ييبب
ملكي وكفي

الفصل الثاني عشر (ملكي وكفي)

الفصل الثاني عشر (ملكي وكفي)

إنَّه القَدَر…
تلك الحكاية الخفية التي تُدبِّر مسارات أرواحنا بعيدًا عن رغباتنا وأحلامنا، فتمنحنا أشياء وتسلبنا أخرى دون أن تستأذن قلوبنا.
فكم من حبٍّ تسلَّل إلى أرواحنا على حين غفلة، فأعاد ترتيب أفكارنا، وغيَّر ملامح أيامنا، وجعل للعالم لونًا جديدًا لم نكن نراه من قبل.
وكم من شخصٍ اشتاقت إليه قلوبنا حتى أوجعتها الذكرى، لكن القدر كتب على أرواحنا فراقه، فصار حضورُه أمنية، وصوته حنينًا، وذكراه وطنًا نسكنه كلما ضاقت بنا الحياة.
وكم من عزيزٍ كان يملأ أيامنا دفئًا وأمانًا، ثم رحل تاركًا خلفه فراغًا لا يملؤه أحد، فغابت بعده شمس البهجة، وذبلت في دروب العمر أزهارٌ كانت تتفتح بوجوده.
وفي المقابل، هناك من يحمل لنا في قلبه شوقًا لا يقل عن شوقنا، ويتلهف لرؤيتنا كما نتلهف لرؤيته، لكن بيننا مسافات صنعتها الظروف، وحواجز شيدها القدر، فعجزت الأعين عن اللقاء رغم أن الأرواح ما زالت تتعانق في الخفاء.
حقًا… إن في الحياة أمورًا كثيرة ليست بأيدينا، ولا تخضع لرغباتنا أو محاولاتنا، بل هي أقدارٌ كُتبت لنا منذ نعومة أظفارنا، وسارت إلينا في طرق لا نعلمها حتى بلغت أبوابنا.

البارت الثاني عشر

لكن قبضة أحمد كانت تزداد قسوة مع كل ثانية.

وكأن سنوات كاملة من الغضب والارتباك والخوف انفجرت دفعة واحدة.

ازرق وجه سعد.
وتقطعت أنفاسه…

بينما كان أحمد يحدق فيه بعينين لم يعرفهما أحد من قبل.

عينين لرجل جرح في أكثر مواضعه حساسية.
وأُهينت أنقى منطقة في قلبه.

وفجأة…
قبضت يد قوية على ذراعه من الخلف.
قبضة صلبة كالفولاذ.

ثم جاءه صوت حاد مزق حالة الجنون التي استولت عليه:
سيبه هتموته يا جدع انت! الخمرة عمتك ولا إيه؟!

لم يستوعب أحمد ما يحدث.
شعر فقط بجسد يجذبه بعيدًا عن سعد بالقوة.

وبصعوبة بالغة استطاع عزيز أن ينتزع أحمد من فوقه.

كان أحمد يتملص بعنف.
كوحش أُخرج من ساحة معركته قبل أن يشبع غضبه.
وهدر بصوت مشتعل: أوع يا جدع!
إنت مين أصلًا؟! ملكش فيها!
بدل ما أشرب من دمك إنت كمان..

شد عزيز ذراعه بقوة أكبر.
ثم دفعه بعنف ليستقر فوق أقرب كرسي.
واهتز الكرسي تحت جسده من شدة الدفع.
وهدر عزيز بغضب:
أنا اللي بحاول أنقذك قبل ما تودي نفسك في أبو حديد!

ارتفع صدر أحمد وهبط بعنف.
وكانت أنفاسه تخرج ساخنة كأنها لهيب.
ونهض في الحال.

ورفع قبضته ليلكم عزيز…وهدر: وإنت مين أصلًا؟! وإنت مالك؟!

لكن قبضته لم تصل.
إذ التقطها عزيز في الهواء قبل أن تهبط.
وأحكم قبضته عليها.

فتقابلت أعين الرجلين للحظة مشحونة بالتحدي والغضب.

وصاح عزيز: لا مالي ونص!
عايزني أتفرج عليكم وإنتوا بتموتوا بعض ليه كل ده؟!

كان سعد في الخلف يسعل بعنف.
ويده على عنقه.
يحاول استعادة أنفاسه التي كادت تفارقه.

أما أحمد…
فما زال يغلي.
ما زال الدم يضرب في عروقه بعنف.
وما زالت كلمات سعد ترن داخل رأسه كصفعة مهينة.

صاح أحمد بعنف انفجرت معه كل القيود التي حاول فرضها على نفسه: أيوه!
لما تبقى اللي فاكره صاحبك راجل جدع وبيفهم في الأصول، ويغلب النسوان في الرط والبصبصة… يبقى موته حلال!

كانت عروق عنقه بارزة بصورة مخيفة.
وعيناه مشتعلة بغضب أعمى.

بينما نهض سعد بصعوبة من فوق الأرض.
ويده ما تزال تدلك عنقه المتألم.

وكان وجهه محتقن مائل إلى الزرقة من أثر القبضة التي كادت تزهق روحه منذ دقائق.

التقط أنفاسه بصعوبة.
ثم رفع رأسه نحو أحمد وقال بصوت متقطع: وإنت اللي راجل أوي؟

وارتفعت نبرته شيئًا فشيئًا : وإنت بتبص للأمانة اللي في رقبتك كده؟
إنت كده رجولة يعني؟
دانت طلعت مشمتهاش!

كانت الكلمة الأخيرة كفيلة بإشعال ما تبقى من عقل أحمد.

فاستدار نحوه في لحظة.
واقترب بخطوات بطيئة.

لكنها كانت أكثر رعب من الركض.
خطوات رجل بلغ أقصى حدود احتماله.
والشرر يتطاير من عينيه.

حتى ظن سعد للحظة أنه سيهجم عليه من جديد.

لكن أحمد توقف أمامه مباشرة.

وهدر…بصوت حاد كحد السكين…صوت يقطع الحجر :  الأمانة دي…

ثم ضرب صدره بقبضته وصاح : محدش صانها ولا خاف عليها قدي.

واهتز صوته لأول مرة…اهتزازة صغيرة.
لكنها كانت كاشفة : أنا خوفت عليها حتى من الهواء…

ساد الصمت.
حتى عزيز عقد حاجبيه دون أن يفهم.
أما أحمد فواصل كمن يخرج الكلام من قلبه لا من فمه:
بتحسبوني على إيه؟
بتفكروا فيا إزاي؟
عشان فجأة ربنا حقق حلمي وبقى عندي عيلة؟

وبقى عندي روح في البيت؟
وبقى عندي حد أرجعله آخر اليوم؟

ارتجفت عضلة في فكه…وقال بصوت أكثر خشونة:
حور دي حتة من الجنة.
ربنا هو اللي بعتهالي.

هي اللي علمتني يعني إيه كلمة بابا..
كلمه بابا منها بطول عمري.
وأقسم بالله…دمعتها تقصرو .

ارتبك سعد.
وتسللت الندامة إلى ملامحه للمرة الأولى.

لكن أحمد لم يمنحه فرصة للكلام.
وأشار إليه بإصبع مرتجف من شدة الانفعال.

وقال بمرارة موجعة:
واحد زيك عمره ما هيفهم معنى كلامي.
عشان إنت جاحد.
وملكش قلب.

ثم ضحك ضحكة قصيرة قاسية خالية من الفرح…وأضاف: ومتعملهاش عليا.
كأني مش عارف مين اللي واقف قدامي.

وأدار ظهره فجأة.
وانطلق نحو الخارج بخطوات غاضبة عنيفة.

كانت قدماه تدكان الأرض دكًا.
كأن كل خطوة تحمل داخلها بركان من الغضب والحزن والارتباك.

ظل سعد واقف مكانه يحدق في ظهره المبتعد.

وشيئًا فشيئًا بدأت حرارة غضبه تخمد.
وحل محلها شعور ثقيل بالذنب.

اقترب عزيز منه…وربت على كتفه قائلًا بهدوء:
استهدى بالله.
ساعة شيطان ودخلت بينكم.
اهدى وروح ورا صاحبك.

مرر سعد كفه على وجهه بإرهاق.
ثم أشار بيده موافقًا.
وانطلق مسرع نحو الخارج.

وما إن خرج إلى الشارع حتى صاح بأعلى صوته: معلم أحمــــد!

لكن النداء جاء متأخرًا.
فقد كانت سيارة أحمد قد اندفعت بالفعل كالسهم.

تشق الطريق بسرعة جنونية.
وتبتلعها أضواء الليل شيئًا فشيئًا.

حتى اختفت تمامًا…
بينما ظل سعد واقفًا في مكانه.
يشاهد الفراغ الذي تركته السيارة خلفها.
وقلبه يزداد ثقل مع كل ثانية تمر.

…..
في سيارة زكريا المهدي…

قبض زكريا على المقود بعنف حتى برزت عروق كفيه.

وعيناه مثبتتان على الطريق بينما يرن الهاتف للمرة التي فقد القدرة على عدها.

ثانية…
اثنتان…
ثلاث…

ثم جاءه ذلك الصوت الآلي البارد الذي بات يحفظه عن ظهر قلب:
الهاتف الذي طلبته مغلق أو خارج نطاق التغطية.

أغلق الخط.
وساد الصمت داخل السيارة.

ذلك الصمت الثقيل الذي صار يطارده منذ يومين كاملين.

ضغط على الهاتف بين أصابعه بعنف حتى ابيضت مفاصله.

مر يومان….يومان كاملان…والهاتف مغلق.

لا رسالة.
لا اتصال.
لا خبر واحد يطمئنه.

وكان القلق قد استبد به بصورة لم يعهدها في نفسه.

حتى صار يشعر أن صدره يضيق كل ساعة أكثر من التي سبقتها.

وكأن شيئًا سيئًا يحدث بعيدًا عنه وهو عاجز عن الوصول إليه.

زفر بعنف.
ثم مرر يده في شعره بعصبية.

وأخيرًا…
لجأ إلى آخر شخص كان يود اللجوء إليه.

وصل الي رقم آسر…وضغط اتصال.
ورفع الهاتف إلى أذنه.

مرت الثواني بطيئة بصورة مستفزة.
حتى خيل إليه أن الدقيقة تحولت إلى ساعة كاملة.

ثم انفتح الخط أخيرًا…وجاءه صوت آسر.
لكن شيئًا فيه لم يكن طبيعيًا.

كان خافت…مبحوح..ومثقل بإرهاق لم يعتده منه : الو… خير يا زكريا؟

انعقد حاجبا زكريا فورًا.
وشعر بشيء بارد يهبط داخل صدره.

فقال بسرعة: مال صوتك؟ في إيه؟
إيه اللي حصل؟

ساد صمت قصير.
ثم جاءه رد آسر بصوتٍ متعب:مرهق… بقالي يومين في المستشفى ومروحتش.

ازداد انقباض قلب زكريا…وسأل بحدة:
مروحتش ليه؟

أغمض آسر عينيه للحظة على الجانب الآخر.
ثم قال بصوت خافت مثقل بالحزن:
غزل…
غزل بقالها يومين في المستشفى.
بسبب الحيوان طليقها.

في اللحظة نفسها…
ضغط زكريا على مكابح السيارة بعنف.
فصرخت الإطارات فوق الإسفلت صرخة حادة.

واهتزت السيارة قبل أن تتوقف في منتصف الطريق.

تسارعت أنفاسه.
واشتعلت عيناه بغضب مفاجئ.

ثم هدر بصوت أرعب حتى نفسه:
إنت بتقول إيه؟!
يعني عملها إيه ابن الـ **** ده؟!
وحالتها إيه بالظبط؟!

جاءه صوت آسر هذه المرة ممتلئ بغضب مرير: خبطها بالعربية…
وهي خارجة من البيت يوم الخميس.

تجمد زكريا مكانه.
وكأن أحدهم صب فوق رأسه دلو من الجليد.
ثم تحول ذلك الجليد في ثانية واحدة إلى نار.

نارٍ حارقة.
ارتفع صدره وهبط بعنف.

وتوترت عضلات فكه حتى كادت تتحطم أسنانه.

وبدا كوحش مفترس حبس طويلًا داخل قفص ضيق.

ثم فتح الباب فجأة.

لم يقل حرف..
لم يسأل عن التفاصيل.
ولم يمنح آسر فرصة لإكمال حديثه.

أغلق الهاتف.
وألقى به فوق المقعد المجاور.

ثم أمسك المقود بكلتا يديه.
ودار بالسيارة بعنف وسط الطريق.

حتى صرخت الإطارات مرة أخرى.
وانطلقت السيارة كالسهم.

تشق الشوارع بسرعة جنونية.
بينما لم يكن داخل رأس زكريا سوى فكرة واحدة.

فكرة سوداء.

مرعبة.

تزداد وضوح مع كل متر يقتربه من المستشفى.

لو كانت غزل قد أصابها مكروه…
فلن ينجو ذلك الرجل منه مهما اختبأ.

كانت السيارة تلتهم الطريق التهامًا.

إشارات المرور…
أصوات السيارات…
وضجيج المدينة بأكملها…

كلها تحولت إلى ضباب باهت يمر من حوله دون أن يراه.
كان يقود بسرعة أقرب إلى الجنون.
وكأن كل ثانية تضيع منه تزيد المسافة بينه وبينها عام كامل..

حتى وصل إلى المستشفى.
فانحرفت السيارة بعنف داخل البوابة الرئيسية.
وتوقفت أمام المدخل بصوت حاد.

لم ينتظر.
لم يطفئ المحرك حتى.

بل ترجل منها بخطوات سريعة غاضبة تكاد تحفر الأرض تحت قدميه.

دخل إلى بهو المستشفى كعاصفة هوجاء.
وتوقف أمام موظف الاستقبال.
ثم قال بصوت حاد متوتر: أوضة مدام غزل رقم كام؟

ارتبك الموظف قليلًا من نبرته.
ثم أسرع يعبث فوق لوحة المفاتيح…وبعد لحظات قال:
أوضة ١٠٦ يا دكتور.

لم ينتظر كلمة أخرى.
استدار وتحرك فورًا.
كانت خطواته طويلة ومتلاحقة.

حتى بدا كأنه يطارد شيئًا يوشك على الهرب منه.
مر بالممرات البيضاء الطويلة.
وبالغرف المفتوحة.

وبالمرضى والممرضات.

لكنه لم يرَ أحدًا.
ولم يرد أن يرى أحدًا.

كل ما كان يراه أمامه…
وجه غزل.
وضحكتها.
وصوتها.

يومان كاملان وهو يتصل فلا يجد رد…
يومان من القلق الثقيل الذي استقر فوق صدره كصخرة.
حتى بدأ يتخيل أسوأ الاحتمالات رغمًا عنه..

وصل أخيرًا إلى الغرفة.
وتوقف أمام الباب.
لأول مرة منذ خروجه من سيارته.

سكنت خطواته.
ورفع رأسه نحو الرقم المثبت على الباب…١٠٦.

هي هنا.
خلف هذا الباب…قبض على مقبض الباب…ثم توقف.

كأن شيئًا ثقيل استقر فوق صدره فجأة.
وحاول عبث السيطرة على الحريق المشتعل داخل أعصابه.

التقط نفس عميق…ثم آخر.
لكن قلبه ظل يضرب أضلعه بعنف.

فطرق الباب.
فجاءه صوت نسائي خافت من الداخل: ادخل.

دفع الباب ببطء…ودلف إلى الداخل…وفي اللحظة التالية…

تجمدت قدماه مكانهما.
كانت غزل مستلقية فوق السرير.

وجهها شاحب على غير عادته.
وشفتيها فاقدتين لونهما.
وساقها محاصرة بالجبس الأبيض.

بينما تناثرت فوق بشرتها بعض الخدوش والكدمات الصغيرة.

مشهد بسيط.
عادي في نظر أي طبيب…لكنه لم يكن عادي بالنسبة له.

أبدًا.
شعر بشيء بارد يغرس أنيابه في قلبه.

ألم حاد…مباغت…لم يختبره من قبل.
كأن أحدهم عصر قلبه بين قبضتيه.

وظل واقفًا يحدق بها…صامت ..عاجز حتى عن الاقتراب.

ولأول مرة…
فهم لماذا كان يختنق منذ يومين.
ولماذا كان القلق ينهش صدره بهذه الوحشية.
قبض على يده بعنف حتى ابيضت مفاصله…وتوتر فكه.

وفي عقله…لم يكن يرى غزل.
بل كان يرى عنق طليقها تحت قبضته.
ويرى نفسه يسحقه بلا رحمة.

يسحقه لقاء كل خدش على وجهها.
وكل دمعة ربما ذرفتها وحدها.
وكل لحظة خوف مرت بها وهو بعيد عنها لا يعلم شيئًا.

أما عيناه…
فظلتا معلقتين بها.
كأنهما تتأكدان للمرة الألف أنها ما زالت هنا.
أمام عينيه….حية….ولم يفقدها.

فجأة انتشله من دوامة أفكاره صوت أنثوي حاني خرج من زاوية الغرفة:
اتفضل يا ابني… إنت بتدور على مين؟

ارتجف شيء خفي داخل صدر زكريا.
وكأنه أُمسك متلبس بشيء لا يعرف كيف يفسره.

بلل شفتيه بتوتر.
ثم احتاج لثواني كاملة حتى يستطيع انتزاع عينيه من فوق غزل.

كان ينظر إليها كأن عقله يرفض الابتعاد عنها.
كأن مجرد إزاحة بصره عنها ستجعلها تختفي.

وبصعوبة بالغة التفت نحو والدتها.
وقال بصوت خرج أكثر خشونة مما أراد:
أنا جاي عشانها…

ثم عاد بصره إليها دون وعي وأكمل:
ألف سلامة عليها.
هي حالتها إيه؟

تنهدت والدتها تنهيدة طويلة مثقلة بالحزن.
ثم نظرت إلى ابنتها النائمة فوق السرير.

وبدت في عينيها مرارة أم رأت ابنتها بين الحياة والموت.
وقالت بصوت متهدج : الحمد لله…قدر ولطف.
ربنا سترها من حاجة كانت هتكسر ضهرنا كلنا.

ثم هزت رأسها بأسى وهمست:
ربنا يجازي اللي كان السبب في نومتها دي.

اشتد فك زكريا حتى برزت عضلاته.
وتحولت نظراته إلى شيء مظلم ومخيف.
شيء جعل قلبه يمتلئ بنار سوداء.

وأومأ برأسه ببطء.
ذلك البطء الذي يسبق العواصف.

ثم قال بصوت منخفض لكنه مشبع بوعيد حارق:
هيجزيه…متخافيش.
إن شاء الله مش هيشوف الأسفلت تاني.

لم تكن كلماته مرتفعة.
لكنها خرجت بيقين أخاف حتى نفسه.
وكأنه لم يعد يتحدث عن عقاب أو محاسبة.
بل عن حكم صدر بالفعل.

وربتت والدة غزل على منكبه بحنان الأمهات المعتاد.

وقالت بابتسامة شاحبة: ربنا يحميك لشبابك يا ابني.

ثم أشارت نحو الداخل قائلة: اتفضل… تعال..

تحركت عيناه نحو غزل مرة أخرى.
وبقي ينظر إليها لثواني طويلة.

ثواني شعر خلالها برغبة جارفة في الاقتراب.
في الاطمئنان عليها بنفسه.

في سماع صوتها.
في التأكد أنها بخير.
لكن شيئًا ما أوقفه.
شيء يشبه الخوف.

أو ربما العجز.
أو ربما لأنه لم يكن يثق في نفسه إذا اقترب أكثر.

فأخفض بصره قليلًا…وهز رأسه بالنفي…وقال بصوت خافت: لا…هاجي تاني.

ثم رفع عينيه نحو غزل للمرة الأخيرة.
وأضاف بهدوء أثقلته مشاعر كثيرة لم ينطق بها:
أنا كنت جاي أطمن عليها…وهجيلها تاني.

أومأت والدتها برأسها بتفهم…وقالت برفق:
إن شاء الله يا ابني.

استدار زكريا نحو الباب.
وتحرك بخطوات بطيئة هذه المرة.

لكن قبل أن يخرج…
التفت دون إرادة منه.
يلقي نظرة أخيرة عليها.

نظرة قصيرة.
إلا أنها كانت كافية لترافقه خارج الغرفة…
وتظل عالقة في قلبه طوال الطريق.

تحرك زكريا نحو خارج الغرفة ببطء في البداية.
لكن عيناه ظلتا معلقتين بها حتى اللحظة الأخيرة.

بوجهها الشاحب.
وسكونها الموجع.
وذلك الضعف الذي لم يعتد رؤيته عليها يومًا.

أغلق الباب خلفه.
وفي اللحظة التي اختفت فيها عن ناظريه تبدل شيء داخله.

انطفأت تلك النظرة القلقة التي كانت تملأ عينيه منذ دقائق.

وحل محلها غضب أسود ثقيل.
غضب رجل رأى أثر الأذى بعينيه.

ولم يعد قادرًا على تجاهله…اندلع الشرر من عينيه.
واشتدت ملامحه بصورة مخيفة.

ثم اندفع عبر الممرات بخطوات سريعة حادة.
حتى خرج من المستشفى بأكملها.

كانت قبضتاه منطبقتين بقوة.
وفكه مشدود حتى كادت أسنانه تتحطم من شدة الضغط.

وصل إلى سيارته.
وفتح الباب بعنف.

ثم استقر خلف المقود وأغلق الباب بقوة ارتجت معها السيارة.

أخرج هاتفه فورًا…
وبحث عن رقمٍ يعرفه جيدًا…ثم رفع الهاتف إلى أذنه.

لم ينتظر طويلًا.
فما إن جاءه الرد حتى قال بصوت حاد:
فاكر العـ* اللي جبتلي معلومات عنه من فترة؟

جاءه الصوت هادئ على الطرف الآخر: فاكره طبعًا.

أسند زكريا رأسه إلى المقعد للحظة…وأغمض عينيه.
فعادت صورة غزل إلى ذهنه.
ساقها المحاصرة بالجبس.
والخدوش المنتشرة فوق وجهها.

فعاد الغضب يشتعل داخله من جديد.
ثم قال بصوت أكثر قسوة: طيب…
نفذ اللي قلتلك عليه بكرة.

ساد صمت قصير…
قبل أن يأتيه الرد الواثق : اعتبره حصل يا كبير.

أغلق زكريا الهاتف.
وألقاه فوق المقعد المجاور بعنف.
ثم قبض على المقود حتى ابيضت مفاصله.

وظل صامتًا عدة ثواني
أنفاسه تخرج حارة وغاضبة.

وعقله يعيد المشهد نفسه مرة تلو الأخرى.
حتى همس بينه وبين نفسه بصوت خشن يقطر غضب:
ورحمة الغالين…هلففك حوالين نفسك يا ابن الكلب.

وأدار المفتاح.
فزمجر محرك السيارة.

بينما انطلقت عيناه نحو الطريق أمامه…
بعزيمة رجل لم يعد يفكر إلا في شيء واحد.
أن يدفع من تسبب في كل ذلك ثمن ما فعل.

في شقة أحمد المهدي…

انفتح باب الشقة أخيرا بعد منتصف الليل.
ودلف أحمد إلى الداخل بخطوات ثقيلة متعثرة.

كان التعب ينهش جسده نهش..
أما رأسه فكانت تموج بأفكار متشابكة لا يعرف كيف يوقفها.

ترنح للحظة.
وكاد يسقط لولا أن قبض على الباب بقوة.

فارتطم الباب بالحائط خلفه مصدر صوت حاد مزق سكون الشقة.

وبعد ثواني قليلة…
انفتح باب الغرفة.

وخرجت شهد وهي تشد روبها الثقيل حول جسدها.
وقد ارتسمت الدهشة فوق ملامحها :  أحمد؟
في إيه؟ بترزع الباب كده ليه؟ خضتني.

رفع رأسه نحوها ببطء.
وبدا كمن عاد من مكان بعيد جدًا.
مكان ما زال جزء منه عالق هناك.

ثم انتصب في وقفته محاولًا إخفاء اضطرابه.

وأغلق الباب هذه المرة بصوت خافت.

وتحرك نحو الداخل.

وألقى بالمفاتيح فوق الطاولة دون اهتمام.

فتناثرت فوق سطحها محدثة طقطقة صغيرة وسط الصمت.

ثم قال بصوت متحشرج: مفيش حاجة يا شهد…
روحي نامي.

لكن شهد لم تتحرك…بل ظلت تحدق فيه.

ثانية…
وثانيتين…

ثم تغيرت ملامحها فجأة.
ضيقت عينيها.
وتقدمت خطوة للأمام.

وكأنها التقطت شيئًا لم تنتبه إليه في البداية.
شيئًا تعرفه جيدًا.
وربما تكرهه أكثر من أي شيء آخر.

فاتسعت عيناها بذهول امتزج بالغضب.
وصكت صدرها بكفها.

ثم هتفت بصوت حاد: يا مرارك الطافح!
إنت رجعت تشرب تاني يا أحمد؟!

تجمد أحمد مكانه للحظة.
وأغمض عينيه بضيق.

كأن الكلمة وحدها كانت كافية لتزيد صداع رأسه اشتعالًا.

ثم استدار إليها فجأة.
وعاد بخطوات سريعة.
حتى وقف أمامها مباشرة.

ووضع كفه العريض فوق فمها.
وزجرها بغضب مكتوم: اشششش…

ثم ألقى نظرة سريعة نحو الخارج.
باتجاه الغرفة التي تنام فيها حور.

قبل أن يقول بحدة: البت نايمة…وطي صوتك.

ارتبكت شهد من تصرفه.
لكن القلق بدأ يتسلل إلى قلبها أكثر من الغضب.

فأحمد لم يكن يبدو كرجل عاد من سهرة.
بل كرجل عاد من حرب.

كانت عيناه محمرتين.
ووجهه شاحب بصورة غريبة.
وكتفاه مثقلتين بشيء أكبر من مجرد إرهاق.

أمسك معصمها.
وسحبها معه نحو الداخل بخطوات سريعة.

كأنه يخشى أن تسمع حور حرف واحد مما سيقال.

أو أن تراه بهذه الحالة.
ثم أغلق باب الغرفة خلفهما.

لتبتلع الجدران ما بقي من تلك الليلة الثقيلة.

دفعته شهد بعيدًا عنها بعنفٍ جعل ظهره يصطدم بحافة الخزانة.

ثم التفتت إليه بذهول مشوب بالغضب.

كانت تنظر إليه كأنها لا تعرف الرجل الواقف أمامها.

كأنها ترى وجه غريب خرج من بين ملامح زوجها فجأة.

وهدرت بصوت مرتجف من شدة القهر:
إنت مش وعدت ربنا… ووعدتني…
من يوم ما ربنا كرمنا بحور …
إنك مش هتمس الخمرة دي تاني؟

أطرق أحمد رأسه.
وبدا أثقل من أن يرفع عينيه إليها.
كأن الكلمات نفسها صارت عبئ فوق صدره.

ثم أومأ برأسه ببطء.
وغمغم بصوت متحشرج يفيض ندم: كنت مخنوق…
وشربت كاس واحد.

اتسعت عينا شهد أكثر.
وللحظة لم تستوعب ما تسمعه.
ثم تجمعت الدموع داخل عينيها.
وقالت بقهر صادق: وإيه اللي خانقك يا أحمد؟
إيه اللي ناقصك يا راجلي؟
واحد غيرك يحمد ربنا ليل ونهار.
دي طريقة شكرك للنعمة؟
بنتك كبرت وبقت عروسة…
وربنا رزقها براجل بيحبها حب ملوش زي..

ثم أشارت بيدها بعصبية وهي تكمل:
مش هقولك الدنيا كلها عند شاهين في كفة وحور في كفة….لا.
حور عنده في الكفتين والدنيا كلها ملهاش مكان.
عذبته سنين.
وطلعت روحه.
وهو لسه مستني وصابر.
عايز إيه تاني يا أحمد؟

انتهت كلماتها…
فسقط الصمت بينهما ثقيل….صمت خانق.
حتى إن صوت أنفاسهما صار مسموع داخل الغرفة.

ظل أحمد واقف مكانه.
وعيناه معلقتان في نقطة بعيدة لا يراها أحد سواه.

ثم خرج صوته أخيرًا…خافت…مبحوح..
ومحمل بحزن أربكه هو نفسه : مش عارف…

ثم مرر يده فوق وجهه بإرهاق شديد.

وأكمل: والله ما عارف.
بس أنا مش مرتاح.
ومش هرتاح لو حور خرجت من بيتي.

ارتجفت شفتاه قليلًا…وكأن مجرد نطق الفكرة يؤلمه.
ثم اقترب منها خطوة.

وقال بصوت متحشرج موجوع:
إنتي إزاي هتنامي… وحور مش معانا تحت سقف واحد؟
إزاي؟
هتعرفي؟

اقترب أكثر.
وعيناه تلمعان بشيء يشبه الفقد قبل حدوثه :  هيغمضلك جفن وحور مش نايمة في فرشتها؟
مش هتسمعي صوتها؟
ولا ضحكتها؟
ولا خناقها على الفاضي؟
ولا وجودها في البيت كله؟

كانت كلماته تخرج متلاحقة.
كأنها شيء ظل حبيس داخله طويلًا.

لكن شهد لم يهدئها ذلك…بل زاد غضبها.
حتى احمر وجهها بشدة…وانزلقت دموعها فوق وجنتيها.

ثم صاحت فيه: أيوه هعرف!
طول ما أنا عارفة إن بنتي متهنية وسعيدة في بيتها.
في حضن راجل بيحبها ويشيلها في عينه.
هنعوز إيه أكتر من كده؟

ثم هزت رأسها بعنف.

وقد بدأ الشك والخوف يتسللان إلى قلبها من هذا التعلق المرضي الذي لم تفهمه.

وقالت بحدة:
إنت مالك يا أحمد؟
ليه ماسك فيها كده؟
ليه مش قادر تسيبها تكبر وتعيش حياتها؟
ليه حاسس إنك خسران حاجة؟

ثم ضيقت عينيها وهي تحدق فيه طويلًا.
كأنها تبحث داخل روحه عن إجابة يرفض إعطاءها.

وأكملت بصوت مرتجف:
ولا إنت عشان ربيت عيلة يتيمة سنين طويلة حسيت إنها بقت ملكك؟
إن ليك حق تقرر عنها كل حاجة؟
وتتحكم حتى في أنفاسها؟

ثم سكتت لحظة…والألم يعتصر قلبها.
قبل أن تهمس بصوت أخفض لكنه أشد وقع:
ولا فيه حاجة تانية جواك…
وإنت نفسك مش عارف تقولها؟

نظر إليها أحمد وكأن كلماتها لم تكن كلمات.
بل نصل بارد غرس دفعة واحدة في قلبه.

نصل وصل إلى أعمق نقطة بداخله.

إلى ذلك المكان الذي ظل يقاتل طوال عمره كي لا يراه أحد.

تراجع خطوة للخلف.
ثم أخرى.
حتى اصطدمت ساقه بأحد الكراسي.

وتشبث بحافته كأن الأرض تميد تحت قدميه.
بينما كانت عيناه معلقتين بها في ذهول موجوع.

وخرج صوته مبحوح بالكاد يُسمع:
حتى إنتي…
حتى إنتي يا شهد؟

اهتزت شفتاه.
ثم أطلق ضحكة قصيرة مكسورة لا تشبه الضحك في شيء.

ضحكة رجل تلقى طعنة من حيث كان ينتظر الأمان.

وقال بحسرة موجعة:
وأنا اللي زعلت من الغريب…
مجاتش عليكي إنتي كمان.

اقتربت منه شهد.
والدموع تنهمر من عينيها بلا توقف.

لكن الغضب والقهر كانا أقوى من دموعها.

وأقسى من خوفها.
فصرخت بصوت مرتجف مخنوق:
حتى أنا إيه يا أحمد؟
قول.
قول اللي جوا قلبك.
قول اللي أنا شايفاه وبكدب نفسي.

ثم اقتربت أكثر.
حتى لم يعد يفصل بينهما سوى خطوات قليلة.

وقالت بصوت خافت مرتجف:
بنتك حليت في عينك يا معلم أحمد؟

في اللحظة التالية…
انتفض أحمد كمن لسعته النار.
وارتفعت يده دون وعي.

ثم هبطت الصفعة مدوية فوق وجنتها.
ارتد رأس شهد بقوة.
وسقط جسدها أرضًا.
وخرجت منها صرخة مختنقة.

بينما وضعت يدها فوق وجنتها في ذهول كامل.
ذهول امرأة عاشت أربعة وعشرين عام مع رجل لم يرفع يده عليها يوماً…

تجمدت عيناها.
وتجمد معها كل شيء.

أما أحمد…
فبدا وكأنه استفاق لتوه على ما فعل.
نظر إلى كفه….ثم إليها.

ثم تراجع خطوة للخلف.
وعيناه تمتلئان بصدمة لا تقل عن صدمتها.

وقال بصوت مبحوح ممزق:
أربعة وعشرين سنة…
أربعة وعشرين سنة يا شهد.
شوفتي مني إيه يخليكي تشوفيني كده؟
شوفتي مني إيه يخليكي تشوفيني راجل خاين؟

لا…مش بس خاين…دا إنتي شايفاني رمة.
شايفاني آكل لحمي عادي…
شايفاني ممكن أبص لبنتي بالشكل ده!

أشار إلى السرير بعنف…وخرج صوته حاد كالسكين:
أمال لو مكنتيش معايا؟
أمال لو مكنتيش شفتي الليالي اللي كنت أنام فيها ودموعي على المخدة عشان هموت علي عيل؟

وهموت اكتر لتزهقي مني… وتبعدي….
وتحني لكلمة ماما …
لو مكنتيش شفتي كسرتي وأنا هموت على كلمة بابا؟
لو مكنتيش شفتي إزاي كنت بتكوي بنار الحرمان سنين؟

إنتي كنتي شاهدة على كل ده!
شاهدة على وجعي…
وعلى كسرتي …
وعلى كل مرة كنت برجع فيها مهزوم من الدنيا!

رفعت شهد رأسها إليه…والدموع تغرق وجهها.

وقالت بانكسار:
وإنت شوفت مني إيه يخليك تفكر إني ممكن ازهق وأبعد؟
عمري جيت ناحية وجعك غير بالطبطبة.
عمري لمست كسرتك غير عشان ألمها.
عمري ما كنت ضدك يا أحمد.

أغمض عينيه.
وكأن كلماتها أصبحت متأخرة.
متأخرة جدًا.

ثم تراجع للخلف.
وسقط فوق الكرسي كأن ساقيه لم تعودا تحملانه.

وانهمرت الدموع أخيرًا من عينيه بقهر مرير ،
قهر رجل قرر الاستسلام…
دون مقاومة.
دون خجل.

وقال بصوت منهك:
بس النهارده…
النهارده حشيتي الجرح ملح…
أول مرة أحس إني مش راجل في نظرك.
أول مرة أحس إنك شيفاني بالمنظر ده.

ثم رفع رأسه إليها.
وكانت عيناه تشتعلان بغضب وحسرة وانكسار معًا.

وقال:
كل ده عشان أنا عاجز…
وبنتي مش من صلبي…
كلكم شكيته …

في حبي لبنتي…
وخوفي عليها…
ووجعي عشان راجل هياخدها مني…

عجزي خلاكي تفكري فيا بالشكل ده…
بس كده يبقى إنتي مش شهد اللي عشت معاها عمري.

مش شهد اللي سترت عيوبي.
ولا أنا أقبل أسيبك يوم واحد مع راجل شايفاه معيوب…

وغدار…
وخاين للأمانة.

تجمدت شهد مكانها.
وشعرت بقشعريرة باردة تسري في جسدها.

ونهضت بصعوبه ، رفعت رأسها إليه ببطء. وهمست:
يعني إيه؟
قصدك إيه يا أحمد؟

رفع عينيه إليها….وكان الغضب قد انطفأ.
ولم يبقي إلا الحزن.

حزن ثقيل جدًا…وقال بصوت خافت قاتل:
إنتي طالق يا شهد.

توقفت أنفاسها.
وتجمد وجهها بالكامل.
كأن الزمن توقف عند تلك اللحظة.

حتى الدموع التي كانت تنزل فوق وجنتيها بدت كأنها تنتمي إلى امرأة أخرى.
امرأة تسمع ما لا يمكن أن يقال.

أما أحمد فنهض بصعوبة.
وتحرك نحو الباب.
بخطوات رجل انتهى منه كل شيء.

ثم قال دون أن يلتفت إليها:
الشقة بتاعتك.
كاتبها باسمك من زمان.
يعني أنا اللي همشي.

سكت لحظة.
ثم أكمل بصوت أكثر خفوت :
لحد ما أسلم بنتك لجوزها.
وبعدها…
مش هتشوفي وشي تاني.

فتح الباب…وخرج….وأغلقه خلفه بقوة.
فاهتزت الجدران.

أما شهد…
فسقطت على ركبتيها.
وخرجت منها شهقة موجوعة.
ثم انفجر نحيبها.

كأن يد من فولاذ امتدت داخل صدرها…
وانتزعت قلبها من مكانه دون رحمة.

……

في اليوم التالي…

في شقة عبد التواب المهدي.

خرجت فوزية من المطبخ بعدما انتهت من غسل آخر الأطباق.

كانت تمسح يديها في طرف المريلة بينما لا تزال قطرات الماء عالقة بأطراف أصابعها.

وما إن دخلت غرفة الجلوس حتى وقعت عيناها على يونس الممدد فوق الأريكة بكل استرخاء الدنيا.

ساق فوق الأخرى.
والهاتف بين يديه.

وعيناه معلقتان بشاشته وكأن لا شاغل له في الحياة سواها.

توقفت أمامه…وضعت يدها في خصرها.

ثم هتفت بحنق:وانت هتفضل طول النهار نايم كده؟ متقوم شوف مصالحك.

رفع يونس عينيه إليها ببطء.
وكأنها قاطعته من مهمة قومية خطيرة.

ثم قال بملل: موريش حاجة…وقرفان…وزهقان.
ومش طايق نفسي.

رفعت حاجب واحد وهي تنظر إليه باستنكار.

ثم قالت:طيب قوم ازهق بعيد عني.
أنا مش ناقصة زهق.

اعتدل يونس في جلسته دفعة واحدة.
ووضع الهاتف جانبًا.
ثم هتف بدهشة مفتعلة: هو إنتي أمي ولا مرات أبويا؟
بقولك زهقان وقرفان يا ولية.
مش تسأليني مالك حتى؟

أطلقت فوزية صوت معترض وهي تدفع كتفه بحنق.
ثم جلست بجواره…وقالت: أنا الاتنين يا ابن الكلب.
مالك بقى؟ قول صدعنا.

زفر يونس بضيق.
ثم لوى شفتيه بحنق طفولي لم يختفي منه رغم سنوات عمره.

وغمغم: شموع.

رفعت فوزية حاجبها.
ثم مصت شفتيها بنفاد صبر وقالت: يا ساتر يا رب.
هو إنتوا اتلبستوا واحد؟
الصبح واحد داخل يقولي أنين.
ودلوقتي التاني يقولي شموع.
دانتوا لسه مكتشفين خالكم أول امبارح.
لحقتوا تعرفوا عياله إمتى؟

أومأ يونس برأسه ببرود تام.
وكأنه لم يسمع نصف ما قالته أصلًا…أو سمعه ولم يهتم …
ثم عاد يقول بنفس الحنق:
كلميها تيجي تحضر كتب كتاب شاهين وحور.

ضيقت فوزية عينيها.
وتأملته لثواني..

ثم بدأت ابتسامة خبيثة تتمدد فوق شفتيها ببطء.

الابتسامة التي كان يونس يعرف جيدًا أنها لا تبشر بأي خير.

فنظر إليها بشك وقال: إيه؟ في إيه؟
مالك بتبصيلي كده؟

قالت وهي تهز رأسها: من عيني.
أكلمها ، واكلم أبوها كمان…بس على شرط.

قطب حاجبيه بدهشة…ثم هتف:
شرط إيه يا ولية؟
أشحنلك النت؟
طلاقة تلاتة ما أنا شاحن… المسلسلات التركي اللي بتتفرجي عليها.
مش هتنفعك يا فوزية.
هتهويلك الجمجمة.
أنا خايف عليكي.

انفجرت فوزية ضاحكة.
فهي تعرف هذا الوجه جيدًا.

وجه رجل وقع في المصيدة…
ويحاول جاهد إقناع نفسه أنه ما زال حر…

لكزته فوزية في صدره بخفة غاضبة، ثم مصت شفتيها بحنق واضح وقالت:
ياولا دي كلها مشاعر وحاجات حلوة…
بتفكرني بالمرحوم أبوك…

رفع يونس حاجبه بحدة، وأطلق صوت معترض خشن:
اخخخخ… أمال مين اللي كان كلب من شوية؟

لوحت بيدها في الهواء بسخط، وكأنها تطرد الفكرة من رأسها، وهتفت:
ما هي دي رومانسية برضه يا ابن الكلب!

زفر يونس بعنف، ثم مد يده بالهاتف نحوها وهو يقول بصوت أجش ممتزج برجاء:
خدي وحياة عبوده كلمي البت… برن عليها ومش راضية ترد.

توقفت فوزية لحظة.
ثم رفعت حاجبها بدهشة صادقة: عبوده مين؟

تنهد يونس بغيظ، ثم قال: عبد التواب.

مصت شفتيها باستهجان، ورفعت يدها كأنها تمسح الاسم من الهواء وقالت:
يا اخويا ده كان محضر ولا منظر… بلا قرف!
هو ده كان يتدلع؟

ضرب يونس كفًا على الآخر، وصاح:
يا ولية! إنتي عندك انفصام؟

ضحكت فوزية ضحكة قصيرة مستفزة، ثم أخذت الهاتف من يده أخيرًا، لكنها لم تكف عن استفزازه.

مد يونس يده بسرعة وأعاد الهاتف إلى يدها وهو يقول:
خلاص خلاص… رني عليها بنت الكلب وخلصيني.

نظرت إليه فوزية بطرف عين حاد، ثم قالت:
بنت الكلب طيب… قولي بقى الفرق بينها وبين أنين، وأنا أكلمها.

تجمد يونس لثانية.

ثم اتسعت عيناه بدهشة ممزوجة بالغضب، وهتف بسرعة: اخخخخخ! وإنتي مالك بالفرق؟
الفرق ده ميخصكيش خالص!

نظرت له من أعلى لأسفل بنظرة باردة مستفزة، وقالت:
أمال يخص مين يا يالا؟

أشار إلى نفسه فورًا وكأنه يعلن ملكية حرب:
يخصني أنا طبعًا!

لكزته في كتفه مرة أخرى، وقالت بحدة:
وانت مين يا ابن الوسخة عشان يخصك ولا ميخصكش؟
هتقول ولا أقوم أكمل الغدا في المطبخ وأسيبك تكلم نفسك…ولا أستنى لما شوفها ترد عليك وانت عندك كام سنه؟
ما هي بنت كلب بقى وأنا عارفة كويس الكلب مربيها إزاي!

رفع يونس يده في الهواء وهو يصرخ:
بس إيه كل ده؟!
دي إذاعة!
أنا هقولك الفرق في الإمكانيات ايه تخصك في حاجه!

قطبت حاجبيها بصدق: يعني إيه يا ولا؟

مسح وجهه بيده بتعب مصطنع وقال:
اتصلي… وأنا أقولك.

سكتت لحظة، ثم هزت رأسها: ماشي.
بس وعزة جلال الله…
لو ما قولت تقصد إيه، لا هتاكل ولا هتشرب ولا هتنام في البيت النهارده.

ابتسم يونس ابتسامة صغيرة ماكرة، ولمعت عيناه وهو يقول:
اتصلي الأول…وأنا هقولك.

ثم مال بظهره على الأريكة، وأضاف بهدوء خبيث:
على الأقل لو جرالك حاجة … تكوني لحقتي كلمتي البت.

ألقت فوزية هاتف يونس على الأريكة بإهمال، وكأنها تزيح من طريقها فكرة مزعجة لا أكثر، ثم امتدت يدها نحو هاتفها فوق الطاولة.

غمغمت وهي تلوي شفتيها بحنق ساخر:
ماهي مش هترد عليا من رقمك يا غبي.

أومأ يونس بسرعة، وكأنه يقر بجريمة لم يرتكبها أصلًا:
إيه الغباء ده صحيح…

تمتمت وهي ترفع الهاتف بنفاد صبر:
حمار بقى… هنقول إيه.

على الطرف الآخر جاء صوت شموع، هادئ، مشوب بشيء من الحذر:
ازيك يا عمتي… عاملة إيه؟

تبدلت ملامح فوزية في لحظة واحدة؛ من الاستهزاء إلى دفء مفاجئ، كأن الصوت لمس فيها شيئًا قديم لا يظهر كثيرًا.
وأومأت برأسها دون وعي:
زي الفل يا اختي.

ثم مالت قليلًا للأمام، وخفضت صوتها كأنها تعلن سر:
اسمعي يا بت…
يوم الخميس اللي جاي كتب كتاب شاهين وحور.

وفي تلك اللحظة بالذات، التفتت بعينها نحو يونس.
نظرة قصيرة… لكنها كانت كافية لإشعال نية استفزاز كاملة.
تابعت ببرود:
وهبعتلك ياسين يجيبك.

لم يكمل الهواء جملته حتى تحرك يونس فجأة.
قبض على ذراعها بسرعة خاطفة، لا تؤذي بقدر ما تربك، ثم انحنى وعض ذراعها عضة خفيفة مشحونة بالغيظ المكتوم.

شهقت فوزية شهقه مكتومه : آه!

ثم رمقته بغيظ، وأكملت عبر الهاتف وكأن شيئًا لم يحدث: قصدي ابن العضاضة… يونس هيجي ياخدك.

على الطرف الآخر، ارتفع صوت شموع مرتبك ، متهرب:
بس أنا عندي امتحان يا عمتي.

رفعت فوزية حاجبها ببطء، ونظرت إلى يونس بنزق ، ثم ردت دون تردد:
كتب كتاب يوم الخميس…
وعندك امتحان يوم الجمعة؟
هو إحنا بنلف في دايرة؟
مبروم على مبروم ما يلفش يا بت الكلب.
يلا سلام ورايا طبيخ.

ثم أغلقت الخط.
ساد صمت قصير داخل الغرفة، كأن الهواء نفسه ينتظر نتيجة الاستفزاز.
التفتت إلى يونس ببطء، ويدها على خصرها:
هااا؟ ارتحت كده؟
دلوقتي قولي الفرق.

ابتسم يونس ابتسامة صغيرة، تلك التي لا تبشر إلا بمصيبة جديدة، وقال وهو يشير بإصبعه:
طيب استعدي… خدي نفس.

ضيقت عينيها بحذر ، وهتفت :
ما تخلص يا ابن الكلب… هو أنا هغطس؟

أومأ بثقة غريبة، ثم ألقى الجملة كمن يرمي حجر في ماء ساكن ، ثم قال فجأة وبكل وقاحة فاجأ :
البت شموع صدرها أكبر ومرفوعة.

ساد الصمت لحظة.
صمت قبل الانفجار.
ثم اتسعت عينا فوزية حتى بدت كأنها خرجت من مكانها.

وتجمدت ملامحها بالكامل.
ثانية واحدة فقط…
قبل أن تنحني وتلتقط فردة خفها المنزلي من الأرض.
وهتفت بصوت كالرعد:
يا أبو عين زايغة!
بعينك الي يندب فيها رصاصه!

وفي اللحظة نفسها، كان يونس قد قفز واقف
وتراجع بسرعة نحو الباب وهو يضحك بخوف.

فتح الباب فجأة…
ليصطدم مباشرة بوجه ياسين.
الذي وقف مكانه وهتف بحدة:
في إيه يالا؟ طالع تجري كده ليه؟

اندفع يونس للخارج بسرعة وهو يقول وهو يركض ضاحكا : وحش تورنادو خرج من أمه وبيجري ورايا!

رفع ياسين حاجبه بدهشة وهو يحدق في يونس كأن الجملة تحتاج إلى تفسير ، وهتف :
دانا كنت طالع أخليها تكلم أنين…
عشان تعزمها على الفرح.

لكن يونس لم يمنحه حتى فرصة إكمال الفكرة.

كان قد استدار بجسده كله نحو الدرج، وكأن المكان فجأة أصبح غير صالح للبقاء، ثم لوح بيده بلا اكتراث حقيقي، وهتف وهو يبتعد بخطوات سريعة:
هو ده الوقت المناسب… خش عليها يا وحش هتتبسط بيك أوي!

ثم اندفع إلى الأسفل، تاركًا خلفه أثر من الفوضى كمن ألقى حجر في ماء راكد ثم انسحب قبل أن يرى الدوائر.

توقف ياسين لثانية، يتأمل الفراغ الذي تركه يونس، قبل أن يلتفت ببطء إلى الداخل.

في اللحظة نفسها…
اصطدمت عيناه بحضور ثقيل خلفه.

كانت فوزية.
واقفة في هدوء غريب، لا يشبه هدوئها المعتاد، بل يشبه سكون ما قبل الانفجار.

رفعت حاجبها ببطء، وقالت بنبرة لا تحتمل جدال،:
عايز إيه؟

تجمد ياسين للحظة، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة، لا تخلو من عبث متعمد:
عايز بوسة.

لم تتغير ملامحها.لم تتفاجأ حتي …
بل بدا وكأنها كانت تتوقع الأسوأ، فجاء أقل مما تخيلت.

وفي حركة محسوبة، مالت قليلًا وأخرجت يدها من خلف ظهرها، حيث كانت تخفي الخف كأنها تخبئ حكم جاهز للتنفيذ.

وفي طرفة عين، هوى الخف على الهواء بقوة خاطفة ، وصاحت بنزق :
خد يا ابن كلب… عجبتك!

تراجع ياسين خطوة، ووضع يده على وجهه، ثم تمتم ببرود ساخر:
شفايفك تقيلة أوي يا فوزية…
الواحد بعد البوسة ياخد غرزتين.

شهقت فوزيه ثم انطلقت نحوه، والغضب يسبق خطواتها، بينما ياسين بدأ يركض بخفة لا تليق بموقفه، كأنه يجر استفزاز خلفه بدلًا من أن يهرب منه.

ــ هتشلوني يا ولا الكلب!

كان صوتها يملأ الدرج، بينما هو يضحك وهو يتراجع:
طيب استني كلمي أنين وبعدين اتشلي!

توقفت فجأة، كأن الاسم الأخير شدها من منتصف غضبها.

نظرت حولها، ثم انحنت بسرعة والتقطت الخف الآخر من الأرض، وصرخت بنزق ممتلئ بالغيظ:
القيها من مين ولا من مين؟
من الكبير الشايب اللي لابسني العمة في عز الحر؟
ولا منكم إنتوا؟
هتعملوني قنطرة على آخر العمر يا خلفه الشوم والنّدامة!

رفعت الخف كأنها تفاوض العالم كله عليه.
وفي المقابل، كان ياسين يركض على السلم، يضحك بخفة وهو يشير بيده:
ما هي غلطتك يا ياما…
حد قالك تسمعي كلام عالتواب ويغرر بيكي في الضلمة…
وسابك وفلسع بدري بدري…
دبسك وخلع!

توقفت للحظة، كأن الكلمات أصابت نقطة قديمة لم تغلق.

ثم القت الخف في الهواء بعنف ، وصاحت :
اه يا ناقص… يا واطي… يا قليل الرباية!

لكن ياسين كان قد اختفى بالفعل بين درجات السلم، تاركًا خلفه ضحكته تتلاشى، وفوزية واقفة في المنتصف، صدرها يعلو ويهبط، ويديها ترتجفان من الغيظ، كأن المعركة لم تنتهي… بل بدأت للتو.

……

في أحد أتيليهات فساتين الزفاف…

كانت القاعة الواسعة تغرق في ألوان لا تنتهي من الأقمشة والدانتيل والخرز اللامع.

فساتين معلقة كأنها أحلام بيضاء تنتظر صاحباتها.

وأخرى بألوان هادئة تنافس ضوء النهار رقة ونعومة.

أما حور فكانت تدور بينها بعينين تلمعان بفضول طفولي وسعادة يصعب إخفاؤها.

تمسح بيديها على الأقمشة مرة، وتتوقف أمام فستان مرة أخرى، وكأنها تحاول أن تعيش تفاصيل يومها المنتظر قبل أن يأتي.

ومن بعيد…
كان شاهين يراقبها.
يراقب تلك اللمعة في عينيها.

وتلك البسمة التي تظهر كلما أعجبها شيء.
حتى شعر أنه يكاد يبتسم رغم عنه.

لكن ما إن وقعت عيناه على أحد الفساتين التي وقفت أمامها حتى انعقد حاجباه بحنق.

وتحرك نحوها بخطوات ثابتة.

ثم غمغم:
انتي بتعملي ايه هنا؟ الفساتين دي مش للمحجبة يا بت.

رفعت وجهها إليه بذهول امتزج باعتراض طفولي واضح، وهتفت:
ايه ده؟ هو أنا حتى يوم كتب كتابنا هبقى محجبة كمان يا شينو؟

أغمض شاهين عينيه لثانية.

ومسح على وجهه بيده الكبيرة كمن يحاول السيطرة على أعصابه قبل أن يجيب.

ثم قال بحنق:
ليه؟ هو حد قالك إن اللي هيكتب عليكي قرني يا بت؟

ذمت حور شفتيها في ضيق.
وأشاحت بوجهها قليلًا وهي تقول:
ماهي ماما لو كانت جات معنا..
كانت اختارت معايا بدل ما انت
تقعد تتحكم فيا وده آه وده لا…
بس معرفش مالها النهارده.

تبدلت نظرة شاهين للحظة.
واختفى الحنق من عينيه.
ثم اقترب منها حتى وقف أمامها مباشرة.

ورفع وجهها إليه برفق.
كانت عيناه ثابتتين على عينيها.
صادقتين.
وحازمتين في الوقت نفسه.

وقال بصوت منخفض لكنه لا يقبل التراجع:
ولا أمك… ولا أبوكي… ولا اللي خلفوكي.
كلهم ليهم حكم عليكي…أنا بس اللي ليا الحق ده.
وبعدين يا بت…
هو الفرح في إنك تقلعي؟
هو انتي عايزة تفرحي ولا تفرحي الناس؟

انخفضت عينا حور قليلًا.
وتسلل إليها ذلك الإحساس القديم…
الإحساس الذي كانت تشعر به كلما تحدث شاهين بهذه الثقة.

كأنه لا يناقشها…بل يطمئنها…هزت رأسها بيأس لطيف وقالت: دي ليلة يا شينو…
وكل عروسة بتحب تبقى جميلة أوي.

أومأ شاهين برأسه.
ثم قال بنبرة خرجت محملة بقناعة راسخة تشكلت داخله منذ سنوات: يا بابا…
الجمال في الستر مش في الملط…
الحجاب مش بالمناسبات ولا مواسم…
الحجاب يا حور فرض.
أوعي تفكري في يوم إنه حاجة تقيلة ولا تفرطي فيه.
فاهمة؟

كانت تنظر إليه بصمت.
وكأنها لا تسمع الكلمات فقط…بل تسمع الرجل الذي يقولها…وترى في عينيه خوفه عليها.

وغيرته.
وحرصه الذي لم يكن يومًا مجرد أوامر.
أومأت برأسها ببطء…وهمست: حاضر يا شينو.

في اللحظة نفسها…
ارتخت ملامحه القاسية.
وظهرت تلك الابتسامة الصغيرة التي لا يراها كثيرون.

مال نحوها قليلًا.
ثم طبع قبلة خفيفة فوق حجابها عند أذنها.

وهمس بصوت لم يصل لأحد سواها:
وبعدين الملط ده خليه ليا…
أنا عارف هفرحك بيه.
فرحة تطلع من نفوخك.

احمر وجهها فورًا.
وشعرت بحرارة تتصاعد إلى وجنتيها.
فعضت شفتها بخجل.

ثم دفعته في كتفه بخفة وهي تهمس:
اوع يا قليل الأدب.

فضحك شاهين.
بينما أشاحت هي وجهها سريعًا تخفي ابتسامتها…

لكن قلبها كان يبتسم أكثر منها بكثير.

تحرك شاهين بين صفوف الفساتين وهو يضحك تحت أنفاسه، بينما كانت حور تسير خلفه بعينين ممتلئتين بالحيرة من تقلبات مزاجه الغريبة.

وقبل أن تسأله عم يدور في رأسه، توقف فجأة أمام أحد الفساتين.

سحبه من مكانه.

ورفعه أمامه متأملًا إياه بنظرة عبثية جعلت حور تشعر بالخطر قبل أن يتكلم.

ثم نظر إليها وقال بخبث: ايه رايك تجربي ده؟

اتسعت عيناها بذهول.

واقتربت منه بسرعة، وانتزعت الفستان من يده تتفحصه وكأنها لا تصدق ما تراه.

كان الفستان أقرب إلى قطعة فنية صممت لتلفت الأنظار من أول نظرة…

قصير يتوقف فوق الركبتين بالكثير ، مصنوع من قماش ناعم ينساب على الجسد بانسيابية واضحة.

أما الجزء العلوي فكان مكشوف الصدر بالكامل، تتدلى منه أشرطة رفيعة بالكاد ترى، بينما زينت منطقة الصدر بتطريزات براقة وحبات كريستال صغيرة تعكس الضوء مع كل حركة.

واستقرت طبقات من الدانتيل الشفاف على الجانبين، مانحة الفستان مظهر جريئ عاري أكثر مما ينبغي…

وكان الظهر مفتوح إلى حد كبير، لا يقطعه سوى خيوط متقاطعة دقيقة تمنحه لمسة عصرية

لافتة…

ثم رفعت رأسها إليه وهتفت:
بعد ده كله تقولي ده ازاي يعني؟

بلل شفتيه وهو يكتم ضحكته بصعوبة.
ثم قبض على يدها وسحبها خلفه بخفة:
ماله؟ ما اهو ماركة ثنية شخلعة.
وانتي نفسك تجربي الملط وأنا مش هحرمك يا حبيبي.

وصل إلى غرفة القياس وفتح الباب.
ثم دفعها برفق إلى الداخل مع الفستان.

وكاد أن يتبعها للداخل.
لكن يدها استقرت فوق صدره بسرعة وهي تهتف بصدمة : انت رايح فين؟

أشار إلى نفسه ببراءة مصطنعة وقال:
هنقيس يا بت ونعاين.
أنا أحب كل حاجة يكون مقاسها مظبوط.

هزت رأسها بعنف.
ثم دفعته وأغلقت الباب في وجهه….وهتفت من الداخل:
قليل الأدب انت!

ارتفع ضحكه في المكان حتى التفتت إليهما إحدى العاملات ثم أشاحت وجهها مبتسمة.

أما هو فاستند إلى الجدار المقابل للغرفة وهتف:
يا بت الأدب مبيجبش عجول!

مرت دقائق قليلة.
ساد خلالها الصمت.
صمت جعل شاهين يرفع حاجبه باستغراب.

فحور عادة لا تسكت كل هذا الوقت.

وفجأة…
انفتح الباب قليلًا…وظهرت منه رأسها فقط.
وجهها محتقن بحمرة شديدة….وعيناها تلمعان بارتباك واضح.
وغمغمت بصوت يكاد لا يسمع: لالالا… مش هلبسه خلاص.

اعتدل شاهين في وقفته فورًا…وقال بدهشة حقيقية:
ليه؟ وحش؟

لم تجب.
واكتفت بالنظر إليه بنظرة غريبة جعلته يزداد حيرة.
مال برأسه محاولًا أن يرى ما تخفيه خلف الباب.

ثم قال: طيب في ايه؟
أوعي طيب أشوف.
مش يمكن مش عارفة تلبسيه؟
وريني كده.

ازدادت قبضتها على الباب قوة.
حتى ابيضت أطراف أصابعها.
وهمست بخجل كاد يذيب الكلمات نفسها:
لالااا… مش هينفع يا شينو.

توقف شاهين لحظة…ثم ضاقت عيناه بشك.
وعرف فورًا أن المشكلة ليست في الفستان…

بل في حور نفسها…في ارتباكها.
وفي ذلك الوجه الأحمر الذي لم يكن يعرف كيف ينجو منه كل مرة.

فابتسم رغم عنه…وأخذ خطوة نحو الباب.
بينما تراجعت هي خطوة إلى الخلف داخل الغرفة كأنها تستعد لمعركة خاسرة مسبقًا.

معركة تعرف جيدًا أنها لن تنتصر فيها أمام عناده.

عض شاهين شفته السفلى بعبث ملتهب، ثم دفع الباب بكفه القوية ودلف إلى الداخل، مغلق إياه خلفه بقوة جعلت الصوت يرن في صدر حور.

تجمد شاهين في مكانه ذهولًا، قبض على يده بشدة حتى ابيضت مفاصله، وبلع ريقه بصعوبة بالغة وهو يتأملها بنظرة مجنونة مليئة برغبة جائعة حارقة. نظرة تكاد تأكلها، تنزع عنها كل ثوب وكل حياء.

شهقت حور شهقة خجولة مرتجفة، واتسعت عيناها الواسعتان، ثم ألقت بنفسها بين أحضانه باندفاع أنثوي يائس، تختبئ في صدره الواسع من لهيب عينيه اللتين تحرقانها.

فتح شاهين فمه كأنه يحاول أن يسحب كميةً كافية من الهواء ليطفئ البركان الثائر بداخله، وهتف بصوت خشن مكسور:
لأ لأ كده خطر… كده أنا دمي هيقف….
احنا بدل ما هنكتب وبعدين ندخل…
هندخل وبعدين نكتب كده.

رفعت حور وجهها نحوه بدهشة ممزوجةٍ بخجل عميق، واحمرار يصل إلى رقبتها، وارتجف جسدها بعنف علي صدره ، همست بصوت ناعم مرتجف:
هو مش الدم بينشف؟ أنت عندك بيقف ازاي؟

عض شاهين شفته بعبث أشد، ونظر إليها بنظرة ماكره، ثم قال بصوت غليظ مثير:
ماهو بيقف وبعدين ينشف يا بت.

تأملها بشغف وهوس يذيب الحجر، عيناه تنزلقان على جسدها ببطء جائع، ثم همس في أذنها بأنفاس حارة متلاحقة:ولما يقف بيجنني عشان ينام تاني…

والتقط شفتيها بين شفتيه بقبلة حارة عميقة شرهة، يمتصها ويغزو فمها بلغة لا تحتاج إلى كلمات….

ذابت حور بين أحضانه كالشمع تحت النار، فأطبق ذراعيه حولها بعنف ذكوري، وضاغط جسدها الناعم على صدره الصلب حتى شعرت بصلابته المتيبس يحرق جسدها من خلال الثياب.

وفجأة… فتح الباب بعنف صادم،

وووووووووووو

ساحره القلم ساره احمد

3.9 252 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
413 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
ضيف
ضيف
1 شهر

تحفففففة
تسلمى ي سوووووو ❤❤❤❤❤❤

Omnia Ebrahim
Omnia Ebrahim
1 شهر

ابدااااع تسلم ايدك ي سووووو

ضيف
ضيف
1 شهر

تحف تحفه تسلم ايدك

ضيف
ضيف
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ويسلم ذوقك ♥️

ضيف
ضيف
1 شهر

شدو الهمه يا حلوين

ضيف
ضيف
1 شهر
ردّ على  ضيف

.

Last edited 1 شهر by
ضيف
ضيف
1 شهر
ردّ على  ضيف

يلا يا قمرات ♥️

ضيف
ضيف
1 شهر

روعه

ضيف
ضيف
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ♥️

سامية بن صالح
سامية بن صالح
1 شهر

البارت نار 🔥 كالعاده ❤️‍🔥❤️‍🔥❤️‍🔥❤️‍🔥

ضيف
ضيف
1 شهر

تسلمي يا قمر ♥️

hayat
hayat
1 شهر

البارت أكثر من رائع تسلم ايدك 🌹🌹🌹🌹

Nada
Nada
1 شهر
ردّ على  hayat

تسلمي يا قمر ♥️

هبه الجبالي
هبه الجبالي
1 شهر

روعة تسلم ايدك

Nada
Nada
1 شهر
ردّ على  هبه الجبالي

تسلمي يا قمر ♥️

ضيف
ضيف
1 شهر

روعه ولله

Nada
Nada
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ♥️

ضيف
ضيف
1 شهر

جمال من الاخر

Nada
Nada
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ♥️

ضيف
ضيف
1 شهر

قمر قمر

Nada
Nada
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ♥️

ضيف
ضيف
1 شهر

جمال فوق الوصف

Nada
Nada
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ♥️

Salma Mohamed
Salma Mohamed
1 شهر

تسلم ايدك تحفه ♥️

Nada
Nada
1 شهر
ردّ على  Salma Mohamed

تسلمي يا قمر ♥️

Shimooo
Shimooo
1 شهر

تحففففه اووي ياسو تسلم ايدك😍❤️❤️❤️

Nada
Nada
1 شهر
ردّ على  Shimooo

عيونك تسلمي يا قمر ♥️

ضيف
ضيف
1 شهر

رووووووعة

Nada
Nada
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ♥️

ضيف
ضيف
1 شهر

روعة تسلم ايديكي يا قمر في انتظارك

Nada
Nada
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ويسلم ذوقك ♥️

ضيف
ضيف
1 شهر

روعة روعة 😍

Nada
Nada
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ♥️

Gana Mazen
Gana Mazen
1 شهر

روعة روعة روعة ❤️❤️

Nada
Nada
1 شهر
ردّ على  Gana Mazen

عيونك تسلمي يا قمر ♥️

بسمة
بسمة
1 شهر

تسلم ايدك

Nada
Nada
1 شهر
ردّ على  بسمة

تسلمي يا قمر ♥️

ضيف
ضيف
1 شهر

روعه يا سوسو🩷

Nada
Nada
1 شهر
ردّ على  ضيف

عيونك تسلمي يا قمر ♥️

ضيف
ضيف
1 شهر

تسلم ايدك يرووووحقلبي 💋🫂

Nada
Nada
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ♥️

ياسمين
ياسمين
1 شهر

تحفههههههه 💗💗💗💗💗💗💗💗💗💗

Nada
Nada
1 شهر
ردّ على  ياسمين

عيونك تسلمي يا قمر ♥️

ياسمين
ياسمين
1 شهر

ابدااااع يا حبيبتي بجد 💗💗💗💗💗💗💗

Nada
Nada
1 شهر
ردّ على  ياسمين

تسلمي يا قمر ♥️

ياسمين
ياسمين
1 شهر

💕💕💕💕💕💕💕💕💕💕💕

Nada
Nada
1 شهر
ردّ على  ياسمين

❤️❤️❤️

Samar
Samar
1 شهر

تسلم ايدك ي قلبي ♥️

Nada
Nada
1 شهر
ردّ على  Samar

تسلمي يا قمر ♥️

Bata
Bata
1 شهر

العيله دي ماشفتش بربع جنيه تربيه
عندهم جرأه فظيعه

Nada
Nada
1 شهر
ردّ على  Bata

حصل 🤣🤣🤣😂

Mrmrتحفه جدا
Mrmrتحفه جدا
1 شهر

تحفه

Nada
Nada
1 شهر
ردّ على  Mrmrتحفه جدا

تسلمي يا قمر ♥️

ضيف
ضيف
1 شهر

يلهوييي اي التحفههه دييي حلو اويي😍😍😍

Nada
Nada
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ♥️

ضيف
ضيف
1 شهر

البارت رووووووووعة ياسارة تسلم ايدك وعنيكي❤❤❤

Nada
Nada
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ♥️

ضيف
ضيف
1 شهر

عظمه ياحبيبتي💋💋💋💋

Nada
Nada
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ♥️

ضيف
ضيف
1 شهر

❤️❤️❤️

Nada
Nada
1 شهر
ردّ على  ضيف

♥️♥️♥️♥️

ال رحاب
ال رحاب
1 شهر

البارت رائع ،تسلم ايدك ❤️❤️❤️

Nada
Nada
1 شهر
ردّ على  ال رحاب

تسلمي يا قمر ♥️

ضيف
ضيف
1 شهر

تحفه

Nada
Nada
1 شهر
ردّ على  ضيف

عيونك تسلمي يا قمر ♥️

ضيف
ضيف
1 شهر

تسلمي يا حبيبتي

Last edited 1 شهر by ضيف
Nada
Nada
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ♥️

ضيف
ضيف
1 شهر

خطير كالعاده

Nada
Nada
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ♥️

Jojo.
Jojo.
1 شهر

البارت تحفة بجد ، بس مكنتش متوقعة احمد يطلق شهد

Nada
Nada
1 شهر
ردّ على  Jojo.

😓😓😓😓

Jojo.
Jojo.
1 شهر

البارت كان فيه مفاجآت و صدمات بس جامد

Nada
Nada
1 شهر
ردّ على  Jojo.

تسلمي يا قمر ♥️

Gana Mazen
Gana Mazen
1 شهر

تحفه 😍

Nada
Nada
1 شهر
ردّ على  Gana Mazen

عيونك ي قمر ♥️

Sama
Sama
1 شهر

تحفه ي سوسو ❤️❤️❤️

Nada
Nada
1 شهر
ردّ على  Sama

تسلمي يا قمر ♥️

ضيف
ضيف
1 شهر

روعه

Nada
Nada
1 شهر
ردّ على  ضيف

عيونك ي قمر ♥️

ضيف
ضيف
1 شهر

تحفه فنية

Nada
Nada
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ♥️

ضيف
ضيف
1 شهر

تحفه

Nada
Nada
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ♥️

Gana Mazen
Gana Mazen
1 شهر

البارت روعه

Nada
Nada
1 شهر
ردّ على  Gana Mazen

تسلمي يا قمر ♥️

ضيف
ضيف
1 شهر

شكرا ليكي جدا

Nada
Nada
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ويسلم ذوقك ♥️

ضيف
ضيف
1 شهر

زي كل مره بارت احلي من اللي قبله

Nada
Nada
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ♥️

ضيف
ضيف
1 شهر

تسلم ايدك تحفه

Nada
Nada
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ♥️

ضيف
ضيف
1 شهر

😍😍😍😍😍

Nada
Nada
1 شهر
ردّ على  ضيف

♥️♥️♥️

ضيف
ضيف
1 شهر

روعه تسلم ايدك يا قمر 🥰🥰

Nada
Nada
1 شهر
ردّ على  ضيف

حبيبتي تسلمي ♥️

Om Walid
Om Walid
1 شهر

روعة

Nada
Nada
1 شهر
ردّ على  Om Walid

تسلمي يا قمر ♥️

ضيف
ضيف
1 شهر

تحفه تحفه تحفه تحفه تحفه بجد تسلم ايدك يا ساره يا حبيبتي ايه ده الفصل روعه بجده

Nada
Nada
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ♥️