ييبب
ملكي وكفي

ملكي وكفي (الفصل الخامس وعشرون)

ملكي وكفي (الفصل الخامس وعشرون)

إنَّ للفرح وجوهًا كثيرة…

وجهٌ تراه العيون،
ووجهٌ آخر لا يراه إلا من أرهقه الانتظار، وأثقل قلبه ما لا يستطيع البوح به.

فليس كلُّ من ابتسم كان سعيدًا،
ولا كلُّ من أطلق الزغاريد كان قلبه يخلو من الحزن،
ولا كلُّ بابٍ أُغلق خلفه سرٌّ سيبقى موصدًا إلى الأبد.

فبعض الأسرار…

مهما طال عليها الصمت،
تظلُّ تنبض تحت الرماد،
تنتظر لحظةً واحدة فقط…

لحظةً يسقط فيها حاجزٌ صغير،
فتتسع الشقوق،
وتبدأ الحقيقة في التسلل منها كالماء من بين أصابع المرتجف.

وفي تلك الليلة…

كانت البيوت مضاءة،
والقلوب معلقة بأمنياتٍ ظنّ أصحابها أنها اقتربت أخيرًا من الاكتمال.

لكن القدر…

كان يخبئ في الجهة الأخرى من المشهد شيئًا مختلفًا تمامًا.

شيئًا لا يشبه الزغاريد،
ولا يعرف طريقًا إلى الفرح.

كان هناك قلبٌ يقف وحيدًا أمام سؤالٍ لم يجد له جوابًا،
وقلبٌ آخر يحاول أن يتمسك بما تبقى له من أمان،
وثالثٌ يظن أنه حين يختار لأحبته الطريق الأسلم، فإنه بذلك يحميهم…

ولا يدري أن بعض الطرق الآمنة…

قد تقود إلى أكثر النهايات وجعًا.

وفي لحظةٍ واحدة…

قد تتبدل الحكاية كلها.

قد تصبح الضحكة غصة،
والأمنية اختبارًا،
والقرار الذي ظنه صاحبه رحمةً…

بدايةً لكارثةٍ لم يكن أحدٌ مستعدًا لها.

فبعض الحكايات لا تبدأ حين يلتقي العاشقان…

بل تبدأ حين يقف العالم كله بينهما.

وحين يضطر أحدهما أن يختار…

بين قلبه،
وبين الجميع.

أما الحقيقة…

فكانت لا تزال خلف ذلك الباب.

تنتظر فقط…

من يملك شجاعة فتحه.

البارت 25

وفي اللحظة نفسها…

شق صوت أنثوي مذهول ذلك الصمت الخانق من خلفهما: حقيقة إيه يا شينو؟

تجمد شاهين في مكانه.
وتوقفت أنفاس أحمد لحظة..

كأن السؤال سقط بينهما كحجر في ماء راكد، فاضطرب كل ما حاولَا إبقاءه ساكن…

أما حور….

فكانت واقفة عند مدخل الغرفة، تحدق فيهما بعينين اتسعتا بالشك، وقد التقطت أذناها تلك الكلمة الوحيدة التي لم يكن من المفترض أن تسمعها.

الحقيقة.

كلمة واحدة…

لكنها كانت كافية لتفتح باب ظل شاهين يغلقه بكلتا يديه، ويقف خلفه منذ زمن طويل، يخشى اليوم الذي ستقف فيه حور أمامه وتسأله عما أخفوه عنها.

التفت إليها شاهين ببطء، ورسم على شفتيه ابتسامة واهنة، خالية من أي فرح، ثم اقترب منها بخطوات هادئة تخفي خلفها اضطراب عاصف..

قال بنبرة حاول أن يجعلها طبيعية:
بلاش يا حور… عشان مش عايزك تزعلي.

ابتلعت حور غصتها بصعوبة، وشعرت بأن شيئًا بارد تسلل إلى قلبها.

لم يكن ما يقوله شاهين هو ما أخافها…

بل الطريقة التي قاله بها.

نظرت إلى أحمد، فوجدت في عينيه شيئًا لم تعهده من قبل؛ خوف، وارتباك، ووجع بدا وكأنه أقدم من اللحظة نفسها.

ثم عادت بعينيها إلى شاهين.

اقتربت منه أكثر، وقبضت على ذراعه بكلتا يديها، وكأنها تحاول أن تنتزع منه الإجابة قبل أن يهرب منها الكلام.

وغمغمت بصوت ارتجف رغم محاولتها التماسك:
إيه اللي ممكن يزعلني أوي كده وإنت مخبيه عليا يا شاهين؟ إنت عمرك ما خبيت عليا حاجة.

ظل صامت..

صمت طال أكثر مما ينبغي.

وكان كل جزء منه يصرخ في داخله باحثًا عن مخرج، بينما عقله يدور بسرعة محمومة، ينبش ذاكرته كصقر جارح، يقلب الاحتمالات واحد تلو الآخر، يبحث عن كلمة تنقذها من الحقيقة… وتنقذه من عينيها.

ارتجفت أصابع حور فوق ذراعه.

ومع استمرار صمته، سقط الرعب في قلبها دفعة واحدة.

رفعت عينيها إليه، وقالت بصوت خافت يحمل خوف طفلة تخشى أن تكون قد أخطأت دون أن تدري:
طيب… يعني أنا عملت حاجة زعلتك ولا إيه يا شاهين؟

تحرك أحمد أخيرًا.

خطا نحوهما ببطء، كأن كل خطوة تقربه من مواجهة ظل يؤجلها، ثم وقف أمام ابنته، ولم يستطع النظر في عينيها طويلًا.

نظر إلى شاهين نظرة فهمها الأخير فورًا.

لم تكن نظرة لوم…
كانت استغاثة.

كأن أحمد يقول له دون صوت: خلصنا من ثقل السر ده.

ثم التفت إلى حور وقال بهدوء مثقل:
لا يا حور… إنتي معملتيش حاجه..

تنفست حور بارتباك، لكن القلق لم يغادر عينيها.

سألته بسرعة : أمال ايه؟

خفض أحمد عينيه للحظة، ومرر يده على وجهه، ثم قال بصوت أثقل من أن يخرج بسهولة: غيرك عمل.

قطبت حور حاجبيها بدهشة، وازدادت قبضتها على ذراع شاهين:
غير مين يا بابا؟ وعمل إيه؟

ابتلع أحمد غصته بصعوبة، كأن الكلمات تحولت في حلقه إلى مرارة لا يستطيع ابتلاعها ولا يستطيع لفظها.

رفع عينيه إليها أخيرًا، وقال:
بصي يا حور… أصل…

قاطعه شاهين فجأة، بصوت حاد قطع الطريق على الكلمات قبل أن تغادر فم أحمد….

والتفت إليه بنظرة خاطفة كانت كافية ليخبره بكل شيء؛ لا تقلها… لن تتحمل..

ثم عاد بعينيه إلى حور، وقال ببرود مصطنع يخفي خلفه ارتباك عاصف:
أصل نهال صحبتك طلعت بت كلب جزمة.

عقدت حور حاجبيها بدهشة، بينما ظل أحمد يحدق في شاهين لثواني، وقد فهم اللعبة كاملة.

ذلك الثعلب الماكر…

اختار الكذبة الأسرع، والأسهل، والأرحم.

كذبة ستدفع عنها حقيقة لو خرجت الآن، ربما لم تحتملها حور… وربما لم يحتمل قلبها أن يعرفها أصلًا.

مسح أحمد كفه فوق شعره بعنف، وتمتم لنفسه بضيق ممزوج بيأس:
تعبان وابن كلب من يومك… مش عارف لو كنت كملت تعليمك كنت عملت فينا إيه.

لكن حور لم تكن ترى سوى وجه شاهين.

اقتربت منه بخطوات مترددة، وقالت بصوت خافت مشبع بالدهشة:
مالها نهال يا شينو؟ عملت إيه زعلك وممكن يزعلني؟ هي طاقة شوية، بس غلبانة أوي… صدقني والله.

ارتسم الضيق على وجه شاهين، وهز رأسه بحسم:
أصدق إيه يا حور؟ مفيش حد غلبان يا حبيبي….نهال دي حية براسين…
وأنا مكنتش عايز أقولك عشان متزعليش… مع إنها خسارة تزعلي عليها يوم واحد.

تعلقت عينا حور بوجهه.
كان في نبرته شيء لم تطمئن إليه.

شيء جعل أنفاسها تضطرب دون أن تعرف لماذا.

همست والدموع بدأت تتجمع في عينيها:
هي عملت إيه بس؟
قولي… أنا بجد اتخضيت؟

لكزه أحمد بعنف، ثم تحرك إلى الداخل وهو يتمتم بحنق مستسلم:
قالها بقى يا معلم شاهين.

رمقه شاهين بنظرة حانقة، ثم عاد إلى حور.

كانت أمامه بعينيها الواسعتين، وبقلبها الذي لا يعرف شيئًا عن الحقيقة التي يحاول دفنها تحت كذبة واحدة.

مد يديه ببطء، وأحاط وجنتيها بكفيه الدافئين، وكأن لمسته محاولة منه لأن يمنحها الأمان قبل أن يلقي في قلبها سبب آخر للألم.

قال بصوت خافت دافئ:
بصي يا حور… اللي حط السم ليكي يوم كتب كتابنا كانت نهال.

اتسعت عيناها.

توقفت للحظة عن التنفس، وكأن عقلها رفض تصديق الجملة قبل أن يستوعبها.

نهال؟
صديقتها؟

الإنسانة التي لم تتخيل يومًا أن تحمل لها كل هذا الشر؟
الوجه الذي اعتادت أن تراه قريب منها، والصوت الذي لم تتخيل يومًا أن يحمل لها الموت.

اهتز شيء عميق داخلها، وشعرت كأن الأرض نفسها فقدت ثباتها تحت قدميها.

خرج صوتها متقطع: طـ طيب… ليه؟

ارتجفت أنفاسها أكثر، ووضعت يدها فوق قلبها تحاول أن تلحق بالخفقان المتسارع في صدرها.

رفعت عينيها إلى شاهين، وكان في نظرتها وجع أعمق من الخوف نفسه.

وجع إنسان اكتشف أن الأذى لم يأتى من عدو بعيد…
بل من شخص كان يظنه يومًا قريب..

لم تكن تعرف أنها تسأل عن كذبة…

ولا تعرف أن الرجل الذي أمامها يخفي عنها حقيقة أشد قسوة من كل ما يمكن أن تتخيله.

همست بصوت مبحوح مرتجف:
أنا عملتلها إيه يا شاهين…
عشان تبقى عايزة تموتني؟

ارتجف قلب شاهين داخل صدره حين وقعت عيناه على يدها المستقرة فوق قلبها المريض، وكأن أصابعها الصغيرة كانت تضغط فوق موضع الجرح الذي يخشاه أكثر من أي شيء.

مد يده ووضعها فوق يدها برفق شديد، ثم أحاط خصرها بذراعه وسحبها إلى صدره بحنان موجوع، حنان لو امتلك الصخر قلب لأبكاه.

غمغم بصوت متحشرج، يحاول أن يخفي خلفه ارتعاش روحه:
اهدي يا نور عيني… أبوس إيدك…
عشان كده أنا مكنتش عايز أقولك…
يا ستي اعتبريها غدارة ….
وغارت في ستين داهية….
ومتزعليش يا حور… عشان خاطر حبيبك.

انزلقت دموعها على وجنتيها دون مقاومة، وسندت رأسها إلى صدره، بينما خرج صوتها مبحوح مثقل بوجع لم تفهم سببه:
مزعلش إزاي وأنا عمري ما عملتلها حاجة؟ ولا عمري أذيت حد في حياتي عشان هي تعمل فيا كده؟

رفعت وجهها إليه، وكان في عينيها سؤال بريء يحمل من الوجع أكثر مما يحتمل قلبها.
مش المفروض اللي بيتأذي ده هو اللي بيأذي يا شاهين؟ أنا بتأذي ليه؟

توقفت الكلمات في حلقه.

للحظة واحدة، شعر أن السؤال لم يكن عن نهال…

كان عن الحياة كلها.

عن كل شيء أخفاه عنها، وعن حقيقة دفنها تحت طبقات من الصمت والخوف، وعن اليوم الذي قد تقف فيه أمامه وتسأله السؤال الذي يخشاه أكثر من الموت:

أنا مين يا شاهين؟

لكنه لم يسمح لذلك الخاطر أن يظهر على وجهه.

انحنى وحملها بين ذراعيه بحذر شديد، وكأنه يحمل شيئًا من روحه لا جسد بين يديه، ثم تحرك بها نحو الخارج بخطوات سريعة، وقال بصوت مشقوق من شدة القلق:
لازم أحطك على جهاز الأكسجين بسرعة عشان نفسك….
ومتخافيش يا حتة من شينو…
محدش هيقدر ييجي جنبك تاني…
ولا يمس شعرة منك طول ما إنتى في حضني.

أحاطت حور عنقه بذراعيها، ودفنت وجهها في صدره، وانهمرت دموعها فوقه؛ دموع لم تكن تعرف أنها تحرق الرجل الذي يحملها أكثر من النار.

همست بصوت خافت:
وأنا عايزة أبقى في حضنك…
بعيد عن كل الناس يا شينو…
إنت الوحيد اللي بثق فيه من غير ما أفكر حتى.

أغمض شاهين عينيه للحظة.
كانت جملتها أبسط من أن تكون سلاح…
ومع ذلك شقت صدره كحد سكين.

هي تثق به.

تثق به ثقة عمياء، بينما هو في هذه اللحظة بالذات يخدعها.

لم يرف له جفن حين كذب عليها، لأنه كان يرى كذبته أرحم من حقيقة يخشى أن تقتلها من الداخل قبل أن يؤذيها المرض.

لكن ما أوجعه حقًا لم يكن الكذب…

بل أن تكون أكثر إنسانة تثق به في هذا العالم، وهو يحمل في صدره سر لو عرفته، فقد لا تنظر إلى وجهه بالطريقة نفسها مرة أخرى.

كان يخشى ذلك اليوم.

اليوم الذي تقف فيه أمامه، لا باكية ولا خائفة، بل مكسورة، وتسأله:

من أكون؟ ولماذا أخفيتم عني الحقيقة؟

زفر بثقل، وشد ذراعيه حولها أكثر، وكأنه يحاول أن يحجب عنها العالم كله، لا أن يحجب عنها سر واحد فقط.

غمغم بصوت متحشرج موجوع:
يا عمري… إنتى هتفضلي جوه حضني، حتى لو في قبري… وعلى جثتي حد يقرب منك، حتى لو كان الحزن نفسه.

شدت حور ذراعيها حول عنقه أكثر، وهمست من بين دموعها:
بعد الشر يا حبيبي… ربنا يخليك ليا يا شينو.

فتح شاهين عينيه.

ابتلع غصته، ثم دفع باب الشقة بقدمه ودلف بها إلى الداخل، وكأن المكان لم يكن مجرد منزل…

بل حصن بناه بيديه حول قلبها.

وأغلق الباب خلفه بعنف، تاركًا خلفه العالم كله…

وتاركًا معه حقيقة لم يعد يعرف إلى متى يستطيع دفنها.

………….

في المستشفى…

خرج أسر من الغرفة بخطوات بطيئة، كأنما يجر خلفه ثقل لا يرى، وقد انطفأت في ملامحه كل بشائر الطمأنينة، وحل محلها حزن ثقيل وغضب مكتوم.

كانت عيناه تحملان أثر ما رأى بالداخل؛ فتاة دخلت يومها وهي تحمل قلب مرتجف بالأمل، ثم انتهت بهزيمة لم يحتملها جسدها.

وما إن رأته عزة حتى نهضت من مكانها مسرعة، وتبعها شكري بخطوات ملهوفة، بينما تعلقت عيناها بوجه آسر تبحث فيه عن إجابة تطمئن قلبها.

اقتربت منه، وقبضت على ذراعه بأصابع مرتجفة، وغلبتها دموعها وهي تغمغم بصوت مخنوق:
طمني يا أسر يا ابني… مالها غزل دي؟ مكنتش بتنطق.

رفع شكري يده إليها محاولًا تهدئة انهيارها قبل أن يسبق خوفها عقلها، وقال بهدوء حازم:
اهدي يا عزة… خلينا نفهم الأول.

لكن أسر لم يستطع إخفاء ما يعتمل في صدره، فرفع يده بضيق، وقال بحدة امتزج فيها الغضب بالعتاب:
إيه اللي حصل وصلها لانهيار عصبي يا مرات عمي؟
مش كان المفروض زكريا هيجيب أهله ويتقدملها؟ وكانت مبسوطة!

كأن السؤال وحده فتح جرح لم يهدأ منذ لحظة سقوط ابنتها.

ارتعشت شفتا عزة، وانفجرت شهقاتها في نحيبٍ موجوع، ثم قالت بصوت مكسور، يحمل غضب أم رأت ابنتها تهان في اليوم الذي انتظرته طويلًا:
متجبش اسمها قدامي يا أسر… صاحبك جايب أهله من غير ما يعرفهم ظروف غزل، وطبعًا أمه مسبتش كلمة تجرح بنتي إلا وقالتها… ست معندهاش قلب ولا رحمة!

انعقد حاجب أسر في ذهول، واشتعل الغضب في عينيه، فلم يستطع استيعاب ما يسمعه:
إزاي الكلام ده؟! وزكريا سكت على المهزلة دي؟
وبعدين أنا أعرف أم زكريا من زمان، وست طيبة…
إزاي تعمل كده؟ وإزاي زكريا يجيبهم على عماهم من غير ما يفهمهم هو رايح يخطب مين؟

رفع شكري يده، وتحدث بصوت أكثر اتزان، كأنه يحاول أن يضع الحقيقة في موضعها قبل أن يتحول الغضب إلى نار لا تطفأ:
الشهادة لله يا ابني… الراجل مسكتش…
وقف قصاد أمه ودافع عن غزل بعزم ما فيه.

ضحكت عزة ضحكة قصيرة بلا فرح، أقرب إلى البكاء منها إلى الضحك، ثم ربعت ذراعيها حول صدرها وكأنها تحاول أن تمنع قلبها من التفتت، وقالت بنزق موجوع:
يا فرحتي وقف يدافع! كان الأولى يفهم أمه قبل ما يجيبها تهين بنتي وتوجعها في حاجة ملهاش ذنب فيها ولا في تعبها!

صمت أسر لحظة.

كانت الكلمات تسقط أمامه واحدة تلو الأخرى، وكل كلمة تزيد الصورة قسوة.

ثم قبض يده بغيظ، وقال بصوت حاسم:
أنا هشوفه… ليه تصرف مع صاحبي…
واللي حصل ده مش هيعدي بالساهل.

رفعت عزة عينيها إليه، وقد انكسر فيهما الغضب قليلًا أمام خوف الأم، وأشارت إلى باب الغرفة، ثم سألت بصوت متحشرج:
ينفع أدخل أطمن عليها يا ابني؟

هدأ وجه أسر قليلًا، وأومأ برأسه:
ادخلي… هي أصلًا نايمة، بس خليكي جنبها.

أومأت عزة، ومسحت دموعها بطرف يدها، ثم تحركت نحو الغرفة بخطوات مثقلة، وكأنها لا تدخل إلى غرفة ابنتها فحسب، بل تدخل إلى قلب منكسر لا تعرف كيف ستعيد جمعه.

انفتح الباب، واختفت عزة خلفه.

وبقي شكري جالس على أحد المقاعد، بينما جلس أسر إلى جواره، وقد خيم بينهما صمت ثقيل.

صمت لم يكن يعني غياب الكلام…
بل كان يعني أن ما حدث أكبر من أن تحتويه الكلمات.
……….

في الميناء…
في منزل جارحي السعدني

كان منزل جارحي السعدني قد تحول إلى خلية من الفرح؛ أضواء غزيرة تتلألأ في أرجاء الحديقة، والزينة تمتد فوق الأشجار وعلى أسوار المنزل، بينما كان صوت المزمار البلدي يملأ الفضاء بنغماته الصعيدية الأصيلة …

تختلط بها الزغاريد وضحكات الرجال والنساء، فتمنح المكان صخب محبب لا يشبه إلا ليالي الأعراس التي تقام حين تجتمع العائلات على قلب واحد.

وفي قلب الحديقة،

كانت الخيول الأصيلة تتهادى بفرسانها، ترفع حوافرها وتضرب الأرض في إيقاع مهيب، بينما ازدحمت الساحة بالمدعوين القادمين من كل صوب، وقد ارتدت النساء أجمل ثيابهن، وتعالت أصوات المباركات من كل جانب.

فاليوم لم يكن يوم عادي…

اليوم تكتب بداية عمر جديد لـ ياسين وأنين، ويفتح باب بيت آخر أمام شموع ويونس؛ فرح جمع عائلتين، وأشعل في القلوب بهجة انتظرها الجميع.

وعند البوابة، توقفت السيارات التي أرسلها جارحي إلى المطار لاستقبال آل المهدي، وما إن توقفت السيارة الأولى حتى ترجل منها أحمد، يتبعه شهد.

وما إن استقرت قدما شهد على الأرض، حتى اقترب منها أحمد تلقائيًا، حاوط خصرها بذراعه في حماية صارت أكثر وضوح منذ عرف أن داخلها حياة صغيرة انتظرها عمر كامل…

ثم استقرت كفه بحذر فوق بطنها، وكأنه لا يزال غير مصدق أن أمنيته التي ظل يخبئها في دعائه أصبحت الآن حقيقة تنبض تحت يده.

مال نحوها وسألها بحنان:
تعبتي من الطريق يا حبيبتي؟

هزت شهد رأسها بالنفي، ثم ابتسمت بخجل وهي تلتفت حولها إلى العيون التي راحت تستقبلهما، وهمست:
لا… المسافة من المطار لهنا مش كتير.

أومأ أحمد مطمئن، ثم تحرك معها إلى الداخل، لا يترك خصرها ولا يرفع كفه عن بطنها إلا لثواني، وكأنه يخشى أن يترك أمانه بعيدًا عن يده.

وخلفهما جاءت فوزية، وقد علت وجهها ابتسامة لم تستطع إخفاءها، بينما راحت عيناها تتجولان بين الزينة والضيوف، وكأنها تحاول أن تحفظ تفاصيل تلك الليلة في قلبها.

أما السيارة الثانية، فترجل منها يونس وياسين وزكريا، وسط أصوات الترحيب والزغاريد التي ارتفعت لحظة رؤيتهم.

وكان ياسين يحاول إخفاء ارتباكه خلف ابتسامة واسعة، فهو، رغم كل ما ادعاه من شجاعة، كان يعلم أن هذه الليلة ستغير حياته.

بينما كان يونس أكثر هدوء، إلا أن عينيه كانتا تفضحان فرح عميق لم يكن بحاجة إلى كلمات.

أما زكريا، فترجل من السيارة بصمت لم يشبه صخب المكان من حوله.

وقف للحظات عند الباب، والفرح يضج أمامه بكل ما أوتي من حياة؛

بينما كان هو يحمل في صدره ليل كامل لا يعرف كيف يخفيه.

منذ ساعات قليلة، كان يقف أمام غزل وهي تنهار أمام عينيه، يرى الدموع تغرق وجهها، ويسمع في صمتها صوت قلب انكسر في اليوم الذي كان من المفترض أن يبدأ فيه أجمل أيامه.

والآن…
عليه أن يبتسم.
أن يفرح.
أن ينسى للحظات أن قلبه ما زال عالق هناك، عند باب تلك الغرفة التي اختفت خلفها غزل محطمة.

رفع زكريا رأسه، وأجبر ملامحه على ابتسامة خافتة، ثم تحرك نحو إخوته، يصافح هذا ويمازح ذاك، ويحاول أن يمنحهم من فرحته شيئًا، رغم أن قلبه كان عاجز حتى عن منح نفسه ذرة واحدة.

ليلة يحق لهم فيها أن يضحكوا دون خوف، وأن ينسوا وجع الأمس، وأن يتركوا للزغاريد مهمة إعلان أن بعض الأمنيات، مهما تأخرت، تأتي في النهاية في موعد لا يخطئه القدر.

أشار أحمد إلى شهد وفوزية، ثم قال بصوت خافت يحمل حرص أبوي واضح:
ادخلوا جوه… امسكيها يا أم شاهين.

أومأت فوزية برأسها، ثم أمسكت بذراع شهد بحذر، كأنها تحمل بين يديها شيئًا ثمين تخشى عليه من نسمة هواء، وقالت مطمئنة إياه:
متخافش يا أخوي… في عيني، ربنا يوصلنا جوه بالسلامة.

اقترب أحمد من شهد، وانحنى يقبل رأسها بحنان بالغ، ثم أبقى عينيه عليها للحظات، وكأن قلبه لم يتعلم بعد كيف يهدأ منذ أصبحت تحمل داخلهما أمنيته التي انتظرها سنوات :
خلي بالك على نفسك يا شهد… بالله عليكي.

أومأت شهد بابتسامةٍط هادئة، وربتت على يده قائلة: متخافش يا أحمد.

تحركت فوزية معها نحو الداخل، ثم مالت عليها وهمست بنبرة مازحة تحاول بها أن تزيح عن الجو شيئًا من ثقله:
تعالي يا أختي يا ممحونة إنتي وجوزك.

رفعت شهد عينيها إليها بعتاب لطيف، وقالت : ويهديكي يا سلفتي.

رمقتها فوزية بنظرة حانقة، ومصت شفتيها بضيق وقالت: هو الفتان فتنلك؟!

أومأت شهد، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة وهي تقول:
آه… عمرك ما كنتي قاسية كده يا أختي، بس يلا لينا بيتنا نتكلم فيه.

وقبل أن تتابع سيرها، توقفت فوزية للحظة.

التفتت إلى زكريا.

كانت عيناها ممتلئتين بالدموع، إلا أنها لم تقل شيئًا.

نظرت إليه نظرة طويلة، مختلطة بشيء من الندم، وشيء آخر لم يستطع زكريا تفسيره؛ ثم أشاحت بعينيها سريعًا، وكأنها لم تحتمل مواجهة أثر كلماتها على وجه ابنها.

ودلفت خلف شهد إلى الداخل.

أما زكريا، فظل واقف في مكانه للحظة، وسط الضجيج والأنوار والزغاريد…

يحاول أن يبدو كواحد من أهل الفرح، بينما كانت تلك النظرة العابرة من أمه تفتح في صدره جرح آخر فوق جرحه.

في الخارج…

كان سيد وجارحي يقفان عند مدخل المنزل، يحيط بهما عدد من رجال العائلة، وقد اصطفوا لاستقبال ضيوفهم كما يليق بليلة صعيدية لا يسمح فيها للترحاب أن يكون عابر…

وما إن وقعت عينا جارحي على أحمد حتى انفرجت أساريره، وفتح ذراعيه له، وهتف بصوت دوى وسط الزغاريد والمزمار:
يا دي النور… يا دي النور! نورتوا الصعيد تمان يا عجب الحبايب!

ضحك أحمد واقترب منه، وضمه بسعادة صافية، ثم قال:
منور بأهله يا صاحبي.

ربت جارحي على منكبه، وقد ازدادت ابتسامته اتساع.. وقال بفرحة لا يشوبها شيء:
مبارك يا أخوي… ويتربى في عزك ويطلع في ضهرك، عوض ربك السعد كله… وربك لما يريد.

ابتسم أحمد، وبدت السعادة في عينيه رغم إرهاق السفر، وقال: الله يبارك فيك يا حبيبي… ربنا يتمم على خير.

وفي الجهة الأخرى، اقترب يونس من سيد وضمه بمحبة، وقال:الله ينور يا أبو السيد، إنت مخلص كل حاجة.

ضحك سيد وربت على منكبه، ثم قال بلهجة تحمل تهديد.مازح:
الصراحة أخوك مش هيعتب چوه الدار ولا يلمح أنين غير وهي على ذمته… بدل ما أطخه.

تعالت الضحكات، بينما رفع ياسين حاجبه بحنق مصطنع وقال:
ليه يا عم؟ هو أنا جيت ناحيتها ولا إنت سايب لي فرصة أعمل حاجة؟ بس يلا… كلها كام ساعة وأخطفها منكم وتبقى على ذمتي، وساعتها أنا اللي هطخك لو فتحت بوقك.

ازدادت الضحكات حوله، وتداخلت معها أصوات المزمار وطلقات الأعيرة النارية في السماء، إلا أن واحد فقط ظل خارج دائرة الفرح.

زكريا.

كان واقف بينهم بجسده، لكن روحه بدت وكأنها تركت المكان منذ ساعات.

لم يشاركهم الضحك، ولم يلتفت إلى المزاح، ولم تستطع ضوضاء الفرح أن تنتزع من عينيه ذلك الشرود الثقيل؛ كان وجه غزل لا يزال عالق في ذاكرته، ودموعها التي انكسرت أمامه لم تكن تسمح له بأن يفرح كما ينبغي.

لاحظ جارحي شروده، فاقترب منه وربت على منكبه بحنو، ونظر إليه بدهشة:
عقبالك يا دكتور… مالك يا ولدي؟ شايل الهم ليه؟

رفع زكريا عينيه إليه.

كانت النظرة مشتعلة بغضب مكبوت، وحزن لم يجد له مخرج، فقال بصوت مقتضب: مفتكرش يا خال.

ثم استدار وانصرف بخطوات غاضبة، تاركًا خلفه دهشة جارحي.

التفت جارحي إلى أحمد، وسأله بعينيه قبل أن يقول:
ماله زكريا يا أحمد؟

أشار أحمد بيده إشارة مقتضبة، وقال:
هحكيلك بعدين.

أومأ جارحي، ثم نظر حوله يبحث عن الباقي، وقال:
أمال وين شاهين؟ هي حور لساتها عيانة؟

هز أحمد رأسه مطمئنًا:
لا، حور الحمد لله أحسن كتير… بس شاهين بيمشي على مهله عشان حور، تلقيهم على وصول.

أومأ جارحي، ثم أشار إلى الداخل بكرم وترحاب:
اتفضلوا… اتفضلوا، ناكلوا لجمة على ما شاهين يوصل والجاضي كمان.

تحرك الجميع إلى الداخل، تسبقهم الزغاريد، وتتبعهم أصوات المزمار البلدي وطلقات الأعيرة النارية، بينما ظل زكريا وحده بعيدًا عنهم بخطوات…

كأن الفرح كله كان يسير في اتجاه، وقلبه يسير في اتجاه آخر.

في الداخل…

كان الفرح في الداخل أكثر دفئ؛ فالضجيج الذي يملأ الحديقة بدا هنا أهدأ قليلًا لكنه لم يكن أقل حياة.

أصوات الضحكات تتعالى بين المدعوين، والزغاريد تتردد من حين إلى آخر، بينما راحت العيون تتنقل بين العروسين وأهلهما في سعادة صافية، كأن الجميع جاء الليلة ليشهد ولادة حكايتين جديدتين تحت سقف واحد.

وما إن دخلت فوزية وشهد حتى أسرعت إليهما ثنية، تستقبلهما بوجه مشرق بالفرحة، وفتحت ذراعيها لفوزية قبل أن تضمها بحفاوة صادقة، وهتفت:
حمد الله على السلامة يا سلفتي.

بادلتها فوزية العناق، وربتت على منكبها بحنان، وقالت:
الله يسلمك يا حبيبتي.

ثم التفتت ثنية إلى شهد، وما إن وقعت عيناها عليها حتى احتضنتها بسعادة، وراحت تربت على ظهرها بحنو أمومي وهي تقول:
مبروك يا حبيبتي… وربنا يجومك طيبة لچوزك وضناكي.

ابتسمت شهد بخجل وسعادة، وربتت على منكبها قائلة:
الله يبارك فيكي يا أم العرايس.

وكانت الكلمة وحدها كفيلة بأن توسع ابتسامة ثنية، وكأن لقب أم العرايس أصبح وسام جديد علقته الليلة على صدرها.

ومن بين المدعوين، نهضت أنين وشموع تستقبلان أهلهما، وقد ارتدت كل واحدة منهما فستان بسيط أنيق يليق بليلة كهذه؛ ليلة لم تكن تحتاج إلى كثير من الزينة، لأن الفرح نفسه كان يكسو وجوههما.

اقتربت شموع أولًا، واحتضنت فوزية بحب، وهتفت:
حمد الله على السلامة يا عمتي.

ربتت فوزية على منكبها، ونظرت إليها بعينين تفيض بهما السعادة:
الله يسلمك يا عروسة ابني.

ثم جاءت أنين، فاحتضنت شهد بحب صادق، وقالت بفرحة:
مبروك يا أبلة شهد… ربنا يجومك بالسلامة يا رب.

بادلتها شهد العناق، وربتت على ظهرها بحنان، وقالت:
الله يبارك فيكي يا عروسة… ربنا يتمملك على خير يا حبيبتي.

وتتابعت الأحضان والمباركات بينهن، في مشهد دافئ تختلط فيه مشاعر الأمومة بأفراح العرائس، حتى بدا البيت كله وكأنه قلب واحد ينبض بالزغاريد.

لكن شموع، بعد أن فرغت من عناق شهد، راحت تتلفت بين الوجوه تبحث عن شخص غاب عن المشهد.

قطبت حاجبيها بدهشة، ثم التفتت إلى فوزية وسألت:
أمال فين حور؟ مجتش معاكم ولا إيه؟

هزت فوزية رأسها بحنق، وكأن مجرد ذكر اسم شاهين أعاد إلى صدرها ضيق لم يهدأ منذ خرجت من البيت، وقالت:
لا، جايه مع شاهين في العربية… أصل المعلم مقموص مني ومرديش ييجي معانا في نفس العربية.

هزت شهد رأسها بيأس، ثم رمقتها بنظرة عارفة بما يدور داخل رأسها، وقالت:
برضو يا ولية… اللي في مخك في مخك…
شاهين بس بيمشي على مهله عشان حور، وزمانه على وصول.

نظرت ثنية إليها بدهشة، وقد بدا لها أن غضب شاهين لا يستحق كل هذا، فغمغمت:
ويتكدر منك ليه بس يا خيتي؟
كف الله الشر… ديه شاهين وإخواته روحهم فيكي.

لوحت فوزية بيدها بحنق، وقالت وكأنها تستعيد حجتها من جديد:
كل ده عشان قلت لا على البت خرج البيوت اللي عايزة زكريا.

ما إن سمعت شموع الجملة حتى انقبض حاجباها بضيق، والتفتت إلى أنين في صمت، فالتقت عينا الاثنتين في نظرة فهمت كل واحدة منها ما تفكر فيه الأخرى، قبل أن تهز أنين رأسها موافقة.

أما ثنية، فلم تجد في الأمر ما يستدعي كل هذا الاعتراض، فقالت بحنق صريح:
وه كيف يعني؟ الدكتور زكريا زينة الشباب، أصل وفصل… ويروح ياخد البواجي؟ ما ياخد صبية بت بنوت، أول بخته، يفرح بيها!

أشارت فوزية بيدها بعصبية، وقد شعرت أن الجميع اجتمع عليها وكأنها ارتكبت جريمة، وقالت:
والله قلت كده… طلعوني الغلط ركبني من ساسي لرأسي.

أشارت ثنية إلى مجموعة من الفتيات الجالسات بالقرب منهن، وقالت بثقة امرأة كأنها لا تطرح مجرد رأي، بل تقدم لفوزية حل لمشكلة تؤرقها:
سيبك منهم إنتي… إنتي أدرى بمصلحة ولدك…
واعية الصبايا كيف الفاكهة الصابحة؟
أول جطفة، وكلاتهم مننا وعلينا….
أنا لو منك، مروحش من هنه غير بعروسة منيهم للدكتور، ويفرح كيف خواته.
وبعدين الدكتور زكريا مش شوية يا فوزية،
والبيوت تتفتح له من غير ما يخبط على بابها.

راحت عينا فوزية تتنقلان بين الفتيات، دون أن تشعر، بينما تابعت ثنية حديثها وهي تقرب الفكرة منها خطوة خطوة:
شوفي الصبايا حواليكي… دي بت، ودي بت، ودي أهلها يتمنوا الدكتور يبص ناحيتها بس…
وكل واحدة فيهم أول بخته، لا سبج لها چواز ولا مسها الهواء ولا حكايات تشيلها معاها.

سكتت لحظة، ثم مالت نحو فوزية وهمست كأنها تقول لها سر لا ينبغي أن يسمعه أحد:
يعني إنتي لو خايفة على ولدك، جدامك الحل أهو… تختاري له واحدة من دول، وتروحي بيها بلدكم، وتفرحي بيه زي ما فرحتي بإخواته… بدل ما تسيبيه متعلج بواحدة جلبك مش مطاوعك عليها.

لمعت عينا فوزية قليلًا، لكنها لم تجب.

كانت الفكرة قد دخلت رأسها من الباب الذي فتحته ثنية دون أن تستأذن؛ باب خوف الأم على ابنها، وخوفها الأكبر من أن يندم يومًا على اختيار تراه هي غير مناسب.

أكملت ثنية، وقد رأت التردد يلين في عينيها:
وإنتي مش في حبر تستني كتير… اختاري واحدة تعچبك، واتكلمي مع ناسها… ولو وافجوا، يبجى رجلك حطت أول الطريج. الدكتور مش ناجصه غير ست تشيله وتفرح بيه، والفرحة الليلة حوالين خواته، ليه ما تكملش بيه هو كمان؟

ظلت فوزية تحدق في الفتيات، وكأنها للمرة الأولى لا تراهن مجرد مدعوات إلى فرح، بل احتمالات حقيقية لزوجة ابنها.

زوجة أخرى…

بعد أن أغلقت بيدها باب غزل.

الفكرة التي كانت منذ لحظات مجرد حديث نساء، بدأت تتحول داخل عقلها إلى حل كامل الملامح؛ عروس جديدة، بيت جديد، وحياة تبنى قبل أن يجد زكريا وقت ليعترض.

وانفرجت شفتاها عن ابتسامة صغيرة، وهي تهمس:
والله… فكرة يا ثنية.

لكن قبل أن تتمكن الفكرة من أن تخطو خطوة أخرى، جاءت شهد كأنها التقطت رائحتها قبل أن تقال، فشهقت بغضب:
جري إيه يا فوزية؟ انتي ليه محسساني إن ابنك مخه على قده ولا عيل صغير؟ ده راجل واد الدنيا يا ناس! عايزين إزاي تجوزوه غصب عنه؟ سيبي الواد في حاله يا فوزية… كفاية كسرة قلبه على البت اللي بيحبها.

كانت كلمات شهد أكثر من مجرد اعتراض؛ كانت دفاع عن رجل رأته في عينيه كيف قلبه مكسور ، وكيف حاول رغم ذلك أن يحمل وجع الجميع على كتفيه.

رفعت فوزية عينيها إليها، لكن هذه المرة لم يكن في نظرتها مجرد غضب…

كان هناك شيء آخر.
فكرة بدأت تنمو.

وفكرة العروس البديلة، التي دخلت رأسها همس، لم تعد تبدو لها مستحيلة كما كانت قبل دقائق.

أومأت شموع برأسها، وقد اشتعل الغضب في عينيها هي الأخرى من ذلك التفكير الذي بدا لها قاسي وعقيم، وقالت:
شهد معاها حج يا عمتي… سيبي الجرح يلم، وبعدها ابجي اتكلمي.

ثم التفتت إلى والدتها، وحدقت بها بنظرة حازمة، وقالت:
وإنتي ياما، لتجولي خير لتسكتي… الحكاية مش ناجصه…

ساد صمت قصير بينهن، لكنه لم يكن صمت هادئ؛ كان أشبه بفتيل اشتعل في مكان لا يزال الجميع يحاولون إخفاء ناره تحت رماد الفرح.

وفي الخارج، استمر صوت المزمار والزغاريد كأن شيئًا لا يحدث…

بينما في الداخل، كانت حكاية أخرى تكتب، حكاية حب يقف في وجهها خوف أم، وعنـاد قلب، وجراح لم تجف بعد.

………….
مساء… في حديقة منزل الجارحي

كانت ليلة الفرح قد بلغت ذروتها، حين دوت الأعيرة النارية في السماء مع وصول المأذون، فارتجت لها أرجاء الحديقة، وتداخلت أصواتها مع نغمات المزمار البلدي والزغاريد التي انطلقت من أفواه النساء كأنها طيور أفلتت من أقفاصها.

تحرك أحمد وجارحي وسيد وشاهين ويونس وياسين لاستقبال المأذون، تتعالى حولهم المباركات والتحيات، وتتقاطع الأيدي بالمصافحات والأحضان، بينما كانت السعادة تسري بين الحاضرين كعدوى جميلة لا يريد أحد أن يشفى منها.

ومر الوقت سريعًا…

سريعًا على الجميع، إلا على قلب واحد.

جلس يونس أمام خاله، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة صافية، وأضاءت عيناه بسعادة لم يستطع إخفاءها.

كان ينظر إلى الرجل أمامه وكأنه يستمع إلى الكلمات التي ستغير حياته كلها، بينما بدأ المأذون يردد العبارات المعهودة، ويردد يونس خلفه بثبات تختلط فيه الهيبة بالفرحة.

وكان جارحي يردد خلف يونس، حتى انتهى المأذون بدعائه الذي طالما انتظرته القلوب:
بارك الله لكما وعليكما، وجمع بينكما في خير…

ساد التصفيق، وانطلقت الزغاريد دفعة واحدة، وكأن البيت كله تنفس فرحة واحدة.

نهض يونس على الفور، واتجه إلى جارحي واحتضنه بقوة، فضحك الرجل وربت على منكبه بحنان أبوي، وقال:
مبارك عليك شمعة درانا يا ولدي… شيلها في عينك.

ابتعد يونس قليلًا، وكانت السعادة تفيض من ملامحه وهو يجيبه:
وهتنور بيتي وحياتي يا خال… مش عيني بس.

اقترب سيد واحتضن يونس وسط ضحكات الرجال، وربت على منكبه قائلًا:
منك المال ومنها العيال يا ولد عمتي.

تعالت ضحكة يونس من قلبه، وقال:
يسمع منك ربنا يا ابن خالي.

وفي لحظة واحدة، اندفع شاهين وأحمد نحوه، وانضم إليهما الآخرون، فحملوا يونس بينهم وسط صيحات الفرح والضحكات، وراحوا يقذفونه إلى أعلى ثم يلتقطونه، بينما تعالت الأعيرة النارية في السماء، وارتفع صوت المزمار حتى بدا وكأن الليل نفسه يشاركهم الاحتفال.

كان كل شيء حوله حيا…

الأنوار، والضحكات، والزغاريد، والموسيقى، والأذرع المتشابكة، والوجوه التي أضاءتها الفرحة.

إلا زكريا.

جلس بعيدًا عند طرف الفرح، منفصل عن صخبه رغم أنه يجلس في قلبه.

حاول أن يرسم على شفتيه ابتسامة تشبه ابتسامات إخوته، أن يشاركهم فرحتهم كما اعتاد، وأن يقنع قلبه بأن الليلة ليست له، وأن عليه أن يكون أخ قبل أن يكون رجل مكسور.

لكن عينيه خانتاه.

كان الحزن يغمرهما بعمق حاد، حزن لم تستطع أضواء الحديقة أن تطفئه، ولا أصوات المزمار أن تغطي عليه.

ظل يراقب إخوته وهم يحتفلون…

يصفق لهم، ويبتسم حين ينبغي أن يبتسم، لكنه في داخله كان لا يزال واقف عند تلك اللحظة التي ترك فيها غزل خلفه، ودموعها تسبقه.

فخفض بصره، وابتلع غصته، ثم رفع وجهه من جديد، ورسم ابتسامة على شفتيه.

ابتسامة لأجلهم…
فقط لأجلهم.

كان الفرح حوله يعلو…

وقلبه، في الجهة الأخرى، كان يهبط أكثر فأكثر.

ولم تمضي سوى لحظات قليلة حتى تبدل المشهد، فترك يونس مكانه، وحل ياسين محله أمام المأذون، وهو يبتسم ابتسامة عريضة لا تخطئها عين، حتى بدا كأنه لم يعد يعرف كيف يسع الفرح ملامحه.

هز جارحي رأسه بيأس ممزوج بالضحك، ومد يده ليصافحه، بينما وضع المأذون المنديل الأبيض فوق أيديهما..

وبدأ يردد الكلمات المأثورة التي تحمل في ثناياها معنى العمر كله؛ كلمات عن المودة، والرحمة، والمسؤولية، وبيت جديد يبنى لا بالحجارة، وإنما بالصدق والصبر والمحبة.

وكان ياسين يردد خلفه، صوته ثابت، لكن ابتسامته كانت تفضحه؛ رجل بالكاد ينتظر انتهاء الكلمات ليبدأ حياته التي ظل يحلم بها.

حتى ختم المأذون دعاءه:
بارك الله لكما وعليكما، وجمع بينكما في خير.

انطلقت الزغاريد من جديد، وتعالت التصفيقات، ونهض ياسين في لحظة واحدة كمن تحرر من قيد طال انتظاره، واتجه إلى جارحي واحتضنه بقوة، فضحك الرجل وربت على ظهره وقال:
مبارك عليك يا ولدي… أحلى حتة في جلب خالك…
يعني لو في يوم وزك عجلك وتكدرها…

ولم يدعه يكمل، إذ جاء صوت سيد من الخلف حاد قاطع: هطخوه!

التفت إليه ياسين بحنق، وقال:
إيه يا عم إنت؟ على طول معمر نفسك ورا كده!

ضحك سيد، وأومأ برأسه بثقة، وقال:
طول ما ماشي عدل، يحتار السلاح فيك يا ولد عمتي.

انفجر من حولهما الضحك، بينما اندفع أحمد نحو ياسين واحتضنه بسعادة غامرة، وقال وهو يربت على ظهره:
مبروك يا ابن قلبي… عقبال ما تعقل قبل ما تخاف لنا!

ضحك ياسين من قلبه، وضم أحمد إليه، ثم قال بوقاحة محببة:
حطني بس مع العروسة في أوضة تكون عازلة للصوت، وبس… هجبلك عيال ملهمش ملة!

انفجرت ضحكات الرجال، وهز أحمد رأسه بيأس، بينما اقترب شاهين من ياسين، وقبض على ذراعه قائلًا:
يلا يا عم أحمد… هنرميه ومش هنلقفه!

شهق ياسين واتسعت عيناه: إيه؟! استنى يا عم!

لكن احتجاجه ضاع وسط الضحكات، إذ انضم إليه أحمد وشاهين ويونس وسيد، وحملوه بينهم، ثم أخذوا يقذفونه إلى أعلى ويعيدون التقاطه، وسط صرخاته وضحكاته التي اختلطت بزغاريد النساء.

ارتفعت الأعيرة النارية في السماء، ودوى صوت المزمار البلدي، وامتلأت أرجاء المكان بالتصفيق والضحكات، حتى بدا الليل نفسه وكأنه يحتفل بزواج الرجلين.

التفت جارحي إلى الجهة الأخرى، فاستقرت عيناه على زكريا، ذلك الذي حضر إلى فرح أبناء خاله بجسده وحده، بينما بدا أن روحه ما زالت عالقة هناك… في بيت ترك خلفه امرأة مكسورة وقلب لم يعرف كيف يعود به إلى صدره.

رق قلب جارحي لمشهد ابن أخته، فتحرك نحوه بخطوات هادئة، كمن يقترب من جرح يخشى أن يلمسه فينزف من جديد.

كان زكريا جالس في طرف المكان، بعيدًا عن صخب الفرح، قابض على هاتفه بين يديه.

ضغط على اسم غزل مرة أخرى.

اتصل…
لكن الهاتف ظل مغلق..

أنزل الهاتف، وبقيت عيناه معلقتين بصورة صغيرة لها على شاشته.

صورة كانت تبتسم فيها…

أما هو، فلم يعد يستطيع حتى النظر إليها دون أن يشعر بشيء يتمزق داخله.

طال تأمله لها، وغامت عيناه بالدموع، وعادت إلى ذاكرته صورتها وهي واقفة أمامه، ودموعها تنهمر بلا توقف، ونظرتها المكسورة التي لم تفارقه منذ غادرها.

كانت نظرة واحدة منها كافية لأن تذبحه من الوريد إلى الوريد.

قبض على الهاتف بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعه، وكأنه يحاول أن يعاقب شيئًا لا ذنب له سوى أنه يحمل صورتها.

احتقنت عيناه، وتحول الحزن فيهما إلى غضب مكتوم، غضب لم يكن يعرف أين يضعه؛ في نفسه؟ أم في أمه؟ أم في ذلك القدر الذي اختار أن يضع حبه في مواجهة الجميع؟

وفجأة…

استشعر يد دافئة تستقر فوق منكبه.

رفع رأسه، فوجد جارحي إلى جواره.

جلس الرجل بجانبه، وربت على كتفه في هدوء أبوي، ثم قال بصوت جاد يحمل من الحكمة بقدر ما يحمل من الحنان:
استهدي بالله يا ولدي… كل شيء جسمة ونصيب، وأمك ما بدهاش غير مصلحتك.

ظل زكريا صامت لحظة، ثم ضحك ضحكة قصيرة بلا حياة، وهز رأسه بيأس قبل أن يخرج صوته مثقل بالغضب:
ليه محسسني إني عيل بريالة ومش عارف مصلحتي يا خال؟ أمي هي اللي مش عارفة مصلحتي… عشان لو كانت عارفاها، كانت على الأقل استنت لما نروح، وكانت كلمتني بيني وبينها… مش قدام الناس، كأني عيل بشخة. دانا حاسس كأني ماحصلتش العيل!

خرجت كلماته محملة بسنوات كاملة من الرجولة التي يحاول أن يثبتها أمام أمه، وبوجع رجل لم يكن يؤلمه أن ترفض رغبته بقدر ما أوجعه أن يسلب منه حقه في الاختيار.

تنهد جارحي بضيق، وربت على كتفه مرة أخرى، وقال:
هي غلطت في الحتة دي، وأنا ما بنكرش… بس بردك إحنا بنوعالكم مهما كبرتوا عيالنا بنخاف عليكم،
وكل ما تكبروا أكتر، خوفنا عليكم بيزيد….
وصدجني يا ولدي، لو أي واحدة مطرحها هتعمل إكده… وزيادة هبابه.

التفت إليه زكريا ببطء، وحدق فيه بدهشة عميقة، كأنه كان ينتظر من خاله أن يفهمه، لا أن يجد لأمه مبرر..

ثم هز رأسه بيأس، وأدار وجهه بعيدًا.

عاد هاتفه إلى كفه.
وعادت عيناه إلى صورة غزل.

هذه المرة لم يحاول الاتصال.

اكتفى بأن ظل ينظر إليها، كأن الشاشة هي آخر خيط يربطه بها، وكأنه يخشى إن أغلقها أن يخسرها للمرة الثانية.

ربت جارحي على ساق زكريا، ثم قال بنبرة هادئة، لكنها كانت تحمل بين طياتها ذلك الفكر الذي تربى عليه جيل كامل:
يا ولدي… بلاش تاخد اللي چربت راجل غيرك…
ليه تاخد معون غيرك جطفه ولعج فيه، وفي يدك تاخد اللي متبرشمه، ولا مطلتهوش يد حد، ولا حتى الهوا كشفه؟

لم تكن الكلمات قد استقرت كاملة في أذنه حتى تبدل وجه زكريا.

اشتعل الغضب في عينيه دفعة واحدة، ونهض من مكانه كأن مقعده لفظه، وهدر بصوت حاد قطع المسافة بينهما:
إيه اللي بتقوله ده يا خال؟! عيب عليك! إنت بتتكلم على بني آدمة ظروفها مش بإيدها! واحدة اتجوزت، ومكنتش تعرف اللي مستنيها… خلاص؟ نكتب شهادة وفاتها ونرتاح؟!

ارتفع صدره بأنفاس غاضبة، ثم أشار بيده كأنه يدافع عن غزل أمام محكمة لا يراها سواه:
غزل عندي أحسن من كل الستات اللي في الدنيا!
وأنا أكيد مش هكون أحسن من تراب رجلين النبي محمد صلى الله عليه وسلم،
اللي اتجوز المطلقة والأرملة عشان يعلمنا إن الست المطلقة مش ناقصة، ولا عار، ولا أقل طهاره من غيرها.

ساد الصمت حولهما للحظات.
ثم التفت زكريا إلى يونس، وأشار إليه بيده، وقال بحدة:
وبعدين ما هو يونس مطلق… وفقت عليه ليه لبنتك البكر؟ ولا عشان هو راجل؟

ساد الصمت ثانية.
كان السؤال بسيط…
لكن وقعه كان ثقيل..

أومأ جارحي برأسه ببطء، وكأنه يرى الأمر من زاوية أخرى تمامًا، وقال:
أيوه… صح… عشان راجل.
الراجل ما بيتعايرش، ولا يتعاتب …
والشرع لما حلل أربعة، حللهم للراجل…

توقف لحظة، ثم أضاف بلهجته الواثقة:
مش للمره.

حدق زكريا فيه للحظات، وقد خفت غضبه فجأة، لا لأن كلمات خاله أقنعته، بل لأن دهشته كانت أكبر من قدرته على الرد.

كان ينظر إليه كمن يتحدث إلى جدار خرساني؛ كلما ألقى عليه كلمة، ارتدت إليه دون أن تترك فيه خدش..

نهض جارحي، واقترب منه، وربت على منكبه بحنان لم يتغير رغم اختلافهما، وقال:
يا ولدي… نحن بدنا تفرح كيف خواتك…
ليه تحرم حالك من بكر تصرخ في وشك وتفرح بيها؟
ليه تاخد وچع غيرك وإنت في يدك تختار راحة بالك؟

ظل زكريا يحدق فيه مذهول..

راحة بال؟
وكأن غزل كانت وجع..

وكأن السنوات التي عاشتها تحت رحمة رجل لم يرحمها أصبحت عيب يكتب على جبينها، لا جرح يداوى.

هز رأسه ببطء، ثم تمتم بسخرية موجوعة:
تفكير عقيم ابن كلب…

رن هاتفه في تلك اللحظة.

أخرج زكريا الهاتف من جيبه، ونظر إلى الشاشة، فزفر بحنق، ثم ابتعد عدة خطوات عن جارحي، كأنه يحتاج إلى أي شيء ينقذه من هذه المناقشة قبل أن يقول ما لا يحمد عقباه.

رفع الهاتف إلى أذنه، وما إن جاءه الاتصال حتى تغير صوته، وانكسر الغضب فيه أمام مفاجأة لم يتوقعها :
ألو… أنا كنت هكلمك.

جاء صوت آسر من الطرف الآخر حاد ، قاطع للهواء كحد سكين:
هتكلمني ليه يا زكريا؟ عايز إيه تاني بعد اللي حصل؟

ابتلع زكريا غصته بصعوبة، كأنها كتلة من المرار استقرت في حلقه، ثم قال بصوت حاول أن يجعله ثابت:
اللي حصل سوء تفاهم… وأنا هصلحه.

جاءه صوت آسر أكثر حدة:
سوء التفاهم ده خلى غزل محجوزة عندي في المستشفى… وعندها انهيار عصبي.

تجمد زكريا.

في لحظة واحدة، انطفأ كل شيء حوله.

المزمار الذي كان يصدح منذ دقائق، وضحكات الرجال، والأعيرة النارية التي كانت تشق السماء… كلها تراجعت إلى مكان بعيد، ولم يبقي في أذنه سوى جملة واحدة.

غزل في المستشفى.

انفرجت شفتاه، لكنه لم يجد صوت يخرج.

شعر وكأن روحه انسحبت من جسده دفعة واحدة، وتركته واقف في مكانه بلا قدرة حتى على التنفس.

لكن آسر لم يمنحه فرصة لالتقاط أنفاسه، وأكمل بصوت يحمل غضب صريح:
ابعد عن غزل يا زكريا… وكفاية اللي حصل…
إحنا أصحاب، آه، بس مش هسمحلك تيجي عليها…
كفاية اللي عاشته.

كان كل حرف يسقط فوق قلب زكريا كحجر.
وقبل أن يستوعب ما سمعه، انقطع الاتصال.

ظل الهاتف ملاصق لأذنه لثواني، وعيناه معلقتان في الفراغ.

ثم انتفض فجأة: ألو؟! ألووو… آسر!

لا إجابة.
رد عليا يا آسر… ألو!

أنزل الهاتف عن أذنه، وحدق في شاشته وكأنه ينتظر منها أن تمنحه تفسير لما حدث.

لكن الشاشة بقيت صامتة.

قبض على الهاتف بقوة، حتى ارتجفت أصابعه حوله، ثم رفع عينيه يبحث بين الوجوه عن شخص واحد يستطيع أن يوقف هذا العجز الذي ينهش صدره.

عن أحمد…

أو شاهين…

أي أحد.

حتى لمح شاهين على مسافة غير بعيدة.

اندفع نحوه، وركض حتى وصل إليه، ثم قبض على ذراعه وسحبه إلى جانب بعيد عن الضجيج.

قال بصوت حاد، لكن خلف حدته كان هناك شيء آخر… شيء أقرب إلى الرعب:
شاهين… أنا نازل مصر.

قطب شاهين حاجبيه بدهشة: ليه؟ في إيه؟

ابتلع زكريا جمرة مشتعلة علقت في حلقه، وقال بصوت مبحوح:غزل في المستشفى… عندها انهيار عصبي.

تغير وجه شاهين فورًا.

أما زكريا فتابع، وكأن الكلمات تخرج منه انتزاع:
أنا لازم أروح لها. لازم أشوفها وأطمن عليها…
ولو حكمت، هكتب عليها…
واللي يعجبه أهلاً وسهلاً، واللي ميعجبهوش… ميهمنيش.

أغمض شاهين عينيه لحظة، ثم فتحهما وربت على منكبه بقوة ثابتة، وقال:
اهدى بس… انزل شوفها واطمن عليها، وسيبك من حكاية هكتب عليها دي دلوقتي… عشان يوم ما تكتب عليها، يكون في ليلة وفرحة زي دي. هي مش أقل من أي واحدة تدخل بيتنا.

سكت لحظة، ثم ضغط على منكبه بحنان:
المهم روح طيب خاطرها… والباقي سهل.

أومأ زكريا برأسه، ولم ينتظر أكثر.

استدار واندفع نحو الخارج بخطوات سريعة غاضبة، تدك الأرض تحت قدميه، حتى ارتفع الغبار من حوله.

لم يكن يعرف ما الذي ينتظره حين يصل إليها…
لكنه كان يعرف شيئًا واحد فقط.
هذه المرة، لن يسمح لأحد أن يقف بينه وبين غزل.
وووووو

ساحره القلم ساره احمد

4.2 117 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
113 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Salma Mohamed
Salma Mohamed
11 أيام

تسلم ايدك ❤️

Samar
Samar
11 أيام

تسلمي ي مبدعه ♥️

Shimooo
Shimooo
11 أيام

تحفه اوي تسلم ايدك ❤️❤️❤️

ضيف
ضيف
11 أيام

تسلم ايدك♥️♥️♥️

سحر الحلوس
سحر الحلوس
11 أيام

رووووووووووعه بجد تسلمى ❤️❤️❤️❤️❤️

سحر الحلوس
سحر الحلوس
11 أيام

❤️❤️❤️❤️❤️🌹🌹🌹🌹🌹

Mero❤️
Mero❤️
11 أيام

تسلم ايدك ❤️

اميره
اميره
11 أيام

تحفه

كاميليا على
كاميليا على
11 أيام

تحفة تسلم ايدك

كاميليا على
كاميليا على
11 أيام

تفكير متخلف

Nabila Ahmad
Nabila Ahmad
11 أيام

تسلم ايدك وعيونك ياقمر البارت تحفة كالعادة جميل جدا

nouran
nouran
11 أيام

تحفةة تسلم ايدك يا قلبي ❤️

ضيف
ضيف
11 أيام

زكريا صعبان عليا جدا

Marwa
Marwa
11 أيام

جميل جداً تسلم ايدك ياقمر

ضيف
ضيف
11 أيام

ليه كدا كسرة نفس زكريا بجد صعب جدا

Faten Ramadan
Faten Ramadan
11 أيام

تسلم ايدك يا قلبي 🥰

ضيف
ضيف
11 أيام

حمدان

مريم بشرى
مريم بشرى
11 أيام

تسلم ايدك بجد بارت قمة الروعة والجمال

ضيف
ضيف
11 أيام

رائع تسلم ايدك

ضيف
ضيف
11 أيام

تسلم ايدك

An a Shosho
An a Shosho
11 أيام

الفصل جميل
تسلم ايدك يا حبيبتي

ضيف
ضيف
11 أيام

ابداااع ياسووو 😘😘

Abaar Zamzam
Abaar Zamzam
11 أيام

تسلم ايدك و عنيكي ي سو بارت ولا اروع 🤍🤍🤍🤍
معرفش كدبة شاهين هتوصل لفين بس اكتر حاجة واجعة قلبي غزل علشان احتا مجتمع عقيم دايما بيحكن عالست و مش مهم الراجل يكش يكون متزوج قبل كدة ١٠ مرات بس مهم ست

نور الليالي
نور الليالي
11 أيام

تسلم ايدك ياقلبي البارت تحفه

Howida
Howida
11 أيام

تسلم ايدك يا قمر

Om Ammar
Om Ammar
11 أيام

تحفة تحفة تسلم ايدك يا قمر ❤️❤️

ضيف
ضيف
11 أيام

تسلم ايدك بجد تحفة

سندس ومحمد خالد
سندس ومحمد خالد
11 أيام

تسلم ايدك يا سوسو البارت روعة

ضيف
ضيف
11 أيام

تسلم ايدك يا حبيبتي

Bata
Bata
11 أيام

حلو اوي ياسو

ضيف
ضيف
11 أيام

قمر ياقلبي كل كلمه كانها تعويذه بتسحرينا بيها وصفك للمشاعر ودواخل القلب رووووعه بجد تسلم ايدك ونبض قلبك ياقلبي❤️

ضيف
ضيف
11 أيام

تسلم ايدك البارت تحفه بس اتوجعت على غزل وزكريا

شيماء
شيماء
11 أيام

تسلم ايدك ياقلبي 💗💗💗

Roony Hmada
Roony Hmada
11 أيام

تسلم ايدك يا سو ❤️❤️

مالك وليد
مالك وليد
11 أيام

تسلم ايدك يا قلبي

Sara alaa
Sara alaa
11 أيام

حد يجيب لي فوزيه من قفاها 😠

Lamia
Lamia
11 أيام

حلوة الفرحة يا ريتها كملت بزيكو و غزله

ضيف
ضيف
10 أيام

البارت رووووووووعة ياحبيبتي تسلم ايدك وعنيكي❤❤❤

ضيف
ضيف
10 أيام

عظمه ياسارة ❤❤❤❤

لحن الوفاء
لحن الوفاء
10 أيام

تحفه

لووووووو
لووووووو
10 أيام

تسلم ايدك ي سوووو

ضيف
ضيف
10 أيام

تسلم ايدك يا مبدعه

Nadjet acem
Nadjet acem
10 أيام

البارت تحفة تسلم ايدك يا قلبي

Mlk
Mlk
10 أيام

طبعا مبدعه مفهاش كلام دى😉❤️

مروة البحيرى
مروة البحيرى
10 أيام

رووووووووعة

مروة البحيرى
مروة البحيرى
10 أيام

تسلم ايدك ياجميل

هناء
هناء
10 أيام

روووعة

ضيف
ضيف
10 أيام

تسلم خ

Wafaa Mansour
Wafaa Mansour
10 أيام

تسلم إيدك يا سارة علي البارت الرائع
متشكرة علي الفرحة ، فرحتي قلبي بيونس وشموع وياسين وأنين ومش هكون طماعه بس عندي أمل نفرح قريب بزكريا وغزل كمان أنا عارفة انه مشكلتهم حساسة كتير وللاسف موجودة في بيوت كتير في مصر لأنه للأسف الشديد الناس بتنسي الدين وتتمسك بالعادات والتقاليد الجاهلة وتنسي شرع ربنا سبحانه وتعالى

Wafaa Mansour
Wafaa Mansour
10 أيام

أما عن حور كنت اتمني انه موضوع السر يتقفل للابد من غير ما تعرفه أصلا هي ليه لازم تعرف من الأساس هي كبرت ووعيت علي إنها بنت أحمد وشهد ومكتوبة علي اسمهم ليه لازم تعرف الحقيقة دلوقتي وتتدمر بسببها