ييبب
ملكي وكفي

ملكي وكفي (البارت الرابع عشر)

ملكي وكفي (البارت الرابع عشر)

متى تتفتّت القلوب؟

تتفتّت القلوب حين يقف الإنسان أمام مرآة روحه في ليلةٍ خالية من الأعذار، فيرى الحقيقة عاريةً كما هي، فيدرك أنه أخطأ، وأن ما كُسر بيديه لم يعد يُجبر، وأن بعض الندم يأتي متأخرًا كالمطر فوق قبرٍ جفّت تربته منذ زمن.

تنكسر القلوب حين ترى من كانوا بالأمس يسيرون بجوارك وقد سبقوك إلى أحلامهم، بينما ما زلت أنت عالقًا في منتصف الطريق، تحمل أقدامًا مثقلة بالخذلان، وتحاول عبثًا أن تلحق بقطارٍ غادر محطتك دون انتظار.

تبكي القلوب حين تُصفع بظلم البشر، وحين تجد نفسها وحيدة أمام جبروتٍ لا يُقاوَم، فلا تملك سلاحًا سوى الصمت، ولا ملجأً سوى الدعاء، فتبتلع قهرها كما يبتلع البحر سفنًا كاملة دون أن يُسمَع لها صوت.

وتنتحب القلوب حين تعرف طريق الصواب، ثم تعود بإرادتها إلى الخطأ ذاته، كأنها تُلقي بنفسها في النار وهي تحفظ شكل اللهب ولون الاحتراق.

وتموت أجزاءٌ منها حين تأتي الخيانة من اليد التي أمسكت بها خوفًا من السقوط، ومن القلب الذي ائتمنته على أسرارك، فتكتشف أن الطعنات الأكثر وجعًا هي تلك التي تأتي من خلف الأبواب التي فتحتها بنفسك.

وتتشقّق القلوب حين تجفّ الدموع من فرط البكاء، وحين تعجز العين عن البكاء رغم أن الروح تغرق في بحرٍ من الأحزان، فيصبح الصمت أكثر إيلامًا من النحيب، والسكون أكثر ضجيجًا من الصراخ.

وتموت القلوب ألف مرة حين تشعر أنك وحيد، رغم ازدحام الدنيا بالوجوه من حولك، فلا تجد كتفًا يحمل وجعك، ولا يدًا تمتد إليك حين توشك على السقوط.

وتنزف القلوب نزفًا لا يراه أحد حين تفقد عزيزًا كان قطعةً منها، شخصًا كانت الحياة تبدو أقل قسوة بوجوده، ثم يرحل، تاركًا خلفه فراغًا لا يملؤه أحد، وحنينًا لا يهدأ، وذكرياتٍ تتحول مع الأيام إلى سكاكين صامتة.

وتحترق القلوب حين تشتاق لمن تعلم يقينًا أنه لن يعود، وحين تنادي أسماءً تعرف أن أصحابها لن يسمعوها، وحين تظل الأماكن محتفظة بملامحهم بينما تغيب أرواحهم إلى الأبد.

ومع كل هذا الألم… ومع كل هذا الفقد… ومع كل تلك الشقوق التي تملأ أرواحنا…

تبقى الحياة ماضيةً لا تلتفت إلى دمعةٍ سقطت، ولا إلى قلبٍ انكسر، ولا إلى روحٍ أرهقها الانتظار.

فبعض القلوب لا تنجو لأنها لم تتألم… بل تنجو لأنها تعلّمت كيف تحمل أوجاعها وتمضي بها، كجنديٍ مثخنٍ بالجراح يواصل السير، لا لأنه بخير، بل لأنه لا يملك رفاهية التوقف.

في المستشفى…

توقفت سيارة شاهين بانجراف مفزع أمام البوابة الرئيسية، وصرخت الإطارات فوق الأسفلت صرخة حادة مزقت سكون الليل.

لم ينتظر حتى تستقر السيارة بالكامل.

اندفع خارجها كالإعصار، وفتح الباب الخلفي بعنف، ثم سحب جسد حور المرتخي من بين ذراعي شهد.

كانت خفيفة بشكل مرعب…
خفيفة كزهرة ذبلت قبل أوانها.

حملها بين ذراعيه وركض بها نحو الداخل، بينما رأسها يتهادى فوق ساعده بلا مقاومة، وشعرها يتناثر حول وجهها الشاحب.

وانفجر صوته في أرجاء المكان:
دكتووووور! بسرعة… مراتي قاطعة النفس! الحقوني! حد يلحقها بسرعة!

وخلفه كان أحمد يركض بجنون.

لا يرى الأطباء…
ولا الممرضين…
ولا المستشفى بأكملها.
لم يكن يرى سوى ابنته.

ابنته التي بدت بين ذراعي شاهين كأن الحياة انسحبت منها تاركة خلفها قشرة باهتة من الجسد.

تعثر أكثر من مرة وهو يركض، لكنه كان ينهض قبل أن يسقط.

وصرخ بصوت مزق القلوب:
يا ناس حد يتحرك! بنتي بتموت!
قلبها مش هيستحمل! حد يفوقها بسرعة!
حد يلحقنا!

ارتجت الممرات تحت صرخاتهما.

واندفع عدد من الممرضات نحوهم بسرير متحرك.
هتفت إحداهن بسرعة وهي تفتح الطريق أمامها:
حطها هنا يا أستاذ… بسرعة!

أومأ شاهين برأسه بعنف.
وضع حور فوق السرير، لكنه لم يستطع تركها.

وكأن يديه التصقتا بها.

ظل ساعده تحت رأسها وسادة يحميها من قسوة العالم، بينما قبضته الأخرى تطبق على كفها الصغير وتضمه إلى صدره كأنه يحاول أن ينقل نبضه إليها.

انحنى فوقها وملامحه تتهاوى قطعة قطعة، وهمس بصوت مبحوح مختنق:
حور… فوقي يا بابا…

واهتز صوته قبل أن يكمل:
يهون عليكي شينو حبيبك تعملي فيه كده؟

لكنها لم تتحرك.
لم تفتح عينيها.
لم تضغط على يده كما اعتادت.

فشعر كأن قلبه ينتزع من بين ضلوعه ببطء.

في اللحظة التالية…

اندفع أحمد وزكريا ويونس وياسين خلف السرير.

بل إنهم هم من تولوا دفعه.

كانت أيديهم تضغط على جوانبه بعنف، يركضون به في الممرات بسرعة جعلت الممرضات أنفسهن عاجزات عن مجاراتهم.

فابتعدن وتركوا لهم الطريق.

كان أحمد يلهث وهو يركض بجوار رأسها، وعيناه لا تفارقان وجهها.

وزكريا يضغط فكيه بعنف حتى كاد يحطم أسنانه.

ويونس يركض كالمجنون وهو يمسح وجهه كل ثانية وكأنه يرفض تصديق ما يحدث.

أما ياسين…

فكان وجهه أبيض كالموت.
يركض بصمت مخيف لا يقطعه إلا صوت أنفاسه المتقطعة.

وفي الخلف…
ركضت شهد بكل ما تملك من قوة.
تعثر ثوبها أكثر من مرة.

وكادت تسقط أرضًا لولا قبضة فوزية التي أمسكتها بقوة.

كانت فوزية نفسها تبكي.
لكنها تحاول التماسك من أجلها.

وهتفت بنحيبٍ موجوع:
امسكي نفسك يا اختي… امسكي نفسك بالله عليكي!

لكن شهد كانت تنظر إلى السرير المبتعد في آخر الممر كأن روحها تسحب معه.

وأشارت إليه بيد مرتجفة وهي تصرخ بدموع أنهكتها:
البت… البت هتروح مني يا فوزية…

وانكسر صوتها تمامًا قبل أن تكمل:
سبيني يا اختي… سبيني أروح لبنتي…
حور بتضيع مني… حور بتضيع مني…!

اندفع السرير عبر الممر الأخير كطلقة هاربة من الموت، حتى وصل أمام أبواب غرفة العمليات.

توقفت العجلات فجأة.

فاندفع أحد الممرضين إلى الأمام ورفع كفه قائلًا بحزم:
استنوا يا جماعة هنا.

توقفت الأقدام.
توقف زكريا.

وتوقف يونس.
وتوقف ياسين.

لكن شاهين لم يتوقف.
كأن الكلمات لم تصل إلى سمعه أصلًا.

كأن العالم كله اختفى ولم يبقي أمامه سوى حور.

دفع الممرض بعنف حتى ترنح للخلف وهدر بصوت أجش خرج من بين أنياب الخوف:
اوع يا عم! دي مراتي! واللي هيمنعني عنها هشرب من دمه!

عاد الممرض وأمسك بصدره محاولًا إيقافه:
مينفعش تدخل أوضة العمليات!

وفي اللحظة التالية كان أحمد قد أمسك بياقة الممرض بعنف أربكه، وهدر بوجه أغرقته الدموع:
سيبه يدخل مع مراته! لو بنتي فاقت وملقتوش جنبها هتدرع يا ابن المرة!

ارتفعت الأصوات.
واعترض الممرضون.

واختلط الغضب بالخوف.
حتى شق صوت حاد صارم الفوضى كلها:
سيبوه يا علي… سيبوه يدخل مع مراته.

التفتت الرؤوس جميعها.
كان آسر يقف في نهاية الممر بملامح جامدة كالصخر.

فعاد الممرض خطوة إلى الخلف فورًا.
ولم ينتظر شاهين أكثر.

دفعه من طريقه وركض خلف السرير.

ركض كأن روحه نفسها تسحب إلى الداخل.

حتى وصل إلى جوار حور.

كان الأطباء قد بدأوا بالفعل.

أجهزة تضيء.
أوامر تتطاير.
وأقنعة الأكسجين توضع فوق وجهها.

لكن شاهين لم ير شيئًا من ذلك.

لم ير إلا وجهها…وجهها الشاحب…
الهادئ بصورة أخافته أكثر من الدم.

وقف يتأملها كالمسحور.
وعيناه تجوبان ملامحها ببطء.

هذه الرموش التي كان يحفظ انحناءها.

وهذا الأنف الصغير الذي طالما نكزه ليغيظها.

وهذه الشفتان اللتان لم تكفا يومًا عن الثرثرة والضحك.

كيف صارت ساكنة هكذا؟
كيف صارت بعيدة إلى هذا الحد وهي أمامه؟

وشرد عقله رغم عنه.

وعاد ثلاث سنوات كاملة إلى الوراء…

إلى تلك اليوم التي نظر فيها إليها للمرة الأولى كرجل يرى مستقبله كله في شخص واحد.

يومها كانت في السادسة عشرة من عمرها.
بضفيرتها الطويلة.
و ضحكتها التي تسبق كلماتها.

وعينيها الواسعتين اللتين كانتا تنظران إليه بثقة مطلقة.

وتذكر كيف أمسك كفها الصغير وقال لها لأول مرة:

أنا بحبك…

لم يفهم وقتها لماذا ارتجفت.
ولم يفهم لماذا ظل قلبه يخفق لساعات بعدها.

أما الآن…

ولأول مرة منذ عرفها…
ولأول مرة منذ أحبها…

شعر شاهين أن حور ليست زوجته.
ولا حبيبته.
ولا حتى نصفه الآخر.

بل طفلة صغيرة جدًا…
طفلته هو.

وأن العالم كله لا يساوي شيئًا إن توقفت أنفاسها للحظة واحدة أخرى.

فمد يده المرتجفة وربت على شعرها برفق يكاد لا يرى.

وهمس بصوت محطم لا يكاد يسمع:
فوقي يا حور…

ثم أغمض عينيه للحظة، وكأن قلبه كله صار دعاء واحد:
والنبي فوقي… عشان خاطري.

…..فلاش باك…..

أمام بوابة مدرسة الثانوية للبنات، حيث يلتقي صخب الصباح بنسمات البراءة…

خرجت حور في زيها المدرسي الذي يلف جسدها النحيل كغلاف من نور..

حقيبتها على منكبيها، ووجهها يشع براءة لم تمسها أيدي الأيام بعد، كأنها قطرة ندى لم يقع عليها غبار الدنيا.

وقف شاهين أمامها على دراجته النارية السوداء كوحش أسود يربت أنفاسه بحدة، مرتدي الخوذة السوداء التي تخفي عينيه اللتين تحترقان…

نظرت إليه حور بدهشة طفلة، وهمست بصوت رقيق خافت كأنها تخشى أن يسمعها الهواء:
ياسين…

نزع شاهين الخوذة ببطء، غمزها بعبث، وقال بابتسامة ماكرة:لا… شاهين.

اتسعت عيناها بدهشة ممزوجة بخجل يحمر وجنتيها، ونظرت إليه مترددة:
شينو… إنت بالمكنة إزاي؟

ترجل من الدراجة بخفة فهد ، واقترب منها حتى غمرها ظله، وقال بصوت خفيض عميق:
عشانك يا حور… طالما بتحبي المكنة بتاعت ياسين …. ومش بتحبي العربية.

زاغت عيناها بخجل، وهمست:
لا… بس المكنة سريعة أكتر…

قبض على يدها بقوة ناعمة، وسحبها بلطف، وساعدها على الجلوس خلفه… ثم هتف بصوت مليء بالحماس والتحدي:
أنا النهارده هعرفك الفرق بقى…

صعد الدراجة، وانطلق بها بسرعة حادة تجعل الريح تصفر في أذنيها… تمسكت حور بقميصه بقبضتها الصغيرة المرتجفة، وهتفت بخوف ممزوج بمتعة:
براحة علي مهلك يا شينو!

أومأ شاهين برأسه، ثم التفت إليها بنظرة طويلة مختلفة، نظرة ثقيلة بالعواصف، وغمغم بصوت متحشرج بالكاد يسمع: حور عيني..

نظرت إليه بدهشة: نعم؟

توقف فجأة على جانب الطريق، ترجل من الدراجة، ووقف أمامها. تأمل ملامحها الفاتنة طويلاً، ذلك الخليط النادر من الجمال الخاطف والبراءة الصافية والصفاء الذي يأسر الروح…خليط يجعل قلبه يخفق بعنف كأنما يريد أن يقتحم قفصه.

قال بصوت عميق يرتجف من شدة الصدق:
حور، أنا عايز أقولك ليه أنا بتعصب لما حد يقرب منك. عشان اخليكي تفهمي ليه أنا بكره إنك تقربي من أي حد، حتى لو كان ياسين أصغر واحد في البيت.

نظرت إليه بدهشة عميقة، وقالت بصوت مرتجف:
قول يا شينو… أنا بجد نفسي أفهم ليه إنت بقيت عصبي معايا كده.

دارت عيناه على وجهها بنظرات مشتعلة بخليط من الجنون والعشق الخام، ثم قال:
عشان إنتي في عيني دلوقتي مش حور الطفلة اللي كنت بربيها… أنا فجأة، ومن غير ما أحس… عشقتك..

اتسعت عينا حور بذهول، واختفت كل أصوات الدنيا حولها  صوت السيارات، والشارع، والمارة ..

ولم يبقي سوى كلماته تدوي في أذنيها كالصواعق…

فجأة بدأت تفهم كل تصرفاته الأخيرة، كل غضبه، كل نظراته… كانت غيرة… غيرة عميقة، حارقة، من كل شيء يقترب منها أو تقترب منه.

بدون وعي تحركت على الدراجة وكادت تسقط، لكن قبضة شاهين كانت أسرع… لف ذراعه حول خصرها بقوة، والصقها بصدره، وهمس بصوت مكسور:
إيه… زعلتي مني؟

شهقت حور بخجل عميق، واتسعت عيناها، وسندت كفيها على صدره فوق قلبه الذي كان يدق كطبول حرب… هزت رأسها بالنفي، لكن صوتها خانها.

تأملها شاهين بشغف يذيب الحديد، وغمغم بصوت أجش دافئ:
بعشقك يا حور… بعشق الصبح عشان بتصحي
وتطلع شمسي من عيونك….
وبكره الليل عشان بتنامي وبتحرميني من عيونك وصوتك.. وضحكتك…

بعشقك يا حور لدرجة بحس إن جسمي كله بيترعش من الغيرة… رعشة عمري ما عرفتها قبل ما أعشقك…

تجمدت حور لثواني طويلة، تحاول استيعاب الكلمات، ثم همست بصوت متهدج:
أنا مش فاهمة حاجة… وحاسة قلبي بيدق أوي أوي… ودخت أوي أوي يا شينو.

ابتسم شاهين ابتسامة سعادة عميقة، ضمها إلى صدره بقوة، ودار بها وسط صخب الشارع، وهتف بفرحة عارمة:
هتفهمي حبي… يا حبيبي… واحدة واحدة…
وهتحبيني كمان..

ضحكت حور ضحكة خفيفة مرتعشة، وتعلقت بعنقه بعفوية، وهمست بخجل يلون وجنتيها:
شينو… دوختني أوي… حرام عليك.

….عوده الى الوقت الحالي …

عاد شاهين إلى واقعه على ارتخاء ذراعها المتدلي من حافة السرير.

انتفض قلبه انتفاضة موجعة، وانحنى إليها بلهفة رجل يوشك أن يفقد آخر ما يملكه في هذه الحياة.

رفع ذراعها بين كفيه بحذر مرتجف، كأنها قطعة من روحه يخشى أن تتفتت بين أصابعه، وألصقها بصدره حيث كانت دقات قلبه تضرب ضلوعه بعنف يكاد يمزقه.

ثم انحنى وقبل أطراف أصابعها الباردة قبلة طويلة مرتعشة، ودموعه تنحدر فوق بشرتها الشاحبة بلا توقف.

وأخذ يتأمل وجهها الساكن، ذلك الوجه الذي كان قبل ساعات قليلة يضحك له، ويملأ الدنيا حوله حياة وضوء.. فإذا به الآن يرقد أمامه كزهرة ذاب لونها تحت وطأة ريح غادرة.

اهتزت شفتاه قبل أن يهمس بصوت مبحوح مختنق:
تلات سنين… تلات سنين وأنا بحاول أفهمك إني بحبك قد إيه… وبعشقك قد إيه يا عمري.

أغمض عينيه للحظة، وكأن الكلمات نفسها أصبحت سكاكين تجرح حلقه.

ثم ضم يدها أكثر إلى صدره وهمس بانكسار موجع:
ويوم ما تتكتبي على اسمي… يوم ما ربنا يحقق الحلم اللي عشت عمري كله مستنيه… تعملي فيا كده؟

انحدرت دمعة حارة فوق أصابعها، فارتجف صوته أكثر وهو يحدق في ملامحها الغائبة:
عايزة تشقي قلبي عليكي؟… عايزة تحرقي نبضي لآخر دقة فيه يا دقات قلبي انتي يا حور؟

تكسرت أنفاسه، وانحنى حتى لامست جبهته يدها، كأنما يستمد منها قوة تمنعه من الانهيار.

وخلف الزجاج كان الأطباء يتحركون حولهما بسرعة، والأجهزة تصدر أصوات متلاحقة، لكنه لم يعد يسمع شيئًا.

لم يعد يرى إلا وجهها.

ولا يشعر إلا بالخوف.

ذلك الخوف الأسود الذي يلتهم الرجال الأقوياء دون رحمة.

ارتعش جسده كله وهو يهمس بنحيبٍ موجوع خرج من أعماق روحه:
قومي يا حور…

وسقطت دمعة أخرى فوق كفها:
قومي يا جنتي…

ثم أطبق عينيه بقهر لم يعرفه يومًا، وخرج صوته ميت، محطم، كصوت رجل ينتزع قلبه من بين ضلوعه:
قومي يا بت سنين عمري… بالله عليكي قومي.

….
في الخارج…

كانت رائحة المطهرات تملأ الممر الطويل، بينما بدا الوقت وكأنه توقف عند باب غرفة العمليات.

ترنح أحمد فجأة، وشعر بأن الأرض تميد تحت قدميه كبحر هائج فقد شاطئه.

لم يعد يسمع شيئًا بوضوح.

لا صراخ..
ولا خطوات راكضة.
ولا حتى نحيب شهد.

فقط قلبه…

ذلك القلب الذي كان يطرق ضلوعه بعنف مؤلم، كأنه يحاول الفرار من صدر لم يعد يحتمل المزيد من الوجع.

كاد أن يسقط لولا أن اندفع زكريا ويونس نحوه في اللحظة الأخيرة.

أمسكاه من ذراعيه بسرعة، بينما هتف يونس بصوت مبحوح اختلط فيه الخوف بالقوة التي يحاول التمسك بها:
عمي… امسك نفسك… اصنب طولك…
دانت العمود اللي لو مال كلنا هنقع… وأولنا شهد.

رفع أحمد عينيه إليهما.
عينان حمراوان من الدموع والقهر.

عينان لرجل يشعر أن سكين صدئة تدار ببطء داخل صدره.

وتشبث بذراعيهما كالغريق الذي يبحث عن شيء يمنعه من السقوط، ثم همس بصوت متحشرج مكسور:
قعدني يا ابني… رجليا معدتش شيلاني…

وتوقفت أنفاسه لحظة قبل أن يضيف بصوت خرج ممزق:
كسروا ضهري في الحاجة الوحيدة اللي كنت بخاف عليها من وساختهم.

تبادل زكريا ويونس نظرة موجوعة.

ثم أسنداه بحذر حتى جلس على أقرب مقعد.

وما إن استقر عليه حتى اندفعت شهد نحوه.
كانت تركض بلا وعي.

بلا توازن.
بلا إحساس بما حولها.

كل ما كانت تراه هو أحمد.

الرجل الذي كانت تستمد منه قوتها كلما انهارت الدنيا فوق رأسها.

جثت أمامه بسرعة، وسندت كفيها المرتجفتين فوق ركبتيه.

ورفعت إليه وجها أغرقته الدموع.

وجه أم يختنق قلبها خوف على فلذة كبدها.
وهمست بصوت مبحوح يرتجف مع كل حرف:
لا يا أحمد…

واهتزت شفتاها بعجز مرير : لا…

ثم تشبثت بنظراته وكأنها تتعلق بآخر خيط نجاة في هذا العالم : دانا لسه صانبه طولي بطولك…

بللت الدموع وجنتيها وهي تهمس برجاء يمزق القلب:
بنتي هتقوم يا أحمد… صح؟

نظر إليها أحمد طويلًا.
وفي تلك اللحظة لم ير زوجته فقط…

رأى المرأة التي شاركته عمر كامل..
ورأى الأم التي سهرت معه على حمى حور ودموعها وضحكاتها.

ورأى قلب يوشك أن يتوقف من شدة الخوف.

فانحنى نحوها ببطء.
وضم رأسها إلى صدره.

صدر كان يرتجف هو الآخر تحت وطأة الرعب.
وأغمض عينيه بقوة حتى لا تنهار دموعه أمامها.

ثم قال بصوت محترق خرج من بين أنقاض قلبه:
صح…

وضع ذقنه فوق رأسها وكأنه يحاول حمايتها من المصير نفسه : هتقوم يا شهد…

ثم رفع عينيه إلى السماء للحظة، كأنما يناجي رحمة الله بكل ما تبقى فيه من رجاء.

وهمس بصوت مختنق: ربنا رحيم بينا…

وتكسرت الكلمات في حلقه قبل أن يكمل:
ومش هيحرق قلوبنا الحرق اللي يموتها ده.

لكن يديه الملتفتين حول شهد…
وارتجافة جسده الخفية…

كانتا تقولان شيئًا آخر.
كانتا تقولان إن أحمد المهدي لأول مرة منذ سنوات طويلة…

خائف.

خائف حد الموت.

وفجأة…

انفتح باب غرفة العمليات.

صوت بسيط بالكاد يسمع، لكنه سقط فوق قلوب المنتظرين كصاعقة مزقت آخر خيوط الثبات.

خرج آسر بخطوات بطيئة مثقلة، ووجهه الشاحب يشي بما عجزت الكلمات عن قوله.

كان يسير كمن يحاول تأجيل اللحظة…

لحظة النظر في عيون تتشبث به كآخر أمل في هذا العالم.

انتفض الجميع من أماكنهم دفعة واحدة.

تعثرت الخطوات.

واختلطت الأنفاس.

واندفعوا نحوه كالغرقى نحو قشة نجاة.

وقبل أن يتكلم بحرف واحد، قبض زكريا على ذراعه بعنف جعل آسر يتأوه من الألم.

واقترب منه حتى كادت أنفاسهما تختلط، ثم قال من بين فكيه المطبقين:
آسر… اختار كلامك قبل أي حاجة.

رفع آسر عينيه إليه.
وفي عينيه شيء من العجز لم يعتد أحد رؤيته فيه.

ثم بلع غصته بصعوبة وقال:مش عارف يا زكريا…

وتوقفت الكلمات لحظة في حلقه :  الوضع خطر.

ساد صمت مرعب.
الصمت الذي يسبق الانهيار.

وفجأة اندفع أحمد نحوه.

كانت عيناه حمراوين من البكاء والسهر والرعب.

وقبض على ذراعه بكل ما تبقى فيه من قوة.

ولأول مرة…

لأول مرة منذ عرفه الجميع…

ارتجف صوته : طمني يا دكتور…

وانكسرت الكلمات داخل صدره :  الله يرضى عليك.

وفي اللحظة نفسها كانت شهد قد أمسكت بكف آسر بكلتا يديها.

كفان مرتجفان كأوراق الخريف.
وانحنت نحوه في حركة مزقت قلوب الواقفين.

كأن أمومتها كلها تركت كبرياءها عند باب العناية المركزة.

وهمست بدموع حارقة: أبوس إيدك…

واختنق صوتها بالبكاء : أوعى تقول اللي يحرق قلب أم على بنتها…

ثم شهقت شهقة موجوعة:  العروسة اللي مفرحتش.

انتفض آسر وسحب يده بسرعة.
وقد ازدادت ملامحه ألم…وهتف بحزم مشوب بالشفقة:
اهدي يا مدام… اهدي.

أسرع أحمد يضم شهد إلى صدره قبل أن تنهار أرضًا.

وأحاط كتفيها بذراعيه المرتجفتين وهمس:
اصبري يا أم حور…

ثم ابتلع غصته بصعوبة : خلينا نطمن.

كانت فوزية تقف على بعد خطوات.
وجهها الذي اعتاد الضحك والزغاريد بدا كوجه امرأة فقدت عمرها كله دفعة واحدة.

وأشارت إلى آسر بيد مرتعشة وهتفت بصوت مبحوح غارق بالدموع:اتكلم يا أخويا… البت فيها إيه؟

أغمض آسر عينيه لثواني طويلة.

كأنه يجمع شظايا الكلمات قبل أن ينطق بها.

ثم قال بصوت هادئ ثقيل: للأسف يا جماعة…

وشعر الجميع أن قلوبهم توقفت عن النبض.

ـ البنت شاربة كمية سم كبيرة جدًا.

وكأن الزمن تجمد.

وكأن الممر كله توقف عن التنفس.

وأكمل بصوت عملي حزين:
السم عمل هبوط حاد في الدورة الدموية وأثر على وظائف حيوية في الجسم.

لم يكمل أكثر.
لأن الصرخات انفجرت حوله كالعاصفة.

لطمت شهد وجهها بكلتا يديها وهي تطلق عويل شق الممرات: يا لهوييي!

وسقطت على ركبتيها وهي تنتحب: بنتي يا ناس… بنتي!

وانهارت فوزية هي الأخرى باكية:
يا مراري… يا ضنايا!
يا بنتي يا حبيبتي!

حتى الجدران بدت وكأنها ترتجف تحت وطأة ذلك الوجع.

أما أحمد…فلم يبكي ..ولم يصرخ.
بل تحول وجهه إلى شيء مخيف…شيء لا يشبه البشر.

اندفع فجأة وأمسك بياقة معطف آسر الأبيض.
ورفعه بعنف حتى كادت قدماه تفارقان الأرض.

وهدر بصوت خرج كزئير جريح:
سم إيه؟!
وهبوط إيه؟!

كانت عروقه نافرة…وعيناه تشتعلان بجنون مرعب :
لو بنتي حصلها حاجة…
أنا مش هخلي حد فيكم ماشي على رجليه!
حياتها قصاد حياتكم كلكم!

لم يقاومه آسر…ولم يغضب..فقط وضع يده فوق قبضة أحمد.

وربت عليها برفق…كطبيب…وكصديق.
وكإنسان يرى أب يذبح أمامه حيا.

ثم قال بهدوء مؤلم:
أنا مقدر مشاعر أب بنته بين الحياة والموت.

وأخذ نفس عميق قبل أن يكمل:
بس إحنا عملنا كل اللي في إيدينا.

ونظر إلى الجميع بعينين مثقلتين بالتعب :
وهي دلوقتي بين إيدين ربنا.
ادعولها.
ادعولها كتير.
لأن الدعاء دلوقتي أقوى من أي دوا.

وأدار ظهره ببطء….ورحل.
بينما ظل الممر غارق في البكاء.

شهد تبكي كأن قلبها ينتزع من بين ضلوعها.

وفوزية تردد الأدعية وسط شهقاتها.

وزكريا ويونس وياسين يحاولون إسناد أحمد الذي بدا كجبل تصدع من الداخل.

أما باب العناية المركزة…

فبقي مغلق…

صامت…

بارد..

يبتلع خلفه روح تتأرجح بين الحياة والموت…

ويترك خلفه قلوب تحترق ببطء لا يرحم.

……….

ركض أحمد نحو غرفة العناية المركزة كأن الموت يطارده شخصي، وخلفه شهد وفوزية وجارحي وثنية، تتعثر خطواتهم تحت وطأة الرعب الذي سقط فوق رؤوسهم دفعة واحدة.

أما زكريا ويونس وياسين وشموع وأنين وسيد…

فتجمدوا في أماكنهم لثواني طويلة.

ثواني ثقيلة.

كأن أحدهم انتزع الفرح من صدورهم وألقى مكانه حجر أسود يسحق الأنفاس.

منذ ساعة فقط كانت الزغاريد تملأ المكان…

والآن لا يسمعون إلا أصوات البكاء.

ولا يرون إلا وجوه شاحبة يلتهمها الخوف.

أمام العناية المركزة…

وقف الجميع خلف الزجاج العازل.

ينظرون إليها…إلى حور.

الممددة فوق الفراش الأبيض بين الأسلاك والأجهزة الطبية.
يرتفع صدرها ويهبط بصعوبة.

بينما كانت الأجهزة تصدر أصواتها الرتيبة الباردة وكأنها تعد أنفاسها واحدة تلو الأخرى.

بدت شاحبة على نحو مفزع.

كأن الحياة انسحبت من ملامحها وتركت خلفها ظل باهت لفتاة كانت قبل ساعة عروس تضحك.

وبجانبها…

كان شاهين جالس…يمسك يدها بين كفيه.
يضمها إلى صدره أحيانا.

ويعيد النظر إلى وجهها أحيانا أخرى.

كأنه يحرسها من الفقد.
كأنه يرفض أن يسمح للموت بالاقتراب منها خطوة واحدة.

وفجأة…

اهتز الهاتف داخل جيبه…انتفض جسده.
مد يده المرتجفة وسحب الهاتف.

قطب حاجبيه عندما رأى الرقم.
ثم رفعه إلى أذنه وهمس بصوت مبحوح: مين؟

جاءه الصوت بارد…ساخر…
مشبع بحقد أسود لا يعرف الرحمة :
سلامت العروسة يا عريس الغفلة…
إيه رأيك في النّقطة بتاعتنا؟ عجبتك؟
قولنا مينفعش يبقى فرح المعلم شاهين المهدي ومننقطهوش… بس إحنا نقطنا نقطة سم في كاس عصير عروستك.

في لحظة واحدة…
اشتعلت النار داخل عروق شاهين.

نهض واقف دفعة واحدة.
حتى التفتت الممرضة نحوه بفزع.

وهدر من بين أسنانه:
ورحمة أبويا لأدوقك حرقة قلبي على مراتي أضعاف مضاعفة… إنت ملعبتش في عداد عمرك…
إنت هديت الدنيا كلها من حواليك…
ومن دلوقتي العد التنازلي لهلاكك بدأ.

على الطرف الآخر…ضحك عابدين.
ضحكة باردة.

كأنها نصل صدئ يتحرك داخل جرح مفتوح.

ثم قال ببطء مستفز:
استنى بس… متبقاش حمقي أوي كده…
مراتك لسه عايشة… آه… بس روحها لسه في إيدي.

تجمد شاهين…وزحفت البرودة الي أطرافه بشكل مخيف ..

وأكمل عابدين بصوت أكثر برود:
السم ده مش سم عادي… والمصل المضاد بتاعه مش موجود غير عندي.

شعر شاهين أن الأرض اختفت من تحته.
التفت بعينيه نحو حور.
نحو جسدها الممدد فوق السرير.

نحو أصابعها الباردة التي كانت قبل ساعات تتشبث بيده بسعادة طفلة.

ارتجف جسده بعنف.
وتشكلت مرارة حارقة في حلقه.

مرارة رجل يرى حياته كلها تنزف أمامه ولا يستطيع إيقافها.

خرج صوته متحشرج…مكسور لأول مرة:
عايز إيه؟

ضحك عابدين مجددا… ضحكة منتشية بانكساره.

ثم قال: ياااه… حلو أوي صوتك وإنت مكسور كده. حقيقي بيشجيني…

وصمت لحظة…قبل أن يضيف:
تعالى بقى… مذلول… وأنا أقولك شرطي عشان تاخد المصل.

ثم أردف ببرود قاتل: وآه صح… تعالى لوحدك يا معلم شاهين.

وانقطع الخط.

أطبق شاهين كفه على الهاتف حتى ابيضت مفاصله، وكأنه لو شد أكثر قليلاً لسحقه بين أصابعه.

كانت عيناه معلقتين بجسد حور الممدد خلف الأسلاك والأجهزة، بينما كلمات عابدين ما تزال تتردد داخل رأسه كطرقات مطرقة على عظامه…

المصل عندي… وروحها لسه في إيدي.

جملة واحدة كانت كافية لتجعل العالم كله يشتعل داخله.

رفع رأسه ببطء، ونظر إلى حور.
كانت ساكنة…
ساكنة أكثر مما ينبغي.

اقترب منها بخطوات بطيئة.
بطيئة حد الوجع.

ثم انحنى فوقها وأخذ يدها بين كفيه.
أغمض عينيه للحظة.

ولأول مرة منذ سنوات طويلة…
شعر شاهين بالعجز.

ذلك الرجل الذي كان يقف في وجه الدنيا كلها دون أن يرف له جفن، وجد نفسه الآن عاجزاً أمام جسد صغير يحبه أكثر من نفسه.

انزلقت دمعة حارة على وجنته.
فسقطت فوق أصابع حور الباردة.
وهمس بصوت مبحوح محطم: سامحيني يا حور…

ارتجفت شفتاه بعنف :
سامحيني يا قلب شاهين… كان المفروض أحميكي.

مال أكثر حتى لامست جبهته ظاهر يدها.
وأغمض عينيه :
كان المفروض أي أذى في الدنيا يعدي عليا أنا… مش عليكي انتي.

وامتلأت عيناه بدموع ساخنة رفضت السقوط.

لم يكن بداخله خوف فقط.

ولا قهر فقط.
كان هناك شيء أعمق.
شيء بدائي.

مظلم.
مخيف.
غضب رجل سرقت روحه أمام عينيه.

غضب عاشق يرى المرأة التي أحبها أكثر من نفسه معلقة بين الحياة والموت.

أغمض عينيه للحظة.
وعندما فتحهما من جديد…
لم يبق فيهما سوى وعد واحد.

وعد بالانتقام.
حتى لو احترقت الدنيا كلها في طريقه.

وفي مكان ما بعيد…
كان عابدين يبتسم.
غير مدرك أن اللحظة التي ظن فيها أنه كسر شاهين المهدي…
كانت هي نفسها اللحظة التي أطلق فيها الوحش من قفصه.

في الغرفة رقم 106…

كان الهدوء يلف المكان على نحو غريب، كأن هذه الغرفة تقع في عالم آخر بعيد عن الفوضى التي تضرب أرجاء المستشفى.

جلست غزل فوق سريرها، وساقها المجبرة ممددة أمامها، بينما استقر كتاب بين يديها.

كانت عيناها تتحركان بين السطور بتركيز، لكن آثار الحادث ما زالت مرسومة فوق ملامحها الشاحبة، وإن كانت الخدوش التي غطت وجهها قد بدأت تتلاشى شيئًا فشيئًا.

انفتح الباب…فرفعت رأسها.

ودلف آسر إلى الداخل بخطوات ثقيلة مرهقة، وكأن ساعات طويلة من العمر مرت فوق كتفيه خلال هذا اليوم وحده.

أغلق الباب خلفه ثم سأل بصوت مبحوح:
هي مرات عمي لسه ما جات؟

هزت غزل رأسها بالنفي وقالت:
لا لسه… انت هي إيه الدوشة اللي كانت بره دي؟
حادثة ولا إيه؟

زفر آسر ببطء.

ثم تحرك نحو المقعد المقابل لسريرها وجلس عليه، وأراح ظهره المتعب قبل أن يمرر كفه فوق وجهه.

بدت عليه علامات الإرهاق بوضوح.

إرهاق طبيب اعتاد رؤية الألم…

لكنه لم يعتد رؤيته ينهش أشخاص يعرفهم.

وقال بصوت خافت:
دي مرات واحد صاحبي… ياعيني يوم كتب كتابهم حد سممها بجرعة سم كبيرة أوي.

اتسعت عينا غزل بصدمة.

فأكمل:والأغرب إن السم ده لازم يكون له مصل مضاد… والبنت أصلًا ضعيفة ومريضة قلب… وحالتها خطر جدًا.

شهقت غزل وهي تضع يدها فوق فمها.
وتمتمت بذهول ممزوج بالغضب:
يا ساتر يا رب… ليه الأذى ده؟!

هزت رأسها بعدم تصديق :
ربنا يقومها بالسلامة يا رب… عروسة يا قلبي! قتلوا فرحتهم… تلاقي أهلها وجوزها هيتجننوا عليها.

أومأ آسر برأسه ببطء.
ونظرة حزن ثقيلة مرت بعينيه.

وقال: ادعيلها يا غزل… لحسن جوزها هيموت بحسرته عليها.

ثم أكمل بصوت أكثر خفوت:
وكمان وحيدة أبوها وأمها… يعني أربع أرواح متعلقين ببعض.

سقطت دمعة مفاجئة من عين غزل.
دمعة لم تفهم سببها.

مسحتها بسرعة.
ثم ضحكت ضحكة صغيرة باهتة خالية من الفرح وقالت:
أبوها وأمها هما اللي هيتحرق قلبهم عليها…

وصمتت لحظة.
لحظة طويلة حملت داخلها سنوات من الوجع.
ثم أضافت بصوت منكسر:
لكن جوزها؟

هزت رأسها بسخرية مريرة :
بكره يرجع لحياته عادي… هو في راجل بيزعل على ست يا آسر؟

ساد الصمت….صمت ثقيل…نظر إليها آسر طويلًا.

وكأنه لا يرى غزل الجالسة أمامه الآن.

بل يرى المرأة التي حطمها أحدهم حتى فقدت إيمانها بكل شيء جميل.

حتى بالرجال.
حتى بالحب.
حتى بالأمان.

تنهد ببطء…ثم قال بحزم هادئ: آه يا غزل.

رفعت عينيها إليه.

فأكمل: لما يكون راجل بجد… بيزعل على أي ست تخصه.

واستند بمرفقيه فوق ركبتيه :
مش بس مراته… ولا أخته… ولا أمه.

وأردف وعيناه ثابتتان عليها:
ده ممكن يزعل ويدافع عن ست في الشارع متخصوش أصلًا… بس عشان هو راجل.

ارتجفت ملامح غزل قليلًا…وهي تتذكر زكريا حين دافعا عنها دون أن يعرفها ….لكنها ظلت صامتة.

أما آسر فأكمل:
متقسيش الرجولة على الحيوان اللي كان جوزك وبس.

خرجت كلماته قاسية…حادة.

كأنه يرفض أن يوضع ذلك الرجل في ميزان الرجال أصلًا.

ثم أشار بيده نحو الخارج.

وقال: تعالي شوفي شاهين دلوقتي.

ابتلع غصة مريرة واستكمل:
الراجل واقف بين الحياة والموت مع مراته.

وصمت لثانية.ددقبل أن يضيف:
وشوفي زكريا ويونس وياسين… خوفهم عليها وخوفهم على أخوهم.

ابتسم ابتسامة شاحبة موجوعة :
دي مش مجرد مرات أخوهم… ولا بنت عمهم.

ثم رفع عينيه إليها وقال بهدوء عميق:
دي واحدة من روحهم.

شهقت غزل فجأة، واتسعت عيناها حتى بدتا على وشك الخروج من محجريهما.

وضعت يدها فوق صدرها كأنها تحاول إيقاف نبضة عنيفة باغتتها، ثم هتفت بصوت مبحوح اختلط فيه الذهول بالرعب:
يا خبر أسود! انت بتقول زكريا؟!

رمش آسر بدهشة.

فأكملت بسرعة:
انت قصدك إن اللي اتسممت بنت عم زكريا… ومرات أخوه؟!

أومأ آسر برأسه وقال باقتضاب: آه…

وفي اللحظة التالية…

كأن تيار كهربائي سرى في جسد غزل.
تركت الكتاب يسقط فوق الفراش وتحركت بفزع وهي تهتف:
قوم! قوم! قوم! هات الكرسي ده بسرعة!

نهض آسر من مكانه وقد عقد حاجبيه باستغراب:
في إيه يا بت المجنونة؟ عايزة الكرسي ليه؟

أشارت نحوه بعصبية وهتفت : هقعد عليه وتزقني.

ازداد استغرابه أكثر…وقال:
أزقك فين؟ أشحت عليكي؟

زفرت غزل بحنق شديد، ثم لكزته في ذراعه لكزة جعلته يتأوه معترض…وهتفت:
يا غبي! هروح أقلهم ألف سلامة…. زكريا جه وسأل عني وأنا كنت في غيبوبة من البتاع الأصفر اللي بتحطوهولي في المحاليل ده.

ثم ضيقت عينيها وأضافت باستنكار:
انت دخلت كلية الطب إزاي بغباءك ده؟

حدق بها آسر لحظات.

ثم مرر كفه على وجهه بيأس وكأنها استنزفت آخر ما بقي عنده من صبر.

ولوح بيده بحنق وهو يتحرك نحو الكرسي المتحرك:
أنا غبي يا أم لسانين؟

ثم تمتم:
مش تحترمي نفسك لحد ما تخفي بدل ما أخبطك حقنة تجيب أجلك ولا تلحقي تقولي ألف سلامة ولا مع السلامة.

ورغم تذمره…كان يسحب الكرسي بالفعل.
ويضعه أمامها بحذر.

اقتربت غزل منه بسرعة طفولية لا تتناسب مع حالتها.

فأمسك ذراعها وساعدها على الجلوس فوق المقعد المتحرك بحذر شديد، وكأنها قطعة زجاج قد تنكسر بين يديه.

وما إن استقرت حتى لكزته في منكبه مرة أخرى.

وقالت بشراسة مصطنعة:
ولا تقدر… دانا كنت أطلعلك عفريتها وأطلع عينك.

أغلق آسر عينيه للحظة طويلة.
ثم رفع رأسه إلى السقف وكأنه يستنجد بالسماء.

ودفع الكرسي إلى الخارج بخطوات سريعة وهو يتمتم:
سلام قولًا من رب رحيم…

ثم نظر إليها بطرف عينه وقال:
هو أنا طايقك بني آدمة لما تطلعيلي عفريتك؟

ضحكت غزل لأول مرة منذ أيام.

ضحكة صغيرة…

لكنها حقيقية.

بينما استمر آسر في دفعها عبر الممرات الطويلة للمستشفى.

وللمرة الأولى منذ ساعات…

تسلل صوت ضحك خافت إلى مكان امتلأ بالبكاء والخوف.

وكأنه يذكر الجميع أن الأمل…

مهما اختنق….لا يموت بسهولة.

أمام باب العناية المركزة،

وقف الجميع كأنهم فقدوا القدرة على الحركة أو التفكير، لا يسمعون سوى صفير الأجهزة خلف الجدران، ولا يرون سوى شبح حور الراقدة بين الحياة والموت.

وصل آسر إلى آخر الممر دافع الكرسي المتحرك برفق.

رفع زكريا رأسه تلقائي، وما إن وقعت عيناه على غزل حتى انعقد حاجباه بدهشة صريحة.

تحرك نحوها بخطوات سريعة دون تفكير، ثم جثا أمامها مباشرة حتى صار في مستوى عينيها.

وقال بقلق واضح:
إنتي إيه اللي قومك من سريرك؟

أطرقت غزل برأسها قليلًا، وكأنها شعرت فجأة بثقل نظراته القلقة عليها.

ثم همست بصوت خافت:
ألف سلامة على بنت عمك… أنا اتخضيت لما عرفت… وجيت عشان أقولك ألف سلامة.

ارتخت ملامح زكريا قليلًا.

وربت على يدها برفق حنون وهو يقول:
الله يسلمك يا غزل.

ثم نهض واقف، والتفت نحو شاهين الذي كان يقف بالقرب من باب العناية كتمثال نحت من الألم.

هتف بصوت أجش: شاهين.

رفع شاهين رأسه ببطء.
كانت خطواته ثقيلة كأنها تسحب من قاع جرح غائر.

اقترب حتى وقف أمام غزل.ظ.فرفعت رأسها إليه.

وللحظة…نسيت ما جاءت من أجله.

كان وجهه شاحب بصورة مؤلمة، وعيناه محتقنتين بحمرة مخيفة، كأنهما لم تعرفا النوم أو الدموع أو الراحة منذ سنوات.

رجل بدا وكأن جزء من روحه يحتضر خلف ذلك الباب.

تأملته غزل بدهشة صامتة.

فالتقط زكريا نظرتها الطويلة، فعقد حاجبيه فورا وهتف بضيق امتزج بشيء من الغيرة غير المفهومة:
في إيه يا غزل؟ إنتي متنحة فيه كده ليه؟
إنتي تعرفي شاهين؟

انتفضت من شرودها سريعًا…وهزت رأسها بالنفي ، وهمست بخفوت  :  لا… معرفهوش..

ثم خفضت عينيها وهمست بصوت مكسور:
بس أول مرة أشوف راجل يبقى بالشكل ده من خوفه على مراته.

تجمد زكريا لحظة.

أما شاهين فلم يتحرك.

لم يبدو وكأنه سمع شيئًا أصلًا.

فكل ما بداخله كان عالق خلف ذلك الباب.

رفعت غزل عينيها نحوه مجددًا، وامتلأ صوتها بحزن صادق وهي تقول:
ألف سلامة على بنت عمك…
والله هدعيلها في كل صلاة…
وربنا يقومها بالسلامة.

أومأ شاهين برأسه بصمت.

بينما قال زكريا: الله يسلمك يا غزل… متشكر أوي.

ابتسمت ابتسامة صغيرة باهتة.
ثم التفتت نحو آسر وقالت:
رجعني أوضتي يا آسر لو سمحت…

ـ حاضر…

أدار آسر الكرسي وتحرك بها مبتعد عبر الممر الطويل.

وظلت عينا شاهين معلقتين بباب العناية المركزة.

عينان متورمتان من والدموع والغضب.
كأنهما تنتظران أن ينفتح الباب ويعيد إليهما الحياة كلها.

أما زكريا…

فلم ينظر إلى باب العناية.
بل بقي واقف يراقب ظهر آسر البعيد وهو يدفع الكرسي المتحرك.

ويراقب غزل الجالسة عليه.
حتى اختفيا عند آخر الممر.

وحينها فقط…
تنفس ببطء شديد.

وكأن شيئًا داخله كان يتأكد للمرة الأولى أنه ما عاد ينشغل بسلامتها باعتبارها مجرد فتاة أنقذها ذات يوم…

بل لأنها أصبحت تحتل مكان لم يكن ينوي أن يمنحه لأحد.
…….
كان الممر الطويل يغرق في ضوء أبيض بارد، ضوء قاسي لا يرحم، يزيد الوجع وضوح بدل أن يخففه.

تحرك شاهين بخطوات سريعة مضطربة حتى توقف أمام الزجاج العازل للعناية المركزة.

رفع كفيه ووضعهما فوق الزجاج.

كأن بينه وبين حور عمر كامل لا مجرد لوح زجاجي.

تعلقت عيناه بجسدها الممدد بين الأجهزة والأسلاك.

تلك الفتاة التي كانت منذ ساعات فقط تضحك بخجل وهي تجلس إلى جواره بفستانها الفيروزي…

أصبحت الآن ساكنة بصورة أرعبته أكثر من الموت نفسه.

شعر بشيء ينكسر داخل صدره.

لا…

بل شعر أن قلبه كله يتفتت قطعة قطعة وهو عاجز عن الوصول إليها.

وفجأة…

اقتربت إحدى الممرضات بخطوات مترددة.

وتوقفت بجواره هامسة: اتفضل يا فندم…

التفت إليها ببطء.

كانت عيناه غائمتين من شدة القهر حتى بدا وكأنه لا يراها.

وقال بصوت ميت: في إيه؟

مدت الممرضة يدها نحوه.

فتح كفه دون فهم.

فوضعت شيئًا صغير داخله ثم انسحبت بصمت.

نظر شاهين إلى راحة يده…وفي اللحظة التالية…

توقف الزمن.

استقرت في كفه دبلة حور الصغيرة…
وحلقها الذهبي.

الدبلة التي لم يمضي على وجودها في إصبعها سوى ساعات قليلة.

ساعات فقط…
ثم انتزعت منها وهي بين الحياة والموت.

ارتجفت أصابعه بعنف.
وكأن تلك القطع الصغيرة أثقل من جبل كامل.

حدق فيها طويلًا.
ثم انزلقت دمعة حارقة فوق وجنته.

وأخرى.
ثم أخرى.

حتى تشوشت رؤيته بالكامل.

كأن الدبلة لم تكن قطعة ذهب…
بل كانت حياته كلها ملقاة داخل كفه.

اقتربت فوزية منه ببطء.
كانت دموعها تنهمر هي الأخرى بلا توقف.

لكنها حاولت أن تكون الجدار الأخير الذي يستند إليه ابنها.

مدت ذراعيها وضمت رأسه إلى صدرها بحنان أم ترى قلب ولدها يذبح أمام عينيها.

وهمست بصوت مرتجف:
استهدى بالله يا حبيبي… إن شاء الله هتطلع بالسلامة… وهتلبسهم ليها تاني بإيدك.

لم يجبها.
بل تشبث بعباءتها فجأة.
كما يتشبث طفل غريق بآخر قطعة نجاة.

ثم انهار….انهار بالكامل.
خرجت شهقاته ممزقة من أعماق روحه.

بكاء خشن….موجوع…محطم.

بكاء رجل حاول أن يكون قوي حتى آخر لحظة، ثم خانه قلبه أخيرًا.

وما هي إلا ثواني حتى فقدت فوزية قدرتها على حمله.

فانزلقت معه إلى الأرض.
وجلس كلاهما فوق البلاط البارد.

تضم رأسه إلى صدرها…وتبكي معه.

بينما كان شاهين يطوق خصرها بذراعيه كأنه يحتمي بأمه من قسوة القدر نفسه.

ـ حور يا أما…

خرج الاسم من بين شفتيه ممزق :

ـ حور بتموت يا أمه…

فشهقت فوزية وانفجر نحيبها هي الأخرى.

وفي تلك اللحظة…
لم يعد أحد قادر على التماسك.

أدار أحمد وجهه بعيدًا وهو يمسح دموع فشل في إخفائها.

وارتمت شهد على كتف ثنية تبكي كأن روحها تُنتزع من بين ضلوعها.

وأطرق جارحي رأسه عاجز عن النظر إلى المشهد.

بينما وقف زكريا ويونس وياسين كأن صاعقة أصابتهم.

لا يملكون كلمة….ولا عزاء.
ولا حتى قدرة على الكذب بأن الأمور ستكون بخير.

وامتلأ الممر كله بصوت البكاء.
ليس بكاء عادي…

بل صوت أرواح تضسحق تحت وطأة خوف لا يحتمل.

خوف من أن تفتح الشمس عينيها غدًا…

ولا تكون حور بينهم.

……….
بعد منتصف الليل بعده ساعات …

كانت السماء ملبدة بسواد كثيف، كأن الليل نفسه يشارك الأرض حدادها.

اندفعت سيارة شاهين كطلقة هاربة من فوهة بندقية حتى توقفت أمام بوابة فيلا عابدين الشيخ.

ضغط على بوق السيارة بعنف متكرر.

عنف رجل لم يعد يملك رفاهية الصبر.

وبعد لحظات قصيرة…

انفتحت البوابة الحديدية الثقيلة ببطء.

فدلف بسيارته إلى الداخل.

توقفت السيارة بعنف، وما إن سكنت عجلاتها حتى ترجل منها.

وقف منتصب القامة.
عريض الكتفين.
صلب الملامح.

لكن خلف ذلك الثبات كانت هناك عاصفة تكفي لاقتلاع مدينة كاملة.

عيناه كانتا تقدحان شرر أسود.

شرر رجل يحمل قلبه المحترق بين ضلوعه ويسير به نحو عدوه.

اقترب الحراس منه.

وبدأوا تفتيشه بدقة…فتشوا جيوبه.
وخصره….وذراعيه.

حتى تأكدوا أنه لا يحمل سلاح…

لكنهم لو استطاعوا رؤية ما بداخله…

لأدركوا أن شاهين نفسه كان أخطر من أي سلاح.

تراجع أحدهم أخيرًا وقال بصوت خشن:
الباشا مستنيك في المكتب…

لم يرد شاهين.
بل دفع ذراعه جانب بعنف مكتوم.

ثم تحرك.

خطواته الثقيلة كانت تضرب أرضية الفيلا كأنها ضربات مطرقة على نعش.

كل خطوة تقوده نحو الرجل الذي وضع روح حور على حافة الموت.

كل خطوة كانت تزيد النار اشتعال في صدره.

حتى وصل إلى باب المكتب.

توقف لثانية واحدة…
ثانية مرت كالعمر.

ثم دفع الباب بعنف…فارتطم بالحائط خلفه.

ودلف إلى الداخل.

لكن…

خطوته التالية لم تكتمل…تجمد مكانه.
وانسحبت أنفاسه بعنف من صدره.

كأن الهواء أصبح أثقل من أن يستنشق.
كانت عيناه مثبتتين على شيء واحد.

شيء صغير جدًا…
لكنه أثمن من العالم كله.

جلس عابدين خلف مكتبه ببرود مستفز.

ساق فوق الأخرى.
وظهر مسترخ على المقعد الفاخر.

وبين أصابعه…
كانت زجاجة صغيرة شفافة.
يديرها بين أصابعه بكسل.

مرة يمين…. ومرة يسار…
كأنها لعبة للتسلية.

لا دواء يفصل بين الحياة والموت.
ولا أمل امرأة تصارع السم داخل جسدها.

ولا قلب رجل يحترق أمامه.
انعكس الضوء على الزجاجة.
فلمعت داخل عيني شاهين.

وشعر للحظة أن قلبه قد توقف.

ذلك هو المصل.
حياة حور.
أنفاسها.
نبضها.
وكل ما تبقى له في هذا العالم.

رفع عابدين عينيه إليه…ثم ابتسم…ابتسامة باردة.
قذرة.

ابتسامة رجل يستمتع بعذاب الآخرين كما يستمتع المدمن بجرعته.

وأدار الزجاجة بين أصابعه أكثر.
ثم قال ببطء مستفز:
عينك هتطلع على الإزازة الصغيرة دي اللي فيها حياة مراتك…

مال للأمام قليلًا…واتسعت ابتسامته الشامتة :
شوفت؟

رفع الزجاجة أمام عينيه : حبستك جوه إزازة في الآخر يا معلم شاهين.

ساد الصمت.
صمت مرعب.

حتى الحراس الواقفون بالخارج لو رأوا وجه شاهين في تلك اللحظة لارتعبوا.

فقد اختفى الغضب.
واختفى الصراخ.
واختفت الانفعالات كلها.

وحل محلها شيء أخطر بكثير.
هدوء أسود.
هدوء رجل وصل إلى الحد الذي لا يعود بعده كما كان.

اندفع شاهين نحو المكتب بخطوتين فقط، ثم هوى بكفه فوق سطحه بقوة هائلة جعلت الأوراق تقفز من أماكنها وتتساقط حول عابدين كأوراق خريف مذعورة.

واهتزت الزجاجة الصغيرة بجوار يد عابدين حتى كادت تنقلب.

وانفجر صوت شاهين داخل الغرفة كالرعد:
هات آخرك وقول اللي إنت عايزه…
متبقاش لتات زي النسوان.

مال بجسده للأمام، وعيناه تغليان بغضب أسود أقرب إلى الجنون :
وخليك فاكر… زي ما حبستني جوه إزازة،
إنت كمان متحامي فيها….
دي الحاجة الوحيدة اللي مخلياك عايش لحد دلوقتي. غير كده… إنت عارف كويس كان زمانك لا عايش ولا ميت… كنت هتبقى حاجة كده من صنع المعلم شاهين المهدي.

للحظة…

شعر عابدين ببرودة تزحف على طول عموده الفقري.

رغم الفيلا.
ورغم الحراس.
ورغم السلاح المنتشر حوله.

إلا أن الرجل الواقف أمامه لم يكن يبدو كرجل يمكن إيقافه بأي شيء.

كانت عيناه تحملان ذلك النوع من الغضب الذي يجعل الموت احتمال عادي..

ابتلع عابدين ريقه بصعوبة.
ثم اعتدل في جلسته محاول استعادة رباطة جأشه.

فتح أحد الأدراج ببطء.
وأخرج ملف أسود اللون.

ثم ألقاه فوق المكتب.
وقال بصوت حاول أن يجعله ثابت:
دي شحنه عشرة طن لحمة… هتوصل بعد بكرة المينا.

نظر شاهين إلى الملف دون أن يمد يده نحوه.

فأكمل عابدين:
ولازم تدخل باسمك يا معلم شاهين… وده اعتبره تعويض عن الشحنة اللي حرقتها بسببك… وعربون المصل عشان مراتك تخف.

ثم ابتسم ابتسامة باردة : أصلها بتموت يا حرام…

صدر صوت طحن مرعب من بين فكي شاهين.

حتى إن عابدين سمع بوضوح طرقعة أسنانه.

وهتف شاهين بصوت خشن مشتعل:
واللحمة دي أكيد فاسدة.

ضحك عابدين…ضحكة باردة لا حياة فيها.

ثم قال: فاسدة إيه؟

رفع حاجبه بسخرية وقال :
دي مسرطنة يا معلم…
خلي الناس تخف شوية.

ساد الصمت….
صمت ثقيل…

لكن النظرة التي رفعها شاهين نحوه كانت كفيلة بإسكات أي ضحكة.

نظرة لو امتلكت القدرة على القتل…
لما بقي عابدين جالس مكانه ثانية واحدة.

وقال شاهين بصوت أجش:
يعني ده تمن المصل؟

أومأ عابدين برأسه.
ثم وضع زجاجة المصل فوق الملف الأسود.

وقال ببرود قاتل: آه… ده التمن..

ثم أشار إلى الزجاجة : قصاد حياة مراتك.

ثم ابتسم ابتسامة شيطانية.وأشار إلى الملف :
وحياتك.
وحياة ناس كتير معاك.

شعر شاهين وكأن الأرض تميد تحته.
واندفعت صورة حور إلى رأسه بعنف.

وجهها الشاحب.

دمها فوق ثوبها.

أصابعها الباردة بين كفيه.

وصوت الأجهزة الذي كان يعد أنفاسها بدلًا عنها.

أغمض عينيه للحظة.

لحظة واحدة فقط.

لكنها بدت كعمر كامل.

ثم فتح الملف…وسحب القلم.

كانت أصابعه ترتجف من شدة القهر.

لا من الخوف…بل من الإهانة…من العجز.

من كونه مجبر على الاختيار بين روح زوجته وبين ضميره.

وقع….ورقة…ثم أخرى…ثم أخرى…حتى انتهى.

وأغلق الملف ببطء…ثم مد يده…وأخذ زجاجة المصل.

قبض عليها بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعه.

كأنها آخر ما تبقى له من الحياة.

ثم استدار…وتحرك نحو الباب.

دون كلمة واحدة.
دون تهديد.
دون صراخ.

لكن ذلك الصمت كان أكثر رعب من أي وعيد.

وفي اللحظة التي وصل فيها إلى الباب…

انطلقت خلفه ضحكة عابدين الباردة.
ضحكة طويلة…شامتة…مريضة.

كانت تنغرز في ظهره كنصال من الجليد.

أما شاهين…
فلم يلتفت.

واصل سيره بخطوات ثقيلة.
لكن شيئًا واحد كان يتشكل داخله مع كل خطوة.

وعد.
وعد أسود لا رجعة فيه.
أن حور ستعود إليه.

أما عابدين الشيخ…
فلن ينجو من ثمن هذه الليلة مهما طال الزمن.

اندفع شاهين خارج الفيلا كإعصار أسود لا يرى أمامه سوى طريق واحد.

طريق يعود به إلى حور.

إلى المرأة التي تتشبث بالحياة في مكان ما بينما قلبه يسحق مع كل دقيقة تمر.

وصل إلى سيارته….فتح الباب بعنف.

ثم صعد إليها وأغلقه خلفه حتى اهتزت السيارة بأكملها.

وفي اللحظة التالية كانت السيارة تنطلق كرصاصة هاربة من الموت.

زأر المحرك بعنف.

وتحول الطريق أمامه إلى خطوط باهتة تتراجع بسرعة جنونية.

كانت أصابعه تقبض على المقود بقوة مؤلمة.

بينما اليد الأخرى تتمسك بزجاجة المصل كأنها روح حور نفسها.

أنفاسه كانت ثقيلة.
وعقله يغلي.
وصورة حور لا تفارق عينيه.

فجأة…

تجمد جسده كله.
وانسحبت أنفاسه دفعة واحدة.

شعر ببرودة معدني قاسي تلامس مؤخرة رأسه.

فوهة سلاح.

سلاح ناري مصوب مباشرة إلى جمجمته.

انعكست عينا شاهين على مرآة السيارة الأمامية.

فرأى ظل غامض يجلس في المقعد الخلفي.

لم يلحظه وسط جنونه وغضبه حين صعد السيارة.

وجاءه الصوت من الخلف…حاد..بارد..

خاليا من أي تردد:
هات اللي في إيدك ده… بدل ما أفرتك دماغك.

لم يلتفت شاهين.
ولم يخفف سرعته.

بل استمرت السيارة تشق الطريق بجنون.
وشد قبضته أكثر على زجاجة المصل.

حتى كادت تتحطم بين أصابعه.
ثم قال بصوت منخفض مخيف:
إنت شكلك جديد عليا.

ساد الصمت لثانية.
فأكمل شاهين وعيناه مثبتتان على الطريق:
عشان لو تعرف شاهين المهدي… هتعرف إن السلاح ده يخوف اللي عايز يعيش.

ابتسم ابتسامة باردة لم تصل إلى عينيه.
وأنا من ساعة ما شوفت مراتي بين الحياة والموت… مبقتش فارقة معايا.

ضغط الرجل على الزناد قليلًا حتى التصقت الفوهة أكثر برأسه.

وهدر: قولك هات المصل!

هنا فقط…
تحولت ملامح شاهين إلى شيء آخر.
شيء أكثر ظلمة.
وأكثر رعب…

وقال من بين أسنانه المطبقة:
قسما باللي خلق جهنم … قبل ما الرصاصة تخرج من سلاحك هكون مكسر رقبتك بإيديا.

ثم أضاف بصوت ميت جعل الهواء داخل السيارة يتجمد:
المصل ده بيني وبين روح حور…
واللي يمد إيده عليه يبقى حكم على نفسه بالموت.
وووووو

ساحره القلم ساره احمد

4 145 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
208 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
ضيف
ضيف
1 شهر

البارت رووووووووعة ياسارة تسلم ايدك وعنيكي❤❤❤❤

ندي
ندي
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي ياقلبي ♥

ضيف
ضيف
1 شهر

عظمه ياحبيبتي❤❤❤

ندي
ندي
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر

هناء
هناء
1 شهر

تسلم ايدك

ندي
ندي
1 شهر
ردّ على  هناء

تسلمي يا قمر ♥

Mero❤️
Mero❤️
1 شهر

روعة تسلم ايدك ياقلبي ♥️

ندي
ندي
1 شهر
ردّ على  Mero❤️

تسلمي ياقلبي ♥

Nedaa
Nedaa
1 شهر

تسلم الايادي تحفة

ندي
ندي
1 شهر
ردّ على  Nedaa

عيونك تسلمي يا قمر ❤

ضيف
ضيف
1 شهر

روووووووعة

ندي
ندي
1 شهر
ردّ على  ضيف

عيونك تسلمي يا قمر

Amira osama
Amira osama
1 شهر

تحفة بجد ♥♥♥♥🎀

ندي
ندي
1 شهر
ردّ على  Amira osama

عيونك تسلمي يا قمر

ضيف
ضيف
1 شهر

تحفففه

ندي
ندي
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر

كاميليا على
كاميليا على
1 شهر

حبيبى با شنو

ندي
ندي
1 شهر
ردّ على  كاميليا على

❤❤❤❤

كاميليا على
كاميليا على
1 شهر

ايه الجمال ده

ندي
ندي
1 شهر
ردّ على  كاميليا على

تسلمي ياقلبي ♥

ضيف
ضيف
1 شهر

يارب متوجه قلم شيمو عليها

Salma Mohamed
Salma Mohamed
1 شهر

تسلم ايدك تحفه ❤️

ندي
ندي
1 شهر
ردّ على  Salma Mohamed

تسلمي ياقلبي ♥

مروة البحيرى
مروة البحيرى
1 شهر

رووووووووعة

ندي
ندي
1 شهر

عيونك تسلمي يا قمر

مروة البحيرى
مروة البحيرى
1 شهر

تسلم ايدك ياقمر

ندي
ندي
1 شهر

تسلمي يا سكره

Noor
Noor
1 شهر

الفصل روعه تسلم ايدك

ندي
ندي
1 شهر
ردّ على  Noor

تسلمي يا قمر

ضيف
ضيف
1 شهر

تحفه تسلمي يا قلبي

ندي
ندي
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي يا سكره

ضيف
ضيف
1 شهر

تحففففه

ندي
ندي
1 شهر
ردّ على  ضيف

عيونك تسلمي يا قمر

أم زياد
أم زياد
1 شهر

تحفه تحفه تسلم ايدك يا سوسو

ندي
ندي
1 شهر
ردّ على  أم زياد

تسلمي يا قمر

ضيف
ضيف
1 شهر

تسلم ايدك روووووعه ياحبيبتي

ندي
ندي
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر

ضيف
ضيف
1 شهر

روعه

ندي
ندي
1 شهر
ردّ على  ضيف

عيونك تسلمي يا قمر

ضيف
ضيف
1 شهر

تحفة يا سارة بجد💗

ندي
ندي
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي ياقلبي ♥

Ethar Ahmed
Ethar Ahmed
1 شهر

🤍🤍🤍🤍🤍

ندي
ندي
1 شهر
ردّ على  Ethar Ahmed

❤ ❤ ❤ ❤

ضيف
ضيف
1 شهر

تحفه تسلم ايدك حبيبتي

ندي
ندي
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي ياقلبي ♥

ضيف
ضيف
1 شهر

تحفه 😍

ندي
ندي
1 شهر
ردّ على  ضيف

عيونك تسلمي ياقلبي ♥

ملك
ملك
1 شهر

تسلم ايدك ي قلبي

ندي
ندي
1 شهر
ردّ على  ملك

تسلمي يا سكره

ضيف
ضيف
1 شهر

ياتري مين حط السم لحور مش متهيااي شهد هي نهال مشتنين سردك وحكاويك ياحبيبتي تسلم ايدك

ندي
ندي
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر

ضيف
ضيف
1 شهر

اكتر من رائع استمري الله الموفق

ندي
ندي
1 شهر
ردّ على  ضيف

حبيبتي تسلمي

ضيف
ضيف
1 شهر

روعه بس متتاخريش عليناا

ندي
ندي
1 شهر
ردّ على  ضيف

ان شاء الله ي قمر

ضيف
ضيف
1 شهر

جميل

ندي
ندي
1 شهر
ردّ على  ضيف

عيونك تسلمي يا قمر

Sama
Sama
1 شهر

تسلم ايدك ي حبيبتي ❤️❤️

ندي
ندي
1 شهر
ردّ على  Sama

تسلمي ي قلبي ❤

ضيف
ضيف
1 شهر

اكتر من رائع تسلم ايدك

ندي
ندي
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي ياقلبي ♥

ضيف
ضيف
1 شهر

اى التشويق ده يا رب الفصل اللى حاى ينزل بسرعه

ندي
ندي
1 شهر
ردّ على  ضيف

ان شاء الله ي قمر

Rody galal
Rody galal
1 شهر

تسلم ايدك يا سو جميل كالعادة

ندي
ندي
1 شهر
ردّ على  Rody galal

عيونك ي قمر من ذوقك ❤

Mrmrتحفه جدآ
Mrmrتحفه جدآ
1 شهر

تحفه

ندي
ندي
1 شهر
ردّ على  Mrmrتحفه جدآ

عيونك تسلمي يا قمر

ضيف
ضيف
1 شهر

بجد روعة

ندي
ندي
1 شهر
ردّ على  ضيف

عيونك تسلمي يا قمر

Hope
Hope
1 شهر

تحفه يا سوو كالعاده تسلم ايدك

ندي
ندي
1 شهر
ردّ على  Hope

تسلمي ياقلبي ♥

اية عبدالرحمن
اية عبدالرحمن
1 شهر

روووووعة تسلمي

ندي
ندي
1 شهر

تسلمي ياقلبي ♥

ضيف
ضيف
1 شهر

تحفه فصل فظيع

ندي
ندي
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر

حبيبه
حبيبه
1 شهر

روعة

ندي
ندي
1 شهر
ردّ على  حبيبه

عيونك تسلمي ياقلبي

ضيف
ضيف
1 شهر

تحفه تحفه بصراحه تسلم ايدك ❤️❤️

ندي
ندي
1 شهر
ردّ على  ضيف

عيونك تسلمي يا قمر

ضيف
ضيف
1 شهر

أحلى سو في الدنيا

ندي
ندي
1 شهر
ردّ على  ضيف

تسلمي ياقلبي ♥

اميره
اميره
1 شهر

اكتر من روعه

ضيف
ضيف
1 شهر

تحفه تحفه البارت حاجه عظمه والله

ضيف
ضيف
1 شهر

تسلم ايدك ياسارة استمري

ضيف
ضيف
1 شهر

تحفة 🥰

ضيف
ضيف
1 شهر

شااابوووووو البارت تحفه بجد

Farah Rezk
Farah Rezk
1 شهر

رررررررروووووعه تسلم ايدك يا قمر

hayat
hayat
1 شهر

روووووووعه بجد تسلم ايدك ❤️ ❤️

ضيف
ضيف
1 شهر

البارت تحفة بجد تسلم ايدك يا قمر

ضيف
ضيف
1 شهر

تحفه تسلم ايدك 🌹