاچة نادرة… عيون طفلة، بس شفايف ست. خلطه تخلي أي راجل يضيع وهو بيبصلك.
احمر وجهها، ابتلعت لعابها بعصبية، وحاولت تزيح يدها من قبضته وهتفت : إنت بتتكلم كده ليه؟ إحنا أصلاً ما نعرفش بعض.
اقترب أكثر، صوته انخفض حتى صار كأنه وعد غامض:
غريبة جوي… مع إن إحساسي بيجول إني عارفك من زمان.
انقطعت أنفاسها للحظة، لا تعرف أهو تأثير كلماته أم نظراته التي لا تترك موضعًا في ملامحها إلا وأحاطته بجرأة مزلزلة.
وفجأة، انفتح باب المصعد، وانسكب الضوء. أفلتت يده بسرعة، كأنها تستعيد اتزانها المفقود، لكن قلبها كان يفضح ارتجافه.
وقبل أن تخرج، مال بجسده إليها، صوته العميق يسبقها كصفعة حنونة: على فكرة… الخوف بيخلي عيونك أچمل. بس أنا متأكد … إنتي لسه مش عايزة تفلتيني.
تسمرت مكانها، وحدقت فيه لحظة بدهشة وارتباك، قبل أن تدير وجهها وتخرج بخطوات سريعة، تحاول أن تهرب من أثر صوته وابتسامته… لكن أثره كان قد استوطنها بالفعل.
أما يحيى، فقد اكتفى بابتسامة واثقة، عينيه تلمعان بنار اكتشاف جديد، كأنه عثر للتو على فريسة لا ينوي تركها تفلت أبدًا.
انفتح باب المصعد علي أخره ، فتدافع منه هواء ثقيل، ثم خرجت ياسمين بسرعة كأنها تهرب من قفص مغلق
كانت فتون واقفة في البهو، عيناها تفضحان قلقا يفيض من أعماقها، وكأنهما نافذتان تطلان على قلب مضطرب. لم تكد ياسمين تلمحها حتى ألقت بنفسها بين ذراعيها، صوتها يرتجف كالوتر الممزق: فتووون… كنت هموت جوا.”
شدتها فتون إلى صدرها بقوة، عيناها تلمعان بصدق قلق، كأنها تريد أن تحتضنها من العالم كله: إنتي كويسة يا ياسو؟ اتخضيتي؟”
أومأت ياسمين برأسها سريعًا، شفتاها ارتسمت عليهما ابتسامة مرتبكة وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة: أنا كويسة… والله لولا أبو عيون حلوة ده، كنت اتشليت من الرعب.”
تصلبت قدما فتون في الأرض، عيناها اتسعتا بدهشة، وهمسة بصوت حاد يكاد يسمع: سو… اسكتي! ده لسه واقف وراكي.”
براءة مذعورة ارتسمت على ملامح ياسمين وهي تستدير ببطء… وهناك، كان يحيى الجبالي. لم يبرح مكانه، واقفًا بثبات، ظهره مسنود بخفة إلى الحائط، ابتسامة واثقة تتدلى على شفتيه، وعينان تلمعان بمزيج غريب من العبث والتيقظ.
اندفع الدم في وجه ياسمين كالسيل، حرارة اجتاحت جسدها حتى خيل إليها أن الأرض تهتز تحت قدميها. غطت وجهها بكفيها، والهمس يتسرب من بين أصابعها المرتعشة:يلهوي يا فتون !!
ضحكة جابر الجهورية دوت في المكان، صاخبة، كأنها تسخر من ضعفها وتزيد من ارتباكها… رفعت فتون عينيها إليه بحدة، غمغمت وهي تغلي: وقح.”
وانفجر يحيى هو الآخر ضاحكًا، لكن ضحكه كان مختلفًا؛ بطيئا، رجوليا، كأن اللحظة كلها لعبة في قبضته. غمغم بصوت عميق هادر: أبو عيون حلوة؟!… دي شهادة غالية يا جمر، وهعيش بيها العمر كله.”
الحرج اشتعل في وجنتي ياسمين أكثر، فالتفتت مبتعدة بوجهها سريعًا ناحية فتون التي كادت تنفجر ضحكًا، لكنها كانت تحاول أن تكتمه بكفها، ووجنتاها متوردتان بين الحرج والسخرية.
أما يحيى، فاكتفى بابتسامة طويلة، عيناه مثبتتان عليها نظرة واثقة صريحة تقول إنها بداية وليست نهاية.
مدت فتون يدها، ربتت على ظهر ياسمين برفق، تحاول أن تبث في روحها بعض الطمأنينة، وهمسة بحنان:
تعالي حبيبتي عـ…”
لكن الكلمة لم تكتمل؛ إذ هوت قبضة فولاذية فجأة على ذراعها، قبضة أشبه بكماشة حديدية جذبتها بعنف خاطف. وصوت غاضب، هادر كالبركان، مزق سكون اللحظة:انتي اتجننتي؟ بتعملي إيه هنا يا فتون!”
شهقت فتون بقوة، الألم يعصف بذراعها، حاولت أن تدفعه بعيدًا وصرخت بحدة: انت اتهبلت! وانت مالك!”
لم يحتمل جابر المشهد، تحرك بخطوات غاضبة كالعاصفة، وقبض على ذراع فتون ليسحبها منه، فشهقت بألم مضاعف…
لكن مدحت لم يتركها، تمسّك بها كمن يتشبث بحقه المزعوم، وصاح غاضبًا: نزل إيدك يا جابر من عليها! فتون تخصني!”
ارتفع صوت فتون بالنفاد والاشمئزاز: أخصك انت؟!”
قطعها جابر بصوت كالرعد، مزلزلًا المكان : تخصك؟ ده في أحلامك يا ولد السكري! فتون من النهارده تحت حماية جابر الأسيوطي… وفي حضني.”
شدها إلى صدره بغلظة، وطوقها بذراعيه كدرع من نار. شهقت فتون، كفيها ارتجفتا على صدره تحاول دفعه بعيدًا، وهي تلهث بغضب مضطرب وغمغمت : جابر بيه… أنا مش محتاجة حماية! أنا قادرة أحمي نفسي!”
لم يتركها مدحت، مد يده بعنف لينتزعها من بين ذراعي جابر، وصوته هدر بخبث لئيم: عايزه تبقي واحدة من نسوان جابر الأسيوطي يا ست الصون والعفاف؟”
شهقت ياسمين بذهول، وقلبها ارتجف، بينما عينا فتون التهبتا بشرر حارق، وبدت كالنمر الجريح…
عندها تحرك يحيى بخطوات مشتعلة غضبا. غير أن جابر كان أسرع؛ قبض على كف مدحت قبل أن يلمس ذراع فتون، ضغط عليه بوحشية حتى صرخ، ثم دفعه للخلف بقوة كالصاعقة وهدر: كنك مستغني عن لسانك يا واكل عمرك!”
أخفى فتون خلف ظهره كدرع بشري، ثم عاجل مدحت بلكمة هادرة أطاحت به أرضا. صاحت ياسمين وقد بلغ بها الغضب أقصاه: انت حيوان واطي! وحتى ملكش حد يلمك عننا!”
نهض مدحت مترنحا، والحقد يتفجر من ملامحه، وأشار نحو ياسمين كالأفعى، صوته يقطر سمًّا:وانتي مالك يا بت؟ مفضلش غير اللي لولا بيت عمه كان زمانه تربية ملاجئ!”
شهقت فتون كمن تلقى طعنة غادرة، بينما انزلقت دموع ياسمين بحرقة، وقلبها يهوي بين الضلوع…
هنا تحرك يحيى، عينيه تقدحان نارًا، قبض على عنق مدحت بقوة ساحقة، ثم ضربه بمقدمة رأسه بعنف جعله يصرخ ويتراجع للخلف مترنحًا…
لم يكد يلتقط أنفاسه حتى تلقاه جابر بلكمة أخرى، عنيفة كالرصاص، طرحت جسده أرضًا.
هدر جابر بصوت يزلزل المكان: ارمي اللمامة ديه بره! والمرة اللي الچاية… ديتك عندي عيار في نص راسك! وكنك مكنتش على ضهر الدنيا واصل!”
حاول مدحت أن ينهض، يمسح الدم المتدفق من أنفه وهو يصيح بغضب: أنا هوديك في داهية… بتمد إيدك على ظابط شرطة!”
لكن يحيى لم يمهله، سحبه بعنف كمن يجر جثة هامدة، صوته يتفجر كالرعد: تعال! ده أنا هسحل أمك اللي چابتك واللي نسيت ربايتك! يا ولد العايبة… قال ظابط شرطة! ده إنت مخبرش تظبط حالك!”
مدت فتون يديها المرتجفتين تمسح دموع ياسمين بحنان، كأنها تحاول أن تنتزع الألم من قلبها قبل عينيها، وربتت على ظهرها بحزن وهمسة: خلاص يا حبيبتي… حقك عليا. ده حيوان وزبالة.”
اقترب جابر بخطوات ثابتة، لكن نظرته حملت دفئا غريبا لم تعهده فتون فيه….
رفع يده، وربت على رأس ياسمين بحنان أبوي وهمس بصوت غليظ، لكنه يقطر صدقا:اللي يعاير بالوجع… جليل الحيله وناجِص. والناجِص ملهوش عندنا حد… كنه ما كان قدامنا واصل.”
رفعت فتون عينيها إليه، الدهشة والإعجاب يتصارعان في ملامحها، وكأنها ترى فيه جانبًا لم تدركه من قبل. هزت رأسها بخفوت، وهمسة بصدق مرتجف: ميرسي يا جابر بيه.”
اومات برأسها ياسمين وصوتها مخنوق بالنحيب: عندك حق… أنا متشكرة أوي.”
لكن جابر لم يلتفت لكلمات الشكر، عيناه كانتا مشدودتين إلى فتون… نظرة تشتعل بالشغف، عينيه انزلقتا بلا وعي إلى شفتيها، تلك الشفاه التي ما زالت تلتهب من آثار قبلته الجامحة قبل قليل. وبداخله كان يغلي كالبركان، كأن نارًا لا تخمد تعصف بجسده.
لكزته فتون بخفة، محاولة إيقاظه من سحرها، وهمسة برجاء مبحوح: في إيه؟ لم عينك البجحة دي!”
اقترب أكثر، صوته عبثي، أنفاسه قريبة من أذنها:
شفيفك لسه وارمة…الشفايف دي معمولة عشاني أنا. طرية زي الحرير… بس نارها تلسعني وتلسعك. وأنا مش هسيبها لحد غيري.”
شهقت فتون بعجز عن السيطرة، وقلبها يخبط بجنون في صدرها، ولكزته بقوة أكبر وهمسة بانفعال: وقح!”
ابتسم جابر، ابتسامة تحمل عبثا وسلطانا في آن، وهمس:
بس عاجبِك…”
راقبتهم ياسمين بذهول، ملامحها بين الحيرة والصدمة، وهتفت بحدة: هو في إيه؟!”
أدار جابر وجهه نحوها، رفع حاجبه بثقل، وغمغم بنبرة ساخرة: لاه… ما تركزيش. يلا يا فتنة، خدي بت عمك وروحوا. كفاية إكده عليكي النهارده.”
أومأت فتون، مستسلمة لما حدث، قبضت على يد ياسمين وقالت بخفوت: تعالي… أجيب الشنطة وحاجتي ونروح.”
تحركت وهي تسحب ياسمين خلفها، بينما عاد يحيى في اللحظة ذاتها، وجهه مشدود بالغضب، وصوته يغلي كالبركان: يا باي… عيل سمچ لازمن يتعلم الأدب يا چابر.”
أومأ جابر برأسه، وعيناه تقدحان شررًا: هعلمه… وعلى أرضي. تعالي معايا.”
تحرك جابر بخطوات ثقيلة تحمل الوعيد، وخلفه يحيى، والغضب يتملكهما كأنهما ذاهبان إلى ساحة حرب، لا مجرد مواجهة.
………….
في غرفة في قصر الجبالي
دلفت بشاير وأغلقت الباب بإحكام، وأخرجت هاتفًا من أحد الأدراج. حملته إلى أذنها وبدأت تدور حول نفسها بغضب، كأن كل زاوية من الغرفة تشهد على تأجج شررها الداخلي.
ارتجفت يدها لحظة، ثم جاء الرد على الطرف الآخر بصوت ساخر : والله زمان يا بشاير… كيف چيت في بالك؟
غمغمت بشاير، رافعة حاجبها بعصبية: مهترحش عشان تاچي يا حزين… بس انت خابر زين اللي لووي دراعي وجطعني عنيك!
ضحك بصخب، وغمغم: انتي اللي جلبك بجي خرع يا بشاير… واللي واجف دلوق… لو كنا زمان، كنت عفصتي عليه برجليكي صوح!
صاحت بشاير، والشرر يتطاير من عينيها: كيف بدك اعفص عليه؟ كنك اتخوت عاد!
ابتسم بتهكم، وغمغم: كيف اللي عفصتيهم زمان؟
كورت بشاير يدها بغضب وهدرت: كانوا هم اللي بداو… والبادي أظلم يا ولد العم!
أومأ هو برأسه: صوح… البادي أظلم… طب إيه اللي حوصل فكرك بيه، يابت الدشناوي؟
جلست بشاير على طرف الفراش، وغمغمت بحنق: بدي أعرف مين اللي جتل ولد أخوي… ولد الچبالي… ولا حد تاني؟
أومأ هو برأسه : جلبتي المواجع يا بشاير… سعيد كان زينة الشباب.
أومأت برأسها ،وغمغت بصوت متحشرج موجوع: جطع حته من جلبي… آآه يا ولد أخوي!
غمغم الآخر:بكفياكي نواح… يا مره، النواح هياخد بالتار… شد حيلك يا بشاير.
أومأت بشاير، وغمغمت بفحيح كالافعي: هاخد تاره… حتى لو كان من منصور ذاته.
ضحك بصخب، وهتف: يبجي… ضربنا عصفورين بحچر… وزحنا الحچر اللي عفص علي صدري وصدرك!
أومأت برأسها، وغمغمت:كليتهم عافصين علي نفسي… وهخلص نفسي منهم… نفر نفر… لحد ما أجدر أتنفس زين براحتي.
أومأ الأخير: نتنفس يا بشاير… أوعاكي تنسي أننا شركه من أول دم في رجبتنا.
هزت رأسها بالنفي، وغمغمت:مهنساش… واصل… هستناك تردلي خبر.
همس قبل أن يغلق:ماشي.
واغلق الخط، وبقيت بشاير واقفة وحيدة، تتصارع مع شيطانها في داخل رأسها، كأنها هي من توسوس له، لا العكس، وكل نفس فيها يعكس نار الانتقام والجنون المتزايد، صراع بين الغضب والحنق والرغبة في السيطرة على مصيرها ومصير من حولها.
……………
في مكتب مدحت السكري
دلف وهو يلف حول نفسه بغضب يكاد ينفجر، كل حركة منه تصدر شررًا من الغضب المكبوتة والعصبية المتراكمة. قبض على إحدى الفاظات وألقى بها أرضًا حتى تهشمت بعنف، وصرخ في الهواء: طيب… أنا وانتو والزمن طويل!
دق الباب، ودلف أحد العساكر وهمس : سياده اللواء طالبك يا باشا.
نظر له مدحت بحنق، وهمس من بين أسنانه: جاي.
انصرف العسكري، وتحرك مدحت إلى المرحاض، محاولًا تضميد جرحه بينما كان ينفخ بحنق: وديني… لهدفعكم تمن كل نقطة من دمي يا ولاد الـ****.
بعد أن أنهى تضميد جرحه، خرج إلى مكتب اللواء مجدي المنشاوي، دق الباب ودلف، وأغلقه خلفه. أدار التحية العسكرية قائلاً: تمام يا فندم.
نظر إليه اللواء مجدي بصرامة، وغمغم بحدة:أنا مش قلتلك… ملكش دعوة بجابر الأسيوطي تاني؟
قطب مدحت حاجبه بدهشة، وهو يجيب: أنا مليش دعوة بيه، سعادتك.
ضرب اللواء مجدي المكتب بقبضته بحنق، وصرخ:
كدب مش عايز !… أنا حذرتك كتير، وانت اللي جبته لنفسك! اعتبر نفسك في إجازة مفتوحة لحد ما تنفذ طلب نقلك يا فندي.
قطب مدحت حاجبه بغضب، وصرخ: نقلي… نقل إيه؟
ابتسم اللواء مجدي بتهكم، وأضاف: طلب نقلك لي قنا يا فندي… وجيالك من فوق أوى.
صاح مدحت بنزق، وهو يردد: بس ده ظلم يا باشا!
نهض اللواء بغضب، وضرب المكتب بقبضته، وصرخ:
الظلم؟ الظلم إن واحد زيك سمعته زي الزفت يكون في المنصب بتاعك! أنت متستحقش الشرف ده، ولو كان بايدي كنت رفتك وخلصت منك، بس جاي القرار ده… متقلقش.
طحن مدحت فكيه بشراسة، وغمغم بصوت مبحوح:
تمام يا فندم.
ألقى اللواء مجدي بقرار النقل على المكتب، وهدر:
امضي يا بيه… وأول الشهر تكون استلمت شغلك الجديد في قلب قنا، على أرض الجبالي.
غمغم مدحت بحنق يفتك به، ووقع على الورق، وأدى التحية العسكرية وانصرف، كأن الشياطين الحمر تلاحقه في كل خطوة.
………..
في صباح اليوم التالي،
كان مكتب فتون يغرق في هدوء مصطنع، لا يكسره سوى خبطات أصابعها فوق الأوراق. دلف يحيى بخطوات واثقة نحو السكرتيرة، وصوته يعلو بوقار خفيف:
الأستاذه فتون چوه؟
نهضت السكرتيرة فورًا، بابتسامة مهذبة: موجودة يا فندم.
تحرك يحيى نحو الباب، طرق بخفة، ثم فتحه ودلف، وصوته يجلجل مرحا: أستاذتنا… منورة مجموعة الأسيوطي.
رفعت فتون رأسها بدهشة خفيفة، قبل أن ترتسم على ملامحها ابتسامة مترددة: منورة بأهلها يا مستر يحيى.
اقترب بخطوات هادئة لكن عينيه تحملان بريقًا ماكرًا، جلس على حافة المكتب وغمغم بنبرة أقرب للهمس:
يا سبحان مغير الأحوال.
قطبت حاجبيها باندهاش: حضرتك جاي تسبح هنا… معقول؟
هز رأسه وهو يبتسم بمكر، ورد بهدوء مقصود:
لاه… أنا بس هستغرب على الأحوال. المهم… الآنسة ياسمين عامله إيه؟ فين إكده؟
أشارت فتون برأسها في ثقة: كويسة الحمد لله، هي في جامعتها. على فكرة… أنا متشكرة أوي على اللي عملته مع الحيوان ده.
أدار وجهه جانبًا، وكأن ذكر الاسم يعكر مزاجه، قبل أن يجيب بصرامة ساخرة: لاه… دي عيل سفيه، وخد جزاؤه. أصلاً أنا بيكيدني جوي الصنف الردي… اللي كيف مدحت ديه.
تأملته فتون بعينين جادت بالدهشة والاتفاق، وهزت رأسها ببطء، همسة: معاك حق.
نهض يحيى فجأة، يرتب ياقة بدلته، وقال وهو يشيح بيده: أنا هسيبك تكملي شغلك… بالإذن يا أستاذة.
أومأت برأسها في صمت، تتابعه بعينيها حتى خرج. وما إن أغلق الباب خلفه، حتى بقيت لحظة تتأمل مكانه، كأن حضوره ترك أثرا أثقل من خطواته.
في الخارج، شق يحيى طريقه إلى السيارة بخطوات متسارعة، ركب مقعده الأمامي، وأدار المحرك بعنف. اندفع بالسيارة كأن الشارع لا يكفي ضجيج غضبه،
أمام أسوار الجامعة، توقفت سيارة يحيى الفارهة، نزل منها بخطوات خفيفة كعادته، عيونه تلتقط وجوه الفتيات في الساحة، وهمس بينه وبين نفسه بابتسامة ماكرة:
وأنا هچمعها كيف وسط البنات ديه كلاتها؟
ظل واقفا، يدور ببصره على الوجوه، قبل أن يعض شفته بعبث هامس كأنه طفل تائه وسط مصنع حلويات:
آخ… يا بوي.
قبل أن يفيق، شعر بلكزة خفيفة على منكبه من الخلف. التفت سريعًا… فإذا بياسمين أمامه، تقف شامخة بابتسامة نصف مترددة. اتسعت ابتسامته وغمغم:
ياسمين… أنا كنت بدور عليكي.
رفعت حاجبها بدهشة، وردت بحدة ممزوجة بالسخرية:
بتدور عليا ولا بتعاكس البنات؟
ضحك بخفة، وهز رأسه نافيًا، عينيه تلتمعان بخبث محبب:أعكس؟ دانا مخبرش يعني إيه أعكس… دي مش عوايدنا يا بت الناس.
هزت رأسها بخفة، كأنها لا تصدقه، ثم قالت: أنا كنت بهزر… أمال إيه اللي جابك هنا؟
رفع منكبيه بلا مبالاة، صوته أكثر هدوءًا:كنت بدي أطمن عليكي.
اقترب خطوة، اقترب حتى كاد صوته يصبح همسا حالما، وهو يرمقها بنظرة ملؤها الشغف: إنتي… زينة يا ياسمينة.
تعلقت عيناها بعينيه لحظة، كأنها نسيت العالم، قبل أن تهمس بخجل:أمم… كويسة.
شرد يحيى في ملامحها، وكأنها لوحة نادرة لا يشبع النظر إليها، ثم همس بنبرة صادقة: حزنت عليكي جوي… لما ولد الكلب ديه خلى دموعك اللي كيف اللؤلؤ تنزل علي خد كيف خد الورد.
رمشت بعينيها سريعًا، تحاول السيطرة على ارتجاف قلبها، وهمسة بارتباك: طريقة كلامك… حلوة أوي.
ضحك بمكر، مد يده وأمسك كفها برفق، قائلاً: طريقة كلامي بس؟
هزت رأسها بالنفي، فتوسعت ابتسامته بعبث، واقترب أكثر، صوته منخفض كأنه سر: طب جولي إكده… يحيى. بدي أسمع اسمي منيكي.
ارتجفت أصابعها، فسحبت يدها على الفور كأنها لامست النار، وردت بتوتر: أنا… لازم أمشي.
اقترب خطوة أخيرة، وصوته خافت حالم: تعالي… أوصلك.
هزت رأسها بسرعة: لا… ما ينفعش.
ثم ركضت مبتعدة بخطوات متسارعة، تاركة خلفها أثراً من عطرها وارتباكها. وقف يحيى يطالعها وهي تتوارى، ارتسمت على وجهه ابتسامة عبثية وغمغم لنفسه:
شديدة جوي… وناعمة موت. صنف جديد عليك يا ولد الچبالي.
ارتدى نظارته السوداء ببطء، وكأنه يخفي بريق عينيه المشتعل، ثم صعد سيارته وانطلق، يترك خلفه غبارًا لا يقل اضطرابا عن أفكاره.
ووووووووووو
ساحره القلم ساره احمد

بحاول اعمل الrate ٥ نجوم مش راضي
البارت يستحق ٥٠ نجمة يا ساسو
حمد الله على السلامة يا قمر
Very nice ❤️❤️
تحفة
تحفه تسلم ايدك
حلوه كتير تسلم إيدك
تحفه ههههه والله
روعه روعه روعه