ييبب
ملكي وكفي

ملكي وكفي ( الفصل السادس عشر )

ملكي وكفي ( الفصل السادس عشر )

هي الحياة…
تعلمنا متأخرين أن ليس كل من أحببناهم عرفوا قدر محبتنا،
وليس كل من منحناهم أعمارنا أبقوا لنا منها شيئًا.
فنغفر أحيانًا، لا لأنهم استحقوا الغفران، بل لأن قلوبنا تعبت من حمل الأوجاع.
ونصمت، لا لأن الحكاية انتهت، بل لأن الكلمات لم تعد قادرة على حمل ما تحطم في الداخل.
هي الحياة هكذا…
تأخذ منا ما نظن أنه باقٍ،
وتكشف لنا وجوهًا ما كنا نصدق أنها ستخذلنا يومًا،
ثم تتركنا واقفين بين ركام الأحلام، نلملم ما تبقى من أرواحنا، ونبتسم رغم الألم، ونمضي رغم الانكسار، لأن التوقف لا يغيّر القدر، ولأن القلب، مهما أثقله الحزن، خُلق ليواصل النبض حتى آخر الطريق.

البارت ١٦

ارتفعت ذراعا نهال أمام صدرها في حركة متحفزة، بينما أخذت ابتسامتها تتمدد ببطء فوق شفتيها.

لم تكن ابتسامة دهشة أو ترحيب…

بل كانت تلك الابتسامة التي تلمع في عيون الطامعين حين يظنون أن الفرصة التي ظلوا يطاردونها طويلًا قد جاءت أخيرًا تطرق بابهم بيديها.

مالت رأسها جانبا، وأرسلت إليه نظرة لعوب قبل أن تقول:
إيه اللي رماك عليا يا ابن المهدي؟
اوعى تقول إن الرقصة عجبتك؟!

ارتسمت على شفتي ياسين ابتسامة باردة مستفزة، ولمع في عينيه بريق ماكر امتزج بسخرية خفية وهو يجيب:
دي عجبتني لدرجة إني جاي أكتب معاكي عقد وأرقصك… بس نتفق، اللي أوله شرط آخره هز على ماية بيضا.

هزت نهال رأسها ببطء، واتسعت ابتسامتها بخبث واضح وهي تقول:
طيب استنى أجيب شنطتي…
ونروح نتكلم في أي مكان…
عشان ممكن بابا يصحى في أي وقت.

رفع ياسين أحد حاجبيه في دهشة ساخرة وقال:
إيه ده؟ هو الحج قرني عايش؟
قصدي… بابا عايش؟
أنا فاكره مات من زمان.

رمشت نهال بعينيها وقالت ببساطة:
لا، في بابا وماما كمان.

أطلق ياسين صفير قصير ثم تمتم بتهكم:
ما شاء الله… الإشارة عندكم عالية أوي…
يلا يا فيبريشن.

استدارت نهال نحو الداخل بخفة وهي تهتف:
بس خلي بالك… هتعزمني على العشا.

أمال ياسين رأسه للخلف قليلًا، ثم قال بمكر لاذع:
آه من عيني… هعزمك على سموزي ماية نار… وشاورما لحم ميتين ….
من عند العفش اللي هو أكيد من عيلتكم.

توقفت لحظة وأطلقت ضحكة قصيرة قبل أن تختفي داخل الشقة.

أما ياسين فظل واقف عند الباب، يدس يديه في جيبي بنطاله، وعيناه تتجولان في أرجاء المكان ببرود حذر، كصياد لا يهتم بالفريسة بقدر ما يهتم بالطريق الذي ستقوده إليه.

بعد دقائق، عادت نهال وهي تحمل حقيبتها فوق كتفها، ثم أغلقت باب الشقة خلفها بحركة سريعة.

تبادلا نظرة خاطفة.

ثم هبطا الدرج جنب إلى جنب…

هي تظن أنها تسير نحو صفقة رابحة.

أما هو، فكان يهبط الدرج بعينين جامدتين تخفيان ما هو أخطر بكثير من السخرية التي ارتسمت فوق ملامحه.

……….

في ممرات المستشفى الباردة…

حيث يمتزج صمت الانتظار برائحة المطهرات الثقيلة….

كانت شهد جالسة على أحد المقاعد المقابلة للعناية المركزة، ثابتة في مكانها منذ يومين، كأنها تخشى أن تبتعد خطوة واحدة فتضيع ابنتها من بين يديها.

كانت عيناها معلقتين بالباب المغلق، تراقبانه في صمت منهك، بينما بدت ملامحها شاحبة كمن استنزف الحزن ما تبقى فيه من قوة.

اقترب أحمد بخطوات سريعة تحمل من الإرهاق بقدر ما تحمل من القلق، ووضع حقيبة صغيرة أمامها تفوح منها رائحة الطعام الساخن، ثم جلس إلى جوارها وهو يتأمل وجهها المنهك بحزن عميق.

وقال بصوت مبحوح حاول أن يغلفه باللين: يلا يا شهد… لازم تاكلي لقمة يا بت الناس، كده هتقعي من طولك.

انكمشت ملامحها فور أن وصلت إليها رائحة الطعام، وكأن معدتها تثور على مجرد التفكير فيه، وهزت رأسها وهي تتمتم بضعف:
شيل يا أحمد الأكل ده من قدامي…
معدتي معقودة ومش حاملة ريحته.

تنهد أحمد بوجع، ومد يده يربت على كفها ويضغط عليه بحنو صامت، ثم قال:
وبعدين يا شهد؟ انتي مكلتيش حاجة من يومين… كده هتقعي… ولما حور تصحى وتلاقيكي تعبانة؟ وانتي عارفاها…

توقف صوته لحظة، وانخفض رغم عنه، بينما ارتجفت ملامحه تحت وطأة الذكرى :
مش كانت بتقول… لو حد فيكم تعبان قلبي بيوجعني أكتر؟

كأن الكلمات أصابت قلب شهد مباشرة.

فانفجر ما كانت تحبسه داخلها منذ يومين دفعة واحدة.

أجهشت ببكاء مرير، وفركت كفيها ببعضهما بعجز موجع، ثم همست بصوت مختنق:
آه يا ناري… لو إيدي تطول اللي حط السم في شربة العصير… شربة العصير اللي بلت بيها ريقها…

ثم التفتت إليه فجأة، وكأن ذكرى ما طعنتها من جديد، ولطمت وجنتها بعنف وهي تنتحب:
دي كانت عطشانة قبل ما تشرب العصير يا أحمد… كانت عطشانة… يا بنتي… يا مرك يا شهد… يا سواد أيامك يا شهد…

انتفض أحمد واقف في لحظة، وأمسك يدها قبل أن تعاود إيذاء نفسها، ثم جذبها إلى صدره بقوة.

تشبثت بقميصه كما يتشبث الغريق بخشبة نجاة، بينما كانت شهقاتها تمزق صدرها تمزيقًا.

أغمض أحمد عينيه بقهر، وقبل رأسها بحنان مرتجف، ثم قال بصوت متحشرج من الألم:
استهدي بالله يا حبيبتي… والله هتقوم… وهنفرح بيهم… وتفرحي بعوضهم كمان… بس استهدي بالله.

ثم جثا أمامها على ركبتيه، وحاوط وجهها بين كفيه، مجبر إياها على النظر إليه.

كانت عيناه حمراوين من السهر والبكاء، لكن داخلهما يقين عنيد يرفض الانكسار.

وهمس ببطء شديد:
أنا عمري كدبت عليكي يا شهد.

هزت رأسها بالنفي سريعًا، بينما كانت دموعها تنهمر بلا توقف.
لا يا أحمد… حاشا لله…

ابتسم ابتسامة باهتة موجوعة، ومسح دموعها بإبهامه، ثم قال بنبرة ثابتة رغم كل ما ينهشه من خوف:
يبقى صدقيني… حور هتقوم….
وهتبقى زي الفل…وربنا مش هيوجعنا فيها.

ارتفعت عينا شهد نحو السماء، كأنها تبحث خلف السقف والجدران عن باب للرحمة، وعن معجزة تنقذ صغيرتها من بين أنياب الموت.

وضمت كفيها المرتجفتين إلى صدرها، وهمست بصوت خافت تكسوه الدموع:
يارب…

وكانت تلك الكلمة الصغيرة، في تلك اللحظة، أثقل من كل البكاء، وأصدق من كل الرجاء.

فجأة…

انفتح باب العناية المركزة على مصراعيه، قاطع ذلك الصمت الثقيل الذي خيم على الممر لساعات طويلة.

خرج آسر بخطوات سريعة متوترة، تعلو وجهه ملامح غضب واستياء واضحين، وخلفه مباشرة ظهر شاهين.

كان شاحب على نحو مفزع.

عيناه محتقنتان بحمرة السهر والبكاء والغضب، وكأن الأيام القليلة الماضية قد مرت فوقه أعوام كاملة….

بدا كمن استنزفته الحرب حتى آخر قطرة، لكنه ما زال واقف بقوة العناد وحدها.

انتفض أحمد من مكانه، وكذلك شهد التي نهضت بفزع كاد يفقدها توازنها.

وهتف أحمد بلهفة حادة:
في إيه يا آسر يا بني؟! حور فاقت؟

توقفت خطوات آسر للحظة.

ثم هز رأسه ببطء، ومرت غمامة من الحزن فوق ملامحه وهو يقول:
لسه يا عم أحمد… ادعيلها…

كأن الكلمات هوت على صدر أحمد كصخرة ثقيلة.

أغمض عينيه للحظة طويلة، وانحنى رأسه قليلًا تحت وطأة الخيبة، قبل أن يتمتم بصوت مكسور :
أمال إنت سايبها ورايح فين؟

أشار آسر نحو الأسفل بضيق واضح وقال:
في عوج تحت ومش فاهم حاجة من الاستقبال… بيقولوا أهل مريض عاملين مشكلة وهيكسروا المستشفى.

قطب أحمد حاجبيه فورًا.

فالوقت لم يكن يحتمل مزيد من الفوضى.

وأشار برأسه قائلًا:
تعالى… أنا جاي معاك.

أومأ آسر موافق، واستدار متجه نحو المصعد.

وقبل أن يتحرك أحمد خلفه، التفت نحو شاهين.

كانت عيناه لا تزالان معلقتين بباب العناية كأن روحه بأكملها تقف خلف ذلك الباب.

فقال أحمد بنبرة حاسمة:
خليك هنا… أوعى تتحرك.

أومأ شاهين برأسه دون أن يبعد نظره عن الباب لحظة واحدة.

ثم قال بصوت أجش متحشرج من الإرهاق:
على موتي أسيب الأوضة دي… مش يمكن كل اللي بيحصل ده مغموز من ابن الحرام..

اشتعلت عينا أحمد بغضب مكتوم عند ذكره، لكنه اكتفى بهزة رأس مقتضبة.

فهو أيضا لم يعد يستبعد شيئًا.

ثم استدار وتحرك مع آسر نحو الأسفل.

بينما بقي شاهين وحده أمام باب العناية المركزة…

واقف كحارس منهك على أبواب القدر.

عيناه معلقتان بالباب المغلق، وقلبه معلق خلفه على سرير أبيض، حيث ترقد حور بين الحياة والموت، بينما تمر كل دقيقة فوق روحه كأنها عمر كامل من العذاب.

ما إن وصل آسر وأحمد إلى صالة الاستقبال حتى اصطدمت بهما موجة من الصخب والتوتر.

كان المكان يغلي كمرجل على وشك الانفجار…

رجال كُثر التفوا حول كرسي متحرك، ومن هيئاتهم وجلابيبهم الفاخرة ولهجاتهم الحادة بدا واضح أنهم قدموا من قلب الصعيد…

وأن الصبر الذي حملوه معهم قد أوشك على النفاد….

كان الصراخ يتقافز من زاوية إلى أخرى، والوجوه متجهمة، والرجال المتحلقون حول الكرسي المتحرك يبدون وكأنهم على وشك إشعال المكان بأكمله إن تأخر أحد عن إنقاذ كبيرهم دقيقة إضافية.

تقدم آسر بخطوات سريعة وقد بدأ الغضب يتسلل إلى ملامحه من شدة الإرهاق والسهر، ثم هتف بصوت حاد: في إيه يا جدعان؟! إيه الهيصة دي؟! إنتوا في مستشفى مش سوق!

انشق الجمع عن رجل طويل القامة، عريض المنكبين، حاد القسمات، بدا وكأنه جدار من الصخر يمشي على قدمين…

تقدم خطوة للأمام وحدق في آسر بنظرة مشتعلة قبل أن يهدر بصوت خشن أجش:
خابرين زين إنه مستشفى… إنتو اللي مش خابرين إنكم هتشتغلوا في مستشفى! إنتو حراس الأرواح المفروض يا واد عمي!

اشتعلت عينا آسر بضيق واضح، لكنه تمالك نفسه بصعوبة وأشار بيده قائلاً:
وحد قالك غير كده؟! في إيه؟ اتكلم كويس وفهمني مشكلتك.

استدار الرجل بعصبية وأشار إلى الكرسي المتحرك القابع خلفه.

كان فوقه رجل ضخم الجثة، ممتلئ بصورة مفرطة، يتدلى رأسه على صدره بلا مقاومة، ووجهه شاحب على نحو مقلق، بينما أنفاسه تخرج متقطعة كأنها تصارع للبقاء….

قبض الرجل على مسند الكرسي بقوة حتى برزت عروق يده، ثم قال بصوت يهتز بين الغضب والخوف:
أبوي هيفرفر جدامهم وهم هيماطلوا في الحديت يمين وشمال!
جالوا لازمن ندفع فلوس جبل ما يدخلوا الحالة… دفعنا…

يبجى ليه لحد دلوج ما فيش دكتور؟! خلي عند اللي چابوه دم وچيه يشوف أبوي!

نظر آسر إلى الرجل المريض نظرة سريعة اكتسبت معها عيناه تلك الجدية المهنية التي يعرفها الجميع عنه، ثم قال بهدوء حازم:
خلاص… اهدى. وأنا هكشف عليه بنفسي.

ساد الصمت لثوان معدودة.
ثم رفع الرجل حاجب واحد ونظر إلى آسر من رأسه حتى أخمص قدميه، وكأنه يزن حجمه مقارنة بالمهمة التي أعلن عنها.
وبلهجة لا تخلو من السخرية قال:
وإنت مين يا صيص؟ دكتور تحت التمرين؟… ولا شكلك كده تمرجي؟

تجمد الهواء لوهلة

اندفع أحمد خطوة إلى الأمام، وقد نفد ما بقي في صدره من صبر خلال الأيام الماضية، وهدر بغضب حاد:
ما تلم لسانك يا جدع انت! أمال صعيدي إزاي؟

كاد يتقدم نحوه أكثر، لكن آسر أمسك بذراعه سريعًا يمنعه، وقال بنبرة حازمة:
خلاص يا عم أحمد اهدي… الراجل معذور، خايف على أبوه.

لوح أحمد بيده بعصبية وهو يرمق الرجل بنظرة مشتعلة:
يا عم ما يخاف، بس يخاف بأدبه! ولا لازم يقل أدبه عشان أبوه يخف؟

اشتعلت ملامح الرجل حنق، ولوح هو الآخر بيده بعصبية مماثلة:
انتوا اللي لطعينا لينا ساعة واحنا على سفر… انتو مش خابرين ديه مين إياك؟

رفع أحمد حاجب واحد بسخرية ثقيلة وقال: مين يعني؟

بدت الصدمة على وجه الرجل وكأن أحمد ارتكب إهانة تاريخية لا تغتفر… او طعنه في كبرياءه…

اتسعت عيناه وصاح بانفعال:
يا سنتكم الطين! انتو مش خابرين سيادة معالي حضرة النائب عمدة بلدنا…
زوبع الجحش على سن ورمح!

اختنقت ضحكة آسر في حلقه بصعوبة حتى اضطر لإدارة وجهه ناحية أخرى.

أما أحمد فظل يحدق فيه ثواني طويلة وكأنه يحاول استيعاب الاسم، ثم قال ببرود قاتل:
أحاااا يا عم… خلاص متزعلش، بكرة يكبر ويقلب حمار.

ساد الصمت للحظة.

ثم احمر وجه الرجل حتى كاد ينفجر من الغضب، وفتح فمه ليرد، لكن صوت متألم خرج من الكرسي المتحرك وأوقف الجميع:
آاااه… يا ولد الهرمة…

التفت الرجل كمن صب عليه الماء البارد دفعة واحدة، وانحنى نحو والده وهو يهتف بذعر:
أأأأبوي بيروح مني! الحجوني يا خلج!

في اللحظة نفسها تحرك آسر فورًا، وانطفأت السخرية من وجهه تمامًا ليحل محلها الطبيب الذي يعرف واجبه جيدًا.

وضع السماعة على صدر الرجل العجوز بسرعة، وأخذ يستمع إلى نبضاته للحظات قصيرة، ثم قال بلهجة عملية حادة:
يلا على أوضة الكشف… بسرعة.

ثم أشار إلى العاملين بالمستشفى:
هاتوا ترولي حالًا.

تحرك الجميع دفعة واحدة خلفه، رجال العائلة يحيطون بالعجوز كأنهم جيش كامل يرافق قائده المصاب.

أما أحمد فوقف في مكانه يراقب المشهد وهو يرى الجلابيب البيضاء تندفع خلف آسر في الممر الطويل.

ثم ضرب كف بكف، وهز رأسه بيأس ممزوج بالسخرية وتمتم:
لا حول ولا قوة إلا بالله…

وبينما كان ينظر إلى آخر رجل يختفي داخل الممر، أضاف بصوت خافت:
والله المستشفى دي ناقصها سيرك… مش مرضى.

فجأة…

اخترق صوت صفارة حادة سكون المكان، وتوقفت سيارة إسعاف أمام باب الاستقبال بعنف أربك كل من في البهو.

في لحظات قليلة، تبدلت ملامح المكان تمامًا.

هرج متسارع، وخطوات تركض في كل اتجاه، وأصوات أوامر متلاحقة صدحت بين الممرضين والمسعفين الذين اندفعوا نحو السيارة فور توقفها.

تراجع أحمد عدة خطوات إلى الخلف تلقائي، يفسح الطريق وهو يراقب ما يحدث بعينين امتلأت بالحزن والتعب.

وفي تلك اللحظة اقتربت منه شهد بخطوات واهنة، وقد أثقلها السهر والبكاء، ثم همست بصوت خافت:
هو في إيه يا أحمد؟

مد أحمد ذراعه فورًا وحاوط منكبيها بحماية غريزية، ثم سحبها بعيدًا عن الزحام والمارة وهو يشير برأسه نحو سيارة الإسعاف:
شكلها حادثة كبيرة يا شهد…
ربنا يسترها على عبيده.

انفتح باب السيارة الخلفي بعنف، واندفع المسعفون يسحبون سرير معدني بسرعة كبيرة.

مر السرير من أمامهما كطيف موجع.

وفوقه كانت ترقد فتاة شابه، لا تكاد ملامح وجهها ترى من كثرة الدماء التي غطتها.

كانت ساكنة على نحو مخيف، بينما تناثرت الخصلات الملطخة بالدم فوق الوسادة البيضاء، وصوت الأجهزة المحمولة يطلق إنذارات متقطعة تزيد المشهد قسوة.

تجمدت شهد في مكانها للحظة.

واتسعت عيناها بصدمة موجوعة وهي تنظر إلى الصغيرة التي بدت أقرب إلى طفلة ضائعة منها إلى مريضة.

ثم صكت صدرها بكفها وغمغمت بدموع حارة: يا ساتر يا رب… البت وشها متشلفط وقاطعة النفس… استرها على عبيدك يا رب.

ارتجف صوتها في النهاية، وكأن مشهد الطفلة أعاد إليها صورة حور وهي تنزف بين ذراعي شاهين.

تنهد أحمد بعمق موجوع، ثم ربت على منكبها برفق بالغ، كأنه يهدئها ويهدئ نفسه معها.

وقال بصوت مبحوح:
تعالي يا أم قلب دهب… تعالي.

ثم رفع بصره إلى السماء لحظة قصيرة وهمس:
ربنا يشفي كل مريض… وأولهم بنتي يا رب.

أومأت شهد برأسها، ومسحت دموعها بطرف حجابها.

ثم تحركا معًا نحو المصعد من جديد…

خطواتهما بطيئة، وقلوبهما معلقة في الأعلى، خلف باب العناية المركزة، حيث ترقد حور بين رحمة الله وأمل يتشبثان به بكل ما تبقى لهما من قوة.

…………
في منزل المهدي…

اعتدلت فوزية في جلستها فجأة، وقد ارتسمت الدهشة على ملامحها المتعبة حين تسلل إلى أذنيها صخب غير مألوف؛

وقع أقدام تصعد الدرج على عجل، وأصوات رجال تتداخل فوق بعضها، وحركة لا تشبه سكون البيت الذي خيم عليه الحزن منذ يومين حتى بدا وكأن الحياة نفسها هجرت جدرانه.

قطبت حاجبيها وهمست بصوت مبحوح أنهكه البكاء:
إيه اللي بيحصل يا بنات؟ إيه الدوشة والدربكة دي؟

التفتت أنين من عند الشرفة، وقد كانت تراقب ما يجري في الأسفل، وقالت:
دي عربيات عفش يا عمتي… عفش كتير جوي.

انتفضت فوزية من مكانها كأن أحدهم أشعل النار تحت قدميها، وهتفت بغيظ ممزوج بالقهر:
عفش إيه دلوجتي؟! والبِت بين الحياة والموت! إحنا ناقصين قرقرة من ناس وعينهم اللي يندب فيها الرصاص؟!

دلفت شموع من الشرفة، وبداخلها بصيص أمل صغير يقاوم كل ذلك السواد، وقالت برفق:
يمكن يكون فال خير يا عمتي… يمكن ربنا يجعلها بشارة وتقوم حور بالسلامة.

تنهدت ثنية بحرقة وهي تهز رأسها:
يا رب يا بتي… الناس جايين بعفشهم وفرحتهم، وإحنا عيالنا متشندلة في المستشفى بين الأچهزة والدكاترة. النبي يفك الكربة يا رب.

لم تستطع فوزية البقاء في مكانها أكثر.

تحركت نحو باب الشقة بخطوات سريعة رغم ما يثقل جسدها من إرهاق وحزن، وفتحت الباب على مصراعيه.

تجمدت لحظة وهي ترى رجالاً يصعدون السلم حاملين قطع الأثاث الضخمة فوق أكتافهم، يدخلون ويخرجون في حركة لا تهدأ، بينما تتعالى أصواتهم وهم يتبادلون التعليمات.

وقعت عيناها على ياسين الواقف في منتصف الممر، يتابع العمال بنظرات يقظة، وإلى جواره سيد يساعده في تنظيم العمل.

أشارت إليه بإصبع مرتجف وهتفت:
بتعملوا إيه يا ولاد الكلب ؟! ومين الناس دي؟

التفت ياسين إليها، ثم زفر زفرة طويلة قبل أن يقول بحنق:
ادخلي جوه يا أما… الرجالة طالعة نازلة ومفيش مكان للوقفة هنا… ده عفش شاهين، المعرض بعته.

اتسعت عينا فوزية أكثر، وكأنها لم تستوعب ما سمعته.
عفش ايه دلوقتي ؟! وإحنا في حبر عفش يا ولا؟! مش كفاية اللي جري لمرات أخوك من عنيهم؟!

مرر ياسين يده على وجهه بتعب، ثم أشار إلى سيد قائلاً:
خليك يا أبو السيد متابع الشغل… أنا داخل أتويها قبل ما تولع فينا كلنا.

ضحك سيد بخفوت وهو يهز رأسه:
الله يعينك يا خوي… ويجويك عليها بدل ما تشغلك الشبشب….

نظر إليه ياسين بطرف عينه وقال بامتعاض:
لو جات على الشبشب تبقى سهلة.

ثم أضاف وهو يتطلع ناحية الباب حيث تقف فوزية بعينين تقدحان شرراً:
حكم عمتك مش مضمون… دي لو مسكتني يمكن ترميني مع العفش فوق العربية وتبيعني بالكيلو.

ورغم الحزن الذي كان يخنق البيت كله، ورغم القلوب المعلقة بين جدران العناية المركزة، تسللت ابتسامة صغيرة مرتعشة إلى وجه سيد… ابتسامة خجولة، سرعان ما ابتلعها الواقع القاسي من جديد، فعادت العيون تتجه نحو السماء في دعاء واحد لا يتغير ..

أن تعود حور… فقط تعود.

اقترب ياسين من الباب بعد أن أغلقه خلف والدته، ثم زفر بضيق وهو يمرر كفه فوق شعره بعصبية مكتومة.

لكن ما إن رفع رأسه حتى وقعت عيناه على أنين الواقفة في الشرفة، تتطلع إلى الخارج بفضول بريء، غير منتبهة إلى عشرات الرجال الصاعدين والهابطين أمام البناية.

في لحظة تبدلت ملامحه، واشتعلت عيناه بحدة مفاجئة.

هدر بصوت أجش صارم دوى في أرجاء الشقة:
بــت أَنــيــن!

انتفضت أنين في مكانها كعصفور باغته صوت الرعد، والتفتت إليه بعينين متسعتين من الدهشة والخوف.

همست مرتبكة: نعم؟

أشار إليها برأسه إشارة حادة لا تقبل النقاش، وقال بلهجة آمرة:
وإنتي واقفة في البلكونة ليه؟ مش شايفة الرجالة مالية الحارة؟ ادخلي جوه حالًا… بدل ما آجي ازرعك فيها زرع بصل..

شهقت أنين بعتاب موجوع، وكأن كلماته أصابتها أكثر مما أراد.

وامتلأت عيناها بالدموع سريعًا، قبل أن تدير وجهها وتنسحب إلى الداخل بخطوات صغيرة منكسرة.

جلست بجوار والدتها في صمت، بينما كانت تحاول جاهدة أن تمنع دموعها من السقوط.

تنهدت ثنية وهي تربت على ساق ابنتها بحنان، وقالت بصوت دافئ:
متزعليش يا بتي… ولد عمتك خايف عليكي وبس. دي غيرته اللي بتتكلم مش لسانه.

أومأت أنين برأسها بصمت، لكنها لم ترفع عينيها.

كان الحزن قد استقر في ملامحها الرقيقة، وكأنها لم تسمع في صوته خوف عليها، بل غضب منها.

نهضت بعدها وتحركت نحو الداخل بخطوات بطيئة، فأسرعت ثنية خلفها وهي ترمق ياسين بنظرة لوم، ثم هتفت :
بالراحة يا ولدي… دي أنين غلبانة ومكسورة قلبها من اللي حاصل كلاته.

ثم اختفت خلف ابنتها.

أما ياسين فبقي واقف مكانه.

مشدود القامة… عابس الملامح…

يتابع أثر أنين بعينين مضطربتين.

ضاق صدره فجأة وهو يتذكر ارتجافة الخوف التي مرت في عينيها بسببه.

وأدرك متأخر أنه ربما قسا عليها أكثر مما ينبغي.

لطمت فوزيه منكب ياسين لطمة خفيفة لكنها خرجت محملة بكل ما يعتمل داخل صدرها من خوف وقهر وغضب، ثم هتفت:
ما براحه يالا انت فرحان بجعيرك ده؟

أومأ ياسين برأسه وهتف بحنق:
اه معندناش حريم تقف في بلكونات.

شهقت فوزيه بحنق وهتفت:
اسمالله عليك هي كانت حريمك من اي حته أن شاء الله؟

رفع ياسين حاجبه بمكر يخفي خلفه ارتباكًا لم يرد لأحد أن يراه وقال:
في دماغي عيالنا رايحين المدرسه….
المهم انتي كنتي عايزه ايه…

توقفت فوزيه لحظة تنظر إليه بعدم استيعاب.

كانت تعرف أبناءها واحد واحد ، تحفظ نبراتهم قبل كلماتهم، وتفهم ما يخفونه أكثر مما يعلنونه.

لذلك ضاقت عيناها قليلًا وهي تحدق فيه، قبل أن تهز رأسها وتطرد تلك الفكرة من عقلها.

ثم تذكرت سبب خروجها أصلًا.

فأشارت ناحية العمال الصاعدين والهابطين وهتفت:
اه… عفش ايه اللي فرحان بيه…
واخوك ومراته حالها متشندل في المستشفى؟

زفر ياسين بضيق ولوح بيده بحركة حادة وقال:
ماهو عفش عريس… لازم اكون فرحان عشان أتوعد…

عادت صورة شاهين إلى رأسه فجأة…

شاهين الذي ترك بيته وفرحه وعمره كله معلق خلف باب العناية المركزة.

شاهين الذي لم ينم منذ يومين.

شاهين الذي خرج من بيته عريس وعاد رجل يحمل الموت فوق كتفيه.

ابتلع ياسين غصته بصعوبة.

بينما نظرت إليه فوزيه بدهشة وقالت:
يا حبيبي الناس مش سايبنا في حالنا… اخوك ده اتهبل في دماغه…

هز ياسين رأسه بالنفي وقال بجدية:
ياما شاهين كان متفق علي كل حاجه… والناس خلصوا العفش …..
وجابوه …
نوديه فين يعني غير الشقه؟!
نعلقوا مكان الدبايح في المحل؟

ساد الصمت لثواني.

ثواني ثقيلة اختلط فيها صوت العمال بأصوات الدعوات الصامتة التي لم تتوقف داخل هذا البيت منذ دخول حور العناية.

أومأت فوزيه أخيرًا برأسها.

كانت تعرف أنه محق.

لكن قلب الأم لا يفهم المنطق حين يكون أحد أبنائها بين الحياة والموت.

دفعت ياسين ناحية الباب وهتفت بنزق:
طيب يلا يا اخوي…. وخلي بالك من حاجه اخوك…. وربنا يسترها بقا عليك انت وأخواتك…. ويقوم حور بالسلام….

توقف ياسين مكانه.

وللمرة الثانية خلال دقائق ارتفعت عيناه دون وعي نحو الغرفة التي اختفت فيها أنين.

بقيت عيناه معلقتين بالباب المغلق.

كأن خلف ذلك الباب شيئًا يشده رغم عنه.

وكأن ارتجافة الخوف التي لمحها في عينيها منذ قليل ما زالت تطارده.

شعر بضيق حاد يعتصر صدره.

ضيق لا يعرف إن كان سببه حور…

أم أنين…

أم ذلك العجز الذي يطحن الجميع بلا رحمة.

فغمغم بصوت خافت أثقلته الهموم:
هتقوم أن شاء الله يا ما.

لكن فوزيه لم تنتبه لشروده.

دفعت كتفه بحنق وهتفت:
انت في ايه ولا في ايه؟!
بص قدامك بدل ما تقع عليه جدور رقبتك… وانت اللي تتزرع بصل…

أومأ ياسين برأسه مستسلمًا.
ثم طرق الباب بقبضته ضربة خفيفة من فرط ضيقه.

واستدار صاعد إلى الأعلى.

بينما وقفت فوزيه تراقب ظهره وهو يبتعد بين الرجال والعفش والصخب.

ثم تنهدت بحرقة.
ورفعت بصرها نحو السماء.
فالبيت كله كان يعيش على دعاء واحد…

دعاء يردده كل فرد بطريقته.
أن تفتح حور عينيها فقط…

ليعود النور إلى بيت المهدي من جديد.

………..
في العناية المركزة…

دلف أحمد إلى الداخل بخطوات بطيئة أثقلها السهر والقلق، وعيناه تتجهان تلقائي نحو سرير حور كعادته منذ يومين كاملين.

لكن خطوته التالية توقفت فجأة.

وتجمدت ملامحه.

إذ وقعت عيناه على شاهين ممدد فوق الأرض بجوار السرير.

ساكن بصورة بثت الرعب في قلبه دفعة واحدة.

انقبض صدر أحمد بعنف، واندفع نحوه بخطوات متعثرة وقد اجتاحه الذعر.

جثا بجواره وهتف بصوت مرتجف:
شاهين!! انت يالا في ايه؟

لم يصله رد…

فازداد هلعه…

وانحنى عليه بسرعة ولطم وجنته بخفة ثم هتف بزعر أشد: شاهين انت يالا!

تحركت أصابع شاهين أخيرًا.

ورفع يده ببطء شديد كأنها تزن أطنان فوق جسده المنهك.

ثم فتح عينيه بصعوبة وهمس بصوت مبحوح غارق في الإرهاق: في ايه يا عم؟

زفر أحمد دفعة واحدة، كأن روحه كانت معلقة في الهواء وعادت إليه للتو.

ثم هتف بغضب يخفي خلفه خوف مرير :
يا بني دي نومه؟ انت مجنون؟ حد ينام كده؟

اعتدل شاهين ببطء.

وارتكز بكفه على الأرض حتى جلس.

كان جسده كله يئن من التعب.
عيناه غائرتان من السهر.

وجهه شاحب كمن خاض حرب طويلة دون أن يغمض له جفن.

فغمغم بصوت متحشرج: هو أنا نمت والله؟

أشار أحمد إليه بحدة وقال:
بين كده… أو يمكن فقدت وعيك….
ما أنت دماغك فيها برطوشه….
عامل أقولك لازم تاكل وتنام عشان تقدر تصنب طولك وتركز في اللي جاي.

أطرق شاهين رأسه للحظات.
ومسح كفه على وجهه بعنف.

كأنه يحاول إيقاظ نفسه من إرهاق بدأ ينهش جسده بلا رحمة.

فمنذ أن سقطت حور بين يديه وهو لم يعرف النوم.

لم يعرف الراحة.
لم يعرف سوى الخوف.

الخوف الذي كان ينهش قلبه مع كل صفير يصدر من الأجهزة المحيطة بها.

رفع رأسه أخيرًا ونهض بصعوبة.

وتمايل جسده للحظة قصيرة قبل أن يستعيد توازنه.

ثم قال بصوت خافت متعب:
متقلقش… كله هيعدي.

نظر إليه أحمد طويلًا.
كان يعرف ذلك العناد جيدًا.

ويعرف أن شاهين وصل إلى مرحلة لم يعد يشعر فيها بتعبه أصلًا.

فالوجع الأكبر كان يبتلع كل شيء سواه.

تحرك شاهين نحو الباب بخطوات ثقيلة.

ثم التفت إلى أحمد وقال:
خليك هنا… متسببش الأوضه لحد ما ارجع من الحمام.

أومأ أحمد برأسه.
وتابع ابن أخيه بعينين مثقلتين

بالشفقة.

حتى اختفى خلف الباب.

أما هو فاتجه إلى الخارج.

وجلس على المقعد المواجه لغرفة العناية.

بينما بقي الزجاج الفاصل بينهم وبين حور شاهد على أرواح أنهكها الانتظار…

وأب وزوج وعائلة كاملة باتت تعيش على أمل واحد فقط…

أن تفتح حور عينيها.

مر بعض الوقت…

وقت ثقيل وبطيء، حتى بدت الدقائق داخله وكأنها أعوام كاملة.

وأحمد يجلس أمام غرفة العناية المركزة مطرق الرأس، يحدق في الفراغ بعينين أنهكهما السهر والقلق.

لم يعد يشعر بحركة المارة حوله.

ولا بأصوات الأطباء والممرضين.

ولا حتى بتعب جسده.

كان كل ما يراه أمامه هو وجه حور…

وكل ما يسمعه هو صوت الأجهزة التي تفصل بينها وبين المجهول.

وفجأة…

رفع رأسه على وقع حركة مألوفة في الممر.

فعقد حاجبيه بدهشة عندما رأى العمدة زوبع الجحش يسير على قدميه بين رجاله.

بالأمس فقط كان نصف ميت فوق الكرسي المتحرك، يتدلى رأسه على صدره كأن روحه توشك أن تغادره.

أما الآن فكان يسير بقدميه وإن بدت آثار التعب بادية على وجهه.

نهض أحمد من مكانه تلقائي وهتف:
حمد الله على السلامة يا عم الجحش… امبارح كنت بتموت.

توقف زوبع والتفت إليه.

ثم ربت على صدره بكفه الضخمة وقال بصوت خافت مبحوح:
الله يسلمك يا أبو عمو… الحمد لله.

ابتسم أحمد ابتسامة باهتة لم تصل إلى عينيه.

ثم أشار ناحية الرجل الذي كاد يشتبك معهم بالأمس وقال:
بس ابنك بيحبك… وشكلك غالي عليه، بس خليه يهدي أعصابه شوية.

التفت زوبع إلى ابنه الذي كان يقف غير بعيد عنه.

ثم تنهد وقال:
حجك عليا يا أبو عمو… أنا كنت متكدر ومدروع على أبوي.

هز أحمد رأسه بتفهم.

فهو يعرف جيدًا ماذا يفعل الخوف بالرجال حين يرون أحباءهم بين الحياة والموت.

يعرف كيف يحولهم إلى نار مشتعلة لا تميز بين صديق وعدو.

لذلك قال بهدوء:
عارف يا ابني… حمد الله على سلامته.

أومأ الرجل برأسه وقال: الله يسلمك.

ثم تحرك مع رجاله بخطوات هادئة مبتعدًا في الممر.

ظل أحمد يتابعهم بعينيه حتى اختفوا عن ناظريه.

ورأى كيف خرجوا جميعًا خلف والدهم.

متعبين…
مرهقين…

لكنهم خرجوا معه.
خرجوا وقد انتهت محنتهم.
وعادوا إلى بيوتهم.

أما هو…

فعاد وجلس ببطء على مقعده من جديد.
وأدار رأسه نحو باب العناية المركزة.

وظلت عيناه معلقتين بالباب طويلًا.
طويلًا جدًا…

حتى غامت رؤيته بالدموع.
ثم تنهد تنهيدة خرجت من أعماق قلبه الموجوع.

وهمس بصوت خافت لم يسمعه أحد:
يارب عدي اللي جاي علي خير ….

ثم أسند رأسه إلى الحائط خلفه.
وأغمض عينيه للحظة.

لا يتمنى شيئًا في الدنيا كلها…
سوى أن يرى ابنته تعبر ذلك الباب.

ولو مرة واحدة.
ولو بابتسامة واحدة.
ولو بكلمة واحدة تقول له فيها:
متخافش يا بابا… أنا كويسة.
……………
مساءً في منزل المهدي…

كان الصمت يخيم على البيت ككفن ثقيل.

ذلك البيت الذي اعتاد الضحكات العالية والمشاجرات العابثة ورائحة الطعام وأصوات الرجال والنساء المتداخلة، بدا الليلة غريب على أصحابه.

كأن الحزن جلس في منتصف الصالة ورفض المغادرة.

جلست فوزيه فوق الأريكة وبجوارها ثنيه وشموع وأنين.

كانت عيناها متورمتين من كثرة البكاء، وصوتها يخرج متعب وهي تقول:
عايزه اروح بكره المستشفى كنت النهارده وأحمد قالي خليها بكره.

أومأت ثنيه برأسها وقالت:
كلها سواد الليل يا اختي حتي أنا هبجي اروح معاكي.

تنهدت فوزيه بحرقة.
فلم يعد الليل يختلف عن النهار.

كلاهما صار انتظار…
وكلاهما صار خوف…

وفجأة…

انفتح باب الشقة.

فالتفتت الرؤوس كلها في وقت واحد.

ودلف شاهين إلى الداخل.
بخطوات بطيئة…

ثقيلة…
مرهقة إلى حد بدا معه أكبر من عمره بسنوات طويلة.

وجهه شاحب.
عيناه غائرتان من السهر.

وثيابه تحمل رائحة المستشفى والخوف واليأس.

فهبت فوزيه واقفة دفعة واحدة.

وصكت صدرها برعب وهتفت:
نهارك اسود زي الطين …
انت ايه اللي جابك يا منيل علي عينك… وسبت مراتك لوحدها؟

ربتت ثنيه على منكبها محاولة تهدئتها وقالت:
براحه يا خيتي علي الچدع…
يمكن چاي يغير خلچاته….
ولا يسبح له كذ يوم بيهم.

لكن فوزيه كانت في حالة لا تسمح لها بالهدوء.

فقطبت حاجبيها بغضب وهتفت:
لا والله ما يكون له حموم..
ولا يدخل البيت….
الا ومراته تحت باطه.

توقف شاهين مكانه لحظة.

ثم نظر إليها بدهشة حقيقية.

وكأن كلماتها انتشلت قلبه للحظة من الجحيم الذي يعيش فيه.

فغمغم بصوت متحشرج متعب:
جري ايه يا وليه؟
هو أنا موحشتكيش؟
امي ازاي انتي؟

شهقت فوزيه بحنق وهتفت:
وحش لما يلهفك يا ابن الكلب.

وبرغم قسوة الكلمات…

إلا أن عينيها كانتا تفيضان خوف عليه.

فهي ترى جيدًا كيف ينهار ولدها أمامها يومًا بعد يوم.

اقترب شاهين منها.
وقبض على يدها.

ثم سحبها معه وهو يهتف:
تعالي بس نشوف العفش.

سحبت فوزيه يدها منه بعنف وهدرت:
عفش ايه؟! انتو اتخوت كلكم!
يا ابن البارده….
طيب حتي اعمل حساب لعمك أحمد لو شاف العفش هيقولك ايه؟!

لكن شاهين لم يتركها.

بل واصل سحبها نحو الدرج بخطوات سريعة وقال:
هيعمل زي ما انت هتعملي دلوقتي!
حتي شوفي تعالي …
دانا هيريح قلبك النهارده…

تبادلت ثنيه وشموع وأنين النظرات بدهشة.

ثم نهضن خلفهما بدافع الفضول والقلق.

وصعد الجميع إلى الشقة الجديدة.

فتح شاهين الباب.

وانبعثت رائحة الأثاث الجديد ممتزجة بصمت المكان.

ذلك الصمت الذي جعل الشقة تبدو موحشة بصورة مؤلمة.

أشار لوالدته بالدخول وقال: تعالي ياما.

انزلقت دموع فوزيه رغم عنها.

ودلفت إلى الداخل ببطء.

كانت تنظر إلى كل شيء بعينين موجوعتين.

إلى الأثاث.

إلى الستائر.

إلى البيت الذي كان من المفترض أن يمتلئ بالضحكات.

لا بأصوات الأجهزة الطبية.

فهمست بحرقة:
ياما كان نفسي ادخل عليك وانت وعروستك يا حبيبي…
ربنا يقومها بالسلامه….

أومأ شاهين برأسه.
وشيء ما انكسر داخل صدره عند ذكر حور.

لكنه أخفى ألمه وقال بصوت خافت:
يارب يا ما.

ثم تقدم نحو إحدى الغرف.
ووضع يده على المقبض.

وتردد للحظة قصيرة.
قبل أن يفتح الباب ببطء.

وقال : تعالي يا اما ..

نظرت فوزيه إلى الداخل.

وفي اللحظة التالية…

اتسعت عيناها فجأة.

وتجمد الدم في عروقها.

وارتدت خطوة كاملة إلى الخلف كأنها رأت شبح…

ثم صرخت بفزع هز أرجاء الشقة كلها: يالهوووووي ايه ده يا شاهين؟
ووووووووو

ساحره القلم ساره احمد

4.1 100 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
141 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
ضيف
ضيف
15 أيام

روعة تسلم ايدك ياسو ❤️

Nada
Nada
15 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي ياقلبي ♥

هاله شحاته
هاله شحاته
15 أيام

روعه روعه روعه تسلم ايدك ياقلبي

Nada
Nada
15 أيام
ردّ على  هاله شحاته

تسلمي ياقلبي ♥

Fatenmansour
Fatenmansour
15 أيام

تسلم ايدك يا قمر 🥰

Nada
Nada
15 أيام
ردّ على  Fatenmansour

حبيبتي تسلمي ♥

Nada Mohamed
Nada Mohamed
15 أيام

تحفة ❤️❤️

Nada
Nada
15 أيام
ردّ على  Nada Mohamed

تسلمي يا قمر

هاله شحاته
هاله شحاته
15 أيام

دايما مبدعه ومتميزه يا حبيبتي
ان شاءلله ترجعيلنا بالسلامه وتنورينا بابدعاتك الرائعه

Nada
Nada
15 أيام
ردّ على  هاله شحاته

حبيبتي تسلمي ويسلم ذوقك وكلامك

Nedaa
Nedaa
15 أيام

تسلم الايادي تحفة💗💗

Nada
Nada
15 أيام
ردّ على  Nedaa

تسلمي يا قمر

Mero❤️
Mero❤️
15 أيام

تحفة ♥️

Nada
Nada
15 أيام
ردّ على  Mero❤️

عيونك تسلمي يا قمر

Shimooo
Shimooo
15 أيام

تحففففه اووي تسلم ايدك ❤️❤️

Nada
Nada
15 أيام
ردّ على  Shimooo

حبيبتي تسلمي ❤

هناء
هناء
15 أيام

روووعة

Nada
Nada
15 أيام
ردّ على  هناء

عيونك تسلمي يا قمر

Amira osama
Amira osama
15 أيام

خطييير ❤❤❤

Nada
Nada
15 أيام
ردّ على  Amira osama

عيونك تسلمي يا قمر

ضيف
ضيف
15 أيام

تسلم ايدك يا ياسو 🤍🤍🤍🤍

Nada
Nada
15 أيام
ردّ على  ضيف

حبيبتي تسلمي

Malak
Malak
15 أيام

تسلم ايدك يا قلبي

Nada
Nada
15 أيام
ردّ على  Malak

تسلمي يا قمر

منار ياسر
منار ياسر
15 أيام

يجنن مستنين الجديد بفارغ الصبر

Nada
Nada
15 أيام
ردّ على  منار ياسر

حبيبتي تسلمي

ضيف
ضيف
15 أيام

جميله بس نفسي حور تخف بقا وياتري فوزيه شافت ايه

Nada
Nada
15 أيام
ردّ على  ضيف

هنشوف الأحداث ال جاااي ❤️‍🔥

ضيف
ضيف
15 أيام

تحفه بجد روووووووعة

Nada
Nada
15 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر

ضيف
ضيف
15 أيام

تسلم ايدك حبيبتى ♥️🥰
بس ليه القفله دى شوقتينى اووووى 😍🔥🔥🔥

Nada
Nada
15 أيام
ردّ على  ضيف

تسلمي يا قمر ملكة التشويق اتحمسه الفصل ال جاااي❤️‍🔥

ضيف
ضيف
15 أيام

يلا ياجدعان

Nada
Nada
15 أيام
ردّ على  ضيف

♥♥

مروة البحيرى
مروة البحيرى
15 أيام

رووووووووعة

Nada
Nada
15 أيام

عيونك تسلمي يا قمر

مروة البحيرى
مروة البحيرى
15 أيام

تسلم ايدك ياقمر

Nada
Nada
15 أيام

حبيبتي تسلمي ♥

مروة البحيرى
مروة البحيرى
15 أيام

❤️❤️❤️❤️

jojo
jojo
15 أيام

تسلم الايادي بجد البارت تحفة

jojo
jojo
15 أيام

وأخيراً نزل اشتقت بجد🥹

ضيف
ضيف
15 أيام

تحفة تسلم ايدك يا ساره

jojo
jojo
15 أيام

أعتقد أن فوزيه شافت حور ، ممكن يكون نقلها عشان أمان اكتر

jojo
jojo
15 أيام

هو ممكن يكون واحد من المصل مناسب وهي اخدته و هما مقالوش لحد ما يكشفوا إللي عمل كده ؟!🤔

jojo
jojo
15 أيام

نفسي نرجع للأحداث السعيده تاني وحور تخف

جيرمو
جيرمو
15 أيام

جميل فعلا ..ربنا يتم شفاءك على خير و تكملي

جيرمو
جيرمو
15 أيام

جميل فعلا ..ربنا يتم شفاؤك على خير و تكملي

محمد عمرو
محمد عمرو
15 أيام

بارت روعه في وجع وغيره وخوف وحب ومفاجات تسلم ايدك

Rody galal
Rody galal
15 أيام

تسلم ايدك يا سو

اية عبدالرحمن
اية عبدالرحمن
15 أيام

تسلم ايدك

Marwa
Marwa
15 أيام

تسلم ايدك ياقمر البارت تحفة

ضيف
ضيف
15 أيام

جميل

ضيف
ضيف
15 أيام

تحححفه

Sama
Sama
15 أيام

تحفه ي سوسو ❤️❤️❤️

Wafaa Mansour
Wafaa Mansour
15 أيام

تسلم إيدك يا قمر ويارب يقومك بألف سلامة ويشفيكي ويعافيكي ويديم عليكي الصحة والعافية ويباركلك في حياتك يارب

جورى
جورى
15 أيام

برافو

Samar
Samar
15 أيام

تسلم ايدك ♥️

ضيف
ضيف
15 أيام

تسلم يدك يا حبيبتى البارت روعه

كاميليا على
كاميليا على
15 أيام

تسلم ايدك

ضيف
ضيف
15 أيام

تحفه تسلم ايدك

احمد حبيب ماما
احمد حبيب ماما
15 أيام

تسلم ايدك 🌹👍🌹 بس ايه القافله دي ياساحرة القلم حرام عليكي

ضيف
ضيف
15 أيام

معقول تكون حور فاقت وهو جابهه البيت

مريم بشرى
مريم بشرى
15 أيام

جميل جدا جدا تسلم ايدك روعه بجد 💕💖💖💖💖

ضيف
ضيف
15 أيام

تحفة 🥰

ضيف
ضيف
15 أيام

رائع جدا

ضيف
ضيف
15 أيام

طب عايزين نعرف الولية اتسرعت لية

ضيف
ضيف
15 أيام

تسلم ايدك ياسو

ضيف
ضيف
15 أيام

💗💗💗💞

hyam
hyam
15 أيام

طيب انا كيف حنام قبل مااعرف شوصار والله حرام