ملكي كفي (الفصل الواحد عشرون)
فصولٌ كهذه لا تُقاس بما حدث فيها… بل بما تركته أحداثها في القلوب.
فبعض المعارك تبدأ بخوفٍ لا يُقال، وتنتهي بقلوبٍ أنهكها الصمت أكثر مما أنهكها الألم.
وبعض الرجال لا يفكرون في الرحيل لأنهم لم يعودوا يحبون من حولهم… بل لأنهم تعبوا من حمل الجميع، حتى نسوا أن لهم حقًا في أن يتعبوا.
وبعض الأحضان تأتي في اللحظة التي يصبح فيها الكلام عاجزًا، فتقول دون صوت: أنا هنا… فلا تخف.
وحين تعود الضحكات إلى بيتٍ أرهقته الأيام، وتلتئم القلوب حول بعضها، نظن أن العاصفة انتهت…
لكن القدر أحيانًا يمنحنا لحظة أمانٍ قصيرة، لا ليطمئننا… بل ليجعل الصدمة التالية أكثر قسوة.
فما أقسى أن نضحك ونحن لا نعرف أن الخطر يقترب… وأن نخطط للغد، بينما الغد نفسه يحمل لنا ما لم نستعد له.
لأن بعض العواصف لا تأتي لتُخيفنا فقط… بل لتختبر كم يستطيع القلب أن يتمسك بمن يحب، حين يصبح الخوف أقرب من النجاة.
البارت ٢١
شق الصمت صوت مرتفع، انسكبت منه السخرية ممزوجة بقدر واضح من الحنق، كأن صاحبة الصوت لم تدخل المكان إلا لتصب الزيت فوق نار كانت مشتعلة من الأساس:
واضح إنك بتتعب في شغلك أوي…
الله يعينك يا يونس بيه!
انتفضت شموع في مكانها، وكأن الكلمات لسعتها أكثر مما فاجأتها، ثم ابتعدت عن يونس على الفور واستدارت نحو مصدر الصوت.
استقرت عيناها على نرجس الواقفة عند الباب، فاشتعل الغضب في ملامحها دفعة واحدة، وتقدمت نحوها خطوة، بينما خرج صوتها حاد لا يعرف المجاملة:
انتي متخلفة؟! إزاي تدخلي كده؟! أمال الباب ده عاملينه ليه يا أنثى التور إنتي؟!
شهقت نرجس بغيظ، وقد التهبت الغيرة في صدرها حتى بدت كأنها تبحث عن أي ذريعة لتصبها في وجه من تقف أمامها.
رفعت ذقنها بتحدي، وصاحت بانفعال:
وإنتي مالك إنتي؟! كنت داخلة عندك؟!
إنتي مين أصلًا؟!
ثم التفتت إلى يونس، وكأنها قررت أن تستنجد به من هذه المرأة التي ظهرت أمامها فجأة كإعصار لا تعرف كيف توقفه.
كان يونس يقف خلف شموع، وقد تجمدت ملامحه بين الدهشة والذهول، عاجز عن استيعاب السرعة التي انقلب بها مكتبه إلى ساحة معركة.
أشارت نرجس إلى شموع باحتقار، ثم هتفت بغيرة فاضحة:
مين المزغودة دي يا يونس؟!
بقى إنت سايب بنتك تعبانة وقاعد هنا تعطف وتلطف؟!
وما إن انتهت من جملتها حتى اتسعت عينا شموع في صدمة، ثم التفتت إليها ببطء شديد.
كانت تلك النظرة وحدها كافية ليعرف يونس أن المصيبة لم تبدأ بعد.
شهقت شموع بحنق، واندفعت الكلمات من فمها كالرصاص:
مين دي اللي مزغودة يا حيوانة إنتي؟! عارفة لو مختفيتيش من وشي دلوقتي، هضربك ضربة أجيب أجلك ونخلص، وأبعتك بلدكم في نعش!
تجمد يونس في مكانه.
لم يجد في وجهه ما يعبر عن الصدمة التي أصابته، سوى ابتسامة بلهاء ارتسمت فوق شفتيه رغماً عنه، بينما كان ينظر إلى شموع وكأنه يراها للمرة الأولى.
أما نرجس، فلم تكن من النوع الذي يتراجع أمام التهديد.
اندفعت نحو شموع في لحظة غضب، وقبضت على ياقة فستانها بعنف، وكادت تدفعها إلى الخلف.
تحرك يونس في اللحظة ذاتها.
امتدت ذراعه سريعًا، وأسند شموع قبل أن تفقد توازنها، ثم أحاط خصرها بيده محاولًا إبعادها عن نرجس، وهدر بغضب:
أوعي يا مرة! هتوقعيها!
لكن تحذيره جاء متأخر.
فقد كان رد فعل شموع أسرع من أن يمنحه فرصة للسيطرة على الموقف.
استدارت بجسدها، ودون تردد دفعت نرجس بعنف، فانفلتت يد الأخيرة من ياقة فستانها، واختل توازنها وسقطت أرضًا سقوط مدوي..
شهقت نرجس بألم، ثم أطلقت صرخة حادة، قبل أن تضم حقيبتها إلى صدرها بكلتا يديها، وكأنها تحتمي بها من وحش كاسر لا امرأة تقف أمامها.
رفعت عينيها إلى يونس، وقد امتلأتا بالدموع والصدمة، وصاحت بصوت مرتجف:
يونس! الحقني! دي متوحشة!
ارتفع حاجبا يونس حتى كادا يلامسان منابت شعره، عاجز عن استيعاب ما يحدث أمام عينيه؛ فالأمور التي بدأت بتعليق ساخر، تحولت في لحظات إلى معركة كلامية، ثم إلى اشتباك يكاد يقتلع مكتبه من جذوره.
وفي غفلة منه، أفلتت شموع نفسها من بين ذراعيه، وانحنت حتى صارت في مستوى نرجس التي ما تزال جاثية على الأرض، ثم هتفت بحنق مشتعل:
عايزة توقعيني يا جربوعة؟! يا حورتجية!
اتسعت عينا نرجس، ثم نهضت نصف نهضة ودفعت شموع في صدرها بغيظ، وهي تصرخ:
لمي إيدك بدل ما أقطعهالك يا بت!
أنا جربوعة؟! أمال إنتي إيه؟! وإنتي لازقة في راجل غريب في مكتبه لوحدكم، وبيعيط على صدرك!
ارتفعت حاجبا شموع، واشتعلت عيناها بغضب حارق، بينما انقبض فك يونس في اللحظة نفسها.
وقبل أن تتمكن شموع من الرد، اندفع يونس نحو نرجس، وقبض على شعرها من أعلى رأسها، ثم هزها بعنف حتى اصطكت أسنانها ببعضها، وهدر بصوت زلزل أرجاء المكتب:
إنتي اتهبلتي يا بت الكلب؟!
إنتي مش عارفة دي مين؟!
قطعي لسانك الزفر ده على إيدي يا مرة يا **** !
صرخت نرجس من الألم، وأمسكت بقبضة يونس الفولاذية بكلتا يديها محاولة تخليص شعرها من قبضته، ثم هتفت بغضب:
يعني عجبك إنها تقول عليا جربوعة وحورتجية وإنت ساكت؟! هتكون مين يعني عشان تسكتلها كده؟!
ساد صمت خاطف.
ثم اقتربت شموع منها، ورفعت يدها بهدوء شديد، وربتت على وجنتها ربتة خفيفة، لكنها كانت أكثر استفزاز من أي صفعة.
وقالت ببرود قاتل، بينما ارتسمت على شفتيها ابتسامة واثقة:
أنا اللي هبقى مراته بعدك يا شاطرة…
إيه رأيك يا يونسي؟ ذوقه بقى حلو أوي، صح؟
تجمدت نرجس.
اتسعت عيناها حتى بدتا وكأنهما ستخرجان من محجريهما، وتحول الغضب الذي كان يشتعل داخلهما إلى ذهول صاعق.
رفعت بصرها ببطء نحو يونس، تنتظر منه أن يكذب.
أن ينفي.
أن يقول إن تلك المجنونة تهذي فحسب.
لكن يونس لم يفعل شيئًا.
ظل يحدق في شموع بذهول لا يقل عن ذهول نرجس، وكأن جملتها باغتته هو الآخر، ولم يجد في اللحظة الأولى كلمة واحدة تخرج من فمه.
دفعت نرجس يد شموع عن وجهها بحنق، وصاحت:
أوعي إيدك يا بت! بلا كدب!
يونس هيتجوزك إنتي؟! يا حتة عيلة!
في اللحظة التالية، دفعها يونس بعنف بعيدًا عن شموع، وخرج صوته حاد قاطع:
العيلة دي جذمتها برقبتك إنتي وأهلك!
ترنحت نرجس خطوة إلى الخلف، بينما عادت شموع تقترب منها في هدوء مستفز.
رفعت كفها مرة أخرى، وربتت على وجنتها برفق بالغ، فشهقت نرجس وتراجعت بجسدها غريزي، وكأن تلك اللمسة الهادئة أخطر عليها من الصراخ.
قالت شموع ببرود ساخر:
متخافيش… محدش هيلحقك من تحت إيدي غير على الإسعاف بقى، يا عديمة الذوق والنظر!
ثم أشارت بيدها نحو يونس، الذي كان يقف خلفها بملامح متجهمة، وأكملت بنبرة يقطر منها الغضب:
إنتي معندكيش إحساس؟! مش شايفة الراجل دمعته منشفتش على بنته وحاله اتبدل؟!
اشتدت نبرتها، وانقلبت سخريتها إلى توبيخ صريح:
وإنتي يا حيوانة داخلة صوتك جايب آخر المصنع! ولا كأن بنتك هي اللي تعبانة! دانتي المفروض تكوني في العناية دلوقتي، بنقطولك بق المية، بدل ما تلفي على الناس وتعملي فيها حرب أهلية هنا!
ساد الصمت للحظة.
حتى يونس نفسه ظل يحدق فيها، وقد اختلطت في عينيه الدهشة بالإعجاب، وكأنه اكتشف للتو أن شموع لا تحتاج إلى سلاح لتخوض معركة…
فهي وحدها كانت كافية لإشعال المصنع كله.
تراجعت نرجس خطوة إلى الخلف، وقد انكسر شيء في صوتها تحت وطأة الغضب والقهر، وانهمرت دموعها فوق وجنتيها وهي تصرخ بصوت مبحوح:
وإنتي هتعلميني أزعل على بنتي يا حتة مفعوصة إنتي؟! كنتي دخلتي جوا وشوفتي قهرتي عليها!
ثم اندفعت نحو شموع، ودفعتها بحنق، قبل أن تضغط على حروفها بغضب واضح:
وأنا جاية دلوقتي لأبو بنتي… وإنتي مالك ومالنا؟!
لكن شموع لم تتراجع.
بل قبضت على ياقة فستان نرجس، وجذبتها نحوها قليلًا، ثم حدقت في عينيها بنظرة باردة مستفزة، وقالت بنبرة يقطر منها التهكم:
اسم الله يا عيني… الحزن بينط من عينيكي يا حبيبتي! ومالك عمالة تتكئي على أبو بنتي، أبو بنتي، أبو بنتي؟! إنتي شاكة ولا إيه؟
اتسعت ابتسامتها بسخرية، ثم أكملت وهي تشدد قبضتها على ياقة فستانها:
لا يا حبيبتي… يونس دلوقتي بس طليقك، أبو بنتك دي في محكمة الأسرة!
تجمد يونس تمامًا.
انتقلت عيناه بين المرأتين، وكأن عقله رفض أن يلحق بالكارثة التي تتشكل أمامه.
فتح فمه مرة، ثم أغلقه.
وللمرة الأولى منذ دخولهما في ذلك الاشتباك، عجز عن العثور على كلمة واحدة تنقذه من هذا الجحيم.
نهضت نرجس سريعًا، وعدلت ثيابها بعصبية، ثم أشارت إلى يونس بإصبع مرتجف من شدة الغضب، وصاحت:
إنت إزاي سايبها طايحة كده فيا من الصبح وإنت واقف تتفرج؟! ولا خلاص العروسة الجديدة هتنسيك بنتك واللي هي فيه؟!
رفع يونس رأسه إليها، وفتح فمه محاولًا الرد…
لكن شموع سبقته.
استدارت نحو نرجس، وقطعت عليها الطريق بصوت حاد، ثابت، لا يحمل ذرة تردد:
بنتك هتتعالج وهتبقى زي الفل!
إحنا هنعرف نعالجها… اطلعي بس إنتي منها!
حدقت نرجس فيها بذهول، ثم انتقلت عيناها إلى يونس، قبل أن تعودا إلى شموع، وكأنها تحاول استيعاب معنى كلمة إحنا التي قالتها بثقة جعلتها تشعر أن الأرض تنسحب من تحت قدميها.
ثم هتفت بغضب:
وإنتي فاكرة إني هسيبلكم بنتي ولا إيه؟!
لا يا حبيبتي… دانتوا تبقوا بتحلموا حلم بعيد أوي!
تقدمت شموع خطوة، ووقفت أمام يونس مباشرة، وكأنها اتخذت موقع واضح إلى جواره، ثم قالت بنبرة مستفزة وهي ترمق نرجس بثقة:
آه… يونس قالي إنك دلوقتي لا صفة ولا عازة، وإحنا مش بنسيب لحمنا لحد.
ثم رفعت ذقنها قليلًا، وأضافت بلهجة صعيدية تحمل من الحسم أكثر مما تحمل من الكلام:
إحنا صعايدة يما… بنتنا لازمن تتربى في دار ابوها…
اشتعل الغضب في عيني نرجس.
لكنها لم ترد على شموع.
بل التفتت مباشرة إلى يونس، وثبتت عينيها في عينيه، ثم قالت بنبرة حادة تحمل اتهام واضح:إنت قولت كده؟!
سكتت لحظة، ثم ضيقت عينيها وأضافت بسخرية مريرة:
وأنا هسأل ليه… شكله الكلام جاي على هواك!
اندفعت نرجس نحو شموع بغضب أعمى، وقبضت على حجابها بكل ما أوتيت من قوة، ثم راحت تشده بعنف وهي تصرخ:
بس أنا بقى هجيبها من شعرها وأفرجها مقامها! قال تاخد بنتي قال!
صرخت شموع بألم حاد لحظة جذبت نرجس حجابها بعنف، فانغرس سن الدبوس المثبت به في عنقها، وانتفض جسدها على الفور، بينما ارتفع صوتها من شدة الوجع.
وفي اللحظة ذاتها، تبدلت ملامح يونس تمامًا.
اندفع نحو نرجس بغضب عاصف، وقبض على كفها بقبضة فولاذية أوقفت حركتها، بينما امتدت ذراعه الأخرى حول خصر شموع، فسحبها خلف ظهره يحجبها بجسده، ثم هدر بصوت ارتجت له أرجاء المكتب:
لا… دي كده هبت منك على الآخر! إنتي اتجننتي؟! بتمدي إيدك عليها يا مرة؟!
انتزعت نرجس يدها بعنف من قبضته، والدموع تنهمر فوق وجهها، ثم صاحت بقهر:
أنا اللي اتجننت؟! ولا هي اللي نزلت فيا قلة أدب وشتيمه؟! وكمان عايزة تاخد بنتي! وإنت واقف ساكت ومبسوط وفاشخ بوقك ومتنحررتش غير عشانها هي!
إيه؟! جاي على هواك اللي بتعمله في أم بنتك؟!
اشتدت عضلات فك يونس، وذم شفتيه بغضب عارم، ثم هدر دون أن يتردد:
ما هي أم بنتي! لو كانت محترمة ودخلة بأدب واستئذان، مكنش كل ده حصل! إنتي اللي من الأول داخلة تقولي شكل للبيع!
شهقت نرجس بصدمة، بينما تشبثت شموع بذراع يونس من خلفه، ورفعت يدها إلى عنقها، ثم غمغمت بصوت رقيق موجوع، كأنها قررت في تلك اللحظة أن تستثمر جرحها إلى أقصى حد:
آآه يا يونس… رقبتي بتجيب دم!
الهمجية جرحتني بالدبوس!
التفت يونس إليها في اللحظة نفسها.
اختفت كل ذرة غضب من عينيه لتحل محلها رعشة خوف صريحة.
ثبت بصره على عنقها، حيث كانت قطرة دم صغيرة تنزلق فوق بشرتها، فارتجف قلبه، وأحاطها بذراعيه على الفور، متفحص موضع الجرح بقلق بالغ، ثم همس بصوت متحشرج:معلش… حقك عليا يا حبيبتي.
كانت الكلمة كافية لإشعال ما تبقى من غضب نرجس.
شهقت بحنق، وانحنت تلتقط حقيبتها التي سقطت أرضًا، ثم رفعتها إلى كتفها بعصبية، وصاحت بصوت حاد اختلط فيه الغضب بالمرارة:
ماشي يا يونس! بس أنا كنت جاية أقولك إن بنتك تعبانة ولازم تبدأ العلاج… وإنت حر! جاتكم الهم!
استدارت لتغادر، لكن يد يونس انقبضت على ذراعها فجأة.
جذبها نحوه، ثم تحرك بها إلى باب المكتب بخطوات غاضبة، وكأن وجودها في المكان أصبح أكبر من قدرته على الاحتمال.
فتح الباب بعنف، ودفعها إلى الخارج وهو يهدر:
غوري في داهية تاخدك! عمرك ما جبتيلي خبر يفرح! أنا هاجي أخد تاليا للدكتور بنفسي! أنا ظبطت كل حاجة! ومتورينيش وشك تاني!
شهقت نرجس بألم حين خرجت إلى الممر، ثم استدار يونس وأغلق الباب خلفها بعنف، حتى ارتج الخشب في موضعه.
ظل واقف خلف الباب لثواني طويلة…
صدره يعلو ويهبط بعنف، وأنفاسه تخرج ساخنة متقطعة، ويداه مقبوضتان إلى جواره.
ثم أغمض عينيه، وأسند ظهره إلى الباب، محاولا استعادة السيطرة على غضبه…
لكن ما إن تذكر قطرة الدم التي سالت من عنق شموع، حتى عاد قلبه يخفق بعنف.
فقد كان الغضب شيئًا…
أما أن يرى شموع تتألم أمام عينيه، فذلك شيء آخر تمامًا.
اقتربت شموع منه بعدما هدأ قليلًا، ورفعت يدها تربت على منكبه بحنان، ثم غمغمت بنبرة تحمل شيئًا من الاعتذار رغم بقاء الضيق في صوتها:
حقك عليا… بس هي مستفزة أوي.
استدار يونس إليها، وبمجرد أن وقعت عيناه على عنقها، تبدلت ملامحه مرة أخرى.
رفع ذقنها برفق إلى أعلى، وأخذ يتفحص خدش الدبوس الذي ترك أثره على بشرتها، بينما كانت قطرة دم صغيرة ما تزال عالقة عند موضع الجرح.
مد إصبعه ومسحها بحنو شديد، وكأن تلك القطرة الصغيرة أوجعته أكثر مما ينبغي، ثم همس بصوت مبحوح يحمل أسف صادق:
حقك إنتى عليا أنا… أنا عارف إن لسانها زفر وعايز يتقطع، وأنا أصلًا مكنتش قادر لا أتكلم ولا أناهد معاها.
ابتسمت شموع برقة، وكأنها تحاول أن تنتزع من قلبه بعض من ثقل الحزن، وقالت بثقة ممزوجة بمشاكسة:
ارتاح إنت… وأنا أتخانقلك.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة، واهنة، لكنها كانت مختلفة عن كل ابتساماته السابقة…
ابتسامة لم تحمل سخرية، ولا مجاملة، ولا حتى محاولة للتظاهر بأنه بخير.
كانت أول ابتسامة حقيقية تلمس وجهه منذ أن عرف أن المرض تسلل إلى جسد ابنته.
ظل ينظر إليها لثوانى طويلة، وكأن كلماتها البسيطة أعادت إلى صدره شيئًا من الهواء الذي فقده منذ أيام.
كانت واقفة أمامه، تنظر إليه بعينين لا تحملان شفقة، بل شيئًا أعمق…
احتواء.
ذلك النوع من الحنان الذي لا يسأل الرجل المنهك أن يشرح سبب انكساره، ولا يطالبه بأن يكون قوي، بل يكتفي بأن يقول له بصمت: أنا هنا… ارتح.
ولم يحتاج يونس إلى أكثر من ذلك.
فجأة، انحنى نحوها وأحاطها بذراعيه، وجذبها إلى صدره في عناق طويل، عناق لم يكن فيه شيء من التردد.
ضمها بقوة، لكن قوة رجل يخشى أن يفلت منه آخر خيط يربطه بالسكينة، حتى ارتفعت قدماها عن الأرض قليلًا.
شهقت شموع من المفاجأة، ثم سرعان ما هدأت بين ذراعيه.
لفت ذراعيها حول عنقه بعفوية، واستسلمت لحضنه دون سؤال، بينما استقر خدها قرب عنقه، وشعرت بأنفاسه الساخنة المتعبة تتخلل طيات حجابها…
كان قلبه يخفق بعنف تحت صدره.
خفقان مضطرب، سريع، كأن ذلك القلب ظل يركض منذ أيام ولم يجد مكان يتوقف فيه.
أما يونس…
فأغمض عينيه.
وأخذ نفس عميق، طويل، كأنه للمرة الأولى منذ أيام يسمح لنفسه أن يتنفس فعلًا.
شد ذراعيه حولها أكثر، وأراح وجهه لحظات فوق كتفها، ولم يقل شيئًا.
فقط ظل محتضن لها…
وكأن حضنها لم يكن حضن امرأة فحسب، بل كان مأمن صغير اختبأ فيه من خوفه، من المستشفى، من المرض، من الأسئلة، ومن ذلك الاحتمال المرعب الذي يرفض عقله حتى أن ينطقه.
مررت شموع يدها ببطء فوق ظهره، تربت عليه بحنان متتابع، دون أن تستعجله في شيء.
حتى شعرت برجفة خفيفة تسري في جسده.
رفعت عينيها إليه، وهمست بخجل شديد:
يونس…
فتح عينيه ببطء، ونظر إليها من قرب.
كانت ملامحه لا تزال مثقلة بالتعب، لكن شيئًا دافئ استقر في عينيه.
ابتسم لها، وقال بصوت خافت حنون:
عيون يونس إنتي يا شموع.
ازداد خجلها، فخفضت عينيها، بينما قبضت أصابعها على قميصه دون أن تشعر.
ثم رفعت وجهها إليه من جديد، وقالت برقة:يلا… لازم نروح.
سكتت لحظة، ثم أضافت وهي تنظر في عينيه: مش هسيبك تقعد لوحدك هنا مهموم كده.
تأملها يونس طويلًا.
وكأن الجملة البسيطة هزته من الداخل.
ثم أنزلها برفق شديد، حتى استقرت قدماها فوق الأرض، لكنه لم يتركها فورًا.
ظلت يداه حول خصرها لحظات، وكأنه لم يشبع بعد من الشعور بأنها قريبة منه.
رفع يده أخيرًا، وأحاط وجنتها بكفه، ثم مرر إبهامه عليها ببطء، في لمسة حانية خالية من أي استعجال.
كانت عيناه تتأملان وجهها كأنه يحاول أن يحفظه في ذاكرته…
ثم خرج صوته متعب، صادق إلى حد الوجع:
والله يا شموع… حاسس إني معنديش طاقة أتكلم مع حد.
ابتلع غصته، وأطرق عينيه للحظة قبل أن يكمل:
لا في البيت… ولا في الشغل… ولا حتى فيا حيل أرد على أسئلة من حد.
تنهد بعمق، ثم مرر يده على وجهه بإرهاق:
كل واحد بيسألني.. بنتك مالها؟ الدكتور قال إيه؟ هتعملوا إيه؟ وأنا…
توقفت الكلمات في حلقه.
أغمض عينيه، ثم قال بصوت خافت:
أنا نفسي مش عارف أجاوب.
ارتجف قلب شموع.
لم تحاول أن تقول له إن عليه أن يكون قوي، ولم تقل له إن الأمور ستكون بخير وكأنها تملك ضمان للمستقبل.
فقط اقتربت منه أكثر.
ورفعت يدها ببطء، ثم وضعت كفها فوق صدره مباشرة، عند موضع قلبه.
شعرت بخفقاته المتسارعة تحت راحة يدها.
رفعت عينيها إليه، وقالت بنبرة هادئة، دافئة، كأنها تربت على قلبه بالكلمات:
لا يا يونس…
سكتت لحظة، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة:
إنت قدها.
هز رأسه بالنفي، لكن يدها ضغطت برفق فوق صدره، وكأنها تمنعه من تصديق ضعفه : وتاليا هتبقى كويسة… بإذن الله.
ثم اقتربت خطوة، وأكملت بصوت أكثر حنان:إنت لازم تكون جنبها يا يونس.
يمكن هي دلوقتي مش فاهمة حجم اللي حواليها… بس هتحس بيك.
مررت إبهامها فوق صدره في حركة صغيرة مطمئنة، وقالت:
هتحس إن أبوها موجود… وإنه ماسك إيدها… وإنه مش خايف منها، ولا من مرضها، ولا سايبها لوحدها.
ارتعشت عيناه.
فأكملت، وهي تثبت عينيها في عينيه:
أنا اللي أعرفه إن الحالة النفسية للمريض مهمة جدًا…
ثم ابتسمت له بحنان:
وتاليا محتاجاك دلوقتي أكتر من أي وقت فات.
سكتت لحظة، ثم قالت بصوت خافت:
متخليش خوفك عليها يخوفها.
كانت الجملة بسيطة…
لكنها استقرت في قلبه كأنها يد امتدت إليه وسط الظلام.
ظل يونس ينظر إليها طويلًا.
ثم وضع يده فوق يدها المستقرة على صدره، وأطبق أصابعه حولها بحنان.
وكأنه لأول مرة منذ أيام…
وجد من يقول له إن عليه أن يتمسك بالأمل، لا لأن أحدًا يضمن له النهاية، بل لأن ابنته تحتاج أن ترى في عينيه سبب آخر لتقاوم.
وانخفض صوته وهو يهمس:
هحاول يا شموع…
ثم ابتسم ابتسامة متعبة، وأضاف:
عشانها… هحاول.
أطرق يونس رأسه لحظة، ثم أومأ ببطء.
وأمسك يدها التي استقرت فوق صدره، وأطبق أصابعه حولها، ثم جذبها إليه قليلًا، وقال بصوت متحشرج:
بس المهم تكوني جمبي يا شموع.
أومأت برأسها دون تردد، وهمست بصوت خافت، لكنه حمل يقين صادق:
أنا جنبك… متقلقش…
وعمري ما هسيبك يا يونس لحد ما تعدي الأزمة دي.
رفع عينيه إليها، وكأن كلماتها لمست في داخله موضع كان يوشك على الانهيار.
ابتسم ابتسامة صغيرة متعبة، وسألها بهدوء: وعد؟
ابتسمت له وأومأت برأسها: وعد طبعًا.
ظل يونس يتأملها لحظة، ثم شد على يدها بحنان.
كانت ابتسامته لا تزال متعبة، وعيناه تحملان آثار أيام كاملة من الخوف والسهر، لكن شيئًا من السكينة بدأ يتسلل إلى ملامحه.
ثم تحرك نحو الخارج، وظلت كف شموع مستقرة داخل كفه، يتشبث بها كمن وجد أخيرًا يد يستطيع أن يعبر بها أكثر أيامه قسوة.
….
في المستشفى…
مر الوقت بطيئ، ثقيل، كأنه يسحب على شفرة حادة، يمر فوق أعصاب ياسين وأنين ويترك خلفه وجع لا يحتمل.
ظلا جالسين أمام غرفة العمليات، لا يتبادلان سوى النظرات المرتجفة، وكل دقيقة تمر كانت تبدو أطول من عمر كامل.
حتى انفتح باب غرفة العمليات أخيرًا.
نهض ياسين في اللحظة نفسها، ونهضت أنين إلى جواره، وانطلق نحوهما الطبيب بخطوات هادئة أثقلت ملامحه بالجدية.
اندفع ياسين إليه، وتعلقت عيناه بوجهه، وكأنهما تبحثان فيه عن طوق نجاة:
طمني يا دكتور… عزيز عامل إيه؟
نظر الطبيب إليه لحظات، ثم مد يده وربت على ذراعه بحركة تحمل قدر من الشفقة، وقال بصوت هادئ:
للأسف… المريض نزف دم كتير جدًا، والنزيف أثر على حالته بشكل كبير، وده سبب له غيبوبة.
تجمد ياسين في مكانه.
كأن الكلمات لم تصل إلى عقله دفعة واحدة.
أما أنين فشهقت بعنف، وارتفعت يدها إلى فمها، بينما اتسعت عيناها بالدموع.
ظل ياسين يحدق في الطبيب للحظات، ثم خرج صوته مبحوح، متشبث بأي أمل:
يعني… هيفوق إمتى يا دكتور؟
هز الطبيب رأسه ببطء، ونزع غطاء رأسه الطبي، ثم زفر قبل أن يقول:
للأسف… مقدرش أديك إجابة دلوقتي.
تعلقت أنين بعينيه، وكأنها تنتظر كلمة واحدة تطمئنها.
فأكمل الطبيب:
إحنا هننقله العناية المركزة، وهيفضل تحت الملاحظة والرعاية المستمرة… الساعات الجاية مهمة جدًا، وإن شاء الله يستجيب للعلاج ويفوق في أقرب وقت.
أومأ ياسين برأسه ببطء، لكن ملامحه ظلت جامدة، كأن الكلمات لم تستطع أن تخترق الصدمة التي ضربت قلبه.
استدار الطبيب وغادر الممر، تارك خلفه صمت ثقيل…
وفي اللحظة التالية، أخذ ياسين يدور حول نفسه بخطوات مضطربة، يمرر يده فوق شعره بعنف، ثم قبض على رأسه كأنه يحاول انتزاع الصور التي تنهش عقله.
وخرج صوته مبحوح، مختنق بالغضب والعجز:ليه؟! ليه؟! إزاي يعملوا فيه كده؟!
ضرب كفه بالأخرى بعنف، ثم التفت حوله بعينين مشتعلتين:
مين اللي اتجرأ يدخل بيتنا؟!
مين اللي قلبه ميت بالشكل ده؟!
ارتجف صوته أكثر، وخرجت الكلمات من بين أسنانه:
يضربه… ويسيب دمه يسيح بالشكل ده… ويطلع من البيت من غير ما حد يحس بيه حتى؟!
تقدم خطوة، ثم توقف، وعجز عن إكمال الجملة.
فهو يعرف كيف يحارب أعداءه…
لكن كيف يحارب قاتلًا لا يعرف حتى وجهه؟
اقتربت أنين منه، ورفعت يدها المرتعشة تربت على منكبه بحنان، رغم أن دموعها كانت تنساب على وجنتيها بلا توقف.
قالت بصوت مبحوح، تحاول أن تمنحه الأمل الذي كانت تحتاج إليه هي قبل أي أحد: يا حبيبي… بص للخير.
التفت إليها بعينين غارقتين في القهر.
فأمسكت يده بين كفيها، وضغطت عليها برفق، ثم قالت:
عزيز لسه فيه الروح… ولسه ربنا كاتبله عمر.
ارتجف صوتها، لكنها أجبرت نفسها على الابتسام وسط دموعها:
وإن شاء الله هيفوج من الغيبوبة..
وهيبجى زين وكيف الفل..
ظل ياسين ينظر إليها طويلًا.
ثم انخفض بصره إلى يدها الصغيرة التي تشبثت بيده، وكأنها تحاول أن تمنعه من السقوط.
تنفس بعمق، لكن أنفاسه خرجت مرتجفة.
وفي نهاية الممر…
كانت أبواب العناية المركزة تغلق ببطء خلف عزيز.
ويبقى السؤال معلق بين جدران المستشفى:
هل كانت تلك الغيبوبة استراحة قصيرة من الألم… أم بداية معركة أطول مع الموت؟
التفت ياسين إليها، وما إن رأى الارتجاف الذي ينهش جسدها حتى لان وجهه، وانطفأ ما بقي فيه من غضب، ليحل محله قلق صادق عليها.
مد ذراعيه وضمها إلى صدره، وأخذ يربت على رأسها ببطء، كأنه يحاول أن يهدئ ارتعاش قلبها قبل جسدها، ثم غمغم بصوت حنون:
اهدي يا أنين… بلاش الرعشة اللي في صوتك دي، بتدبحني والله.
انزلقت دموعها بقهر، ودفنت وجهها في صدره، ثم غمغمت بصوت متقطع:
صعب عليا جوي… حسيته كيف سيد أخوي بالظبط، منظره وهو سايح في دمه… مخليني مش عارفة أتلم على چتتي.
اشتد احتضانه لها، وكأنه يريد أن يحجب عنها الصورة التي لا تزال عالقة خلف عينيها.
ثم، دون تردد، انحنى وحملها بين ذراعيه، وتحرك بها في الممر بخطوات بطيئة، بينما كانت هي تتشبث به في خجل.
وهو يغمغم بنبرة ساخرة حاول بها أن ينتزعها من خوفها: تعالي أروحك.
رفعت أنين وجهها إليه بدهشة، فقال وهو يواصل سيره:
ممرضة قال! ممرضة النيلة والسواد…
حد الله، أبوكي فلوسه حرام!
شهقت أنين بخجل، وأحاطت عنقه بذراعيها، ثم همست وهي تحاول إخفاء وجهها:
لا… نزلني، حد يوعالنا يا ياسين.
ضمها ياسين إلى صدره أكثر، وأسند ذقنه فوق رأسها، ثم دلف بها إلى المصعد دون أدنى اكتراث بنظرات المارة، وقال بثقة ساخرة:
ما اللي يوعالنا يوعالنا يا بت!
ثم نظر إليها، وأضاف بنبرة أكثر جدية، رغم بقاء ابتسامته:
اللي يعرف أبونا يروح يقوله يلمونا ويجوزونا بقى… أنا مش هسيبك تمشي وإنتي عمالة تترعشي كده وتوقعي، وقلبي يقع معاكي.
ابتسمت أنين بخفوت، وغلبها الخجل، فأسندت رأسها إلى صدره، وأغمضت عينيها لحظة، كأنها وجدت في حضنه الأمان الذي كانت تحتاج إليه.
ثم همست بصوت مبحوح دافئ:
ربنا يخليك ليا يا ياسين.
شد ياسين ذراعيه حولها أكثر، وابتسم دون أن يجيب…
فأحيانًا، يكون الاحتضان أصدق من ألف كلمة.
قبل قليل… في غرفة الأشعة
رفع الطبيب صورة الأشعة أمام جهاز الإضاءة، وثبتها في مكانها، ثم اقترب منها قليلًا يتفحصها بعناية، بينما وقف زكريا إلى جوار غزل، ممسك بكفها الذي لم يفلت منه منذ دخولهما الغرفة.
ظل الطبيب صامت لثواني، قبل أن تهدأ ملامحه ويقول مطمئن:
لا، الحمد لله… العضم لحم في بعضه كويس جدًا، وممكن نفك الجبس دلوقتي.
اتسعت عينا غزل قليلًا، وكأن كلمة نفك الجبس وحدها كانت كافية لإثارة كل مخاوفها.
قبضت على كف زكريا أكثر، وسحبته إليها، ثم همست بصوت خافت مرتجف:
هو… فك الجبس بيوجع صح؟
التفت إليها زكريا فورًا.
ترك الطبيب وصورة الأشعة جانبًا، ورفع يده الحرة إلى وجنتها، يمسح عليها بحنان، ثم ابتسم لها بثقة:
لا يا حبيبتي، مش هتحسي بأي وجع…
أنا جنبك، متخافيش.
ابتلعت غزل لعابها بصعوبة، وظلت تحدق في الطبيب بعينين متوجستين، ثم عادت تنظر إلى زكريا وكأنها تبحث عن ضمان آخر : ينفع يديني بنج؟
رفع زكريا حاجبه، ثم هز رأسه بالنفي، وقال مطمئن:
يا قلبي، مش مستاهلة والله…
فك الجبس مش عملية، هيتفك وخلاص.
ثم أضاف بسرعة، وكأنه وجد الحل المثالي لمخاوفها:
وعلى العموم… لو حسيتي بأي حاجة، هخليه يديلك بنج.
رفع الطبيب عينيه عن الأشعة ببطء.
حدق في زكريا لحظات وكأنه يحاول استيعاب ما سمعه للتو، ثم اقترب منه ولكزه في ذراعه بضيق:
إيه يا عم الهجص ده؟! بنج إيه في فك الجبس؟! هو أي كلام يا دكتور؟!
استقام زكريا في وقفته بحنق، ورد له اللكزة بعنف أخف، ثم قال وهو يرمقه بنظرة تحذير:
خليكي في حالك وإنت… ويلا شوف شغلك!
رفع الطبيب حاجبه بسخرية، ثم تمتم وهو يهز رأسه:
حاضر يا دكتور زكريا… حاضر.
ثم التفت إلى الممرضة وأشار إليها:
ساعديها يا سناء تقعد على السرير.
وما إن اقتربت سناء من غزل حتى مد زكريا يده أمامها، وأشار إليها بالتوقف:
خليكي يا أختي!
توقفت الممرضة في مكانها، بينما نظر الطبيب إلى زكريا بذهول جديد :
ليه يا ابني؟!
رد زكريا بكل جدية: أنا اللي هساعدها.
زفر الطبيب بضيق، وتمتم وهو يعود إلى تجهيز أدواته:
ربنا يكون في عوننا… ده إحنا داخلين نفك جبس ولا داخلين معركة؟!
انحنى زكريا نحوها، ثم حمل غزل بخفة وحذر، وكأنها شيء ثمين يخشى أن يؤذيه بمجرد أن يشتد عليه قليلًا…
تحرك بها نحو السرير بخطوات هادئة، ثم أنزلها فوقه برفق، وعدل لها وضعها قبل أن يجلس إلى جوارها، محتفظ بكفها داخل كفه، يضغط عليها بحنان مطمئن.
وفي اللحظة نفسها، اقترب الطبيب وهو يحمل المنشار الكهربائي الخاص بفك الجبس.
ما إن وقع بصر غزل عليه حتى اتسعت عيناها في ذهول ممزوج برعب حقيقي.
نظرت إلى الأداة، ثم إلى الطبيب، ثم عادت بعينيها إلى زكريا وكأنها اكتشفت فجأة أنها وقعت في فخ لا مفر منه.
قبضت على سترته بكلتا يديها، وجذبته إليها، ثم دفنت وجهها في صدره، وانهمرت دموعها وهي تهمس بفزع:
لا… خلاص مش عايزة أفكه! خليه يا زكريا… بالله عليك خليه!
احتضنها زكريا على الفور، ولف ذراعه حول كتفيها، بينما أخذ يربت على ظهرها ببطء.
ثم رفع عينيه إلى الطبيب، وأشار إليه أن يبدأ.
حدق الطبيب فيه لحظة، ثم هز رأسه باستسلام، وبدأ عمله.
أما زكريا فظل ثابت في مكانه، لم يسمح لها برؤية شيء.
مرر أصابعه بين خصلات شعرها، يمسح عليها بحنان متواصل، وهمس قرب أذنها:
متخافيش… أنا معاكي.
شهقت باكية: خايفة.
ــ عارف… بس بصيلي، مفيش حاجة هتحصل.
ـ المنشار صوته يخوف.
ابتسم رغم عنه، وقال وهو يضمها أكثر:
ده بيخوف الجبس مش إنتى.
ظل يربت على رأسها ويهمس لها بكلمات مطمئنة، حتى هدأ ارتجافها تدريجيًا، إلى أن انتهى الطبيب من عمله وأبعد الأداة.
نهض الطبيب بهدوء وقال:
خلصنا يا مدام غزل… ها؟ حسيتي بأي ألم كان يستدعي البنج؟
رفعت غزل رأسها ببطء من صدر زكريا.
كانت وجنتاها غارقتين بالدموع، وأنفاسها لا تزال متقطعة من شدة الخوف.
هزت رأسها بالنفي، وهمست:
لا… الحمد لله. كنت خايفة أوي بس.
رفع زكريا يده ومسح دموعها بإبهامه، ثم ابتسم لها ابتسامة صغيرة وقال:
عشان بس تثقي فيا بعد كده.
أومأت برأسها بخجل.
ثم نهض زكريا ومد يده إليها ليساعدها على الوقوف.
وضعت غزل قدمها على الأرض بحذر، وما إن حاولت تحميل وزنها عليها حتى انطلقت منها أنة صغيرة، وتعلقت بذراعه : آه…
ثم همست بصوت مبحوح:
حاسة كأني نسيت أمشي إزاي.
ابتسم زكريا بحنان، وقبض على يديها بين يديه، ثم قال بصوت خافت يحمل وعد أكثر مما يحمل مزاح:
وأنا هعلمك تاني… تاتة تاتة.
رفع عينيه إليها وأضاف بابتسامة دافئة:
تخطي العتبة خطوة خطوة…
لحد ما تخطي جوه حياتي وبيتي.
اتسعت ابتسامتها بخجل، ولم تجد ما تقوله، فاكتفت بخفض عينيها.
لكنها لم تكد تلتقط أنفاسها حتى شهقت بفزع عندما انحنى زكريا وحملها بين ذراعيه من جديد : زكريا!
ضحك بخفوت، وهو يثبتها بين ذراعيه:
نستنى بقى العلاج الطبيعي عشان تقدري تمشي صح.
أومأ الطبيب برأسه مؤيدًا، وقال:
الدكتور عنده حق. ومتحمليش على العضلة كتير لحد ما تخلصي العلاج الطبيعي، عشان نتجنب أي مضاعفات.
أومأت غزل بطاعة، بينما عدل زكريا حملها، ثم التفت إلى الطبيب وقال بصوت أجش حاسم:
تمام….ظبط المواعيد ولغيني..
وأنا هجيبها.
ـ تمام.
انصرف الطبيب، بينما تحرك زكريا نحو باب الغرفة بخطوات متوسطة وثابتة، وغزل بين ذراعيه، وقد استكانت تمامًا إلى صدره.
وصلا إلى المصعد.
توقف زكريا أمام أبوابه المغلقة، فمدت غزل يدها وضغطت على زر المصعد، ثم عادت سريعًا لتتشبث بعنقه.
نظر إليها زكريا من أعلى، وابتسم.
أما هي فابتسمت بخجل، وكأنها بدأت تصدق فعلًا أن تلك الخطوات الصغيرة التي وعدها بها… ربما لن تقودها لاستعادة قدرتها على المشي فقط، بل إلى مكان آخر لم تكن تعرف أنها تتوق للوصول إليه.
فجأة، انفتح باب المصعد، فرفع زكريا حاجبه بحنق، قبل أن تتسع عيناه بدهشة وهو يجد أمامه ياسين عاري الصدر، يحمل أنين بين ذراعيه وكأن الأمر أكثر شيء طبيعي في الدنيا.
خرج صوته ساخط من فوره:
إيه ده؟! وإيه اللي إنت عامله ده يا حيوان؟!
شهقت أنين بخجل شديد، وحاولت التملص من بين ذراعي ياسين، إلا أنه أحكم ذراعيه حولها أكثر، مانع إياها من الحركة، ثم رفع رأسه عن وجهها ونظر إلى زكريا بنظرة مليئة بالعبث، وقال بكل برود:
عامل زيك يا أخويا… يا كبير، يا قدوتي.
حدق زكريا فيه لحظات، بينما شعرت غزل أن الأرض أرحم لها من الوقوف وسط هذا المشهد.
ربتت بكفها على صدر زكريا بخجل، وهمست وهي تخفي وجهها: نزلني يا زكريا… هموت من الكسوف.
نظر إليها زكريا، ثم إلى ساقها، وقال بهدوء:
هتوقعي يا قلبي.
وفي الجهة الأخرى، تنحى ياسين جانبًا وهو لا يزال يحمل أنين، وقال وهو يشير إلى المساحة أمامه:
تعال بس… خلي رجليها الناحية التانية، ليخبطوا في بعض.
أومأ زكريا، ودلف بخطوات محسوبة إلى المصعد، وهو يقول بامتعاض:
إذا المفاعيص دول مش مكسوفين؟!
هنتكسف إحنا؟ وإنتي رجلك مكسورة يا قلبي.
رفع ياسين حاجبه بمكر، وقال:
ودي مكسورة مشاعرها؟
التفت إليه زكريا بنظرة جانبية، بينما مال ياسين نحوه وهمس بمكر:
وبعدين قلبك يا راجل… من إمتى؟
رفع زكريا حاجبه بحنق، ثم رد عليه بصوت خافت:
وإنت مالك؟ على الأقل أنا لسه بهدومي…
دانت عديت الشلحات كلها! قالع كده ليه يا حيوان؟
كادت أنين تضحك رغم دموعها، بينما غزل دفنت وجهها في صدر زكريا من شدة الخجل.
لكن ابتسامة ياسين اختفت فجأة.
تبدلت ملامحه بالكامل، وانطفأت السخرية من عينيه، وزفر بضيق شديد قبل أن يقول:
عزيز هنا في المستشفى.
تغير وجه زكريا في الحال.
قطب حاجبيه بدهشة، والتفت إليه بكامل جسده:
عزيز؟!
لم يجب ياسين فورًا.
ظل ينظر أمامه، وملامحه تحمل ثقل واضح، وكأن الكلمات القادمة أثقل من أن تخرج بسهولة.
وقبل أن يسأله زكريا مرة أخرى، انفتح باب المصعد.
خرج ياسين أولًا وهو يحمل أنين، وتبعه زكريا يحمل غزل، ثم هتف زكريا خلفه بقلق:
جبته ليه يا ياسين؟ ما كانت حالته بدأت تستقر!
توقف ياسين.
استدار بجسده ببطء، ونظر إلى زكريا بعينين غارقتين في الحزن.
ثم قال بصوت خافت، لكنه كان كافي ليبدل الهواء من حولهم:
حد ابن حرام دخل عليه… وضربه بسكينة في صدره.
تجمدت ملامح زكريا.
أكمل ياسين، وصوته يزداد اختناق:
جبته أنا وأنين على آخر نفس… كان سايح في دمه.
شهقت غزل، بينما وضعت أنين وجهها في كتف ياسين، وعادت الدموع لتملأ عينيها.
ابتلع ياسين غصته، ثم قال:
نزف نص دمه… ودخل في غيبوبة.
ساد صمت ثقيل.
توقفت ملامح زكريا تمامًا، واتسعت عيناه بذهول مشوب بغضب بدأ يشتعل ببطء داخل عروقه.
نظر إلى ياسين للحظات، ثم قال بصوت منخفض، لكنه خرج محمل بوعيد واضح: مين اللي عمل فيه كده؟
ولأول مرة منذ دخول المصعد…
لم يجد ياسين إجابة.
أمام بوابة المستشفى
كان الليل قد أرخى سدوله على المكان، وأضواء المستشفى البيضاء تنعكس على السيارات المتوقفة أمام البوابة، بينما تحرك أحد أفراد الأمن مسرعًا نحو سيارة زكريا، وفتح له الباب.
انحنى زكريا، ومد ذراعيه وهو يحمل غزل، ثم وضعها بحذر شديد داخل السيارة، وساعدها على الاستقرار في مقعدها دون أن يضغط على ساقها المصابة.
ثم انحنى قليلًا نحوها، وقال بنبرة حانية:
شوية وجاي لك يا غزل.
أومأت برأسها بخفوت، وقالت: ماشي.
ابتسم لها سريعًا، ثم استقام وأغلق الباب بنفسه، قبل أن يلتفت إلى سيارة ياسين التي كان الأخير قد وضع أنين داخلها وأغلق الباب.
اتجه زكريا نحوه بخطوات غاضبة، وما إن وصل إليه حتى هتف بحدة:
تعالى هنا… فهمني يعني إيه أخوك يتضرب جوه بيتنا؟! أمال الرجالة اللي ماليين المنطقة دول بيعملوا إيه؟ أكل ومرعى وقلة صنعة؟!
وأشار بيده بعصبية، ثم تابع:
ده يومهم أسود بس شاهين يشم خبر!
رفع ياسين يده بضيق، وقال:
أهو ده اللي حصل… ومن ساعتها والبت مش قادرة تلم على جتتها من ساعة اللي حصل.
أومأ زكريا بحنق، ثم نظر إليه بنظرة جانبية وقال بسخرية:
آه… عشان كده إنت كنت لامم جتتها في حضنك؟
خالك لو شافك هيلم جتتك في تربة!
اتسعت عينا ياسين، وأشار إليه بحنق:
ليه بقى؟ هو خير تعمل شر تلقى؟ يا عم تف من بوقك!
ضحك زكريا بسخرية، ثم لكزه في صدره بعنف:
أنا هتف عليك إنت لو مروحتش البت ولمت شغل المسخرة ده!
رفع ياسين حاجبه، وارتسمت على شفتيه ابتسامة مستفزة:ليه يا عم؟ دانا حتى قافشك متلبس!
لكزه زكريا مرة أخرى، وقال بغيظ:
متلبس مش قالع! يعني لو حد شافك بمنظرك ده، كان هيبقى منظر بنت خالك إيه؟!
زفر ياسين بضيق، ومسح على وجهه قبل أن يقول:
يا عم ورحمة أبويا، البت كانت مش قادرة تمشي خطوتين على بعض، عشان كده شلتها.
ثم أشار نحو المستشفى، وأردف بجدية:
أنا أصلًا حاولت أتصل بشاهين أو بعمك أحمد، بس محدش رد…
فقلت أروح أنين عشان تعبت من منظر الدم، وأشوف شاهين وعمك هنعمل إيه في المصيبة دي.
هدأت ملامح زكريا قليلًا، وأومأ برأسه متفهم، ثم ألقى نظرة نحو سيارة غزل : تمام.
اتجه نحو سيارته، وفتح الباب، ثم التفت إلى ياسين وقال:
وأنا هروح غزل وأرجع على المستشفى أشوف حالة عزيز.
أومأ ياسين: تمام.
صعد كل منهما إلى سيارته، وبعد لحظات انطلقت سيارة ياسين أولًا، لتتبعه سيارة زكريا خلفه، بينما ظل ضوء المستشفى يتراجع في المرآة شيئًا فشيئًا…
لكن ما حدث لعزيز لم يكن حادث عابر…
كان أحدهم قد اقتحم بيتهم، وطعن فردًمن عائلتهم، وخرج دون أن يترك وراءه سوى الدم…
وكان شاهين حين يعرف… لن يمرر الأمر مرور الكرام.
………
في مرحاض السجن…
كان المكان غارق في صمت ثقيل، لا يقطعه سوى صوت قطرات الماء المتساقطة من صنبور قديم، ورائحة الرطوبة العالقة في الجدران الباردة.
خرج عابدين من المرحاض، واتجه بخطوات متثاقلة نحو الصنبور. مد يده وفتحه، وما إن هم بأن يلامس الماء وجهه، حتى التقطت أذنه وقع خطوات سريعة تقترب من خلفه.
استدار بحركة خاطفة..
لكن الوقت كان قد فات.
اندفع نصل أنور البارد إلى بطنه، واستقر في جسده بعمق موجع.
شهق عابدين شهقة اختنقت في حلقه، وانحسرت أنفاسه داخل صدره دفعة واحدة، كأن يد خفية أغلقت على رئتيه.
تشنج جسده، وارتجفت أصابعه، بينما تصبب العرق على جبينه بغزارة، ورفع عينيه المحتقنتين نحو أنور، قبل أن يهدر بصوت متقطع بالصدمة والألم:
جات منك إنت… يا ابن الحرام!
ظل أنور أمامه، لا يرتجف، ولا يتراجع.
كانت عيناه مشتعلة بغضب بدائي، غضب رجل حمل جرح في صدره سنوات طويلة، حتى صار الانتقام بالنسبة إليه الشيء الوحيد الذي ظل حيا داخله.
أومأ برأسه ببطء، وقال بصوت أجش:
ده تار بنتي… اللي عذبتها خمس سنين في قبر مفتوح. خليت الرطوبة والمرض ياكلوها… وأنا هاكلك بسناني يا ابن المرة!
ارتعشت شفتا عابدين، وبدل أن يظهر الخوف على وجهه، ارتسمت عليه ملامح حقد مشوه.
مد يده خلفه بصعوبة، وتشبث بالصنبور، ثم تمتم من بين أسنانه:بنتك… بت الحرام؟! طيب اختشي على دمك!
وما إن أنهى جملته حتى انتزع قطعة معدنية من الصنبور، وأدار جسده بكل ما تبقى لديه من قوة، ثم هوى بها على رأس أنور.
ارتطم الحديد بجمجمته بعنف، فتراجع أنور مترنح، وارتفعت يده إلى رأسه غريزي…
لكن عابدين لم يمنحه فرصة.
رفع القطعة مرة أخرى، وضربه.
ثم مرة ثالثة.
ورابعة.
حتى بدأ جسد أنور يفقد قدرته على المقاومة، وسقط على ركبتيه بعنف.
سال الدم من رأسه، وانحدر على وجهه، بينما بدأت الأصوات من حوله تتلاشى تدريجيًا، وكأن العالم كله ابتعد عنه فجأة.
وفي تلك اللحظة، لم ير أنور المرحاض…
رأى حور.
رأى وجهها.
ضحكتها.
وعينيها اللتين ظلتا تسكنان ذاكرته طوال السنوات الماضية.
تحركت شفتاه بصعوبة، وانهمرت دمعة ساخنة من عينه، امتزجت بالدماء على وجنته : سامحيني… يا بنتي.
ثم أغمض عينيه ببطء، واستسلم جسده للظلام…
استسلام لم يكن واضح إن كان للموت…
أم كان ترحيب به.
وفي اللحظة التالية، هوى جسد عابدين أيضًا إلى جواره، كأن القوة التي أبقته واقف طوال تلك السنوات قد انتهت دفعة واحدة.
استلقى الرجلان جنب إلى جنب، غارقين في دمائهما، في المكان ذاته الذي جمع بين قاتل وضحية، وبين رجل جاء يحمل ثأر ورجل ظن أنه يستطيع الهرب من حساب الماضي.
وكان المشهد بأكمله أشبه بخاتمة سوداء لحكاية بدأت بالخيانة…
فما بدأ بالخيانة، لم يجد طريقه إلى النهاية إلا بالغدر.
…………
أمام منزل المهدي…
توقفت سيارة الإسعاف أمام منزل المهدي، فانفتح بابها الخلفي على عجل،
بينما كانت سيارة شاهين تقف أمامها مباشرة، وقد بدا المكان في حالة من الاضطراب المكتوم، كأن الجميع يتحرك تحت وطأة أمر لا يحتمل التأجيل..
كان رجال شاهين يهرولون بين المنزل والسيارة، يحملون حقائب السفر واحدة تلو الأخرى، يضعونها في صندوق السيارة بعناية، ثم يعودون لجلب المزيد..
كانت حقائب شاهين وحور قد جهزت على عجل؛ ملابس مطوية على غير عادتها، وأغراض صغيرة ألقيت داخل الحقائب دون ترتيب، وكأن الرحيل لم يكن قرار مخطط له، بل ضرورة فرضتها الظروف فرض…
في الطابق العلوي،
كان الهواء مثقل بشيء أشبه بالفقد قبل أن يقع.
تجمدت فوزية في مكانها، تحدق في شاهين كأنها لم تفهم ما سمعته للتو…
ثم ارتجفت شفتاها وانفلتت من صدرها شهقة مكسورة، قبل أن تضرب كفها على صدرها وتقول بنحيب موجوع:
تسافر فين وليه يا ابن عمري؟!
ظل شاهين صامت للحظات، وكأن الكلمات نفسها أصبحت حمل أثقل من قدرته على الاحتمال…
ابتلع غصته بصعوبة، وأطرق رأسه محاولًا أن يخفي ارتعاشة ملامحه، ثم رفع عينيه إليها وقد امتلأتا بتعبٍ لم يعد قادر على ستره :
أبوس على إيدك ياما… متصعبيهاش عليا أكتر ما هي صعبة….
انا على آخري ومش طايق نفسي…
سيبيني يمكن أهدى، وأرجع في يوم من الأيام.
كأن جملته الأخيرة كانت الطعنة التي أكملت انهيارها.
اندفعت فوزية نحوه، وقبضت على ياقة قميصه بكلتا يديها، وهزته بعنف، بينما كانت دموعها تتساقط بلا توقف: وأخواتك يا شاهين؟!
هزت رأسها بالنفي بجنون، وكأنها ترفض الفكرة قبل أن ترفض كلامه، وانسكبت دموعها على وجنتيها وهي تقول بصوت متقطع:
لا… دول عيالك يا ابني! أمك وعمك أحمد… كلنا عيالك. أنا نفسي بحس إني بنتك من كتر ما إنت شايلنا وواقف في ضهرنا… هتسيبنا إزاي؟! هتسيبنا للكلاب تنهشنا وإنت عارف إن مفيش ضهر لينا غيرك؟!
كانت كلماتها تخرج من مكان أعمق من الخوف… من أم اعتادت أن ترى ابنها سند للبيت كله، وفجأة وجدته يحاول الانسحاب منه وهو بالكاد يقوى على حمل نفسه.
خلفها، شهقت حور شهقة اختنقت بها الكلمات، وهي ممدده علي سرير الإسعاف بوهن ..
ورفعت كفها إلى فمها تكتم نحيبها، بينما انهمرت دموعها بلا توقف… مدت يدها المرتجفة وقبضت على كف شاهين، ثم همست بصوت متهدج:
فكر تاني يا شاهين… عشان خاطر ماما، أبوس على إيدك… خليك.
التفت شاهين إليها.
نظرة واحدة كانت كافية لتفضح كل ما حاول دفنه خلف صمته.
لم يكن يريد الرحيل.
كان فقط يريد أن يهرب من نفسه.
من الخذلان الذي أثقل صدره، ومن الوجع الذي صار يلاحقه حتى داخل بيته، ومن شعوره بأنه لم يعد يملك طاقة ليقف في وجه شيء آخر.
اقتربت فوزية منه، ومدت يدها إلى يده، وقبضت عليها بقوة، ثم ارتجفت شفتاها وهي تقول:
ابوس على إيدك يا ابني… عشاني….
دانا كنت أطب ساكتة لو تفرقنا…
ولو إنت زعلان مين زعلك ؟!
أنا أجبلك حقك من نن عينه…
ولو أنا اللي زعلتك في حاجة… حقك عليا يا ضنايا.
توقفت لحظة، ثم أضافت وهي تبكي:
ولو على عمك أحمد… أنا هقفله وأخليه يسيبك تتمم جوازك من البت، بس خليك يا ضنايا… خليك عشان أمك.
ارتعشت ملامح شاهين.
وحين أوشكت فوزية أن تهوي على يده تقبلها، سحب كفه سريعًا، وكأن منظرها وهي تتوسل إليه كان أقسى عليه من كل ما حدث.
ثم جذبها إلى صدره.
احتضنها بقوة، وأسند ذقنه فوق رأسها، بينما أغمض عينيه للحظة، وانسابت دمعة ساخنة من عينه وسقطت فوق حجابها.
تمسكت فوزية بقميصه كأنها تخشى أن يختفي من بين ذراعيها، ودفنت وجهها في صدره وهي تردد بنحيب:
خليك يا شاهين… عشان خاطري خليك.
ظل يضمها دون أن يجيب.
حتى خرج صوته أخيرًا، مبحوح، محطم من كثرة ما حمله:
والله ياما… الحكاية أكبر من كده بكتير…
أنا محتاج أبعد شوية… قلبي هيفجر….
مش متحمل، ورحمة أبويا مش متحمل.
تراجعت فوزية عنه خطوة، تحدق فيه بعينين غارقتين في الرعب، ثم رفعت كفيها إلى وجنتيها ولطمتهما وهي تصرخ بنحيب مفجوع:
يِخرب بيتك تاني يا فوزية… يلهووووي يا مرررري!
ثم شهقت، وضربت صدرها:
كبيرك اللي مسنودة عليه عايز يهمل الجمل بما حمل؟! عايز يفارقني يا ناس؟!
اندفع شاهين نحوها قبل أن تعاود ضرب وجهها، وأمسك معصميها برفق ممزوج بالقوة، ثم ضمها إليه من جديد.
كانت فوزية تبكي في صدره كطفلة فقدت أمانها، بينما بقي هو صامت، يمرر يده فوق ظهرها ببطء، ودموعه تتساقط فوق رأسها دون أن تشعر.
وفي تلك اللحظة، لم يكن شاهين ابن يريد الرحيل…
ولا رجل قرر أن يبدأ حياة جديدة.
كان مجرد ابن أنهكه كل شيء، وأمه هي آخر شيء يخشى أن يكسره قبل أن يغادر.
في الأسفل…
ترجل أحمد من السيارة، ولحقت به شهد بخطوات متعجلة، وما إن أغلقت باب السيارة حتى التفتت إليه بعينين متلهفتين، وسألته بصوت مبحوح لا يزال عالق به أثر البكاء:
يعني حور… طلعت من المستشفى؟
وهي في البيت دلوقتي؟
فايقة يعني… صاحيه؟
أومأ أحمد برأسه، محاولًا أن يطمئنها، وقال بهدوء:
أيوه يا شهد، تعالي شوفي بنفسك.
انزلقت دمعة ساخنة على وجنة شهد، ومسحتها بطرف أصابعها على عجل، ثم تحركت نحو المنزل بخطوات سريعة متعثرة، وكأن قلبها سبق قدميها إليه.
همست بعتاب موجوع:
طيب ليه مقلتليش؟ وسيبتني دمي يغلي عليها كده؟ هنت عليك يا أحمد؟
وقبل أن يجيبها، توقف أحمد فجأة.
تجمد في مكانه، واتسعت عيناه حين وقعتا على سيارة الإسعاف المتوقفة أمام مدخل المنزل، ورجاله يتحركون في عجلة، بينما كانت بعض الحقائب تنقل الي سيارة شاهين..
التفتت شهد إلى حيث ينظر، ثم شهقت براحة ممزوجة بالقلق، وقالت:
آه… وصلت قبلنا بعربية الإسعاف…
يا حبيبتي يا بنتي…
وما إن نطقت كلماتها حتى اندفعت نحو المنزل راكضة، بينما لحق بها أحمد بخطوات أسرع، وقد بدأ القلق يزحف إلى ملامحه دون رحمة.
تمتم وهو يحدق في سيارة الإسعاف:
استر يا رب…
وبمجرد أن دلفا إلى المنزل، اخترق آذانهما صوت صراخ فوزية ونحيبها المنهار، فشهقت شهد، وتشبثت بكفها فوق صدرها كأن قلبها ينتزع من مكانه : يا ساتر يا رب…
ثم اندفعت نحو الدرج، تصعده دون أن تشعر بدرجاته تحت قدميها، وصوتها يخرج مرتجف مذعور:
بنتي… حور! يا بنتي!
كان أحمد خلفها مباشرة، يركض وهو لا يفهم ما الذي يحدث، وكلما ارتفع صوت فوزية ازداد الخوف الذي ينهش صدره.
وصل الاثنان إلى شقة فوزية، وقبل أن يلتقط أحمد أنفاسه كانت شهد قد اندفعت إلى الداخل.
وقعت عيناها على حور، فهرعت إليها دون تردد، وأحاطتها بذراعيها بقوة، كأنها تخشى أن تختفي ابنتها من بين يديها إن تراخت لحظة واحدة.
انفجرت دموع الفرح من عينيها، وراحت تقبل رأسها ووجهها بجنون الأم التي عادت إليها قطعة من روحها بعد غياب طويل:
يا بنت عمري… الحمد لله! الحمد لله إني أخيرًا شوفتك صاحيه يا ضنايا… يا حتة من قلبي!
تعلقت حور بها بكل ما أوتيت من قوة، ودفنت وجهها في صدر أمها، وانفجرت بالبكاء.
لكن صوتها حين خرج كان غريب… هادئ بصورة أخافت شهد أكثر من الصراخ: ماما…
ابتعدت شهد عنها قليلًا، وأمسكت وجهها بين كفيها، تحدق في عينيها بلهفة: نعم يا قلب ماما؟
ارتعشت شفتا حور، وانسابت دموعها على وجنتيها وهي تهمس: الحمد لله… إني شوفتك قبل ما أمشي.
توقفت أنفاس شهد.
ظلت تحدق فيها للحظات، كأن عقلها رفض أن يفهم الجملة، أو ربما فهمها قبل أن يسمح لها قلبها بذلك :
تمشي…؟
خرجت الكلمة من فمها هامسة، مرتعشة، ثم أخذت تهز رأسها بالنفي وهي تمسح دموع ابنتها بيدين ترتجفان:
تمشي فين يا حور؟ إنتي لسه طالعة من المستشفى… إنتي رجعتي لينا يا بنتي.
وفي اللحظة ذاتها اندفع أحمد إلى جوارهما، وقد التقط آخر كلماتها، فجلس أمام حور ومد يده إليها، وملامحه امتلأت ذعر :تمشي فين يا بابا؟
رفع عينيه إليها، محاولًا أن يبتسم رغم الرعب الذي بدأ يخنق صوته: رايحة فين بس؟ إحنا لسه هنفرح بيكي…
لكن حور لم تجبه.
اكتفت بالنظر إليه، ثم إلى أمها، وكأنها تحفظ ملامحهما للمرة الأخيرة، قبل أن تهبط دمعة جديدة على وجنتها.
وفي الخلف، ظل نحيب فوزية يملأ المكان…
كأن البيت كله كان يشعر بأن تلك الفرحة التي انتظروها طويل، لم تكن إلا فرحة على حافة الفقد.
اندفعت فوزية نحوه، وقبضت على ياقة قميص أحمد بكلتا يديها، وهزته بعنف، وقد انفلت نحيبها من بين شفتيها كأنها لم تعد تملك طاقة أخرى للكتمان:
الواد عايز يسافر ويسيبني يا أحمد!
أنا بحذرك… سيب العيال يتجوزوا،
الواد هيطق من تحكماتك!
حدق أحمد فيها بذهول، وكأن كلماتها احتاجت إلى لحظات حتى تصل إلى عقله.
ثم ارتفعت عيناه ببطء نحو شاهين.
كان واقف أمامه كجبل أنهكته العواصف، جامد الملامح، لكن عينيه كانتا تفضحان حرب كاملة تدور خلفهما.
ابتلع أحمد الجمر العالق في حلقه، فشعر به يمر كقطعة زجاج خشنة تشق طريقها في صدره، ثم خرج صوته مبحوح :
تسافر؟… تسافر فين يا شاهين؟
يعني إيه تسافر؟
هتسيب مين ولا مين يا ابن عمري؟
لم يلتفت إليه شاهين.
ظل واقف في مكانه، مطرق الرأس، وكأن النظر إلى أبيه الآن أصعب من الرحيل نفسه.
ثم قال بصوت متحشرج، خرج محمل بكل ما عجز عن قوله طوال السنوات الماضية:
لا… هسيب كتير.
رفع عينيه أخيرًا، وكانت فيهما مرارة رجل لم يعد يحتمل أن يظل في المكان الذي أوجعه:
هسيب الكدب… والقرطسة… واللوع…
وهسيب وجع أنا مش هقدر أتحمله.
سكت لحظة، ثم أضاف بمرارة أشد:
تيجي في الغالي دلوقتي.
تجمد أحمد.
أما فوزية، فبقيت تحدق بينهما والدموع تغرق وجهها، لا تفهم كيف تحول الكلام إلى سكاكين تغرس في قلب كل واحد منهما.
نزع أحمد قبضتي فوزية عن ياقة قميصه ببطء، ثم خطا نحو شاهين.
خطوة…
ثم أخرى…
حتى وقف أمامه.
وللمرة الأولى، لم يقف أحمد شامخ أمام ابن عمره.
انحنت كتفاه، وخذلته صلابته، وانزلقت دموعه من عينيه حتى استقرت في لحيته.
قال بصوت مكسور لم يعتده شاهين منه:
يا ابني… افهمني.
ارتجفت شفتاه، وأخذ نفس عميق لم يستطع أن يخفي اختناقه:أنا خوفت عليك… زي ما إنت خايف دلوقتي.
اقترب أكثر، وحدق في عينه كأنه يحاول أن يستعيد منه سنوات كاملة في لحظة واحدة :
إنت المفروض تعذرني… الإحساس اللي إنت حاسه دلوقتي هو هو اللي أنا حسيته… هو نفس الوجع… ونفس الخوف اللي خلاني أعمل اللي عملته.
ظل شاهين صامت لثواني.
ثم خرج صوته خشن، حاد، لكنه كان يرتجف من الداخل:
على الأقل تيجي منك…
رفع عينيه إليه، وانكسرت فيهما لمعة موجوعة:
أحسن ما أعرف بالصدفة… كنت هحس إني ليا قيمة عندك؟
تبدلت ملامح أحمد كليا.
اندفعت يده فجأة، وقبضت على ياقة قميص شاهين، وهزه بعنف، وانفجر صوته بين الغضب والوجع:
وإنت مش عارف قيمتك عندي؟!
اقترب منه أكثر، ودموعه تنهمر رغمًا عنه:
كداب يا شاهين!
هزه مرة أخرى، ثم صاح بصوت انكسر في آخره:
كداب يا ابن عمري!
شهقت فوزية، بينما وضعت شهد يدها على فمها تكتم بكاءها.
لكنها لم تستطع أن تصمت.
أشارت بيدها نحو شاهين، وقالت بصوت مبحوح يقطر حزن ووهن:
وإنت عايز تسافر؟… سيبلي بنتي أفرح برجعتها كده.
ارتعشت شفتاها، وانهمرت دموعها:
عايز تاخدها من الدار للنار؟! دانا ملحقتش أفرح برجعتها يا ابني… ملحقتش حتى أشبع من شكلها وهي واقفة قدامي.
التفتت إلى حور، ثم عادت بعينيها إليه:
سيبني أعيش معاها كام يوم… كام يوم بس أحس إنها رجعتلي.
انخفض رأس شاهين، وكأن كلماتها أصابت موضع آخر في قلبه.
فتح فمه ليتحدث…
لكن رنين هاتف أحمد قطع اللحظة بعنف.
رن الهاتف مرة.
ثم مرة أخرى.
وأخرى.
أخرجه أحمد بيد مرتجفة، ونظر إلى الشاشة للحظات، قبل أن يرفع الهاتف إلى أذنه.
هتف بضيق مشوب بالغضب: في إيه؟
لم تمر سوى ثواني…
حتى تبدل وجهه.
اختفى الغضب.
وتلاشى كل أثر للكلام.
شحب وجهه فجأة، واتسعت عيناه بصورة أفزعت الجميع.
أنزل الهاتف عن أذنه ببطء، وظل يحدق أمامه كأن شيئًا ما انتزع الأرض من تحت قدميه.
رفع شاهين رأسه نحوه بقلق.
وتوقفت فوزية عن البكاء لحظة.
أما شهد، فاقتربت خطوة وهي تهمس:
أحمد… في إيه؟
لم يجب.
ظلت عيناه معلقتين بشاهين…
ثم انتقلتا ببطء إلى حور.
وكأن الخبر الذي سمعه للتو لم يكن خبر عابر…
بل كان شيئًا قادر على تغيير كل ما قرروه قبل لحظات.
قال شاهين بصوت خافت، وقد بدأ الرعب يتسلل إلى نبرته: مين اللي كلمك؟
ظل أحمد صامت.
وبدت على وجوه الجميع تلك النظرة التي تسبق الكارثة…
حين يصمت رجل اعتاد أن يكون أول من يواجه كل شيء.
ووووووووو
ساحره القلم ساره احمد

تسلم ايدك ياقلبي ❤️
ايه الجمال والعظمة والروعه ده بارت تحفه تحفه تسلم ايدك ياقمر ❤️❤️❤️
يخرب بيت الحلاوة هوه فيه كده
❤️❤️❤️❤️❤️
تسلم ايدك يا سو البارت تحفه كالعادة
تحفه تسلم ايدك يا سو
تسلم ايدك🤍
Finally found the official source for the app. The installation was a breeze and the performance is top notch. If you are wondering where to get it, just head over to jljl5download.