ييبب
ملكي وكفي

ملكي وكفي (الفصل الخامس عشر)

ملكي وكفي (الفصل الخامس عشر)

القلب حين يعشق… لا يدخل التجربة كما يخرج منها.
يظن أنه يقترب من حياةٍ أوسع، فإذا به يكتشف أنه دخل منطقة لا تشبه الحياة ولا الموت، بل شيء بينهما… اسمه الخوف.

يحب القلب بصدقٍ أعمى، حتى يصبح الآخر جزءًا من تكوينه، لا مجرد شخصٍ في خارجه.
وعندها فقط يبدأ الرعب الحقيقي… رعب الفقد، حين يتسلل الاحتمال البارد: ماذا لو غاب؟ ماذا لو انطفأ كل هذا فجأة؟

العين لا تبكي كأي عينٍ عادية…
بل تتحول إلى ذاكرةٍ مفتوحة على الألم، تحفظ الملامح كأنها تخشى ضياعها في أي لحظة.
كل دمعة ليست انفعالًا عابرًا، بل اعتراف صامت بأن شيئًا ثمينًا يوشك أن يُنتزع.

واللسان حين ينطق باسمها…
لا ينطقه ككلمة، بل كنجدةٍ متأخرة، كأن الحروف نفسها تحاول أن تُبقي ما لا يمكن إبقاؤه.
ثم يتراجع عاجزًا، لأن اللغة دائمًا أقل من حجم الفقد.

هناك نوع من العشق لا يُشبه الطمأنينة…
بل يشبه الوقوف على حافة شيءٍ جميل جدًا، جميل لدرجة أنه مخيف.
كل لحظة قرب تحمل في داخلها احتمال الانكسار، وكأن السعادة نفسها تحمل ظلّ الحزن داخلها منذ البداية.

الرعب الحقيقي لا يأتي مع الرحيل…
بل يأتي قبل الرحيل، حين يدرك القلب أن ما يحبه ليس مضمونًا، وأن كل ما يراه ثابتًا قد يتحول في لحظة إلى غياب.

وعندها يتغير كل شيء…
تصبح التفاصيل الصغيرة علامات إنذار، ويصبح الصوت وعدًا مؤقتًا، ويصبح الحضور نفسه احتمالًا قابلًا للكسر.

القلب يحب… لكنه يحب وهو يلتفت خلفه.
والعين تبتسم… لكنها تبتسم وهي تخاف أن يكون هذا آخر ما تراه.
والروح تتعلق… وهي تعرف سرًّا مريرًا: أن كل ما يُحب بعمق، يترك احتمال وجعٍ أعمق.

ذلك هو العشق حين يختلط برعب الفقد…
ليس قصة حبٍ بسيطة، بل مواجهةٌ هادئة بين القلب واحتمال أن يخسر ما صار معنى وجوده نفسه.

البارت ١٥
ثم أضاف بصوت ميت بارد، كأن الكلمات تخرج من قبر مفتوح لا من فم رجل حي:
المصل ده بيني وبين روح حور…
واللي يمد إيده عليه يبقى حكم على نفسه بالموت.

أنهى شاهين جملته وهو يضم كفه فوق موضع المصل داخل جيب سترته الداخلي، قريبًا من قلبه، كأن الزجاجة الصغيرة لم تعد دواء فحسب، بل أصبحت النبض الأخير الذي يربطه بحور…

ثم تحركت يداه فجأة.
بحركة خاطفة، مباشرة، ومدروسة بعناية رجل اعتاد القتال أكثر مما اعتاد الكلام…

لف ذراعه إلى الخلف وقبض على الرسغ الذي يحمل السلاح بعنف هائل.
صدر صوت طرقعة حادة داخل السيارة.

صرخة مكتومة تبعتها شهقة ألم، وانفلت المسدس من يد صاحبه ليسقط…

لكن شاهين كان أسرع.
التقط السلاح بيده الأخرى في اللحظة نفسها، ثم استدار كالعاصفة وأشهره مباشرة في وجه الرجل الجالس خلفه.
هدر بصوت قاسي مزق صمت السيارة:
إنت مين يا ابن الـمـ….

لكن الكلمات توقفت.
فالرجل المقابل لم يبد مذعور كما توقع.

تراجع بجسده مستند إلى المقعد الخلفي، وفي تلك اللحظة انسكب ضوء أحد أعمدة الطريق عبر النافذة، فكشف ملامحه بوضوح.

و هنا عرفه شاهين.

شقت ابتسامة باردة وجهه…ابتسامة تعرف أكثر مما ينبغي…وقال بهدوء مستفز:
طيب ليه الغلط ده؟ لو تعرف أنا جايلك في إيه…
هتضرب نفسك بالجزمة عشان شتمتني.

اشتدت قبضة شاهين على المسدس.
وصدر صوت معدني قاسي حين سحب أجزاءه استعداد لإطلاق النار.

ارتجف الهواء داخل السيارة.
أما عيناه فكانتا جمرتين مشتعلة بالغضب الأسود.
هدر من بين أسنانه:
الوسخ هيفضل وسخ….
هو فاكر لما يبعتك ورايا هتعرف تاخد المصل مني؟
ده بموتك إنت وهو.

وما إن أنهى كلماته حتى ضغط الزناد.
دوى صوت الرصاصة داخل السيارة كقنبلة صغيرة.

انحنى الرجل في اللحظة الأخيرة.
مرت الرصاصة بمحاذاة رأسه لتستقر في ظهر المقعد مخلفة ثقب أسود ودخان خفيف..

انتفض الرجل ثم اعتدل ببطء.
نظر إلى مكان الرصاصة.
ثم إلى شاهين.
ثم عاد ينظر إلى مكان الرصاصة مرة أخرى كأنه يتأكد أنه ما زال حيا..

كان شاهين ما يزال ممسك بالمسدس.

ذراعه ثابتة.
ملامحه جامدة.
وعيناه لا تعرفان التردد.

كأن الغضب نحت على وجهه نحت..

ابتلع عزيز لعابه بصعوبة…

فهو يعرف شاهين جيدًا…
ويعرف أن هذا الرجل لم يعد في الحالة التي تسمح له بالتفكير أو الحساب.

هذا رجل يقف على حافة الجنون، وقلب زوجته معلق بين الحياة والموت.

رفع عزيز يديه ساخر وقال:
إيه يا جدع الغباء ده؟ أنا أول مرة أشوف معلم حمار بالشكل ده.

ثم أشار إلى نفسه بإصبعه وأكمل بضيق:
هو أنا لو عايز أخد منك المصل هستخبى في عربيتك ليه؟ عشان أخضك؟

مال للأمام قليلًا وحدق مباشرة في عيني شاهين :
دانا لو عايز آخده منك… كنت جيتلك وش في وش، وكنت هاخده برضه.

اندفع شاهين نحوه كالإعصار.

في لحظة واحدة كانت قبضته قد انغلقت حول عنق عزيز، وضغطت عليه بعنف كاد يحطم عظامه، بينما اشتعلت عيناه بغضب أسود لا يعرف الرحمة.

هدر من بين أسنانه المطبقة:
إنت فاكر نفسك مين يا ابن المرة؟! دانا أشرب من دم أمك وأدوسك تحت رجلي ولا يرفلي جفن!

لكن عزيز لم يتراجع.

لم يظهر على وجهه خوف، ولم تهتز نظراته.

بل رفع يده وأمسك بمعصم شاهين، ثم نظر مباشرةً داخل عينيه بثبات غريب يثير الريبة أكثر مما يثير الطمأنينة.

وقال بصوت حاد:
وأنا عاذرك… مع إن ليا حق عندك… وحقي ده أنا عارف إنك هتدهولي… وهتجيلي برجليك كمان.

قطب شاهين حاجبيه بغضب أشد، لكن عزيز كان قد أخرج شيئًا من جيبه بالفعل.

زجاجة صغيرة…
شفافة…
يتراقص بداخلها سائل عديم اللون.

مدها نحوه وهو يقول بلهجة صارمة:
خد… ده المصل الحقيقي المضاد للسم اللي ابن الـ*** إداه لمراتك.

توقف الزمن.
هكذا شعر شاهين.

كأن أحدهم انتزع الهواء من صدره دفعة واحدة.

هبطت عيناه على الزجاجة.

ثم عادت إلى وجه عزيز.

ثم إلى الزجاجة مرة أخرى.

غير قادر على استيعاب ما يسمعه.

قبض عزيز على كفه بالقوة ووضع الزجاجة داخله قبل أن يقول: ومن غير مقابل.

ثم أضاف بنبرة غامضة خشنة:
بس خلي بالك من اللي اسمه سعد…
سلام يا معلم…

تجمد شاهين في مكانه.
أما عزيز ففتح باب السيارة وترجل منها بهدوء.

وأغلق الباب خلفه.

وبقي شاهين جالس خلف المقود كأنه سقط فجأة في بئر بلا قاع.

المصل الحقيقي؟

ولماذا يساعده عزيز؟

أسئلة كانت تتكاثر داخل رأسه كالنار في الهشيم.

وفجأة…

انتفض على صوت عزيز من الخارج.

رفع رأسه ليجده قد عاد مرة أخرى ومد يده من نافذة السيارة المفتوحة.

وفي لحظة سحب المسدس من يد شاهين بخفة أدهشته.

ثم هتف بنزق مصطنع:
بتاعي ده… هات يا أبو عمو!

رفع المسدس في الهواء ولوح به قبل أن يكمل:
خليك سرحان كده وسيب البت في المستشفى تروح منك! اتحرك يالا!

اتسعت عينا شاهين بذهول ممزوج بالغضب.

ودفع باب السيارة بعنف وهو يهم بالنزول.

لكن عزيز كان قد انطلق راكض بالفعل.

ابتعد عدة أمتار وهو يلوح بيده ساخرًا.

فزفر شاهين بعنف وهدر: إيه ابن الكلب ده؟!

ثم قبض على المقود بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعه.

ونظر إلى الزجاجة الصغيرة المستقرة في كفه.

إلى الأمل الأخير الذي قد يعيد حور إليه.

فداس على دواسة الوقود بكل ما يملك.

وانطلقت السيارة كرصاصة مجنونة تشق ظلام الليل.

بينما لم يكن داخل رأس شاهين سوى فكرة واحدة…

حور يجب أن تعيش.
…..
أمام المستشفى…

انفتحت أبواب السيارة بعنف كاد يقتلعها من مكانها.

وترجل شاهين منها كإعصار منفلت، لا يرى أمامه سوى هدف واحد، ولا يسمع سوى صوت الأجهزة التي تحاصر حور خلف أبواب العناية المركزة.

كان يركض بخطوات واسعة متوحشة، يقطع الممرات كأن الموت يطارده من الخلف.

مر من أمام الجميع دون أن يشعر بأحد.

دون أن يرى الوجوه الشاحبة.

دون أن يسمع النداءات.

دون أن يلتفت حتى.

فقط يركض…

كأن روح حور معلقة في آخر ذلك الممر.

انتفض أحمد واقف فور رؤيته.

ونهض زكريا إلى جواره.

بينما اعتدل يونس وياسين في جلستهما بقلق حاد.

نظر أحمد نحو باب العناية قبل أن يلتفت إليهما ويقول بصوت صارم لا يقبل النقاش:
متتحركوش من قدام الأوضة دي…
ولو جه للمستشفى قرار إزالة فاهمين؟

أومأ يونس فورًا وقال: متقلقش يا عمي.

ثم انطلق أحمد وزكريا خلف شاهين بخطوات سريعة.

في الجهة الأخرى…

وصل شاهين إلى غرفة آسر.
ودفع الباب بعنف ارتطم بالجدار.

فرفع آسر رأسه بصدمة.

لكن شاهين لم يمنحه فرصة للكلام.

أخرج زجاجتي المصل وألقاهما فوق المكتب دفعة واحدة.

ثم هدر بصوت أجش مشحون بالجنون:
عايز تحليل للمصلات دي حالًا… حالًا يا آسر!
عايز أعرف أنهي واحد فيهم ينفع لمراتي!

قطب آسر حاجبيه بدهشة وهو يلتقط إحدى الزجاجتين.

لكن قبل أن ينطق…

جاء صوت أحمد من خلف الباب كالرعد:
جبت المصلات دي منين يا شاهين؟… وإزاي؟

التفت شاهين ببطء.

كانت عيناه محتقنتين بالسهر والغضب والقهر.

عينا رجل لم يعد يملك شيئًا يخسره.

وقف أحمد أمامه مباشرة.
وخلفه زكريا يراقب بصمت ثقيل.

اقترب أحمد خطوة أخرى.

ثم قال بصوت متحشرج من الألم:
الخلاص ده معناه إنك جبتهم بطريق مش طريقك يا ابن عمري…

ساد الصمت.

صمت ثقيل كالرصاص.

بينما ظل شاهين ينظر إليه للحظات.

ثم ابتلع تلك الغصة التي تكاد تخنقه.

وأجاب بصوت ثابت على نحو يثير الوجع أكثر مما يثير الطمأنينة: جبتهم على رقبتي.

ارتجفت ملامح أحمد.
أما زكريا فاشتدت عضلات فكه وهو يحدق في ابن عمه.

وكان كل واحد منهما يدرك أن شاهين لم يقصد الكلمات مجازا…بل كان يقصدها حرفيا…

لقد دفع ثمن هذين المصلين من روحه.
وربما لم يكن الثمن قد انتهى بعد.

في لحظة خاطفة…

انقض أحمد عليه.

قبض على ياقة سترته بكلتا يديه وهزه بعنف حتى ارتطم ظهر شاهين بحافة المكتب.

كانت عيناه محمرتين من السهر والبكاء والرعب، وصوته يخرج من صدر أب يقف على حافة الانهيار.

هدر: يعني إيه؟! عملت إيه يا شاهين؟! انطق!

هزه مرة أخرى بعنف :  أوعى تكون بتنقذ بنتي على حساب حياتك! أوعى تكون هتعيشها باقي عمرها مقهورة بسببك! انطق عملت إيه؟!

ارتجفت عضلات فك شاهين لكنه لم يرد.

وفي تلك اللحظة نهض آسر من مكانه بعصبية وقال بحدة: كفاية!

التفت الجميع إليه.

وأشار إلى زجاجات المصل فوق المكتب وهتف:
نشوف المصلات الأول… كل دقيقة بنتأخر فيها بتتخصم من عمر حور…. وبعدها ابقوا اتخانقوا براحتكم.

لم ينتظر رد…
خطف الزجاجات وتحرك مسرع خارج الغرفة.

وبمجرد أن أغلق الباب خلفه…
عاد الصمت الثقيل يهبط فوق المكان.

دفع أحمد شاهين في صدره بقوة.
فسقط الأخير على الكرسي خلفه.

ثم أشار إليه بإصبعه وقال بصوت متحشرج من القهر:
وإحنا بقى مش هنخرج من هنا غير لما أفهم…
إيه اللي حصل بالظبط؟!

رفع شاهين رأسه ببطء.
كانت ملامحه منهكة، وعيناه غارقتين في سواد ثقيل.

لكنه رغم ذلك بدا ثابت بصورة مخيفة.

وأومأ برأسه أخيرًا.
ثم قال بهدوء جعل قلب أحمد ينقبض:
هقولكم كل حاجة.

ساد الصمت.
فأكمل شاهين وهو يمرر كفه على وجهه المرهق:
بس في الآخر… أنا هعمل اللي في دماغي.

رفع عينيه نحو أحمد مباشرة.
ثم نحو زكريا.

وأردف بصوت أجش يحمل إصرار عنيد :
ومحدش فيكم هيعرف يوقفني.

تبادل أحمد وزكريا النظرات.
نظرات ممتلئة بالريبة والقلق.

فهما يعرفان شاهين جيدًا.
ويعرفان أن هذه النبرة لا تظهر إلا عندما يكون قد اتخذ قرار لا رجعة فيه.

قرار مستعد أن يحترق بسببه وحده…
دون أن يسمح لأحد أن يشاركه ثمنه.

ولذلك…
التفتا إليه في الوقت نفسه.
بينما ازدادت دقات القلق داخل صدريهما.

وكان كل منهما يشعر أن ما سيقوله شاهين الآن…

لن يغير هذه الليلة فقط.
بل ربما يغير مصيرهم جميعًا.

……….
مر وقت طويل…

وقت بدا وكأنه دهر كامل على القلوب المعلقة خلف باب العناية المركزة.

ثم انفتح باب غرفة آسر أخيرًا.

وخرج أحمد.
لكن لم يكن الرجل ذاته الذي دخل منذ ساعة.

كان وجهه متجهم إلى حد مخيف، ملامحه قاسية كالصخر، وعيناه تشتعلان بغضب أسود مكتوم يكاد يحرق كل ما يقترب منه.

وخلفه خرج زكريا.
أما شاهين فكان أشدهم رعب…
كان الصمت الذي يلفه أخطر من أي صراخ.

وكأن شيئًا بداخله قد انكسر… وشيئًا آخر أكثر ظلمة قد استيقظ.

تحرك أحمد مباشرة نحو غرفة العناية المركزة.

ثم وقف أمام الجميع شامخ رغم الانهاك الذي ينهش روحه.

وقال بصوت ثابت:
الحمد لله… حور حالتها مستقرة.

انطلقت الأنفاس المحتبسة دفعة واحدة.

لكن أحمد أكمل بحزم:
روحوا إنتوا البيت… أنا وشاهين هنفضل جنبها.

انتفضت شهد من مكانها فورًا.
وهزت رأسها بعنف بينما الدموع تنحدر على وجنتيها بلا توقف.

وقالت بصوت مرتجف:  لا يا أحمد… لا.

وضعت يدها فوق صدرها وكأنها تحاول تهدئة قلبها المذعور : أنا مش هسيب بنتي… لو روحت ممكن يجرالي حاجة والله… قلبي مش ناقص أكتر من كده.

نهضت فوزية بدورها وهي تمسح دموعها بطرف عباءتها وقالت بضيق:
ولا أنا هقدر أقعد في البيت والبت في الإنعاش… هو مين هيجيلي نوم ولا راحة بال؟

تبادل أحمد وشاهين النظرات.
ثم أشار شاهين برأسه نحو يونس.

ففهم الأخير ما يريده فورًا.
اقترب من والدته وقبل رأسها بحنو وقال:
مينفعش يا ياما.

ثم أشار نحو جارحي وثنية والبنات :
خالي ومراته والبنات ضيوف وجايين من سفر…
لازم حد يبقى معاهم.

ارتجفت شفتا فوزية.
وانزلقت دمعة حارة على وجنتها.

ثم هزت رأسها على مضض.
ورفعت إصبعها مهددة وهي تقول:
بس لما أعوز أطمن على البت وأرن على حد فيكم… تردوا عليا. متوجعوش قلبي أكتر من كده.

أومأ أحمد برأسه قائلًا:متقلقيش… هنرد.

ثم التفت نحو يونس وياسين :
يلا… خدوا الكل على البيت.

أومأ ياسين وتحرك أولًا.
فتحرك خلفه جارحي وسيد…ثم ثنية.

وشموع التي كانت تسير بصمت ثقيل وعيناها معلقتان بباب العناية.

وخلفها أنين التي بدت شاحبة كأنها فقدت أحد أفراد أسرتها.

ثم فوزية أخيرًا بصحبة يونس.

واحدة تلو الأخرى…
ابتعدت الخطوات.
وخفتت الأصوات.

حتى خلا الممر الطويل إلا من أربعة أشخاص.

شاهين…

وأحمد…

وشهد…

وزكريا.

وقفوا أمام باب العناية المركزة في صمت موجع.
بينما كانت أرواحهم جميعًا حبيسة هناك…

خلف ذلك الزجاج البارد…
حيث ترقد حور بين الأجهزة والأسلاك.
كأن قلبها الصغير أصبح القلب الذي يتنفسون جميعًا من خلاله.

…….

حل الصباح على منزل المهدي…

لكنه لم يحمل معه ضوء ولا حياة.

كان البيت الذي اعتاد الضحكات العالية، والمشاكسات التي تملأ الأركان، والزغاريد التي كانت بالأمس تسبق الأنفاس، غارق الآن في صمت ثقيل كالكفن.

صمت يوحي بأن الحزن جلس في قلب الدار ورفض الرحيل.

جلست فوزية على الأريكة شاحبة الوجه، بعينين متورمتين من فرط البكاء.

وبجوارها كانت أنين تنزع اللاصقة الصغيرة الخاصة بجهاز قياس الضغط عن ذراعها بحذر، ثم قالت بصوت اختنق بالدموع:
لازمن تاكلي وتاخدي العلاچ يا عمه…
ضغطك عالي جوي.

مسحت فوزية دموعها بطرف عباءتها.

ثم وضعت كفها المرتجف فوق جبهتها وهمست بصوتٍد مبحوح موجوع:
أعمل إيه بس يا بنتي… وأنا شايفة الواد والبت اللي كان نفسي أفرح بيهم حالهم اتشندل كده؟

وما إن أنهت كلماتها حتى انهار ما تبقى من صبرها.

فانفجر البكاء من صدرها موجع، حارق، يشق القلوب قبل الآذان.

وغمغمت بين شهقاتها:
كان مستخبي لك ده كله فين يا ضنايا… الواد هيموت بحسرته لو حور…

لكن ثنية قاطعتها فورًا.
مدت يدها بقرص الدواء وقالت بلهجة حازمة رغم ارتجاف صوتها:
تفي من خشمك يا خيتي.

ثم أشارت بيدها حولها كأنها تطرد الشر بعيدًا :
الشر بره وبعيد بعيد عن البيت وأصحابه والوش اللي مجبلني.

وربتت على يد شقيقه زوجها بحنان وأضافت:
اشربي الحباية عشان الضغط يندلي شوية.

أومأت فوزية بصمت.
ثم تناولت الدواء ووضعته في فمها وارتشفت قليلًا من الماء.

وفي تلك اللحظة…
خرجت شموع من المطبخ.

كانت تحمل عدة أطباق وضعت عليها شطائر أعدتها على عجل.

اقتربت منهما وقالت برفق:
يلا كلي يا عمتي… عشان تقدري تصنبي طولك.

رفعت فوزية رأسها ببطء.
ونظرت إليها بعينين غارقتين في الحزن.

ثم قالت: ودي يا بنتي فطار لأبوكي وأخوكي…
وكمان يونس وياسين.

وتنهدت بحرقة أوجعت من حولها :
خليهم يقدروا يصنبوا طولهم مع أخوهم.

ربتت ثنية على ساقها وقالت مطمئنة:
متشيليش همهم يا خيتي… أنا عملت الوكل والبنات هيودوه.

ثم التفتت إلى شموع.
وأخذت أحد الأطباق ووضعت عليه بعض الشطائر قبل أن تمده إليها قائلة:
وديه لي يونس يا بتي… جاعد في البلكونة.

أومأت شموع برأسها.
والتقطت الطبق بهدوء.

ثم نهضت متجهة نحو الشرفة وهي تقول:
حاضر يا ما.

وتركت خلفها غرفة امتلأت برائحة الدواء…

والدعوات…

والخوف الذي لم يغادر أحدًا منذ أن سقطت حور بين الحياة والموت.

لكنها ما إن وقفت عند باب  الشرفه حتى تجمدت في مكانها.

كان يونس جالس على المقعد الخشبي، منحني الظهر قليلًا، واضع كفه فوق جبهته وكأنه يحمل فوق رأسه هموم الدنيا كلها.

ولأول مرة…

رأته يبكي.

دموع صامتة ثقيلة تنحدر على وجه الرجل الذي بدا دائمًا أصلب من أن ينكسر أمام أحد.

اتسعت عيناها بعدم استيعاب.
وشعرت بغصة حادة ترتفع إلى حلقها.

لكن الغصة تحولت سريعًا إلى حنق عندما رأته يرفع يده الأخرى ويأخذ نفس طويل من سيجارته.

ثم نفث الدخان أمامه في سحابة كثيفة.

اقتربت منه بخطوات سريعة وهتفت بحدة:
سجاير على الريق؟! وانت من امبارح على لحم بطنك! انت اتجننت يا يونس؟

رفع يونس رأسه ببطء.
ونظر إليها.
نظرة غريبة…
لم تستطع شموع تفسيرها.

لم تكن النظرة الساخرة المعتادة.
ولا النظرة المستفزة التي اعتادت أن تراها منه.
بل كانت نظرة هادئة… حانية… مرهقة.

نظرة رجل سقطت عنه كل أقنعته دفعة واحدة.

ولأول مرة…
لم يحاول أن يخفي دموعه أمامها.
ولا ضعفه.
ولا عجزه.

تنهد ببطء وقال بصوت مبحوح:
حاسس إني قليل الحيلة أوي يا شموع.

ارتجف قلبها.
وانزلقت دمعة على وجنتها دون أن تشعر.

ثم قالت بصوت مختنق:
وحد الله يا يونس… إن شاء الله هتقوم بالسلامة وهيتجوزوا ويفرحوا. أنا قلبي حاسس والله إنها هتقوم… وقلبي عمره ما ضحك عليا.

ألقى يونس عقب السيجارة بعيدًا.

ثم مرر يده على وجهه المرهق وقال:
لا آله الا الله يا شموع…

وصمت لحظة قبل أن يضيف:
مش عارف ليه الفرح عزيز على البيت ده.

ارتجف صوته وهو يتابع:
نتي مش متخيلة هما صبروا وتعبوا قد إيه عشان يوصلوا لبعض.

وأغمض عينيه لحظة وأكمل :
أنا كنت فرحان لشاهين… كأني أنا اللي هتجوز حبيبتي.

رمشت شموع عدة مرات.
ونظرت إليه بدهشة صادقة.
كانت تحاول فهم ذلك النوع من المحبة.

ذلك التعلق الذي يجعل ألم الآخر يبدو وكأنه ألمك أنت.

فمدت إليه الشطيرة التي تحملها وقالت بهدوء:
هو انت بتحبهم أوي كده؟

ابتسم يونس ابتسامة باهتة.
لكن دمعة ثقيلة سبقت ابتسامته وانزلقت على وجنته.

وقال بصوت أجش: شاهين مش أخويا يا شموع…

ثم هز رأسه ببطء وتابع :  شاهين أبويا.

رفعت رأسها إليه بدهشة.

اوما يونس وأكمل: ضحى بتعليمه وعمره كله عشان يعلمنا ويكبرنا.

وزفر بحرقة وغمغم بصوت متحشرج موجوع:
ربنا يخلي عم أحمد… بس شاهين حاجة تانية.

وسكت لحظة يستعيد ذكرياته.

ثم تابع: حتى لما جيت أتجوز المخفية طليقتي…
مقلش أنا الكبير ولازم أتجوز الأول.

ضحك بمرارة. وتمتم :  بالعكس وقف جنبي وساعدني… وكان فرحانلي زي الأب لما يفرح بابنه.

وأطرق رأسه هامس :
رغم إنه مكنش راضي بيها… وحذرني منها ألف مرة.

امتلأت عينا شموع بالدموع.
فرفعت يدها الصغيرة وربتت على منكبه العريض بحنو صامت.

ثم قالت : صلي على النبي يا يونس…

وأشارت إلى الطعام ، وغمغمت بدموع : 
وكل عشان خاطري… وعشان تقدر تقف جنب شاهين في أزمته.

خفض يونس بصره نحو يدها المستقرة فوق منكبه.
وظل ينظر إليها لثواني طويلة.

ثم مد يده ببطء.
وأمسك كفها الصغير بين يديه.

ورفعه إلى شفتيه…
وقبله برفق.
قبلة لم تحمل حب فقط…

بقدر ما حملت امتنان عميق لرقة كان يحتاجها في تلك اللحظة أكثر من أي شيء.

وهمس: عليه الصلاة والسلام…

ثم ابتسم ابتسامة حزينة وأضاف:
ربنا يخليكي ليا يا شموع.

اشتعل وجه شموع بالخجل فجأة.
وسحبت يدها بسرعة وكأن لمسة أصابعه أحرقت كفها.

ثم تراجعت للخلف وهي تتهرب من النظر إليه.

وقالت مرتبكة: هشوف عمتي… يمكن تكون بتنادي عليا.

واستدارت على عجل.
وغادرت الشرفة بخطوات متسارعة.

أما يونس…
فظل جالس مكانه….يتابع أثرها بعينيه.
وفي قلبه شيء دافئ صغير…

نجح للحظة واحدة فقط…
أن يخفف وطأة الحزن الجاثم فوق صدره.

بينما بقيت ابتسامة شاحبة وحزينة معلقة على شفتيه…
كأنها آخر ما تبقى من نور في يوم امتلأ بالعتمة.

………

على سطح المنزل…

كانت السماء ملبدة بغيوم باهتة، والشمس تقف خلفها شاحبة كأنها هي الأخرى أصابها ما أصاب أهل هذا البيت من حزن وانطفاء.

صعدت أنين الدرج بخطوات بطيئة، تحمل بين يديها طبق صغير عليه شطيرة وكوب شاي تصاعد منه بخار خفيف.

كانت تتحرك بحذر، كأن الصمت الذي خيم على المنزل منذ الأمس صار شيئًا مادي تخشى أن تكسره.

وحين وصلت إلى السطح…

توقفت.

كان ياسين يقف بالقرب من السور، مولي لها ظهره، يتحدث عبر الهاتف بصوت خافت.

مسح على مؤخرة رأسه بإرهاق وقال:
خلاص… هكون بالليل مخلص كل حاجة.

صمت لثواني.

ثم أردف بنبرة أثقل: دماغ سم… أنا عارف.

وسكت لحظة أخرى قبل أن يقول:
ماشي… سلام.

أغلق الهاتف…وبقي واقف مكانه.
كأن الحمل فوق كتفيه أثقل من أن يسمح له بالحركة.

اقتربت أنين منه بخطوات مترددة وهمست:
ياسين…

التفت بجسده كله.
ونظر إليها بدهشة امتزجت بحزن عميق لم يحاول إخفاءه هذه المرة.

ثم قال: تعالي.

وتأمل وجهها لحظة قبل أن يسأل: انتي كويسة؟

أومأت برأسها في صمت.
ثم تقدمت نحوه ومدت له الطبق قائلة بخفوت:
خد أفطر… انت مكنتش حاچه من عشيه.

نظر إلى الطعام.
ثم هز رأسه بالنفي.

وغمغم بصوتٍ متحشرج: مش قادر يا أنين…

وزفر ببطء وقال :  أول مرة أحس إن معدتي معقودة كده.

بلعت لعابها بتوتر…وقالت بسرعة:
سلامتك… أچبلك حاچه للمعدة؟ هتريحك؟

هز رأسه مرة أخرى.
ثم أدار وجهه نحو الأفق البعيد.

وكأن النظر إليها أصبح مؤلم أكثر مما يحتمل.

وقال بصوت موجوع خرج من أعماق صدره:
لا…

وسكت لحظة….ثم أكمل:
سيبيني دلوقتي يا أنين… خدي الأكل وانزلي.

رمشت أنين بدهشة.
ونظرت إلى ظهره العريض.

كانت ترى رجل يحاول الوقوف رغم أن التعب والقهر ينهشان روحه.

وكان في انكسار صوته ما جعل قلبها يعتصر دون إرادة منها.

وبدون تفكير….رفعت يدها.
وربتت على منكبه من الخلف برفق.

وهمست بصوت مبحوح يقطر حزن :
الله يعينك على شيلتك يا واد خالي.

أغمض ياسين عينيه فورًا.

وكأن تلك اللمسة البسيطة سرت في جسده كصاعقة مباغتة.

ارتخت عضلات فكه للحظة.
وشعر بشيء دافئ يمر في صدره وسط كل هذا الخراب.

لكنه لم يلتفت.
ولم ينطق.

فقط ظل واقف مكانه بينما كانت خطواتها تبتعد شيئًا فشيئًا نحو باب السطح.

حتى اختفت تمامًا.

عندها فتح عينيه ببطء.
وأخرج هاتفه من جيبه.

ظل يحدق في شاشته للحظات طويلة.
ثم ضغط على أحد الأرقام ورفع الهاتف إلى أذنه.

ولم يعد في وجهه أثر لذلك الضعف الذي كشفه قبل قليل.

بل عادت إليه صلابته المعتادة.

وقال بصوت منخفض حاد: أنا جاي بالليل.

ثم أغلق الخط.
ورفع بصره نحو السماء الرمادية.
بينما كانت عيناه تشتعلان بشيء أخطر من الحزن…
شيء يشبه الوعد.

…….
في ممرات المستشفى الباردة…

خرج آسر من المعمل بخطوات سريعة متوترة، وملامحه وحدها كانت كافية لزرع الخوف في القلوب قبل أن ينطق بحرف واحد.

ما إن وقع بصر أحمد وشاهين عليه حتى انتفضا من مقعديهما في اللحظة نفسها.

نهضا بلهفة موجوعة، كأن أرواحهما هرعت إليه قبل أجسادهما.

وكان شاهين أول من وصل إليه.

نظر في وجهه بعينين محمرتين من السهر والبكاء، ثم هتف بصوت حاد متوتر:  ها؟! إيه الأخبار؟

توقف آسر أمامهما.

وأغمض عينيه لثانية قصيرة قبل أن يهز رأسه بالنفي.

ثم قال بصوت مثقل خيبه أمل والمرارة:
للأسف…

وصمت لحظة وكأن الكلمات تخنقه :  مش مطابق.

انعقد حاجبا أحمد بعنف.

بينما شعر شاهين بأن الأرض مالت تحت قدميه.

وأكمل آسر بوجع:
في حاجة غلط في التركيبة…
لو كانت خدته كان حالتها هتتدهور أكتر.

تجمد شاهين في مكانه.
وانسحب الدم من وجهه دفعة واحدة.

حتى بدا كأن الحياة نفسها غادرت ملامحه.

ترنح خطوة إلى الخلف.
وكاد يسقط.

لكن يد أحمد كانت أسرع.
أمسكه من ذراعه بعنف ومنعه من الانهيار.

ثم نظر إليه بعينين محتقنتين بالغضب والقهر وهدر:
شوفت؟!

وأشار إليه بإصبعه المرتجف :
منابكش! غير حطيت إيدك في الحديد ورقبتك تحت سكينة الطاعون اللي اسمه عابدين!

رفع شاهين رأسه ببطء.
وكان الغضب في عينيه شيئًا مرعب..
شيئًا يشبه النار حين تتحول إلى إعصار.

وكور قبضته حتى ابيضت مفاصل أصابعه وهدر:
ورحمة أبويا…

ثم اقترب خطوة : لأخد روحه على مراحل.

اندفع أحمد نحوه.
وقبض على ياقة سترته بعنف حتى اهتز جسد شاهين تحت قبضته.

وصاح بصوت أجش: بلاش تهور!

هزه مرة أخرى وصاح :  قلتلك لازم نفكر!

ثم انكسر صوته رغم محاولته التماسك :
أنا مش هتحمل أوقع واحد ورا التاني تحت جزمة عابدين والضبع.

لكن شاهين لم يكن يسمع.
أو ربما لم يعد قادر على السمع أصلًا.

نزع نفسه من قبضة أحمد بعنف.
ثم استدار وتحرك نحو غرفة العناية المركزة بخطوات سريعة مضطربة.

ودفع الباب…ودلف إلى الداخل.
كانت حور ما تزال راقدة وسط الأجهزة والأسلاك.

ساكنة…
شاحبة…

كأنها بعيدة عنهم جميعًا في مكان لا يستطيع أحد الوصول إليه.

اقترب من سريرها….وتوقف أمامها….وظل ينظر إليها طويلًا.

نظرة رجل هُزم أمام خوفه للمرة الأولى.
ثم انهمرت دموعه بلا مقاومة.

دموع ثقيلة حارة لم يحاول إخفاءها.

وانحنى فوقها ببطء…ودفن وجهه في عنقها.
كغريق يبحث عن آخر نفس.

أو مدمن يبحث عن جرعته الأخيرة من الحياة.

وأغمض عينيه بقوة.
واستنشق رائحتها التي ما تزال عالقة بها.

ثم همس بصوت متحشرج موجوع حد الهلاك:
وحشتني عيونك…

ارتجفت شفتاه :  افتحيها ولو لحظة.

رفع رأسه قليلًا…ونظر إلى وجهها الشاحب.
وكان الاشتياق في عينيه أقسى من البكاء نفسه.

وقال بصوت منكسر: قومي يا حور عيني…

ومد يده المرتجفة يزيح خصلة شعر منها التصقت بذقنه الناميه وغمغم بصوت ميت :
قومي دفي عيني بنظرة منك.

ثم رفع كفها البارد بين يديه.
وقبل أصابعها قبلة طويلة مرتجفة.

قبلة رجل يتمسك بما تبقى له من الدنيا.

وهمس قرب كفها: هتقومي يا حور…

وأطبق عينيه بقهر حارق :
ولو على رقاب الكل…هتقومي.

البارت ١٥
ثم أضاف بصوت ميت بارد، كأن الكلمات تخرج من قبر مفتوح لا من فم رجل حي:
المصل ده بيني وبين روح حور…
واللي يمد إيده عليه يبقى حكم على نفسه بالموت.

أنهى شاهين جملته وهو يضم كفه فوق موضع المصل داخل جيب سترته الداخلي، قريبًا من قلبه، كأن الزجاجة الصغيرة لم تعد دواء فحسب، بل أصبحت النبض الأخير الذي يربطه بحور…

ثم تحركت يداه فجأة.
بحركة خاطفة، مباشرة، ومدروسة بعناية رجل اعتاد القتال أكثر مما اعتاد الكلام…

لف ذراعه إلى الخلف وقبض على الرسغ الذي يحمل السلاح بعنف هائل.
صدر صوت طرقعة حادة داخل السيارة.

صرخة مكتومة تبعتها شهقة ألم، وانفلت المسدس من يد صاحبه ليسقط…

لكن شاهين كان أسرع.
التقط السلاح بيده الأخرى في اللحظة نفسها، ثم استدار كالعاصفة وأشهره مباشرة في وجه الرجل الجالس خلفه.
هدر بصوت قاسي مزق صمت السيارة:
إنت مين يا ابن الـمـ….

لكن الكلمات توقفت.
فالرجل المقابل لم يبد مذعور كما توقع.

تراجع بجسده مستند إلى المقعد الخلفي، وفي تلك اللحظة انسكب ضوء أحد أعمدة الطريق عبر النافذة، فكشف ملامحه بوضوح.

و هنا عرفه شاهين.

شقت ابتسامة باردة وجهه…ابتسامة تعرف أكثر مما ينبغي…وقال بهدوء مستفز:
طيب ليه الغلط ده؟ لو تعرف أنا جايلك في إيه…
هتضرب نفسك بالجزمة عشان شتمتني.

اشتدت قبضة شاهين على المسدس.
وصدر صوت معدني قاسي حين سحب أجزاءه استعداد لإطلاق النار.

ارتجف الهواء داخل السيارة.
أما عيناه فكانتا جمرتين مشتعلة بالغضب الأسود.
هدر من بين أسنانه:
الوسخ هيفضل وسخ….
هو فاكر لما يبعتك ورايا هتعرف تاخد المصل مني؟
ده بموتك إنت وهو.

وما إن أنهى كلماته حتى ضغط الزناد.
دوى صوت الرصاصة داخل السيارة كقنبلة صغيرة.

انحنى الرجل في اللحظة الأخيرة.
مرت الرصاصة بمحاذاة رأسه لتستقر في ظهر المقعد مخلفة ثقب أسود ودخان خفيف..

انتفض الرجل ثم اعتدل ببطء.
نظر إلى مكان الرصاصة.
ثم إلى شاهين.
ثم عاد ينظر إلى مكان الرصاصة مرة أخرى كأنه يتأكد أنه ما زال حيا..

كان شاهين ما يزال ممسك بالمسدس.

ذراعه ثابتة.
ملامحه جامدة.
وعيناه لا تعرفان التردد.

كأن الغضب نحت على وجهه نحت..

ابتلع عزيز لعابه بصعوبة…

فهو يعرف شاهين جيدًا…
ويعرف أن هذا الرجل لم يعد في الحالة التي تسمح له بالتفكير أو الحساب.

هذا رجل يقف على حافة الجنون، وقلب زوجته معلق بين الحياة والموت.

رفع عزيز يديه ساخر وقال:
إيه يا جدع الغباء ده؟ أنا أول مرة أشوف معلم حمار بالشكل ده.

ثم أشار إلى نفسه بإصبعه وأكمل بضيق:
هو أنا لو عايز أخد منك المصل هستخبى في عربيتك ليه؟ عشان أخضك؟

مال للأمام قليلًا وحدق مباشرة في عيني شاهين :
دانا لو عايز آخده منك… كنت جيتلك وش في وش، وكنت هاخده برضه.

اندفع شاهين نحوه كالإعصار.

في لحظة واحدة كانت قبضته قد انغلقت حول عنق عزيز، وضغطت عليه بعنف كاد يحطم عظامه، بينما اشتعلت عيناه بغضب أسود لا يعرف الرحمة.

هدر من بين أسنانه المطبقة:
إنت فاكر نفسك مين يا ابن المرة؟! دانا أشرب من دم أمك وأدوسك تحت رجلي ولا يرفلي جفن!

لكن عزيز لم يتراجع.

لم يظهر على وجهه خوف، ولم تهتز نظراته.

بل رفع يده وأمسك بمعصم شاهين، ثم نظر مباشرةً داخل عينيه بثبات غريب يثير الريبة أكثر مما يثير الطمأنينة.

وقال بصوت حاد:
وأنا عاذرك… مع إن ليا حق عندك… وحقي ده أنا عارف إنك هتدهولي… وهتجيلي برجليك كمان.

قطب شاهين حاجبيه بغضب أشد، لكن عزيز كان قد أخرج شيئًا من جيبه بالفعل.

زجاجة صغيرة…
شفافة…
يتراقص بداخلها سائل عديم اللون.

مدها نحوه وهو يقول بلهجة صارمة:
خد… ده المصل الحقيقي المضاد للسم اللي ابن الـ*** إداه لمراتك.

توقف الزمن.
هكذا شعر شاهين.

كأن أحدهم انتزع الهواء من صدره دفعة واحدة.

هبطت عيناه على الزجاجة.

ثم عادت إلى وجه عزيز.

ثم إلى الزجاجة مرة أخرى.

غير قادر على استيعاب ما يسمعه.

قبض عزيز على كفه بالقوة ووضع الزجاجة داخله قبل أن يقول: ومن غير مقابل.

ثم أضاف بنبرة غامضة خشنة:
بس خلي بالك من اللي اسمه سعد…
سلام يا معلم…

تجمد شاهين في مكانه.
أما عزيز ففتح باب السيارة وترجل منها بهدوء.

وأغلق الباب خلفه.

وبقي شاهين جالس خلف المقود كأنه سقط فجأة في بئر بلا قاع.

المصل الحقيقي؟

ولماذا يساعده عزيز؟

أسئلة كانت تتكاثر داخل رأسه كالنار في الهشيم.

وفجأة…

انتفض على صوت عزيز من الخارج.

رفع رأسه ليجده قد عاد مرة أخرى ومد يده من نافذة السيارة المفتوحة.

وفي لحظة سحب المسدس من يد شاهين بخفة أدهشته.

ثم هتف بنزق مصطنع:
بتاعي ده… هات يا أبو عمو!

رفع المسدس في الهواء ولوح به قبل أن يكمل:
خليك سرحان كده وسيب البت في المستشفى تروح منك! اتحرك يالا!

اتسعت عينا شاهين بذهول ممزوج بالغضب.

ودفع باب السيارة بعنف وهو يهم بالنزول.

لكن عزيز كان قد انطلق راكض بالفعل.

ابتعد عدة أمتار وهو يلوح بيده ساخرًا.

فزفر شاهين بعنف وهدر: إيه ابن الكلب ده؟!

ثم قبض على المقود بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعه.

ونظر إلى الزجاجة الصغيرة المستقرة في كفه.

إلى الأمل الأخير الذي قد يعيد حور إليه.

فداس على دواسة الوقود بكل ما يملك.

وانطلقت السيارة كرصاصة مجنونة تشق ظلام الليل.

بينما لم يكن داخل رأس شاهين سوى فكرة واحدة…

حور يجب أن تعيش.
…..
أمام المستشفى…

انفتحت أبواب السيارة بعنف كاد يقتلعها من مكانها.

وترجل شاهين منها كإعصار منفلت، لا يرى أمامه سوى هدف واحد، ولا يسمع سوى صوت الأجهزة التي تحاصر حور خلف أبواب العناية المركزة.

كان يركض بخطوات واسعة متوحشة، يقطع الممرات كأن الموت يطارده من الخلف.

مر من أمام الجميع دون أن يشعر بأحد.

دون أن يرى الوجوه الشاحبة.

دون أن يسمع النداءات.

دون أن يلتفت حتى.

فقط يركض…

كأن روح حور معلقة في آخر ذلك الممر.

انتفض أحمد واقف فور رؤيته.

ونهض زكريا إلى جواره.

بينما اعتدل يونس وياسين في جلستهما بقلق حاد.

نظر أحمد نحو باب العناية قبل أن يلتفت إليهما ويقول بصوت صارم لا يقبل النقاش:
متتحركوش من قدام الأوضة دي…
ولو جه للمستشفى قرار إزالة فاهمين؟

أومأ يونس فورًا وقال: متقلقش يا عمي.

ثم انطلق أحمد وزكريا خلف شاهين بخطوات سريعة.

في الجهة الأخرى…

وصل شاهين إلى غرفة آسر.
ودفع الباب بعنف ارتطم بالجدار.

فرفع آسر رأسه بصدمة.

لكن شاهين لم يمنحه فرصة للكلام.

أخرج زجاجتي المصل وألقاهما فوق المكتب دفعة واحدة.

ثم هدر بصوت أجش مشحون بالجنون:
عايز تحليل للمصلات دي حالًا… حالًا يا آسر!
عايز أعرف أنهي واحد فيهم ينفع لمراتي!

قطب آسر حاجبيه بدهشة وهو يلتقط إحدى الزجاجتين.

لكن قبل أن ينطق…

جاء صوت أحمد من خلف الباب كالرعد:
جبت المصلات دي منين يا شاهين؟… وإزاي؟

التفت شاهين ببطء.

كانت عيناه محتقنتين بالسهر والغضب والقهر.

عينا رجل لم يعد يملك شيئًا يخسره.

وقف أحمد أمامه مباشرة.
وخلفه زكريا يراقب بصمت ثقيل.

اقترب أحمد خطوة أخرى.

ثم قال بصوت متحشرج من الألم:
الخلاص ده معناه إنك جبتهم بطريق مش طريقك يا ابن عمري…

ساد الصمت.

صمت ثقيل كالرصاص.

بينما ظل شاهين ينظر إليه للحظات.

ثم ابتلع تلك الغصة التي تكاد تخنقه.

وأجاب بصوت ثابت على نحو يثير الوجع أكثر مما يثير الطمأنينة: جبتهم على رقبتي.

ارتجفت ملامح أحمد.
أما زكريا فاشتدت عضلات فكه وهو يحدق في ابن عمه.

وكان كل واحد منهما يدرك أن شاهين لم يقصد الكلمات مجازا…بل كان يقصدها حرفيا…

لقد دفع ثمن هذين المصلين من روحه.
وربما لم يكن الثمن قد انتهى بعد.

في لحظة خاطفة…

انقض أحمد عليه.

قبض على ياقة سترته بكلتا يديه وهزه بعنف حتى ارتطم ظهر شاهين بحافة المكتب.

كانت عيناه محمرتين من السهر والبكاء والرعب، وصوته يخرج من صدر أب يقف على حافة الانهيار.

هدر: يعني إيه؟! عملت إيه يا شاهين؟! انطق!

هزه مرة أخرى بعنف :  أوعى تكون بتنقذ بنتي على حساب حياتك! أوعى تكون هتعيشها باقي عمرها مقهورة بسببك! انطق عملت إيه؟!

ارتجفت عضلات فك شاهين لكنه لم يرد.

وفي تلك اللحظة نهض آسر من مكانه بعصبية وقال بحدة: كفاية!

التفت الجميع إليه.

وأشار إلى زجاجات المصل فوق المكتب وهتف:
نشوف المصلات الأول… كل دقيقة بنتأخر فيها بتتخصم من عمر حور…. وبعدها ابقوا اتخانقوا براحتكم.

لم ينتظر رد…
خطف الزجاجات وتحرك مسرع خارج الغرفة.

وبمجرد أن أغلق الباب خلفه…
عاد الصمت الثقيل يهبط فوق المكان.

دفع أحمد شاهين في صدره بقوة.
فسقط الأخير على الكرسي خلفه.

ثم أشار إليه بإصبعه وقال بصوت متحشرج من القهر:
وإحنا بقى مش هنخرج من هنا غير لما أفهم…
إيه اللي حصل بالظبط؟!

رفع شاهين رأسه ببطء.
كانت ملامحه منهكة، وعيناه غارقتين في سواد ثقيل.

لكنه رغم ذلك بدا ثابت بصورة مخيفة.

وأومأ برأسه أخيرًا.
ثم قال بهدوء جعل قلب أحمد ينقبض:
هقولكم كل حاجة.

ساد الصمت.
فأكمل شاهين وهو يمرر كفه على وجهه المرهق:
بس في الآخر… أنا هعمل اللي في دماغي.

رفع عينيه نحو أحمد مباشرة.
ثم نحو زكريا.

وأردف بصوت أجش يحمل إصرار عنيد :
ومحدش فيكم هيعرف يوقفني.

تبادل أحمد وزكريا النظرات.
نظرات ممتلئة بالريبة والقلق.

فهما يعرفان شاهين جيدًا.
ويعرفان أن هذه النبرة لا تظهر إلا عندما يكون قد اتخذ قرار لا رجعة فيه.

قرار مستعد أن يحترق بسببه وحده…
دون أن يسمح لأحد أن يشاركه ثمنه.

ولذلك…
التفتا إليه في الوقت نفسه.
بينما ازدادت دقات القلق داخل صدريهما.

وكان كل منهما يشعر أن ما سيقوله شاهين الآن…

لن يغير هذه الليلة فقط.
بل ربما يغير مصيرهم جميعًا.

……….
مر وقت طويل…

وقت بدا وكأنه دهر كامل على القلوب المعلقة خلف باب العناية المركزة.

ثم انفتح باب غرفة آسر أخيرًا.

وخرج أحمد.
لكن لم يكن الرجل ذاته الذي دخل منذ ساعة.

كان وجهه متجهم إلى حد مخيف، ملامحه قاسية كالصخر، وعيناه تشتعلان بغضب أسود مكتوم يكاد يحرق كل ما يقترب منه.

وخلفه خرج زكريا.
أما شاهين فكان أشدهم رعب…
كان الصمت الذي يلفه أخطر من أي صراخ.

وكأن شيئًا بداخله قد انكسر… وشيئًا آخر أكثر ظلمة قد استيقظ.

تحرك أحمد مباشرة نحو غرفة العناية المركزة.

ثم وقف أمام الجميع شامخ رغم الانهاك الذي ينهش روحه.

وقال بصوت ثابت:
الحمد لله… حور حالتها مستقرة.

انطلقت الأنفاس المحتبسة دفعة واحدة.

لكن أحمد أكمل بحزم:
روحوا إنتوا البيت… أنا وشاهين هنفضل جنبها.

انتفضت شهد من مكانها فورًا.
وهزت رأسها بعنف بينما الدموع تنحدر على وجنتيها بلا توقف.

وقالت بصوت مرتجف:  لا يا أحمد… لا.

وضعت يدها فوق صدرها وكأنها تحاول تهدئة قلبها المذعور : أنا مش هسيب بنتي… لو روحت ممكن يجرالي حاجة والله… قلبي مش ناقص أكتر من كده.

نهضت فوزية بدورها وهي تمسح دموعها بطرف عباءتها وقالت بضيق:
ولا أنا هقدر أقعد في البيت والبت في الإنعاش… هو مين هيجيلي نوم ولا راحة بال؟

تبادل أحمد وشاهين النظرات.
ثم أشار شاهين برأسه نحو يونس.

ففهم الأخير ما يريده فورًا.
اقترب من والدته وقبل رأسها بحنو وقال:
مينفعش يا ياما.

ثم أشار نحو جارحي وثنية والبنات :
خالي ومراته والبنات ضيوف وجايين من سفر…
لازم حد يبقى معاهم.

ارتجفت شفتا فوزية.
وانزلقت دمعة حارة على وجنتها.

ثم هزت رأسها على مضض.
ورفعت إصبعها مهددة وهي تقول:
بس لما أعوز أطمن على البت وأرن على حد فيكم… تردوا عليا. متوجعوش قلبي أكتر من كده.

أومأ أحمد برأسه قائلًا:متقلقيش… هنرد.

ثم التفت نحو يونس وياسين :
يلا… خدوا الكل على البيت.

أومأ ياسين وتحرك أولًا.
فتحرك خلفه جارحي وسيد…ثم ثنية.

وشموع التي كانت تسير بصمت ثقيل وعيناها معلقتان بباب العناية.

وخلفها أنين التي بدت شاحبة كأنها فقدت أحد أفراد أسرتها.

ثم فوزية أخيرًا بصحبة يونس.

واحدة تلو الأخرى…
ابتعدت الخطوات.
وخفتت الأصوات.

حتى خلا الممر الطويل إلا من أربعة أشخاص.

شاهين…

وأحمد…

وشهد…

وزكريا.

وقفوا أمام باب العناية المركزة في صمت موجع.
بينما كانت أرواحهم جميعًا حبيسة هناك…

خلف ذلك الزجاج البارد…
حيث ترقد حور بين الأجهزة والأسلاك.
كأن قلبها الصغير أصبح القلب الذي يتنفسون جميعًا من خلاله.

…….

حل الصباح على منزل المهدي…

لكنه لم يحمل معه ضوء ولا حياة.

كان البيت الذي اعتاد الضحكات العالية، والمشاكسات التي تملأ الأركان، والزغاريد التي كانت بالأمس تسبق الأنفاس، غارق الآن في صمت ثقيل كالكفن.

صمت يوحي بأن الحزن جلس في قلب الدار ورفض الرحيل.

جلست فوزية على الأريكة شاحبة الوجه، بعينين متورمتين من فرط البكاء.

وبجوارها كانت أنين تنزع اللاصقة الصغيرة الخاصة بجهاز قياس الضغط عن ذراعها بحذر، ثم قالت بصوت اختنق بالدموع:
لازمن تاكلي وتاخدي العلاچ يا عمه…
ضغطك عالي جوي.

مسحت فوزية دموعها بطرف عباءتها.

ثم وضعت كفها المرتجف فوق جبهتها وهمست بصوتٍد مبحوح موجوع:
أعمل إيه بس يا بنتي… وأنا شايفة الواد والبت اللي كان نفسي أفرح بيهم حالهم اتشندل كده؟

وما إن أنهت كلماتها حتى انهار ما تبقى من صبرها.

فانفجر البكاء من صدرها موجع، حارق، يشق القلوب قبل الآذان.

وغمغمت بين شهقاتها:
كان مستخبي لك ده كله فين يا ضنايا… الواد هيموت بحسرته لو حور…

لكن ثنية قاطعتها فورًا.
مدت يدها بقرص الدواء وقالت بلهجة حازمة رغم ارتجاف صوتها:
تفي من خشمك يا خيتي.

ثم أشارت بيدها حولها كأنها تطرد الشر بعيدًا :
الشر بره وبعيد بعيد عن البيت وأصحابه والوش اللي مجبلني.

وربتت على يد شقيقه زوجها بحنان وأضافت:
اشربي الحباية عشان الضغط يندلي شوية.

أومأت فوزية بصمت.
ثم تناولت الدواء ووضعته في فمها وارتشفت قليلًا من الماء.

وفي تلك اللحظة…
خرجت شموع من المطبخ.

كانت تحمل عدة أطباق وضعت عليها شطائر أعدتها على عجل.

اقتربت منهما وقالت برفق:
يلا كلي يا عمتي… عشان تقدري تصنبي طولك.

رفعت فوزية رأسها ببطء.
ونظرت إليها بعينين غارقتين في الحزن.

ثم قالت: ودي يا بنتي فطار لأبوكي وأخوكي…
وكمان يونس وياسين.

وتنهدت بحرقة أوجعت من حولها :
خليهم يقدروا يصنبوا طولهم مع أخوهم.

ربتت ثنية على ساقها وقالت مطمئنة:
متشيليش همهم يا خيتي… أنا عملت الوكل والبنات هيودوه.

ثم التفتت إلى شموع.
وأخذت أحد الأطباق ووضعت عليه بعض الشطائر قبل أن تمده إليها قائلة:
وديه لي يونس يا بتي… جاعد في البلكونة.

أومأت شموع برأسها.
والتقطت الطبق بهدوء.

ثم نهضت متجهة نحو الشرفة وهي تقول:
حاضر يا ما.

وتركت خلفها غرفة امتلأت برائحة الدواء…

والدعوات…

والخوف الذي لم يغادر أحدًا منذ أن سقطت حور بين الحياة والموت.

لكنها ما إن وقفت عند باب  الشرفه حتى تجمدت في مكانها.

كان يونس جالس على المقعد الخشبي، منحني الظهر قليلًا، واضع كفه فوق جبهته وكأنه يحمل فوق رأسه هموم الدنيا كلها.

ولأول مرة…

رأته يبكي.

دموع صامتة ثقيلة تنحدر على وجه الرجل الذي بدا دائمًا أصلب من أن ينكسر أمام أحد.

اتسعت عيناها بعدم استيعاب.
وشعرت بغصة حادة ترتفع إلى حلقها.

لكن الغصة تحولت سريعًا إلى حنق عندما رأته يرفع يده الأخرى ويأخذ نفس طويل من سيجارته.

ثم نفث الدخان أمامه في سحابة كثيفة.

اقتربت منه بخطوات سريعة وهتفت بحدة:
سجاير على الريق؟! وانت من امبارح على لحم بطنك! انت اتجننت يا يونس؟

رفع يونس رأسه ببطء.
ونظر إليها.
نظرة غريبة…
لم تستطع شموع تفسيرها.

لم تكن النظرة الساخرة المعتادة.
ولا النظرة المستفزة التي اعتادت أن تراها منه.
بل كانت نظرة هادئة… حانية… مرهقة.

نظرة رجل سقطت عنه كل أقنعته دفعة واحدة.

ولأول مرة…
لم يحاول أن يخفي دموعه أمامها.
ولا ضعفه.
ولا عجزه.

تنهد ببطء وقال بصوت مبحوح:
حاسس إني قليل الحيلة أوي يا شموع.

ارتجف قلبها.
وانزلقت دمعة على وجنتها دون أن تشعر.

ثم قالت بصوت مختنق:
وحد الله يا يونس… إن شاء الله هتقوم بالسلامة وهيتجوزوا ويفرحوا. أنا قلبي حاسس والله إنها هتقوم… وقلبي عمره ما ضحك عليا.

ألقى يونس عقب السيجارة بعيدًا.

ثم مرر يده على وجهه المرهق وقال:
لا آله الا الله يا شموع…

وصمت لحظة قبل أن يضيف:
مش عارف ليه الفرح عزيز على البيت ده.

ارتجف صوته وهو يتابع:
نتي مش متخيلة هما صبروا وتعبوا قد إيه عشان يوصلوا لبعض.

وأغمض عينيه لحظة وأكمل :
أنا كنت فرحان لشاهين… كأني أنا اللي هتجوز حبيبتي.

رمشت شموع عدة مرات.
ونظرت إليه بدهشة صادقة.
كانت تحاول فهم ذلك النوع من المحبة.

ذلك التعلق الذي يجعل ألم الآخر يبدو وكأنه ألمك أنت.

فمدت إليه الشطيرة التي تحملها وقالت بهدوء:
هو انت بتحبهم أوي كده؟

ابتسم يونس ابتسامة باهتة.
لكن دمعة ثقيلة سبقت ابتسامته وانزلقت على وجنته.

وقال بصوت أجش: شاهين مش أخويا يا شموع…

ثم هز رأسه ببطء وتابع :  شاهين أبويا.

رفعت رأسها إليه بدهشة.

اوما يونس وأكمل: ضحى بتعليمه وعمره كله عشان يعلمنا ويكبرنا.

وزفر بحرقة وغمغم بصوت متحشرج موجوع:
ربنا يخلي عم أحمد… بس شاهين حاجة تانية.

وسكت لحظة يستعيد ذكرياته.

ثم تابع: حتى لما جيت أتجوز المخفية طليقتي…
مقلش أنا الكبير ولازم أتجوز الأول.

ضحك بمرارة. وتمتم :  بالعكس وقف جنبي وساعدني… وكان فرحانلي زي الأب لما يفرح بابنه.

وأطرق رأسه هامس :
رغم إنه مكنش راضي بيها… وحذرني منها ألف مرة.

امتلأت عينا شموع بالدموع.
فرفعت يدها الصغيرة وربتت على منكبه العريض بحنو صامت.

ثم قالت : صلي على النبي يا يونس…

وأشارت إلى الطعام ، وغمغمت بدموع : 
وكل عشان خاطري… وعشان تقدر تقف جنب شاهين في أزمته.

خفض يونس بصره نحو يدها المستقرة فوق منكبه.
وظل ينظر إليها لثواني طويلة.

ثم مد يده ببطء.
وأمسك كفها الصغير بين يديه.

ورفعه إلى شفتيه…
وقبله برفق.
قبلة لم تحمل حب فقط…

بقدر ما حملت امتنان عميق لرقة كان يحتاجها في تلك اللحظة أكثر من أي شيء.

وهمس: عليه الصلاة والسلام…

ثم ابتسم ابتسامة حزينة وأضاف:
ربنا يخليكي ليا يا شموع.

اشتعل وجه شموع بالخجل فجأة.
وسحبت يدها بسرعة وكأن لمسة أصابعه أحرقت كفها.

ثم تراجعت للخلف وهي تتهرب من النظر إليه.

وقالت مرتبكة: هشوف عمتي… يمكن تكون بتنادي عليا.

واستدارت على عجل.
وغادرت الشرفة بخطوات متسارعة.

أما يونس…
فظل جالس مكانه….يتابع أثرها بعينيه.
وفي قلبه شيء دافئ صغير…

نجح للحظة واحدة فقط…
أن يخفف وطأة الحزن الجاثم فوق صدره.

بينما بقيت ابتسامة شاحبة وحزينة معلقة على شفتيه…
كأنها آخر ما تبقى من نور في يوم امتلأ بالعتمة.

………

على سطح المنزل…

كانت السماء ملبدة بغيوم باهتة، والشمس تقف خلفها شاحبة كأنها هي الأخرى أصابها ما أصاب أهل هذا البيت من حزن وانطفاء.

صعدت أنين الدرج بخطوات بطيئة، تحمل بين يديها طبق صغير عليه شطيرة وكوب شاي تصاعد منه بخار خفيف.

كانت تتحرك بحذر، كأن الصمت الذي خيم على المنزل منذ الأمس صار شيئًا مادي تخشى أن تكسره.

وحين وصلت إلى السطح…

توقفت.

كان ياسين يقف بالقرب من السور، مولي لها ظهره، يتحدث عبر الهاتف بصوت خافت.

مسح على مؤخرة رأسه بإرهاق وقال:
خلاص… هكون بالليل مخلص كل حاجة.

صمت لثواني.

ثم أردف بنبرة أثقل: دماغ سم… أنا عارف.

وسكت لحظة أخرى قبل أن يقول:
ماشي… سلام.

أغلق الهاتف…وبقي واقف مكانه.
كأن الحمل فوق كتفيه أثقل من أن يسمح له بالحركة.

اقتربت أنين منه بخطوات مترددة وهمست:
ياسين…

التفت بجسده كله.
ونظر إليها بدهشة امتزجت بحزن عميق لم يحاول إخفاءه هذه المرة.

ثم قال: تعالي.

وتأمل وجهها لحظة قبل أن يسأل: انتي كويسة؟

أومأت برأسها في صمت.
ثم تقدمت نحوه ومدت له الطبق قائلة بخفوت:
خد أفطر… انت مكنتش حاچه من عشيه.

نظر إلى الطعام.
ثم هز رأسه بالنفي.

وغمغم بصوتٍ متحشرج: مش قادر يا أنين…

وزفر ببطء وقال :  أول مرة أحس إن معدتي معقودة كده.

بلعت لعابها بتوتر…وقالت بسرعة:
سلامتك… أچبلك حاچه للمعدة؟ هتريحك؟

هز رأسه مرة أخرى.
ثم أدار وجهه نحو الأفق البعيد.

وكأن النظر إليها أصبح مؤلم أكثر مما يحتمل.

وقال بصوت موجوع خرج من أعماق صدره:
لا…

وسكت لحظة….ثم أكمل:
سيبيني دلوقتي يا أنين… خدي الأكل وانزلي.

رمشت أنين بدهشة.
ونظرت إلى ظهره العريض.

كانت ترى رجل يحاول الوقوف رغم أن التعب والقهر ينهشان روحه.

وكان في انكسار صوته ما جعل قلبها يعتصر دون إرادة منها.

وبدون تفكير….رفعت يدها.
وربتت على منكبه من الخلف برفق.

وهمست بصوت مبحوح يقطر حزن :
الله يعينك على شيلتك يا واد خالي.

أغمض ياسين عينيه فورًا.

وكأن تلك اللمسة البسيطة سرت في جسده كصاعقة مباغتة.

ارتخت عضلات فكه للحظة.
وشعر بشيء دافئ يمر في صدره وسط كل هذا الخراب.

لكنه لم يلتفت.
ولم ينطق.

فقط ظل واقف مكانه بينما كانت خطواتها تبتعد شيئًا فشيئًا نحو باب السطح.

حتى اختفت تمامًا.

عندها فتح عينيه ببطء.
وأخرج هاتفه من جيبه.

ظل يحدق في شاشته للحظات طويلة.
ثم ضغط على أحد الأرقام ورفع الهاتف إلى أذنه.

ولم يعد في وجهه أثر لذلك الضعف الذي كشفه قبل قليل.

بل عادت إليه صلابته المعتادة.

وقال بصوت منخفض حاد: أنا جاي بالليل.

ثم أغلق الخط.
ورفع بصره نحو السماء الرمادية.
بينما كانت عيناه تشتعلان بشيء أخطر من الحزن…
شيء يشبه الوعد.

…….
في ممرات المستشفى الباردة…

خرج آسر من المعمل بخطوات سريعة متوترة، وملامحه وحدها كانت كافية لزرع الخوف في القلوب قبل أن ينطق بحرف واحد.

ما إن وقع بصر أحمد وشاهين عليه حتى انتفضا من مقعديهما في اللحظة نفسها.

نهضا بلهفة موجوعة، كأن أرواحهما هرعت إليه قبل أجسادهما.

وكان شاهين أول من وصل إليه.

نظر في وجهه بعينين محمرتين من السهر والبكاء، ثم هتف بصوت حاد متوتر:  ها؟! إيه الأخبار؟

توقف آسر أمامهما.

وأغمض عينيه لثانية قصيرة قبل أن يهز رأسه بالنفي.

ثم قال بصوت مثقل خيبه أمل والمرارة:
للأسف…

وصمت لحظة وكأن الكلمات تخنقه :  مش مطابق.

انعقد حاجبا أحمد بعنف.

بينما شعر شاهين بأن الأرض مالت تحت قدميه.

وأكمل آسر بوجع:
في حاجة غلط في التركيبة…
لو كانت خدته كان حالتها هتتدهور أكتر.

تجمد شاهين في مكانه.
وانسحب الدم من وجهه دفعة واحدة.

حتى بدا كأن الحياة نفسها غادرت ملامحه.

ترنح خطوة إلى الخلف.
وكاد يسقط.

لكن يد أحمد كانت أسرع.
أمسكه من ذراعه بعنف ومنعه من الانهيار.

ثم نظر إليه بعينين محتقنتين بالغضب والقهر وهدر:
شوفت؟!

وأشار إليه بإصبعه المرتجف :
منابكش! غير حطيت إيدك في الحديد ورقبتك تحت سكينة الطاعون اللي اسمه عابدين!

رفع شاهين رأسه ببطء.
وكان الغضب في عينيه شيئًا مرعب..
شيئًا يشبه النار حين تتحول إلى إعصار.

وكور قبضته حتى ابيضت مفاصل أصابعه وهدر:
ورحمة أبويا…

ثم اقترب خطوة : لأخد روحه على مراحل.

اندفع أحمد نحوه.
وقبض على ياقة سترته بعنف حتى اهتز جسد شاهين تحت قبضته.

وصاح بصوت أجش: بلاش تهور!

هزه مرة أخرى وصاح :  قلتلك لازم نفكر!

ثم انكسر صوته رغم محاولته التماسك :
أنا مش هتحمل أوقع واحد ورا التاني تحت جزمة عابدين والضبع.

لكن شاهين لم يكن يسمع.
أو ربما لم يعد قادر على السمع أصلًا.

نزع نفسه من قبضة أحمد بعنف.
ثم استدار وتحرك نحو غرفة العناية المركزة بخطوات سريعة مضطربة.

ودفع الباب…ودلف إلى الداخل.
كانت حور ما تزال راقدة وسط الأجهزة والأسلاك.

ساكنة…
شاحبة…

كأنها بعيدة عنهم جميعًا في مكان لا يستطيع أحد الوصول إليه.

اقترب من سريرها….وتوقف أمامها….وظل ينظر إليها طويلًا.

نظرة رجل هُزم أمام خوفه للمرة الأولى.
ثم انهمرت دموعه بلا مقاومة.

دموع ثقيلة حارة لم يحاول إخفاءها.

وانحنى فوقها ببطء…ودفن وجهه في عنقها.
كغريق يبحث عن آخر نفس.

أو مدمن يبحث عن جرعته الأخيرة من الحياة.

وأغمض عينيه بقوة.
واستنشق رائحتها التي ما تزال عالقة بها.

ثم همس بصوت متحشرج موجوع حد الهلاك:
وحشتني عيونك…

ارتجفت شفتاه :  افتحيها ولو لحظة.

رفع رأسه قليلًا…ونظر إلى وجهها الشاحب.
وكان الاشتياق في عينيه أقسى من البكاء نفسه.

وقال بصوت منكسر: قومي يا حور عيني…

ومد يده المرتجفة يزيح خصلة شعر منها التصقت بذقنه الناميه وغمغم بصوت ميت :
قومي دفي عيني بنظرة منك.

ثم رفع كفها البارد بين يديه.
وقبل أصابعها قبلة طويلة مرتجفة.

قبلة رجل يتمسك بما تبقى له من الدنيا.

وهمس قرب كفها: هتقومي يا حور…

وأطبق عينيه بقهر حارق :
ولو على رقاب الكل…هتقومي.

في الممر الخارجي للمستشفى، كانت الساعات تمر بطيئة كأنها أعوام، والوجوه من حولهم شاحبة أنهكها السهر والخوف والدعاء.

عادت شهد من جهة المرحاض بخطوات واهنة، تجر قدميها جر، كأن الحزن استنزف ما تبقى فيها من قوة. كانت تسير بعينين غائمتين، ووجه ذابل لم يعرف الراحة منذ سقطت ابنتها بين الحياة والموت.

انتبه لها أحمد فورًا.

نهض من مقعده كمن انتزع من أفكاره انتزاع ، واتجه إليها بخطوات سريعة، ثم أمسك ذراعها قبل أن تتعثر وساعدها على الجلوس.

تأمل وجهها المنهك لحظات، وشعر بشيء يعتصر صدره بقسوة.

وغمغم بصوت متحشرج أثقله الوجع:
شكلك مهدود يا شهد… هتصل بجد من العيال ييجي يروحك البيت…ريحي جتتك شوية.

هزت رأسها بالنفي فورًا، وكأن مجرد الفكرة طعنة جديدة.

وضعت كفها المرتجف فوق معدتها، ثم همست بدموع تنحدر بصمت:
مش همشي غير ببنتي يا أحمد…
حتى لو هقضي بقية عمري هنا…
من هخرج غير بحور؟

ارتجف قلب أحمد.

وجثا أمامها على ركبته غير عابئ بالمارة ولا بالمستشفى ولا بالعالم كله.

كل ما كان يراه أمامه امرأة أحبها عمر كامل، تنهار قطعة قطعة أمام عينيه.

انسابت دموعه رغم عنه، وهمس بصوت مكسور:
هنخرج بيها… متخافيش… أنا متأكد من رحمة ربنا.

رفعت شهد يدها المرتجفة ومسحت دموعه كما اعتادت دائمًا، حتى وهي غارقة في وجعها.

وهمست:
كلامك ده… هو اللي مخليني عايشة يا أحمد.

أغمض عينيه للحظة.

ثم أمسك يدها بين كفيه وقبل باطنها بحنو موجع، حنو رجل يخشى أن يفقد كل ما يحب دفعة واحدة.

وغمغم بصوت خافت:
شهد… انتي كل حاجة في حياة أحمد…
انا رديتك يا عمر احمد …
انتي السند اللي واقف عليه.

رفع عينيه إليها وأكمل:

هنخرج من هنا كلنا… زي ما دخلنا. أنا وانتي وحور… كلنا.

عندها انفجرت دموعها دفعة واحدة.

قبضت على يده بقوة وكأنها تتشبث بالحياة نفسها، ثم رفعتها إلى شفتيها وقبلتها وهي تبكي.

وغمغمت بصوت مرتجف ممزق:
سامحني يا أحمد… والله ما كان قصدي أوجعك يومها. بس انت متعرفش انت إيه في دنيتي…
سامحني يا راجل العمر.

تهشمت ملامح أحمد أكثر.

فمد ذراعيه إليها وضم رأسها إلى صدره بحنان عميق، وأراح ذقنه فوق حجابها، ثم طبع قبلة طويلة فوق رأسها.

وأغمض عينيه وهمس بصوت اختلطت فيه المحبة بالألم:
سامحيني انتي يا شهد…

وظلا هكذا للحظات طويلة…

رجل وامرأة أنهكهما الخوف على قطعة من روحيهما، يتشبث كل منهما بالآخر وسط عاصفة تكاد تقتلع ما تبقى من قلوبهم، بينما خلف باب العناية المركزة كانت روح حور ما تزال تخوض معركتها الصامتة بين الموت والحياة.

رفع احمد رأسه وضم كفها بين يديه كأنهما يتمسكان ببقايا الصبر الأخيرة، ضيق عينيه حين وقعت عيناه على هيئة يعرفها جيدًا في آخر الممر.

تصلبت ملامحه دفعة واحدة.

واسودت عيناه بغضب قاتم.

كان سعد يقف هناك…

شاحب الوجه، منكسر الهيئة، كأن أعوام كاملة سقطت فوق كتفيه في ليلة واحدة.

ربت أحمد على منكب شهد برفق، ثم قال بصوت مبحوح أثقله السهر والخوف: شويه وراجع يا شهد.

أومأت برأسها في صمت، بينما نهض هو وتحرك نحوه بخطوات سريعة متوترة.

كل خطوة كانت تحمل غضب مكتوم يوشك على الانفجار.

وحين وصل إليه، لم يمنحه فرصة للكلام.

قبض على ذراعه بقوة جعلت سعد يتأوه بصمت، ثم جذبه إلى آخر الممر بعيدًا عن الأعين والآذان.

استدار به بعنف وألصقه بالحائط.

واهتز صدره وهو يهدر بصوت حاد:
إيه اللي جابك هنا؟

ارتجف فك سعد…لم يكن الارتجاف خوف…

بل غضب وقهر وحزن متراكم فوق بعضه بعض

وهتف من بين أسنانه:
أمال عايزني أجي إمتى؟
هو ده كان اتفاقنا يا أحمد؟

زفر أحمد بقسوة، وكأن مجرد سماع صوته يزيد النار اشتعالًا داخله.

وقال بحدة:
لا… مكنش اتفاقنا….
ولا كان كمان إنك تشك فيا… اتفقنا؟

ارتعشت شفتا سعد.
وانزلقت دمعة ثقيلة على وجنته رغم عنه.

دمعة رجل أنهكه الوجع حتى لم يعد قادر على إخفائه.

وقال بصوت متحشرج:
أنا مشكتش فيك… أنا بس كنت سكران وبخرف… كفاية إنك مشيت اللي في دماغك ومخلتنيش أحضر الفرح.

اشتعلت ملامح أحمد أكثر.

وقبل أن ينهي سعد كلماته كان قد قبض على ياقة قميصه ودفعه في الحائط بقوة ارتج معها جسده.

وهدر بصوت أرعب الممر كله:
وتحضر ليه؟! أكيد كان في دماغك حاجه! وعارف لو طلعت إنت ورا اللي حصل… يمين بعظيم لأكون مشفي لحمك عن عضمك وأبيعك بالكيلو!

ارتطم ظهر سعد بالحائط.
وأغمض عينيه لحظة من شدة الألم.

ثم فتحهما ببطء.
وكانت عيناه غارقتين في دموع حارقة لم تعد تجد فائدة من الاختباء.

نظر إلى أحمد طويلًا…

نظرة رجل يحمل داخل صدره قبر مفتوح منذ سنوات.

ثم قال بصوت مكسور حد الوجع:
إنت عارف… ومتأكد… إني أفدي حور بروحي.

اختنق صوته…وارتجف صدره بعنف قبل أن يكمل:
حرام عليك يا أحمد…
كفاية إنك حرمتني منها.

وسقطت الكلمات بينهما ثقيلة كالرصاص.

في تلك اللحظة…

تجمدت شهد.
اتسعت عيناها بذهول صاعق.

وشعرت بشيء بارد يخترق صدرها حتى القلب.

حرمتني منها…
ترددت الجملة داخل رأسها كالرعد.
مرة…
وأخرى…
وعاشرة…

حتى فقدت قدرتها على التنفس.
ارتجفت شفتاها بعنف.

وانزلقت دمعة ثقيلة على وجنتها.
ثم همست بصوتٍ خافت مرتعب: يا نهار أسود…

وضعت يدها على فمها تمنع شهقة كادت تفضح وجودها.
وعادت بذاكرتها سنوات طويلة إلى الخلف…
إلى نظرات سعد الغريبة كلما ذكرت حور.

إلى غضبه غير المبرر حين خطبت.
إلى انكساره الذي كان يخفيه دائمًا خلف الصمت.

أشياء كثيرة مرت أمامها فجأة…
أشياء لم تفهمها وقتها.

أما الآن…
فكانت تتجمع أمامها كقطع صورة مرعبة اكتمل شكلها أخيرًا.

عند أحمد ….

اندفعت الدماء إلى رأس أحمد دفعة واحدة، حتى برزت عروق عنقه واشتعلت عيناه بغضب كاد يحرق ما حوله.

وفجأة قبض على عنق سعد بعنف هائل، حتى اختنقت أنفاس الأخير بين أصابعه الغليظة.

وهدر بصوت دوى في آخر الممر كالرعد:
أنا اللي حرام عليا ولا إنت؟!
امشي يا سعد بمنظرك ده قبل ما شاهين يشوفك… ووقتها هتخرج من هنا على قبرك!

ارتجف جسد سعد.
لم يكن خوف من التهديد…
بل من الحقيقة التي يعرفها جيدًا.

لو وقع بصر شاهين عليه الآن، وهو في تلك الحالة من الجنون والقهر والخوف على حور، فلن يسأل ولن يسمع تفسيرًا.

أومأ سعد برأسه ببطء، وقال بصوت واهن أثقله الحزن:
طيب… أبص عليها حتى من بعيد.

كلمة واحدة كانت كافية لتفجر ما تبقى من صبر أحمد.

فدفعه بعنف شديد.
تهاوى سعد على الأرض وارتطم كتفه بالبلاط البارد.

ثم سمع صوت أحمد يجلجل فوق رأسه كالسوط:
امشي يا سعد… واشترِ عمرك!

أطرق سعد رأسه.
وبلع المرارة المشتعلة في حلقه كأنها جمر حي.

ثم نهض بصعوبة، ومسح وجهه بكف مرتجفة، وقال بصوت خافت رغم ما يعتمل داخله:
مش همشي… هستنى تحت.

رفع عينيه نحو أحمد وأكمل بجدية قاتمة:
وخلي بالك… رجالة عابدين في كل حتة.

انعقد حاجبا أحمد أكثر…وقال بحدة:
إحنا عارفين.

ثم أشار إليه بيده في حركة آمرة:
بس لما تصنب طولك الأول…
ابقى تعالى لو لسه باقي علينا…

أومأ سعد برأسه دون رد.

واستدار بعدها وانصرف بخطوات سريعة متوترة، يحمل فوق كتفيه خيبة عمر كامل، بينما كانت قبضتاه تنطبقان وتنبسطان بعجز يكاد يمزقه.

ظل أحمد يراقب ابتعاده للحظات.

ثم أطلق زفرة ثقيلة ومرر كفه على وجهه بإرهاق.

وفي الجهة الأخرى…

كانت شهد قد سمعت ما يكفي.

تراجعت إلى الخلف بخطوات متعثرة، كأن الأرض فقدت ثباتها تحت قدميها.

وهوت على أقرب مقعد.

انهمرت الدموع على وجنتيها بلا توقف.

وراحت تحدق أمامها بعينين زائغتين لا تصدقان ما سمعته أذناها.

ثم لطمت فخذيها بعنف موجع، وخرج صوتها مبحوح ممزق من بين شهقاتها:
يا مصيبتك السوده يا شهد…

واهتز صدرها بنحيب مكتوم.

فجأة بدت لها السنوات كلها وكأنها تعود دفعة واحدة…

الأسرار المدفونة، والقرارات القديمة، والجراح التي ظنت أنها اندثرت.

لكنها لم تمت يومًا…

كانت فقط تنتظر هذه اللحظة لتنهض من قبرها من جديد.

…….

في الغرفة رقم (106)…

كانت غزل تستند إلى ظهر السرير، وساقها المجبرة ممددة أمامها، تحاول أن تشغل عقلها عن القلق الذي ينهشها منذ ساعات، حين انفتح الباب فجأة.

دلفت عزة كالإعصار.

وجهها يفيض فرح، وصوت زغاريدها ملأ الغرفة حتى ارتجت الجدران الصغيرة من حولها.

هتفت بسعادة غامرة:
مبروك يا غزل! مبروك يا حبيبتي!

انتفضت غزل في مكانها وأشارت إليها بيدها بحنق:
بس يا ماما! بتزغرطي على إيه؟

ضحكت عزة حتى لمعت عيناها، وقالت وهي تضرب كف بكف:
المخفي اللي اسمه ماجد! اللهي يجحمه مطرح ما راح! اتقبض عليه في قضية مخدرات، وإن شاء الله مش أقل من مؤبد!

اتسعت عينا غزل بذهول.
ثم شعرت بشيء يشبه الراحة يتسلل إلى صدرها للمرة الأولى منذ زمن طويل.

لكنها سرعان ما فاقت على زغرودة جديدة أطلقتها والدتها.

فأشارت إليها بسرعة:
يا ماما! إحنا في مستشفى! وفي مرضى! وكمان بنت عم زكريا تعبانة في العناية المركزة!

وفي اللحظة نفسها…

دلف زكريا إلى الغرفة.

كانت خطواته ثقيلة، مرهقة، كأن النوم هجره منذ أيام، وكأن الحزن صار عباءة سوداء تلتصق بكتفيه.

قال بصوت خافت:
يا ستي سيبيها… يمكن يكون فال حلو علينا كلنا.

التفتت غزل إليه بدهشة :  دكتور زكريا!

أشارت عزة إليه بترحاب بالغ:
اتفضل يا ابني… دانت وش الخير عليا….
أنا هروح أجبلك حاجة تشربها.

أومأ زكريا برأسه ابتسامة باهتة وقال:
تسلمي يا أمي.

وغادرت عزة الغرفة تاركة خلفها بقايا فرح صغير وسط بحر الأحزان.

اقترب زكريا من الكرسي المقابل للسرير وجلس عليه ببطء.

ثم نظر إلى غزل طويلًا قبل أن يقول:
ألف سلامة عليكي يا غزل… أنا كنت زعلان منك أوي لحد ما عرفت اللي حصل.

ارتعشت عيناها.
وقالت بصوت خافت امتزجت فيه المرارة بالعتاب:
وأنا كنت فاكرك غير الناس… هتصبر وتستنى لما تسمع أو تشوف عذري قبل ما تزعل.

تنهد زكريا.

ثم اقترب أكثر، مستند بكفه إلى طرف السرير.

وقال بنبرة دافئة:
وأنا أوعدك بعد كده أصبر وأسمع لحد ما أشوف عذرك… وبعدها أفكر أسامحك ولا أسامحك يا غزل.

رغم كل شيء…
كادت ضحكة صغيرة تفلت من شفتيها.

فخفضت رأسها سريعًا تحاول إخفاءها، ثم قالت لتغير مجرى الحديث: هي… بنت عمك عاملة إيه؟

اختفت الابتسامة فورًا من وجه زكريا.
وشعر كأن أحدهم أعاد حمل الجبل فوق صدره.

ابتلع غصة حارقة وقال: هتبقى كويسة إن شاء الله.

ثم رفع عينيه نحو الفراغ وأكمل بصوت مبحوح:
أصلي شاهين بينه وبين ربنا كتير أوي…
وربنا مش هيوجعه.

قطبت غزل حاجبيها باهتمام.

فأكمل زكريا بشرود:
كل ما كنت أشوفه بيساعد حد وأسأله ليه بيعمل كده… كان يقولي كلمة فهمتها دلوقتي بس.

ابتسمت غزل بخفوت وقالت: كلمة إيه؟

غامت عينا زكريا بدموع شفافة.
وقال بصوت متعب يحمل حب عظيم لأخيه:
كان يقولي… أنا بشتري من ربنا سعادة وصحة وراحة ورحمة لحور.

ساد الصمت.
صمت ثقيل هبط على الغرفة كلها.

ارتجف قلب غزل من وقع الكلمات.
وشعرت بقشعريرة تسري في جسدها.

ثم همست بدهشة صادقة: غريب أوي…

ابتسم زكريا ابتسامة شاردة يملؤها الإيمان والتعب معًا.

وقال: مش غريبة ولا حاجة…

ثم رفع بصره إليها وأردف بهدوء:
انتي بس ناسية… داووا مرضاكم بالصدقات..

أطرقت غزل رأسها ببطء…وأومأت موافقة.

ساد هدوء قصير بعد حديثهما، هدوء لم يكن خالي من المشاعر، بل مثقل بأشياء كثيرة لم تقل بعد.

وفجأة…

دق الباب دقات خفيفة، ثم دلفت إحدى الممرضات وهي تحمل صينية الأدوية.

وقالت بصوت مهني معتاد:معاد الإبرة.

رفع زكريا رأسه إليها وسأل مباشرة: عضل ولا وريد؟

أشارت الممرضة نحو القسطرة المثبتة في ذراع غزل وقالت: لا… وريد في الكانولا.

أومأ زكريا برأسه وقال بهدوء: خلاص سيبيهم وروحي.

ارتبكت الممرضة قليلًا وقالت:بس الدكتور آسر…

قاطعها زكريا قبل أن تكمل: قولي له دكتور زكريا.

أومأت سريعًا، ثم وضعت الدواء وانصرفت من الغرفة.

ما إن أُغلق الباب حتى نهض زكريا والتقط السرنجة.

سحب السائل الشفاف إليها بحركات واثقة اعتادتها يداه منذ سنوات طويلة.

راقبته غزل للحظات ثم قالت: كنت سيبت الممرضة وخلاص.

ابتسم زكريا دون أن يرفع عينيه عن السرنجة وقال:
ليه؟ مكسوفة مني ولا خايفة؟

ثم رفع رأسه أخيرًا وأضاف بعبث خفيف:
وبعدين… دي يا خسارة مش عضل يعني.

اتسعت عينا غزل فورًا.
وارتسمت على وجنتيها حمرة خفيفة.
وهمست بدهشة ممزوجة بالخجل: وإنت كنت عايزها عضل ولا إيه؟

جلس زكريا على طرف الكرسي المقابل لها.
ونظر إليها بنظرة ماكرة لا تخلو من الدفء وقال ببساطة:
أكيد.

اختنقت ضحكة صغيرة داخل صدرها.
فأشاحت وجهها سريعًا إلى الناحية الأخرى هرباً من عينيه اللتين كانتا تلمعان بعبث واضح.

أما هو فابتسم في هدوء.

ثم أمسك منفذ القسطرة وبدأ يحقن الدواء ببطء.

لكن ما إن دخلت أول قطرة حتى شهقت غزل بألم مفاجئ.

وقبضت على منكبه بعفوية وهي تهمس:
براحه شوية… بتحرق.

رفع زكريا رأسه إليها فورًا….واتسعت عيناه بقلق خاطف.

وقال بسرعة: حاضر… معلش… سلامتك.

ثم خفف السرعة أكثر وهو يراقب ملامحها.

وأضاف بحنو لا إرادي:  هي أول شكة بس… وبعدها الوريد بيتسلك.

أغمضت غزل عينيها تحاول تحمل الألم.
فمد زكريا إصبعين برفق فوق ظهر يدها.

وأخذ يدلك موضع الوريد بحركات هادئة وكأنه يحاول أن يسرق عنها بعض الوجع.

ثم أكمل إعطاء الدواء حتى انتهى تمامًا.

وسحب السرنجة أخيرًا وهو يقول: خلاص… خلصنا.

ثم ابتسم ابتسامة صغيرة وأردف: سلامتك يا غزل.

أومأت برأسها بخفوت…وهمست بصوت يكاد لا يسمع:
الله يسلمك.

ساد الصمت من جديد.
لكن هذه المرة كان مختلف…

صمت دافئ… ممتلئ بشيء يتشكل ببطء بينهما.

أما زكريا…

فبقي ينظر إليها دون أن يشعر.
كانت عيناه تتجولان فوق ملامحها المتعبة، فوق الخدوش التي بدأت تختفي، فوق عينيها اللتين عاد إليهما شيء من الحياة.

نظر إليها طويلًا…
طويلًا أكثر مما ينبغي.

وكأن قلبه نسي للمرة الأولى منذ كارثة حور أنه يحمل هموم الدنيا فوق كتفيه.

وكأن تلك الفتاة الجالسة أمامه أصبحت فجأة الشيء الوحيد الذي يراه وسط كل هذا الظلام.

بينما في الخارج…

كانت أجهزة العناية المركزة لا تزال تعد أنفاس حور واحدة تلو الأخرى، وكان الجميع ينتظر رحمة من السماء، علها تعود بالحياة إلى قلب صار نبضه هو نبض عشرات القلوب المعلقة به.

………..

مساءاً في شقة شوقي عجيل…

كان ضوء التلفاز يملأ الصالة بوميض باهت، بينما جلست نهال على الأريكة تقلب القنوات بلا اهتمام حقيقي، تحاول قتل الوقت الذي يمر بطيئ كعادته.

وفجأة…
ارتفع طرق خفيف على الباب.

قطبت حاجبيها بدهشة ونهضت متكاسلة.
اتجهت نحو الباب وفتحته.

لكن ما إن وقع بصرها على الطارق حتى ارتفع أحد حاجبيها ، وغمغمت: ياسين؟

ارتسمت على شفتي ياسين ابتسامة بطيئة…
ابتسامة لزجة لم تصل إلى عينيه.
عينا رجل لم يأتي للزيارة، بل جاء وفي صدره أمر آخر تمامًا…

وقال ببرود ساخر:
سلامة النظر… انتي شايفاني حد تاني ولا إيه؟

رفعت نهال ذراعيها أمام صدرها.
واتسعت ابتسامتها شيئًا فشيئًا.

ابتسامة لم تحمل دهشة ولا ترحيب…

بل حملت ذلك البريق الجشع الذي يظهر حين يظن المرء أن الفرصة التي انتظرها طويلًا قد جاءت أخيرًا تدق بابه بنفسها وووووو

ساحره القلم ساره احمد

4.1 140 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
162 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
هناء
هناء
27 أيام

فصل روعة

Nada Mohamed
Nada Mohamed
27 أيام

تحفة ❤️❤️❤️

Mero❤️
Mero❤️
27 أيام

تحفة تسلم ايدك ياسو ❤️

ام علي روعة مبروك يا امير عقبال متحمسين وجعت قلبي
ام علي روعة مبروك يا امير عقبال متحمسين وجعت قلبي
27 أيام

روعة

Gana Mazen
Gana Mazen
27 أيام

روعة ❤️❤️❤️

Marwa
Marwa
27 أيام

البارت تحفة كالعادة تسلم ايدك ياقمر

Salma Mohamed
Salma Mohamed
27 أيام

تسلم ايدك تحفه ♥️

Noor
Noor
27 أيام

البارات عظمه تسلم ايدك

ضيف
ضيف
27 أيام

روووووووعه كالعاده ربنا يتم شفاءك علي خير وتبهرينا اكتر بس احساسي أن سعد ابو حور

ضيف
ضيف
27 أيام

يجنن❤️❤️

كاميليا على
كاميليا على
27 أيام

تحفة

حبيبه
حبيبه
27 أيام

روعه

ضيف
ضيف
27 أيام

تحفه تسلم ايدك يا قلبي البارت تحفه كالعاده

ضيف
ضيف
27 أيام

طيب هو كدا حلل الازازتبن ولا واحدة بس

ضيف
ضيف
27 أيام

جامده

Amira osama
Amira osama
27 أيام

تحفة عمتا ♥♥♥♥🙈

مريم بشرى
مريم بشرى
27 أيام

جميلة جدا جدا 💕💖💕

مروة البحيرى
مروة البحيرى
27 أيام

رووووووووعة

مروة البحيرى
مروة البحيرى
27 أيام

تسلم ايدك❤️❤️

مروه
مروه
27 أيام

روعه

ال رحاب
ال رحاب
27 أيام

تسلم ايدك الفصل روعه

Nedaa
Nedaa
27 أيام

تسلم الايادي كان البارت خطير جدا❤️❤️

ضيف
ضيف
27 أيام

تسلم ايدك على الابداع

Farah Rezk
Farah Rezk
27 أيام

رررررررروووووعه تسلم ايدك

ضيف
ضيف
27 أيام

بعد فوق الخيال جميلة جدا الترابط إللى ما بينهم اجمل حاجة

Hend
Hend
27 أيام

روعه ♥♥

ضيف
ضيف
27 أيام

❤️❤️❤️

Samar
Samar
27 أيام

تسلم ايدك ي مبدعه 😍

ضيف
ضيف
27 أيام

هو يعني سعد ده ابوها ولا بيحبها

ضيف
ضيف
27 أيام

تسلم ايدك

ضيف
ضيف
27 أيام

ابدااااااااع

Nour
Nour
27 أيام

انتى دائما كده محيرانى صعب اتوقع اى حدث معاكى يا سارة انتى مبدعه فعلا تسلم ايدك حبيبتي ❤️❤️

ضيف
ضيف
27 أيام

تحفهههههه

ضيف
ضيف
27 أيام

تحفة 🥰

ضيف
ضيف
27 أيام

البارت عظمه تسلم ايدك ❤️

ضيف
ضيف
27 أيام

رووووووووووعه كالعاده تسلمى ❤️❤️

ضيف
ضيف
27 أيام

بارت تحفه

Ethar Ahmed
Ethar Ahmed
27 أيام

البارت جميل اوى تسلم ايدك

ضيف
ضيف
27 أيام

جميل

ضيف
ضيف
27 أيام

رائع تسلم ايدك

مى حسام
مى حسام
27 أيام

تسلم ايدك تحفه ♥️♥️♥️♥️♥️

ضيف
ضيف
27 أيام

روعه

ضيف
ضيف
27 أيام

اولا الف الف سلامه عليكي شفاكي الله وعافاكي

ضيف
ضيف
27 أيام

البارت تحفه تسلم ايدك

ضيف
ضيف
27 أيام

شكرا انك نزلتيه في ظروفك دي بالتوفيق استمري

ضيف
ضيف
27 أيام

تحفةةةة😍😍😍

ضيف
ضيف
27 أيام

يا ريت معلش متتاخريش علينا

ضيف
ضيف
27 أيام

تحفه ياقلبي ربنا يتمم شفائك على خير يارب

ضيف
ضيف
27 أيام

البارت تحفه تسلم ايدك ♥️ ♥️ ♥️

ضيف
ضيف
27 أيام

الحمد لله على السلامة ياقمر البارت تحفة وغاااامض 🌹🌹