ييبب
ملكي وكفي

ملكي وكفي( الفصل السابع وعشرون)

ملكي وكفي( الفصل السابع وعشرون)

البارت 27

فاق شاهين من غمرته حين توقفت السيارة أمام الباب الداخلي للمنزل.

رمش ببطء، كأنه احتاج لحظة كي ينتزع نفسه من ذلك الزمن البعيد، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة خافتة، تحمل شيئًا من الحنين إلى يوم مضى، وإلى طفلة كانت تختبئ خلف باب الحمام وهي تبكي خوف من شيء لم تكن تفهمه…

أما الآن…
فلم تعد تلك الطفلة هناك.

حور كبرت.

صارت في الجامعة، وصارت زوجته التي تحمل اسمه وتشاركه حياته، ومع ذلك ظل جزء منه يراها دائمًا تلك الصغيرة التي كان قلبه يركض إليها قبل قدميه.

ترجل شاهين من السيارة، وأغلق بابها، ثم دلف إلى المنزل بخطوات سريعة، يحمل الحقيبة في يده.
لم يتوقف طويلًا، حتى وصل إلى الغرفة وأغلق الباب خلفه، ثم اتجه إلى المرحاض.

فتح الباب بخفة، فاستقبلته شهقة حور الخجولة، وهي تقبض على المنشفة فوق صدرها في حركة عفوية، كأنها تحاول أن تستر ارتباكها قبل أن تستر جسدها.

رفعت عينيها إليه سريعًا، وما إن رأته حتى انعقد حاجبها في عتاب طفولي لم تستطع معه أن تخفي خجلها:
شينو، مش تخبط؟ خضتني!

اقترب منها شاهين بخطوات هادئة، وعلى ملامحه ابتسامة حانية لا تخطئها عيناها، ثم غمغم بنبرة تحمل من الدلال أكثر مما تحمل من الاعتذار:
سلامتك يا حور عيني، وبعدين تتخضي ليه؟
ماهو أكيد أنا يعني.

أشارت بيدها حولها، وكأنها تذكرت فجأة أن الجدران من حولهما ليست جدران بيتها التي اعتادت أن تشعر فيها بالأمان دون حساب، وقالت بتلقائية:
أصلًا برضو يعني إحنا مش في بيتنا،
وخوفت حد يدخل… ماما ولا بابا.

خرج من صدر شاهين صوت اعتراض طويل، مصطنع الحنق، قبل أن يقول وهو يرمقها بنظرة ساخرة:
أخخخخخ… ليه يا بت متجوزه خبؤ؟
محدش يقدر يهوب ناحية الأوضة طالما عارفين إن رجل ومراته فيها.

تسللت ضحكة حور رغم عنها، ومدت يدها لتأخذ الحقيبة من يده، ثم قالت وهي تهز رأسها بنفي سريع:
مراته إيه؟ ما هو إحنا لسه يا شينو… أنا مش مراتك.

توقفت الكلمات عند شاهين كأنها لم تمر على سمعه عابرة، بل استقرت في موضع ما بداخله واستفزته.

حدق فيها لحظة، ثم اقترب منها وقبض على يدها في مشاكسة واضحة، وسحبها نحوه وحاوط خصرها بذراعه، حتي التصقت به ، وقد ضاقت عيناه بنظرة متسائلة تحمل عتاب محبب: قصدك إيه يا بت؟

شهقت حور من مفاجأته، واستقرت يدها على صدره تستعيد توازنها، ثم رفعت وجهها إليه، وفي عينيها تلك البراءة التي طالما كانت قادرة على إخماد كل حنقه، وقالت ببساطة:
قصدي أنا لسه ما لبستش فستان الفرح ولا عملنا فرح.

زفر شاهين بحنق مصطنع، وكأنه يملك من الاعتراض ما يكفي ليجادلها طويلًا، ثم قال:
مش إحنا اتفقنا إننا مش هنعمل فرح يا حور عيني؟

أومأت برأسها، وانخفض صوتها قليلًا، إلا أن عينيها ظلتا معلقتين به، كأنها تذكره بشيء لا تنوي أن تسمح له بالنسيان:
أيوه… بس إنت كمان وعدتني إني هلبس فستان وبعدها أبقى مراتك.

سكت شاهين للحظة.

لم يكن وعد عابر في ذاكرته؛ كان شيئًا أخذه على نفسه أمامها، وربما أمام قلبه قبل أن ينطق به لسانه…

لذلك تبدلت ملامحه، وانطفأ عبثه لحظة، وحل مكانه ذلك الحنان الذي لا يظهر منه إلا لها.

أومأ ببطء، ثم ضمها إليه بحنان هادئ، كأنه يطمئنها قبل أن يجيبها، وقال بصوت خافت يحمل وعد لا يحتاج إلى قسم: دانا هلبسك أحلى فستان يا حور جنتي.

لكن ابتسامتها لم تكد تستقر على شفتيها حتى انطفأت فجأة، كأن وجع خفي باغتها وسحب منها كل أثر للمرح. وضعت كفها على بطنها، وانكمشت ملامحها قليلًا، بينما تجعد حاجبها تحت وطأة التقلصات :
آه… بطني بتوجعني أوي يا شينو.

تبدلت ملامح شاهين في اللحظة ذاتها.

كأن كل عبثه السابق سقط دفعة واحدة، ولم يبقي على وجهه سوى ذلك القلق الذي لا يستطيع إخفاءه كلما مسها ألم مهما كان بسيط…

اقترب منها سريعًا، وأحاط وجنتيها بكفيه الدافئين، يتفقد عينيها وملامحها وكأنه يريد أن يقرأ الوجع قبل أن تنطق به :
معلش يا قلبي… يلا البسي وننزل أعملك حاجة سخنة تشربيها.

نظرت إليه حور بدهشة طفيفة، وكأنها لم تفهم لماذا يصر على أن يترك دفء الغرفة من أجل كوب شراب ساخن ، وقالت : لازم أنزل معاك؟

أومأ شاهين دون تردد، ثم قال بنبرة حاسمة غلفها الحنان: آه، لازم… إحنا مش في بيتنا، لحد من أهل البيت يكون في المطبخ.

أومأت حور باستسلام، وبدأت ترتدي ملابسها ببطء، فيما ظل شاهين قريبًا منها، يناولها ما تحتاج إليه، ويعينها حين تثقل عليها حركتها، مرة بصبر يكشف مقدار خوفه، ومرة بتأفف مصطنع كلما حاولت أن تقول إنها قادرة على فعل شيء بمفردها.

كان يراقبها أكثر مما يساعدها.

يتابع خطواتها، وحركة يديها، وانكماشة وجهها كلما عاودها الألم، وكأن عينيه لا تعرفان طريق آخر سوى الاطمئنان عليها.

ولم يكن يدري أن المشهد كله قد فتح في داخله باب قديم..

باب مرت عليه سنوات طويلة، لكنه لم يغلق يومًا.

ففي مكان ما من ذاكرته، كانت لا تزال هناك طفلة في الثالثة عشرة، تقف خلف باب حمام المدرسة باكية، تخبره بصوت مرتجف أنها تأذت وأن بطنها تؤلمها، بينما كان هو في الخارج يضرب الباب بقلب يكاد يخرج من صدره، عاجز عن فهم ما أصاب صغيرته.

يومها حمل خوفه عنها بين ذراعيه وعاد بها إلى البيت.

واليوم…

ها هي أمامه، لم تعد تلك الصغيرة.

كبرت، وصارت امرأة يملأ وجودها قلبه، وصارت زوجته التي اختارها قلبه قبل أن تنطق بها الأيام.

ومع ذلك، كان هناك شيء واحد لم يتغير.

كلما تألمت حور، عاد إليه شاهين الرجل الذي كان يقف خلف باب المدرسة؛ الرجل نفسه الذي لا يملك أمام دمعة واحدة في عينيها إلا أن يخاف، ولا أمام وجعها إلا أن يبحث عن أي شيء يستطيع أن يخففه عنها.

تأملها وهي تستعد للخروج، فارتسمت على شفتيه ابتسامة خافتة، تحمل من الحنين بقدر ما تحمل من الحب.

لقد أخذت السنوات منهما الكثير… أخذت طفولتها، وبدلت ملامحها، ونقلتها من تلك الصغيرة التي كان يحميها إلى المرأة التي يحبها ويغار عليها ويخاف عليها.

لكنها لم تستطع أن تنتزع منها مكانتها الأولى في قلبه.

مكان تلك الصغيرة التي حملها يومًا بين ذراعيه.
فبعض الأشخاص لا تكبر صورتهم في القلب مع أعمارهم…

بل تكبر محبتهم فقط.

ولهذا، كلما تألمت حور، شعر شاهين أن السنوات كلها تتراجع خطوة واحدة، وأن قلبه يعود بها إلى اليوم الأول الذي عرف فيه معنى أن يكون وجعها أشد عليه من وجعه.

كأن الزمن مضى فعلًا…
لكن السنوات لم تمر.
لان قلبه لم يتعلم كيف يكبر عليها.

…………
في المطبخ…

حيث كان الضوء الخافت يتسلل من النافذة الضيقة ويمتد على بلاط الأرضية البارد…

دفعت شموع يونس بيديها المرتجفتين وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة لاهثة.

تراجعت خطوة إلى الخلف حتى لامست حافة الطاولة ظهرها، وغمغمت بصوت خافتٍ مقطع كأنّ الهواء نفسه يفر من صدرها :
كفاية يا يونس… أنا مش قادرة آخد نفسي.

اقترب يونس منها وصدره يعلو ويهبط بأنفاس متقطعة ساخنة تكاد تلامس بشرتها.

مرر لسانه ببطء متعمد على شفته السفلى، كأنه ما زال يتذوق أثر قبلتها، وغمغم بصوت أجش منخفض يقطر رغبة مكتومة:
مش بعد ما دوقت شفايفك القشطة…

بلعت شموع ريقها بتوتر وخجل شديد، وارتفعت حرارة وجهها حتى الأذنين. غمغمت وهي تحاول الابتعاد أكثر، لكن المسافة بينهما كانت قد تلاشت تقريبًا:
خلاص… دوقت… وسيبني أطلع أنام بقى.

دنا يونس منها حتى التصق صدره الصلب بصدرها الغض الطري، فشعرت بدفء جسده ينتقل إليها عبر القماش الرقيق. همس في أذنها بصوت خافت أجش، وأنفاسه الساخنة تلفح جلدها:
فاضل أدوق التفاح… وأسيبك تطلعي.

مرت شموع يدها على سطح الطاولة بارتباك مرتعش، حتى وصلت إلى طبق الفاكهة. التقطت تفاحة حمراء لامعة ومدتها إليه بيدين مرتعشتين، وغمغمت بصوت مبحوح مرتجف يكاد يختفي:
خد تفاح أهو… وسيبني.

ضحك يونس بخفوت دافئ خشن، وهز رأسه بالنفي بطيئ وهو ينظر إليها بنظرة جائعة…

مد يده تحت طرف عباءتها، ومرر راحته على أحد نهديها الغض المستدير الطري، يعجنه بنعومة بطيئة لاهثة…

عض شفته السفلى بقوة وهو يشعر بنعومته ودفئه تحت أصابعه، وهمس بأنفاس ساخنة تلامس أذنها مباشرة:
أنا قصدي… التفاح المستخبي ده.

شهقت شموع بذهول مخلوط بخجل عارم وتوتر حاد ، ومالت بظهرها أكثر على حافة الطاولة، وغمغمت والدموع تكاد تلامس رموشها من شدة الارتباك:
يا نهار أسود… انت بتعمل إيه؟
أوع إيدك يا يونس!

مال يونس فوقها بجسده الكامل، يعجن نهدها بنعومة أعمق تحت راحته…

بينما أنفاسه الساخنة تلفح عنقها ووجنتها. شعر بارتفاعه وارتخائه تحت أصابعه، فازدادت شهوته اشتعال..

غمغم قرب شفتيها بصوت أجش مشحون بالرغبة، يكاد يلامس فمها بكلمة:
نهار أسود إيه… ماهو أشطا وملبن أهو… ولو خليتيني أدوق التفاح… هيبقى عسل كمان.

حاولت شموع الإفلات منه، تتململ بين ذراعيه في محاولة يائسة للابتعاد، حتى امتدت يدها في ارتباك لتدفع طبق الفاكهة الموضوع إلى جوارهما..

فانقلب الطبق فجأة، وانطلقت ثماره في كل اتجاه، تدحرجت التفاحات فوق الأرض، واختفت بعضها تحت الطاولة.

شهقت شموع بذهول، واتسعت عيناها وهي تنظر إلى الفوضى التي صنعها ارتباكها، ثم دفعت يونس من فوقها مسرعة، وهمست بقلق: اوعي… كل حاجة وقعت!

ضحك يونس بخفوت، وكأن سقوط الفاكهة لم يكن كارثة تستحق كل هذا الهلع…

ثم حاوط خصرها بذراعه قبل أن تبتعد، وسحبها إليه حتى استقرت بمحاذاته، وقال بخبث واضح: تعالي نجيبهم تحت الطربيزه.

اتسعت عينا شموع أكثر، ونظرت إليه بريبة جعلته يبتسم، ثم شهقت وهي تدفعه عنها:
إيه؟!

وكادت تفر، إلا أن ذراعه كانت أسرع؛ جذبها إليه من جديد، وانخفض صوته حين قال بجوار أذنها، أجشّ دافئ، وكأنه يشرح لها أمر بالغ الجدية:
تعالي نلم التفاح من تحت الطربيزه.

حدقت فيه لحظة، وكأنها تحاول أن تتأكد من أنه يعني فعلًا ما قاله…

ثم لم تجد في ملامحه سوى ذلك العبث الذي تعرفه جيدًا.

وقبل أن تستوعب شموع تمامًا لعبته، دفعها برفق إلى أسفل الطاولة، ثم انحنى خلفها وتبعها…

فتحول المشهد في لحظات إلى مهمة صغيرة مضحكة، يتزاحمان فيها أسفل الطاولة لجمع التفاحات التي تدحرجت بعيدًا.

مدت شموع يدها والتقطت إحداها، ثم أخرى، حتى بقيت تفاحة واحدة في أقصى الركن.

زحفت نحوها قليلًا، وقبضت عليها أخيرًا، ثم تنفست براحة وكأنها أنهت مهمة شاقة :
خلاص… لميتهم كلهم.

لكن ما إن همت بالتراجع حتى امتدت يد يونس، وأطبقت على يدها التي تحمل التفاحة، لا ليأخذها منها، بل ليمنعها من الابتعاد.

رفعت شموع عينيها إليه باستغراب، فإذا به يسحب يدها برفق، شهقت شموع عندما تداعت المسافة الصغيرة …

وسقطت تحت جسد يونس…
مال عليها حتى شعرت بحرارة صدره تنتقل إليها عبر القماش الرقيق…
وبأنفاسه الساخنة تسبق شفتيه بثانية واحدة.

توقفت أنفاسها لحظة، بينما ارتسمت على شفتي يونس ابتسامة مشاغبة، وكأنه لم يكن يجمع تفاح منذ قليل بقدر ما كان يبحث عن ذريعة أخرى لتظل قريبة منه.

ثم قبلها.

كانت قبلته هذه المرة مختلفة تمامًا.

لم يبدأها ببطء ولا بتردد، بل غاصت شفتاه في شفتيها دفعة واحدة…

كأنه كان ينتظر هذه اللحظة منذ سقوط أول تفاحة…

شعرت بضغط فمه الحار يغلق عليها، ثم بتحرك شفتيه البطيء العميق الذي يمتص كل نفس يحاول الخروج من صدرها.

انزلق لسانه داخل فمها بحركة لاهثة واثقة، يرسم دوائر بطيئة على لسانها، ويرتشف منها طعم جعل جسدها يرتجف تحتها كاملة.

حاولت أن تدفعه باعتراض خجول، لكن أصابعها خانتها؛ تعلقت بكتفيه أولًا…

ثم انزلقت إلى شعره وقبضت عليه بقوة لا إرادية.

لف يونس ذراعيه حول خصرها ورفعها قليلًا إليه، بينما راحت كفه الأخرى تسند رأسها من الخلف، تمنعها من الالتفات أو الابتعاد….

ازدادت القبلة عميق حتى شعرت أن الهواء نفسه قد نفد من بينهما، وأنّ كلّ ما تبقى هو حرارة فمه ونبض قلبه الذي يضرب ضدّ صدرها بإيقاع مجنون.

حين انفصل عنها أخيرًا، ظلت شفتاه معلقتين على شفتيها لحظة إضافية، كأنّه يرفض أن يقطع الاتصال تمامًا.

تنفسا معًا في الظلام الضيق، وأنفاسهما ما زالتا متشابكتين، بينما كانت التفاحات المبعثرة حولهما الشاهد الوحيد على ما حدث تحت الطاولة.

فجأة…

تجمدت شموع في مكانها عندما اخترق سكون المطبخ صوت خطوات تقترب، واضحة وثقيلة، آتية من الخارج.

اتسعت عيناها، وانحبس نفسها في صدرها، بينما التفتت نحو يونس برعب صامت.

أما هو، فلم يبد عليه سوى ذلك الهدوء المستفز الذي تعرفه جيدًا؛ رفع حاجب واحد، وارتسمت على شفتيه ابتسامة عبثية، ثم وضع إصبعه أمام شفتيه وهمس:
اششش… ولا كلمه.

نظرت إليه شموع وكأن عقلها توقف عن استيعاب ما يحدث، ثم لكزته في صدره بغيظ مكتوم، وهمست من بين أسنانها: يانهاري… عاجبك؟ هنتفضح!

لم يجبها.

بل ازداد عبث عينيه، وكأن فكرة أن يكشف أمرهما لا تخيفه بقدر ما تسليه.

وفي اللحظة التالية، ظهرت خطوات شاهين عند الطاولة.

لم يكن وحده؛ كانت حور معه، وقد حملها بحذر واضح حتى أجلسها فوق الطاولة برفق شديد، كما لو كان بين يديه شيء يخشى أن تؤذيه أقل حركة…وكأنه يحمل ورده بأوراق أرق من الرقه نفسها…

استقرت حور على سطح الطاولة، بينما وقف شاهين أمامها، ثم سألها بصوت حاني:
أنا هعملك كوبايه نعناع ولا إيه؟

أومأت حور بوهن، ثم عبست قليلًا وقالت:
مابحبش النعناع يا شينو.

حك شاهين جانب لحيته النامية، وأخذ يفكر بجدية مبالغ فيها، قبل أن يقترح: طيب أعملك حلبة؟

اتسعت عينا حور في ذهول امتزج باشمئزاز صريح، وقالت فورًا:
يع! ريحتها وحشه أوي، وبعدين هو أنا والده عشان أشرب حلبة؟

انفجر شاهين ضاحكًا، واقترب منها حتى وضع كفيه على الطاولة، محاصر المسافة من حولها ، ثم مال بجسده عليها حتى استقرت جبهته على جبهتها في حنو شديد.

وغمغم، وهو يكتم ضحكته:
إنتى مش ملاحظة إنك بتجري رجلي وهنقع كده يا بت؟

رفعت حور يديها الصغيرتين، وأسندتهما إلى صدره الصلب، ثم رفعت عينيها إليه ببراءة صافية، وقالت بصوت ناعم كنسيم الفجر:
نقع فين يا شينو؟ مانا قاعدة على الطربيزة …
وإنت واقف على الأرض أهو…

كاد شاهين يضحك من منطقها البريء، لكنه عض شفته محاول كتم ابتسامته، ثم مال نحوها أكثر، وخفض صوته حتى صار همس لا يكاد يتجاوز المسافة بينهما:
نقع في العسل يا بت.

ارتجفت ضحكتها الخافتة، بينما رمقته بنظرة تجمع بين الخجل والاعتراض….

دون أن تعرف أن خلف الطاولة، كانت شموع تحدق في يونس بعينين متسعتين، وتكتم أنفاسها حتى لا تتحول تلك اللحظة إلى فضيحة جماعية.

التهم شاهين شفتي حور بقبلة عاصفة مفاجئة، كأن الكلمات الصغيرة التي همست بها قد أشعلت في صدره نار ظلت خامدة زمن طويل، ثم انفجرت دفعة واحدة.

لم تكن قبلته بطيئة ولا مترددة؛ بل غاصت شفتاه في شفتيها كمن يغرق بعد عطش طويل، يبتلع أنفاسها ويتركها بلا هواء.

أحاط خصرها بذراعيه القويتين وضمها إليه بقوة حانية حارة، حتى شعرت بصلابة صدره تضغط على صدرها الغض، وبنبض قلبه المجنون ينتقل إليها مباشرة.

قبضت حور على ياقة قميصه بأصابع مرتجفة، وتعلقت به دون تفكير، بينما راحت ساقيها تلفان خصره تلقائي،
كأن جسدها قد قرر قبل عقلها أنّه لن يدعها تبتعد.

رفعها شاهين إليه بسهولة واحدة، ودار بها في دائرة قصيرة مجنونة قبل أن يجلس فوق حافة الطاولة، مستقر هي بين ذراعيه وفوق صدره …

ظل قريبًا منها، غارق في قبلته حتى بدا كأنه يحاول أن يختصر فيها كل ذلك العشق الذي تراكم في قلبه شهور طويلة، حتى صار أكبر من أن تحتويه الكلمات أو تخفيه النظرات.

ازدادت قبلته عمق؛ انزلق لسانه داخل فمها بحركة لاهثة واثقة، يرتشف منها طعم جعله يشدها إليه أكثر، بينما راحت كفاه تسيران على ظهرها ببطء ملتهب.

شعرت حور أنّ العالم خارج ذراعيه قد تلاشى تمامًا، وأن كل ما تبقى هو حرارة فمه، ووزن جسده، ونبض قلبين يتسابقان في صدر واحد.

وفي الوقت نفسه…داخل الخزانة…

لم تكن أنين تعرف هل تختنق من ضيق المكان أم من هول الموقف.

فتح ياسين الباب مقدار ضئيل، وألقى نظرة خاطفة إلى الخارج، ثم أشار نحو شاهين وحور وهمس بعبث:
بصي… إحنا مش لوحدنا اللي بنعمل كده…
كل المتجوزين كده.

اتسعت عينا أنين، وحاولت التقاط أنفاسها بصعوبة، قبل أن تدفن وجهها في صدره وهمست بذعر:

يامري! وبعدين يا ياسين؟ مشيوا شموع ويونس وچم حور وشاهين… هنطلع كيف من الدولاب ديه؟

أغلق ياسين باب الخزانة سريعًا، ثم مد يده إلى وجهها، ورفع ذقنها برفق حتى أجبرها على النظر إليه.

كانت الدموع لا تزال عالقةزعلى وجنتيها، وأنفاسها متقطعة من شدة الارتباك، فابتسم لها وهمس بالقرب من شفتيها المرتجفتين:
ونطلع ليه؟ هو في أحلى من كده؟
دانا كنت هموت وأذنقك يا بت.

شهقت أنين، وهزت رأسها بعجز، ثم غمغمت والدموع تنهمر فوق وجنتيها:
لا يا يونس… أنا بدي أخرج..
معنتش جادرة آخد نفسي…
طلعني من المخروب ديه…

توقفت ابتسامة ياسين قليلًا أمام خوفها، فأومأ برأسه، ومسح دموعها بحنو، ثم قال:
تعالي نخرج يا حبيبي…
محدش له عندنا حاجة…
إنتي مراتي أصلًا…

سحبت أنين نفس مرتجف، ثم مسحت وجنتيها سريعًا، وهمست وهي تحاول أن تستجمع ما تبقى من جرأتها:
وه! لاه طبعًا… أوريهم وشي كيف؟
إحنا نسيتني شوية!

وفي الجهة الأخرى، أسفل الطاولة…

كانت شموع قد أغمضت إحدى عينيها، بينما فتحت الأخرى على اتساعها، ترمق ما يحدث فوقها في ذهول وخجل، ثم همست لنفسها: يلهوي…

شعر يونس بنظراتها، فالتفت إليها بحنق، ولكزها في كتفها بنزق وغيرة، وهمس:
بتبصي عليا إيه يا بت؟ اتلمي.

التفتت إليه شموع بدهشة، ورفعت حاجبها بنزق، ثم أشارت بعينيها إلى الأعلى وقالت هامسة:
أنا اللي أتلم؟ ولا إنت وأخواتك اللي قلبتوا البيت مبوسة؟

ارتسمت على شفتي يونس ابتسامة جانبية، واقترب منها حتى صار صوته همس لا يصل إلى أحد سواها:
شكل كده بيتكم مبروك يا بت النحس… كله أنفك هنا.

عضت شموع شفتها بخجل عميق، وأغمضت عينيها حين اقترب منها يونس أكثر، ثم أحاطها بذراعه في ذلك الركن الضيق، ومال عليها والتهم بشرتها حتي ترك على عنقها أثر ملتهبه من قبلته،
وكأن الفوضى التي بدأت بسقوط التفاح لم تكن تنوي أن تنتهي في أي وقت قريب.

وفوقهم، كانت حور وشاهين غارقين في قبلتهم الحارة…

وداخل الخزانة، كانت أنين تحاول بشتى الطرق أن تجد مخرج…

وتحت الطاولة، كانت شموع تكتشف متأخرة أن اختباءها من الجميع ربما كان أسوأ قرار اتخذته في حياتها.

……………..

فجأة…

شق صوت أحمد الغاضب سكون المطبخ كالصاعقة، فارتجت له اللحظة بأكملها:
هنا برضو يا ابن الكلب؟! حتى بعد ما بقيت معاها في أوضة واحدة، غاوي تتفضح في كل حتة؟! حتى احترم إننا مش في بيتنا!

شهقت حور بخجل حاد، واتسعت عيناها حتى كادتا تفضحان عنها مقدار المصيبة التي وقعت فيها، ثم دفعت شاهين بفزع.

أما شاهين، فلم يتحرك في اللحظة الأولى.

فصل شفتيه عنها ببطء متعمد، وكأنه لا يشعر بأي ذرة ارتباك…

ثم رفع عينيه إلى أحمد، وقد احتقنتا بالحنق، بينما ظل محتفظ بحور بين ذراعيه، وكأن وجود أحمد لم يغير من موقفه شيئًا.

وقال بجرأة مستفزة:
أنا ولا يفرق معايا بيتنا ولا بيت الجيران،  طلما طلبت حور آخدها.

شهقت حور من شدة الخجل، ونظرت إلى أبيها، ثم إلى شاهين، قبل أن تنزلق سريعًا من بين ذراعيه، وكأنها تحاول إنقاذ ما تبقى لها من كرامة.

وغمغمت وهي تشير إليه في اتهام بريء:
أنا ماليش دعوة يا بابا، ده هو اللي باسني وأحرجني!

حدق أحمد فيها لحظة، ثم استدار إلى شاهين بوجه اشتعل غيظًا:
أحرجك إزاي إن شاء الله يا بت الكلب؟!

تراجعت حور فورًا خلف شاهين، وقبضت على قميصه من الخلف، واختبأت نصف اختباء خلف جسده، ثم همست وكأنها تدافع عن نفسها أمام محكمة:
هو باسني وأنا مقدرتش أقوله لا.

اتسعت عينا أحمد حتى بدا وكأن الكلمات احتاجت لحظات كي تصل إلى عقله.

ثم صاح مذهول:
بهت على البت اللي حيلتي يا ابن فوزية!

كتم شاهين ضحكته بصعوبة، والتفت نصف التفاتة نحو حور، ثم عاد بعينيه إلى أحمد، وأشار إليه بيد ساخرة:
أمال أنا قاعد معاها بعمل إيه يعني؟!
ده حتى يبقى عيب في حقي!

— عيب في حقك؟!

التقط أحمد تفاحة من فوق الأرض، وقذفها نحوه في غضب.

التقطها شاهين ببراعة، وانفجر ضاحكًا، ثم لوح بها في يده وكأنه يمسك بدليل براءته:
يعني عملنا من وراك زعلت…
من قدامك وفي الحلال زعلت…
إنت عايز إيه يا عم أحمد؟

فتح أحمد فمه ليرد، لكن قبل أن تخرج منه كلمة واحدة، اندفعت فوزية إلى داخل المطبخ بخطوات سريعة، وقد وصل إليها صخبهم، فهتفت بصوت عالي أخرس الجميع:
عايزك تتلم يا عين أمك..
وتلم المسخرة اللي إنت عاملها دي!
إنت في بيت خالك،
إحنا مش في فصْحة أبوك هنا!

ساد الصمت لثانية.
نظر شاهين إلى أمه.

ثم إلى أحمد.
ثم إلى حور المختبئة خلفه.

وأخيرًا… انفلتت منه ضحكة مكتومة، بينما وضعت حور كفها على وجهها من شدة الخجل.

أما أحمد، فكان ينظر إلى شاهين بنظرة تقول بوضوح إن الحساب بينهما لم ينتهي بعد.

في الخزانة…

جحظت عينا أنين، وكأن روحها نفسها أوشكت أن تفارق جسدها من شدة الخجل.

رفعت كفها سريعًا إلى فمها تكتم أنفاسها، تحاول بكل ما أوتيت من قوة ألا يصدر عنها صوت واحد،

لكن ضيق المكان، وتتابع الأصوات القادمة من الخارج، جعلا أنفاسها تتلاحق حتى شعرت أنها تختنق من فرط الرعب.

ضمها ياسين إلى صدره، محاولًا تهدئتها، بينما كان هو الآخر يكتم لفظ نابي بين أسنانه، وقد شعر بارتجافها بين ذراعيه.

أما أسفل الطاولة…

فلطمت شموع وجنتها بكفها في رعب، واتسعت عيناها وهي تحدق أمامها غير مصدقة أن الأمر وصل إلى تلك الكارثة.

أسرع يونس إلى قبض يدها، وضغط عليها هامسًا:
اششش…

رمقته شموع بنظرة مذعورة، وكأنها على وشك البكاء من شدة الإحراج.

وفوق كل ذلك…

رفع شاهين حاجب بحنق، وكأن أحمد هو من يرتكب جريمة لا هو، وقال بكل ثقة:
في إيه يعني؟ مش مراتي!

ضربت فوزية كف بالآخر، وقد اختلط ذهولها بالغضب، ثم هتفت:
هو يونس وياسين مش كاتبين زيك؟
مبيعملوش زيك كده ليه؟

انفجر شاهين ضاحكًا، حتى أدمعت عيناه، ثم مسح طرف عينه وهو يهتف:
أموت وأعرف جايبة الثقة دي في عيالك منين!
ومين قالك إنهم مبيعملوش بقى؟

وما إن أنهى كلماته حتى—

فجأة!

انفتح باب الخزانة بعنف، فانتفض الجميع.

خرج ياسين منها وهو يحمل أنين بين ذراعيه، وقد بدت المسكينة في حالة يرثى لها من شدة الاختناق والخجل، بينما هتف ياسين بنزق وقد نفد صبره تمامًا:
يووووه! هو ده وقت خناق؟!
الله يخربيتكم… البت هتروح مني!

تجمدت فوزية في مكانها.

وتوقف أحمد عن الكلام.

أما حور، فاتسعت عيناها حتى كادت تخرجان من محجريهما، وظلت تحدق في ياسين وأنين وكأن عقلها يرفض تصديق ما تراه.

ساد المطبخ صمت ثقيل لثانيتين كاملتين…

قبل أن تنفجر ضحكة شاهين مدوية، صافية، حتى اضطر أن يسند يده إلى الطاولة من شدة الضحك :
يا نهار أبيض!

أما يونس، فظل مختبئ أسفل الطاولة، واضع يده على فمه حتى لا ينفجر هو الآخر، بينما أغمضت شموع عينيها بقوة، وكأنها تتمنى لو تنشق الأرض وتبتلعها معها.

وفوزية؟

كانت لا تزال واقفة في مكانها، تحدق في ياسين بنظرة واحدة كفيلة بأن تجعل أي رجل يعيد حساباته كلها قبل أن يتنفس.

فاقت فوزية أخيرًا من صدمتها، وكأن عقلها احتاج تلك الثواني ليستوعب المصيبة التي خرجت من قلب الخزانة أمام عينيها.

صكت على صدرها بكفها، واشتعل وجهها بذهول مشوب بغضب صريح، ثم هتفت:
يا ليلتك طين! إنت بتعمل إيه جوه الدولاب بالبت يا ولا؟!

ازداد وجه أنين اشتعال، فدفنته سريعًا في صدر ياسين، تحاول الاختباء من أعينهم جميعًا، بينما كانت أنفاسها لا تزال متقطعة من ضيق المكان والخجل الذي يكاد يخنقها.

ضمها ياسين إليه بثبات، وربت على ظهرها كأنه لا يرى في المشهد كله ما يستدعي كل هذا الصراخ، ثم قال ببرود مستفز وكأنه خرج لتوه من مجلس عادي لا من داخل خزانة : أنين عندها صداع.

ساد الصمت.
رمشت فوزية مرة.
ثم مرتين.
وكأنها تحاول أن تفهم كيف يمكن لإنسان أن ينطق بهذه الجملة ووجهه ثابت إلى هذا الحد وهتفت بنزق :  صداع؟!

أومأ ياسين بمنتهى الجدية: أيوه.

ثم أشار إلى الخزانة وكأنه يقدم تفسير علمي بالغ الأهمية:
وأنا قلت لها يمكن الصداع من ريحة المطبخ،
فدخلنا نشوف لو عندكم حاجة ريحتها تقطع الصداع.

ساد صمت مذهول.

حتى أنين رفعت رأسها من صدره لحظة، وحدقت فيه بعينين متسعتين، وكأنها هي نفسها لم تكن تعلم أن صداعها له علاقة بالخزائن.

تابع ياسين بمنتهى الثقة:
وبعدين لقينا المكان ضلمة وهادي،
فقولنا نقعد شوية يمكن الصداع يخف.

حدقت فيه فوزية وكأنها علي وشك الجنون ،ود ثم ضعت يدها على جبينها بتعب حقيقي وغمغمت :
دخلتوا الدولاب عشان الصداع؟!

رد ياسين فورًا:
أهو بدل ما نجيب لها مسكن وتبلع حباية وتعمل لها مشاكل في المعدة.

ضربت فوزيه كف علي الاخر بذهول ، وصرخت :
وإنت فاكر إن الدولاب صيدلية يا ابن المجنونة؟!

كاد شاهين ينفجر ضاحكًا، بينما عضت حور شفتها حتى لا تضحك، أما أنين فدفنت وجهها من جديد في صدر ياسين، وقد تمنت لو أن الأرض انشقت وابتلعتها بما فيها.

رفع ياسين كتفه بلا مبالاة:
يا أمي ما إحنا بنجرب… يمكن تنفع.

أما أحمد فضرب كف بالآخر، ورفع عينيه إلى السماء بيأس:
والله عيالك دول تربية شوارع!
ومش هيرتاحوا غير لما نروح كلنا في توابيت..
وأخوكي يغسل عاره مننا كلنا!

رفع ياسين حاجبه، ثم انحنى دون اكتراث، وحمل أنين بين ذراعيه، وأسندها إلى صدره بعدما بدا واضح أنها لم تعد تحتمل الوقوف لحظة أخرى من شدة الخجل.

تحرك بها نحو الخارج بخطوات سريعة، ثم التفت نصف التفاتة وهو يهتف:
طيب متنسوش تدفنونا أنا وأنين في تربة واحدة… مدخلتش في الدنيا، أدخل في الجنة!
أديني هاسيبهالك وخارج يا فوزية.

توقفت فوزية لحظة، تحدق في ظهره وهو يبتعد، ثم اشتعلت ملامحها أكثر.

وبدون تردد، مدت يدها إلى قدمها، وسحبت خفها المنزلي من أسفلها، ثم قذفته بكل ما أوتيت من غضب.

ارتطم الخف بظهر ياسين قبل أن يصل إلى الباب ، وصاحت :
محسسني إني داخلة عليك أوضتك يا ابن الجذمة!

توقف ياسين لحظة، ثم التفت إليها ببطء، بينما كانت أنين لا تزال مدفونة في صدره، ولم يظهر على وجهه
سوى ابتسامة جانبية مستفزة.

أما فوزية، فرفعت يدها مهددة:
خد مراتك واطلع من وشي قبل ما أناولك الشبشب التاني في دماغك!

انطلقت ضحكة شاهين من خلفهم، بينما أسرع يونس بإخفاء وجهه، وكتمت شموع ضحكتها أسفل الطاولة.

وهكذا تحولت مصيبة الخزانة، في أقل من دقيقة، إلى فضيحة عائلية كاملة…

وكان ياسين وحده يبدو سعيدًا بأنه خرج منها حامل أنين، والخف فوق ظهره، والكرامة في إجازة مفتوحة.

فجأة…

جاء صوت يونس من أسفل الطاولة، مصحوب بتأفف غاضب، وهو يخرج منها بصعوبة ويسحب شموع معه:
كده الواحد ما يعرفش يلم التفاح في البيت ده! أنا ضهري اتقسم! الله يخرب بيتكم! واقفين لوكلك لوكلك إيه؟!

خرجت شموع خلفه وهي منكسة الرأس، وقد احمر وجهها حتى أطراف أذنيها، بينما كان يونس يمسح على ظهره بضيق، وكأن كارثة التفاح هي المأساة الوحيدة التي تستحق الاهتمام في تلك اللحظة.

اتسعت عينا فوزية حتى كادت تصرخ من شدة الذهول، بينما أسند أحمد يده إلى الطاولة، وهتف بنزق وقد نفد ما تبقى لديه من صبر: الله يخربيتكم!

أما شاهين، فكان قد وصل إلى آخر ذرة صبر لديه.

ضغط شفتيه بقوة حتى لا تنفلت منه الضحكة، ثم أخذ خطوة إلى الخلف…

ثم خطوة أخرى، وهو يراقب فوزية وأحمد ويونس، وكأن عينيه تحسبان له طريق النجاة من هذه المجزرة العائلية.

مال نحو حور وهمس: يلا بينا.

رمشت حور باستغراب وهمست : فين؟

— أي حتة… قبل ما أمي تفتكر إن أنا السبب في كل ده.

كتمت حور ضحكة، لكنه لم ينتظر ردها.

أمسك يدها وسحبها معه بهدوء مصطنع، محاول أن يبدو وكأنه خارج من المطبخ في منتهى البراءة.

خطوة…
خطوتان…

ثم سمع صوت فوزية خلفه، فالتفت نصف التفاتة، وما إن لمح الخف الثاني في يدها حتى تغيرت ملامحه تمامًا وهمس:
أجري يا حور!

شهقت حور: ليه؟!

— الشبشب التاني ظهر!

وانطلق بها خارج المطبخ، بينما تعالت ضحكة حور رغم عنها.

وصل إلى أول الدرج، فتوقف لحظة، ونظر خلفه ليتأكد أن أحد لم يلحق به، ثم حمل حور بين ذراعيه فجأة.

— شينو! أنا أعرف أمشي!

— وأنا عارف.

— أمال شايلني ليه؟!

— عشان لو أمي لحقتنا، أرميكي في حضنها وأجري أنا!

شهقت حور وضربته على كتفه وهي تضحك: يا كذاب!

ضحك شاهين وصعد بها الدرج مسرعًا، وهو يهتف : اسكتي يا جنتي، دي عملية انسحاب تكتيكي!

ومن أسفل الدرج، جاء صوت فوزية مدوي : شاااهين!

تجمد للحظة…نظر إلى حور.
ثم إلى أعلى الدرج.

ثم همس بجدية مصطنعة:
ما ترديش.

انفجرت حور بالضحك، بينما أسرع هو في صعود الدرج وهو يتمتم:
نهرب قبل ما أموت على إيد أمي وأبوك يا جنتي!
اللي يرد على أمك النهارده يبقى بيحب المشاكل… وأنا راجل مسالم وعايز أعيش…

في المطبخ…

استدارت فوزية ببطء.

نظرت أولًا إلى شموع، التي كانت لا تزال مطأطئة الرأس من شدة الخجل.

ثم إلى يونس، الذي وقف بجوارها بوجه متجهم، وكأن وجوده تحت الطاولة منذ لحظات كان أمر طبيعي تمامًا.

رفعت فوزية يديها في الهواء، وهتفت بذهول:
حتى إنت يا يونس؟!
وأنا اللي بقول عليك عاقل!

رفع يونس جانب فمه بحنق، وقال وهو يشير إلى نفسه:
حتى أنا يعني إيه يا وليه؟!
يعني عيالك خربوها وجت عليا أنا يعني؟! ولا إنتوا كده ولا عاجبكم اللي كتب، ولا عايز يكتب، ولا حتى اللي عايز يخطب! محدش مرتاح! ولا متهني!
متهبطي يا وليه بقي!

اتسعت عينا فوزية، وتحول الذهول في لحظة إلى غضب مشتعل.

انحنت يدها نحو خفها الثاني… وهتفت:
أهبط يا ابن الكلب؟! أنا أهبط؟!

لم ينتظر يونس اكتمال الجملة.

قبض على يد شموع فوراً، وجذبها معه وهو يركض نحو الباب:
لا أهبط أنا وأروح أنام أحسن!

خرج بها قبل أن يصل الخف الثاني إلى يده.

بقيت فوزية واقفة في منتصف المطبخ، تحدق في الباب الذي اختفى خلفه يونس، ثم استدارت ببطء نحو أحمد، وعيناها تقدحان شررًا.

وأشارت إليه بإصبعها:
عجبك عمايل عيال أخوك؟!
بلاني بيهم وسابني ومات، أتجنن لوحدي أنا يعني!

التفت أحمد إلى الدرج، حيث اختفى شاهين وحور، ثم زفر زفرة طويلة مثقلة باليأس، وقال بحنق:
أعملهم إيه يعني؟!
عيالك مصايب ماشية على رجلين!
والتاني سحب البت واختفى زي الحرامي!

وضعت فوزية يدها فوق رأسها، وأخذت تتحرك نحو الخارج بخطوات غاضبة، وهي تتمتم كأنها تناشد السماء أن ترحمها من هذه العائلة:
النبي ارحمني يا رب… وعوض عليا عوض الصابرين، اللي ما فيهم واحد فاتح نفسي!

ثم توقفت عند الباب لحظة، والتفتت إلى المطبخ الذي بات خاليًا إلا من بقايا التفاح المتناثر.

نظرت إليه في صمت.

ثم تمتمت بحسرة:
حتى التفاح اتبهدل وسبني أنا اللي ألمه…

وانطلقت خلفها زفرة أحمد المقهورة:
والله ما ناقص غير التفاح يتجوز هو كمان ونفرح بيه.

ساد الصمت لثانية…

ثم هتف صوت فوزية من الخارج:
اسكت يا أحمد قبل ما أخليك تلحقهم!

………….

في المستشفى…

وصل زكريا بسيارته كالسهم، وكأن الطريق بأكمله لم يكن سوى مسافة قصيرة تفصل بينه وبين غزل.

أوقف سيارته بطريقة عشوائية دون أن يأبه بمكانها أو حتى يتأكد من استقامتها…

ثم ترجل منها بعجلة واندفع إلى داخل المستشفى بخطوات متسارعة، يحمل في عينيه فزع حاول غضبه أن يخفيه، وفوضى عارمة تعصف بصدره.

بلغ موظف الاستقبال، وانحنى قليلًا فوق المكتب وهو يهتف بصوتٍ أجش اختنق بالتوتر:
أوضة مدام غزل.

رفع الموظف عينيه إليه وأشار بيده نحو الممر:
الأوضة اللي جنب مكتب دكتور آسر.

أومأ زكريا برأسه دون كلمة أخرى، ثم استدار وانطلق في الممر بخطوات سريعة، ثقيلة، غاضبة، كأن كل خطوة يخطوها كانت تحمل معها سؤال واحد ينهشه من الداخل: كيف حالها؟

لم يكن يرى الوجوه من حوله، ولا يسمع أصوات الممرضين ولا حركة المرضى.

كان كل شيء يتلاشى من أمام عينيه، ولا يبقى في رأسه سوى صورة غزل وهي تتألم.

حتى بلغ الغرفة.

توقف أمام الباب، وقد خانه جسده للحظة بعد ذلك الاندفاع المحموم، فظل يلتقط أنفاسه بصعوبة.

كان صدره يعلو ويهبط بعنف، وأنفاسه القصيرة المتقطعة تخرج ساخنة من بين شفتيه، بينما قبضته تنغلق وتسترخي كأنه يحاول السيطرة على غضب لا يعرف حتى أين يوجهه.

مد يده إلى مقبض الباب، وأداره سريعًا، ثم دفع الباب ليدخل.

لكن قبل أن تطأ قدمه عتبة الغرفة، اخترقت سكون المكان شهقة عزة المرتفعة.

نهضت عزة دفعة واحدة من مقعدها، والتفتت إليه بعينين تقدحان غضب، ثم أسرعت نحوه قبل أن يتمكن من الدخول، ودفعته إلى الخارج بقوة.

لم يقاومها زكريا، رغم دهشته، وظل واقفًا أمامها للحظة، قبل أن تخرج هي الأخرى وأغلقت باب الغرفة خلفها بإحكام، وكأنها بذلك تمنعه من الاقتراب أكثر مما ينبغي.

استدارت إليه، ثم عقدت ذراعيها أمام صدرها، ووقفت في مواجهته بجسد متوتر وملامح مشتعلة بالغضب.

أما زكريا، فظل صامت، عيناه معلقتان بالباب المغلق خلفها، وكأن روحه بقيت في الداخل حيث غزل.

كانت عزة أول من كسر الصمت، وقالت من بين فكيها، بنبرة تحمل غضب متراكم منذ اللحظة التي رأته فيها:
انت إيه اللي جابك هنا؟
مش مكفيك اللي حصل لبنتي من تحت راسك؟

أومأ زكريا برأسه ببطء، وابتلع الجمر المنقاد في حلقه بصعوبة، ثم مد يده إلى مقبض الباب من جديد، وقال بصوت خافت، رغم الاختناق الذي يعتصر حنجرته:
حقك تقولي أكتر من كده…
بس أنا مش عايز غير تأجلي عتابك لحد ما أطمن على غزل.

قبضت عزة على يده قبل أن يدير المقبض، وسحبتها بعيدًا عن الباب بعنف، ثم هتفت بصوت حاد مكتوم، كأنها تحبس خلفه صرخة كاملة:
انسى غزل وابعد عنها أحسن!
أنا مش بعاتبك أصلًا…
العتاب ده يبقى لناس تستاهل…
بس إنت… إحنا منعرفكش أصلًا.

وأشارت بيدها المرتجفة بالقهر إلى آخر الممر، بينما ارتعشت نبرتها تحت وطأة الحزن:
امشي يا دكتور، وروح شوف واحدة تليق بيك وأمك متعيرهاش في يوم من الأيام.

طحن زكريا فكيه المشدودين، وانقبضت ملامحه بغضب عارم، لكنه ظل للحظة ممسك بزمام نفسه، قبل أن يهدر بصوت حاد قطع الهواء بينهما:
قولي اللي إنتي عايزاه… حقك!
وحقك تقولي أكتر من كده، وأنا مش هزعل أصلًا.

رفع يده في وجهها بتحذير حاسم، كحد سيف لا يحتمل التراجع، وتابع بنبرة أشد:
بس اللي مش من حقك إنك تقوليلي سيب غزل.
علشان وقتها هنسي إنك أمها، وهنسي أمي،
وهدوس على أي حد يقف بيني وبينها…
أنا مش هسيب غزل ولو على موتي… فاهمة؟

فتحت عزة فمها لترد، لكنه قاطعها بصوت حاد، وإن كان الألم يتسرب من بين حروفه رغم عنه:
أنا عارف إن أمي غلطانة…
وأنا مش راضي عن أي كلمة هي قالتها…
بس كمان… هي أمي.

زفر زكريا زفرة ثقيلة حارقة، وأطرق برأسه للحظة قبل أن يرفعه إليها من جديد، وقد انخفض صوته، لكنه صار أكثر وجع :
أنا متأكد إنك إنتي بنفسك لو شوفتيني بهين أمي…
مش هترضي عني ولا هتأمنيني على بنتك…
وبرضه ده ميمنعش إني هجيب حق غزل.
وهرد لها كرامتها قدام الكل… وده وعد مني.

هزت عزة رأسها بالنفي، وانكسرت نبرتها أكثر، حتى بدت الكلمات وكأنها تخرج من قلب أنهكته الخيبة:
روح يا ابن الناس…
مش أنا الأم اللي هتقولك أيوه روح اقف قدام أمك علشان تجيب حق بنتي…
لا دي تربيتنا، ولا الأصول بتقول كده.

ابتلعت غصتها، ثم تابعت وهي تنظر إليه بعينين ممتلئتين بالخوف على ابنتها:
أنا كل اللي في إيدي إني أقولك ابعد عن بنتي وسيبنا في حالنا.
أنا مش هأمن على بنتي في بيتكم…
ولا مع أمك تحرق دمها ليل ونهار….
ولو حتى جبت أمك لحد هنا…
ده مش ضمان إنها هتسيب بنتي في حالها وهي في بيتك.

تجمد زكريا مكانه.

تبدلت ملامحه في لحظة، وانطفأ جزء من غضبه أمام معنى كلماتها، ليحل محله ذهول مشوب بالغضب.

حدق فيها طويلًا، ثم هدر بصوت أجش:
يعني إيه؟ قصدك إيه؟

وووووووووووووووو

ساحره القلم ساره احمد

4 79 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
89 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Samar
Samar
1 يوم

تسلمي ي مبدعه ♥️

Shimooo
Shimooo
1 يوم

تحفه اوي تسلم ايدك ❤️❤️

ضيف
ضيف
1 يوم

تحفه ياسو

ضيف
ضيف
1 يوم

تسلم ايدك يجنن

ضيف
ضيف
1 يوم

❤️❤️❤️

Nedaa
Nedaa
1 يوم

تسلم الايادي ياجمال وحلاوه البارت❤️❤️

ضيف
ضيف
1 يوم

تحفة فنية تسلم ايدك حبيبتي

ضيف
ضيف
1 يوم

🔥🔥🔥

Mero❤️
Mero❤️
1 يوم

تسلم الأيادي البارت جاااامد ❤️

سوسو
سوسو
1 يوم

اول مره احب المطبخ كده

nouran
nouran
1 يوم

تحفة تسلم ايدك يا قلبي ❤️

ضيف
ضيف
1 يوم

تسلم الايادي تحفه

ضيف
ضيف
1 يوم

تحفهههه

ضيف
ضيف
1 يوم

تسلمي يا ساره يقلبي

ضيف
ضيف
1 يوم

البارت خطير كالعاده يا سوو

مريم بشرى
مريم بشرى
1 يوم

الله على الجمال تسلم ايدك روعه💕💕💕💖💖💖

ضيف
ضيف
1 يوم

زي كل مره تحفههههه

ضيف
ضيف
1 يوم

تحفه تحفه تحفه

Bata
Bata
1 يوم

ايه الضحك ده مسخرة يونس وياسين
بس اتغميت علي زكريا

ضيف
ضيف
1 يوم

بجد تحفه تحفه تحفه يونس ده عسوله خالص وزكرياا حالتو صعبه اي التعب ده كلو لي كداا الواليه فوزيه دي مستفزه رام عليهااا 🫠🫠🫠🫠

ضيف
ضيف
1 يوم

ايه الجمال ده ياسين خلانى مت من الضحك هو ويونس

Nabila Ahmad
Nabila Ahmad
1 يوم

تسلم ايدك وعيونك ياسارة البارت تحفة كالعادة جميل جدا

ضيف
ضيف
1 يوم

تحفة تسلم ايدك ❤️

ضيف
ضيف
1 يوم

تحففففففه اوووووي اوووووي اوووووي اوووووي

ضيف
ضيف
1 يوم

تسلم ايدك يا قمر 🥰

مالك وليد
مالك وليد
1 يوم

البارت تحفه تسلم ايدك ياقلبي ابداعتي كالعاده حبيبتي 😘🥰

مالك وليد
مالك وليد
1 يوم

بجد البارت كلمه تحفه كلمه قليله عليه والله ايه الجمال والحلاوه ديه مبطلتش ضحك والله🥰😘

ضيف
ضيف
1 يوم

والله احلى سارة فى الكوكب

حنين
حنين
1 يوم

تحفه

حنين
حنين
1 يوم

❤️

ضيف
ضيف
23 ساعة
ردّ على  حنين

شكرا لك

Lolo saleh
Lolo saleh
1 يوم

تسلم إيدك يا سارة على جمالك وجمال كتابتك بجد بتخلينا نعيش مع الشخصيات ونندمج معاهم من كتر ما إنتي مبدعة بارت غي منتهى الروعة والجمال ربنا يسعد قلبك ويوفقك دايما يا رب ومن نجاح لنجاح يا حبيبتي ❤️

ضيف
ضيف
1 يوم

طب عايزة افهم لو سمحتوا هى كده رواية فتون وجابر وقفت ولا ايه مش فاهمة وسارة رجعت تنزل ملكى وكفى تانى على المدونة ليه مش كانت قالت إنها هاتبقى حجز

ضيف
ضيف
1 يوم

انا عايزة اعيط علي زكريا 🥲🥲

ضيف
ضيف
1 يوم

تحفههههههه

Marwa
Marwa
1 يوم

البارت تحفة كالعادة تسلم ايدك ياقمر ❤️🌹

ضيف
ضيف
1 يوم

❤️❤️

Abaar Zamzam
Abaar Zamzam
1 يوم

تسلم الايادي المبدعة ي سو ولاد المهدي مش ناوين يجبوها لبر ابدا
فالدولا و تحت طربيزة و فوق الطربيزة واخر مسخرة 🤣🤣🤣🤣🤣🤣🤣🤣🤣🤣🤣🤣🤣

An a Shosho
An a Shosho
1 يوم

الفصل جميل
تسلم ايدك يا حبيبتي 🥰

Noor
Noor
1 يوم

يا خرابيعلي الحلويات دي 😂

Noor
Noor
1 يوم

تسلم ايدك يا سو علي الأفكار الجميله دي

Princess soma
Princess soma
1 يوم

جميل اووووي

ضيف
ضيف
1 يوم

تحفه

ضيف
ضيف
1 يوم

روعههه

nw281920@gmail.com
nw281920@gmail.com
1 يوم

تسلمي ياقلبي وتسلم ايدك

nw281920@gmail.com
nw281920@gmail.com
1 يوم

رائعه تسلم ايدك

ضيف
ضيف
1 يوم

حلو اوووي ا ووي تسلم ايديك
البارت حلو اوووي

ضيف
ضيف
1 يوم

البارت حلو اوي ياسوسو

محمد عمرو
محمد عمرو
1 يوم

جميييل جدا تسلم ايدك

Mariem youssef
Mariem youssef
1 يوم

تسلم ايديك روعه

Karelia ali
Karelia ali
1 يوم

تحفة تسلم ايدك