ملكي وكفي ( الفصل العاشر)
الجميع يمرّ بخاطري عابرًا…
أمّا أنت، فلا تعبر إلى خاطري أبدًا،
بل تهبط مباشرةً إلى قلبي، وتستقر فيه كأنك خُلقت هناك منذ البدء.
هم يشيرون إليك بأصابعهم،
وأنا أشير إليك بنبضٍ لا يراه أحد،
بقلبٍ يعرف طريقك ولو أُطفئت كل الطرق.
كل الأصوات تصل إلى أذني ثم تمضي،
إلا صوتك…
فإنه لا يطرق سمعي، بل يجد سبيله إلى أعماقي، ويستقر حيث لا تصل الكلمات.
الجميع يعرفك باسمك،
أما أنا…
فأعرفك بذلك الأثر الذي تتركه روحك في روحي،
وأعرفك بذلك الشعور الذي يعجز عنه الوصف كلما ذُكرت.
وتبقى سرّي الجميل بين الورق والحبر،
يقرؤك الآخرون سطرًا عابرًا،
بينما أراك أنا حكاية كاملة،
وطنًا من المشاعر،
ورواية لا تنتهي فصولها مهما أغلقت صفحاتها.
وتظل ذلك السر الذي يضيء قلبي كلما مرّ طيفك،
فأبتسم بصمت،
بينما يظن الجميع ولا يعلمون أن قلبًا بأكمله ازدهر لمجرد أنك مررت فيه.
ومالت نهال على الدرج، تتأمل الممرات المزدحمة بعين لا يهدأ فيها العبث، وكأنها تدير خيوط لعبة تعرف تمامًا كيف ستبدأ ولا تدري كيف ستنتهي…
ارتسمت فوق شفتيها ابتسامة جانبية ماكرة، ثم هتفت بصوتٍ خافت يقطر عبث وخبث: بدأت أجر رجلها للطريق اللي اتفقنا عليه… واحدة واحدة لحد ما أعملها غسيل مخ محترم.
جاءها الرد من الطرف الآخر ساخر، مشوب بخبث لا يقل عن خبثها: بس استعملي مسحوق نضيف يا ست نهال، عشان أنا عارف دماغك ضيقة وتفكيرك أضيق….
شغلي مخك شوية… البت دي تربية معلمين، ومش أي حد يعرف يلفها على مزاجه.
انطلقت ضحكة نهال عالية مستهزئة، ثم قالت بثقة متعجرفة:
وفي الآخر المعلمين نفسهم بيتبلفوا ويتلعب بيهم….
وحور دي طول عمرها مقفول عليها ومتحاوط عليها من كل ناحية…
واللي عمره ما شاف الدنيا… سهل أوي تصدقيه أي دنيا تتعرض عليه.
وسكتت لحظة قبل أن تكمل بنبرة أكثر خبث:
هي فاكرة الحياة اللي عيشاها هي الحياة كلها… وأنا هوريها الدنيا اللي على مزاجي أنا.
جاءها الرد هذه المرة حاد كحد السكين:
المهم تنجزي…قدامك شهرين بالكتير قبل الامتحانات النهائية، وبعدها الإجازة….
وساعتها هيبقى الوصول ليها أصعب بكتير…
والتذكرة والتأشيرة مش هيفضلوا مستنيينك للأبد. خلصي اللي وراكي يا روح أمك…
انقبض فك نهال بضيق، لكنها أخفت انزعاجها خلف برود مستفز وهي تقول:
قريب أوي كل حاجة هتبقى تحت السيطرة…
بس متقطعش يا حمادة.
ثم أغلقت الهاتف في وجهه دون أن تمنحه فرصة للرد.
أنزلت يدها ببطء، وحدقت أمامها بعينين مظلمتين، قبل أن تتمتم من بين أسنانها بغيظ دفين:جتك الأرف…
وضغطت على الهاتف بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعها : يوم ما أخلص منك… هيبقى عيد ميلادي الجديد يا غبي.
واستقرت عيناها على بوابة الكلية البعيدة، بينما كانت ابتسامتها تتسع شيئًا فشيئًا…
ابتسامة شخص لا يبحث عن صديق جديد، ولا عن مغامرة عابرة…
بل عن ضحية مناسبة.
……
أمام منزل جارحي السعدني…
كانت الشمس تميل ببطء نحو كبد السماء، بينما وقف زكريا بجوار السيارة يحكم إغلاق الصندوق الخلفي بعد أن انتهى من تجهيز كل ما يلزم للرحلة.
ضرب بيده على الغطاء ليتأكد من إحكامه، ثم اعتدل في وقفته وهتف بصوت حاد اخترق ساحة المنزل:
يلا يالا… عايزين نوصل قبل الليل.
لم تمضي سوى لحظات حتى خرج أحمد من المنزل بخطوات واسعة، وخلفه يونس الذي كان يسير بتحفظٍ خفيف بسبب إصابته، وهتف بصوت مرتفع: جايين يا أسطى… جايين.
التفت زكريا إليهما، وما إن وقعت عيناه على طريقة سير يونس حتى رفع أحد حاجبيه بحنق ساخر وقال:
طيب يلا يا أعرج…ولا نجبلك نقالة تشيلك؟
وصل يونس إلى السيارة أخيرًا، ثم أسند ذراعه فوق سقفها ونظر إليه باستنكار مصطنع قبل أن يغمغم:
ده خربوش يا أخوي وحياة أمك…..
إنت هتزيط في الكلام ولا إيه؟
أشار أحمد إليهما بضيق وهو يفتح باب السيارة بعنفٍ خفيف وقال:
ما هو كان عايز يقفلهم التلاتين غرزة…
عشان يبقى أعرج رسمي..
انفجر زكريا ضاحكًا، بينما اتسعت عينا يونس بصدمة مفتعلة، ثم وضع يده فوق موضع إصابته وقال بحنق مسرحي: تلاتين بتلاتين!
ما أشيلها خالص وأريحكم.
ثم أشار إلى ساقه وأضاف متذمرًا:
هو أنا ناقصكم أنتم الاتنين؟
واحد دكتور المفروض يطمن العيان، والتاني قاعد يعد الغرز كأنه بيعمل جرد آخر السنة.
تعالت ضحكاتهم في ساحة المنزل، واختلطت بروح الألفة القديمة التي لا تعرف الرحمة وقت المزاح، بينما كانت السيارة تستعد لابتلاع طريق طويل…
دون أن يدرك أحدهم أن الرحلة القادمة تحمل أكثر مما يتوقعون بكثير.
في الداخل…
أغلق ياسين حقيبته الصغيرة بإحكام، ثم حملها على كتفه وتحرك خارج الغرفة بخطوات سريعة، على وقع صوت زكريا الغاضب الذي كان يتردد في أرجاء المنزل كعادته كلما اقترب موعد السفر.
تحرك بخفة، وما إن وصل إلى البهو حتى وقعت عيناه على جارحي.
فتوقفت خطواته تلقائيًا.
كان في الرجل شيء يجعل المرء يشعر وكأنه يقف أمام بيتٍ كامل لا أمام إنسان.
هيبة الأب، ودفء العائلة، وسكينة الرجال الذين عبروا العمر طويلًا دون أن تنكسر ظهورهم.
ابتسم جارحي ما إن رآه وقال بصوته الأجش الدافئ:
شارفت ونورت يا ولد الغالية…
وبأمر الله هنيچوا أنا ومرت خالك نطمنوا عليكم.
اتسعت ابتسامة ياسين، ثم اندفع نحوه وعانقه بقوة صادقة وهو يقول: تنور يا خال…
دانا طلعت بحبك أوي.
ربت جارحي على ظهره بحنو أبوي وقال:
أديك عرفت السكة…
متجطعش بيا يا ياسين.
غمزه ياسين بعين ضاحكة وقال:
أقطع بمين؟
قطع رجبتي لو قطعت بيك تاني يا خال.
ثم أشار إلى باب المنزل وأضاف بمرح:
دانا قتيل على بابك…
كل ما تفتح الباب هتلاقيني مرمي على العتبة.
ضحك جارحي بصوت عالي، بينما خرجت ثنية من المطبخ وهي تمسح يديها بطرف ثوبها، وهتفت:
توصلوا بالسلامة يا ولدي…
سلملي على أمك كتير.
أومأ ياسين مبتسم ، ورد : الله يسلمك يا أمي…
ويوصل السلام إن شاء الله.
لكن ابتسامته لم تكن كاملة.
ولم يكن عقله حاضر تمامًا.
فمنذ أن نزل إلى الأسفل، كانت عيناه ترتفعان نحو الدرج كل بضع ثواني دون إرادة منه.
مرة…ومرتين…وعشر مرات.
ينتظر….يراقب….ويترقب.
كأن قلبه ينتظر شخص واحد فقط.
ورفض الرحيل قبل أن يراها…
شخص لا يعرف لماذا أصبح يبحث عنه بهذا الشكل.
ولا لماذا يشعر بالضيق كلما مرت دقيقة ولم تظهر.
رفع عينيه مرة أخرى نحو الطابق العلوي.
لا شيء.
سكون.
أبواب مغلقة.
وصوت بعيد لأحدهم يتحرك في الداخل.
لكنها لم تظهر.
شيء ثقيل هبط فوق صدره فجأة.
حتى هو لم يعجبه مقدار خيبة الأمل التي شعر بها.
وكأنه كان ينتظرها حقًا.
وكأن رؤيتها أصبحت جزء من وداع هذه الزيارة.
زفر بضيق، ثم أجبر نفسه على السير نحو الخارج.
خرج من المنزل بوجه عابس لا يشبهه.
ووقف بجوار السيارة وواضع الحقيبة أرضا، بينما كان زكريا يراجع شيئًا داخل الصندوق الخلفي.
وفجأة…
وصل إلى مسامعه صوت مختلف.
صوت كعب نسائي يضرب الأرضية الرخامية بإيقاع هادئ.
توقف.
والتفت.
وفي اللحظة نفسها التفت يونس أيضًا.
ورفعت أعينهما نحو باب المنزل.
ثم…ظهرت هي.
نزلت الدرج ببطء هادئ، كأنها لا تعلم أنها سرقت انتباه الجميع في لحظة واحدة.
كانت ترتدي فستان شتوي بلون الموف الفاتح، ينسدل برقة حولها، يضيق عند الجزء العلوي ثم يتسع بهدوء أنيق كلما هبط نحو الأسفل.
أما الحزام الذي التف حول خصرها فقد منحها هيئةً أكثر رقة، بينما أضفى الحجاب الأسود على ملامحها وقار ناعم جعلها تبدو مختلفة تمامًا.
ليست شموع التي يعرفونها.
ليست الفتاة المشاكسة ذات اللسان الحاد والعينين المشتعلتين بالمشاكسة والقتال.
بل نسخة أخرى…
هادئة.
رقيقة.
خطيرة بطريقة لا تحتاج إلى جهد.
تجمد ياسين مكانه.
وتجمد يونس أيضًا.
وكأن المشهد باغتهما معًا.
ثم همس ياسين دون أن يبعد عينيه عنها:
يارب تطلع أنين…
رمقه يونس بطرف عينه في استنكار، ثم تمتم بحنق:
دي شموع يا حلتها.
التفت إليه ياسين بذهول كامل وكأن الرجل أعلن اكتشاف علمي خارق: يخربيتك عرفتها ازاي؟!
لم يرد يونس فورًا.
ظل يتأملها لثواني طويلة.
ثواني أطول مما ينبغي.
قبل أن يجيب ببرود مصطنع: لابسة لبس خروج يا أهبل.
استوعب ياسين الأمر أخيرًا، فأومأ عدة مرات وكأنه اقتنع بالحجة المنطقية العظيمة…
ثم لمعت عيناه بشيء أقرب إلى المصيبة القادمة، وهمس:
دي وقعه مطينه شكلها!!
أما يونس…
فلم يسمع آخر الجملة أصلًا…كان لا يزال ينظر إليها.
ينظر إليها بطريقة أزعجته هو نفسه.
وكأن عقله يحاول عبث أن يوفق بين صورة الفتاة التي كانت تتشاجر معه كل يوم…
وتلك التي هبطت الآن من أعلى الدرج كأنها لم تكن هي قط.
ولأول مرة…
شعر أن المشكلة ليست في شموع.
بل في أنه بدأ يراها.
كانت شموع لا تزال بين ذراعي والدتها، تتلقى وصايا السفر المعتادة، بينما تتداخل الأصوات حولها في دفء عائلي مألوف…
حين انشق الهواء فجأة بصوت يونس.
صوت خرج حاد خشن كأنه أمر عسكري لا يقبل النقاش:
انتى هتسافري بالكعب ده المسافة دي كلها؟
التفتت إليه شموع باستغراب، فوجدته واقفًا أمامها مباشرة، عابس الملامح، يحدق في حذائها وكأنه اكتشف كارثة قومية.
ثم أكمل بحدة: المسافر بيلبس مزحف.
انعقد حاجباها فورًا، وقالت بدهشة: يعني إيه مزحف ديه؟
فتح فمه ليرد، ثم توقف.
وبدا وكأنه يصارع نفسه لثانية كاملة.
عض شفته بحنق، وأدار وجهه قليلًا قبل أن يتمتم:
يعني… دور أرضي يا…
وتوقفت الكلمة على طرف لسانه.
كلمة اعتاد أن يقذفها نحوها عشر مرات في اليوم.
لكن وجود جارحي وثنية خلفها جعله يطحن فكه بقوة حتى برزت عضلاته، ثم أكمل من بين أسنانه:
يا بت خالي.
رفعت شموع أحد حاجبيها ببطء.
كانت تعرف جيدًا أنه كاد يقول شيئًا آخر.
وتعرف أكثر أنه غاضب لأنه لم يستطع قوله.
لذلك أجابته بنبرة باردة مستفزة: أسافر بالشبشب أحسن؟
رفع يونس رأسه فورًا وقال بحدة: لا… بالجذمة
اتسعت عينا شموع بصدمة ممزوجة بالغضب، وكادت ترد عليه لولا أنه أسرع يقول بحنق مرتبك: قصدي…
تبقي لابسة الجذمة… أو الكوتشي
ارتجف كتف أحمد من محاولة كتم الضحك.
بينما أدار ياسين وجهه للجهة الأخرى حتى لا تنفجر ضحكته في وجه الجميع.
أما شموع فكانت تنظر إلى يونس كما لو كانت تدرس الطريقة الأنسب لدفنه حيا.
في تلك اللحظة تدخلت ثنية وربتت على كتف ابنتها قائلة: وعيتي أنا يا بتي؟
ياما حذرتك من الهبابة اللي هتلبسيها ديه.
ثم أشارت إلى الحذاء وأضافت : اطلعي غيريها أحسن…
لا تجعي على چدور رجبتك.
التفتت شموع إليها بصدمة أكبر من الأولى.
وكأن الخيانة جاءت من الجبهة التي كانت تظنها آمنة.
وقالت باحتجاج واضح: يا ما…
أنا بلبسها طول عمري.
ثم أشارت إلى الحذاء بغضب: وبعدين معرفش أمشي بالزحف ديه.
وقبل أن تحصل على أي دعم إضافي…
جاء صوت جارحي…حاسم..قاطع..لا يترك مجال للجدال.
انچري يا بت…واسمعي الحديت.
ثم أشار بيده نحو الداخل وأكمل: وبعدهالك في مخك اليابس ديه.
ساد الصمت لثواني…وثبتت شموع في مكانها.
كانت نظرات الغضب تشتعل داخل عينيها.
غضب فتاة اعتادت أن تربح أغلب معاركها الكلامية…
لتكتشف أنها خسرت هذه المعركة بالإجماع.
أمها.
وأبوها.
وحتى القدر نفسه بدا وكأنه انضم إلى الطرف الآخر.
قبضت على طرف حقيبتها بقوة.
ثم استدارت ببطء.
وتحركت نحو الداخل دون أن تنطق بكلمة.
لكن قبل أن تختفي خلف الباب…
التفتت بطرف عينيها نحوه.
إلى يونس… فرأتها…تلك الابتسامة.
الابتسامة اللزجة المستفزة التي كان يحاول عبث إخفاءها.
مزيج كامل من الانتصار…والشماتة…
والرضا السخيف عن نفسه.
ابتسامة رجل يشعر أنه ربح معركة عظيمة لأنه أجبرها على تبديل حذائها.
فتوقفت خطوة واحدة فقط…وضاقت عيناها ببطء.
ثم ارتسمت فوق شفتيها ابتسامة صغيرة…
هادئة بصورة مريبة.
ابتسامة لم ينتبه إليها أحد.
لكن لو رآها يونس جيدًا…
لأدرك أن الحرب لم تنتهي.
وأن ما أخذه اليوم…
ستسترده منه أضعاف..
فشموع لم تكن من النوع الذي ينسى الهزائم…
بل من النوع الذي يحتفظ بها في قلبه، حتى يأتي يوم السداد.
وفجأة…
انشق الصخب المحيط بهم على صوت خافت خرج من خلف الباب.
صوت رقيق يحمل شيئًا من التوتر وشيئًا أكبر من الخجل: ياسين… استنى.
توقفت الدنيا كلها في أذن ياسين عند تلك الكلمة.
واستدار فورًا.
بل بلهفة فضحته قبل أن يتحكم بها.
لهفة رجل كان ينظر إلى الباب منذ دقائق منتظر ظهور شخص بعينه، حتى كاد يقتنع أنه سيرحل دون أن يراه.
فانفرجت أساريره تلقائي وهتف:
ده ياسين يشيل نفسه مش بس يستني!
رمقه أحمد بنظرة جانبية وهو يرفع حاجبه بدهشة مصطنعة وقال: يا شيخ!
فغمز له ياسين بعين ضاحكة وهمس: وحياة الشيخ.
ثم خرجت أنين….بخطوات مترددة.
وكأنها لم تكن تنوي النداء أصلًا لولا أن شيئًا بداخلها أجبرها عليه.
كانت تقف عند عتبة الباب ممسكة بشيء صغير بين أصابعها.
ثم مدت يدها نحوه قائلة بصوت خفيض: نسيت ولاعتك يا أخوي.
وما إن أنهت جملتها…
حتى انفجر أحمد ويونس وزكريا بالضحك دفعة واحدة.
ضحكة صاخبة أربكت أنين وأشعلت الضيق في صدر ياسين.
فاندفع نحوها بخطوتين وهو يرمق الثلاثة بنظرة قاتلة ثم قال بسخط مصطنع: أخوكي إيه؟
وأشار إلى نفسه باعتراض درامي: أنا مليش أخوات أصلًا…أنا لقيط.
ارتبكت أنين أكثر.
لكن ابتسامة صغيرة خانتها رغم عنها.
ابتسامة ناعمة جعلت قلب ياسين يتعثر في صدره للحظة.
وكانت تلك مشكلته معها دائمًا…
أنها لا تفعل شيئًا.
فقط تبتسم…
فيشعر كأن الدنيا كلها فقدت اتزانها.
رفعت عينيها إليه للحظة قصيرة.
لحظة لم تدم أكثر من ثانية.
لكنه شعر أنها أطول من الرحلة كلها.
ثم غمزها بخفة خاطفة لا يراها سواهما وهمس:
أنا ممكن أعتبرك أمي…
وتوقف متعمدًا قبل أن يكمل بخبث: بس أختي… لا!!
اشتعلت وجنتاها بحمرة خجولة.
فأسرعت تمد يدها بالولاعة وكأنها تبحث عن مهرب من ارتباكها.
وقالت بصوت يكاد لا يسمع: ولاعتك…
نسيتها في المچلس.
مد يده ليأخذها.
وكان يستطيع أخذها بسهولة.
لكن ياسين لم يكن ياسين لو فعل ذلك.
لذلك تعمد أن تلامس أطراف أصابعه أطراف أصابعها.
لمسة خاطفة…صغيرة.
لكنها كانت كافية لأن تسحب أنفاسها من صدرها.
وكافية أيضا لأن تجعل عينيه تلمعان بانتصار صغير سخيف.
وفي اللحظة التالية…
اقترب أحمد وصفعه بخفة على مؤخرة عنقه.
صفعة أيقظته من نشوته فورًا…وهتف بنزق:
أمال التلات شحوطه اللي واقفين دول إيه يا روح أمك؟
مش إخواتك؟
تعالت الضحكات مجددًا…
أما أنين…فشهقت بخجل حارق.
ثم استدارت وركضت إلى الداخل كغزالة أفزعها الضوء.
واختفت خلف الباب في ثواني معدودة.
لكن ياسين لم يتحرك…ظل واقف مكانه.
وعيناه معلقتان بالباب الذي ابتلعها.
كأن جزء منه دخل خلفه ورفض العودة.
وكأن المسافة القصيرة التي تفصله عن ذلك الباب أصبحت أطول من الطريق الذي سيسافر فيه كله.
ثم رفع حاجب واحد وقال بمكر مستفز:
أنا قصدي إخوات بنات يا أبو حميد.
زفر أحمد بقوة، ثم قبض على ياقة قميصه وسحبه نحو السيارة كما يسحب متهم إلى جلسة محاكمة.
وهو يتمتم بحنق: طيب يلا يا مصيبة حياتي…
مشوارنا طويل.
فسار ياسين أخيرًا…
لكن قبل أن يركب السيارة التفت مرةً أخيرة نحو الباب المغلق.
نظرة خاطفة…سريعة…سرقها كالسارق.
ثم ابتسم دون أن يشعر.
ابتسامة رجل لم يحصل على شيء يذكر…
ومع ذلك شعر أن يومه صار أخف من ذي قبل.
استقر زكريا خلف المقود، بينما جلس أحمد إلى جواره في المقعد الأمامي، وأغلق الباب وهو لا يزال يهز رأسه من تصرفات ياسين التي لا تنتهي…
وفي اللحظة التالية…
خرجت شموع من المنزل.
بعد أن بدلت حذائها أخيرًا.
اقتربت من السيارة بخطوات هادئة، وملامحها لا تزال محتقنة بضيق واضح من المعركة التي خسرتها قبل دقائق، ثم فتحت الباب الخلفي وصعدت إلى الداخل دون أن تضيف حرف واحد…
لا اعتراض.
لا تعليق.
ولا حتى نظرة.
لكن ذلك الصمت تحديدًا جعل يونس يشك أكثر.
أما ياسين…
فقد رأى المشهد بطريقة مختلفة تمامًا.
لمعت عيناه فورًا…
وتحرك بخفة نحو الباب الخلفي الآخر، عازم على الجلوس بجوارها قبل أن يسبقه يونس…
لكن قبل أن يضع قدمه داخل السيارة…
اعترضه كف يونس.
كف حاد هبط فوق صدره وأوقفه في مكانه كحاجز خرساني.
ثم انحنى نحوه وهمس من بين أسنانه: استنى يا خو*… بدل ما تروح لأمك من غير دراعات.
رمش ياسين عدة مرات.
ثم نظر إلى الكف الممدودة أمامه.
ثم إلى يونس.
ثم عاد ينظر إلى الكف…
وكأنه يحاول استيعاب حجم الظلم الواقع عليه.
قبل أن يتمسك بذراع يونس وهمس بعبث فج:
لا متفهمش غلط.
وأشار إلى السيارة خلفه ببراءة لا يصدقها طفل:
أنا هقعد جنبها… وأنا في نيتي إنها أنين.
أغمض يونس عينيه لثانية.
الثانية نفسها التي كان يحاول فيها إقناع نفسه ألا يرتكب جناية.
ثم لكزه في أضلاعه بعنف جعله يختنق من الضحك والألم معًا..ثم غمغم بحنق: وأنا في نيتي أقتلك.
انفجر ياسين ضاحكًا.
ودفعه يونس جانبا…
ثم صعد هو أولًا إلى السيارة.
واستقر في المقعد الخلفي بجوار شموع مباشرة.
بينما اضطر ياسين أن يدخل بعده ويجلس في الطرف الآخر، ملاصقًا للباب المقابل…
تجمد ياسين لثواني وهو ينظر إلى المشهد أمامه.
يونس في المنتصف.
وشموع بجوار النافذة..
وكأن الرجل نصب نفسه جدار بشري كامل بينه وبين هدفه…فغمغم بحنق: الله يسهلك يا بعيد.
رفع يونس حاجبه دون أن ينظر إليه وقال ببرود: الله ياخدك!
اختنقت ضحكة صغيرة داخل صدر أحمد في المقعد الأمامي.
بينما أدار زكريا المفتاح وانطلق بالسيارة أخيرًا.
أما شموع…
فكانت تنظر من النافذة بصمت.
لكنها، رغم عنها، التقطت طرف الحديث كله.
ولأول مرة منذ بداية الصباح…
شعرت برغبة حقيقية في الضحك.
إلا أنها تماسكت بصعوبة، وأبقت وجهها جامد وهي تراقب الطريق الممتد أمامهم…
بينما في الخلف…
كان ياسين ينظر إلى ظهر رأس يونس بنظرات رجل سرقت منه أرضه وميراثه في اللحظة نفسها.
ثم انطلقت خارج المنزل، تشق الطريق الطويل أمامها.
بينما خلف الوجوه العابثة والضحكات المتفرقة…
كانت قلوب كثيرة تحمل أشياءً أكثر تعقيد من مجرد رحلة سفر.
مر الوقت داخل السيارة ببطء ثقيل…
ذلك النوع من الوقت الذي لا يتحرك، بل يجر نفسه جر فوق الأعصاب.
كانت الطريق تمتد أمامهم بلا نهاية واضحة، بينما تتابعت القرى والحقول خلف النوافذ كصور باهتة لا تلفت الانتباه.
في المقدمة كان أحمد وزكريا يتبادلان الحديث على فترات متقطعة.
أما في الخلف…
فكان لكل منهم عالمه الخاص.
ياسين مستلقي في مقعده يعبث بهاتفه تارة ويتأفف تارة أخرى.
وشموع تجلس بجوار النافذة، تحاول مقاومة ذلك الضجر الذي بدأ يزحف إليها ببطء.
راقبها يونس من طرف عينه…راقب حركتها المتململة.
وهي تفتح حقيبتها…ثم تغلقها.
ثم تعود لتفتحها من جديد.
وكأنها تبحث عن شيء ضاع منها.
مال قليلًا نحوها وتمتم بصوت أجش : بتدوري على إيه؟
رفعت وجهها إليه…وكان الضيق واضح في عينيها.
ثم قالت بحنق: تليفوني…مش لاقياه.
أخرج يونس هاتفه فورًا ومده إليها دون تردد:
رني عليه…ومن صوته هتعرفي هو فين.
نظرت إلى الهاتف في يده لثواني..
وكأن كرامتها تخوض معركة داخلية قبل أن تقرر قبول المساعدة…ثم أخذته على مضض.
وطلبت رقمها…مرت ثوان قصيرة…
وفجأة دوى صوت الرنين من أسفل المقعد.
اتسعت عيناها.
بينما انحنى يونس سريعًا يحاول التقط الهاتف من أرضية السيارة.
وفي اللحظة نفسها…
اهتز الهاتف الذي بين يدي شموع… رنة جديدة.
نظرت إلى الشاشة بعفوية.
وكانت تنوي فقط إخباره أن هناك اتصالًا.
لكن عينيها توقفت عند الاسم.
نرجس.
ارتسم الاسم أمامها بوضوح.
وشعرت بشيء غريب يعبر داخلها.
شيء لم تستطع تسميته.
ليس غضب…
وليس فضول…
وليس انزعاج خالص..
بل مزيج مربك من كل ذلك…
رفعت عينيها إليه.
ثم قالت ببرود حاولت أن تجعله طبيعي: تليفونك بيرن…
واحدة اسمها نرجس.
رفع يونس رأسه فورًا.
وبدت الدهشة واضحة على وجهه.
سحب الهاتف من يدها بسرعة ورفعه إلى أذنه دون تردد:
في إيه؟ تاليا كويسة؟
وما إن خرج اسم ابنته من فمه…
حتى تبدلت ملامحه بالكامل.
اختفى الضيق…واختفى العبث.
واختفى الرجل الذي كان يتشاجر معها قبل دقائق.
وحل مكانه أب قلق…أب يخاف.
أب يرتجف قلبه عند أول إشارة خطر تخص طفلته.
جاء صوت نرجس عبر الهاتف…ورغم انخفاضه…
وصلت بعض الكلمات إلى مسامع شموع.
بنتك تعبانة شوية…
وحجزتلها بكرة عند الدكتور.
شعرت شموع بشيء ينقبض داخل صدرها.
وفي المقابل…
انتصب يونس في جلسته فجأة…كأن تيار كهربائي مر في جسده…وهدر بقلق لم يحاول إخفاءه: مالها؟
البنت كانت كويسة في العيد…إيه اللي وجعها؟
جاءه صوت نرجس هذه المرة أكثر توتر:
مش عارفة…
إنت عارف تاليا.
وسكتت لحظة قبل أن تكمل: عمرها ما كانت بتبطل لعب ولا حركة…فجأة بقت هادية…ومجهودها قليل أوي.
ثم أضافت بصوت مبحوح: وإنت عارف خوفها…
ولازم تكون معانا.
أغمض يونس عينيه للحظة…لحظة قصيرة جدًا…
لكنها كانت كافية ليشعر الجميع بثقل القلق الذي هبط فوقه.
ثم أومأ برأسه رغم أنها لا تراه وقال بسرعة: ماشي…
أنا جاي في السكة.
وتابع بصوت حاسم: وقبل معاد الدكتور هكون عندكم.
إنتوا جهزوا نفسكم بس.
وأغلق الهاتف.
ساد الصمت داخل السيارة.
صمت مختلف هذه المرة.
صمت أثقل من السابق.
ظل يونس ممسك بالهاتف لثواني طويلة.
وعيناه معلقتان في الفراغ.
بينما كان قلبه يشتعل قلق على طفلته الوحيدة.
تاليا…
القطعة الوحيدة من روحه التي لم يستطع يوما أن يكون قوي أمام خوفه عليها.
ولأول مرة منذ بداية الرحلة…
بدا يونس رجل أنهكه القلق لا المقاتل الذي اعتاد الجميع رؤيته.
التفت أحمد إلى يونس بعدما لمح ذلك القلق الذي غز ملامحه دفعة واحدة وقال بهدوء: مالها بنتك يا يونس؟
مرر يونس كفه داخل شعره بخشونة، ثم زفر زفرة طويلة وكأن الهواء بات يثقل داخل صدره وقال:
بعافية شوية يا عمي… هناخدها أنا وأمها للدكتور ونطمن.
كانت جملة عادية…بسيطة.
خرجت منه بعفوية أب قلق على طفلته.
لكنها سقطت فوق شموع كالصاعقة.
أنا وأمها…
بنتي…
تاليا…
نرجس…
الكلمات نفسها أخذت تدور داخل رأسها كدوامة سوداء لا تتوقف.
شعرت بشيء بارد ينسحب من أطرافها.
وكأن أحدهم سكب فوق قلبها ماء متجمد..
في المقعد المجاور لها مباشرة.
الرجل الذي ظل يلاحقها بنظراته.
ويفتعل الشجار معها.
ويغضب لأجل حذائها.
ويستفزها كلما سنحت له الفرصة.
الرجل الذي كانت تشعر أحيانًا أن عينيه تقولان أشياء أكثر مما ينطق به لسانه…
اصلا متزوج.
وله ابنة.
وزوجة تتصل به فور مرض طفلته.
وزوجة ينتظر أن يصل إليها.
وزوجة تتحدث معه بتلك الألفة التي لا تكون إلا بين شخصين جمعتهما حياة كاملة.
ارتفعت حرارة الدم في عروقها بعنف.
حتى شعرت أن أنفاسها أصبحت أثقل.
ربت ياسين على كتف يونس قائلاً:
متقلقش… ربنا يطمنك عليها إن شاء الله.
ثم جاء صوت زكريا من الأمام:
في دكتور صاحبي شاطر أوي، هبعتلك عنوانه أول ما نوصل.
هز يونس رأسه بالنفي وقال:
لا… نرجس حجزتلها عند الدكتور بتاعها اللي متابعها من أول ما اتولدت تاليا… نفس الدكتور اللي إنت قولتلي عليه زمان.
أومأ زكريا برأسه.
وزاد من سرعة السيارة.
أما شموع…
فلم تعد تسمع شيئًا بعد ذلك.
كانت الأصوات تصل إليها مشوشة.
بعيدة.
كأنها تأتي من آخر الدنيا.
وأغمضت عينيها ببطء.
بينما انقبضت يدها فوق طرف حقيبتها حتى كادت أظافرها تغرس نفسها في جلدها.
كانت غاضبة.
غاضبة بصورة لم تعهدها في نفسها.
غاضبة منه.
ومن نفسها.
ومن ذلك الشعور الحقير الذي تسلل إلى قلبها دون إذن.
كيف سمحت لنفسها أصلًا أن تتأثر بكلامه؟
كيف انشغلت بنظراته؟
كيف ارتبكت من قربه؟
وكيف…
كيف شعرت بتلك الوخزة المؤلمة حين رأت اسم امرأة أخرى على هاتفه؟
عضت شفتيها بقوة.
وشعرت بالإهانة تلسعها من الداخل.
فكل تصرفاته معها باتت الآن تحمل معنى مختلف في رأسها.
كل كلمة.
كل نظرة.
كل استفزاز.
كل اقتراب.
أصبحت تراها من زاوية أخرى.
زاوية أكثر قسوة.
وأشد إيلام وقبح..
رجل متزوج…
وله زوجة وابنة…
ومع ذلك يقف أمامها بذلك العبث كله؟
يلاحقها بعينيه؟
ويشعل أعصابها كل يوم؟
ويجعلها تشعر بأشياء لم تختبرها من قبل أشياء كانت تتمنى لو لم تشعر بها أبدا ؟
ارتجف فكها بعنف.
وأدارت وجهها نحو النافذة سريعًا حتى لا يرى أحد ما يدور داخلها.
بينما كانت الحقول والطرق تتراجع خلف الزجاج.
أما هي…
ولأول مرة منذ بداية الرحلة…
لم تعد تنظر إلى يونس باعتباره خصم يثير أعصابها.
بل رجل متزوج لم يفهم حدود المسافة التي يجب أن تبقى بينه وبينها.
فشعرت لأول مرة أن شيئًا ما في داخلها يتراجع هو الآخر.
شيئًا كانت تبنيه دون أن تدري.
ونهار الآن في لحظة واحدة.
تحت وقع جملة عابرة قالها رجل لم يكن يعلم أنه، بكلمات قليلة، قد أشعل داخلها حربًا كاملة.
…..
في منزل المهدي…
وقف شاهين أمام باب غرفة حور للحظات طويلة.
على غير عادته.
يده تقبض على الصندوق الأحمر الذي يحمله، بينما كان شعور ثقيل يضغط فوق صدره.
توتر.
ضيق.
وشيء أقرب إلى الخوف.
الخوف الوحيد الذي عرفه طوال حياته لم يكن من سلاح ولا من عدو.
كان دائمًا من دموعها.
ومن ذلك الصمت الذي تلجأ إليه حين يغضبها.
رفع يده أخيرًا وأدار المقبض.
ودلف إلى الداخل بخطوات بطيئة.
فوجدها…متمددة فوق السرير على بطنها.
تدفن وجهها داخل الوسادة.
وشعرها الأسود منسدل حولها كستار يحجبها عن العالم كله.
وجسدها فتاك الانوثه ، والجمال المهلك برجولته …
ممد أمامه بثير بداخلها إعصار من الرغبه التي تسكب داخله كالجمر المذاب ..
توقف مكانه.
وأخذ يتأملها.
بذلك الشغف المجنون الذي لم يعرفه مع أحد سواها.
وتلك اللعنة التي تزداد كلما كبرت أمام عينيه عام جديد.
فتاة صغيرة في نظره…
وكلما نظر إليها شعر أن قلبه يزداد يهيم بها عشقا بصورة مخيفة.
عض شفته بخفة وهمس لنفسه: هو أنا كل ما هاجي هنا حالي هيقف كده؟!
ثم هز رأسه وكأنه يحاول طرد أفكاره المنحرفه..
لكن الأوان كان قد فات.
فقد انتفضت حور فجأة.
واعتدلت جالسة وهي تنظر إليه بصدمة ممزوجة بالحنق.
وكان واضح من احمرار عينيها أنها بكت.
أو كانت تنهار من البكاء…وقالت بصوت مبحوح مرتجف:
عايز إيه يا شاهين؟
ثم ضحكت ضحكة قصيرة خالية من الفرح وأضافت:
في حاجة جديدة عايز تقولها؟
ولا لسه ما خلصتش زعيق وشخط؟
انقبض قلب شاهين رغم عنه.
لكنه أخفى ذلك خلف ملامحه الصارمة.
وقال بصوت حاد يخفي حنان أكثر مما يخفي غضب:
حور…اظبطي نفسك معايا.
هبت واقفة فورًا…وكأن كلماته صبت الزيت فوق النار.
وقالت بغضب موجوع: لا والله؟
ثم أشارت نحو الباب بعنف: وبعدين إنت مخبطتش ليه؟
واتسعت عيناها وهي تكمل: مش خايف أكون لابسة حاجة تزعلك؟
واختنق صوتها قليلًا قبل أن تضيف بمرارة:
ولا إنت أصلًا داخل تزعلني…
فقلت دي تيجي في دي؟
ربعت ذراعيها حول صدرها.
وكأنها تحاول حماية نفسها من شيء لا تراه.
ثم قالت بصوت خافت أكثر إيلام: ولا خلاص…
زعلي مبقاش يهمك يا شاهين؟
وأكملت وهي تنظر إليه بعينين ممتلئتين بالعتاب:
تزعقلي في البيت…وفي الشارع…
وتهزقني قدام الناس كلها.
وهان عليك عادي؟
تلقى كلماتها بصمت.
لكن كل كلمة كانت تصيبه في موضع حساس لا يعترف بوجوده.
اقترب خطوة.
فابتعدت هي خطوة أخرى فورًا.
كأن بينهما جدار غير مرئي.
فاشتعلت عيناه بضيق واضح…لكنها سبقته وقالت بحدة:
متقربش مني.
توقف شاهين مكانه…
وتجمدت خطواته…
أما هي…
فكانت تقف أمامه بعنادها كله.
وغضبها كله.
وحزنها كله.
بينما كان قلبها الصغير يصرخ بشيء واحد فقط…
أنه لم يؤلمها صراخه.
بقدر ما آلمها أنه ظن للحظة أن خوفه عليها يبرر ذلك الصراخ.
أما شاهين…
فكان ينظر إليها وكأنه يرى لأول مرة حجم الجرح الذي تركته كلماته داخلها.
وحينها فقط…
شعر أن مواجهة الرجال أهون ألف مرة من مواجهة دمعتين في عيني حور.
وأخيرًا…
استسلم شاهين.
استسلم لذلك الحنين الذي ظل يقاومه منذ الأمس.
اقترب منها بخطواتٍ ثابتة، لا تعرف التراجع، حتى صار على بعد أنفاس منها.
وحين حاولت الابتعاد…
امتدت يده إلى خصرها.
شهقت حور فجأة عندما جذبها إليه.
جذبها إلى صدره بقوة مشبعة باللهفة، لكنها لم تحمل ذرة أذى.
كأنها كانت المسافة التي يعجز عن احتمالها.
وكأن اقترابها منه حاجة لا رغبة.
وضعت كفيها على صدره محاولة دفعه، لكن ذراعه اشتدت حول خصرها أكثر.
احتواها بقرب موجع.
بقرب رجل يشعر أن ابتعادها عنه اقتلاع لجزء من روحه. حتى بدا وكأنه يحاول إعادتها إلى مكانها الطبيعي…
بين ضلوعه.
رفع يده ببطء.
ولمس طرف ذقنها برفق يناقض تمامًا خشونته المعهودة.
لكنها أغمضت عينيها فورًا.
ولوت وجهها إلى الجهة الأخرى.
كأن النظر إليه أصبح خطر..
كأنها تعلم أن عينيه قادرتان على هدم كل الأسوار التي بنتها داخلها منذ ليلة أمس.
مال شاهين برأسه قليلًا…وأخذ يتأملها بصمت.
تأمل ارتجافة أهدابها.
وحمرة أنفها من أثر البكاء.
وذلك العناد الصغير الذي تحتمي خلفه كلما انكسرت.
ثم مرر أصابعه فوق وجنتها ببطء.
وانزلقت يده إلى عنقها.
وقبض عليه برفق حاني يحمل من التملك بقدر ما يحمل من الخوف.
ثم أعاد وجهها إليه.
فالتقت عيناها بعينيه أخيرًا…همس بالقرب منها:
مش عايزة تبصيلي ليه يا حور؟
ثم ابتسم ابتسامة صغيرة موجوعة وأضاف: خايفة؟
تعثرت أنفاسها.
بينما كان هو يغرق أكثر في عينيها.
عينان عرفهما منذ طفولتها.
وحفظ فيهما كل ضحكة وكل دمعة.
ثم قال بصوت أجش أثقله الشعور: خايفة تشوفي خوفي عليكي؟
سقطت دمعة بطيئة على وجنتها.
دمعة ثقيلة خرجت من قلبها قبل عينيها.
فتبدلت ملامحه فورًا…وكأن تلك الدمعة أصابته هو.
مال عليها وأزاحها برفق بشفتيه من فوق بشرتها.
ثم همس قربها: مشكلتي الوحيدة إني بخاف عليكي زيادة عن اللزوم.
أغمض عينيه للحظة وأكمل بصوت خرج صادق وعاري من كل دفاعاته: بخاف عليكي من الدنيا…
ومن الناس…
ومن الغلط…
وصمت ثانية قبل أن يقول بصعوبة:
وبخاف عليكي حتى من نفسي ومن ناري اللي بتقيد جويا .. بخاف عليكي تحرقك غصب عني بلجم نفسي قدامك برضو من خوفي..
ارتجفت شفتاها.
ورفعت وجهها إليه أخيرًا.
وكانت عيناها ممتلئتين بذلك الوجع الذي لا يولده إلا الحب.
وقالت بصوت مرتعش:وأنا بخاف من خوفك يا شاهين.
تجمد مكانه.
فأكملت وهي تنظر إليه مباشرة: بخاف من عينيك لما تغضب.
وانكسر صوتها أكثر:ومن صوتك لما تزعقلي.
أغمض شاهين عينيه للحظة طويلة.
كأن كلماتها أصابت موضع حساس داخله.
ثم عاد ينظر إليها.
ونظراته هذه المرة كانت أهدأ.
أكثر دفئ…وأكثر ندم…
مرر كفه على شعرها بحنان شديد.
وقال بصوت خافت: أنا عمري ما عرفت أوصف خوفي غير بالطريقة الغلط.
تنهد ببطء…ثم أضاف: ولما بخاف عليكي…
بنسى نفسي…وبنسى إن اللي قدامي قلبي وبوجعك..
اقترب قليلًا حتى أصبحت كلماته تصل إليها كهمس دافئ…وقال: سامحيني يا بت سنين عمري…
ثم ابتسم ابتسامة صغيرة باهتة:
عمري ما كنت عايز أخوفك…ولا أزعلك.
ولا أخلي دمعة واحدة تنزل من عينك بسببي.
رفع يده وأزاح خصلة شعر علقت على وجنتها.
وأردف بصوتٍ امتلأ بالصدق:
ولو الدنيا كلها وقفت ضدي…
أهون عليا من إني أشوفك واقفة قصادي بالزعل ده.
حينها فقط…
شعرت حور أن كل غضبها بدأ يذوب ببطء.
ليس لأن شاهين اعتذر.
بل لأنه لأول مرة…
لم يدافع عن نفسه.
واختار أن يعترف بأنه تألم بقدر ما آلمها.
حاولت حور دفعه بيدين ضعيفتين، وهمست بصوت مرتجف مبلل بالاشتياق :
أنا عارفة يا شاهين كل ده.. بس قلبي بيرجف جوايا لما تكون زعلان مني… وأنت مش بتفهمني.. أنا عملت إيه عشان الزعل ده كله؟ مش بعرف أصالحك، وبموت لما أشوفك زعلان أكتر مني.
ضمها شاهين بقوة إلى صدره الصلب الدافئ، ضغط على ظهرها بكف كبيرة، ينزلق بأصابعه ببطء نحو أسفل ظهرها ودفع حوضها إلى جسده حتى احتكت به تماماً، وهمس في أذنها بصوت أجش مثير يهز أعماقها:
دانا أسهل واحد يتصالح.. تثبتي في حضني كده.. تحركي جسمك عليا.. وتبوسيني كده يا حور قلبي.
انفجر شاهين في تلك اللحظة…جذبها بعنف حاني، أمسك وجهها بين كفيه، والتهم شفتيها بقبلة عاصفة شرسة.
لسانه يغزو فمها بعمق، يمتص لعابها، يعض شفتها السفلى بشهوة، وهو يئن في فمها…
يداه تنزلقان على جسدها بجوع، إحداهما تعصر جسدها بقوة، والأخرى تضغط على ظهرها يلصقها أكثر على بجسده المتصلب المتوهج..
كانت أنفاسهما تختلط بحرارة، أجسادهما ملتصقة، والحرارة بينهم تتصاعد بسرعة. ..
للحظات تلاشى كل شيء، ولم يبقي سوى صوت قبلاتهما المبللة، وأنينهما الخافت، ودقات قلبهما المتوحشة.
حين ابتعد ليسترد أنفاسه، كانت حور لاهثة، شفتاها منتفختان، وعيناها مغشاوة بالرغبه… دفعته بخجل وهمست بصوت متقطع: شينو.. نفسي أنقطع..
اقترب منها شاهين مرة أخرى، قبل جبينها بقبلة حارة، وأنفاسه الملتهبة تحرق بشرتها…
استنشق رائحة شعرها بعمق، ثم نزل بشفتيه إلى رقبتها يعضها بلطف ويمتصها، وهمس بصوت مكسور من الرغبة: حقك عليا يا روحي.. يا ريت أقدر أخليكي تتنفسي من جوا قلبي.. واشيلك جوه كمان.
ابتسمت حور بخجل، واتسعت عيناها بدهشة طفلة متهورة وهي تنظر إلى الصندوق… صاحت بصوت فيه رجفة خفيفة: إيه ده يا شينو؟
مال شاهين إليها بجسده القوي، يرفع الصندوق بين يديه وقال بصوت غليظ ممتلئ بالرغبة: جبتلك التموين يا قلبي شينو.
شهقت حور شهقة عميقة وسحبت الصندوق بلهفة، وهتفت بصوت ناعم: الله.. ربنا يخليك ليا يا حبيبي!
جلست على طرف السرير، فتحت الصندوق بأصابع مرتعشة…
أما شاهين فقد وقف أمامها كتمثال، يلتهمها بنظراته السوداء الحارة، يتأمل نهديها البارزين تحت القماش، وانحناءة خصرها، وفخذيها المضغوطين على حافة السرير، كأنها أشهى شيء رآه في حياته.
التقطت قطعة شطيرة وقضمت منها بنهم… لم تكد اللقمة تدخل فمها حتى انقض شاهين… قبض بقوة على شعرها من الخلف،
شد رأسها إلى الوراء بحزم تملكي، وهبط على فمها المفتوح كالوحش الجائع…
أدخل لسانه بعمق، يسرق الطعام واللعاب الساخن معاً في قبلة مبللة، طويلة، شرهة… امتص شفتيها السفلية بقوة، يعضها بلطف ثم يمتصها مرة أخرى، وهو يئن بصوت خشن من أعماق صدره.
أغمضت حور عينيها وارتجف جسدها كله، شعرت بحرارة جسده الصلب يضغط علي جسدها ،
وكاد الصندوق يسقط…
ابتعد شاهين قليلاً، يمضغ ما سرقه من فمها ببطء، وعيناه تحترقان، ثم همس بصوت مبحوح: أحلي من العسل …
وفجأة…
انفتح الباب دون مقدمات.
ودلف أحمد إلى الغرفة بخطواتٍ سريعة، يحمل فوق كتفيه غبار السفر وإرهاق الطريق، لكن كل ذلك تبخر في اللحظة التي وقعت فيها عيناه على شاهين.
تجمد في مكانه.
ثم ضاقت عيناه ببطء.
وكأن وجود شاهين داخل غرفة ابنته جريمة شخصية موجهة إليه وحده…فهدر بنزق خشن:
إنت بتعمل إيه هنا يا جلنف إنت؟
لكن حور لم تسمع شيئًا بعد كلمة واحدة فقط… : بابا ..
التفتت نحوه كأن روحها عرفته قبل عينيها.
ثم اندفعت إليه بكل شوق الأيام الماضية.
ركضت نحوه دون تفكير.
دون حساب.
دون أن ترى أحدًا غيره: بابا…
خرجت الكلمة من قلبها قبل لسانها.
ففتح أحمد ذراعيه لها فورًا.
واحتواها داخل صدره في اللحظة التالية.
ضمها إليه بقوة رجل عاد من سفرٍ طويل ليجد قطعة روحه ما زالت في مكانها.
ثم دفن شفتيه في شعرها وقبل رأسها ..وهو يتمتم بصوت أثقله الحنان: يا قلب أبوكي…
وحشتيني وحشة السنين.
أغمضت حور عينيها داخل حضنه.
واسترخت بين ذراعيه براحة طفلة عادت إلى موطنها الأول.
أما شاهين…
فكان يقف هناك….يراقب المشهد.
وفي كل ثانية كانت نار جديدة تشتعل داخله.
نظر إلى يد أحمد الملتفة حول خصرها.
ثم إلى رأسها المستقرة فوق صدره.
ثم إلى تلك الابتسامة التي لم يرها على وجهها منذ الأمس.
وشعر بشيء أقرب إلى الغيرة الحارقه…
غيرة لا تليق برجل عاقل….ولا يمكن تفسيرها.
لكنه كان يشعر بها رغم عنه.
حتى إنه وجد نفسه يتمتم بحنق:
مش الناس تدخل تقول السلام عليكم الأول؟
ثم أشار بيده بامتعاض:إيه دخلة المخبرين دي؟
رفع أحمد رأسه ببطء.
وبقيت ذراعه حول ابنته….بل شددها أكثر.
وكأنه يفعل ذلك عمدًا…ثم قال بصوتٍ خشن:
الكلام ده ليا أنا يا ولا؟
وأشار إلى حور بفخر واضح: أنا داخل على بنتي.
ثم رمق شاهين من أعلى رأسه حتى أخمص قدميه وأضاف: إنت اللي بتعمل إيه هنا يا تور؟
اختنقت ضحكة حور داخل صدرها.
بينما شعر شاهين أن أعصابه بدأت تتآكل بالفعل.
لكن المصيبة لم تنتهي…إذ ابتعد أحمد قليلًا عن ابنته.
ثم نظر إليها فجأة. وتوقفت عيناه فوق ملابسها.
فتبدلت ملامحه في لحظة…وهدر: وانتي يا بت!
اتسعت عينا حور بدهشة…أما أحمد فأكمل:
واقفة كده ليه؟ مش لابسة إسدال ليه؟
وفي أقل من ثانية…كان شاهين يتحرك.
مد يده وسحب حور خلفه تلقائيًا.
حتى أصبحت مختبئة خلف كتفه.
ووقف بينهما كحائط بشري.
حركة خرجت منه بعفوية كاملة.
كأن جسده سبق عقله…فنظرت إليه حور بدهشة.
بينما رفع أحمد حاجبيه حتى كادا يلامسان شعره.
فهمست حور باستغراب: يا بابا ده شينو.
استدار أحمد إليها.
ثم قال وكأنه تلقى صدمة عمره: احا وشينو ده مش دكر ولا ايه ؟
ثم التفت إلى شاهين وهتف:ولا أنا فاهم غلط؟
عض شاهين داخل وجنته بقوة.
بينما كانت حور على وشك الانفجار من الضحك.
أما أحمد فواصل ضرباته بلا رحمة: أهو…
طالما مش شايفك راجل.
يبقى ملكش بنات عندي للجواز.
ساد الصمت….ثانية…اثنتين…ثلاث
ثم نظر شاهين إليه بوجهٍ جامد.
وجه رجلٍ يحاول بكل ما يملك ألا يرتكب جريمة.
وتمتم من بين أسنانه: ده عشان مشفتش رجالة غيري.
في اللحظة نفسها…اختفت ابتسامة أحمد.
ورفع حاجب واحدا ببطء خطير.وقال:
قصدك إيه يا ولا؟
أدرك شاهين فورًا أنه سقط في الفخ…مرة أخرى.
كما يسقط دائمًا أمام أحمد المهدي.
فمرر يده فوق وجهه…وأغمض عينيه لحظة.
ثم قال باستسلامٍ مرير: ولا حاجة يا عمي.
لكن أحمد كان قد انتصر بالفعل.
وظهر ذلك واضح في الابتسامة المتشفية التي زينت وجهه.
أما حور…
فكانت تنظر إليهما بصمت…ثم ابتسمت.
ابتسامة صغيرة دافئة.
لأنها كانت تعرف الحقيقة التي لا يعترف بها أي منهما…
أن أحمد يرى في شاهين الرجل الوحيد الذي قد يأتمنه يومًا على ابنته.
وأن شاهين…
رغم كل مشاجراته معه…
كان يعتبر رضا أحمد عنه أهم من رضا العالم كله.
ولهذا تحديدًا…
كانت معاركهما لا تنتهي أبدًا.
وقبل أن ينفجر الموقف أكثر…
انفتح باب الغرفة مرة أخرى.
ودلفت شهد إلى الداخل على وقع الأصوات المرتفعة.
توقفت للحظة وهي تتأمل المشهد أمامها.
أحمد.
حور.
وشاهين الذي بدا وكأنه على وشك إعلان حرب عالمية بسبب قطعة طعام.
فعقدت حاجبيها بدهشة واقتربت من أحمد سريعًا.
ثم أحاطته بذراعيها بعفوية مشتاقة وقالت:
إيه ده يا أحمد؟ إنت جيت إمتى؟
ما ناديتش عليا يعني؟ ولا حتى قلت إنك وصلت؟
التفت أحمد إليها…وتراجع شيءٌ ما داخل عينيه للحظة.
شيء لم ينتبه له أحد.
وربت على منكبها ربتة خفيفة…باردة أكثر مما ينبغي.
وقال:لسه جاي يا شهد.
ثم أشار نحو حور : بس البت كانت واحشاني.
كنت عايز أطمن عليها الأول.
ساد صمت قصير.
قصير جدًا.
لكنه كان كافي.
كافي لأن تشعر شهد بذلك الشيء البارد الذي هبط فجأة داخل صدرها …
وخز صغير.
لا يؤلم.
لكنه يترك أثره.
فابتسمت محاولة إخفاء ما شعرت به وقالت:
لا عادي…بس أول مرة تدخل البيت من غير ما تنادي عليا الأول.
انخفض صوتها في آخر الجملة دون أن تشعر.
بينما كانت عيناها تبحثان عن شيء لا تعرف اسمه.
أما أحمد…فلم ينتبه….أو ربما انتبه وتجاهل.
وفي تلك اللحظة…جاء صوت شاهين…حاد..مستفز..
ومحمل بكمية غير طبيعية من الاعتراض: واحشاك؟
التفت الجميع إليه.
بينما عقد شاهين ذراعيه أمام صدره.
ينظر إلى أحمد كما لو أنه ارتكب جريمة أخلاقية.
رفع أحمد حاجب واحد ببطء…وقال ببرود: آه.
وحشاني.
ثم أشار إلى حور : مش بنتي ولا إيه؟
كان الرد منطقي…عادي…طبيعي ..
لكن شاهين لم يكن في حالة تسمح له بالتعامل مع المنطق.
خصوص حين يتعلق الأمر بحور.
ولهذا لم يرد أصلًا.
بل تحرك مباشرة نحو الصندوق الموضوع فوق السرير.
وفي اللحظة نفسها…
كان أحمد قد التقط إحدى القطع منه…ورفعها نحو فمه.
لكن قبل أن تصل…
امتدت يد شاهين.
واختطفتها من بين أصابعه في سرعة صادمة.
ثم ألقاها داخل الصندوق مجددًا…وقال بحزم:
سيب أكل البت….وروح لمراتك تأكلك.
أنا جايب الأكل ده لحور.
ساد الصمت…ثانية كاملة.
حتى حور فتحت فمها من شدة الذهول.
أما أحمد…
فنظر أولًا إلى يده الفارغة….ثم إلى شاهين.
ثم عاد ينظر إلى يده وكأنه غير مصدق ما حدث للتو.
وقال ببطء خطير: إنت منعتني آكل؟
رفع شاهين كتفه بلا مبالاة : آه.
ارتفع حاجب أحمد أكثر…وقال : وأنا باكل من أكل بنتي.
اقترب شاهين خطوة…وقال: وأنا اللي جايبه.
اقترب أحمد هو الآخر : وبنتي.
اقترب شاهين أكثر : وأكلي.
أغمضت شهد عينيها بيأس.
بينما وضعت حور يدها فوق فمها حتى لا تضحك.
أما أحمد وشاهين فكانا يقفان وجهًا لوجه.
كرجلين ناضجين تمامًا…
يتشاجران على قطعة شطيرة.
وفجأة…
قبض شاهين على ذراع أحمد…واستدار به نحو الباب.
ثم قال بنزق: تعال بقى.
خرج أحمد معه رغم مقاومته الشكلية.
وهو ما يزال يلتفت إلى الصندوق بحسرة واضحة.
بينما كان شاهين يسحبه كمن يقبض على مجرمٍ خطير.
وقبل أن يخرج التفت نحو حور.
وأشار إليها بإصبعه محذرًا: خليكي جوه.
كلي.ونامي.
ثم أغلق الباب خلفه بعنف….فاهتزت الغرفة كلها.
وبقيت حور تحدق في الباب المغلق لثواني طويلة.
ثم التفتت نحو الصندوق…ثم نحو الباب مرة أخرى.
وأخيرًا…انفجرت ضاحكة.
لأنها كانت تعرف أن الرجلين في الخارج قد يتصارعان على أي شيء…
إلا عليها.
ففي تلك النقطة تحديدًا…
كان كل منهما مستعد أن يحارب العالم كله من أجلها.
في الخارج…
ما إن أُغلق باب الغرفة خلفهما حتى استدار أحمد نحو شاهين بعصبية واضحة.
ثم لكزه في صدره لكزة قوية جعلته يتراجع نصف خطوة…وقال بحنق:
إنت عايز تعملها حظر تجول في بيتي يا تور؟
توقف شاهين…ثم التفت إليه ببطء.
وكانت نظراته تحمل ذلك المزيج الغريب من الغضب والعناد والغيرة التي لم يعد يحاول إخفاءها أصلًا.
وقال بصرامة: أصلًا كده جابت آخرها.
ثم أشار نحو الغرفة المغلقة خلفه وأضاف:
وبكرة أبقى أعملها حظر تجول في حدود حضني وبس…
وقريب أوي.
ارتفع حاجب أحمد دفعةً واحدة…وكاد يرد.
لكن صوت شهد سبقهما.
إذ اقتربت منهما بابتسامة تحاول بها إعادة الهدوء إلى المكان.
وربتت على كتف شاهين بحنان أمومي تعرفه منذ سنوات…وقالت: إن شاء الله يا حبيبي…
ربنا يتمم لكم على خير.
ثم نظرت إليهما وأضافت: اقعدوا وأنا أحضرلكم العشا.
لكن شاهين هز رأسه فورًا….وبحدة أوضح مما قصد.
ثم رمق أحمد بنظرة مشتعلة وقال: لا…مليش نفس آكل.
وسكت لحظة….ثم أردف بمرارةٍ غاضبة: خلي جوزك ياكل بدل ما يروح ياكل أكل غيره.
سقطت الكلمات في الممر كحجر أُلقي داخل ماء راكد.
وتجمد كل شيء للحظة.
اختفت الابتسامة عن وجه شهد.
بينما ثبت أحمد عينيه على شاهين مباشرة…نظرة طويلة.
ثقيلة.
صامتة.
لكنها كانت تحمل من الغضب ما يكفي لإشعال المكان.
أما شاهين…
فكان قد قال ما يريد قوله…ولهذا استدار دون انتظار رد.
وتحرك مبتعد بخطوات سريعة.
خطوات رجل يغلي من الداخل أكثر مما يظهر.
وكان صوت حذائه فوق الأرضية يتردد في أرجاء المنزل كأنه يفرغ غضبه مع كل خطوة.
حتى اختفى تمامًا…وبقي الصمت…صمت ثقيل.
خانق.
مؤذي.
التفتت شهد ببطء نحو أحمد.
وعيناها لم تعودا تحملان الدفء ذاته الذي كان فيهما قبل دقائق.
بل شيئًا آخر….شيئًا أكثر قسوة…وأكثر وجع…
ثم استدارت دون أن تقول كلمة واحدة.
واتجهت نحو المطبخ.
لكن خطواتها وحدها كانت كافية لتخبره بحجم غضبها.
أما أحمد…فبقي واقفًا مكانه….يتابع ابتعادها.
ثم مرر كفه على وجهه بعنف.
وزفر زفرة طويلة مثقلة بالضيق.
شعر وكأن البيت كله انقلب ضده خلال دقائق معدودة.
شاهين غاضب.
وشهد غاضبة.
وهو…
لا يملك حتى رفاهية الدفاع عن نفسه.
رفع رأسه نحو السقف وأغمض عينيه للحظة.
ثم تمتم بضيق حقيقي: الله يخربيتك يا شاهين…
ما تسيب المصايب تمشي على رجلين ليه؟
لكن الحقيقة التي كان يعرفها جيدًا…
أن غضبه من شاهين لم يكن بسبب كلماته.
بل لأنه أصاب موضع حاول أحمد الهروب منه طويلًا.
موضع جعله يشعر للمرة الأولى…
………
في عيادة الدكتور فتحي المغربي…
ساد الصمت داخل غرفة الكشف للحظات ثقيلة بعد انتهاء الطبيب من فحص تاليا.
كانت الصغيرة جالسة فوق السرير الطبي، تراقب الوجوه حولها ببراءة لا تعرف شيئًا عن ذلك القلق الذي بدأ يزحف إلى قلوب الكبار.
خلع الطبيب السماعة من حول عنقه ببطء، ثم نظر إلى نرجس وأشار إليها قائلًا: لبسيها يا مدام.
أومأت نرجس برأسها وهي تحاول السيطرة على ارتجافة أصابعها.ثم سألت بتوترٍ واضح: خير يا دكتور؟
توقف للحظة…ونظر إلى الصغيرة…ثم قال بصوت هادئ:
كله خير إن شاء الله.
لكن تلك الجملة لم تحمل الطمأنينة الكافية.
فقد كانت عيناه تقولان شيئًا آخر.
شيئًا لم يرد قوله أمام الطفلة.
استدار وتحرك نحو الخارج.
وفي اللحظة نفسها نهض يونس من مقعده كأن أعصابه كانت مشدودة بخيط رفيع على وشك الانقطاع.
أسرع خلف الطبيب…وتوقف أمامه مباشرة.
وقال بصوتٍ متوتر خرج أكثر حدة مما أراد: خير يا دكتور…طمني…البنت مالها؟
دخل الطبيب إلى مكتبه…وجلس خلفه ببطء.
ثم شبك أصابعه أمامه ونظر إلى يونس طويلًا.
نظرة جعلت قلب الأخير يهبط إلى قدميه.
جلس يونس أمامه.
بينما وقفت نرجس عند الباب تضم تاليا إلى صدرها.
وقد بدأت تشعر أن الهواء نفسه صار أثقل من أن يُتنفس.
تنحنح الطبيب وقال: بص…
أنا مقدرش أقول تشخيص دلوقتي.
لسه بدري جدًا.
بس محتاجين نعمل شوية تحاليل ضرورية.
عقد يونس حاجبيه.
فأكمل الطبيب: عايز تحليل صورة دم كاملة… دلائل أورام
وصفائح دم…
وشوية تحاليل تانية مهمة.
تجمد يونس في مكانه.
وشعر فجأة أن الكلمات فقدت معناها.
وأن العالم كله أصبح مجرد صوت بعيد.
ابتلع ريقه بصعوبة…ثم سأل بصوت مبحوح:
ليه يا دكتور؟
رفع الطبيب عينيه إليه.
فوجد أمامه أب يوشك قلبه أن يتوقف من الخوف.
أب لا يبحث عن تشخيص…بل يبحث عن نجاة.
فقال بحذر: لأن في شوية أعراض مش عاجباني.
ومحتاج أتأكد منها.
اشتدت أصابع يونس فوق ذراع المقعد حتى ابيضت مفاصله.
ثم همس: إنت شاكك في إيه؟
ساد الصمت للحظة…لحظة طويلة كأن الزمن توقف فيها.
ثم زفر الطبيب ببطء وقال: أنا مش بحب أسبق الأحداث….ولا أحب أقلق أهل العيان من غير سبب.
عشان كده مش هقول أي احتمال قبل ما أشوف التحاليل.
ثم مال للأمام وأكمل بجدية:
اللي يهمني دلوقتي إننا نعمل الفحوصات بسرعة.
ونبقى نبني كلامنا على نتائج واضحة.
أما يونس…
فلم يسمع آخر الجملة كاملة.
كان ينظر إلى الفراغ أمامه.
بينما قلبه يهبط أعمق فأعمق داخل خوف أسود لا قرار له.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة…
شعر بالعجز.
ذلك العجز القاتل الذي يصيب الرجل حين يكون الخطر موجه إلى قطعة من روحه…
ولا يستطيع أن يفعل شيئً
ووووووووووو
انتظروني
جروب الفيس
https://www.facebook.com/share/g/19VZ7arEvC/
بيدچ ساحره القلم والقلوب ساره احمد
https://www.facebook.com/share/1CjiPtegcT/
بيدچ ساحره قلم الحكايات
https://www.facebook.com/share/18Bf1TqPSi/
ساحره القلم ساره احمد

تسلم ايدك ي مبدعه ♥️
تسلمي يا قمر ♥️
❤️❤️❤️
♥️♥️♥️♥️
تسلم ايدك مقدما ❤️
تسلمي يا قمر ♥️
تسلم ايدك ياقلبي
حبيبتي تسلمي ♥️
تسلم الايادي طبعا تحفة ❤️❤️
عيونك تسلمي يا قمر ويسلم ذوقك ♥️
تسلم ايديكي حبيبتي ❤️
تسلمي يا قمر ويسلم ذوقك ♥️
تسلم ايدك ياسووووو مبدعه
تسلمي يا قمر ♥️
تسلم ايدك
تسلمي يا قمر ♥️
تحفه 💜💜
عيونك تسلمي يا قمر ♥️
البارت رووووعه تسلم ايدك ي سوووو
تسلمي يا قمر ♥️
ايه الحلاوه دي
حبيبتي تسلمي يا قمر ♥️
شاهين واحمد بيودو البارت في حته تانيه بجد
حصل
تسلم ايدك يا سو يجببتي
تسلمي يا قمر ♥️
روعة تسلم ايدك
حبيبتي تسلمي ♥️
جميلة
عيونك تسلمي يا قمر ♥️
تحفه
تسلمي يا قمر ♥️
تحففه تسلم ايدك
حبيبتي تسلمي ♥️
مبدعة دايما😍😍
تسلمي يا قمر ♥️
تحفه بارت يستحق الانتظار
ررروعه يا ساره بس بالله عليكي متغبيش علينا
تسلمي يا قمر ويسلم ذوقك ♥️
زى ما توقعت شهد حاسة ان احمد ميال لحور حتى شاهين داخل له الشك صعبان عليه يونس ان ممكن تكون عندها مرض خبيث
هنشوف الأحداث الجايه
تحفه
تسلمي يا قمر ♥️
تحفة
حبيبتي تسلمي ♥️
تسلم ايدك ساحرة القلم ❤️😍
تسلمي يا قمر ♥️
روعة
تسلمي يا قمر ♥️
البارت روعه مش قادره أحدد موقف احمد متحمسه للقادم باذن الله
تسلمي يا قمر ♥️
تحفه
حبيبتي تسلمي ♥️
الفصل تحفه اوي تسلم ايدك ❤️❤️❤️
تسلمي يا قمر ♥️
تحفة 🥰
تسلمي يا قمر ♥️
تحفة تسلم ايدك يا قلبي ❤️
تسلمي يا قمر ♥️
جميله جدا وممتعه تسلم ايدك يا قلبى
حبيبتي تسلمي ♥️
جااااامد
تسلمي يا قمر ♥️
تحفة تحفة تحفة تحفة بجد
عيونك تسلمي يا قمر ♥️
وحشتوني
♥️♥️♥️
♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️
مرحبا بالعوده بعد غياب 💋
مرحباً بالدلوعه وشينو♥️♥️
تحفه
تسلمي يا قمر ♥️
تسلم ايدك تحفه
حبيبتي تسلمي ♥️
تسلم ايدك ياسوا ❤️
تسلمي يا قمر ♥️
البارت تحفه
عيونك تسلمي يا قمر ♥️
حمدلله على السلامه
الله يسلمك 🙈♥️
تحفه تحفه كالعاده
تسلمي يا قمر ♥️
رهيب والبارت بجد روعه
تسلمي يا قمر ♥️
روعه 🔥
حبيبتي تسلمي ♥️
تسلم ايدك
تسلمي يا قمر ♥️
كل عام وانت بخير ياساحرة وتسلم الأيادي ياقمر البارت تحفة
تسلمي يا قمر ويسلم ذوقك وانتي طيبه وبخير ♥️
رائع
تسلمي يا قمر ♥️
تحفة ❤️
عيونك تسلمي يا قمر ♥️
روعه تسلم ايدك ياقلبي
تسلمي يا قمر ♥️
😍😍😍😍😍😍😍
♥️♥️♥️♥️
روعه 🥰🥰🥰🥰
عيونك تسلمي يا قمر ♥️
تسلم الايادي ❤️❤️
تسلمي يا قمر ♥️